{"ً":{"ٌ":23604,"ٍ":"تفسير ابن كثير - ط العلمية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/tafktherelmiya/","files":["00_72411.pdf","01_72411.pdf","02_72412.pdf","03_72413.pdf","04_72414.pdf","05_72415.pdf","06_72416.pdf","07_72417.pdf","08_72418.pdf","09_72419.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير القرآن العظيم\nالمؤلف: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)\nوضع حواشيه وعلق عليه: محمد حسين شمس الدين\nالناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\nعدد الأجزاء: ٩ (٨ والفهارس)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":3,"ٕ":3,"ٖ":1770153580,"ٗ":4},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8"],"ٚ":[{"title":"ترجمة ابن كثير","level":1,"page":1},{"title":"شيوخه","level":2,"page":1},{"title":"وفاته","level":2,"page":1},{"title":"مصنفاته","level":2,"page":2},{"title":"أ-المؤلفات المطبوعة","level":3,"page":2},{"title":"١ - تفسير القرآن الكريم","level":4,"page":2},{"title":"٢ - البداية والنهاية","level":4,"page":2},{"title":"٣ - جامع المسانيد والسنن","level":4,"page":2},{"title":"٤ - الاجتهاد في طلب الجهاد","level":4,"page":2},{"title":"٥ - اختصار علوم الحديث","level":4,"page":2},{"title":"٦ - أحاديث التوحيد والرد على الشرك","level":4,"page":3},{"title":"ب-المؤلفات المخطوطة","level":3,"page":3},{"title":"٧ - طبقات الشافعية","level":4,"page":3},{"title":"ج-المؤلفات المفقودة","level":3,"page":3},{"title":"٨ - التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل","level":4,"page":3},{"title":"٩ - الكواكب الدراري في التاريخ","level":4,"page":3},{"title":"١٠ - سيرة الشيخين","level":4,"page":3},{"title":"١١ - الواضح النفيس في مناقب الإمام محمد بن إدريس","level":4,"page":3},{"title":"١٢ - كتاب الأحكام","level":4,"page":3},{"title":"١٣ - الأحكام الكبيرة","level":4,"page":3},{"title":"١٤ - تخريج أحاديث أدلة التنبيه في فروع الشافعية","level":4,"page":3},{"title":"١٥ - اختصار كتاب المدخل إلى كتاب السنن للبيهقي","level":4,"page":3},{"title":"١٦ - شرح صحيح البخاري","level":4,"page":3},{"title":"١٧ - السماع","level":4,"page":3},{"title":"[مقدمة المؤلف]","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة","level":2,"page":12},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":15},{"title":"ذكر ما ورد في فضل الفاتحة","level":2,"page":17},{"title":"الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه","level":2,"page":21},{"title":"الكلام على تفسير الاستعاذة","level":2,"page":23},{"title":"[مسألة]","level":3,"page":25},{"title":"[مسألة]","level":3,"page":26},{"title":"[فصل]","level":3,"page":26},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ١]","level":2,"page":28},{"title":"فصل في فضلها","level":3,"page":30},{"title":"[القول في تأويل الله]","level":3,"page":33},{"title":"القول في تأويل ﴿الرحمن الرحيم﴾","level":3,"page":35},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٢]","level":2,"page":39},{"title":"ذكر أقوال السلف في الحمد","level":3,"page":40},{"title":"[القول في تأويل ﴿رب العالمين﴾]","level":3,"page":41},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٣]","level":2,"page":43},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٤]","level":2,"page":43},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٥]","level":2,"page":45},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٦]","level":2,"page":47},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٧]","level":2,"page":50},{"title":"[فصل في معاني هذه السورة]","level":2,"page":54},{"title":"[فصل في التأمين]","level":2,"page":55},{"title":"تفسير سورة البقرة","level":1,"page":58},{"title":"[ذكر ما ورد في فضلها]","level":2,"page":58},{"title":"(ذكر ما ورد في فضلها مع آل عمران)","level":2,"page":60},{"title":"ذكر ما ورد في فضل السبع الطوال","level":2,"page":62},{"title":"فصل-[البقرة نزلت بالمدينة]","level":2,"page":63},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١]","level":2,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣]","level":2,"page":72},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤]","level":2,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥]","level":2,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦]","level":2,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧]","level":2,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠]","level":2,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣]","level":2,"page":89},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦]","level":2,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":93},{"title":"ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه","level":3,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":96},{"title":"ذكر الحديث الوارد في ذلك","level":3,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":100},{"title":"ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة","level":3,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":104},{"title":"(تنبيه ينبغي الوقوف عليه)","level":3,"page":109},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]","level":2,"page":109},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]","level":2,"page":117},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]","level":2,"page":118},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]","level":2,"page":120},{"title":"ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه","level":3,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":127},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]","level":2,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":137},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]","level":2,"page":142},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":143},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":147},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]","level":2,"page":148},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":151},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٧]","level":2,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]","level":2,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":160},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]","level":2,"page":161},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":163},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٧]","level":2,"page":165},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":171},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]","level":2,"page":174},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦١]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":182},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":182},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٧]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٨ إلى ٧١]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":193},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]","level":2,"page":195},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٥ إلى ٧٧]","level":2,"page":198},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":200},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]","level":2,"page":203},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":204},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٤ إلى ٨٦]","level":2,"page":207},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]","level":2,"page":209},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]","level":2,"page":212},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]","level":2,"page":213},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]","level":2,"page":214},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":215},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]","level":2,"page":216},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٤ إلى ٩٦]","level":2,"page":217},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":2,"page":221},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٩ إلى ١٠٣]","level":2,"page":229},{"title":"ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه","level":3,"page":236},{"title":"(ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين)","level":3,"page":238},{"title":"[فصل]","level":3,"page":247},{"title":"[فصل]","level":3,"page":252},{"title":"[مسألة]","level":3,"page":253},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]","level":2,"page":253},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]","level":2,"page":259},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":2,"page":261},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١١ إلى ١١٣]","level":2,"page":263},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":272},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]","level":2,"page":275},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٩]","level":2,"page":276},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٠ إلى ١٢١]","level":2,"page":278},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٢ إلى ١٢٣]","level":2,"page":280},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]","level":2,"page":280},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]","level":2,"page":286},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٨]","level":2,"page":292},{"title":"ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵇ بمدد طويلة، وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين","level":3,"page":307},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٩]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٢]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٤]","level":2,"page":317},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]","level":2,"page":317},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]","level":2,"page":318},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٧ إلى ١٣٨]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٩ إلى ١٤١]","level":2,"page":320},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":2,"page":321},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]","level":2,"page":327},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]","level":2,"page":330},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]","level":2,"page":330},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٠]","level":2,"page":331},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥١ إلى ١٥٢]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]","level":2,"page":333},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٧]","level":2,"page":335},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٢]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]","level":2,"page":341},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]","level":2,"page":341},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٥ إلى ١٦٧]","level":2,"page":343},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ إلى ١٦٩]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٠ إلى ١٧١]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٣]","level":2,"page":347},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٦]","level":2,"page":349},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]","level":2,"page":351},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٨ إلى ١٧٩]","level":2,"page":354},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٢]","level":2,"page":357},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ إلى ١٨٤]","level":2,"page":360},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]","level":2,"page":364},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]","level":2,"page":372},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]","level":2,"page":381},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٠ إلى ١٩٣]","level":2,"page":383},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]","level":2,"page":386},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]","level":2,"page":390},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]","level":2,"page":398},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]","level":2,"page":406},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٩]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٠ إلى ٢٠٢]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]","level":2,"page":414},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٤ إلى ٢٠٧]","level":2,"page":416},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٨ إلى ٢٠٩]","level":2,"page":419},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]","level":2,"page":420},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١١ إلى ٢١٢]","level":2,"page":421},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]","level":2,"page":422},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]","level":2,"page":424},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٧ إلى ٢١٨]","level":2,"page":426},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٩ إلى ٢٢٠]","level":2,"page":430},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]","level":2,"page":433},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٢ إلى ٢٢٣]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٤ إلى ٢٢٥]","level":2,"page":447},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ إلى ٢٢٧]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]","level":2,"page":453},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٩ إلى ٢٣٠]","level":2,"page":456},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في ذلك","level":3,"page":469},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]","level":2,"page":472},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]","level":2,"page":473},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]","level":2,"page":474},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]","level":2,"page":477},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]","level":2,"page":480},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]","level":2,"page":482},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]","level":2,"page":483},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٨ إلى ٢٣٩]","level":2,"page":485},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٠ إلى ٢٤٢]","level":2,"page":496},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٣ إلى ٢٤٥]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]","level":2,"page":502},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]","level":2,"page":503},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]","level":2,"page":504},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]","level":2,"page":505},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٠ إلى ٢٥٢]","level":2,"page":506},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]","level":2,"page":509},{"title":"وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة","level":3,"page":514},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٦]","level":2,"page":518},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٢ إلى ٢٦٤]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٥]","level":2,"page":530},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٦]","level":2,"page":531},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٧ إلى ٢٦٩]","level":2,"page":532},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٠ إلى ٢٧١]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٢ إلى ٢٧٤]","level":2,"page":538},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]","level":2,"page":543},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٦ إلى ٢٧٧]","level":2,"page":547},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٨ إلى ٢٨١]","level":2,"page":550},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]","level":2,"page":555},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣]","level":2,"page":561},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]","level":2,"page":562},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٥ إلى ٢٨٦]","level":2,"page":566},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما","level":3,"page":566},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":572},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":582},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":584},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":587},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":2,"page":588},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":591},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":593},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]","level":2,"page":594},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":596},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":597},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٨ إلى ٤١]","level":2,"page":600},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":602},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":605},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٨ إلى ٥١]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]","level":2,"page":608},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٣]","level":2,"page":610},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]","level":2,"page":616},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٥ إلى ٦٨]","level":2,"page":618},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٩ إلى ٧٤]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":620},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]","level":2,"page":622},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]","level":2,"page":625},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":2,"page":625},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":627},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٣ إلى ٨٥]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٦ إلى ٨٩]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":2,"page":635},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":2,"page":643},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٩]","level":2,"page":647},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٠ إلى ١١٢]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٣ إلى ١١٧]","level":2,"page":659},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٨ إلى ١٢٠]","level":2,"page":661},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢١ إلى ١٢٣]","level":2,"page":663},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٩]","level":2,"page":666},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٦]","level":2,"page":670},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٧ إلى ١٤٣]","level":2,"page":679},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٨]","level":2,"page":680},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٣]","level":2,"page":684},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٤ إلى ١٥٥]","level":2,"page":696},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٨]","level":2,"page":698},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٤]","level":2,"page":699},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٥ إلى ١٦٨]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٩ إلى ١٧٥]","level":2,"page":710},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٦ إلى ١٨٠]","level":2,"page":721},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ إلى ١٨٤]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٥ إلى ١٨٦]","level":2,"page":725},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٧ إلى ١٨٩]","level":2,"page":728},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٠ إلى ١٩٤]","level":2,"page":730},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٦ إلى ١٩٨]","level":2,"page":738},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٩ إلى ٢٠٠]","level":2,"page":739},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":749},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١]","level":2,"page":750},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢ إلى ٤]","level":2,"page":751},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":2,"page":761},{"title":"ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم","level":3,"page":762},{"title":"ذكر من قال هذه الآية منسوخة بالكلية","level":3,"page":762},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١]","level":2,"page":765},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢]","level":2,"page":770},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":773},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":775},{"title":"ذكر الأحاديث في ذلك","level":3,"page":775},{"title":"أحاديث في ذلك مرسلة","level":4,"page":777},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":2,"page":778},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":785},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٥]","level":2,"page":796},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":802},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":2,"page":803},{"title":"ذكر أقوال السلف في ذلك","level":3,"page":814},{"title":"أقوال ابن عباس في ذلك","level":4,"page":816},{"title":"أقوال التابعين","level":4,"page":816},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٢]","level":2,"page":819},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٣]","level":2,"page":821},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٤]","level":2,"page":825},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٥]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٦]","level":2,"page":829},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":2,"page":834},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":2,"page":836},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":2,"page":840},{"title":"ذكر سبب نزول مشروعية التيمم","level":3,"page":852},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]","level":2,"page":861},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٥]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٨]","level":2,"page":867},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٩]","level":2,"page":870},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٠ إلى ٦٣]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":875},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٦ إلى ٧٠]","level":2,"page":878},{"title":"ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة","level":3,"page":879},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ إلى ٧٤]","level":2,"page":882},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":883},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]","level":2,"page":884},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٤ إلى ٨٧]","level":2,"page":893},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٨ إلى ٩١]","level":2,"page":896},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":2,"page":899},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٤]","level":2,"page":906},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٧ إلى ١٠٠]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠١]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]","level":2,"page":921},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":2,"page":926},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٩]","level":2,"page":927},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٠ إلى ١١٣]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]","level":2,"page":933},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٦ إلى ١٢٢]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]","level":2,"page":945},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٨ إلى ١٣٠]","level":2,"page":946},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣١ إلى ١٣٤]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]","level":2,"page":952},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]","level":2,"page":953},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٧ إلى ١٤٠]","level":2,"page":953},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤١]","level":2,"page":955},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":2,"page":956},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٧]","level":2,"page":959},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ إلى ١٤٩]","level":2,"page":961},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ إلى ١٥٢]","level":2,"page":963},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]","level":2,"page":964},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٩]","level":2,"page":965},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له","level":3,"page":972},{"title":"صفة عيسى ﵇","level":3,"page":982},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٢]","level":2,"page":984},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٣ إلى ١٦٥]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٦ إلى ١٧٠]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧١]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٣]","level":2,"page":996},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٥]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":2,"page":998},{"title":"ذكر الكلام على معناها","level":3,"page":999},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":1004},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1005},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣]","level":2,"page":1012},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤]","level":2,"page":1029},{"title":"ذكر الآثار بذلك","level":3,"page":1031},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥]","level":2,"page":1036},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦]","level":2,"page":1040},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه","level":3,"page":1049},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧ إلى ١١]","level":2,"page":1056},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1059},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٩]","level":2,"page":1064},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٠ إلى ٢٦]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٧ إلى ٣١]","level":2,"page":1074},{"title":"ذكر أقوال المفسرين هاهنا","level":3,"page":1075},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]","level":2,"page":1094},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":1103},{"title":"سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات","level":3,"page":1107},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]","level":2,"page":1110},{"title":"قاعدة مهمة","level":3,"page":1112},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":1115},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":1116},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":1121},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]","level":2,"page":1124},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":1128},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٩ إلى ٦٣]","level":2,"page":1131},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]","level":2,"page":1133},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]","level":2,"page":1137},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":1141},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":1142},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٢ إلى ٧٥]","level":2,"page":1143},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":1145},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٨ إلى ٨١]","level":2,"page":1146},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٢ إلى ٨٦]","level":2,"page":1150},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":1153},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]","level":2,"page":1157},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٠ إلى ٩٣]","level":2,"page":1161},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر","level":3,"page":1162},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":1172},{"title":"ذكر أقوال السلف في هذا المقام","level":3,"page":1177},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٦ إلى ٩٩]","level":2,"page":1178},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٢]","level":2,"page":1183},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":2,"page":1188},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]","level":2,"page":1191},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٨]","level":2,"page":1194},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]","level":2,"page":1200},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٢ إلى ١١٥]","level":2,"page":1203},{"title":"ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٦ إلى ١١٨]","level":2,"page":1209},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٩ إلى ١٢٠]","level":2,"page":1212},{"title":"تفسير سورة الأنعام","level":1,"page":1214},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1215},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧ إلى ١١]","level":2,"page":1217},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢ إلى ١٦]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٧ إلى ٢١]","level":2,"page":1220},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٦]","level":2,"page":1221},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٦]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٠ إلى ٤٥]","level":2,"page":1229},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٦ إلى ٤٩]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٠ إلى ٥٤]","level":2,"page":1232},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٥ إلى ٥٩]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٠ إلى ٦٢]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٥]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٦ إلى ٦٩]","level":2,"page":1249},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":2,"page":1251},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٤ إلى ٧٩]","level":2,"page":1259},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٠ إلى ٨٣]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٤ إلى ٩٠]","level":2,"page":1267},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":1270},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]","level":2,"page":1271},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٥ إلى ٩٧]","level":2,"page":1273},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":1275},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]","level":2,"page":1276},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]","level":2,"page":1277},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":2,"page":1278},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]","level":2,"page":1280},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":1282},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]","level":2,"page":1283},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":2,"page":1284},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]","level":2,"page":1286},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]","level":2,"page":1286},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]","level":2,"page":1289},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":1290},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":1290},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٠]","level":2,"page":1290},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]","level":2,"page":1291},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]","level":2,"page":1297},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٤]","level":2,"page":1298},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]","level":2,"page":1301},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٧]","level":2,"page":1303},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]","level":2,"page":1304},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٩]","level":2,"page":1305},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٠]","level":2,"page":1306},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣١ إلى ١٣٢]","level":2,"page":1307},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٥]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]","level":2,"page":1309},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٨]","level":2,"page":1311},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٩]","level":2,"page":1311},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤١ إلى ١٤٢]","level":2,"page":1313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٣ إلى ١٤٤]","level":2,"page":1316},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]","level":2,"page":1317},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٦]","level":2,"page":1319},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٧]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٨ إلى ١٥٠]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥١]","level":2,"page":1323},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٢]","level":2,"page":1328},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٣]","level":2,"page":1329},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٤ إلى ١٥٥]","level":2,"page":1332},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٧]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٩]","level":2,"page":1339},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٠]","level":2,"page":1340},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٦١ إلى ١٦٣]","level":2,"page":1343},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٤]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]","level":2,"page":1346},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":1349},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1349},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ إلى ٧]","level":2,"page":1349},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1351},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]","level":2,"page":1352},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١]","level":2,"page":1352},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]","level":2,"page":1353},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":2,"page":1354},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1355},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]","level":2,"page":1357},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":1358},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1358},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1360},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]","level":2,"page":1360},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]","level":2,"page":1366},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]","level":2,"page":1368},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]","level":2,"page":1368},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":1369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]","level":2,"page":1369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":1370},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":1371},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":1374},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":1375},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":1376},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":1381},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":1382},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]","level":2,"page":1383},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":1385},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":1387},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]","level":2,"page":1388},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":1389},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ إلى ٦٩]","level":2,"page":1390},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٠ إلى ٧٢]","level":2,"page":1391},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٣ إلى ٧٨]","level":2,"page":1394},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٩]","level":2,"page":1399},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":1400},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٢]","level":2,"page":1400},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":1401},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]","level":2,"page":1402},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":1402},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":1403},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]","level":2,"page":1403},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٣]","level":2,"page":1404},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":1404},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٦ إلى ٩٩]","level":2,"page":1405},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]","level":2,"page":1406},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]","level":2,"page":1407},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٣]","level":2,"page":1408},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٦]","level":2,"page":1409},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":2,"page":1409},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":2,"page":1410},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١١ إلى ١١٢]","level":2,"page":1410},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":2,"page":1411},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٥ إلى ١١٦]","level":2,"page":1411},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ إلى ١٢٢]","level":2,"page":1412},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]","level":2,"page":1412},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٩]","level":2,"page":1414},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٠ إلى ١٣١]","level":2,"page":1415},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٢ إلى ١٣٥]","level":2,"page":1415},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٦ إلى ١٣٧]","level":2,"page":1420},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٨ إلى ١٣٩]","level":2,"page":1420},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٠ إلى ١٤١]","level":2,"page":1421},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٢]","level":2,"page":1421},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]","level":2,"page":1422},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٥]","level":2,"page":1426},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]","level":2,"page":1427},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٨ إلى ١٤٩]","level":2,"page":1428},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٠ إلى ١٥١]","level":2,"page":1429},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٢ إلى ١٥٣]","level":2,"page":1430},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]","level":2,"page":1431},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٦]","level":2,"page":1432},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]","level":2,"page":1435},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]","level":2,"page":1441},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]","level":2,"page":1443},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٢]","level":2,"page":1444},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]","level":2,"page":1444},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٤ إلى ١٦٦]","level":2,"page":1446},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٧]","level":2,"page":1449},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٨ إلى ١٧٠]","level":2,"page":1449},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]","level":2,"page":1451},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٤]","level":2,"page":1452},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٥ إلى ١٧٧]","level":2,"page":1458},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]","level":2,"page":1463},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]","level":2,"page":1464},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]","level":2,"page":1465},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]","level":2,"page":1467},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٢ إلى ١٨٣]","level":2,"page":1467},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٤]","level":2,"page":1468},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]","level":2,"page":1468},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]","level":2,"page":1469},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]","level":2,"page":1469},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]","level":2,"page":1474},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٩ إلى ١٩٠]","level":2,"page":1475},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩١ إلى ١٩٨]","level":2,"page":1479},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٩ إلى ٢٠٠]","level":2,"page":1480},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠١ إلى ٢٠٢]","level":2,"page":1484},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]","level":2,"page":1485},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]","level":2,"page":1485},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٥ إلى ٢٠٦]","level":2,"page":1488},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":1490},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":2,"page":1490},{"title":"(سبب آخر في نزول الآية)","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢ إلى ٤]","level":2,"page":1496},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥ إلى ٨]","level":2,"page":1498},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1503},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":2,"page":1506},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1510},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1513},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]","level":2,"page":1515},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]","level":2,"page":1516},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]","level":2,"page":1517},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٥]","level":2,"page":1519},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]","level":2,"page":1522},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1522},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]","level":2,"page":1524},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]","level":2,"page":1525},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":1528},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":1531},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1534},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1535},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤١]","level":2,"page":1539},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٢]","level":2,"page":1545},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":1548},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":1549},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":2,"page":1550},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":1554},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٢]","level":2,"page":1555},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":1556},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]","level":2,"page":1556},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]","level":2,"page":1556},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":1557},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦١ إلى ٦٣]","level":2,"page":1560},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]","level":2,"page":1563},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]","level":2,"page":1564},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":1567},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]","level":2,"page":1571},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٣]","level":2,"page":1573},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":1574},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":1576},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1576},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣]","level":2,"page":1578},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤]","level":2,"page":1584},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥]","level":2,"page":1584},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦]","level":2,"page":1587},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧]","level":2,"page":1588},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨]","level":2,"page":1588},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":1589},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢]","level":2,"page":1589},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":2,"page":1590},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٦]","level":2,"page":1591},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1592},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":2,"page":1593},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1595},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":2,"page":1597},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":1602},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":1605},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":1606},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":1608},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]","level":2,"page":1614},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]","level":2,"page":1619},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":1622},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]","level":2,"page":1623},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤١]","level":2,"page":1624},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٢]","level":2,"page":1626},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":2,"page":1626},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":1627},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٨]","level":2,"page":1628},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٩]","level":2,"page":1628},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":1629},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":2,"page":1629},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٥]","level":2,"page":1630},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":1630},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":1631},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":2,"page":1632},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦١]","level":2,"page":1636},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":1636},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٤]","level":2,"page":1637},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":1637},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":1639},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]","level":2,"page":1639},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]","level":2,"page":1640},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧١]","level":2,"page":1640},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]","level":2,"page":1641},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":1643},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":2,"page":1648},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]","level":2,"page":1650},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٠]","level":2,"page":1652},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":1653},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٣]","level":2,"page":1656},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]","level":2,"page":1656},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٥]","level":2,"page":1659},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":1659},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":1660},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]","level":2,"page":1660},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩١ إلى ٩٣]","level":2,"page":1661},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٤ إلى ٩٦]","level":2,"page":1663},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٧ إلى ٩٩]","level":2,"page":1663},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٠]","level":2,"page":1664},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]","level":2,"page":1665},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]","level":2,"page":1667},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":2,"page":1668},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٥]","level":2,"page":1670},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٦]","level":2,"page":1671},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":2,"page":1671},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":2,"page":1677},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١١]","level":2,"page":1678},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]","level":2,"page":1678},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":2,"page":1680},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٥ إلى ١١٦]","level":2,"page":1685},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]","level":2,"page":1686},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":1687},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]","level":2,"page":1692},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢١]","level":2,"page":1692},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]","level":2,"page":1693},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]","level":2,"page":1695},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٥]","level":2,"page":1696},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٧]","level":2,"page":1697},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٨ إلى ١٢٩]","level":2,"page":1698},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":1702},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1702},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣]","level":2,"page":1703},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤]","level":2,"page":1704},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1704},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1705},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1705},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١١]","level":2,"page":1707},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٢]","level":2,"page":1707},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1708},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1708},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٧]","level":2,"page":1709},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1711},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٠]","level":2,"page":1712},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":2,"page":1713},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1714},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٦]","level":2,"page":1716},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٧]","level":2,"page":1717},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":1718},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":1719},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":1720},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":2,"page":1721},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":1722},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٥]","level":2,"page":1723},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":1724},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٨ إلى ٥٢]","level":2,"page":1725},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":1725},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":1726},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":1726},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":1726},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦١]","level":2,"page":1728},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]","level":2,"page":1728},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٥ إلى ٦٧]","level":2,"page":1732},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":2,"page":1733},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":2,"page":1733},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٤]","level":2,"page":1734},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":2,"page":1735},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٩ إلى ٨٢]","level":2,"page":1736},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]","level":2,"page":1737},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٤ إلى ٨٦]","level":2,"page":1738},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٧]","level":2,"page":1738},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":1739},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]","level":2,"page":1740},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٣]","level":2,"page":1743},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٤ إلى ٩٧]","level":2,"page":1744},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]","level":2,"page":1745},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":1746},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠١ إلى ١٠٣]","level":2,"page":1747},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٧]","level":2,"page":1747},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٩]","level":2,"page":1748},{"title":"سورة هود","level":1,"page":1749},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1749},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥]","level":2,"page":1750},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦]","level":2,"page":1751},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1752},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":1755},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1755},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1756},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٧]","level":2,"page":1757},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٨ إلى ٢٢]","level":2,"page":1758},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1760},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":2,"page":1761},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٨]","level":2,"page":1762},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":1762},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣١]","level":2,"page":1762},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":1763},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٥]","level":2,"page":1763},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٣٦ إلى ٣٩]","level":2,"page":1763},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٠]","level":2,"page":1765},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":2,"page":1766},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٤]","level":2,"page":1767},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":1769},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٨]","level":2,"page":1770},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٩]","level":2,"page":1771},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":2,"page":1771},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٣ إلى ٥٦]","level":2,"page":1772},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٧ إلى ٦٠]","level":2,"page":1772},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦١]","level":2,"page":1773},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":1773},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٤ إلى ٦٨]","level":2,"page":1774},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٩ إلى ٧٣]","level":2,"page":1774},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":1776},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]","level":2,"page":1776},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":1778},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":1780},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٤]","level":2,"page":1781},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":1782},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٧]","level":2,"page":1782},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٨]","level":2,"page":1783},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":2,"page":1784},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":1785},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]","level":2,"page":1785},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٦ إلى ٩٩]","level":2,"page":1786},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]","level":2,"page":1786},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٢]","level":2,"page":1787},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٥]","level":2,"page":1787},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":1788},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٨]","level":2,"page":1789},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٩ إلى ١١١]","level":2,"page":1790},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]","level":2,"page":1790},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]","level":2,"page":1791},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":1796},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":1797},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٠]","level":2,"page":1798},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٢١ إلى ١٢٢]","level":2,"page":1798},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٣]","level":2,"page":1799},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":1800},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1800},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤]","level":2,"page":1803},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥]","level":2,"page":1804},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦]","level":2,"page":1805},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":2,"page":1805},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1806},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1807},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٥]","level":2,"page":1807},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":2,"page":1808},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1809},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1811},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]","level":2,"page":1812},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]","level":2,"page":1813},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":2,"page":1815},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٠ إلى ٣٤]","level":2,"page":1816},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]","level":2,"page":1818},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٦]","level":2,"page":1819},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":1820},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":1820},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]","level":2,"page":1821},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]","level":2,"page":1822},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٣ إلى ٤٩]","level":2,"page":1822},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٠ إلى ٥٣]","level":2,"page":1824},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":1825},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":1826},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٨ إلى ٦٢]","level":2,"page":1827},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":1828},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":1829},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":1829},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٩]","level":2,"page":1830},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٠ إلى ٧٢]","level":2,"page":1830},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٣ إلى ٧٦]","level":2,"page":1830},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]","level":2,"page":1831},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":1832},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٠ إلى ٨٢]","level":2,"page":1833},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٣ إلى ٨٦]","level":2,"page":1833},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":1835},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٩ إلى ٩٢]","level":2,"page":1836},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]","level":2,"page":1837},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٦ إلى ٩٨]","level":2,"page":1838},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":1839},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]","level":2,"page":1841},{"title":"(ذكر من قال ذلك)","level":3,"page":1843},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٤]","level":2,"page":1844},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]","level":2,"page":1845},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٨]","level":2,"page":1848},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]","level":2,"page":1849},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]","level":2,"page":1850},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١١]","level":2,"page":1852},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":1854},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١]","level":2,"page":1854},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢]","level":2,"page":1854},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1856},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٥]","level":2,"page":1857},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٦]","level":2,"page":1858},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٧]","level":2,"page":1859},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1860},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1861},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1865},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]","level":2,"page":1869},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]","level":2,"page":1870},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]","level":2,"page":1870},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]","level":2,"page":1871},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]","level":2,"page":1873},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٩]","level":2,"page":1873},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]","level":2,"page":1874},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]","level":2,"page":1876},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]","level":2,"page":1876},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":1877},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]","level":2,"page":1882},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]","level":2,"page":1883},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]","level":2,"page":1885},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]","level":2,"page":1885},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":1886},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1888},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":1889},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":1892},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]","level":2,"page":1893},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]","level":2,"page":1894},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":1896},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1896},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]","level":2,"page":1897},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]","level":2,"page":1897},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1898},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]","level":2,"page":1899},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":2,"page":1901},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٣ إلى ١٧]","level":2,"page":1902},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]","level":2,"page":1905},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1905},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢١]","level":2,"page":1906},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1907},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":1909},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٧]","level":2,"page":1911},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":1923},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]","level":2,"page":1925},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":1926},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":1927},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]","level":2,"page":1928},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٨ إلى ٤١]","level":2,"page":1929},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":1929},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":2,"page":1930},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":1931},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":2,"page":1934},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]","level":2,"page":1936},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":1937},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1937},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1939},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦ إلى ٩]","level":2,"page":1939},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":1940},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1940},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ إلى ٢٠]","level":2,"page":1940},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":2,"page":1942},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":1944},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٨ إلى ٣٣]","level":2,"page":1945},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٨]","level":2,"page":1946},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٩ إلى ٤٤]","level":2,"page":1946},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ إلى ٥٠]","level":2,"page":1948},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":2,"page":1951},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ إلى ٦٠]","level":2,"page":1951},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦١ إلى ٦٤]","level":2,"page":1951},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":1952},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٧ إلى ٧٢]","level":2,"page":1952},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٣ إلى ٧٧]","level":2,"page":1953},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":1954},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٠ إلى ٨٤]","level":2,"page":1954},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":1955},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":1955},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٩ إلى ٩٣]","level":2,"page":1957},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٤ إلى ٩٩]","level":2,"page":1960},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":1963},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١]","level":2,"page":1963},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢]","level":2,"page":1964},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1964},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1965},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨]","level":2,"page":1965},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩]","level":2,"page":1967},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1968},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1969},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٤ إلى ١٨]","level":2,"page":1969},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":1971},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1971},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1972},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":1973},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":1974},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":2,"page":1974},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":1975},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]","level":2,"page":1976},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1977},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":1978},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":1979},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":1980},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":1981},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥١ إلى ٥٥]","level":2,"page":1981},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٦ إلى ٦٠]","level":2,"page":1982},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":1983},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٥]","level":2,"page":1984},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":1985},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":1986},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]","level":2,"page":1989},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧١]","level":2,"page":1989},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]","level":2,"page":1990},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":1992},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٥]","level":2,"page":1992},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]","level":2,"page":1992},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]","level":2,"page":1993},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٠ إلى ٨٣]","level":2,"page":1994},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٨]","level":2,"page":1995},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]","level":2,"page":1997},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]","level":2,"page":1998},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":2000},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٣ إلى ٩٦]","level":2,"page":2002},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٧]","level":2,"page":2003},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٨ إلى ١٠٠]","level":2,"page":2004},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]","level":2,"page":2004},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]","level":2,"page":2005},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]","level":2,"page":2006},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٩]","level":2,"page":2006},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":2,"page":2008},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]","level":2,"page":2009},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٤ إلى ١١٧]","level":2,"page":2010},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":2011},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٣]","level":2,"page":2011},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]","level":2,"page":2012},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٥]","level":2,"page":2013},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٨]","level":2,"page":2014},{"title":"تفسير سورة الإسراء","level":1,"page":2016},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١]","level":2,"page":2016},{"title":"(ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء","level":3,"page":2017},{"title":"رواية أنس بن مالك ﵁","level":4,"page":2017},{"title":"رواية أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة","level":5,"page":2025},{"title":"رواية أنس عن أبي ذر","level":5,"page":2028},{"title":"رواية أنس عن أبي بن كعب الأنصاري ﵁","level":5,"page":2029},{"title":"رواية بريدة بن الحصيب الأسلمي","level":4,"page":2030},{"title":"رواية جابر بن عبد الله ﵁","level":4,"page":2031},{"title":"رواية حذيفة بن اليمان ﵁","level":4,"page":2031},{"title":"رواية أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري","level":4,"page":2032},{"title":"رواية شداد بن أوس","level":4,"page":2036},{"title":"رواية عبد الله بن عباس ﵄","level":4,"page":2038},{"title":"رواية عبد الله بن مسعود ﵁","level":4,"page":2040},{"title":"رواية عبد الرحمن بن قرظ أخي عبد الله بن قرظ الثمالي","level":4,"page":2042},{"title":"رواية عمر بن الخطاب ﵁","level":4,"page":2042},{"title":"رواية أبي هريرة وهي مطولة جدا وفيها غرابة","level":4,"page":2043},{"title":"رواية جماعة من الصحابة ممن تقدم وغيرهم","level":4,"page":2050},{"title":"رواية عائشة أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":2051},{"title":"رواية أم هانئ بنت أبي طالب","level":4,"page":2051},{"title":"[فائدة حسنة جليلة]","level":3,"page":2054},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":2055},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤ إلى ٨]","level":2,"page":2056},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":2058},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]","level":2,"page":2058},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٢]","level":2,"page":2059},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":2060},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٥]","level":2,"page":2062},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]","level":2,"page":2070},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٧]","level":2,"page":2070},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":2071},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":2071},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٢]","level":2,"page":2072},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":2072},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٥]","level":2,"page":2075},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":2076},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":2077},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]","level":2,"page":2079},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]","level":2,"page":2079},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]","level":2,"page":2080},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":2081},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]","level":2,"page":2082},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":2082},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٩]","level":2,"page":2084},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]","level":2,"page":2084},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤١]","level":2,"page":2085},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":2085},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٤]","level":2,"page":2085},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":2088},{"title":"[قول آخر في الآية]","level":3,"page":2089},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":2089},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]","level":2,"page":2091},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٣]","level":2,"page":2093},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":2093},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":2094},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٨]","level":2,"page":2095},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]","level":2,"page":2095},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]","level":2,"page":2097},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":2098},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٣ إلى ٦٥]","level":2,"page":2099},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٦]","level":2,"page":2100},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٧]","level":2,"page":2101},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٨]","level":2,"page":2101},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٩]","level":2,"page":2101},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]","level":2,"page":2102},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":2103},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٣ إلى ٧٥]","level":2,"page":2104},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":2104},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":2105},{"title":"[ذكر من قال ذلك]","level":3,"page":2107},{"title":"[حديث أبي بن كعب]","level":3,"page":2109},{"title":"[حديث أنس بن مالك]","level":3,"page":2109},{"title":"[حديث بريدة ﵁]","level":3,"page":2111},{"title":"[حديث كعب بن مالك ﵁]","level":3,"page":2112},{"title":"[حديث أبي الدرداء ﵁]","level":3,"page":2112},{"title":"[حديث أبي هريرة ﵁]","level":3,"page":2113},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":2115},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]","level":2,"page":2116},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":2116},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]","level":2,"page":2117},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٦ إلى ٨٩]","level":2,"page":2120},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ إلى ٩٣]","level":2,"page":2121},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":2124},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]","level":2,"page":2125},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٧]","level":2,"page":2125},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":2126},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٠]","level":2,"page":2126},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠١ إلى ١٠٤]","level":2,"page":2127},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":2,"page":2129},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٩]","level":2,"page":2130},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":2,"page":2130},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":2134},{"title":"[ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال]","level":2,"page":2134},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":2135},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":2137},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":2,"page":2138},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":2,"page":2140},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٧]","level":2,"page":2142},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٨]","level":2,"page":2143},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":2144},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]","level":2,"page":2145},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]","level":2,"page":2147},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":2148},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":2149},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":2150},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]","level":2,"page":2152},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":2154},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٢ إلى ٣٦]","level":2,"page":2155},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٧ إلى ٤١]","level":2,"page":2155},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":2157},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":2158},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":2,"page":2161},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]","level":2,"page":2164},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]","level":2,"page":2166},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":2166},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٤]","level":2,"page":2167},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":2168},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":2,"page":2168},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٠ إلى ٦٥]","level":2,"page":2169},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٦ إلى ٧٠]","level":2,"page":2176},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":2,"page":2177},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":2178},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":2179},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]","level":2,"page":2179},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":2179},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]","level":2,"page":2180},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":2183},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٥ إلى ٨٨]","level":2,"page":2185},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٩ إلى ٩١]","level":2,"page":2187},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٢ إلى ٩٦]","level":2,"page":2188},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٧ إلى ٩٩]","level":2,"page":2190},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٢]","level":2,"page":2193},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٦]","level":2,"page":2193},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":2,"page":2195},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]","level":2,"page":2195},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]","level":2,"page":2196},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":2200},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":2200},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧]","level":2,"page":2202},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":2203},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":2204},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":2,"page":2204},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٦ إلى ٢١]","level":2,"page":2206},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":2209},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":2211},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٧ إلى ٣٣]","level":2,"page":2213},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":2,"page":2217},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":2219},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤١ إلى ٤٥]","level":2,"page":2221},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]","level":2,"page":2221},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":2222},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":2223},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":2224},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":2226},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]","level":2,"page":2227},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":2228},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦١ إلى ٦٣]","level":2,"page":2231},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":2233},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٦ إلى ٧٠]","level":2,"page":2235},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":2236},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":2240},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]","level":2,"page":2241},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٦]","level":2,"page":2242},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٧ إلى ٨٠]","level":2,"page":2242},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨١ إلى ٨٤]","level":2,"page":2244},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٥ إلى ٨٧]","level":2,"page":2245},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ إلى ٩٥]","level":2,"page":2248},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٦ إلى ٩٨]","level":2,"page":2249},{"title":"سورة طه","level":1,"page":2253},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١ إلى ٨]","level":2,"page":2253},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":2256},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١ إلى ١٦]","level":2,"page":2257},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٧ إلى ٢١]","level":2,"page":2259},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٢ إلى ٣٥]","level":2,"page":2260},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]","level":2,"page":2263},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٠ إلى ٤٤]","level":2,"page":2272},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]","level":2,"page":2274},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]","level":2,"page":2275},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٣ إلى ٥٦]","level":2,"page":2276},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":2,"page":2277},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٠ إلى ٦٤]","level":2,"page":2277},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٥ إلى ٧٠]","level":2,"page":2279},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":2,"page":2280},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":2281},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]","level":2,"page":2283},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٠ إلى ٨٢]","level":2,"page":2284},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٣ إلى ٨٩]","level":2,"page":2285},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":2287},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]","level":2,"page":2287},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٥ إلى ٩٨]","level":2,"page":2288},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٩ إلى ١٠١]","level":2,"page":2290},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٤]","level":2,"page":2290},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٨]","level":2,"page":2291},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٩ إلى ١١٢]","level":2,"page":2292},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":2,"page":2293},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٥ إلى ١٢٢]","level":2,"page":2294},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]","level":2,"page":2296},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٧]","level":2,"page":2298},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٨ إلى ١٣٠]","level":2,"page":2298},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣١ إلى ١٣٢]","level":2,"page":2300},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٥]","level":2,"page":2302},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":2303},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":2303},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":2305},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠ إلى ١٥]","level":2,"page":2306},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٦ إلى ٢٠]","level":2,"page":2307},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":2,"page":2308},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":2309},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":2,"page":2309},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":2,"page":2310},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":2312},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":2313},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":2314},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":2,"page":2314},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":2,"page":2315},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":2317},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":2,"page":2318},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٧ إلى ٦٣]","level":2,"page":2319},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٤ إلى ٦٧]","level":2,"page":2320},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":2,"page":2321},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧١ إلى ٧٥]","level":2,"page":2323},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":2324},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٨ إلى ٨٢]","level":2,"page":2324},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":2328},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":2332},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":2334},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":2,"page":2337},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩١]","level":2,"page":2338},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]","level":2,"page":2339},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٥ إلى ٩٧]","level":2,"page":2339},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٨ إلى ١٠٣]","level":2,"page":2344},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]","level":2,"page":2348},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]","level":2,"page":2350},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٨ إلى ١١٢]","level":2,"page":2353},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":2354},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":2354},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":2359},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":2360},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":2364},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":2364},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٤]","level":2,"page":2366},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":2366},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٧]","level":2,"page":2367},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]","level":2,"page":2367},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":2,"page":2369},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":2371},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]","level":2,"page":2372},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":2376},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":2377},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":2381},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":2383},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":2386},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]","level":2,"page":2387},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]","level":2,"page":2391},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٨]","level":2,"page":2393},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":2393},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤١]","level":2,"page":2396},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٦]","level":2,"page":2397},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":2398},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":2,"page":2400},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":2,"page":2400},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]","level":2,"page":2403},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٨ إلى ٦٠]","level":2,"page":2404},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":2406},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٦]","level":2,"page":2406},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]","level":2,"page":2408},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٠]","level":2,"page":2408},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":2409},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":2410},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":2411},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":2411},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":2414},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ إلى ١١]","level":2,"page":2414},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ إلى ١٦]","level":2,"page":2419},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٧]","level":2,"page":2422},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٨ إلى ٢٢]","level":2,"page":2423},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":2425},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]","level":2,"page":2425},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣١ إلى ٤١]","level":2,"page":2426},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":2426},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٩]","level":2,"page":2427},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٠]","level":2,"page":2427},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":2,"page":2428},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٧ إلى ٦١]","level":2,"page":2430},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٢ إلى ٦٧]","level":2,"page":2432},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٨ إلى ٧٥]","level":2,"page":2433},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٦ إلى ٨٣]","level":2,"page":2437},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ إلى ٩٠]","level":2,"page":2438},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":2440},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٣ إلى ٩٨]","level":2,"page":2441},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":2442},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠١ إلى ١٠٤]","level":2,"page":2444},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]","level":2,"page":2446},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٨ إلى ١١١]","level":2,"page":2447},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٢ إلى ١١٦]","level":2,"page":2448},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٧ إلى ١١٨]","level":2,"page":2449},{"title":"سورة النور","level":1,"page":2451},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":2451},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣]","level":2,"page":2455},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":2458},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٦ إلى ١٠]","level":2,"page":2459},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١١]","level":2,"page":2464},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":2473},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":2474},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":2,"page":2475},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٩]","level":2,"page":2475},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":2476},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]","level":2,"page":2477},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":2477},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]","level":2,"page":2480},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":2481},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٠]","level":2,"page":2486},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣١]","level":2,"page":2489},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":2495},{"title":"ذكر الآثار الواردة في ذلك","level":3,"page":2498},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]","level":2,"page":2500},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":2504},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":2512},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":2514},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":2514},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٥]","level":2,"page":2515},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٦]","level":2,"page":2515},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٢]","level":2,"page":2516},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":2517},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]","level":2,"page":2518},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":2522},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٨ إلى ٦٠]","level":2,"page":2523},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦١]","level":2,"page":2526},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]","level":2,"page":2529},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]","level":2,"page":2529},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٤]","level":2,"page":2531},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":2532},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":2532},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣]","level":2,"page":2533},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":2533},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧ إلى ١٤]","level":2,"page":2535},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":2537},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":2,"page":2538},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]","level":2,"page":2539},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":2,"page":2540},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":2,"page":2544},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":2546},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":2547},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٥ إلى ٤٠]","level":2,"page":2548},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":2550},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":2551},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":2552},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥١ إلى ٥٤]","level":2,"page":2553},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٥ إلى ٦٠]","level":2,"page":2555},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":2557},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٣ إلى ٦٧]","level":2,"page":2558},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٨ إلى ٧١]","level":2,"page":2561},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٢ إلى ٧٤]","level":2,"page":2566},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٥ إلى ٧٧]","level":2,"page":2568},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":2570},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ إلى ٩]","level":2,"page":2570},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ إلى ٢٢]","level":2,"page":2571},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٣ إلى ٢٨]","level":2,"page":2572},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٧]","level":2,"page":2574},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٨ إلى ٤٨]","level":2,"page":2574},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":2,"page":2576},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٢ إلى ٥٩]","level":2,"page":2576},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٠ إلى ٦٨]","level":2,"page":2577},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ إلى ٧٧]","level":2,"page":2579},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٨ إلى ٨٢]","level":2,"page":2580},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٣ إلى ٨٩]","level":2,"page":2581},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٠ إلى ١٠٤]","level":2,"page":2583},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ إلى ١١٠]","level":2,"page":2584},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١١ إلى ١١٥]","level":2,"page":2584},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٦ إلى ١٢٢]","level":2,"page":2584},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٣ إلى ١٣٥]","level":2,"page":2585},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣٦ إلى ١٤٠]","level":2,"page":2586},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤١ إلى ١٤٥]","level":2,"page":2587},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٦ إلى ١٥٢]","level":2,"page":2588},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٩]","level":2,"page":2589},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٤]","level":2,"page":2590},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٥ إلى ١٧٥]","level":2,"page":2590},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ إلى ١٨٠]","level":2,"page":2591},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨١ إلى ١٨٤]","level":2,"page":2591},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٥ إلى ١٩١]","level":2,"page":2592},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ إلى ١٩٥]","level":2,"page":2594},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٦ إلى ١٩٩]","level":2,"page":2594},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٠ إلى ٢٠٩]","level":2,"page":2595},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٠ إلى ٢١٢]","level":2,"page":2596},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٣ إلى ٢٢٠]","level":2,"page":2597},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ إلى ٢٢٧]","level":2,"page":2603},{"title":"تفسير سورة النمل","level":1,"page":2609},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":2609},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧ إلى ١٤]","level":2,"page":2610},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":2,"page":2612},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":2614},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٦]","level":2,"page":2616},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٧ إلى ٣١]","level":2,"page":2618},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":2,"page":2619},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":2619},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":2620},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":2622},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":2626},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٨ إلى ٥٣]","level":2,"page":2627},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٨]","level":2,"page":2628},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":2629},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦١]","level":2,"page":2631},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٢]","level":2,"page":2631},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٣]","level":2,"page":2634},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٤]","level":2,"page":2634},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":2635},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ إلى ٧٠]","level":2,"page":2636},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧١ إلى ٧٥]","level":2,"page":2636},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٦ إلى ٨١]","level":2,"page":2637},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]","level":2,"page":2638},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٦]","level":2,"page":2641},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٧ إلى ٩٠]","level":2,"page":2642},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٩١ إلى ٩٣]","level":2,"page":2644},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":2646},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":2646},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":2647},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":2649},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":2,"page":2650},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":2651},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٠]","level":2,"page":2651},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":2,"page":2651},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":2,"page":2653},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٩ إلى ٣٢]","level":2,"page":2658},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":2660},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":2661},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٨ إلى ٤٢]","level":2,"page":2661},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]","level":2,"page":2663},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":2,"page":2663},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٨ إلى ٥١]","level":2,"page":2665},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٢ إلى ٥٥]","level":2,"page":2667},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":2669},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":2671},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":2672},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٧]","level":2,"page":2672},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":2,"page":2674},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":2,"page":2674},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":2675},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":2675},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٨]","level":2,"page":2676},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":2,"page":2677},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":2678},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":2680},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٥ إلى ٨٨]","level":2,"page":2681},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":2685},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":2685},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":2686},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":2686},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":2687},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":2688},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":2689},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":2,"page":2691},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٩ إلى ٢٣]","level":2,"page":2692},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":2693},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":2694},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":2697},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣١ إلى ٣٥]","level":2,"page":2698},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":2699},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":2699},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":2,"page":2700},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":2701},{"title":"[ذكر الآثار الواردة في ذلك]","level":3,"page":2701},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٦]","level":2,"page":2704},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":2,"page":2705},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":2,"page":2707},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٣ إلى ٥٥]","level":2,"page":2709},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٦ إلى ٦٠]","level":2,"page":2710},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦١ إلى ٦٣]","level":2,"page":2712},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]","level":2,"page":2712},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]","level":2,"page":2713},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":2715},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ إلى ٧]","level":2,"page":2715},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":2723},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١١ إلى ١٦]","level":2,"page":2724},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":2,"page":2724},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":2725},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":2726},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":2727},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":2728},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":2729},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":2,"page":2730},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٧]","level":2,"page":2733},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":2734},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":2735},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":2,"page":2736},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":2737},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٨ إلى ٥١]","level":2,"page":2737},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":2739},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]","level":2,"page":2739},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]","level":2,"page":2740},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٨ إلى ٦٠]","level":2,"page":2740},{"title":"(ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر)","level":3,"page":2741},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":2743},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":2743},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":2743},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":2745},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":2745},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]","level":2,"page":2746},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":2,"page":2748},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":2,"page":2749},{"title":"فصل في الخمول والتواضع","level":3,"page":2753},{"title":"(باب ما جاء في الشهرة)","level":3,"page":2754},{"title":"[فصل في حسن الخلق]","level":3,"page":2755},{"title":"[فصل في ذم الكبر]","level":3,"page":2756},{"title":"[فصل في الاختيال]","level":3,"page":2757},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":2758},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":2,"page":2758},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":2759},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":2759},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":2761},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":2761},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٣]","level":2,"page":2762},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]","level":2,"page":2763},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":2768},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":2768},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":2768},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":2769},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":2770},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":2771},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":2772},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٨ إلى ٢٢]","level":2,"page":2777},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":2779},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":2780},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":2781},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":2783},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":2783},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":2783},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]","level":2,"page":2787},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":2790},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":2791},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":2796},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":2,"page":2797},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":2797},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]","level":2,"page":2798},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":2798},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":2799},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]","level":2,"page":2802},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":2803},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":2807},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":2810},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":2811},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]","level":2,"page":2819},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]","level":2,"page":2823},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]","level":2,"page":2825},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]","level":2,"page":2828},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":2828},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":2832},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]","level":2,"page":2835},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]","level":2,"page":2837},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]","level":2,"page":2839},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]","level":2,"page":2842},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]","level":2,"page":2844},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":2847},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٥]","level":2,"page":2852},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]","level":2,"page":2852},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":2871},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]","level":2,"page":2873},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٣ إلى ٦٨]","level":2,"page":2874},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]","level":2,"page":2875},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":2878},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":2879},{"title":"تفسير سورة سبأ","level":1,"page":2884},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":2884},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣ إلى ٦]","level":2,"page":2884},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":2885},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":2886},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":2888},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٤]","level":2,"page":2890},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":2893},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":2897},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":2901},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":2902},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٧]","level":2,"page":2905},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":2906},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":2907},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٩]","level":2,"page":2908},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":2,"page":2911},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":2,"page":2912},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]","level":2,"page":2912},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":2,"page":2913},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٥١ إلى ٥٤]","level":2,"page":2914},{"title":"تفسير سورة فاطر","level":1,"page":2919},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١]","level":2,"page":2919},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]","level":2,"page":2919},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣]","level":2,"page":2920},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":2920},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":2921},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":2922},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٢]","level":2,"page":2925},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":2926},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":2,"page":2927},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ إلى ٢٦]","level":2,"page":2928},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":2929},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":2931},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣١]","level":2,"page":2931},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٢]","level":2,"page":2931},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":2936},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":2937},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":2942},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":2942},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":2944},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":2945},{"title":"تفسير سورة يس","level":1,"page":2946},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١ إلى ٧]","level":2,"page":2947},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٨ إلى ١٢]","level":2,"page":2948},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٣ إلى ١٧]","level":2,"page":2952},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":2953},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٠ إلى ٢٥]","level":2,"page":2954},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":2,"page":2955},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":2,"page":2958},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٦]","level":2,"page":2959},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":2,"page":2959},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":2963},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":2964},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":2964},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥١ إلى ٥٤]","level":2,"page":2965},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]","level":2,"page":2966},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]","level":2,"page":2967},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٧]","level":2,"page":2968},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":2,"page":2970},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":2,"page":2976},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":2976},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٧ إلى ٨٠]","level":2,"page":2977},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٨١ إلى ٨٣]","level":2,"page":2979},{"title":"تفسير سورة الصافات","level":1,"page":2981},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":2981},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦ إلى ١٠]","level":2,"page":2982},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١ إلى ١٩]","level":2,"page":2983},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٦]","level":2,"page":2984},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٧ إلى ٣٧]","level":2,"page":2985},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":2987},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٠ إلى ٦١]","level":2,"page":2990},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ إلى ٧٠]","level":2,"page":2994},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧١ إلى ٧٤]","level":2,"page":2997},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٥ إلى ٨٢]","level":2,"page":2997},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٧]","level":2,"page":2998},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٨ إلى ٩٨]","level":2,"page":2999},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٩ إلى ١١٣]","level":2,"page":3000},{"title":"[فصل] في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو","level":3,"page":3006},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٤ إلى ١٢٢]","level":2,"page":3009},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٣ إلى ١٣٢]","level":2,"page":3010},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٨]","level":2,"page":3011},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٨]","level":2,"page":3012},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٩ إلى ١٦٠]","level":2,"page":3015},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ إلى ١٧٠]","level":2,"page":3016},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧١ إلى ١٧٩]","level":2,"page":3018},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٢]","level":2,"page":3019},{"title":"سورة ص","level":1,"page":3021},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3021},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤ إلى ١١]","level":2,"page":3023},{"title":"[ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمة]","level":3,"page":3023},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٢ إلى ١٦]","level":2,"page":3026},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":2,"page":3027},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":2,"page":3029},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٦]","level":2,"page":3031},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":3032},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":2,"page":3032},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٤ إلى ٤٠]","level":2,"page":3035},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":3042},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]","level":2,"page":3044},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ إلى ٥٤]","level":2,"page":3045},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٥ إلى ٦٤]","level":2,"page":3046},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٥ إلى ٧٠]","level":2,"page":3048},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧١ إلى ٨٥]","level":2,"page":3049},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٦ إلى ٨٨]","level":2,"page":3050},{"title":"تفسير سورة الزمر","level":1,"page":3052},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3052},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":3053},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":3054},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]","level":2,"page":3055},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":2,"page":3057},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":2,"page":3057},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":3058},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":3058},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":3060},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]","level":2,"page":3061},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":3062},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٧ إلى ٣١]","level":2,"page":3063},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":2,"page":3066},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]","level":2,"page":3067},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":3068},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":2,"page":3069},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]","level":2,"page":3070},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]","level":2,"page":3072},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٣ إلى ٥٩]","level":2,"page":3073},{"title":"[ذكر أحاديث فيها نفي القنوط]","level":3,"page":3075},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":3078},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٢ إلى ٦٦]","level":2,"page":3078},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٧]","level":2,"page":3079},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":2,"page":3082},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":3084},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":3085},{"title":"ذكر سعة أبواب الجنة","level":3,"page":3088},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]","level":2,"page":3091},{"title":"تفسير سورة غافر","level":1,"page":3092},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3093},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":3094},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":3095},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":2,"page":3097},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":3100},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":2,"page":3101},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":3103},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٧]","level":2,"page":3103},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":3104},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٠ إلى ٣٥]","level":2,"page":3107},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":3108},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":3109},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤١ إلى ٤٦]","level":2,"page":3109},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":2,"page":3113},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":2,"page":3114},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":2,"page":3116},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]","level":2,"page":3117},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ إلى ٦٥]","level":2,"page":3119},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٦ إلى ٦٨]","level":2,"page":3120},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٩ إلى ٧٦]","level":2,"page":3121},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":3122},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":2,"page":3122},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٢ إلى ٨٥]","level":2,"page":3123},{"title":"سورة فصلت","level":1,"page":3125},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3125},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":3127},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":2,"page":3128},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٣ إلى ١٨]","level":2,"page":3132},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ إلى ٢٤]","level":2,"page":3133},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":2,"page":3137},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":2,"page":3138},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ إلى ٣٦]","level":2,"page":3142},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":2,"page":3144},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٠ إلى ٤٣]","level":2,"page":3145},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":3146},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]","level":2,"page":3147},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":2,"page":3148},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":2,"page":3148},{"title":"تفسير سورة الشورى","level":1,"page":3151},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":3151},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":3153},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":2,"page":3155},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":3156},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٥]","level":2,"page":3157},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":2,"page":3158},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":2,"page":3159},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":3160},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":2,"page":3165},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":2,"page":3167},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":2,"page":3169},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٦ إلى ٣٩]","level":2,"page":3170},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٠ إلى ٤٣]","level":2,"page":3172},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":2,"page":3174},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":3175},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":3176},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":3177},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":3178},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ٨]","level":2,"page":3178},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٩ إلى ١٤]","level":2,"page":3179},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة","level":3,"page":3180},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٥ إلى ٢٠]","level":2,"page":3182},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":2,"page":3183},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ إلى ٣٥]","level":2,"page":3184},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ إلى ٤٥]","level":2,"page":3187},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ إلى ٥٠]","level":2,"page":3189},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":2,"page":3190},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٧ إلى ٦٥]","level":2,"page":3192},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٦ إلى ٧٣]","level":2,"page":3196},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ إلى ٨٠]","level":2,"page":3198},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨١ إلى ٨٩]","level":2,"page":3199},{"title":"تفسير سورة الدخان","level":1,"page":3203},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":2,"page":3203},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٩ إلى ١٦]","level":2,"page":3204},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٧ إلى ٣٣]","level":2,"page":3209},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":2,"page":3213},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ إلى ٤٢]","level":2,"page":3216},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ إلى ٥٠]","level":2,"page":3216},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ إلى ٥٩]","level":2,"page":3218},{"title":"تفسير سورة الجاثية","level":1,"page":3221},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3221},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٦ إلى ١١]","level":2,"page":3221},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":2,"page":3222},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ إلى ٢٠]","level":2,"page":3223},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":2,"page":3224},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":3225},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":3227},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ إلى ٣٧]","level":2,"page":3228},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":3230},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":3230},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":3231},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":2,"page":3233},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":3235},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":2,"page":3238},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":2,"page":3240},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":3243},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٢]","level":2,"page":3244},{"title":"[ذكر الروايات عنه بذلك]","level":3,"page":3246},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":3259},{"title":"سورة محمد","level":1,"page":3261},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3261},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ إلى ٩]","level":2,"page":3261},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":3265},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":3266},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":2,"page":3269},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]","level":2,"page":3271},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٤ إلى ٢٨]","level":2,"page":3274},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":2,"page":3275},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":2,"page":3276},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":3277},{"title":"تفسير سورة الفتح","level":1,"page":3279},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3279},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٤ إلى ٧]","level":2,"page":3282},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":3283},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في ذلك","level":3,"page":3284},{"title":"ذكر سبب هذه البيعة العظيمة","level":3,"page":3285},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":2,"page":3290},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٥]","level":2,"page":3291},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":3292},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":3293},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]","level":2,"page":3294},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":3297},{"title":"وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقضية الصلح","level":3,"page":3299},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":3309},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]","level":2,"page":3314},{"title":"تفسير سورة الحجرات","level":1,"page":3318},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3318},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":3322},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":3323},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":3327},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١١]","level":2,"page":3329},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢]","level":2,"page":3330},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]","level":2,"page":3338},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٤ إلى ١٨]","level":2,"page":3341},{"title":"تفسير سورة ق","level":1,"page":3344},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3345},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٦ إلى ١١]","level":2,"page":3347},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":2,"page":3348},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٦ إلى ٢٢]","level":2,"page":3349},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٩]","level":2,"page":3353},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٠ إلى ٣٥]","level":2,"page":3355},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]","level":2,"page":3359},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ إلى ٤٥]","level":2,"page":3362},{"title":"تفسيرسورة الذاريات","level":1,"page":3364},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ إلى ١٤]","level":2,"page":3364},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٥ إلى ٢٣]","level":2,"page":3366},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ إلى ٣٠]","level":2,"page":3370},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣١ إلى ٣٧]","level":2,"page":3371},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ إلى ٤٦]","level":2,"page":3372},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٧ إلى ٥١]","level":2,"page":3373},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٢ إلى ٦٠]","level":2,"page":3373},{"title":"تفسير سورة الطور","level":1,"page":3375},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ إلى ١٦]","level":2,"page":3375},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":2,"page":3379},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢١ إلى ٢٨]","level":2,"page":3380},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٩ إلى ٣٤]","level":2,"page":3383},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٥ إلى ٤٣]","level":2,"page":3384},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٩]","level":2,"page":3385},{"title":"تفسير سورة النجم","level":1,"page":3388},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3388},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥ إلى ١٨]","level":2,"page":3390},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ إلى ٢٦]","level":2,"page":3400},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]","level":2,"page":3403},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":3404},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ إلى ٤١]","level":2,"page":3408},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٢ إلى ٥٥]","level":2,"page":3410},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٦ إلى ٦٢]","level":2,"page":3411},{"title":"تفسير سورة القمر","level":1,"page":3413},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3413},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في ذلك","level":3,"page":3415},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":3418},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ إلى ١٧]","level":2,"page":3419},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ إلى ٢٢]","level":2,"page":3421},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٣ إلى ٣٢]","level":2,"page":3421},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٣ إلى ٤٠]","level":2,"page":3422},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤١ إلى ٤٦]","level":2,"page":3423},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٥]","level":2,"page":3424},{"title":"تفسير سورة الرحمن","level":1,"page":3429},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ إلى ١٣]","level":2,"page":3430},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":3432},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]","level":2,"page":3434},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ إلى ٣٦]","level":2,"page":3436},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ إلى ٤٥]","level":2,"page":3437},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٦ إلى ٥٣]","level":2,"page":3440},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٤ إلى ٦١]","level":2,"page":3442},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ إلى ٧٨]","level":2,"page":3445},{"title":"تفسير سورة الواقعة","level":1,"page":3450},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ إلى ١٢]","level":2,"page":3451},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ إلى ٢٦]","level":2,"page":3454},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٧ إلى ٤٠]","level":2,"page":3461},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤١ إلى ٥٦]","level":2,"page":3472},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٧ إلى ٦٢]","level":2,"page":3474},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":3475},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ إلى ٨٢]","level":2,"page":3477},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٣ إلى ٨٧]","level":2,"page":3481},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ إلى ٩٦]","level":2,"page":3482},{"title":"تفسير سورة الحديد","level":1,"page":3486},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3486},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":3489},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٧ إلى ١١]","level":2,"page":3491},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":2,"page":3496},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":3499},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":3502},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":3503},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":2,"page":3505},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٥]","level":2,"page":3506},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":3507},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":3510},{"title":"تفسير سورة المجادلة","level":1,"page":3513},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]","level":2,"page":3513},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٢ إلى ٤]","level":2,"page":3514},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":3519},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":3520},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]","level":2,"page":3523},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":3526},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٤ إلى ١٩]","level":2,"page":3528},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":2,"page":3530},{"title":"تفسير سورة الحشر","level":1,"page":3533},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3533},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":3541},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":3545},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١١ إلى ١٧]","level":2,"page":3550},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":2,"page":3552},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":2,"page":3554},{"title":"تفسير سورة الممتحنة","level":1,"page":3558},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3558},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":3563},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":3564},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":3567},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]","level":2,"page":3570},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]","level":2,"page":3577},{"title":"تفسير سورة الصف","level":1,"page":3578},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3579},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":3582},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":3585},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":3585},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٤]","level":2,"page":3586},{"title":"تفسير سورة الجمعة","level":1,"page":3588},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3588},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٥ إلى ٨]","level":2,"page":3590},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":3591},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]","level":2,"page":3595},{"title":"تفسير سورة المنافقون","level":1,"page":3597},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3597},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٥ إلى ٨]","level":2,"page":3598},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":3604},{"title":"تفسير سورة التغابن","level":1,"page":3606},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3606},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":3607},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":2,"page":3607},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":3608},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ إلى ١٨]","level":2,"page":3609},{"title":"تفسير سورة الطلاق","level":1,"page":3612},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]","level":2,"page":3612},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":3615},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":3618},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":3621},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٨ إلى ١١]","level":2,"page":3623},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]","level":2,"page":3624},{"title":"تفسير سورة التحريم","level":1,"page":3627},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3627},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":3635},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":3639},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":3640},{"title":"تفسير سورة الملك","level":1,"page":3642},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3643},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ إلى ١١]","level":2,"page":3645},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":2,"page":3646},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":2,"page":3647},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٧]","level":2,"page":3648},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":3649},{"title":"تفسير سورة القلم","level":1,"page":3650},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ إلى ٧]","level":2,"page":3650},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ إلى ١٦]","level":2,"page":3656},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ إلى ٣٣]","level":2,"page":3660},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٤ إلى ٤١]","level":2,"page":3662},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٧]","level":2,"page":3663},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٨ إلى ٥٢]","level":2,"page":3665},{"title":"تفسير سورة الحاقة","level":1,"page":3672},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ إلى ١٢]","level":2,"page":3672},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٣ إلى ١٨]","level":2,"page":3674},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٩ إلى ٢٤]","level":2,"page":3676},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٥ إلى ٣٧]","level":2,"page":3678},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٣]","level":2,"page":3679},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٤ إلى ٥٢]","level":2,"page":3680},{"title":"تفسير سورة المعارج","level":1,"page":3681},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ إلى ٧]","level":2,"page":3681},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٨ إلى ١٨]","level":2,"page":3686},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ إلى ٣٥]","level":2,"page":3687},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٤]","level":2,"page":3689},{"title":"تفسير سورة نوح","level":1,"page":3691},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3692},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ إلى ٢٠]","level":2,"page":3692},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":2,"page":3694},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":2,"page":3696},{"title":"تفسير سورة الجن","level":1,"page":3698},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ إلى ٧]","level":2,"page":3698},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":3700},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١١ إلى ١٧]","level":2,"page":3701},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٨ إلى ٢٤]","level":2,"page":3703},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":2,"page":3705},{"title":"تفسير سورة المزمل","level":1,"page":3707},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ إلى ٩]","level":2,"page":3707},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٠ إلى ١٨]","level":2,"page":3713},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":3715},{"title":"تفسير سورة المدثر","level":1,"page":3717},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ إلى ١٠]","level":2,"page":3717},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ إلى ٣٠]","level":2,"page":3721},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣١ إلى ٣٧]","level":2,"page":3725},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٨ إلى ٥٦]","level":2,"page":3728},{"title":"تفسير سورة القيامة","level":1,"page":3730},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ إلى ١٥]","level":2,"page":3730},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ إلى ٢٥]","level":2,"page":3733},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ إلى ٤٠]","level":2,"page":3736},{"title":"تفسير سورة الإنسان","level":1,"page":3739},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3739},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٤ إلى ١٢]","level":2,"page":3741},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٣ إلى ٢٢]","level":2,"page":3744},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٣ إلى ٣١]","level":2,"page":3747},{"title":"تفسير سورة المرسلات","level":1,"page":3748},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ إلى ١٥]","level":2,"page":3749},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":3750},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":3751},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ إلى ٥٠]","level":2,"page":3752},{"title":"تفسير سورة النبأ","level":1,"page":3753},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ إلى ١٦]","level":2,"page":3753},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ إلى ٣٠]","level":2,"page":3756},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ إلى ٣٦]","level":2,"page":3759},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":2,"page":3759},{"title":"تفسير سورة النازعات","level":1,"page":3761},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ إلى ١٤]","level":2,"page":3761},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":3763},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٧ إلى ٣٣]","level":2,"page":3764},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٤ إلى ٤٦]","level":2,"page":3766},{"title":"تفسير سورة عبس","level":1,"page":3767},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ إلى ١٦]","level":2,"page":3767},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٧ إلى ٣٢]","level":2,"page":3770},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ إلى ٤٢]","level":2,"page":3773},{"title":"تفسير سورة التكوير","level":1,"page":3775},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ إلى ١٤]","level":2,"page":3775},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ إلى ٢٩]","level":2,"page":3781},{"title":"تفسير سورة الانفطار","level":1,"page":3785},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ١٢]","level":2,"page":3786},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ إلى ١٩]","level":2,"page":3789},{"title":"تفسير سورة المطففين","level":1,"page":3789},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":3789},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٧ إلى ١٧]","level":2,"page":3792},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ إلى ٢٨]","level":2,"page":3795},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٦]","level":2,"page":3796},{"title":"تفسير سورة الانشقاق","level":1,"page":3797},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ إلى ١٥]","level":2,"page":3798},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ إلى ٢٥]","level":2,"page":3800},{"title":"تفسير سورة البروج","level":1,"page":3803},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ إلى ١٠]","level":2,"page":3804},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١١ إلى ٢٢]","level":2,"page":3812},{"title":"تفسير سورة الطارق","level":1,"page":3814},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ إلى ١٠]","level":2,"page":3815},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١١ إلى ١٧]","level":2,"page":3816},{"title":"تفسير سورة الأعلى","level":1,"page":3817},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ إلى ١٣]","level":2,"page":3818},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ إلى ١٩]","level":2,"page":3820},{"title":"تفسير سورة الغاشية","level":1,"page":3823},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ إلى ٧]","level":2,"page":3823},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ إلى ١٦]","level":2,"page":3824},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ إلى ٢٦]","level":2,"page":3825},{"title":"تفسير سورة الفجر","level":1,"page":3827},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ إلى ١٤]","level":2,"page":3828},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ إلى ٢٠]","level":2,"page":3835},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢١ إلى ٣٠]","level":2,"page":3836},{"title":"تفسير سورة البلد","level":1,"page":3838},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ إلى ١٠]","level":2,"page":3838},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ إلى ٢٠]","level":2,"page":3841},{"title":"تفسير سورة الشمس","level":1,"page":3845},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ إلى ١٠]","level":2,"page":3845},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ إلى ١٥]","level":2,"page":3848},{"title":"تفسير سورة الليل","level":1,"page":3849},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ إلى ١١]","level":2,"page":3850},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٢ إلى ٢١]","level":2,"page":3854},{"title":"تفسير سورة الضحى","level":1,"page":3856},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ١١]","level":2,"page":3857},{"title":"تفسير سورة الشرح","level":1,"page":3862},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":2,"page":3862},{"title":"تفسير سورة التين","level":1,"page":3866},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ١ إلى ٨]","level":2,"page":3866},{"title":"تفسير سورة العلق","level":1,"page":3868},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3868},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ إلى ١٩]","level":2,"page":3869},{"title":"تفسير سورة القدر","level":1,"page":3871},{"title":"[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3871},{"title":"تفسير سورة البينة","level":1,"page":3882},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3885},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":3886},{"title":"تفسير سورة الزلزلة","level":1,"page":3886},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ إلى ٨]","level":2,"page":3888},{"title":"تفسير سورة العاديات","level":1,"page":3892},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ١١]","level":2,"page":3892},{"title":"تفسير سورة القارعة","level":1,"page":3894},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ إلى ١١]","level":2,"page":3894},{"title":"تفسير سورة التكاثر","level":1,"page":3897},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ إلى ٨]","level":2,"page":3897},{"title":"تفسير سورة العصر","level":1,"page":3903},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3903},{"title":"تفسير سورة الهمزة","level":1,"page":3904},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ إلى ٩]","level":2,"page":3904},{"title":"تفسير سورة الفيل","level":1,"page":3905},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3905},{"title":"تفسير سورة قريش","level":1,"page":3913},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3913},{"title":"تفسير سورة الماعون","level":1,"page":3914},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ إلى ٧]","level":2,"page":3914},{"title":"تفسير سورة الكوثر","level":1,"page":3918},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3918},{"title":"تفسير سورة الكافرون","level":1,"page":3924},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":3926},{"title":"تفسير سورة النصر","level":1,"page":3927},{"title":"[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":3928},{"title":"تفسير سورة المسد","level":1,"page":3932},{"title":"[سورة المسد (١١١): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3932},{"title":"تفسير سورة الإخلاص","level":1,"page":3935},{"title":"(ذكر سبب نزولها وفضلها)","level":2,"page":3935},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":3944},{"title":"تفسير سورة الفلق","level":1,"page":3946},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":3950},{"title":"تفسير سورة الناس","level":1,"page":3954},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":3954}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528,"1,532":529,"1,533":530,"1,534":531,"1,535":532,"1,536":533,"1,537":534,"1,538":535,"1,539":536,"1,540":537,"1,541":538,"1,542":539,"1,543":540,"1,544":541,"1,545":542,"1,546":543,"1,547":544,"1,548":545,"1,549":546,"1,550":547,"1,551":548,"1,552":549,"1,553":550,"1,554":551,"1,555":552,"1,556":553,"1,557":554,"1,558":555,"1,559":556,"1,560":557,"1,561":558,"1,562":559,"1,563":560,"1,564":561,"1,565":562,"1,566":563,"1,567":564,"1,568":565,"1,569":566,"1,570":567,"1,571":568,"1,572":569,"1,573":570,"1,574":571,"2,3":572,"2,4":573,"2,5":574,"2,6":575,"2,7":576,"2,8":577,"2,9":578,"2,10":579,"2,11":580,"2,12":581,"2,13":582,"2,14":583,"2,15":584,"2,16":585,"2,17":586,"2,18":587,"2,19":588,"2,20":589,"2,21":590,"2,22":591,"2,23":592,"2,24":593,"2,25":594,"2,26":595,"2,27":596,"2,28":597,"2,29":598,"2,30":599,"2,31":600,"2,32":601,"2,33":602,"2,34":603,"2,35":604,"2,36":605,"2,37":606,"2,38":607,"2,39":608,"2,40":609,"2,41":610,"2,42":611,"2,43":612,"2,44":613,"2,45":614,"2,46":615,"2,47":616,"2,48":617,"2,49":618,"2,50":619,"2,51":620,"2,52":621,"2,53":622,"2,54":623,"2,55":624,"2,56":625,"2,57":626,"2,58":627,"2,59":628,"2,60":629,"2,61":630,"2,62":631,"2,63":632,"2,64":633,"2,65":634,"2,66":635,"2,67":636,"2,68":637,"2,69":638,"2,70":639,"2,71":640,"2,72":641,"2,73":642,"2,74":643,"2,75":644,"2,76":645,"2,77":646,"2,78":647,"2,79":648,"2,80":649,"2,81":650,"2,82":651,"2,83":652,"2,84":653,"2,85":654,"2,86":655,"2,87":656,"2,88":657,"2,89":658,"2,90":659,"2,91":660,"2,92":661,"2,93":662,"2,94":663,"2,95":664,"2,96":665,"2,97":666,"2,98":667,"2,99":668,"2,100":669,"2,101":670,"2,102":671,"2,103":672,"2,104":673,"2,105":674,"2,106":675,"2,107":676,"2,108":677,"2,109":678,"2,110":679,"2,111":680,"2,112":681,"2,113":682,"2,114":683,"2,115":684,"2,116":685,"2,117":686,"2,118":687,"2,119":688,"2,120":689,"2,121":690,"2,122":691,"2,123":692,"2,124":693,"2,125":694,"2,126":695,"2,127":696,"2,128":697,"2,129":698,"2,130":699,"2,131":700,"2,132":701,"2,133":702,"2,134":703,"2,135":704,"2,136":705,"2,137":706,"2,138":707,"2,139":708,"2,140":709,"2,141":710,"2,142":711,"2,143":712,"2,144":713,"2,145":714,"2,146":715,"2,147":716,"2,148":717,"2,149":718,"2,150":719,"2,151":720,"2,152":721,"2,153":722,"2,154":723,"2,155":724,"2,156":725,"2,157":726,"2,158":727,"2,159":728,"2,160":729,"2,161":730,"2,162":731,"2,163":732,"2,164":733,"2,165":734,"2,166":735,"2,167":736,"2,168":737,"2,169":738,"2,170":739,"2,171":740,"2,172":741,"2,173":742,"2,174":743,"2,175":744,"2,176":745,"2,177":746,"2,178":747,"2,179":748,"2,180":749,"2,181":750,"2,182":751,"2,183":752,"2,184":753,"2,185":754,"2,186":755,"2,187":756,"2,188":757,"2,189":758,"2,190":759,"2,191":760,"2,192":761,"2,193":762,"2,194":763,"2,195":764,"2,196":765,"2,197":766,"2,198":767,"2,199":768,"2,200":769,"2,201":770,"2,202":771,"2,203":772,"2,204":773,"2,205":774,"2,206":775,"2,207":776,"2,208":777,"2,209":778,"2,210":779,"2,211":780,"2,212":781,"2,213":782,"2,214":783,"2,215":784,"2,216":785,"2,217":786,"2,218":787,"2,219":788,"2,220":789,"2,221":790,"2,222":791,"2,223":792,"2,224":793,"2,225":794,"2,226":795,"2,227":796,"2,228":797,"2,229":798,"2,230":799,"2,231":800,"2,232":801,"2,233":802,"2,234":803,"2,235":804,"2,236":805,"2,237":806,"2,238":807,"2,239":808,"2,240":809,"2,241":810,"2,242":811,"2,243":812,"2,244":813,"2,245":814,"2,246":815,"2,247":816,"2,248":817,"2,249":818,"2,250":819,"2,251":820,"2,252":821,"2,253":822,"2,254":823,"2,255":824,"2,256":825,"2,257":826,"2,258":827,"2,259":828,"2,260":829,"2,261":830,"2,262":831,"2,263":832,"2,264":833,"2,265":834,"2,266":835,"2,267":836,"2,268":837,"2,269":838,"2,270":839,"2,271":840,"2,272":841,"2,273":842,"2,274":843,"2,275":844,"2,276":845,"2,277":846,"2,278":847,"2,279":848,"2,280":849,"2,281":850,"2,282":851,"2,283":852,"2,284":853,"2,285":854,"2,286":855,"2,287":856,"2,288":857,"2,289":858,"2,290":859,"2,291":860,"2,292":861,"2,293":862,"2,294":863,"2,295":864,"2,296":865,"2,297":866,"2,298":867,"2,299":868,"2,300":869,"2,301":870,"2,302":871,"2,303":872,"2,304":873,"2,305":874,"2,306":875,"2,307":876,"2,308":877,"2,309":878,"2,310":879,"2,311":880,"2,312":881,"2,313":882,"2,314":883,"2,315":884,"2,316":885,"2,317":886,"2,318":887,"2,319":888,"2,320":889,"2,321":890,"2,322":891,"2,323":892,"2,324":893,"2,325":894,"2,326":895,"2,327":896,"2,328":897,"2,329":898,"2,330":899,"2,331":900,"2,332":901,"2,333":902,"2,334":903,"2,335":904,"2,336":905,"2,337":906,"2,338":907,"2,339":908,"2,340":909,"2,341":910,"2,342":911,"2,343":912,"2,344":913,"2,345":914,"2,346":915,"2,347":916,"2,348":917,"2,349":918,"2,350":919,"2,351":920,"2,352":921,"2,353":922,"2,354":923,"2,355":924,"2,356":925,"2,357":926,"2,358":927,"2,359":928,"2,360":929,"2,361":930,"2,362":931,"2,363":932,"2,364":933,"2,365":934,"2,366":935,"2,367":936,"2,368":937,"2,369":938,"2,370":939,"2,371":940,"2,372":941,"2,373":942,"2,374":943,"2,375":944,"2,376":945,"2,377":946,"2,378":947,"2,379":948,"2,380":949,"2,381":950,"2,382":951,"2,383":952,"2,384":953,"2,385":954,"2,386":955,"2,387":956,"2,388":957,"2,389":958,"2,390":959,"2,391":960,"2,392":961,"2,393":962,"2,394":963,"2,395":964,"2,396":965,"2,397":966,"2,398":967,"2,399":968,"2,400":969,"2,401":970,"2,402":971,"2,403":972,"2,404":973,"2,405":974,"2,406":975,"2,407":976,"2,408":977,"2,409":978,"2,410":979,"2,411":980,"2,412":981,"2,413":982,"2,414":983,"2,415":984,"2,416":985,"2,417":986,"2,418":987,"2,419":988,"2,420":989,"2,421":990,"2,422":991,"2,423":992,"2,424":993,"2,425":994,"2,426":995,"2,427":996,"2,428":997,"2,429":998,"2,430":999,"2,431":1000,"2,432":1001,"2,433":1002,"2,434":1003,"3,3":1004,"3,4":1005,"3,5":1006,"3,6":1007,"3,7":1008,"3,8":1009,"3,9":1010,"3,10":1011,"3,11":1012,"3,12":1013,"3,13":1014,"3,14":1015,"3,15":1016,"3,16":1017,"3,17":1018,"3,18":1019,"3,19":1020,"3,20":1021,"3,21":1022,"3,22":1023,"3,23":1024,"3,24":1025,"3,25":1026,"3,26":1027,"3,27":1028,"3,28":1029,"3,29":1030,"3,30":1031,"3,31":1032,"3,32":1033,"3,33":1034,"3,34":1035,"3,35":1036,"3,36":1037,"3,37":1038,"3,38":1039,"3,39":1040,"3,40":1041,"3,41":1042,"3,42":1043,"3,43":1044,"3,44":1045,"3,45":1046,"3,46":1047,"3,47":1048,"3,48":1049,"3,49":1050,"3,50":1051,"3,51":1052,"3,52":1053,"3,53":1054,"3,54":1055,"3,55":1056,"3,56":1057,"3,57":1058,"3,58":1059,"3,59":1060,"3,60":1061,"3,61":1062,"3,62":1063,"3,63":1064,"3,64":1065,"3,65":1066,"3,66":1067,"3,67":1068,"3,68":1069,"3,69":1070,"3,70":1071,"3,71":1072,"3,72":1073,"3,73":1074,"3,74":1075,"3,75":1076,"3,76":1077,"3,77":1078,"3,78":1079,"3,79":1080,"3,80":1081,"3,81":1082,"3,82":1083,"3,83":1084,"3,84":1085,"3,85":1086,"3,86":1087,"3,87":1088,"3,88":1089,"3,89":1090,"3,90":1091,"3,91":1092,"3,92":1093,"3,93":1094,"3,94":1095,"3,95":1096,"3,96":1097,"3,97":1098,"3,98":1099,"3,99":1100,"3,100":1101,"3,101":1102,"3,102":1103,"3,103":1104,"3,104":1105,"3,105":1106,"3,106":1107,"3,107":1108,"3,108":1109,"3,109":1110,"3,110":1111,"3,111":1112,"3,112":1113,"3,113":1114,"3,114":1115,"3,115":1116,"3,116":1117,"3,117":1118,"3,118":1119,"3,119":1120,"3,120":1121,"3,121":1122,"3,122":1123,"3,123":1124,"3,124":1125,"3,125":1126,"3,126":1127,"3,127":1128,"3,128":1129,"3,129":1130,"3,130":1131,"3,131":1132,"3,132":1133,"3,133":1134,"3,134":1135,"3,135":1136,"3,136":1137,"3,137":1138,"3,138":1139,"3,139":1140,"3,140":1141,"3,141":1142,"3,142":1143,"3,143":1144,"3,144":1145,"3,145":1146,"3,146":1147,"3,147":1148,"3,148":1149,"3,149":1150,"3,150":1151,"3,151":1152,"3,152":1153,"3,153":1154,"3,154":1155,"3,155":1156,"3,156":1157,"3,157":1158,"3,158":1159,"3,159":1160,"3,160":1161,"3,161":1162,"3,162":1163,"3,163":1164,"3,164":1165,"3,165":1166,"3,166":1167,"3,167":1168,"3,168":1169,"3,169":1170,"3,170":1171,"3,171":1172,"3,172":1173,"3,173":1174,"3,174":1175,"3,175":1176,"3,176":1177,"3,177":1178,"3,178":1179,"3,179":1180,"3,180":1181,"3,181":1182,"3,182":1183,"3,183":1184,"3,184":1185,"3,185":1186,"3,186":1187,"3,187":1188,"3,188":1189,"3,189":1190,"3,190":1191,"3,191":1192,"3,192":1193,"3,193":1194,"3,194":1195,"3,195":1196,"3,196":1197,"3,197":1198,"3,198":1199,"3,199":1200,"3,200":1201,"3,201":1202,"3,202":1203,"3,203":1204,"3,204":1205,"3,205":1206,"3,206":1207,"3,207":1208,"3,208":1209,"3,209":1210,"3,210":1211,"3,211":1212,"3,212":1213,"3,213":1214,"3,214":1215,"3,215":1216,"3,216":1217,"3,217":1218,"3,218":1219,"3,219":1220,"3,220":1221,"3,221":1222,"3,222":1223,"3,223":1224,"3,224":1225,"3,225":1226,"3,226":1227,"3,227":1228,"3,228":1229,"3,229":1230,"3,230":1231,"3,231":1232,"3,232":1233,"3,233":1234,"3,234":1235,"3,235":1236,"3,236":1237,"3,237":1238,"3,238":1239,"3,239":1240,"3,240":1241,"3,241":1242,"3,242":1243,"3,243":1244,"3,244":1245,"3,245":1246,"3,246":1247,"3,247":1248,"3,248":1249,"3,249":1250,"3,250":1251,"3,251":1252,"3,252":1253,"3,253":1254,"3,254":1255,"3,255":1256,"3,256":1257,"3,257":1258,"3,258":1259,"3,259":1260,"3,260":1261,"3,261":1262,"3,262":1263,"3,263":1264,"3,264":1265,"3,265":1266,"3,266":1267,"3,267":1268,"3,268":1269,"3,269":1270,"3,270":1271,"3,271":1272,"3,272":1273,"3,273":1274,"3,274":1275,"3,275":1276,"3,276":1277,"3,277":1278,"3,278":1279,"3,279":1280,"3,280":1281,"3,281":1282,"3,282":1283,"3,283":1284,"3,284":1285,"3,285":1286,"3,286":1287,"3,287":1288,"3,288":1289,"3,289":1290,"3,290":1291,"3,291":1292,"3,292":1293,"3,293":1294,"3,294":1295,"3,295":1296,"3,296":1297,"3,297":1298,"3,298":1299,"3,299":1300,"3,300":1301,"3,301":1302,"3,302":1303,"3,303":1304,"3,304":1305,"3,305":1306,"3,306":1307,"3,307":1308,"3,308":1309,"3,309":1310,"3,310":1311,"3,311":1312,"3,312":1313,"3,313":1314,"3,314":1315,"3,315":1316,"3,316":1317,"3,317":1318,"3,318":1319,"3,319":1320,"3,320":1321,"3,321":1322,"3,322":1323,"3,323":1324,"3,324":1325,"3,325":1326,"3,326":1327,"3,327":1328,"3,328":1329,"3,329":1330,"3,330":1331,"3,331":1332,"3,332":1333,"3,333":1334,"3,334":1335,"3,335":1336,"3,336":1337,"3,337":1338,"3,338":1339,"3,339":1340,"3,340":1341,"3,341":1342,"3,342":1343,"3,343":1344,"3,344":1345,"3,345":1346,"3,346":1347,"3,347":1348,"3,348":1349,"3,349":1350,"3,350":1351,"3,351":1352,"3,352":1353,"3,353":1354,"3,354":1355,"3,355":1356,"3,356":1357,"3,357":1358,"3,358":1359,"3,359":1360,"3,360":1361,"3,361":1362,"3,362":1363,"3,363":1364,"3,364":1365,"3,365":1366,"3,366":1367,"3,367":1368,"3,368":1369,"3,369":1370,"3,370":1371,"3,371":1372,"3,372":1373,"3,373":1374,"3,374":1375,"3,375":1376,"3,376":1377,"3,377":1378,"3,378":1379,"3,379":1380,"3,380":1381,"3,381":1382,"3,382":1383,"3,383":1384,"3,384":1385,"3,385":1386,"3,386":1387,"3,387":1388,"3,388":1389,"3,389":1390,"3,390":1391,"3,391":1392,"3,392":1393,"3,393":1394,"3,394":1395,"3,395":1396,"3,396":1397,"3,397":1398,"3,398":1399,"3,399":1400,"3,400":1401,"3,401":1402,"3,402":1403,"3,403":1404,"3,404":1405,"3,405":1406,"3,406":1407,"3,407":1408,"3,408":1409,"3,409":1410,"3,410":1411,"3,411":1412,"3,412":1413,"3,413":1414,"3,414":1415,"3,415":1416,"3,416":1417,"3,417":1418,"3,418":1419,"3,419":1420,"3,420":1421,"3,421":1422,"3,422":1423,"3,423":1424,"3,424":1425,"3,425":1426,"3,426":1427,"3,427":1428,"3,428":1429,"3,429":1430,"3,430":1431,"3,431":1432,"3,432":1433,"3,433":1434,"3,434":1435,"3,435":1436,"3,436":1437,"3,437":1438,"3,438":1439,"3,439":1440,"3,440":1441,"3,441":1442,"3,442":1443,"3,443":1444,"3,444":1445,"3,445":1446,"3,446":1447,"3,447":1448,"3,448":1449,"3,449":1450,"3,450":1451,"3,451":1452,"3,452":1453,"3,453":1454,"3,454":1455,"3,455":1456,"3,456":1457,"3,457":1458,"3,458":1459,"3,459":1460,"3,460":1461,"3,461":1462,"3,462":1463,"3,463":1464,"3,464":1465,"3,465":1466,"3,466":1467,"3,467":1468,"3,468":1469,"3,469":1470,"3,470":1471,"3,471":1472,"3,472":1473,"3,473":1474,"3,474":1475,"3,475":1476,"3,476":1477,"3,477":1478,"3,478":1479,"3,479":1480,"3,480":1481,"3,481":1482,"3,482":1483,"3,483":1484,"3,484":1485,"3,485":1486,"3,486":1487,"3,487":1488,"3,488":1489,"4,3":1490,"4,4":1491,"4,5":1492,"4,6":1493,"4,7":1494,"4,8":1495,"4,9":1496,"4,10":1497,"4,11":1498,"4,12":1499,"4,13":1500,"4,14":1501,"4,15":1502,"4,16":1503,"4,17":1504,"4,18":1505,"4,19":1506,"4,20":1507,"4,21":1508,"4,22":1509,"4,23":1510,"4,24":1511,"4,25":1512,"4,26":1513,"4,27":1514,"4,28":1515,"4,29":1516,"4,30":1517,"4,31":1518,"4,32":1519,"4,33":1520,"4,34":1521,"4,35":1522,"4,36":1523,"4,37":1524,"4,38":1525,"4,39":1526,"4,40":1527,"4,41":1528,"4,42":1529,"4,43":1530,"4,44":1531,"4,45":1532,"4,46":1533,"4,47":1534,"4,48":1535,"4,49":1536,"4,50":1537,"4,51":1538,"4,52":1539,"4,53":1540,"4,54":1541,"4,55":1542,"4,56":1543,"4,57":1544,"4,58":1545,"4,59":1546,"4,60":1547,"4,61":1548,"4,62":1549,"4,63":1550,"4,64":1551,"4,65":1552,"4,66":1553,"4,67":1554,"4,68":1555,"4,69":1556,"4,70":1557,"4,71":1558,"4,72":1559,"4,73":1560,"4,74":1561,"4,75":1562,"4,76":1563,"4,77":1564,"4,78":1565,"4,79":1566,"4,80":1567,"4,81":1568,"4,82":1569,"4,83":1570,"4,84":1571,"4,85":1572,"4,86":1573,"4,87":1574,"4,88":1575,"4,89":1576,"4,90":1577,"4,91":1578,"4,92":1579,"4,93":1580,"4,94":1581,"4,95":1582,"4,96":1583,"4,97":1584,"4,98":1585,"4,99":1586,"4,100":1587,"4,101":1588,"4,102":1589,"4,103":1590,"4,104":1591,"4,105":1592,"4,106":1593,"4,107":1594,"4,108":1595,"4,109":1596,"4,110":1597,"4,111":1598,"4,112":1599,"4,113":1600,"4,114":1601,"4,115":1602,"4,116":1603,"4,117":1604,"4,118":1605,"4,119":1606,"4,120":1607,"4,121":1608,"4,122":1609,"4,123":1610,"4,124":1611,"4,125":1612,"4,126":1613,"4,127":1614,"4,128":1615,"4,129":1616,"4,130":1617,"4,131":1618,"4,132":1619,"4,133":1620,"4,134":1621,"4,135":1622,"4,136":1623,"4,137":1624,"4,138":1625,"4,139":1626,"4,140":1627,"4,141":1628,"4,142":1629,"4,143":1630,"4,144":1631,"4,145":1632,"4,146":1633,"4,147":1634,"4,148":1635,"4,149":1636,"4,150":1637,"4,151":1638,"4,152":1639,"4,153":1640,"4,154":1641,"4,155":1642,"4,156":1643,"4,157":1644,"4,158":1645,"4,159":1646,"4,160":1647,"4,161":1648,"4,162":1649,"4,163":1650,"4,164":1651,"4,165":1652,"4,166":1653,"4,167":1654,"4,168":1655,"4,169":1656,"4,170":1657,"4,171":1658,"4,172":1659,"4,173":1660,"4,174":1661,"4,175":1662,"4,176":1663,"4,177":1664,"4,178":1665,"4,179":1666,"4,180":1667,"4,181":1668,"4,182":1669,"4,183":1670,"4,184":1671,"4,185":1672,"4,186":1673,"4,187":1674,"4,188":1675,"4,189":1676,"4,190":1677,"4,191":1678,"4,192":1679,"4,193":1680,"4,194":1681,"4,195":1682,"4,196":1683,"4,197":1684,"4,198":1685,"4,199":1686,"4,200":1687,"4,201":1688,"4,202":1689,"4,203":1690,"4,204":1691,"4,205":1692,"4,206":1693,"4,207":1694,"4,208":1695,"4,209":1696,"4,210":1697,"4,211":1698,"4,212":1699,"4,213":1700,"4,214":1701,"4,215":1702,"4,216":1703,"4,217":1704,"4,218":1705,"4,219":1706,"4,220":1707,"4,221":1708,"4,222":1709,"4,223":1710,"4,224":1711,"4,225":1712,"4,226":1713,"4,227":1714,"4,228":1715,"4,229":1716,"4,230":1717,"4,231":1718,"4,232":1719,"4,233":1720,"4,234":1721,"4,235":1722,"4,236":1723,"4,237":1724,"4,238":1725,"4,239":1726,"4,240":1727,"4,241":1728,"4,242":1729,"4,243":1730,"4,244":1731,"4,245":1732,"4,246":1733,"4,247":1734,"4,248":1735,"4,249":1736,"4,250":1737,"4,251":1738,"4,252":1739,"4,253":1740,"4,254":1741,"4,255":1742,"4,256":1743,"4,257":1744,"4,258":1745,"4,259":1746,"4,260":1747,"4,261":1748,"4,262":1749,"4,263":1750,"4,264":1751,"4,265":1752,"4,266":1753,"4,267":1754,"4,268":1755,"4,269":1756,"4,270":1757,"4,271":1758,"4,272":1759,"4,273":1760,"4,274":1761,"4,275":1762,"4,276":1763,"4,277":1764,"4,278":1765,"4,279":1766,"4,280":1767,"4,281":1768,"4,282":1769,"4,283":1770,"4,284":1771,"4,285":1772,"4,286":1773,"4,287":1774,"4,288":1775,"4,289":1776,"4,290":1777,"4,291":1778,"4,292":1779,"4,293":1780,"4,294":1781,"4,295":1782,"4,296":1783,"4,297":1784,"4,298":1785,"4,299":1786,"4,300":1787,"4,301":1788,"4,302":1789,"4,303":1790,"4,304":1791,"4,305":1792,"4,306":1793,"4,307":1794,"4,308":1795,"4,309":1796,"4,310":1797,"4,311":1798,"4,312":1799,"4,313":1800,"4,314":1801,"4,315":1802,"4,316":1803,"4,317":1804,"4,318":1805,"4,319":1806,"4,320":1807,"4,321":1808,"4,322":1809,"4,323":1810,"4,324":1811,"4,325":1812,"4,326":1813,"4,327":1814,"4,328":1815,"4,329":1816,"4,330":1817,"4,331":1818,"4,332":1819,"4,333":1820,"4,334":1821,"4,335":1822,"4,336":1823,"4,337":1824,"4,338":1825,"4,339":1826,"4,340":1827,"4,341":1828,"4,342":1829,"4,343":1830,"4,344":1831,"4,345":1832,"4,346":1833,"4,347":1834,"4,348":1835,"4,349":1836,"4,350":1837,"4,351":1838,"4,352":1839,"4,353":1840,"4,354":1841,"4,355":1842,"4,356":1843,"4,357":1844,"4,358":1845,"4,359":1846,"4,360":1847,"4,361":1848,"4,362":1849,"4,363":1850,"4,364":1851,"4,365":1852,"4,366":1853,"4,367":1854,"4,368":1855,"4,369":1856,"4,370":1857,"4,371":1858,"4,372":1859,"4,373":1860,"4,374":1861,"4,375":1862,"4,376":1863,"4,377":1864,"4,378":1865,"4,379":1866,"4,380":1867,"4,381":1868,"4,382":1869,"4,383":1870,"4,384":1871,"4,385":1872,"4,386":1873,"4,387":1874,"4,388":1875,"4,389":1876,"4,390":1877,"4,391":1878,"4,392":1879,"4,393":1880,"4,394":1881,"4,395":1882,"4,396":1883,"4,397":1884,"4,398":1885,"4,399":1886,"4,400":1887,"4,401":1888,"4,402":1889,"4,403":1890,"4,404":1891,"4,405":1892,"4,406":1893,"4,407":1894,"4,408":1895,"4,409":1896,"4,410":1897,"4,411":1898,"4,412":1899,"4,413":1900,"4,414":1901,"4,415":1902,"4,416":1903,"4,417":1904,"4,418":1905,"4,419":1906,"4,420":1907,"4,421":1908,"4,422":1909,"4,423":1910,"4,424":1911,"4,425":1912,"4,426":1913,"4,427":1914,"4,428":1915,"4,429":1916,"4,430":1917,"4,431":1918,"4,432":1919,"4,433":1920,"4,434":1921,"4,435":1922,"4,436":1923,"4,437":1924,"4,438":1925,"4,439":1926,"4,440":1927,"4,441":1928,"4,442":1929,"4,443":1930,"4,444":1931,"4,445":1932,"4,446":1933,"4,447":1934,"4,448":1935,"4,449":1936,"4,450":1937,"4,451":1938,"4,452":1939,"4,453":1940,"4,454":1941,"4,455":1942,"4,456":1943,"4,457":1944,"4,458":1945,"4,459":1946,"4,460":1947,"4,461":1948,"4,462":1949,"4,463":1950,"4,464":1951,"4,465":1952,"4,466":1953,"4,467":1954,"4,468":1955,"4,469":1956,"4,470":1957,"4,471":1958,"4,472":1959,"4,473":1960,"4,474":1961,"4,475":1962,"4,476":1963,"4,477":1964,"4,478":1965,"4,479":1966,"4,480":1967,"4,481":1968,"4,482":1969,"4,483":1970,"4,484":1971,"4,485":1972,"4,486":1973,"4,487":1974,"4,488":1975,"4,489":1976,"4,490":1977,"4,491":1978,"4,492":1979,"4,493":1980,"4,494":1981,"4,495":1982,"4,496":1983,"4,497":1984,"4,498":1985,"4,499":1986,"4,500":1987,"4,501":1988,"4,502":1989,"4,503":1990,"4,504":1991,"4,505":1992,"4,506":1993,"4,507":1994,"4,508":1995,"4,509":1996,"4,510":1997,"4,511":1998,"4,512":1999,"4,513":2000,"4,514":2001,"4,515":2002,"4,516":2003,"4,517":2004,"4,518":2005,"4,519":2006,"4,520":2007,"4,521":2008,"4,522":2009,"4,523":2010,"4,524":2011,"4,525":2012,"4,526":2013,"4,527":2014,"4,528":2015,"5,3":2016,"5,4":2017,"5,5":2018,"5,6":2019,"5,7":2020,"5,8":2021,"5,9":2022,"5,10":2023,"5,11":2024,"5,12":2025,"5,13":2026,"5,14":2027,"5,15":2028,"5,16":2029,"5,17":2030,"5,18":2031,"5,19":2032,"5,20":2033,"5,21":2034,"5,22":2035,"5,23":2036,"5,24":2037,"5,25":2038,"5,26":2039,"5,27":2040,"5,28":2041,"5,29":2042,"5,30":2043,"5,31":2044,"5,32":2045,"5,33":2046,"5,34":2047,"5,35":2048,"5,36":2049,"5,37":2050,"5,38":2051,"5,39":2052,"5,40":2053,"5,41":2054,"5,42":2055,"5,43":2056,"5,44":2057,"5,45":2058,"5,46":2059,"5,47":2060,"5,48":2061,"5,49":2062,"5,50":2063,"5,51":2064,"5,52":2065,"5,53":2066,"5,54":2067,"5,55":2068,"5,56":2069,"5,57":2070,"5,58":2071,"5,59":2072,"5,60":2073,"5,61":2074,"5,62":2075,"5,63":2076,"5,64":2077,"5,65":2078,"5,66":2079,"5,67":2080,"5,68":2081,"5,69":2082,"5,70":2083,"5,71":2084,"5,72":2085,"5,73":2086,"5,74":2087,"5,75":2088,"5,76":2089,"5,77":2090,"5,78":2091,"5,79":2092,"5,80":2093,"5,81":2094,"5,82":2095,"5,83":2096,"5,84":2097,"5,85":2098,"5,86":2099,"5,87":2100,"5,88":2101,"5,89":2102,"5,90":2103,"5,91":2104,"5,92":2105,"5,93":2106,"5,94":2107,"5,95":2108,"5,96":2109,"5,97":2110,"5,98":2111,"5,99":2112,"5,100":2113,"5,101":2114,"5,102":2115,"5,103":2116,"5,104":2117,"5,105":2118,"5,106":2119,"5,107":2120,"5,108":2121,"5,109":2122,"5,110":2123,"5,111":2124,"5,112":2125,"5,113":2126,"5,114":2127,"5,115":2128,"5,116":2129,"5,117":2130,"5,118":2131,"5,119":2132,"5,120":2133,"5,121":2134,"5,122":2135,"5,123":2136,"5,124":2137,"5,125":2138,"5,126":2139,"5,127":2140,"5,128":2141,"5,129":2142,"5,130":2143,"5,131":2144,"5,132":2145,"5,133":2146,"5,134":2147,"5,135":2148,"5,136":2149,"5,137":2150,"5,138":2151,"5,139":2152,"5,140":2153,"5,141":2154,"5,142":2155,"5,143":2156,"5,144":2157,"5,145":2158,"5,146":2159,"5,147":2160,"5,148":2161,"5,149":2162,"5,150":2163,"5,151":2164,"5,152":2165,"5,153":2166,"5,154":2167,"5,155":2168,"5,156":2169,"5,157":2170,"5,158":2171,"5,159":2172,"5,160":2173,"5,161":2174,"5,162":2175,"5,163":2176,"5,164":2177,"5,165":2178,"5,166":2179,"5,167":2180,"5,168":2181,"5,169":2182,"5,170":2183,"5,171":2184,"5,172":2185,"5,173":2186,"5,174":2187,"5,175":2188,"5,176":2189,"5,177":2190,"5,178":2191,"5,179":2192,"5,180":2193,"5,181":2194,"5,182":2195,"5,183":2196,"5,184":2197,"5,185":2198,"5,186":2199,"5,187":2200,"5,188":2201,"5,189":2202,"5,190":2203,"5,191":2204,"5,192":2205,"5,193":2206,"5,194":2207,"5,195":2208,"5,196":2209,"5,197":2210,"5,198":2211,"5,199":2212,"5,200":2213,"5,201":2214,"5,202":2215,"5,203":2216,"5,204":2217,"5,205":2218,"5,206":2219,"5,207":2220,"5,208":2221,"5,209":2222,"5,210":2223,"5,211":2224,"5,212":2225,"5,213":2226,"5,214":2227,"5,215":2228,"5,216":2229,"5,217":2230,"5,218":2231,"5,219":2232,"5,220":2233,"5,221":2234,"5,222":2235,"5,223":2236,"5,224":2237,"5,225":2238,"5,226":2239,"5,227":2240,"5,228":2241,"5,229":2242,"5,230":2243,"5,231":2244,"5,232":2245,"5,233":2246,"5,234":2247,"5,235":2248,"5,236":2249,"5,237":2250,"5,238":2251,"5,239":2252,"5,240":2253,"5,241":2254,"5,242":2255,"5,243":2256,"5,244":2257,"5,245":2258,"5,246":2259,"5,247":2260,"5,248":2261,"5,249":2262,"5,250":2263,"5,251":2264,"5,252":2265,"5,253":2266,"5,254":2267,"5,255":2268,"5,256":2269,"5,257":2270,"5,258":2271,"5,259":2272,"5,260":2273,"5,261":2274,"5,262":2275,"5,263":2276,"5,264":2277,"5,265":2278,"5,266":2279,"5,267":2280,"5,268":2281,"5,269":2282,"5,270":2283,"5,271":2284,"5,272":2285,"5,273":2286,"5,274":2287,"5,275":2288,"5,276":2289,"5,277":2290,"5,278":2291,"5,279":2292,"5,280":2293,"5,281":2294,"5,282":2295,"5,283":2296,"5,284":2297,"5,285":2298,"5,286":2299,"5,287":2300,"5,288":2301,"5,289":2302,"5,290":2303,"5,291":2304,"5,292":2305,"5,293":2306,"5,294":2307,"5,295":2308,"5,296":2309,"5,297":2310,"5,298":2311,"5,299":2312,"5,300":2313,"5,301":2314,"5,302":2315,"5,303":2316,"5,304":2317,"5,305":2318,"5,306":2319,"5,307":2320,"5,308":2321,"5,309":2322,"5,310":2323,"5,311":2324,"5,312":2325,"5,313":2326,"5,314":2327,"5,315":2328,"5,316":2329,"5,317":2330,"5,318":2331,"5,319":2332,"5,320":2333,"5,321":2334,"5,322":2335,"5,323":2336,"5,324":2337,"5,325":2338,"5,326":2339,"5,327":2340,"5,328":2341,"5,329":2342,"5,330":2343,"5,331":2344,"5,332":2345,"5,333":2346,"5,334":2347,"5,335":2348,"5,336":2349,"5,337":2350,"5,338":2351,"5,339":2352,"5,340":2353,"5,341":2354,"5,342":2355,"5,343":2356,"5,344":2357,"5,345":2358,"5,346":2359,"5,347":2360,"5,348":2361,"5,349":2362,"5,350":2363,"5,351":2364,"5,352":2365,"5,353":2366,"5,354":2367,"5,355":2368,"5,356":2369,"5,357":2370,"5,358":2371,"5,359":2372,"5,360":2373,"5,361":2374,"5,362":2375,"5,363":2376,"5,364":2377,"5,365":2378,"5,366":2379,"5,367":2380,"5,368":2381,"5,369":2382,"5,370":2383,"5,371":2384,"5,372":2385,"5,373":2386,"5,374":2387,"5,375":2388,"5,376":2389,"5,377":2390,"5,378":2391,"5,379":2392,"5,380":2393,"5,381":2394,"5,382":2395,"5,383":2396,"5,384":2397,"5,385":2398,"5,386":2399,"5,387":2400,"5,388":2401,"5,389":2402,"5,390":2403,"5,391":2404,"5,392":2405,"5,393":2406,"5,394":2407,"5,395":2408,"5,396":2409,"5,397":2410,"5,398":2411,"5,399":2412,"5,400":2413,"5,401":2414,"5,402":2415,"5,403":2416,"5,404":2417,"5,405":2418,"5,406":2419,"5,407":2420,"5,408":2421,"5,409":2422,"5,410":2423,"5,411":2424,"5,412":2425,"5,413":2426,"5,414":2427,"5,415":2428,"5,416":2429,"5,417":2430,"5,418":2431,"5,419":2432,"5,420":2433,"5,421":2434,"5,422":2435,"5,423":2436,"5,424":2437,"5,425":2438,"5,426":2439,"5,427":2440,"5,428":2441,"5,429":2442,"5,430":2443,"5,431":2444,"5,432":2445,"5,433":2446,"5,434":2447,"5,435":2448,"5,436":2449,"5,437":2450,"6,3":2451,"6,4":2452,"6,5":2453,"6,6":2454,"6,7":2455,"6,8":2456,"6,9":2457,"6,10":2458,"6,11":2459,"6,12":2460,"6,13":2461,"6,14":2462,"6,15":2463,"6,16":2464,"6,17":2465,"6,18":2466,"6,19":2467,"6,20":2468,"6,21":2469,"6,22":2470,"6,23":2471,"6,24":2472,"6,25":2473,"6,26":2474,"6,27":2475,"6,28":2476,"6,29":2477,"6,30":2478,"6,31":2479,"6,32":2480,"6,33":2481,"6,34":2482,"6,35":2483,"6,36":2484,"6,37":2485,"6,38":2486,"6,39":2487,"6,40":2488,"6,41":2489,"6,42":2490,"6,43":2491,"6,44":2492,"6,45":2493,"6,46":2494,"6,47":2495,"6,48":2496,"6,49":2497,"6,50":2498,"6,51":2499,"6,52":2500,"6,53":2501,"6,54":2502,"6,55":2503,"6,56":2504,"6,57":2505,"6,58":2506,"6,59":2507,"6,60":2508,"6,61":2509,"6,62":2510,"6,63":2511,"6,64":2512,"6,65":2513,"6,66":2514,"6,67":2515,"6,68":2516,"6,69":2517,"6,70":2518,"6,71":2519,"6,72":2520,"6,73":2521,"6,74":2522,"6,75":2523,"6,76":2524,"6,77":2525,"6,78":2526,"6,79":2527,"6,80":2528,"6,81":2529,"6,82":2530,"6,83":2531,"6,84":2532,"6,85":2533,"6,86":2534,"6,87":2535,"6,88":2536,"6,89":2537,"6,90":2538,"6,91":2539,"6,92":2540,"6,93":2541,"6,94":2542,"6,95":2543,"6,96":2544,"6,97":2545,"6,98":2546,"6,99":2547,"6,100":2548,"6,101":2549,"6,102":2550,"6,103":2551,"6,104":2552,"6,105":2553,"6,106":2554,"6,107":2555,"6,108":2556,"6,109":2557,"6,110":2558,"6,111":2559,"6,112":2560,"6,113":2561,"6,114":2562,"6,115":2563,"6,116":2564,"6,117":2565,"6,118":2566,"6,119":2567,"6,120":2568,"6,121":2569,"6,122":2570,"6,123":2571,"6,124":2572,"6,125":2573,"6,126":2574,"6,127":2575,"6,128":2576,"6,129":2577,"6,130":2578,"6,131":2579,"6,132":2580,"6,133":2581,"6,134":2582,"6,135":2583,"6,136":2584,"6,137":2585,"6,138":2586,"6,139":2587,"6,140":2588,"6,141":2589,"6,142":2590,"6,143":2591,"6,144":2592,"6,145":2593,"6,146":2594,"6,147":2595,"6,148":2596,"6,149":2597,"6,150":2598,"6,151":2599,"6,152":2600,"6,153":2601,"6,154":2602,"6,155":2603,"6,156":2604,"6,157":2605,"6,158":2606,"6,159":2607,"6,160":2608,"6,161":2609,"6,162":2610,"6,163":2611,"6,164":2612,"6,165":2613,"6,166":2614,"6,167":2615,"6,168":2616,"6,169":2617,"6,170":2618,"6,171":2619,"6,172":2620,"6,173":2621,"6,174":2622,"6,175":2623,"6,176":2624,"6,177":2625,"6,178":2626,"6,179":2627,"6,180":2628,"6,181":2629,"6,182":2630,"6,183":2631,"6,184":2632,"6,185":2633,"6,186":2634,"6,187":2635,"6,188":2636,"6,189":2637,"6,190":2638,"6,191":2639,"6,192":2640,"6,193":2641,"6,194":2642,"6,195":2643,"6,196":2644,"6,197":2645,"6,198":2646,"6,199":2647,"6,200":2648,"6,201":2649,"6,202":2650,"6,203":2651,"6,204":2652,"6,205":2653,"6,206":2654,"6,207":2655,"6,208":2656,"6,209":2657,"6,210":2658,"6,211":2659,"6,212":2660,"6,213":2661,"6,214":2662,"6,215":2663,"6,216":2664,"6,217":2665,"6,218":2666,"6,219":2667,"6,220":2668,"6,221":2669,"6,222":2670,"6,223":2671,"6,224":2672,"6,225":2673,"6,226":2674,"6,227":2675,"6,228":2676,"6,229":2677,"6,230":2678,"6,231":2679,"6,232":2680,"6,233":2681,"6,234":2682,"6,235":2683,"6,236":2684,"6,237":2685,"6,238":2686,"6,239":2687,"6,240":2688,"6,241":2689,"6,242":2690,"6,243":2691,"6,244":2692,"6,245":2693,"6,246":2694,"6,247":2695,"6,248":2696,"6,249":2697,"6,250":2698,"6,251":2699,"6,252":2700,"6,253":2701,"6,254":2702,"6,255":2703,"6,256":2704,"6,257":2705,"6,258":2706,"6,259":2707,"6,260":2708,"6,261":2709,"6,262":2710,"6,263":2711,"6,264":2712,"6,265":2713,"6,266":2714,"6,267":2715,"6,268":2716,"6,269":2717,"6,270":2718,"6,271":2719,"6,272":2720,"6,273":2721,"6,274":2722,"6,275":2723,"6,276":2724,"6,277":2725,"6,278":2726,"6,279":2727,"6,280":2728,"6,281":2729,"6,282":2730,"6,283":2731,"6,284":2732,"6,285":2733,"6,286":2734,"6,287":2735,"6,288":2736,"6,289":2737,"6,290":2738,"6,291":2739,"6,292":2740,"6,293":2741,"6,294":2742,"6,295":2743,"6,296":2744,"6,297":2745,"6,298":2746,"6,299":2747,"6,300":2748,"6,301":2749,"6,302":2750,"6,303":2751,"6,304":2752,"6,305":2753,"6,306":2754,"6,307":2755,"6,308":2756,"6,309":2757,"6,310":2758,"6,311":2759,"6,312":2760,"6,313":2761,"6,314":2762,"6,315":2763,"6,316":2764,"6,317":2765,"6,318":2766,"6,319":2767,"6,320":2768,"6,321":2769,"6,322":2770,"6,323":2771,"6,324":2772,"6,325":2773,"6,326":2774,"6,327":2775,"6,328":2776,"6,329":2777,"6,330":2778,"6,331":2779,"6,332":2780,"6,333":2781,"6,334":2782,"6,335":2783,"6,336":2784,"6,337":2785,"6,338":2786,"6,339":2787,"6,340":2788,"6,341":2789,"6,342":2790,"6,343":2791,"6,344":2792,"6,345":2793,"6,346":2794,"6,347":2795,"6,348":2796,"6,349":2797,"6,350":2798,"6,351":2799,"6,352":2800,"6,353":2801,"6,354":2802,"6,355":2803,"6,356":2804,"6,357":2805,"6,358":2806,"6,359":2807,"6,360":2808,"6,361":2809,"6,362":2810,"6,363":2811,"6,364":2812,"6,365":2813,"6,366":2814,"6,367":2815,"6,368":2816,"6,369":2817,"6,370":2818,"6,371":2819,"6,372":2820,"6,373":2821,"6,374":2822,"6,375":2823,"6,376":2824,"6,377":2825,"6,378":2826,"6,379":2827,"6,380":2828,"6,381":2829,"6,382":2830,"6,383":2831,"6,384":2832,"6,385":2833,"6,386":2834,"6,387":2835,"6,388":2836,"6,389":2837,"6,390":2838,"6,391":2839,"6,392":2840,"6,393":2841,"6,394":2842,"6,395":2843,"6,396":2844,"6,397":2845,"6,398":2846,"6,399":2847,"6,400":2848,"6,401":2849,"6,402":2850,"6,403":2851,"6,404":2852,"6,405":2853,"6,406":2854,"6,407":2855,"6,408":2856,"6,409":2857,"6,410":2858,"6,411":2859,"6,412":2860,"6,413":2861,"6,414":2862,"6,415":2863,"6,416":2864,"6,417":2865,"6,418":2866,"6,419":2867,"6,420":2868,"6,421":2869,"6,422":2870,"6,423":2871,"6,424":2872,"6,425":2873,"6,426":2874,"6,427":2875,"6,428":2876,"6,429":2877,"6,430":2878,"6,431":2879,"6,432":2880,"6,433":2881,"6,434":2882,"6,435":2883,"6,436":2884,"6,437":2885,"6,438":2886,"6,439":2887,"6,440":2888,"6,441":2889,"6,442":2890,"6,443":2891,"6,444":2892,"6,445":2893,"6,446":2894,"6,447":2895,"6,448":2896,"6,449":2897,"6,450":2898,"6,451":2899,"6,452":2900,"6,453":2901,"6,454":2902,"6,455":2903,"6,456":2904,"6,457":2905,"6,458":2906,"6,459":2907,"6,460":2908,"6,461":2909,"6,462":2910,"6,463":2911,"6,464":2912,"6,465":2913,"6,466":2914,"6,467":2915,"6,468":2916,"6,469":2917,"6,470":2918,"6,471":2919,"6,472":2920,"6,473":2921,"6,474":2922,"6,475":2923,"6,476":2924,"6,477":2925,"6,478":2926,"6,479":2927,"6,480":2928,"6,481":2929,"6,482":2930,"6,483":2931,"6,484":2932,"6,485":2933,"6,486":2934,"6,487":2935,"6,488":2936,"6,489":2937,"6,490":2938,"6,491":2939,"6,492":2940,"6,493":2941,"6,494":2942,"6,495":2943,"6,496":2944,"6,497":2945,"6,498":2946,"6,499":2947,"6,500":2948,"6,501":2949,"6,502":2950,"6,503":2951,"6,504":2952,"6,505":2953,"6,506":2954,"6,507":2955,"6,508":2956,"6,509":2957,"6,510":2958,"6,511":2959,"6,512":2960,"6,513":2961,"6,514":2962,"6,515":2963,"6,516":2964,"6,517":2965,"6,518":2966,"6,519":2967,"6,520":2968,"6,521":2969,"6,522":2970,"6,523":2971,"6,524":2972,"6,525":2973,"6,526":2974,"6,527":2975,"6,528":2976,"6,529":2977,"6,530":2978,"6,531":2979,"6,532":2980,"7,3":2981,"7,4":2982,"7,5":2983,"7,6":2984,"7,7":2985,"7,8":2986,"7,9":2987,"7,10":2988,"7,11":2989,"7,12":2990,"7,13":2991,"7,14":2992,"7,15":2993,"7,16":2994,"7,17":2995,"7,18":2996,"7,19":2997,"7,20":2998,"7,21":2999,"7,22":3000,"7,23":3001,"7,24":3002,"7,25":3003,"7,26":3004,"7,27":3005,"7,28":3006,"7,29":3007,"7,30":3008,"7,31":3009,"7,32":3010,"7,33":3011,"7,34":3012,"7,35":3013,"7,36":3014,"7,37":3015,"7,38":3016,"7,39":3017,"7,40":3018,"7,41":3019,"7,42":3020,"7,43":3021,"7,44":3022,"7,45":3023,"7,46":3024,"7,47":3025,"7,48":3026,"7,49":3027,"7,50":3028,"7,51":3029,"7,52":3030,"7,53":3031,"7,54":3032,"7,55":3033,"7,56":3034,"7,57":3035,"7,58":3036,"7,59":3037,"7,60":3038,"7,61":3039,"7,62":3040,"7,63":3041,"7,64":3042,"7,65":3043,"7,66":3044,"7,67":3045,"7,68":3046,"7,69":3047,"7,70":3048,"7,71":3049,"7,72":3050,"7,73":3051,"7,74":3052,"7,75":3053,"7,76":3054,"7,77":3055,"7,78":3056,"7,79":3057,"7,80":3058,"7,81":3059,"7,82":3060,"7,83":3061,"7,84":3062,"7,85":3063,"7,86":3064,"7,87":3065,"7,88":3066,"7,89":3067,"7,90":3068,"7,91":3069,"7,92":3070,"7,93":3071,"7,94":3072,"7,95":3073,"7,96":3074,"7,97":3075,"7,98":3076,"7,99":3077,"7,100":3078,"7,101":3079,"7,102":3080,"7,103":3081,"7,104":3082,"7,105":3083,"7,106":3084,"7,107":3085,"7,108":3086,"7,109":3087,"7,110":3088,"7,111":3089,"7,112":3090,"7,113":3091,"7,114":3092,"7,115":3093,"7,116":3094,"7,117":3095,"7,118":3096,"7,119":3097,"7,120":3098,"7,121":3099,"7,122":3100,"7,123":3101,"7,124":3102,"7,125":3103,"7,126":3104,"7,127":3105,"7,128":3106,"7,129":3107,"7,130":3108,"7,131":3109,"7,132":3110,"7,133":3111,"7,134":3112,"7,135":3113,"7,136":3114,"7,137":3115,"7,138":3116,"7,139":3117,"7,140":3118,"7,141":3119,"7,142":3120,"7,143":3121,"7,144":3122,"7,145":3123,"7,146":3124,"7,147":3125,"7,148":3126,"7,149":3127,"7,150":3128,"7,151":3129,"7,152":3130,"7,153":3131,"7,154":3132,"7,155":3133,"7,156":3134,"7,157":3135,"7,158":3136,"7,159":3137,"7,160":3138,"7,161":3139,"7,162":3140,"7,163":3141,"7,164":3142,"7,165":3143,"7,166":3144,"7,167":3145,"7,168":3146,"7,169":3147,"7,170":3148,"7,171":3149,"7,172":3150,"7,173":3151,"7,174":3152,"7,175":3153,"7,176":3154,"7,177":3155,"7,178":3156,"7,179":3157,"7,180":3158,"7,181":3159,"7,182":3160,"7,183":3161,"7,184":3162,"7,185":3163,"7,186":3164,"7,187":3165,"7,188":3166,"7,189":3167,"7,190":3168,"7,191":3169,"7,192":3170,"7,193":3171,"7,194":3172,"7,195":3173,"7,196":3174,"7,197":3175,"7,198":3176,"7,199":3177,"7,200":3178,"7,201":3179,"7,202":3180,"7,203":3181,"7,204":3182,"7,205":3183,"7,206":3184,"7,207":3185,"7,208":3186,"7,209":3187,"7,210":3188,"7,211":3189,"7,212":3190,"7,213":3191,"7,214":3192,"7,215":3193,"7,216":3194,"7,217":3195,"7,218":3196,"7,219":3197,"7,220":3198,"7,221":3199,"7,222":3200,"7,223":3201,"7,224":3202,"7,225":3203,"7,226":3204,"7,227":3205,"7,228":3206,"7,229":3207,"7,230":3208,"7,231":3209,"7,232":3210,"7,233":3211,"7,234":3212,"7,235":3213,"7,236":3214,"7,237":3215,"7,238":3216,"7,239":3217,"7,240":3218,"7,241":3219,"7,242":3220,"7,243":3221,"7,244":3222,"7,245":3223,"7,246":3224,"7,247":3225,"7,248":3226,"7,249":3227,"7,250":3228,"7,251":3229,"7,252":3230,"7,253":3231,"7,254":3232,"7,255":3233,"7,256":3234,"7,257":3235,"7,258":3236,"7,259":3237,"7,260":3238,"7,261":3239,"7,262":3240,"7,263":3241,"7,264":3242,"7,265":3243,"7,266":3244,"7,267":3245,"7,268":3246,"7,269":3247,"7,270":3248,"7,271":3249,"7,272":3250,"7,273":3251,"7,274":3252,"7,275":3253,"7,276":3254,"7,277":3255,"7,278":3256,"7,279":3257,"7,280":3258,"7,281":3259,"7,282":3260,"7,283":3261,"7,284":3262,"7,285":3263,"7,286":3264,"7,287":3265,"7,288":3266,"7,289":3267,"7,290":3268,"7,291":3269,"7,292":3270,"7,293":3271,"7,294":3272,"7,295":3273,"7,296":3274,"7,297":3275,"7,298":3276,"7,299":3277,"7,300":3278,"7,301":3279,"7,302":3280,"7,303":3281,"7,304":3282,"7,305":3283,"7,306":3284,"7,307":3285,"7,308":3286,"7,309":3287,"7,310":3288,"7,311":3289,"7,312":3290,"7,313":3291,"7,314":3292,"7,315":3293,"7,316":3294,"7,317":3295,"7,318":3296,"7,319":3297,"7,320":3298,"7,321":3299,"7,322":3300,"7,323":3301,"7,324":3302,"7,325":3303,"7,326":3304,"7,327":3305,"7,328":3306,"7,329":3307,"7,330":3308,"7,331":3309,"7,332":3310,"7,333":3311,"7,334":3312,"7,335":3313,"7,336":3314,"7,337":3315,"7,338":3316,"7,339":3317,"7,340":3318,"7,341":3319,"7,342":3320,"7,343":3321,"7,344":3322,"7,345":3323,"7,346":3324,"7,347":3325,"7,348":3326,"7,349":3327,"7,350":3328,"7,351":3329,"7,352":3330,"7,353":3331,"7,354":3332,"7,355":3333,"7,356":3334,"7,357":3335,"7,358":3336,"7,359":3337,"7,360":3338,"7,361":3339,"7,362":3340,"7,363":3341,"7,364":3342,"7,365":3343,"7,366":3344,"7,367":3345,"7,368":3346,"7,369":3347,"7,370":3348,"7,371":3349,"7,372":3350,"7,373":3351,"7,374":3352,"7,375":3353,"7,376":3354,"7,377":3355,"7,378":3356,"7,379":3357,"7,380":3358,"7,381":3359,"7,382":3360,"7,383":3361,"7,384":3362,"7,385":3363,"7,386":3364,"7,387":3365,"7,388":3366,"7,389":3367,"7,390":3368,"7,391":3369,"7,392":3370,"7,393":3371,"7,394":3372,"7,395":3373,"7,396":3374,"7,397":3375,"7,398":3376,"7,399":3377,"7,400":3378,"7,401":3379,"7,402":3380,"7,403":3381,"7,404":3382,"7,405":3383,"7,406":3384,"7,407":3385,"7,408":3386,"7,409":3387,"7,410":3388,"7,411":3389,"7,412":3390,"7,413":3391,"7,414":3392,"7,415":3393,"7,416":3394,"7,417":3395,"7,418":3396,"7,419":3397,"7,420":3398,"7,421":3399,"7,422":3400,"7,423":3401,"7,424":3402,"7,425":3403,"7,426":3404,"7,427":3405,"7,428":3406,"7,429":3407,"7,430":3408,"7,431":3409,"7,432":3410,"7,433":3411,"7,434":3412,"7,435":3413,"7,436":3414,"7,437":3415,"7,438":3416,"7,439":3417,"7,440":3418,"7,441":3419,"7,442":3420,"7,443":3421,"7,444":3422,"7,445":3423,"7,446":3424,"7,447":3425,"7,448":3426,"7,449":3427,"7,450":3428,"7,451":3429,"7,452":3430,"7,453":3431,"7,454":3432,"7,455":3433,"7,456":3434,"7,457":3435,"7,458":3436,"7,459":3437,"7,460":3438,"7,461":3439,"7,462":3440,"7,463":3441,"7,464":3442,"7,465":3443,"7,466":3444,"7,467":3445,"7,468":3446,"7,469":3447,"7,470":3448,"7,471":3449,"8,3":3450,"8,4":3451,"8,5":3452,"8,6":3453,"8,7":3454,"8,8":3455,"8,9":3456,"8,10":3457,"8,11":3458,"8,12":3459,"8,13":3460,"8,14":3461,"8,15":3462,"8,16":3463,"8,17":3464,"8,18":3465,"8,19":3466,"8,20":3467,"8,21":3468,"8,22":3469,"8,23":3470,"8,24":3471,"8,25":3472,"8,26":3473,"8,27":3474,"8,28":3475,"8,29":3476,"8,30":3477,"8,31":3478,"8,32":3479,"8,33":3480,"8,34":3481,"8,35":3482,"8,36":3483,"8,37":3484,"8,38":3485,"8,39":3486,"8,40":3487,"8,41":3488,"8,42":3489,"8,43":3490,"8,44":3491,"8,45":3492,"8,46":3493,"8,47":3494,"8,48":3495,"8,49":3496,"8,50":3497,"8,51":3498,"8,52":3499,"8,53":3500,"8,54":3501,"8,55":3502,"8,56":3503,"8,57":3504,"8,58":3505,"8,59":3506,"8,60":3507,"8,61":3508,"8,62":3509,"8,63":3510,"8,64":3511,"8,65":3512,"8,66":3513,"8,67":3514,"8,68":3515,"8,69":3516,"8,70":3517,"8,71":3518,"8,72":3519,"8,73":3520,"8,74":3521,"8,75":3522,"8,76":3523,"8,77":3524,"8,78":3525,"8,79":3526,"8,80":3527,"8,81":3528,"8,82":3529,"8,83":3530,"8,84":3531,"8,85":3532,"8,86":3533,"8,87":3534,"8,88":3535,"8,89":3536,"8,90":3537,"8,91":3538,"8,92":3539,"8,93":3540,"8,94":3541,"8,95":3542,"8,96":3543,"8,97":3544,"8,98":3545,"8,99":3546,"8,100":3547,"8,101":3548,"8,102":3549,"8,103":3550,"8,104":3551,"8,105":3552,"8,106":3553,"8,107":3554,"8,108":3555,"8,109":3556,"8,110":3557,"8,111":3558,"8,112":3559,"8,113":3560,"8,114":3561,"8,115":3562,"8,116":3563,"8,117":3564,"8,118":3565,"8,119":3566,"8,120":3567,"8,121":3568,"8,122":3569,"8,123":3570,"8,124":3571,"8,125":3572,"8,126":3573,"8,127":3574,"8,128":3575,"8,129":3576,"8,130":3577,"8,131":3578,"8,132":3579,"8,133":3580,"8,134":3581,"8,135":3582,"8,136":3583,"8,137":3584,"8,138":3585,"8,139":3586,"8,140":3587,"8,141":3588,"8,142":3589,"8,143":3590,"8,144":3591,"8,145":3592,"8,146":3593,"8,147":3594,"8,148":3595,"8,149":3596,"8,150":3597,"8,151":3598,"8,152":3599,"8,153":3600,"8,154":3601,"8,155":3602,"8,156":3603,"8,157":3604,"8,158":3605,"8,159":3606,"8,160":3607,"8,161":3608,"8,162":3609,"8,163":3610,"8,164":3611,"8,165":3612,"8,166":3613,"8,167":3614,"8,168":3615,"8,169":3616,"8,170":3617,"8,171":3618,"8,172":3619,"8,173":3620,"8,174":3621,"8,175":3622,"8,176":3623,"8,177":3624,"8,178":3625,"8,179":3626,"8,180":3627,"8,181":3628,"8,182":3629,"8,183":3630,"8,184":3631,"8,185":3632,"8,186":3633,"8,187":3634,"8,188":3635,"8,189":3636,"8,190":3637,"8,191":3638,"8,192":3639,"8,193":3640,"8,194":3641,"8,195":3642,"8,196":3643,"8,197":3644,"8,198":3645,"8,199":3646,"8,200":3647,"8,201":3648,"8,202":3649,"8,203":3650,"8,204":3651,"8,205":3652,"8,206":3653,"8,207":3654,"8,208":3655,"8,209":3656,"8,210":3657,"8,211":3658,"8,212":3659,"8,213":3660,"8,214":3661,"8,215":3662,"8,216":3663,"8,217":3664,"8,218":3665,"8,219":3666,"8,220":3667,"8,221":3668,"8,222":3669,"8,223":3670,"8,224":3671,"8,225":3672,"8,226":3673,"8,227":3674,"8,228":3675,"8,229":3676,"8,230":3677,"8,231":3678,"8,232":3679,"8,233":3680,"8,234":3681,"8,235":3682,"8,236":3683,"8,237":3684,"8,238":3685,"8,239":3686,"8,240":3687,"8,241":3688,"8,242":3689,"8,243":3690,"8,244":3691,"8,245":3692,"8,246":3693,"8,247":3694,"8,248":3695,"8,249":3696,"8,250":3697,"8,251":3698,"8,252":3699,"8,253":3700,"8,254":3701,"8,255":3702,"8,256":3703,"8,257":3704,"8,258":3705,"8,259":3706,"8,260":3707,"8,261":3708,"8,262":3709,"8,263":3710,"8,264":3711,"8,265":3712,"8,266":3713,"8,267":3714,"8,268":3715,"8,269":3716,"8,270":3717,"8,271":3718,"8,272":3719,"8,273":3720,"8,274":3721,"8,275":3722,"8,276":3723,"8,277":3724,"8,278":3725,"8,279":3726,"8,280":3727,"8,281":3728,"8,282":3729,"8,283":3730,"8,284":3731,"8,285":3732,"8,286":3733,"8,287":3734,"8,288":3735,"8,289":3736,"8,290":3737,"8,291":3738,"8,292":3739,"8,293":3740,"8,294":3741,"8,295":3742,"8,296":3743,"8,297":3744,"8,298":3745,"8,299":3746,"8,300":3747,"8,301":3748,"8,302":3749,"8,303":3750,"8,304":3751,"8,305":3752,"8,306":3753,"8,307":3754,"8,308":3755,"8,309":3756,"8,310":3757,"8,311":3758,"8,312":3759,"8,313":3760,"8,314":3761,"8,315":3762,"8,316":3763,"8,317":3764,"8,318":3765,"8,319":3766,"8,320":3767,"8,321":3768,"8,322":3769,"8,323":3770,"8,324":3771,"8,325":3772,"8,326":3773,"8,327":3774,"8,328":3775,"8,329":3776,"8,330":3777,"8,331":3778,"8,332":3779,"8,333":3780,"8,334":3781,"8,335":3782,"8,336":3783,"8,337":3784,"8,338":3785,"8,339":3786,"8,340":3787,"8,341":3788,"8,342":3789,"8,343":3790,"8,344":3791,"8,345":3792,"8,346":3793,"8,347":3794,"8,348":3795,"8,349":3796,"8,350":3797,"8,351":3798,"8,352":3799,"8,353":3800,"8,354":3801,"8,355":3802,"8,356":3803,"8,357":3804,"8,358":3805,"8,359":3806,"8,360":3807,"8,361":3808,"8,362":3809,"8,363":3810,"8,364":3811,"8,365":3812,"8,366":3813,"8,367":3814,"8,368":3815,"8,369":3816,"8,370":3817,"8,371":3818,"8,372":3819,"8,373":3820,"8,374":3821,"8,375":3822,"8,376":3823,"8,377":3824,"8,378":3825,"8,379":3826,"8,380":3827,"8,381":3828,"8,382":3829,"8,383":3830,"8,384":3831,"8,385":3832,"8,386":3833,"8,387":3834,"8,388":3835,"8,389":3836,"8,390":3837,"8,391":3838,"8,392":3839,"8,393":3840,"8,394":3841,"8,395":3842,"8,396":3843,"8,397":3844,"8,398":3845,"8,399":3846,"8,400":3847,"8,401":3848,"8,402":3849,"8,403":3850,"8,404":3851,"8,405":3852,"8,406":3853,"8,407":3854,"8,408":3855,"8,409":3856,"8,410":3857,"8,411":3858,"8,412":3859,"8,413":3860,"8,414":3861,"8,415":3862,"8,416":3863,"8,417":3864,"8,418":3865,"8,419":3866,"8,420":3867,"8,421":3868,"8,422":3869,"8,423":3870,"8,424":3871,"8,425":3872,"8,426":3873,"8,427":3874,"8,428":3875,"8,429":3876,"8,430":3877,"8,431":3878,"8,432":3879,"8,433":3880,"8,434":3881,"8,435":3882,"8,436":3883,"8,437":3884,"8,438":3885,"8,439":3886,"8,440":3887,"8,441":3888,"8,442":3889,"8,443":3890,"8,444":3891,"8,445":3892,"8,446":3893,"8,447":3894,"8,448":3895,"8,449":3896,"8,450":3897,"8,451":3898,"8,452":3899,"8,453":3900,"8,454":3901,"8,455":3902,"8,456":3903,"8,457":3904,"8,458":3905,"8,459":3906,"8,460":3907,"8,461":3908,"8,462":3909,"8,463":3910,"8,464":3911,"8,465":3912,"8,466":3913,"8,467":3914,"8,468":3915,"8,469":3916,"8,470":3917,"8,471":3918,"8,472":3919,"8,473":3920,"8,474":3921,"8,475":3922,"8,476":3923,"8,477":3924,"8,478":3925,"8,479":3926,"8,480":3927,"8,481":3928,"8,482":3929,"8,483":3930,"8,484":3931,"8,485":3932,"8,486":3933,"8,487":3934,"8,488":3935,"8,489":3936,"8,490":3937,"8,491":3938,"8,492":3939,"8,493":3940,"8,494":3941,"8,495":3942,"8,496":3943,"8,497":3944,"8,498":3945,"8,499":3946,"8,500":3947,"8,501":3948,"8,502":3949,"8,503":3950,"8,504":3951,"8,505":3952,"8,506":3953,"8,507":3954,"8,508":3955,"8,509":3956},"ٜ":{"1":[3,574],"2":[3,434],"3":[3,488],"4":[3,528],"5":[3,437],"6":[3,532],"7":[3,471],"8":[3,509]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509"],"ٞ":{"1":[1,2,3],"2":[4,5,6,7,8,9,10],"3":[11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24],"4":[25],"12":[26],"15":[27],"17":[28],"21":[29],"23":[30],"25":[31],"26":[32,33],"28":[34],"30":[35],"33":[36],"35":[37],"39":[38],"40":[39],"41":[40],"43":[41,42],"45":[43],"47":[44],"50":[45],"54":[46],"55":[47],"58":[48,49],"60":[50],"62":[51],"63":[52],"64":[53],"69":[54],"72":[55],"77":[56],"79":[57],"80":[58],"81":[59],"84":[60],"86":[61],"88":[62],"89":[63],"90":[64],"93":[65,66],"95":[67],"96":[68],"97":[69],"100":[70],"102":[71],"104":[72],"109":[73,74],"112":[75],"117":[76],"118":[77],"120":[78],"122":[79],"127":[80],"131":[81],"137":[82],"142":[83],"143":[84],"144":[85],"147":[86],"148":[87],"151":[88],"155":[89,90],"157":[91],"160":[92],"161":[93],"163":[94],"165":[95],"171":[96],"174":[97],"176":[98],"179":[99],"182":[100,101],"187":[102],"190":[103],"193":[104],"195":[105],"198":[106],"200":[107],"203":[108],"204":[109],"205":[110],"207":[111],"209":[112],"212":[113],"213":[114],"214":[115],"215":[116],"216":[117],"217":[118],"221":[119],"229":[120],"236":[121],"238":[122],"247":[123],"252":[124],"253":[125,126],"255":[127],"259":[128],"261":[129],"263":[130],"266":[131],"268":[132],"272":[133],"275":[134],"276":[135],"278":[136],"280":[137,138],"286":[139],"292":[140],"307":[141],"313":[142],"315":[143],"317":[144,145],"318":[146],"319":[147],"320":[148],"321":[149],"327":[150],"329":[151],"330":[152,153],"331":[154],"332":[155],"333":[156],"335":[157],"337":[158],"339":[159],"341":[160,161],"343":[162],"344":[163],"346":[164],"347":[165],"349":[166],"351":[167],"354":[168],"357":[169],"360":[170],"364":[171],"368":[172],"372":[173],"381":[174],"382":[175],"383":[176],"386":[177],"387":[178],"390":[179],"398":[180],"406":[181],"411":[182],"412":[183],"414":[184],"416":[185],"419":[186],"420":[187],"421":[188],"422":[189],"424":[190],"425":[191,192],"426":[193],"430":[194],"433":[195],"435":[196],"447":[197],"451":[198],"453":[199],"456":[200],"469":[201],"472":[202],"473":[203],"474":[204],"477":[205],"480":[206],"482":[207],"483":[208],"485":[209],"496":[210],"499":[211],"502":[212],"503":[213],"504":[214],"505":[215],"506":[216],"508":[217,218],"509":[219],"514":[220],"518":[221],"521":[222],"522":[223],"523":[224],"525":[225],"526":[226],"529":[227],"530":[228],"531":[229],"532":[230],"536":[231],"538":[232],"543":[233],"547":[234],"550":[235],"555":[236],"561":[237],"562":[238],"566":[239,240],"572":[241,242],"573":[243,244],"581":[245],"582":[246],"584":[247],"587":[248],"588":[249],"591":[250],"592":[251],"593":[252],"594":[253],"595":[254,255],"596":[256],"597":[257],"598":[258],"600":[259],"602":[260],"605":[261],"606":[262],"607":[263],"608":[264],"610":[265],"616":[266],"618":[267],"619":[268],"620":[269],"622":[270],"625":[271,272],"627":[273],"628":[274],"629":[275],"630":[276],"632":[277,278],"635":[279],"642":[280,281],"643":[282],"647":[283],"649":[284],"659":[285],"661":[286],"663":[287],"666":[288],"670":[289],"679":[290],"680":[291],"684":[292],"696":[293],"698":[294],"699":[295],"708":[296],"710":[297],"721":[298],"724":[299],"725":[300],"728":[301],"730":[302],"737":[303],"738":[304],"739":[305],"749":[306],"750":[307],"751":[308],"756":[309],"761":[310],"762":[311,312],"765":[313],"770":[314],"772":[315],"773":[316],"775":[317,318],"777":[319],"778":[320],"785":[321],"796":[322],"802":[323],"803":[324],"814":[325],"816":[326,327],"819":[328],"821":[329],"825":[330],"828":[331],"829":[332],"834":[333],"836":[334],"840":[335],"852":[336],"853":[337],"854":[338],"861":[339],"865":[340,341],"867":[342],"870":[343],"874":[344],"875":[345],"878":[346],"879":[347],"882":[348],"883":[349],"884":[350],"890":[351,352],"893":[353],"896":[354],"899":[355],"906":[356],"909":[357],"912":[358],"916":[359],"921":[360],"926":[361],"927":[362],"930":[363],"933":[364],"935":[365],"938":[366],"945":[367],"946":[368],"951":[369],"952":[370],"953":[371,372],"955":[373],"956":[374],"959":[375],"961":[376],"963":[377],"964":[378],"965":[379],"972":[380],"982":[381],"984":[382],"985":[383],"992":[384],"993":[385],"996":[386],"997":[387],"998":[388],"999":[389],"1004":[390],"1005":[391],"1012":[392],"1029":[393],"1031":[394],"1036":[395],"1040":[396],"1049":[397],"1056":[398],"1059":[399],"1062":[400,401],"1064":[402],"1066":[403],"1074":[404],"1075":[405],"1084":[406],"1094":[407],"1098":[408],"1103":[409],"1107":[410],"1110":[411],"1112":[412],"1115":[413],"1116":[414],"1121":[415],"1124":[416],"1128":[417],"1131":[418],"1133":[419],"1137":[420],"1141":[421],"1142":[422],"1143":[423],"1145":[424],"1146":[425],"1150":[426],"1153":[427],"1157":[428],"1161":[429],"1162":[430],"1172":[431],"1177":[432],"1178":[433],"1183":[434],"1188":[435],"1191":[436],"1194":[437],"1200":[438],"1201":[439],"1203":[440],"1204":[441],"1209":[442],"1212":[443],"1214":[444],"1215":[445],"1216":[446],"1217":[447],"1218":[448],"1220":[449],"1221":[450],"1223":[451],"1224":[452],"1225":[453],"1227":[454],"1229":[455],"1231":[456],"1232":[457],"1236":[458],"1239":[459],"1241":[460],"1249":[461],"1250":[462],"1251":[463],"1259":[464],"1263":[465],"1267":[466],"1270":[467],"1271":[468],"1273":[469],"1275":[470],"1276":[471],"1277":[472],"1278":[473],"1280":[474],"1282":[475],"1283":[476],"1284":[477],"1286":[478,479],"1289":[480],"1290":[481,482,483],"1291":[484],"1297":[485],"1298":[486],"1301":[487],"1303":[488],"1304":[489],"1305":[490],"1306":[491],"1307":[492],"1308":[493],"1309":[494],"1310":[495],"1311":[496,497],"1312":[498],"1313":[499],"1316":[500],"1317":[501],"1319":[502],"1322":[503,504],"1323":[505],"1328":[506],"1329":[507],"1332":[508],"1333":[509],"1334":[510],"1339":[511],"1340":[512],"1343":[513],"1345":[514],"1346":[515],"1349":[516,517,518],"1351":[519],"1352":[520,521],"1353":[522],"1354":[523],"1355":[524],"1357":[525],"1358":[526,527],"1360":[528,529],"1362":[530,531],"1366":[532],"1368":[533,534],"1369":[535,536],"1370":[537],"1371":[538],"1374":[539],"1375":[540],"1376":[541],"1380":[542],"1381":[543],"1382":[544],"1383":[545],"1385":[546],"1387":[547],"1388":[548],"1389":[549],"1390":[550],"1391":[551],"1394":[552],"1399":[553],"1400":[554,555],"1401":[556],"1402":[557,558],"1403":[559,560],"1404":[561,562],"1405":[563],"1406":[564],"1407":[565],"1408":[566],"1409":[567,568],"1410":[569,570],"1411":[571,572],"1412":[573,574],"1414":[575],"1415":[576,577],"1420":[578,579],"1421":[580,581],"1422":[582],"1426":[583],"1427":[584],"1428":[585],"1429":[586],"1430":[587],"1431":[588],"1432":[589],"1435":[590],"1441":[591],"1443":[592],"1444":[593,594],"1446":[595],"1449":[596,597],"1451":[598],"1452":[599],"1458":[600],"1463":[601],"1464":[602],"1465":[603],"1467":[604,605],"1468":[606,607],"1469":[608,609],"1474":[610],"1475":[611],"1479":[612],"1480":[613],"1484":[614],"1485":[615,616],"1488":[617],"1490":[618,619],"1492":[620],"1496":[621],"1498":[622],"1503":[623],"1506":[624],"1510":[625],"1513":[626],"1515":[627],"1516":[628],"1517":[629],"1519":[630],"1522":[631,632],"1524":[633],"1525":[634],"1528":[635],"1531":[636],"1534":[637],"1535":[638],"1539":[639],"1545":[640],"1548":[641],"1549":[642],"1550":[643],"1554":[644],"1555":[645],"1556":[646,647,648],"1557":[649],"1560":[650],"1563":[651],"1564":[652],"1567":[653],"1571":[654],"1573":[655],"1574":[656],"1576":[657,658],"1578":[659],"1584":[660,661],"1587":[662],"1588":[663,664],"1589":[665,666],"1590":[667],"1591":[668],"1592":[669],"1593":[670],"1595":[671],"1597":[672],"1602":[673],"1605":[674],"1606":[675],"1608":[676],"1614":[677],"1619":[678],"1622":[679],"1623":[680],"1624":[681],"1626":[682,683],"1627":[684],"1628":[685,686],"1629":[687,688],"1630":[689,690],"1631":[691],"1632":[692],"1636":[693,694],"1637":[695,696],"1639":[697,698],"1640":[699,700],"1641":[701],"1643":[702],"1648":[703],"1650":[704],"1652":[705],"1653":[706],"1656":[707,708],"1659":[709,710],"1660":[711,712],"1661":[713],"1663":[714,715],"1664":[716],"1665":[717],"1667":[718],"1668":[719],"1670":[720],"1671":[721,722],"1677":[723],"1678":[724,725],"1680":[726],"1685":[727],"1686":[728],"1687":[729],"1692":[730,731],"1693":[732],"1695":[733],"1696":[734],"1697":[735],"1698":[736],"1702":[737,738],"1703":[739],"1704":[740,741],"1705":[742,743],"1707":[744,745],"1708":[746,747],"1709":[748],"1711":[749],"1712":[750],"1713":[751],"1714":[752],"1716":[753],"1717":[754],"1718":[755],"1719":[756],"1720":[757],"1721":[758],"1722":[759],"1723":[760],"1724":[761],"1725":[762,763],"1726":[764,765,766],"1728":[767,768],"1732":[769],"1733":[770,771],"1734":[772],"1735":[773],"1736":[774],"1737":[775],"1738":[776,777],"1739":[778],"1740":[779],"1743":[780],"1744":[781],"1745":[782],"1746":[783],"1747":[784,785],"1748":[786],"1749":[787,788],"1750":[789],"1751":[790],"1752":[791],"1755":[792,793],"1756":[794],"1757":[795],"1758":[796],"1760":[797],"1761":[798],"1762":[799,800,801],"1763":[802,803,804],"1765":[805],"1766":[806],"1767":[807],"1769":[808],"1770":[809],"1771":[810,811],"1772":[812,813],"1773":[814,815],"1774":[816,817],"1776":[818,819],"1778":[820],"1780":[821],"1781":[822],"1782":[823,824],"1783":[825],"1784":[826],"1785":[827,828],"1786":[829,830],"1787":[831,832],"1788":[833],"1789":[834],"1790":[835,836],"1791":[837],"1796":[838],"1797":[839],"1798":[840,841],"1799":[842],"1800":[843,844],"1803":[845],"1804":[846],"1805":[847,848],"1806":[849],"1807":[850,851],"1808":[852],"1809":[853],"1811":[854],"1812":[855],"1813":[856],"1815":[857],"1816":[858],"1818":[859],"1819":[860],"1820":[861,862],"1821":[863],"1822":[864,865],"1824":[866],"1825":[867],"1826":[868],"1827":[869],"1828":[870],"1829":[871,872],"1830":[873,874,875],"1831":[876],"1832":[877],"1833":[878,879],"1835":[880],"1836":[881],"1837":[882],"1838":[883],"1839":[884],"1841":[885],"1843":[886],"1844":[887],"1845":[888],"1848":[889],"1849":[890],"1850":[891],"1852":[892],"1854":[893,894,895],"1856":[896],"1857":[897],"1858":[898],"1859":[899],"1860":[900],"1861":[901],"1865":[902],"1869":[903],"1870":[904,905],"1871":[906],"1873":[907,908],"1874":[909],"1876":[910,911],"1877":[912],"1882":[913],"1883":[914],"1885":[915,916],"1886":[917],"1888":[918],"1889":[919],"1892":[920],"1893":[921],"1894":[922],"1896":[923,924],"1897":[925,926],"1898":[927],"1899":[928],"1901":[929],"1902":[930],"1905":[931,932],"1906":[933],"1907":[934],"1909":[935],"1911":[936],"1923":[937],"1925":[938],"1926":[939],"1927":[940],"1928":[941],"1929":[942,943],"1930":[944],"1931":[945],"1934":[946],"1936":[947],"1937":[948,949],"1939":[950,951],"1940":[952,953,954],"1942":[955],"1944":[956],"1945":[957],"1946":[958,959],"1948":[960],"1951":[961,962,963],"1952":[964,965],"1953":[966],"1954":[967,968],"1955":[969,970],"1957":[971],"1960":[972],"1963":[973,974],"1964":[975,976],"1965":[977,978],"1967":[979],"1968":[980],"1969":[981,982],"1971":[983,984],"1972":[985],"1973":[986],"1974":[987,988],"1975":[989],"1976":[990],"1977":[991],"1978":[992],"1979":[993],"1980":[994],"1981":[995,996],"1982":[997],"1983":[998],"1984":[999],"1985":[1000],"1986":[1001],"1989":[1002,1003],"1990":[1004],"1992":[1005,1006,1007],"1993":[1008],"1994":[1009],"1995":[1010],"1997":[1011],"1998":[1012],"2000":[1013],"2002":[1014],"2003":[1015],"2004":[1016,1017],"2005":[1018],"2006":[1019,1020],"2008":[1021],"2009":[1022],"2010":[1023],"2011":[1024,1025],"2012":[1026],"2013":[1027],"2014":[1028],"2016":[1029,1030],"2017":[1031,1032],"2025":[1033],"2028":[1034],"2029":[1035],"2030":[1036],"2031":[1037,1038],"2032":[1039],"2036":[1040],"2038":[1041],"2040":[1042],"2042":[1043,1044],"2043":[1045],"2050":[1046],"2051":[1047,1048],"2054":[1049],"2055":[1050],"2056":[1051],"2058":[1052,1053],"2059":[1054],"2060":[1055],"2062":[1056],"2070":[1057,1058],"2071":[1059,1060],"2072":[1061,1062],"2075":[1063],"2076":[1064],"2077":[1065],"2079":[1066,1067],"2080":[1068],"2081":[1069],"2082":[1070,1071],"2084":[1072,1073],"2085":[1074,1075,1076],"2088":[1077],"2089":[1078,1079],"2091":[1080],"2093":[1081,1082],"2094":[1083],"2095":[1084,1085],"2097":[1086],"2098":[1087],"2099":[1088],"2100":[1089],"2101":[1090,1091,1092],"2102":[1093],"2103":[1094],"2104":[1095,1096],"2105":[1097],"2107":[1098],"2109":[1099,1100],"2111":[1101],"2112":[1102,1103],"2113":[1104],"2115":[1105],"2116":[1106,1107],"2117":[1108],"2120":[1109],"2121":[1110],"2124":[1111],"2125":[1112,1113],"2126":[1114,1115],"2127":[1116],"2129":[1117],"2130":[1118,1119],"2134":[1120,1121],"2135":[1122],"2137":[1123],"2138":[1124],"2140":[1125],"2142":[1126],"2143":[1127],"2144":[1128],"2145":[1129],"2147":[1130],"2148":[1131],"2149":[1132],"2150":[1133],"2152":[1134],"2154":[1135],"2155":[1136,1137],"2157":[1138],"2158":[1139],"2161":[1140],"2164":[1141],"2166":[1142,1143],"2167":[1144],"2168":[1145,1146],"2169":[1147],"2176":[1148],"2177":[1149],"2178":[1150],"2179":[1151,1152,1153],"2180":[1154],"2183":[1155],"2185":[1156],"2187":[1157],"2188":[1158],"2190":[1159],"2193":[1160,1161],"2195":[1162,1163],"2196":[1164],"2200":[1165,1166],"2202":[1167],"2203":[1168],"2204":[1169,1170],"2206":[1171],"2209":[1172],"2211":[1173],"2213":[1174],"2217":[1175],"2219":[1176],"2221":[1177,1178],"2222":[1179],"2223":[1180],"2224":[1181],"2226":[1182],"2227":[1183],"2228":[1184],"2231":[1185],"2233":[1186],"2235":[1187],"2236":[1188],"2240":[1189],"2241":[1190],"2242":[1191,1192],"2244":[1193],"2245":[1194],"2248":[1195],"2249":[1196],"2253":[1197,1198],"2256":[1199],"2257":[1200],"2259":[1201],"2260":[1202],"2263":[1203],"2272":[1204],"2274":[1205],"2275":[1206],"2276":[1207],"2277":[1208,1209],"2279":[1210],"2280":[1211],"2281":[1212],"2283":[1213],"2284":[1214],"2285":[1215],"2287":[1216,1217],"2288":[1218],"2290":[1219,1220],"2291":[1221],"2292":[1222],"2293":[1223],"2294":[1224],"2296":[1225],"2298":[1226,1227],"2300":[1228],"2302":[1229],"2303":[1230,1231],"2305":[1232],"2306":[1233],"2307":[1234],"2308":[1235],"2309":[1236,1237],"2310":[1238],"2312":[1239],"2313":[1240],"2314":[1241,1242],"2315":[1243],"2317":[1244],"2318":[1245],"2319":[1246],"2320":[1247],"2321":[1248],"2323":[1249],"2324":[1250,1251],"2328":[1252],"2332":[1253],"2334":[1254],"2337":[1255],"2338":[1256],"2339":[1257,1258],"2344":[1259],"2348":[1260],"2350":[1261],"2353":[1262],"2354":[1263,1264],"2359":[1265],"2360":[1266],"2364":[1267,1268],"2366":[1269,1270],"2367":[1271,1272],"2369":[1273],"2371":[1274],"2372":[1275],"2376":[1276],"2377":[1277],"2381":[1278],"2383":[1279],"2386":[1280],"2387":[1281],"2391":[1282],"2393":[1283,1284],"2396":[1285],"2397":[1286],"2398":[1287],"2400":[1288,1289],"2403":[1290],"2404":[1291],"2406":[1292,1293],"2408":[1294,1295],"2409":[1296],"2410":[1297],"2411":[1298,1299],"2414":[1300,1301],"2419":[1302],"2422":[1303],"2423":[1304],"2425":[1305,1306],"2426":[1307,1308],"2427":[1309,1310],"2428":[1311],"2430":[1312],"2432":[1313],"2433":[1314],"2437":[1315],"2438":[1316],"2440":[1317],"2441":[1318],"2442":[1319],"2444":[1320],"2446":[1321],"2447":[1322],"2448":[1323],"2449":[1324],"2451":[1325,1326],"2455":[1327],"2458":[1328],"2459":[1329],"2464":[1330],"2473":[1331],"2474":[1332],"2475":[1333,1334],"2476":[1335],"2477":[1336,1337],"2480":[1338],"2481":[1339],"2486":[1340],"2489":[1341],"2495":[1342],"2498":[1343],"2500":[1344],"2504":[1345],"2512":[1346],"2514":[1347,1348],"2515":[1349,1350],"2516":[1351],"2517":[1352],"2518":[1353],"2522":[1354],"2523":[1355],"2526":[1356],"2529":[1357,1358],"2531":[1359],"2532":[1360,1361],"2533":[1362,1363],"2535":[1364],"2537":[1365],"2538":[1366],"2539":[1367],"2540":[1368],"2544":[1369],"2546":[1370],"2547":[1371],"2548":[1372],"2550":[1373],"2551":[1374],"2552":[1375],"2553":[1376],"2555":[1377],"2557":[1378],"2558":[1379],"2561":[1380],"2566":[1381],"2568":[1382],"2570":[1383,1384],"2571":[1385],"2572":[1386],"2574":[1387,1388],"2576":[1389,1390],"2577":[1391],"2579":[1392],"2580":[1393],"2581":[1394],"2583":[1395],"2584":[1396,1397,1398],"2585":[1399],"2586":[1400],"2587":[1401],"2588":[1402],"2589":[1403],"2590":[1404,1405],"2591":[1406,1407],"2592":[1408],"2594":[1409,1410],"2595":[1411],"2596":[1412],"2597":[1413],"2603":[1414],"2609":[1415,1416],"2610":[1417],"2612":[1418],"2614":[1419],"2616":[1420],"2618":[1421],"2619":[1422,1423],"2620":[1424],"2622":[1425],"2626":[1426],"2627":[1427],"2628":[1428],"2629":[1429],"2631":[1430,1431],"2634":[1432,1433],"2635":[1434],"2636":[1435,1436],"2637":[1437],"2638":[1438],"2641":[1439],"2642":[1440],"2644":[1441],"2646":[1442,1443],"2647":[1444],"2649":[1445],"2650":[1446],"2651":[1447,1448,1449],"2653":[1450],"2658":[1451],"2660":[1452],"2661":[1453,1454],"2663":[1455,1456],"2665":[1457],"2667":[1458],"2669":[1459],"2671":[1460],"2672":[1461,1462],"2674":[1463,1464],"2675":[1465,1466],"2676":[1467],"2677":[1468],"2678":[1469],"2680":[1470],"2681":[1471],"2685":[1472,1473],"2686":[1474,1475],"2687":[1476],"2688":[1477],"2689":[1478],"2691":[1479],"2692":[1480],"2693":[1481],"2694":[1482],"2697":[1483],"2698":[1484],"2699":[1485,1486],"2700":[1487],"2701":[1488,1489],"2704":[1490],"2705":[1491],"2707":[1492],"2709":[1493],"2710":[1494],"2712":[1495,1496],"2713":[1497],"2715":[1498,1499],"2723":[1500],"2724":[1501,1502],"2725":[1503],"2726":[1504],"2727":[1505],"2728":[1506],"2729":[1507],"2730":[1508],"2733":[1509],"2734":[1510],"2735":[1511],"2736":[1512],"2737":[1513,1514],"2739":[1515,1516],"2740":[1517,1518],"2741":[1519],"2743":[1520,1521,1522],"2745":[1523,1524],"2746":[1525],"2748":[1526],"2749":[1527],"2753":[1528],"2754":[1529],"2755":[1530],"2756":[1531],"2757":[1532],"2758":[1533,1534],"2759":[1535,1536],"2761":[1537,1538],"2762":[1539],"2763":[1540],"2768":[1541,1542,1543],"2769":[1544],"2770":[1545],"2771":[1546],"2772":[1547],"2777":[1548],"2779":[1549],"2780":[1550],"2781":[1551],"2783":[1552,1553,1554],"2787":[1555],"2790":[1556],"2791":[1557],"2796":[1558],"2797":[1559,1560],"2798":[1561,1562],"2799":[1563],"2802":[1564],"2803":[1565],"2807":[1566],"2810":[1567],"2811":[1568],"2819":[1569],"2823":[1570],"2825":[1571],"2828":[1572,1573],"2832":[1574],"2835":[1575],"2837":[1576],"2839":[1577],"2842":[1578],"2844":[1579],"2847":[1580],"2852":[1581,1582],"2871":[1583],"2873":[1584],"2874":[1585],"2875":[1586],"2878":[1587],"2879":[1588],"2884":[1589,1590,1591],"2885":[1592],"2886":[1593],"2888":[1594],"2890":[1595],"2893":[1596],"2897":[1597],"2901":[1598],"2902":[1599],"2905":[1600],"2906":[1601],"2907":[1602],"2908":[1603],"2911":[1604],"2912":[1605,1606],"2913":[1607],"2914":[1608],"2919":[1609,1610,1611],"2920":[1612,1613],"2921":[1614],"2922":[1615],"2925":[1616],"2926":[1617],"2927":[1618],"2928":[1619],"2929":[1620],"2931":[1621,1622,1623],"2936":[1624],"2937":[1625],"2942":[1626,1627],"2944":[1628],"2945":[1629],"2946":[1630],"2947":[1631],"2948":[1632],"2952":[1633],"2953":[1634],"2954":[1635],"2955":[1636],"2958":[1637],"2959":[1638,1639],"2963":[1640],"2964":[1641,1642],"2965":[1643],"2966":[1644],"2967":[1645],"2968":[1646],"2970":[1647],"2976":[1648,1649],"2977":[1650],"2979":[1651],"2981":[1652,1653],"2982":[1654],"2983":[1655],"2984":[1656],"2985":[1657],"2987":[1658],"2990":[1659],"2994":[1660],"2997":[1661,1662],"2998":[1663],"2999":[1664],"3000":[1665],"3006":[1666],"3009":[1667],"3010":[1668],"3011":[1669],"3012":[1670],"3015":[1671],"3016":[1672],"3018":[1673],"3019":[1674],"3021":[1675,1676],"3023":[1677,1678],"3026":[1679],"3027":[1680],"3029":[1681],"3031":[1682],"3032":[1683,1684],"3035":[1685],"3042":[1686],"3044":[1687],"3045":[1688],"3046":[1689],"3048":[1690],"3049":[1691],"3050":[1692],"3052":[1693,1694],"3053":[1695],"3054":[1696],"3055":[1697],"3057":[1698,1699],"3058":[1700,1701],"3060":[1702],"3061":[1703],"3062":[1704],"3063":[1705],"3066":[1706],"3067":[1707],"3068":[1708],"3069":[1709],"3070":[1710],"3072":[1711],"3073":[1712],"3075":[1713],"3078":[1714,1715],"3079":[1716],"3082":[1717],"3084":[1718],"3085":[1719],"3088":[1720],"3091":[1721],"3092":[1722],"3093":[1723],"3094":[1724],"3095":[1725],"3097":[1726],"3100":[1727],"3101":[1728],"3103":[1729,1730],"3104":[1731],"3107":[1732],"3108":[1733],"3109":[1734,1735],"3113":[1736],"3114":[1737],"3116":[1738],"3117":[1739],"3119":[1740],"3120":[1741],"3121":[1742],"3122":[1743,1744],"3123":[1745],"3125":[1746,1747],"3127":[1748],"3128":[1749],"3132":[1750],"3133":[1751],"3137":[1752],"3138":[1753],"3142":[1754],"3144":[1755],"3145":[1756],"3146":[1757],"3147":[1758],"3148":[1759,1760],"3151":[1761,1762],"3153":[1763],"3155":[1764],"3156":[1765],"3157":[1766],"3158":[1767],"3159":[1768],"3160":[1769],"3165":[1770],"3167":[1771],"3169":[1772],"3170":[1773],"3172":[1774],"3174":[1775],"3175":[1776],"3176":[1777],"3177":[1778],"3178":[1779,1780],"3179":[1781],"3180":[1782],"3182":[1783],"3183":[1784],"3184":[1785],"3187":[1786],"3189":[1787],"3190":[1788],"3192":[1789],"3196":[1790],"3198":[1791],"3199":[1792],"3203":[1793,1794],"3204":[1795],"3209":[1796],"3213":[1797],"3216":[1798,1799],"3218":[1800],"3221":[1801,1802,1803],"3222":[1804],"3223":[1805],"3224":[1806],"3225":[1807],"3227":[1808],"3228":[1809],"3230":[1810,1811],"3231":[1812],"3233":[1813],"3235":[1814],"3238":[1815],"3240":[1816],"3243":[1817],"3244":[1818],"3246":[1819],"3259":[1820],"3261":[1821,1822,1823],"3265":[1824],"3266":[1825],"3269":[1826],"3271":[1827],"3274":[1828],"3275":[1829],"3276":[1830],"3277":[1831],"3279":[1832,1833],"3282":[1834],"3283":[1835],"3284":[1836],"3285":[1837],"3290":[1838],"3291":[1839],"3292":[1840],"3293":[1841],"3294":[1842],"3297":[1843],"3299":[1844],"3309":[1845],"3314":[1846],"3318":[1847,1848],"3322":[1849],"3323":[1850],"3327":[1851],"3329":[1852],"3330":[1853],"3338":[1854],"3341":[1855],"3344":[1856],"3345":[1857],"3347":[1858],"3348":[1859],"3349":[1860],"3353":[1861],"3355":[1862],"3359":[1863],"3362":[1864],"3364":[1865,1866],"3366":[1867],"3370":[1868],"3371":[1869],"3372":[1870],"3373":[1871,1872],"3375":[1873,1874],"3379":[1875],"3380":[1876],"3383":[1877],"3384":[1878],"3385":[1879],"3388":[1880,1881],"3390":[1882],"3400":[1883],"3403":[1884],"3404":[1885],"3408":[1886],"3410":[1887],"3411":[1888],"3413":[1889,1890],"3415":[1891],"3418":[1892],"3419":[1893],"3421":[1894,1895],"3422":[1896],"3423":[1897],"3424":[1898],"3429":[1899],"3430":[1900],"3432":[1901],"3434":[1902],"3436":[1903],"3437":[1904],"3440":[1905],"3442":[1906],"3445":[1907],"3450":[1908],"3451":[1909],"3454":[1910],"3461":[1911],"3472":[1912],"3474":[1913],"3475":[1914],"3477":[1915],"3481":[1916],"3482":[1917],"3486":[1918,1919],"3489":[1920],"3491":[1921],"3496":[1922],"3499":[1923],"3502":[1924],"3503":[1925],"3505":[1926],"3506":[1927],"3507":[1928],"3510":[1929],"3513":[1930,1931],"3514":[1932],"3519":[1933],"3520":[1934],"3523":[1935],"3526":[1936],"3528":[1937],"3530":[1938],"3533":[1939,1940],"3541":[1941],"3545":[1942],"3550":[1943],"3552":[1944],"3554":[1945],"3558":[1946,1947],"3563":[1948],"3564":[1949],"3567":[1950],"3570":[1951],"3577":[1952],"3578":[1953],"3579":[1954],"3582":[1955],"3585":[1956,1957],"3586":[1958],"3588":[1959,1960],"3590":[1961],"3591":[1962],"3595":[1963],"3597":[1964,1965],"3598":[1966],"3604":[1967],"3606":[1968,1969],"3607":[1970,1971],"3608":[1972],"3609":[1973],"3612":[1974,1975],"3615":[1976],"3618":[1977],"3621":[1978],"3623":[1979],"3624":[1980],"3627":[1981,1982],"3635":[1983],"3639":[1984],"3640":[1985],"3642":[1986],"3643":[1987],"3645":[1988],"3646":[1989],"3647":[1990],"3648":[1991],"3649":[1992],"3650":[1993,1994],"3656":[1995],"3660":[1996],"3662":[1997],"3663":[1998],"3665":[1999],"3672":[2000,2001],"3674":[2002],"3676":[2003],"3678":[2004],"3679":[2005],"3680":[2006],"3681":[2007,2008],"3686":[2009],"3687":[2010],"3689":[2011],"3691":[2012],"3692":[2013,2014],"3694":[2015],"3696":[2016],"3698":[2017,2018],"3700":[2019],"3701":[2020],"3703":[2021],"3705":[2022],"3707":[2023,2024],"3713":[2025],"3715":[2026],"3717":[2027,2028],"3721":[2029],"3725":[2030],"3728":[2031],"3730":[2032,2033],"3733":[2034],"3736":[2035],"3739":[2036,2037],"3741":[2038],"3744":[2039],"3747":[2040],"3748":[2041],"3749":[2042],"3750":[2043],"3751":[2044],"3752":[2045],"3753":[2046,2047],"3756":[2048],"3759":[2049,2050],"3761":[2051,2052],"3763":[2053],"3764":[2054],"3766":[2055],"3767":[2056,2057],"3770":[2058],"3773":[2059],"3775":[2060,2061],"3781":[2062],"3785":[2063],"3786":[2064],"3789":[2065,2066,2067],"3792":[2068],"3795":[2069],"3796":[2070],"3797":[2071],"3798":[2072],"3800":[2073],"3803":[2074],"3804":[2075],"3812":[2076],"3814":[2077],"3815":[2078],"3816":[2079],"3817":[2080],"3818":[2081],"3820":[2082],"3823":[2083,2084],"3824":[2085],"3825":[2086],"3827":[2087],"3828":[2088],"3835":[2089],"3836":[2090],"3838":[2091,2092],"3841":[2093],"3845":[2094,2095],"3848":[2096],"3849":[2097],"3850":[2098],"3854":[2099],"3856":[2100],"3857":[2101],"3862":[2102,2103],"3866":[2104,2105],"3868":[2106,2107],"3869":[2108],"3871":[2109,2110],"3882":[2111],"3885":[2112],"3886":[2113,2114],"3888":[2115],"3892":[2116,2117],"3894":[2118,2119],"3897":[2120,2121],"3903":[2122,2123],"3904":[2124,2125],"3905":[2126,2127],"3913":[2128,2129],"3914":[2130,2131],"3918":[2132,2133],"3924":[2134],"3926":[2135],"3927":[2136],"3928":[2137],"3932":[2138,2139],"3935":[2140,2141],"3944":[2142],"3946":[2143],"3950":[2144],"3954":[2145,2146]},"ٟ":[1,2,3]},"pages":[{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>ترجمة ابن كثير</span>\nهو الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن كثير بن درع القرشي من بني حصلة. ولد سنة إحدى وسبعمائة كما ذكر هو نفسه في البداية والنهاية (^١)، في قرية «مجدل» من أعمال «بصرى»، وقد ورد اسمها في البداية والنهاية (^٢):\n«مجيدل» ولعل ذلك وقع تصحيفا. وتوفي والده الخطيب شهاب الدين في قرية المجدل سنة ٧٠٣ هـ-كما ذكر المؤلف في البداية والنهاية ضمن ترجمة مستفيضة لوالده (^٣). وقد نشأ الإمام بعد وفاة والده في رعاية شقيقه الأكبر الذي قال عنه: «كان لنا شقيقا، وبنا رفيقا شفوقا» (^٤). وقد شهد القرن الثامن الهجري أحداثا عظيمة في ظل دولة المماليك تمثلت بهجوم التتار والمجاعات الكثيرة المتواترة والأوبئة التي حصدت الملايين من الناس، كما شهد الحروب مع الصليبيين وكثرة المؤامرات والفتن بين الأمراء والوزراء.\nومع ذلك كان يسود هذا العصر نشاط علمي بارز تمثل في كثرة المدارس وكثرة التآليف وخاصة التآليف الموسوعية منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2>شيوخه:</span>\nدرس الإمام ابن كثير على أيدي المئات من الشيوخ، نذكر منهم: القاسم بن محمد البرزالي مؤرخ الشام (ت ٧٣٩ هـ)، والشيخ يوسف بن عبد الرحمن المزي (ت ٧٤٤ هـ)، والحافظ ابن القلانسي (ت ٧٢٩ هـ)، وإبراهيم بن عبد الرحمن الفزاري (ت ٧٢٩ هـ)، ونجم الدين ابن العسقلاني، وابن الشحنة شهاب الدين الحجار (ت ٧٣٠ هـ)، وكمال الدين ابن قاضي شهبة، والشيخ نجم الدين موسى بن علي بن محمد الجيلي ثم الدمشقي المعروف بابن البصيص (ت ٧١٦ هـ)، والحافظ شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)؛ كما أخذ عن القاسم ابن عساكر وابن الشيرازي وإسحاق الآمدي وغيرهم كثير.\n\n<span data-type='title' id=toc-3>وفاته:</span>\nتوفي ابن كثير في يوم الخميس ٢٦ شعبان من سنة ٧٧٤ هـ، وخرجت بدمشق\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١٤/ ٢٢)\n(^٢) البداية والنهاية (١٤/ ٣٢)\n(^٣) البداية والنهاية (١٤/ ٣٣)\n(^٤) البداية والنهاية (١٤/ ٤٨)","vol":"1","page":3},{"text":"جموع غفيرة لتشييع جنازته؛ ودفن بمقرّ الصوفية خارج باب النصر من دمشق حسب وصيّته ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-4>مصنّفاته</span>\nترك الحافظ ابن كثير عشرات المؤلفات في شتّى الميادين العلمية، وبشكل خاص في التاريخ والتفسير والحديث. وإليك أهم مؤلفاته المطبوعة والمخطوطة والمفقودة:\n\n<span data-type='title' id=toc-5>أ-المؤلفات المطبوعة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-6>١ - تفسير القرآن الكريم</span>\n، وهو الكتاب الذي بين أيدينا: طبع أولا ببولاق على هامش فتح البيان للقنوجي في عشرة أجزاء، ثم طبع سنة ١٣٠٠ هـ في حواشي كتاب «مجمع البيان في مقاصد القرآن» للسيد أبي الطيب صديق بن حسن خان، وطبع بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٤٣ هـ بأمر من السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إمام نجد، وبهامشه تفسير البغوي. وأعيد طبعه مختصرا باسم «عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير» سنة ١٣٧٥ هـ، في خمسة أجزاء، عن مخطوطة نفيسة في المكتبة الأزهرية.\nوقد اعتمد الحافظ في تفسيره العظيم هذا أسلوب تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالحديث، وابتعد عن الإسرائيليات وانتقد الاعتماد عليها إلا فيما سمح به الشرع. وفي هذا يقول: «وهذا عندي وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يكبسون به على الناس أمر دينهم» (^١). وفي موضع آخر يقول: «والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما فيها من تضييع الزمان ولما اشتمل عليه من الكذب المروّج عليهم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>٢ - البداية والنهاية:</span>\nمؤلف كبير في التاريخ طبع عدة طبعات، ولعل أقدم طبعة منه كانت سنة ١٣٤٨ هـ بمساعدة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بمطبعة كردستان العلمية عن مخطوطة مصورة في مكتبة ولي الدين بالآستانة.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>٣ - جامع المسانيد والسنن:</span>\nكتاب ضخم، طبع لأول مرة في دار الكتب العلمية في بيروت في ٣٨ مجلدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>٤ - الاجتهاد في طلب الجهاد:</span>\nطبع أولا بمطبعة أبي الهول سنة ١٣٤٧ هـ طبعة غير محققة، ثم طبع سنة ١٤٠١ هـ ببيروت بتحقيق عبد الله عبد الرحيم عسيلان.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>٥ - اختصار علوم الحديث:</span>\nطبع بمكة سنة ١٣٥٣ هـ، بتصحيح الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. وطبع بمصر سنة ١٣٥٥ بتحقيق أحمد شاكر، ثم أعاد شاكر طبعه سنة\n_________\n(^١) ابن كثير، عمدة التفسير (ص ١٧)\n(^٢) ابن كثير، عمدة التفسير (ص ١٧)","vol":"1","page":4},{"text":"١٣٧٠ - مع زيادات في الشرح.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>٦ - أحاديث التوحيد والردّ على الشرك:</span>\nذكره بروكلمان في ملحق تاريخ الأدب العربي (٢/ ٤٨) وأشار إلى أنه طبع في دلهي سنة ١٢٩٧ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>ب-المؤلفات المخطوطة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-13>٧ - طبقات الشافعية:</span>\nمنه نسخة خطية مصورة بمعهد المخطوطات بالقاهرة تحت رقم (٧٨٩) صورت عن نسخة الكتاني بالرباط، وهناك مخطوطة أخرى في شستربتي رقمها (٣٣٩٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>ج-المؤلفات المفقودة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-15>٨ - التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل:</span>\nورد ذكره في كشف الظنون (١/ ٤٧١) وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١١٠) وذيل تذكرة الحافظ للسيوطي (ص ٨٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٩ - الكواكب الدراري في التاريخ:</span>\nذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (/ ٢ ١٥٢١).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>١٠ - سيرة الشيخين:</span>\nورد ذكره في البداية والنهاية (٧/ ١٨) وذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي (ص ٣٦١).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>١١ - الواضح النفيس في مناقب الإمام محمد بن إدريس:</span>\nذكر في كشف الظنون (٢/ ١٨٤٠) وطبقات المفسرين (١/ ١١١).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>١٢ - كتاب الأحكام:</span>\nوهو كتاب كبير لم يكمله وصل فيه إلى الحجّ؛ وقد ورد ذكره باسم «الأحكام الصغرى في الحديث» في كشف الظنون (١/ ٥٥٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>١٣ - الأحكام الكبيرة:</span>\nذكر في البداية والنهاية (٣/ ٢٥٣) وطبقات المفسرين (/ ١ ١١٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>١٤ - تخريج أحاديث أدلة التنبيه في فروع الشافعية:</span>\nذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ١٢٥) والبغدادي في هدية العارفين (١/ ٢١٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>١٥ - اختصار كتاب المدخل إلى كتاب السنن للبيهقي:</span>\nورد ذكره في اختصار علوم الحديث لابن كثير (ص ٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>١٦ - شرح صحيح البخاري:</span>\nلم يتمه؛ ذكر في البداية والنهاية (٣/ ٣،/ ١١ ٣٦)، وكشف الظنون (١/ ٥٥٠) وطبقات المفسرين (١/ ١١٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>١٧ - السماع:</span>\nذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٠٠٢).","vol":"1","page":5},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-25>[مقدمة المؤلف]</span>\n(قال الشيخ الإمام الأوحد، البارع الحافظ المتقن، عماد الدين أبو الفداء: إسماعيل ابن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير، الشافعي، رحمه الله تعالى ورضي عنه).\nالحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾.\n﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا. قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا. ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١ - ٥] وافتتح خلقه بالحمد فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] واختتمه بالحمد فقال بعد ما ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١] فله الحمد في الأولى والآخرة أي في جميع ما خلق وما هو خالق، هو المحمود في ذلك كله كما يقول المصلي «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد» ولهذا يلهم أهل الجنة تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس أي يسبحونه ويحمدونه عدد أنفاسهم، لما يرون من عظيم نعمه عليهم، وكمال قدرته وعظيم سلطانه وتوالي مننه ودوام إحسانه إليهم كما قال تعالى:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ. دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس: ٩، ١٠].\nوالحمد لله الذي أرسل رسله ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وختمهم بالنبي الأمي العربي المكي الهادي لأوضح السبل، أرسله إلى جميع خلقه من الإنس والجن من لدن بعثته إلى قيام الساعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ","vol":"1","page":7},{"text":"وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فمن بلغه هذا القرآن من عرب وعجم وأسود وأحمر وإنس وجان فهو نذير له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] فمن كفر بالقرآن ممن ذكرنا فالنار موعده بنص الله تعالى كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [القلم: ٤٤] وقال رسول الله ﷺ: «بعثت إلى الأحمر والأسود» قال مجاهد يعني الأنس والجن. فهو صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن مبلغا لهم عن الله تعالى ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] وقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه ندبهم إلى تفهّمه فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقال تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [ص: ٢٩] وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤].\nفالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله وتفسير ذلك وطلبه من مظانه وتعلم ذلك وتعليمه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] فذم الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله المنزل إليهم وإقبالهم على الدنيا وجمعها واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله.\nفعلينا أيها المسلمون أن ننتهي عما ذمهم الله تعالى به، وأن نأتمر بما أمرنا به من تعلم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه، وتفهيمه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ. اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧] ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها تنبيه على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يلين القلوب بالإيمان والهدى بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسؤول أن يفعل بنا هذا إنه جواد كريم.\nفإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ","vol":"1","page":8},{"text":"الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] وقال تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ولهذا قال رسول الله ﷺ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» يعني السنة. والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن وقد استدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.\nوالغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «فبم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدري وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» (^١) وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه. وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود ﵁. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا جابر بن نوح حدثنا الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت. ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته (^٢).\nوقال الأعمش أيضا عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعا.\nومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن ببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار وحدثنا وكيع حدثنا سفيان عن الأعمش عن مسلم قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. ثم رواه عن يحيي بن داود عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن الأعمش عن مسلم بن صبيح أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: نعم الترجمان للقرآن (^٣) ابن عباس. ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (ج ٥ ص ٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢) من حديث معاذ بن جبل.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٦٠. وفيه «فيم نزلت» في موضع «فيمن نزلت».\n(^٣) في الطبري ١/ ٦٥: «نعم ترجمان القرآن» أي بنص الحديث الذي قبله.","vol":"1","page":9},{"text":"كذلك (^١). فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة. وقد مات ابن مسعود ﵁ في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح وعمر بعده عبد الله بن عباس ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود. وقال الأعمش عن أبي وائل:\nاستخلف عليّ عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة وفي رواية سورة النور ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا (^٢).\nولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري (^٣) عن عبد الله بن عمرو لهذا كان عبد الله بن عمرو ﵄ قد أصاب يوم اليرموك زاملتين (^٤) من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.\nولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتضاد فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح والثاني ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه والثالث ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا نؤمن به ولا نكذبه ويجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرا. ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم. ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى:\n﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢] فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعّف القولين الأولين وسكت عن الثالث، فدل على صحته إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما ثم أرشد على أن الاطلاع\n_________\n(^١) في الطبري ١/ ٦٥: «وحدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، بنحوه».\n(^٢) قارن بالطبري: ١/ ٦٠.\n(^٣) صحيح البخاري (علم باب ٣٨؛ جنائز باب ٢٢؛ مناقب باب ٥؛ أنبياء باب ٥٠؛ أدب باب ١٠٩)\n(^٤) الزاملة: ما يحمل عليه من الإبل وغيرها.","vol":"1","page":10},{"text":"على عدتهم لا طائل تحته فقال في مثل هذا ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم ذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه فلهذا قال: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا﴾ أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن تنبه على الصحيح منها وتبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم. فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.\n[فصل] إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر فإنه كان آية في التفسير كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها. وقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه قال: فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله. ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيب وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا فيحكيها أقوالا، وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك والله الهادي.\nوقال شعبه بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم وهذا صحيح. أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على قول بعض ولا على من بعدهم ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك.\nفأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام لما رواه محمد بن جرير رحمه الله تعالى حيث قال:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٦٥.","vol":"1","page":11},{"text":"حدثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد ثنا سفيان حدثني عبد الأعلى وهو ابن عامر الثعلبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» (^١) وهكذا أخرجه الترمذي (^٢) والنسائي من طرق عن سفيان الثوري، به. ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي عوانة عن عبد الأعلى به مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهكذا رواه ابن جرير أيضا عن يحيى بن طلحة اليربوعي عن شريك عن عبد الأعلى به مرفوعا (^٣) ولكن رواه عن محمد بن حميد عن الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس الملائي عن عبد الأعلى عن سعيد عن ابن عباس فوقفه (^٤)، وعن محمد بن حميد عن جرير عن ليث عن بكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من قوله (^٥) فالله أعلم، وقال ابن جرير (^٦): حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري ثنا حبان بن هلال ثنا سهيل أخو حزم ثنا أبو عمران الجوني عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ» (^٧) وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي حزم القطعي وقال الترمذي: غريب وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل (^٨). وفي لفظ لهم «من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ» أي لأنه قد تكلف ما لا علم له به وسلك غير ما أمر به فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ لأنه لم يأت الأمر من بابه كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ والله أعلم. وهكذا سمى الله القذفة كاذبين فقال:\n﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به ولو كان أخبر بما يعلم لأنه تكلف ما لا علم له به والله أعلم. ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ثنا محمد بن يزيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. منقطع، وقال أبو عبيد أيضا: ثنا يزيد عن حميد عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأبّ؟ ثم رجع إلى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٨.\n(^٢) سنن الترمذي، كتاب التفسير، باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٥٨.\n(^٤) تفسير الطبري ١/ ٥٨.\n(^٥) أي من قول ابن عباس موقوفا.\n(^٦) تفسير الطبري ١/ ٥٩.\n(^٧) في الطبري: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». وكذا في الترمذي، كتاب التفسير، باب ١.\n(^٨) عبارة الترمذي: «وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم» هذا ولم نقع على حكمه بأن هذا الحديث غريب.","vol":"1","page":12},{"text":"نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. وقال عبد بن حميد: ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال فما الأب ثم قال: هو التكلف فما عليك أن لا تدريه؟ وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب وإلا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل كقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَبًا﴾ [عبس: ٢٨] وقال ابن جرير:\nحدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة أنّ ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها (^١)، إسناده صحيح، وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن (يوم كان مقداره ألف سنة) فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.\nوقال ابن جرير أيضا: حدثني يعقوب يعني ابن إبراهيم حدثنا ابن علية عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن؟ فقال: أحرج عليك إن كنت مسلما إلا ما قمت عني-أو قال: أن تجالسني (^٢) -وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئا (^٣). وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن (^٤) وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء يعني عكرمة (^٥).\nوقال ابن شوذب حدثني يزيد بن أبي يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحرام والحلال وكان أعلم الناس فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع (^٦). وقال ابن جرير:\nحدثني أحمد بن عبدة الضبي حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد الله بن عمر قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون (^٧) القول في التفسير منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب ونافع. وقال أبو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال:\nما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط. وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين: سألت عبيدة يعني السلماني عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٦٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٦٣.\n(^٣) في الطبري: «أنا لا أقول في القرآن شيئا».\n(^٤) تفسير الطبري ١/ ٦٢.\n(^٥) تفسير الطبري ١/ ٦٢.\n(^٦) تفسير الطبري ١/ ٦٢.\n(^٧) في الطبري: «وإنهم ليغلظون القول في التفسير … إلخ».","vol":"1","page":13},{"text":"القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد. وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: إذا حدثت عن الله حديثا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده. حدثنا هشيم عن مغيرة عن ابراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ولكنها الرواية عن الله ﷿. وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم حدثنا عمرو بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال:\nاتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله.\nفهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه. فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ولما جاء في الحديث الذي روي من طرق: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيام بلجام من نار». وأما الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير: حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا محمد بن خالد بن عثمة حدثنا أبو جعفر بن محمد الزبيري حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:\nما كان النبي ﷺ يفسر شيئا من القرآن إلا آيا تعدّ (^١)، علمهن إياه جبريل ﵇، ثم رواه عن أبي بكر محمد بن يزيد الطرسوسي عن معن بن عيسى عن جعفر بن خالد عن هشام به، فإنه حديث منكر غريب، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث، وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبرائيل، وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله كما صرح بذلك ابن عباس فيما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه أحد إلا الله. قال ابن جرير: وقد روي نحوه في حديث في إسناده نظر (^٢)! حدثني يونس عن عبد الأعلى الصدفي أنبأنا ابن وهب قال:\nسمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي عن أبي صالح مولى أم هانئ عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام-لا يعذر أحد بالجهالة به،\n_________\n(^١) في الطبري: «إلا آيا بعدد».\n(^٢) عبارة ابن جرير (تفسير الطبري ١/ ٥٧): «وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أيضا عن رسول الله ﷺ خبر في إسناده نظر» وهو حديث يونس الصدفي.","vol":"1","page":14},{"text":"وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ﷿، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب» والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي فإنه متروك الحديث، لكن قد يكون إنما وهم في رفعه، ولعله من كلام ابن عباس كما تقدم والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة</span>\nقال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام عن قتادة قال: نزل في المدينة من القرآن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وبراءة والرعد والنحل والحج والنور والأحزاب ومحمد والفتح والحجرات والرحمن والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق و﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [سورة التحريم] إلى رأس العشر وإذا زلزلت و﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ هؤلاء السور نزلت بالمدينة وسائر السور بمكة.\nفأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف آية ثم اختلف فيما زاد على ذلك على أقوال: فمنهم من لم يزد على ذلك، ومنهم من قال ومائتي آية وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة آية. وقيل:\nومائتان وتسع عشرة آية وقيل: ومائتان وخمس وعشرون آية، أو ست وعشرون آية، وقيل:\nومائتان وست وثلاثون، حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتابه «البيان». وأما كلماته فقال الفضل بن شاذان عن عطاء بن يسار: سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة.\nوأما حروفه فقال عبد الله بن كثير عن مجاهد: هذا ما أحصيناه من القرآن وهو ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفا، وقال الفضل بن عطاء بن يسار: ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا. وقال سلام أبو محمد الحماني أن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال: أخبروني عن القرآن كله كم من حرف هو؟ قال: فحسبنا فأجمعوا أنه ثلاثمائة ألف وأربعون ألفا وسبعمائة وأربعون حرفا، قال: فأخبروني عن نصفه فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ وثلثه الأول عند رأس مائة آية من براءة والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء، والثالث إلى آخره، وسبعه الأول إلى الدال من قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ [النساء: ٥٥] والسبع الثاني إلى التاء من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿حَبِطَتْ﴾ (^١) والثالث إلى الألف الثاني من قوله تعالى في الرعد:\n﴿أُكُلُها﴾ [الرعد: ٣٥] والرابع إلى الألف في الحج من قوله:\n_________\n(^١) لم يرد في سورة الأعراف لفظ «أولئك حبطت» وإنما السياق التالي من دون «أولئك: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [الأعراف: ١٤٧]. أما «أولئك حبطت» فقد وردت في سورة التوبة، الآية: ١٧ و٦٩.","vol":"1","page":15},{"text":"﴿جَعَلْنا مَنْسَكًا﴾ (^١) والخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] والسادس إلى الواو من قوله تعالى في الفتح: ﴿الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] والسابع إلى آخر القرآن. قال سلام أبو محمد: علمنا ذلك في أربعة أشهر، قالوا وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن، فالأول إلى آخر الأنعام والثاني إلى ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ من سورة الكهف، والثالث إلى آخر الزمر، والرابع إلى آخر القرآن وقد حكى الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه (البيان) خلافا في هذا كله فالله أعلم.\nوأما (التحزيب والتجزئة) فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها وقد ذكرنا فيما تقدم الحديث الوارد في تحزيب الصحابة للقرآن والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجة وغيرهم عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ في حياته كيف تحزبون القرآن؟ قالوا ثلث وخمس وسبع وتسع وأحد عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل حتى تختم.\n[فصل] واختلف في معنى السورة مما هي مشتقة فقيل من الإبانة والارتفاع قال النابغة:\n[الطويل] ألم تر أن الله أعطاك سورة … ترى كل ملك دونها يتذبذب (^٢)\nفكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة. وقيل لشرفها وارتفاعها كسور البلدان، وقيل:\nسميت سورة لكونها قطعة من القرآن وجزءا منه مأخوذ من أسآر الإناء وهو البقية. وعلى هذا فيكون أصلها مهموزا. وإنما خففت الهمزة فأبدلت الهمزة واوا لانضمام ما قبلها، وقيل لتمامها وكمالها لأن العرب يسمون الناقة التامة سورة (قلت) ويحتمل أن يكون من الجمع والإحاطة لآياتها كما يسمى سور البلد لإحاطته بمنازله ودوره. وجمع السورة سور بفتح الواو، وقد يجمع على سورات وسورات، وأما الآية فمن العلامة على انقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصالها أي هي بائنة عن أختها ومنفردة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وقال النابغة: [الطويل] توهمت آيات لها فعرفتها … لستة أعوام وذا العام سابع (^٣)\nوقيل لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه كما يقال: خرج القوم بآياتهم أي بجماعاتهم. قال الشاعر: [الطويل]\n_________\n(^١) اللفظ «جعلنا منسكا» ورد مرتين في سورة الحج، في الآية ٣٤ والآية ٦٧.\n(^٢) البيت للنابغة في ديوانه ص ٧٣؛ ولسان العرب (سور)؛ وتهذيب اللغة ١٣/ ٤٩؛ وجمهرة اللغة ص ١٧٤، وديوان المعاني ١/ ١٥؛ وتاج العروس (سور)\n(^٣) البيت للنابغة في ديوانه ص ٣١؛ وخزانة الأدب ٢/ ٤٥٣؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٧؛ والصاحبي في فقه اللغة ص ١١٣؛ والكتاب ٢/ ٨٦؛ ولسان العرب (عشر)؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠٦.","vol":"1","page":16},{"text":"خرجنا من النقبين لا حيّ مثلنا … بآيتنا نزجي اللّقاح المطافلا (^١)\nوقيل سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها قال سيبويه: وأصلها أيية مثل أكمة وشجرة، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصارت آية بهمزة بعدها مدة وقال الكسائي أصلها آيية على وزن آمنة فقلبت ألفا ثم حذفت لالتباسها وقال الفراء: أصلها أيية بتشديد الياء الأولى فقلبت ألفا كراهية التشديد فصارت آية وجمعها آي وآيات وآياي. وأما الكلمة فهي اللفظة الواحدة وقد تكون على حرفين مثل ما ولا ونحو ذلك. وقد تكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ و﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ ﴿فَأَسْقَيْناكُمُوهُ﴾. وقد تكون الكلمة الواحدة آية مثل والفجر والضحى والعصر وكذلك ألم وطه ويس وحم في قول الكوفيين وحم عسق عندهم كلمتان وغيرهم لا يسمي هذه آيات بل يقول هذه فواتح السور وقال أبو عمرو الداني لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله تعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بسورة الرحمن.\n[فصل] قال القرطبي: أجمعوا على أنه ليس في القرآن شيء من التراكيب الأعجمية، وأجمعوا أن فيه أعلاما من الأعجمية كإبراهيم ونوح ولوط واختلفوا هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية فأنكر ذلك الباقلاني والطبري وقالا: ما وقع فيه مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات.\n_________\n(^١) البيت لبرج بن مسهر الطائي في لسان العرب (أيا)؛ ومقاييس اللغة ١/ ١٦٩؛ وتاج العروس (أيي)؛ وللبرجمي في لسان العرب (قفف)؛ وتاجر العروس (قفف)","vol":"1","page":17},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-27>سورة الفاتحة</span>\nيقال لها الفاتحة أي فاتحة الكتاب خطا وبها تفتتح القراءة في الصلوات، ويقال لها أيضا أم الكتاب عند الجمهور، ذكره أنس، والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك، قال الحسن وابن سيرين: إنما ذلك اللوح المحفوظ، وقال الحسن: الآيات المحكمات هن أم الكتاب، ولذا كرها أيضا أن يقال لها أم القرآن وقد ثبت في الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ «الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم» ويقال لها (الحمد) ويقال لها (الصلاة) لقوله ﷺ عن ربه «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي» الحديث. فسميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها ويقال لها (الشفاء) لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا «فاتحة الكتاب شفاء من كل سم» ويقال لها (الرقية) لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم فقال له رسول الله ﷺ «وما يدريك أنها رقية»؟ وروى الشعبي عن ابن عباس أن سماها (أساس القرآن) قال: وأساسها بسم الله الرحمن الرحيم وسماها سفيان بن عيينة (بالواقية) وسماها يحيى بن أبي كثير (الكافية) لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة «أم القرآن عوض من غيرها وليس من غيرها عوض منها» ويقال لها سورة الصلاة والكنز، ذكرهما الزمخشري في كشافه.\nوهي مكية قاله ابن عباس وقتادة وأبو العالية، وقيل مدنية قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري ويقال نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، والأول أشبه لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] والله تعالى أعلم. وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة وهو غريب جدا، نقله القرطبي عنه، وهي سبع آيات بلا خلاف، وقال عمرو بن عبيد: ثمان، وقال حسين الجعفي: ستة، وهذان القولان شاذان وإنما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها كما هو عند جمهور قراء الكوفة وقول جماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف أو بعض آية أو لا تعد من أولها بالكلية كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء على ثلاثة أقوال كما سيأتي تقريرها في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nقالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفا. قال البخاري في أول كتاب التفسير وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة،","vol":"1","page":18},{"text":"وقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته. قال ابن جرير: والعرب تسمي كل جامع أمرا أو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع: أمّا، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أمّا، واستشهد بقول ذي الرمة [الطويل].\nعلى رأسه أمّ لنا نقتدي بها … جماع أمور لا نعاصي لها أمرا (^١)\n-يعني الرمح-قال: وسميت مكة أم القرى لتقدمها أمام جميعها وجمعها ما سواها، وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها. ويقال لها أيضا: الفاتحة لأنها تفتتح بها القراءة وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام (^٢) وصح تسميتها بالسبع المثاني، قالوا: لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة، وإن كان للمثاني معنى آخر كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا ابن أبي ذئب وهاشم بن هاشم (^٤) عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في أم القرآن: «هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم» ثم رواه عن إسماعيل بن عمر عن ابن أبي ذئب به. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (^٥): حدثني يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني» وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره:\nحدثنا أحمد بن محمد بن زياد حدثنا محمد بن غالب بن حارث، حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي، حدثنا المعافى بن عمران عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «الحمد لله رب العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب، وفاتحة الكتاب» وقد رواه الدارقطني أيضا عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه، أو مثله، وقال: كلهم ثقات. وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي﴾ بالفاتحة وأن البسملة هي الآية السابعة منها وسيأتي تمام هذا عند البسملة. وقد روى الأعمش عن إبراهيم قال: قيل لابن مسعود: لم لم تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٧٤. وقد روى ثلاثة أبيات هي: وأسمر قوّام إذا نام صحبتي خفيف الثياب لا تواري له أزرا على رأسه أم لنا نقتدي بها جماع أمور لا نعاصي لها أمرا إذا نزلت قيل أنزلوا وإذا غدت غدت ذات بزريق ننال بها فخرا\n(^٢) المصحف الإمام هو مصحف عثمان ﵁.\n(^٣) المسند ج ٣ ص ٤٥٩.\n(^٤) في المسند: «هاشم بن القاسم».\n(^٥) تفسير الطبري ١/ ٧٤.","vol":"1","page":19},{"text":"في أول كل سورة، قال أبو بكر بن أبي داود: يعني حيث يقرأ في الصلاة، قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها وقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن كما ورد في حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة وقيل: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ كما في حديث جابر في الصحيح وقيل: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وهذ هو الصحيح كما سيأتي تقريره في موضعه والله المستعان.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>ذكر ما ورد في فضل الفاتحة</span>\nقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده (^١) حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال:\nكنت أصلي فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه حتى صليت، قال: فأتيته فقال: «ما منعك أن تأتيني»؟ قال: قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي قال: ألم يقل الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ثم قال: «لأعلمنك (^٢) أعظم سورة في القرآن قيل أن تخرج من المسجد» قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت:\nيا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال: «نعم ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وهكذا رواه البخاري عن مسدد وعلي بن المديني، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به، ورواه في موضع آخر من التفسير، وأبو داوود والنسائي وابن ماجة من طرق عن شعبة به، ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاري عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى عن أبيّ بن كعب فذكر نحوه. وقد وقع في الموطأ (^٣) للإمام مالك بن أنس ﵀ ما ينبغي التنبيه عليه فإنه رواه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي: أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبرهم أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد فلما فرغ من صلاته لحقه قال فوضع النبي ﷺ يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد ثم قال ﷺ: «إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها» قال أبي ﵁: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك ثم قلت: يا رسول الله ما السورة التي وعدتني؟ قال: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت عليه ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حتى أتيت على آخرها، فقال رسول الله ﷺ «هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت» فأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى كما اعتقده ابن الأثير في\n_________\n(^١) المسند ج ٥ ص ٣٣٤.\n(^٢) المراد: لأعلمنك من أمرها ما لم تكن تعلمه قبل ذلك، وإلا فقد كان عالما بالسورة وحافظا لها.\n(^٣) الموطأ، كتاب الصلاة، حديث ٣٧ (باب ما جاء في أم القرآن)","vol":"1","page":20},{"text":"جامع الأصول ومن تبعه فإن ابن المعلى صحابي أنصاري وهذا تابعي من موالي خزاعة، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره منقطع إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أبي بن كعب، فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم والله أعلم. على أنه قد روي عن أبي بن كعب من غير وجه كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ على أبيّ بن كعب، وهو يصلي فقال: يا أبيّ، فالتفت ثم لم يجبه، ثم قال: أبيّ، فخفف (^٢) أبيّ ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك أي رسول الله قال: وعليك السلام ما منعك أي أبيّ إذ دعوتك أن تجيبني، قال: أي رسول الله إني كنت في الصلاة قال: أولست تجد فيما أوحى الله تعالى إلي [أن] (^٣) ﴿اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قال: بلى يا رسول الله لا أعود قال أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قلت: نعم أي رسول الله، قال رسول الله ﷺ: إني لأرجو أن لا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها، قال: فأخذ رسول الله ﷺ بيدي يحدثني وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث، فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله ما السورة التي وعدتني؟ قال:\nما تقرأ في الصلاة (^٤)؟ قال: فقرأت عليه أم القرآن قال: والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها السبع المثاني (^٥). ورواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ فذكره وعنده: إنها من السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أنس بن مالك، ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد عن إسماعيل بن أبي معمر عن أبي أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب، فذكره مطولا بنحوه أو قريبا منه. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن أبي عمار حسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي. هذا لفظ النسائي، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا هاشم يعني ابن البريد، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن جابر قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد أهراق (^٦) الماء فقلت: السلام\n_________\n(^١) المسند ج ٣ ص ٣٨٧.\n(^٢) عبارة المسند: «ثم صلّى أبيّ فخفّف» في موضع «ثم قال: أبيّ، فخفّف».\n(^٣) زيادة من المسند.\n(^٤) عبارة المسند: «فكيف تقرأ في الصلاة»؟.\n(^٥) عبارة المسند: «وإنها للسّبع من المثاني».\n(^٦) أهراق يهريق إهراقة الماء: أراقه.","vol":"1","page":21},{"text":"عليك يا رسول الله فلم يرد علي، قال فقلت: السلام عليك يا رسول الله فلم يرد علي، قال:\nفقلت: السلام عليك يا رسول الله فلم يرد علي، قال: فانطلق رسول الله ﷺ يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله (^١) ودخلت أنا المسجد فجلست كئيبا حزينا فخرج عليّ رسول الله ﷺ وقد تطهر فقال: عليك السلام ورحمة الله وعليك السلام ورحمة الله وعليك السلام ورحمة الله ثم قال:\n«ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخير سورة في القرآن» قلت: بلى يا رسول الله، قال «اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها (^٢)» هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا يحتج به الأئمة الكبار وعبد الله بن جابر هذا الصحابي ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي والله أعلم، ويقال إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي فيما ذكره الحافظ ابن عساكر. واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض كما هو المحكي عن كثير من العلماء، منهم إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن العربي وابن الحفار من المالكية، وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وإن كان الجميع فاضلا، نقله القرطبي عن الأشعري وأبي بكر الباقلاني وأبي حاتم بن حيان البستي ويحيى بن يحيى ورواية عن الإمام مالك.\nحديث آخر: قال البخاري في فضائل القرآن: حدثنا محمد بن المثنى، وحدثنا وهب حدثنا هشام عن محمد عن معبد عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم (^٣) وإن نفرنا غيّب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه (^٤) برقية فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنا. فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ فقال: لا ما رقيت إلا بأم الكتاب قلنا: لا تحدثوا شيئا حتى نأتي أو نسأل رسول الله ﷺ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ فقال: «وما كان يدريه أنها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم» وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، حدثنا هشام، حدثنا محمد بن سيرين حدثني معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري بهذا، وهكذا رواه مسلم وأبو داود من رواية هشام وهو ابن حسان عن ابن سيرين به وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم يعني اللديغ يسمونه بذلك تفاؤلا.\n_________\n(^١) الرّحل: مركب للبعير والناقة، وهو من مراكب الرجال دون النساء. ويعبّر به عما يستصحبه الراكب وعما جلس عليه في المنزل، وعن المنزل نفسه، وعن مسكن الرجل.\n(^٢) المسند ج ٦ ص ١٨٧.\n(^٣) السليم: الملدوغ (على التفاؤل). وهو أيضا الجريح المشفي على الهلكة. والنّفر: رهط الإنسان وعشيرته، والجماعة الذين ينفرون في الأمر.\n(^٤) أبنه: عابه، واتّهمه. والمراد: ما كنا نعلم أنه يرقي فنعيبه بذلك، باعتبار أن توسّل الرّمى مما يعاب عليه الإنسان المسلم.","vol":"1","page":22},{"text":"حديث آخر: روى مسلم (^١) في صحيحه والنسائي (^٢) في سننه من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم عن عمار بن رزيق عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبرائيل، إذ سمع نقيضا (^٣) فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته، وهذا لفظ النسائي.\nولمسلم نحوه حديث آخر، قال مسلم (^٤): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (هو ابن راهويه) حدثنا سفيان بن عيينة عن العلاء، (يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الخرقي) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج (^٥)» ثلاثا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون خلف الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﷿: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». وهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه وقد روياه أيضا عن قتيبة عن مالك عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة به، وفي هذا السياق «فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل» وكذا.\nرواه ابن إسحاق عن العلاء وقد رواه مسلم من حديث ابن جريج عن العلاء عن أبي السائب هكذا. ورواه أيضا من حديث ابن أبي أويس عن العلاء عن أبيه وأبي السائب، كلاهما عن أبي هريرة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وسألت أبا زرعة عنه فقال: كلا الحديثين صحيح، من قال عن العلاء عن أبيه وعن العلاء عن أبي السائب. روى هذا الحديث عبد الله بن الإمام أحمد من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب مطولا. وقال ابن جرير (^٦):\nحدثنا صالح بن مسمار المروزي حدثنا زيد بن الحباب حدثنا عنبسة بن سعيد عن مطرف بن طريف عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) كتاب صلاة المسافرين، حديث ٢٥٤.\n(^٢) كتاب الافتتاح، باب ٢٥.\n(^٣) النقيض: الصوت كصوت الباب إذا فتح.\n(^٤) كتاب الصلاة، حديث ٣٨. وما وضعناه بين هلالين ليس من حديث مسلم.\n(^٥) الخداج: النقصان. وقوله ﵊: «خداج» أي ذات خداج.\n(^٦) تفسير الطبري ١/ ١١٧.","vol":"1","page":23},{"text":"«قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وله ما سأل فإذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال: حمدني عبدي وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثنى عليّ عبدي، ثم قال: هذا لي وله ما بقي. وهذا غريب من هذا الوجه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-29>الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث\nمما يختص بالفاتحة من وجوه</span>\nأحدها: أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة، والمراد القراءة كقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي بقراءتك كما جاء مصرحا به في الصحيح عن ابن عباس، وهكذا قال في هذا الحديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل» ثم بين تفضيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة فدل على عظم القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها إذا أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها هو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] والمراد صلاة الفجر كما جاء مصرحا به في الصحيحين من أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسأله نذكرها في الوجه الثاني، وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب أم تجزئ هي أو غيرها؟ على قولين مشهورين، فعند أبي حنيفه ومن وافقه من أصحابه وغيرهم، أنها لا تتعين بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله ﷺ قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن» قالوا فأمره بقراءة ما تيسر ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها فدل على ما قلنا.\nوالقول الثاني: أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» والخداج هو الناقص كما فسر به في الحديث «غير تمام» واحتجوا أيضا بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها فيها بأم القرآن»\n_________\n(^١) العبارة الأخيرة هي من قول الحافظ ابن كثير لا من قول الطبري، فتنبّه.","vol":"1","page":24},{"text":"والأحاديث في هذا الباب كثيرة ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك ﵏.\nثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون:\nإنما تجب قراءتها في معظم الركعات. وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات أخذا بمطلق الحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين قراءتها بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله تعالى ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ والله أعلم. وقد روى ابن ماجة من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها» وفي صحة هذا نظر وموضع تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير والله أعلم.\nوالوجه الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء [أحدها] أنه تجب عليه قراءتها كما تجب على إمامه لعموم الأحاديث المتقدمة [والثاني] لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها ولا في الصلاة الجهرية ولا السرية، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^١) عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» ولكن في إسناده ضعف (^٢). ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي ﷺ والله أعلم [والقول الثالث] أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا يجب ذلك في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» وذكر بقية الحديث، وهكذا رواه أهل السنن أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «وإذا قرأ فأنصتوا» وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضا، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي ﵀: ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا غسان بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت».\n_________\n(^١) ج ٥ ص ١٠٠.\n(^٢) إسناد الإمام أحمد جاء على النحو التالي: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا حسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>الكلام على تفسير الاستعاذة</span>\nقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠] وقال تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٧] وقال تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦] فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموادة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل كما قال تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] وقد أقسم للوالد آدم ﵇ أنه له لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] وقال تعالى:\n﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].\nقالت طائفة من القراء وغيرهم: نتعوّذ بعد القراءة، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة، وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما نقله عنه ابن قلوقا (^١) وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة الهذلي المغربي في كتابه «الكامل» (^٢) وروي عن أبي هريرة أيضا وهو غريب. ونقله محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال: وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري.\nوحكى القرطبي عن أبي بكر بن العربي عن المجموعة عن مالك ﵀: أن القارئ يتعوذ بعد الفاتحة، واستغربه ابن العربي. وحكى قولا ثالثا وهو الاستعاذة أولا وآخرا جمعا بين الدليلين، نقله الرازي. والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الموسوس فيها ومعنى الآية عندهم ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أي إذا أردت القراءة كقوله تعالى ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن قلوقا، أو أقلوقا، الكوفي. من الرواة. انظر طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٣٧٦.\n(^٢) هو «الكامل في القراءات الخمسين» لأبي القاسم يوسف بن علي بن جبارة المتوفى سنة ٤٦٥ هـ (كشف الظنون ٢/ ١٣٨١)","vol":"1","page":26},{"text":"[المائدة: ٦] أي إذا أردتم القيام، والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ بذلك. قال الإمام أحمد بن حنبل (^١) ﵀: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس حدثنا جعفر بن سليمان عن علي بن علي الرفاعي اليشكري عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال:\nكان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك (^٢)، ولا إله غيرك» ويقول لا إله إلا الله ثلاثا-ثم يقول- «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» وقد رواه أهل السنن الأربعة من رواية جعفر بن سليمان عن علي بن علي وهو الرفاعي، وقال الترمذي: هو أشهر شيء في هذا الباب، وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق، والنفخ بالكبر والنفث بالشعر. كما رواه أبو داود وابن ماجة من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن نافع بن جبير بن المطعم عن أبيه قال:\nرأيت رسول الله ﷺ حين دخل في الصلاة قال: «الله أكبر كبيرا ثلاثا، الحمد لله كثيرا ثلاثا، سبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» قال عمرو: همزه الموتة ونفخه الكبر ونفثه الشعر، وقال ابن ماجة: حدثنا علي بن المنذر حدثنا ابن فضيل حدثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه» قال: همزه الموتة ونفخه الكبر ونفثه الشعر. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك عن يعلى بن عطاء عن رجل حدثه أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاثا ثم قال: «لا إله إلا الله» ثلاث مرات، «وسبحان الله وبحمده» ثلاث مرات ثم قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» (^٣). وقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان الكوفي، حدثنا علي بن هاشم بن البريد عن يزيد بن زياد عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب ﵁ قال: تلاحى رجلان عند النبي ﷺ فتمزع (^٤) أنف أحدهما غضبا فقال رسول الله ﷺ «إني لأعلم شيئا لو قاله لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن يوسف بن عيسى المروزي عن الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، به. وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل عن أبي سعيد عن زائدة، وأبو داود عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي والنسائي في اليوم الليلة عن بندار عن ابن مهدي عن الثوري، والنسائي أيضا من حديث زائدة بن قدامة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير\n_________\n(^١) المسند ج ٤ ص ١٠١.\n(^٢) الجدّ: المكانة والمنزلة.\n(^٣) مسند الإمام أحمد ج ٨ ص ٢٧٨.\n(^٤) تمزّع الشيء: تشقّف وتقطّع.","vol":"1","page":27},{"text":"عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل ﵁ قال: استبّ رجلان عند النبي ﷺ فغضب أحدهما غضبا شديدا حتى يخيل إليّ أن أحدهما يتمزع أنفه من شدة غضبه فقال النبي ﷺ: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب» فقال: ما هي يا رسول الله، قال: يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم» قال: فجعل معاذ يأمره فأبى وجعل يزداد غضبا وهذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: مرسل، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل فإنه مات قبل سنة عشرين. قلت: وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبي بن كعب كما تقدم وبلغه عن معاذ بن جبل فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة ﵃. قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن الأعمش عن عدي بن ثابت قال: قال سليمان بن صرد ﵁: استبّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس فأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي ﷺ «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول رسول الله ﷺ قال: إني لست بمجنون. وقد رواه أيضا مع مسلم وأبي داود والنسائي من طرق متعددة عن الأعمش به.\nوقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال والله أعلم. وقد روي أن جبريل ﵇ أول ما نزل بالقرآن على رسول الله ﷺ أمره بالاستعاذة كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال: أول ما نزل جبريل على محمد ﷺ قال: «يا محمد استعذ» قال: «أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» ثم قال: «قل بسم الله الرحمن الرحيم» ثم قال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد ﷺ بلسان جبريل. وهذا الأثر غريب وإنما ذكرناه ليعرف فإن في إسناده ضعفا وانقطاعا والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>[مسألة]</span>\nوجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة قال: وقال ابن سيرين: إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب واحتج الرازي لعطاء بظاهر الآية (فاستعذ) وهو أمر ظاهرة الوجوب وبمواظبة النبي ﷺ عليها ولأنها تدرأ شر الشيطان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولأن الاستعاذة أحوط وهو أحد مسالك الوجوب وقال بعضهم:\nكانت واجبة على النبي ﷺ دون أمته، وحكي عن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ لقيام رمضان في أول ليلة منه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٧٧.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>[مسألة]</span>\nوقال الشافعي: في الإملاء يجهر بالتعوذ وإن أسر فلا يضر، وقال في «الأم» بالتخيير لأنه أسرّ ابن عمر وجهر أبو هريرة، واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى هل يستحب التعوذ فيها على قولين ورجح عدم الاستحباب، والله أعلم، فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة وزاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم، وقال آخرون بل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، قال الثوري والأوزاعي، وحكي عن بعضهم أنه يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لمطابقة أمر الآية ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور، والأحاديث الصحيحة كما تقدم أولى بالاتباع من هذا والله أعلم.\n[مسألة] ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: بل للصلاة، فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ ويتعوذ في العيد بعد الإحرام وقبل تكبيرات العيد والجمهور بعدها قبل القراءة، ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له وهو لتلاوة كلام الله وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه ولا يقبل مصانعة ولا يدارى بالإحسان بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥] وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري فمن قتله العدو الظاهر البشري كان شهيدا، ومن قتله العدو الباطني كان طريدا، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجورا، ومن قهره العدو الباطني كان مفتونا أو موزورا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>[فصل]</span>\nوالاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر والعياذة تكون لدفع الشر واللياذ يكون لطلب جلب الخير كما قال المتنبي: [البسيط] يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به ممن أحاذره\nلا يجبر الناس عظما أنت كاسره … ولا يهيضون عظما أنت جابره\nومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، ولهذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة قوله في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ثم قال: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ","vol":"1","page":29},{"text":"نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨] وقال تعالى في سورة حم السجدة:\n﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦].\nوالشيطان في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر وبعيد بفسقه عن كل خير، وقيل مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار، ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان ﵇: [الخفيف] أيّما شاطن عصاه عكاه … ثم يلقى في السجن والأغلال (^١)\nفقال أيما شاطن ولم يقل أيّما شائط. وقال النابغة الذبياني وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان: [الوافر] نأت بسعاد عنك نوى شطون … فباتت والفؤاد به رهين (^٢)\nيقول: بعدت بها طريق بعيدة وقال سيبويه: العرب تقول تشيطن فلان إذا فعل فعل الشياطين ولو كان من شاط لقالوا تشيط فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح، ولهذا يسمون كل من تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانا. قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يا أبا ذر «تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن» فقلت أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم». وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضا قال: قال رسول الله ﷺ «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود» فقلت: يا رسول الله ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر؟ فقال: «الكلب الأسود شيطان». وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ ركب برذونا (^٣) فجعل\n_________\n(^١) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص ٥١؛ وجمهرة اللغة ص ٩٤٧؛ وكتاب الجيم ٢/ ٢٩٢؛ وتاج العروس (عكا)؛ والطبري ١/ ٧٦؛ ولسان العرب (شطن، عكا)؛ وتهذيب اللغة ٣/ ٤٠؛ ومقاييس اللغة ٣/ ١٨٥، ويروى أيضا: «ثم يلقى في الغلّ والإكبال». وعكاه: شدّه في الحديد.\n(^٢) البيت للنابغة في ديوانه ص ٢١٨؛ ولسان العرب (شطن)؛ ومقاييس اللغة ٣/ ١٨٤؛ والطبري ١/ ٧٦؛ ولزياد بن معاوية في تاج العروس (نبغ)؛ وبلا نسبة في مجمل اللغة ٣/ ١٥٦.\n(^٣) البرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال. وهو عظيم الخلقة غليظ الأعضاء قوي الأرجل عظيم الحوافر.","vol":"1","page":30},{"text":"يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال ما حملتموني إلا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح. والرجيم فعيل بمعنى مفعول أي أنه مرجوم مطرود عن الخير كله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] وقال تعالى: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾.\n﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ. إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ٦ - ١٠] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] إلى غير ذلك من الآيات وقيل رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث والأول أشهر وأصح.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>[سورة الفاتحة (١): آية ١]\n(١)</span>\n[بسم الله الرحمن الرحيم] افتتح بها الصحابة كتاب الله واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة أو من أول كل سورة كتبت في أولها أو أنها بعض آية من كل سورة أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية على أقوال للعلماء سلفا وخلفا وذلك مبسوط في غير هذا الموضع. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضا، وروي مرسلا عن سعيد بن جبير. وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة عنها. وروى له الدارقطني متابعا عن أبي هريرة مرفوعا، وروي مثله عن علي وابن عباس وغيرهما. وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة: ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو هريرة وعلي، ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومكحول والزهري وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية عنه وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام ﵏. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقال الشافعي في قول في بعض طرق مذهبه هي آية من الفاتحة وليست من غيرها وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة وهما غريبان. وقال داود: هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها، وهذا رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة ﵏. هذا ما يتعلق بكونها آية من الفاتحة أم لا.\nفأما الجهر بها فمفرّع على هذا، فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها وكذا من قال إنها آية من أولها، وأما من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أنه","vol":"1","page":31},{"text":"يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفا وخلفا، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة وابن عمر وابن عباس ومعاوية وحكاه ابن عبد البر والبيهقي عن عمر وعلي ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهو غريب، ومن التابعين عن سعيد بن جبير وعكرمة وأبي قلابة والزهري وعلي بن الحسين وابنه محمد وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وسالم ومحمد بن كعب القرظي وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبي وائل وابن سيرين ومحمد بن المنكدر وعلي بن عبد الله ابن عباس وابنه محمد ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم وعمر بن عبد العزيز والأزرق بن قيس وحبيب بن أبي ثابت وأبي الشعثاء ومكحول وعبد الله بن معقل بن مقرن زاد البيهقي وعبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية. زاد ابن عبد البر: وعمرو بن دينار والحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة فيجهر بها كسائر أبعاضها وأيضا فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة أنه صلّى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ. وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم.\nوروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ثم قال الترمذي: وليس إسناده بذاك. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال:\nكان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن، والرحيم ثم قال: صحيح وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: كانت قراءته مدّا، ثم قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم. وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال الدارقطني: إسناده صحيح. وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي والحاكم في مستدركه عن أنس أن معاوية صلّى بالمدينة فترك البسملة فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك فلما صلّى المرة الثانية بسمل. وفي هذه الأحاديث والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها. فأما المعارضات والروايات الغريبة وتطريقها وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر. وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل وطوائف من سلف التابعين والخلف وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهرا ولا سرا واحتجوا بما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال:\nصليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين.\nولمسلم: ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها، ونحوه في السنن","vol":"1","page":32},{"text":"عن عبد الله بن مغفل ﵁. فهذه مأخذ الأئمة ﵏ في هذه المسألة وهي قريبة لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-35>فصل في فضلها</span>\nقال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم (^١) ﵀ في تفسيره:\nحدثنا أبي حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني حدثنا سلام بن وهب الجندي حدثنا أبي عن طاوس عن ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول الله ﷺ عن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فقال: «هو اسم من أسماء الله وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب» وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه عن سليمان بن أحمد عن علي بن المبارك عن زيد بن المبارك به. وقد روى الحافظ بن مردويه من طريقين عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن مسعر عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عيسى ابن مريم ﵇ أسلمته أمه إلى الكتّاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب فقال: ما أكتب؟ قال:\nبسم الله، قال له عيسى: وما بسم الله؟ قال المعلم: ما أدري، قال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة» وقد رواه ابن جرير (^٢) من حديث ابراهيم بن العلاء الملقب زبريق عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود ومسعر عن عطية عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ فذكره، وهذا غريب جدا، وقد يكون صحيحا إلى من دون رسول الله ﷺ. وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات والله أعلم (^٣). وقد روى جويبر\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن محمد الرازي الحافظ المتوفى سنة ٣٢٧ هـ. وتفسيره انتقاه الشيخ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ في مجلّد. (كشف الظنون ١/ ٤٣٦)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٨١.\n(^٣) قال الأستاذ محمود محمد شاكر تعليقا على هذا الحديث (تفسير الطبري ١/ ١٢١، حاشية): هذا حديث موضوع لا أصل له. رواه ابن حبان في كتاب المجروحين، في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبد الله التميمي وقال في إسماعيل هذا: «كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات وما لا أصل له عن الأثبات، لا تحل الرواية عنه ولا الاحتجاج به بحال». ثم ضرب مثلا من أكاذيبه هذا الحديث. ويتابع الأستاذ شاكر: وما أدري كيف فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب، فتسقط روايته بمرة ولا يحتاج إلى هذا التردّد. وأما السيوطي فقد ذكره في الدر المنثور ولم يغفل عن علته، فذكر أنه بسند ضعيف جدا. وترجم الذهبي في الميزان لإسماعيل بن يحيى هذا، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان، وفي ترجمته: «قال صالح بن محمد جزرة: كان يضع الحديث. وقال الأزدي: ركن من أركان الكذب لا تحل الرواية عنه. وقال النيسابوري والدارقطني والحاكم: كذاب». ثم إن إسناده فيه أيضا راو مجهول وهو «من حدثه عن ابن مسعود» وفيه أيضا عطية بن سعد بن جنادة العوفي وهو ضعيف، ضعفه أحمد وأبو حاتم وغيرهما.","vol":"1","page":33},{"text":"عن الضحاك نحوه من قبله. وقد روى ابن مردويه من حديث يزيد بن خالد عن سليمان بن بريدة وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «أنزلت علي آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري وهي ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، وروي بإسناده عن عبد الكريم بن المعافى بن عمران عن أبيه عن عمر بن ذر عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: لما نزل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح، وهاج البحر وأضغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله أن لا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه. وقال وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فيجعل الله له من كل حرف منها جنة من كل واحد. ذكره ابن عطية والقرطبي ووجه ابن عطية ونصره بحديث «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها» لقول الرجل ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفا وغير ذلك. وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^١): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي ﷺ قال (^٢): عثر بالنبي ﷺ [حماره] (^٣). فقلت تعس الشيطان فقال النبي ﷺ:\n«لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته، وإذا قلت باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب» هكذا وقع في رواية الإمام أحمد، وقد روى النسائي في «اليوم والليلة» وابن مردويه في تفسيره من حديث خالد الحذاء عن أبي تميمة وهو الهجيمي عن أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه قال: كنت رديف النبي ﷺ فذكره وقال: «لا تقل هكذا فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت، ولكن قل بسم الله فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة» فهذا من تأثير بركة بسم الله، ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول، فتستحب في أول الخطبة لما جاء «كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم (^٤)» وتستحب البسملة عند دخول الخلاء لما ورد من الحديث في ذلك وتستحب في أول الوضوء لما جاء في مسند الإمام أحمد (^٥) والسنن من رواية أبي هريرة وسعيد بن زيد وأبي سعيد مرفوعا: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهو حديث حسن ومن العلماء من أوجبها عند الذكر هاهنا ومنهم من قال بوجوبها مطلقا وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر ومطلقا في قول بعضهم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله. وقد ذكره الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث\n_________\n(^١) المسند ج ٧ ص ٣٤٩.\n(^٢) في المسند: «عن رديف النبي. قال شعبة: قال عاصم، عن أبي تميمة، عن رجل، عن رديف النبي قال: عنر بالنبي … إلخ».\n(^٣) الزيادة من مسند أحمد.\n(^٤) الأجذم: المقطوع.\n(^٥) المسند ج ٤ ص ٨٣.","vol":"1","page":34},{"text":"منها عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أتيت أهلك فسم الله فإنه إن وجد لك ولد كتب بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات» وهذا لا أصل له ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها، وهكذا تستحب عند الأكل لما في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لربيبه عمر بن أبي سلمة: «قل بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه وكذلك تستحب عند الجماع لما في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا».\nومن هاهنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء في قولك بسم الله هل هو اسم أو فعل متقاربان، وكل قد ورد به القرآن، أما من قدره بسم تقديره بسم الله ابتدائي فلقوله تعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١] ومن قدره بالفعل أمرا أو خبرا نحو أبدأ بسم الله او ابتدأت باسم الله فلقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] وكلاهما صحيح فإن الفعل لا بد له من مصدر فلك أن تقدر الفعل ومصدره وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله إن كان قياما أو قعودا أو أكلا أو شرابا أو قراءة أو وضوءا أو صلاة فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله تبركا وتيمنا واستعانة على الإتمام والتقبل والله أعلم، ولهذا روى ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد ﷺ قال:\n«يا محمد قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال: قل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: قال له جبريل [قل] بسم الله يا محمد، يقول: اقرأ بذكر الله ربك وقم واقعد بذكر الله تعالى» لفظ ابن جرير.\nوأما مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره ففيها للناس ثلاثة أقوال: أحدها أن الاسم هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه، واختاره الباقلاني وابن فورك، وقال الرازي وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري في مقدمات تفسيره: قالت الحشوية والكرامية والأشعرية: الاسم نفس المسمى وغير نفس التسمية، وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية. ثم نقول إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات وهو عبث، فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث، ثم شرع (^٢) يستدل على مغايرة الاسم للمسمى، بأنه قد يكون الاسم موجودا والمسمى مفقودا كلفظة المعدوم وبأنه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٧٨.\n(^٢) أي الرازي.","vol":"1","page":35},{"text":"قد يكون للشيء أسماء متعددة كالمترادفة وقد يكون الاسم واحدا والمسميات متعددة المشترك وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى وأيضا فالاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتا ممكنة أو واجبة بذاتها وأيضا فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك ولا يقوله عاقل وأيضا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ وقال النبي ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسما» فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى وأيضا فقوله: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ﴾ أضافها إليه كما قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ونحو ذلك فالإضافة تقتضي المغايرة وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾ أي فادعوا الله بأسمائه وذلك دليل على أنها غيره واحتج من قال الاسم هو المسمى بقوله تعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ والمتبارك هو الله تعالى والجواب أن الاسم معظم لتعظيم الذات المقدسة، وأيضا فإذا قال الرجل زينب طالق يعني امرأته طلقت ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع الطلاق والجواب أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق. قال الرازي: وأما التسمية فإنه جعل الاسم معينا لهذه الذات فهي غير الاسم أيضا والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>[القول في تأويل الله]</span>\nعلم على الرب ﵎، يقال إنه الاسم الأعظم لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨] وقال تعالى:\n﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» وجاء تعدادها في رواية الترمذي وابن ماجة، وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان وقد ذكر الرازي في تفسيره عن بعضهم أن لله خمسة آلاف اسم: ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة وألف في الإنجيل، وألف في الزبور وألف في اللوح المحفوظ.\nوهو اسم لم يسم به غيره ﵎ ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل يفعل، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له، وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخطابي وإمام الحرمين والغزالي وغيره وروى عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة، قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول يا الله ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام، وقيل إنه مشتق واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج: [الرجز]","vol":"1","page":36},{"text":"لله در الغانيات المدّه … سبّحن واسترجعن من تألّهي (^١)\nفقد صرح الشاعر بلفظ المصدر وهو التأله، من أله يأله إلاهة وتألها، كما روي أن ابن عباس قرأ: (ويذرك وآلهتك) قال: عبادتك، أي أنه كان يعبد ولا يعبد وكذا قال مجاهد وغيره. وقد استدل بعضهم على كونه مشتقا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال فأدخلت الآلف واللام بدلا من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس، أصله أناس، وقيل أصله الكلمة لاه فدخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه. قال الشاعر: [البسيط] لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب … عني ولا أنت ديّاني فتخزوني (^٢)\nقال القرطبي (^٣): بالخاء أي فتسوسني. وقال الكسائي والفراء: أصله الإله (^٤) حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية [فصارتا لاما مشدّدة] (^٥) كما قال تعالى: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] أي لكن أنا وقد قرأها كذلك الحسن، قال القرطبي: ثم قيل هو مشتق من وله إذا تحير، والوله ذهاب العقل يقال: رجل واله وامرأة والهة ووالة، وماء مولّه إذا أرسل في الصحراء، فالله تعالى تتحيّر الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته (^٦) فعلى هذا يكون أصل إلاه ولاه فأبدلت الواو همزة كما قالوا في وشاح إشاح ووسادة إسادة. وقال الرازي وقيل إنه مشتق من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح\n_________\n(^١) يقال: مدهه يمدهه مدها: مدحه، وهو ماده. والرجز لرؤبة في ديوانه ص ١٦٦؛ ولسان العرب (سبح، جله، وهده، مده)؛ وخزانة الأدب ٦/ ٣٩١؛ وشرح المفصل ٤/ ٨١؛ وتهذيب اللغة ٦/ ٤٣٠؛ وجمهرة اللغة ص ٤٣؛ ومقاييس اللغة ١/ ١٢٧؛ وديوان الأدب ٢/ ٤٦٤؛ وكتاب العين ٤/ ٣٢؛ وتاج العروس (أله، مده)؛ والطبري ١/ ٨٢.\n(^٢) البيت لذي الإصبع العدواني في أدب الكاتب ص ٥١٣؛ والأزهية ص ٢٧٩؛ وإصلاح المنطق ص ٣٧٣؛ والأغاني ٣/ ١٠٨؛ وأمالي المرتضى ١/ ٢٥٢؛ وجمهرة اللغة ص ٥٩٦؛ وخزانة الأدب ٧/ ١٧٣؛ والدرر ٤/ ١٤٣؛ وسمط اللآلي ص ٢٨٩؛ وشرح التصريح ٢/ ١٥؛ ولسان العرب (فضل، دين، عنن، لوه، خزا)؛ والمؤتلف والمختلف ص ١١٨؛ ومغني اللبيب ١/ ١٤٧؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٢٨٦؛ ولكعب الغنوي في الأزهية ص ٩٧.\n(^٣) تفسير القرطبي ١/ ١٢. وابن كثير ينقل هنا عن القرطبي ابتداء من قوله «ونقل سيبويه عن الخليل» إلى قوله: «كما قالوا في وشاح: إشاح، ووسادة: إسادة».\n(^٤) عبارة القرطبي: «قال الكسائي والفراء: معنى (بسم الله) بسم الإله».\n(^٥) الزيادة من القرطبي.\n(^٦) عبارة الأصل: «فالله تعالى يحيّر أولئك والفكر في حقائق صفاته». وما أثبتناه هو عبارة القرطبي (١/ ١٠٢). والعبارتان لا تخلوان من اضطراب.","vol":"1","page":37},{"text":"لا تفرح إلا بمعرفته لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره، قال الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] قال: وقيل من لاه يلوه إذا احتجب، وقيل اشتقاقه من أله الفصيل أولع بأمه. والمعنى أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال، قال: وقيل مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] وهو المنعم لقوله تعالى ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: ٥٣] وهو المطعم لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] وهو الموجد لقوله تعالى ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النساء: ٧٨] وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق ألبتة، قال وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه منها أنه لو كان مشتقا لاشترك في معناه كثيرون، ومنها أن بقية الأسماء تذكر صفات له فتقول الله الرحمن الرحيم الملك القدوس، فدل أنه ليس بمشتق. قال: فأما قوله تعالى ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللهِ﴾ (^١) على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان، ومنها قوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامدا غير مشتق نظر والله أعلم.\nوحكى الرازي عن بعضهم أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ضعّفه وهو حقيق بالتضعيف كما قال، وقد حكى الرازي هذا القول ثم قال: وأعلم أن الخلائق قسمان: واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة، فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم؛ وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال فتاهوا في ميادين الصمدية وبادوا في عرصة الفردانية، فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته، وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بفتح اللام وكسرها لغتان، وقيل إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس لاهت، وقيل إنه مشتق من أله الرجل إذا تعبد وتأله إذ تنسك، وقرأ ابن عباس (ويذرك وإلاهتك) وأصل ذلك الإله فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف فأدغمت إحداهما في الأخرى فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة وفخمت تعظيما فقيل الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>القول في تأويل ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾</span>\nاسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك كما تقدم في الأثر عن عيسى ﵇ أنه قال: والرحمن:\nرحمن الدنيا والآخرة، والرحيم: رحيم الآخرة، وزعم بعضهم أنه غير مشتق إذ لو كان\n_________\n(^١) المراد ما جاء في آخر الآية الأولى وأول الآية الثانية من سورة إبراهيم: لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ ....","vol":"1","page":38},{"text":"كذلك (^١) لا تصل بذكر المرحوم وقد قال ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وحكى ابن الأنباري في الزاهر عن المبرد أن الرحمن: اسم عبراني ليس بعربي. وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي والرحمن عبراني، فلهذا جمع بينهما. قال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه. وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق (^٢) ما خرّجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:\n«قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» قال: وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله وبما وجب له، قال القرطبي: ثم قيل هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيدة، وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك: رجل غضبان للرجل الممتلئ غضبا، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول (^٣)، قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين [كما] قال الله تعالى: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر رحمة، ثم حكي (^٤) عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة وقالوا لعله أرفق (^٥) كما في الحديث «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» وقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل غضب. وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من لم يسأل الله يغضب عليه» وقال بعض الشعراء: [الكامل] الله يغضب ان تركت سؤاله … وبنيّ آدم حين يسأل يغضب (^٦)\nوقال ابن جرير (^٧): حدثنا السري بن يحيى التميمي حدثنا عثمان بن زفر قال: سمعت\n_________\n(^١) أي: «لو كان مشتقا من الرحمة» كما هي عبارة القرطبي.\n(^٢) هو قول ابن الحصار يشير إلى ما خرّجه الترمذي، نقله القرطبي (١/ ١٠٤)\n(^٣) وأورد القرطبي شاهدا على هذا قول عملّس بن عقيل: فأما إذا عضّت بك الحرب عضّة فإنك معطوف عليك رحيم وأضاف: فالرحمن خاصّ الاسم عام الفعل، الرحيم عام الاسم خاصّ الفعل هذا قول الجمهور.\n(^٤) أي القرطبي (١/ ١٠٦)\n(^٥) أي: لعل قول ابن عباس هو: «هما اسمان رفيقان (بالفاء الموحدة) أحدهما أرفق من الآخر» على نحو ما جاء في القرطبي نقلا عن الحسين بن الفضل البجلي. قال: لأن الرقّة ليست من صفات الله تعالى في شيء، والرفق من صفاته ﷿. وبهذا المعنى نقل عن الخطابي.\n(^٦) البيت بلا نسبة أيضا في القرطبي ١/ ١٠٦.\n(^٧) تفسير الطبري ١/ ٨٤.","vol":"1","page":39},{"text":"العزرمي يقول: الرحمن الرحيم قال: الرحمن بجميع الخلق، الرحيم قال: بالمؤمنين: قالوا ولهذا قال ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] وقال ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته وقال ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فخصهم باسمه الرحيم. قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه والرحيم خاصة بالمؤمنين، لكن جاء في الدعاء المأثور:\nرحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره كما قال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:\n٤٥] ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب.\nوقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن لأنه أكّد به والتأكيد لا يكون إلا أقوى من المؤكد، والجواب أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم فيه ما ذكروه، وعلى هذا فيكون تقديم اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره ووصفه أولا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وإنما تجهرم (^١) مسيلمة اليمامة في التسمي به ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة؛ وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره حيث قال: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] كما وصف غيره بذلك من أسمائه كما قال تعالى ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن لأنه أخص وأعرف من الرحيم، لأن التسمية أولا إنما تكون بأشرف الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير (^٢) عن عطاء. ووجهه\n_________\n(^١) كذا ولعله «تجاسر» كما ورد في القرطبي.\n(^٢) حديث عطاء: «كان الرحمن، فلما اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيم». قال القرطبي: والذي قال عطاء من ذلك غير فاسد المعنى، بل جائز أن يكون جل ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معا مجتمعين، إبانة لهما من خلقه، ليعرف عباده بذكرهما مجموعين أنه المقصود بذكرهما من دون سواه من خلقه، مع ما في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما.","vol":"1","page":40},{"text":"بذلك والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾. ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله ﷺ لعلي اكتب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠] والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله بالرحمن. قال ابن جرير: وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهال: [الطويل] ألا ضربت تلك الفتاة هجينها … ألا قضب الرحمن ربي يمينها (^١)\nوقال سلامة بن جندل الطهوي (^٢): [الطويل] عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم … وما يشإ الرحمن يعقد ويطلق (^٣)\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا أبو كريب عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال الرحمن الفعلان من الرحمة هو من كلام العرب وقال ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ الرفيق الرقيق لمن (^٥) أحب أن يرحمه والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها. وقال ابن جرير (^٦) أيضا: حدثنا محمد بن بشار حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف عن الحسن قال: الرحمن اسم ممنوع. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو الأشهب عن الحسن قال الرحمن اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه تسمى به ﵎. وقد جاء في حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقطّع قراءته حرفا حرفا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة ومنهم من وصلها بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وكسرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور، وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قرئ قول الله تعالى: ﴿الم اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ قال ابن عطية: ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت.\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في الطبري ١/ ٨٦؛ والمخصص لابن سيده ١٧/ ١٥٢.\n(^٢) كذا أيضا في أصول تفسير الطبري، كما أشار محقق طبعة دار المعارف بمصر ١/ ١٣١، حاشية (٣). قال: وهو خطأ، إذ ليس سلامة طهويا. وصححها بالسعدي. قلت: ولعل الحافظ ابن كثير تابع الطبري في هذا الخطأ، إذ ينقل عنه في هذا المقام.\n(^٣) البيت لسلامة بن جندل في ديوانه ص ١٩؛ وتفسير الطبري ١/ ٨٦.\n(^٤) تفسير الطبري ١/ ٨٥.\n(^٥) في الطبري: «الرقيق الرفيق بمن أحب».\n(^٦) الطبري ١/ ٨٨.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>[سورة الفاتحة (١): آية ٢]</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)﴾\nالقراء السبعة على ضم الدال في قوله (الحمد لله) هو مبتدأ وخبر. وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج أنهما قالا (الحمد لله) بالنصب وهو على إضمار فعل وقرأ ابن أبي عبلة (الحمد لله) بضم الدال واللام اتباعا للثاني الأول، وله شواهد لكنه شاذ، وعن الحسن وزيد بن علي (الحمد لله) بكسر الدال اتباعا للأول الثاني.\nقال أبو جعفر بن جرير (^١): معنى ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا. وقال ابن جرير ﵀: (الحمد لله) ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله. قال: وقد قيل إن قول القائل: الحمد لله ثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وقوله (الشكر لله) ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر. وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية، وقال ابن عباس (الحمد لله) كلمة كل شاكر، وقد استدل القرطبي لابن جرير بصحة قول القائل الحمد لله شكرا (^٢). وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر، لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان كما قال الشاعر: [الطويل] أفادتكم النعماء مني ثلاثة: … يدي ولساني والضمير المحجبا\nولكنهم اختلفوا أيهما أعمّ الحمد أو الشكر على قولين، والتحقيق أن بينهما عموما وخصوصا فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه لأنه يكون على الصفات اللازمة\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٨٩.\n(^٢) هذا وهم من ابن كثير، إذ إن القرطبي عارض رأي الطبري بقوله: «ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء، وليست بمرضى» ثم قال: «الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان. وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعمّ من الشكر» (تفسير القرطبي ١/ ١٣٣ - ١٣٤). وعقّب محمود محمد شاكر على من ناقضوا رأي الطبري بقوله: والذي قاله الطبري أقوى حجّة وأعرق عربية من الذين ناقضوه. (تفسير الطبري، ١/ ١٣٨، حاشية (٢)، طبعة دار المعارف بمصر)","vol":"1","page":42},{"text":"والمتعدية، تقول: حمدته لفروسيته وحمدته لكرمه وهو أخص، لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه لأنه يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم وهو أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية لا يقال: شكرته لفروسيته وتقول شكرته على كرمه وإحسانه إليّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم.\nوقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد نقيض الذم، تقول حمدت الرجل أحمده حمدا ومحمدة فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر، وقال في الشكر: هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح. وأما المدح فهو أعم من الحمد لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضا كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضا فهو أعم.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>ذكر أقوال السلف في الحمد</span>\nقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو معمر القطيعي حدثنا حفص عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر ﵁: قد علمنا سبحان الله ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه، ورواه غير أبي معمر عن حفص فقال: قال عمر لعلي-وأصحابه عنده-: لا إله إلا الله وسبحان الله والله أكبر قد عرفناها فما الحمد لله؟ قال علي: كلمة أحبها الله تعالى لنفسه ورضيها لنفسه وأحب أن تقال (^١). وقال علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران: قال ابن عباس: الحمد لله كلمة الشكر وإذا قال العبد الحمد لله قال الله: شكرني عبدي. رواه ابن أبي حاتم، وروى أيضا هو وابن جرير (^٢) من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله والاستخذاء له والإقرار له بنعمته وهدايته وابتدائه وغير ذلك. وقال كعب الأحبار: الحمد لله ثناء على الله، وقال الضحاك: الحمد لله رداء الرحمن، وقد ورد الحديث بنحو ذلك (^٣).\nقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني حدثنا بقية بن الوليد حدثني عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ إذا قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك، وقد روى الإمام أحمد بن حنبل (^٤): حدثنا روح حدثنا عوف عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت\n_________\n(^١) الدر المنثور ١/ ٣٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٨٩؛ والدر المنثور ١/ ٣٤.\n(^٣) حديثا كعب والضحاك أخرجهما ابن جرير وابن أبي حاتم (الدر المنثور ١/ ٣٤)\n(^٤) المسند ج ٥ ص ٣٠٣.","vol":"1","page":43},{"text":"بها ربي ﵎ فقال: «اما إن ربك يحب الحمد» ورواه النسائي عن علي بن حجر عن ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن الأسود بن سريع به. وروى أبو عيسى الحافظ الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير عن طلحة بن خراش عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله» وقال الترمذي حسن غريب، وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله إلا كان الذي أعطي أفضل مما أخذ» وقال القرطبي في تفسيره وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله كان الحمد لله أفضل من ذلك» قال القرطبي وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا لأن ثواب الحمد لله لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى قال الله تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حدثهم أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فعضلت (^١) بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله، وهو أعلم بما قال عبده، ماذا قال عبدي؟ قالا يا رب إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما «اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها» وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا: قول العبد (الحمد لله رب العالمين) أفضل من قوله (لا إله إلا الله) لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد، وقال آخرون (لا إله إلا الله) أفضل لأنها تفصل بين الإيمان والكفر وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، كما ثبت في الحديث المتفق عليه وفي الحديث الآخر: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وقد تقدم عن جابر مرفوعا «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» وحسنه الترمذي، والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث: «اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله» الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>[القول في تأويل ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾]</span>\nوالرب هو المالك المتصرف ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح وكل ذلك صحيح في حق الله، ولا يستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة تقول: رب الدار، رب كذا، وأما الرب (^٢) فلا يقال إلا لله ﷿، وقد قيل إنه الاسم الأعظم. والعالمين جمع عالم، وهو\n_________\n(^١) عضل به الأمر: اشتدّ واستغلق.\n(^٢) أي الرب مطلقا.","vol":"1","page":44},{"text":"كل موجود سوى الله ﷿، والعالم جمع لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر وكل قرن منها وجيل يسمى عالما أيضا. قال بشر بن عمار عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ الحمد لله الذي له الخلق كله السموات والأرضون وما فيهنّ وما بينهن مما نعلم ومما لا نعلم. وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس: رب الجن والإنس، وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج وروي عن علي نحوه، قال ابن أبي حاتم: بإسناده لا يعتمد عليه. واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وهم الجن والإنس. قال الفراء وأبو عبيد:\nالعالم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم عالم. وعن زيد بن أسلم وأبي محيصن: العالم كل ما له روح ترفرف. وقال قتادة: رب العالمين كل صنف عالم، وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمد وهو أحد خلفاء بني أمية وهو يعرف بالجعد ويلقب بالحمار أنه قال: خلق الله سبعة عشر ألف عالم، أهل السموات وأهل الأرض عالم واحد، وسائرهم لا يعلمهم إلا الله ﷿.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال: الإنس عالم [والجن عالم] (^١) وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف أو أربعة عشر ألف عالم-هو يشك-من الملائكة على الأرض وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة ألاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم الله لعبادته. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٢). وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الفرات، يعني ابن الوليد، عن معتب بن سمي عن تبيع يعني الحميري في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال: العالمين ألف أمة فستمائة في البحر وأربعمائة في البر (^٣)، وحكي مثله عن سعيد بن المسيب وقد روي نحو هذا مرفوعا كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد حدثني محمد بن عيسى بن كيسان حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قلّ الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبا يضرب إلى اليمن وآخر إلى الشام وآخر إلى العراق يسأل هل رؤي من الجراد شيء، أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه فلما رآها كبر ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «خلق الله ألف أمة: ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه» محمد بن عيسى هذا وهو الهلالي\n_________\n(^١) زيادة من الطبري.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٩٣؛ والدر المنثور ١/ ٣٧.\n(^٣) الدر المنثور ١/ ٣٧.","vol":"1","page":45},{"text":"ضعيف (^١). وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، وقال وهب بن منبه: لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها، وقال مقاتل:\nالعوالم ثمانون ألفا، وقال كعب الأحبار: لا يعلم عدد العوالم إلا الله ﷿ نقله البغوي.\nوحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن لله أربعين ألف عالم الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها، وقال الزجاج: العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة قال القرطبي:\nوهذا هو الصحيح إنه شامل لكل العالمين كقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] والعالم مشتق من العلامة (قلت) لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته كما قال ابن المعتز:\nفيا عجبا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد\n\n<span data-type='title' id=toc-41>[سورة الفاتحة (١): آية ٣]</span>\n﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾\nوقوله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن الإعادة. قال القرطبي (^٢): إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله رب العالمين ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] قال: فالرب فيه ترهيب والرحمن الرحيم ترغيب. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته (^٣) أحد».\n\n<span data-type='title' id=toc-42>[سورة الفاتحة (١): آية ٤]</span>\n﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾\nقرأ بعض القراء (ملك يوم الدين) وقرأ آخرون (مالك) وكلاهما صحيح متواتر في السبع (^٤)، ويقال ملك بكسر اللام وبإسكانها، ويقال مليك أيضا وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ (ملكي يوم الدين) وقد رجح كلا من القراءتين مرجّحون من حيث المعنى وكلتاهما صحيحة حسنة، ورجح الزمخشري ملك لأنها قراءة أهل الحرمين ولقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] وقوله:\n﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣] وحكي عن أبي حنيفة أنه قرأ: «ملك يوم الدين» على\n_________\n(^١) الحديث رواه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧) وقال: بسند ضعيف.\n(^٢) تفسير القرطبي ١/ ١٣٩، وابن كثير ينقل هنا عن القرطبي بتصرّف.\n(^٣) في القرطبي ١/ ١٣٩ وصحيح مسلم (توبة حديث ٢٣): «جنته».\n(^٤) أي القراءات السبع المشهورة.","vol":"1","page":46},{"text":"أنه فعل وفاعل ومفعول وهذا شاذ غريب جدا وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئا غريبا حيث قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الأزدي، حدثنا عبد الوهاب بن عدي بن الفضل عن أبي المطرف عن ابن شهاب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرءون (مالك يوم الدين) قال ابن شهاب: وأول من أحدث «ملك» مروان (قلت) مروان عنده علم بصحة ما قرأه لم يطلع عليه ابن شهاب والله أعلم. وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مردويه أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها (مالك يوم الدين) ومالك مأخوذ من الملك كما قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] وقال ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٢] وملك مأخوذ من الملك كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ وقال ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عامّ في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] وقال تعالى:\n﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول: لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكما كملكهم في الدنيا، قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر إلا من عفا عنه (^١). وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف وهو ظاهر. وحكى ابن جرير (^٢) عن بعضهم أنه ذهب إلى أن تفسير مالك يوم الدين أنه القادر على إقامته، ثم شرع يضعفه، والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم وأن كلا من القائلين هذا القول وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ولا ينكره، ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا، كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ والقول الثاني يشبه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ والله أعلم. والملك في الحقيقة هو الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله (^٣)» وفيهما عنه عن رسول الله ﷺ قال «يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (الدر المنثور ١/ ٩)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٩٦.\n(^٣) أخرجه البخاري (أدب، باب ١١٤) وأبو داود (أدب، باب ٦٣). والترمذي (أدب، باب ٦٦) وأحمد في المسند ج ٣ ص ٤٠. قال عبد الله ابن الإمام أحمد: قال أبي: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع اسم عند الله؟ قال: أوضع اسم عند الله.","vol":"1","page":47},{"text":"الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ (^١)» وفي القرآن العظيم ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى:\n﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] وفي الصحيحين «مثل الملوك على الأسرة».\nوالدين الجزاء والحساب كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] وقال ﴿أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي مجزيون محاسبون، وفي الحديث «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» أي حاسب نفسه كما قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾. [الحاقة: ١٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-43>[سورة الفاتحة (١): آية ٥]</span>\n﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾\nقرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من إياك وقرأ عمرو بن فائد بتخفيفها مع كسر الهمزة وهي قراءة شاذة مردودة لأن إيا: ضوء الشمس (^٢)، وقرأ بعضهم أياك بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم هياك بالهاء بدل الهمزة كما قال الشاعر: [الطويل] فهياكو الأمر الذي إن توسّعت … موارده ضاقت عليك مصادره (^٣)\nونستعين بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم، والعبادة في اللغة من الذلة يقال طريق معبد وبعير معبد أي مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. وقدم المفعول وهو إياك وكرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (منافقين، حديث ٢٤) وأبو داود (سنة، باب ١٩) وابن ماجة (مقدمة، باب ١٣؛ وزهد، باب ٣٣) وأحمد في المسند (ج ٣ ص ٣٠٩)\n(^٢) في لسان العرب (أيا): إيا الشمس وأياؤها: نورها وضوؤها وحسنها. وكذلك إياتها وأياتها، وجمعها آياء وإياء كأكمة وإكام. وأنشد الكسائي: سقته إياة الشمس إلا لثاته أسفّ ولم تكدم عليه بإثمد والشاهد في القرطبي ١/ ١٤٦.\n(^٣) البيت لمضرس بن ربعي في شرح شواهد الشافية ص ٤٧٦؛ ولطفيل الغنوي أو لمضرس في ديوان طفيل ص ١٠٢؛ وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٢١٥؛ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٥٢؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١١٥٢؛ وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٢٢٣؛ وشرح المفصل ٨/ ١١٨؛ ولسان العرب (هيا، أيا)؛ والمحتسب (١/ ٤٠)","vol":"1","page":48},{"text":"والقوة والتفويض إلى الله ﷿، وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وكذلك هذه الآية الكريمة ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب وهو مناسبة لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى فلهذا قال ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه كما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال:\n«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^١) وفي صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل إذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله مجدني عبدي، وإذا قال ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (^٢) وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄ ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على طاعتك وعلى أمورنا كلها (^٣). وقال قتادة ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أموركم. وإنما قدم ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم والله أعلم. فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن كانت للجمع فالداعي واحد وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟ وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم ولا سيما إن كان في جماعة، أو إمامهم فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها وتوسط لهم بخير، ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم. قيل: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف وجاهك عريض فقل ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وإن كنت خارج العبادة فلا تقل نحن ولا فعلنا ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لاحتياج الجميع إلى الله ﷿ وفقرهم إليه. ومنهم من قال: إياك نعبد ألطف في التواضع من إياك عبدنا لما في الثاني من تعظيم نفسه من جعله نفسه وحده أهلا\n_________\n(^١) البخاري (توحيد، باب ٤٨) ومسلم (صلاة، حديث ٣٤)\n(^٢) صحيح مسلم، صلاة، حديث ٣٨ و٤٠.\n(^٣) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (الدر المنثور ١/ ٣٩)","vol":"1","page":49},{"text":"لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى كما قال بعضهم: [السريع] لا تدعني إلا بيا عبدها … فإنه أشرف أسمائي\nوقد سمى الله رسوله ﷺ بعبده في أشرف مقاماته فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف: ١] ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] فسماه عبدا عند إنزاله عليه وعند قيامه في الدعوة وإسرائه به وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩] وقد حكى الرازي في تفسيره عن بعضهم أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق والرسالة من الحق إلى الخلق، قال:\nولأن الله يتولى مصالح عبده والرسول يتولى مصالح أمته، وهذا القول خطأ والتوجيه أيضا ضعيف لا حاصل له ولم يتعرض له الرازي بتضعيف ولا رد، وقال بعض الصوفية: العبادة إما لتحصيل ثواب أو درء عقاب، قالوا: وهذا ليس بطائل إذ مقصوده تحصيل مقصوده، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى وهذا أيضا عندهم ضعيف، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال، قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله، ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العقاب لبطلت الصلاة وقد رد ذلك عليهم آخرون وقالوا: كون العبادة لله ﷿ لا ينافي أن يطلب معها ثوابا ولا أن يدفع عذابا كما قال ذلك الأعرابي: أما أني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ إنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار فقال النبي ﷺ «حولها ندندن» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>[سورة الفاتحة (١): آية ٦]</span>\n﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾\nقراءة الجمهور بالصاد وقرئ السراط وقرئ بالزاي، قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب. لما تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال: «فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل» وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول كقول ذي النون ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول كقول الشاعر: [الوافر]\n_________\n(^١) الحديث أخرجه أحمد في المسند (ج ٥ ص ٣٨٦) عن بعض أصحاب النبي وأخرجه أبو داود (صلاة، باب ١٢٤) وابن ماجة (إقامة، باب ٤٦؛ ودعاء، باب ٤)","vol":"1","page":50},{"text":"أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء\nإذا أثنى عليك المرء يوما … كفاه من تعرضه الثناء\nوالهداية هاهنا الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو أعطنا ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أي بينا له الخير والشر، وقد تعدى بإلى كقوله تعالى: ﴿اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:\n١٢١] ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة وكذلك قوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقد تعدى باللام كقول أهل الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾ [الأعراف: ٤٣] أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلا.\nوأما الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه وكذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي: [الوافر] أمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم (^٢)\nقال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر. قال: ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وصف باستقامة أو اعوجاج فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول، فروي أنه كتاب الله، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثني يحيى بن يمان عن حمزة الزيات عن سعد وهو أبو المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الصراط المستقيم كتاب الله» وكذلك رواه ابن جرير (^٣) من حديث حمزة بن حبيب الزيات. وقد تقدم في فضائل القرآن فيما رواه أحمد والترمذي (^٤) من رواية الحارث الأعور عن علي مرفوعا «وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم» وقد روي هذا موقوفا عن علي ﵁ وهو أشبه والله أعلم. وقال الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال:\nالصراط المستقيم كتاب الله، وقيل هو الإسلام. قال الضحاك عن ابن عباس قال: قال جبريل لمحمد ﵉ «قل يا محمد اهدنا الصراط المستقيم» يقول: اهدنا الطريق الهادي وهو\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١٠٣.\n(^٢) البيت لجرير في ديوانه ص ٢١٨؛ وتهذيب اللغة ١٢/ ٣٣٠؛ وتاج العروس (ورد)؛ وجمهرة اللغة ص ٧١٤؛ ومقاييس اللغة ٦/ ١٠٥؛ وأساس البلاغة (ورد)؛ ولسان العرب (ورد، سرط)؛ ومجمل اللغة ٤/ ٥٢٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ١٠٤.\n(^٤) الترمذي، ثواب القرآن، باب ١٤.","vol":"1","page":51},{"text":"دين الله الذي لا اعوجاج فيه. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: ذاك الإسلام. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ اهدنا الصراط المستقيم قالوا: هو الإسلام. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر اهدنا الصراط المستقيم قال: هو الإسلام قال: هو أوسع مما بين السماء والأرض. وقال ابن الحنفية في قوله تعالى ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: اهدنا الصراط المستقيم قال: هو الإسلام. وفي هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده (^١) حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء حدثنا ليث يعني ابن سعد عن معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا (^٢)، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه-فإنك إن تفتحه تلجه-فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد به. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر عن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به، وهو إسناد حسن صحيح والله أعلم. وقال مجاهد: اهدنا الصراط المستقيم قال: الحق. وهذا أشمل ولا منافاة بينه وبين ما تقدم. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، حدثنا حمزة بن المغيرة عن عاصم الأحول عن أبي العالية ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قال عاصم فذكرنا ذلك للحسن فقال صدق أبو العالية ونصح (^٣). وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة فإن من اتبع الإسلام فقد اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا، ولله الحمد. وقال الطبراني حدثنا محمد بن الفضل السقطي حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ. ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: والذي\n_________\n(^١) المسند ج ٦ ص ١٩٩.\n(^٢) في المسند «ولا تتفرّجوا»،\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ١٠٥.","vol":"1","page":52},{"text":"هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني-اهدنا الصراط المستقيم-أن يكون معنيا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل ذلك هو الصراط المستقيم لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب والعمل بما أمره الله به والانزجار عما زجره عنه واتباع منهاج النبي ﷺ ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح وكل ذلك من الصراط المستقيم (^١).\nفإن قيل فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب أن لا، ولولا احتياجه ليلا ونهارا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله فإنه قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك والله أعلم. وقال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] وقد كان الصديق ﵁ يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرا، فمعنى قوله تعالى ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ استمر بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>[سورة الفاتحة (١): آية ٧]</span>\n﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ (٧)﴾\nقد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها أن الله يقول «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» وقوله تعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مفسر للصراط المستقيم وهو بدل منه عند النحاة ويجوز أن يكون عطف بيان والله أعلم. والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في سورة النساء حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا. ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠] وقال الضحاك عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين. وذلك نظير\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١٠٤.","vol":"1","page":53},{"text":"ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قال: هم النبيّون، وقال ابن جريج عن ابن عباس: هم المؤمنون، وكذا قال مجاهد وقال وكيع: هم المسلمون، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم النبي ﷺ ومن معه، والتفسير المتقدم عن ابن عباس ﵄ أعم وأشمل والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ قرأ الجمهور (غير) بالجر على النعت، قال الزمخشري: وقرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير (^١) وذو الحال الضمير في عليهم والعامل أنعمت والمعنى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره غير صراط المغضوب عليهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثمّ مسلكين فاسدين وهما طريقتا اليهود والنصارى، وقد زعم بعض النحاة أن غير هاهنا استثنائية فيكون على هذا منقطعا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم، وما أوردناه أولى لقول الشاعر: [الوافر] كأنك من جمال بني أقيش … يقعقع عند رجليه بشنّ (^٢)\nأي كأنك جمل من جمال بني أقيش فحذف الموصوف واكتفى بالصفة، وهكذا. غير المغضوب عليهم، أي غير صراط المغضوب عليهم. واكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل سياق الكلام وهو قوله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ومنهم من زعم أن لا في قوله تعالى ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ زائدة وأن تقدير الكلام عنده: غير المغضوب عليهم والضالين واستشهد ببيت العجاج: [الرجز] في بئر لا حور سرى وما شعر (^٣)\n_________\n(^١) هو عبد الله بن كثير، القارئ المتوفى سنة ١٢٠ هـ.\n(^٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص ١٢٦؛ وخزانة الأدب ٥/ ٦٧؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٨؛ وشرح المفصل ٣/ ٥٩؛ والكتاب ٢/ ٣٤٥؛ ولسان العرب (وقش، قعع، شنن)؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٦٧. والبيت قاله النابغة في هجاء عيينة بن حصن الفزاري يصفه بالجبن والخور كأنه جمل من جمال بني أقيش المعروفة بشدة النفار إذا سمعت صوت شنّ (قربة بالية) يقعقع به.\n(^٣) تتمة الرجز: «بإفكه حتى رأى الصّبح جشر». وهو للعجاج في ديوانه ٢٠؛ والأزهية ص ١٥٤؛ والأشباه النظائر ٢/ ١٦٤؛ وخزانة الأدب ٤/ ٥١؛ وشرح المفصل ٨/ ١٣٦؛ وتاج العروس (حور، لا)؛ وتهذيب اللغة ٥/ ٢٢٨؛ ولسان العرب (حور). قال في اللسان: أراد: في بئر لا حؤور، فأسكن الواو الأولى وحذفها لسكونها وسكون الثانية بعدها. قاله الفراء: أراد في بئر ماء لا يحير عليه شيئا. وحار يحور حورا وحؤورا: رجع. وفي الحديث: «من دعا رجلا بالكفر وليس كذلك حار عليه» أي رجع إليه ما نسب إليه.","vol":"1","page":54},{"text":"أي في بئر حور، والصحيح ما قدمناه، ولهذا روى أبو القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقرأ (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) وهذا الإسناد صحيح، وكذلك حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير، فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بها لتأكيد النفي لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم، وللفرق بين الطريقتين ليتجنب كل منهما فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب خلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى عنهم ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وبهذا جاءت الأحاديث والآثار وذلك واضح بين فيما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت سماك بن حرب يقول: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم، قال:\nجاءت خيل رسول الله ﷺ فأخذوا عمتي وناسا فلما أتوا بهم إلى رسول الله ﷺ صفوا له فقالت:\nيا رسول الله، نأى الوافد وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمنّ علي منّ الله عليك، قال «من وافدك؟» قالت عدي بن حاتم، قال «الذي فر من الله ورسوله» قالت فمنّ علي، فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي، قال: سليه حملانا فسألته فأمر لها، قال فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان، وذكر قربهم من النبي ﷺ قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال «يا عدي ما أفرك؟ أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله؟ ما أفرك أن يقال الله أكبر فهل شيء أكبر من الله ﷿؟» قال: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر وقال: «إن المغضوب عليهم اليهود وإن الضالين النصارى» (^٢)، وذكر الحديث ورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب (^٣)، وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه: قلت: وقد رواه حماد بن سلمة عن\n_________\n(^١) المسند ج ٧ ص ٩٨ - ٩٩،\n(^٢) ولهذا الحديث بقية تنظر في مظنتها المشار إليها. وعدي هذا هو ابن حاتم الطائي الجواد المشهور. كان نصرانيا وقد فرّ لما بعث النبي، ثم رجع وأسلم سنة ٩ هـ وحسن إسلامه وصحبته. وقد قام في حرب الردة بأعمال كبيرة حتى قال ابن الأثير؛ خير مولود في أرض طيء وأعظمه بركة عليهم (الأعلام ٤/ ٢٢٠)\n(^٣) الترمذي، كتاب التفسير، سورة ١٠١.","vol":"1","page":55},{"text":"مرّيّ بن قطريّ عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: هم اليهود ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ قال: النصارى هم الضالون. وهكذا رواه سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم به، وقد روي حديث عدي هذا من طرق وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها. وقال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عن بديل العقيلي أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع رسول الله ﷺ وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: المغضوب عليهم وأشار إلى اليهود والضالون هم النصارى. وقد رواه الجريري وعروة وخالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق فأرسلوه ولم يذكروا من سمع من النبي ﷺ ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر فالله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم قال: اليهود، قلت: الضالين قال: النصارى. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ: غير المغضوب عليهم هم اليهود ولا الضالين هم النصارى. وقال الضحاك وابن جريج عن ابن عباس: غير المغضوب عليهم هم اليهود ولا الضالين النصارى، وكذلك قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافا.\nوشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، الحديث المتقدم، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] وقال في المائدة ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩] وفي السيرة (^١) عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، فقال: أنا من غضب الله أفر، وقالت له النصارى إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله، فقال: لا أستطيعه. فاستمر على فطرته وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى، وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذك، وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي ﵁.\n_________\n(^١) السيرة النبوية لابن هشام، ج ١ ص ٢٢٤ - ٢٣٢.","vol":"1","page":56},{"text":"[مسألة] والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما، وذلك أن الضاد نخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ولأن كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم، وأما حديث أنا أفصح من نطق بالضاد فلا أصل له والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-46>[فصل في معاني هذه السورة]</span>\nاشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرؤ من حولهم وقوتهم إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية ﵎ وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم بذلك إلى جواز الصراط الحسّي يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤]. وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به وإن كان هو الذي أضلهم بقدره كما قال تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وقال ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال لا كما تقول الفرقة القدرية (^١) ومن حذا حذوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلون ويحتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن ويتركون ما يكون فيه صريحا في الرد عليهم: وهذا حال أهل الضلال والغي وقد ورد في الحديث الصحيح «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» يعني في قوله تعالى\n_________\n(^١) القدرية: جماعة من التابعين قالوا بحرية الإرادة وقدرة الإنسان على أعماله. رددوا هذا في الشام والعراق، وكان على رأسهم معبد الجهني وغيلان الدمشقي، وهم ضد الجبرية. مهدوا للمعتزلة وتلاشوا فيهم. ويسمى المعتزلة أحيانا القدرية. أما الجبرية منهم طائفة ظهرت في القرن الأول الهجري وكان على رأسهم جهم بن صفوان، ويسمون أيضا الجهمية؛ يقولون إن الإنسان مجبر لا اختيار له ولا قدرة وأن الله قدر الأعمال أزلا وخلقها. عارضهم المعتزلة لأنهم يعطلون الجزاء ويلغون المسؤولية. (انظر الموسوعة العربية الميسرة ص ٦١٢ و١٣٧١)","vol":"1","page":57},{"text":"﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فليس، بحمد الله، لمبتدع في القرآن حجة صحيحة لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل مفرقا بين الهدى والضلال وليس فيه تناقض ولا اختلاف لأنه من عند الله تنزيل من حكيم حميد.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>[فصل في التأمين]</span>\nيستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها آمين، مثل يس، ويقال أمين بالقصر أيضا، ومعناه:\nاللهم استجب. والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ فقال آمين مد بها صوته (^١)، ولأبي داود: رفع بها صوته، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ قال «آمين» حتى يسمع من يليه من الصف الأول، رواه أبو داود وابن ماجة وزاد فيه: فيرتج بها المسجد. والدارقطني وقال: هذا إسناد حسن. وعن بلال أنه قال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين، رواه أبو داود، ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن وجعفر الصادق أنهما شددا الميم من آمين مثل ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ [المائدة: ٢] قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفردا أو إماما أو مأموما، وفي جميع الأحوال لما جاء في الصحيحين (^٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ولمسلم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال أحدكم في الصلاة آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٣) قيل بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان، وقيل في الإجابة، وقيل في صفة الإخلاص. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعا «إذا قال-يعني الإمام-ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله» (^٤) وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال:\nقلت: يا رسول الله ما معنى آمين؟ قال «رب افعل» وقال الجوهري: معنى آمين كذلك فليكن.\nوقال الترمذي معناه: لا تخيب رجاءنا. وقال الأكثرون معناه: اللهم استجب لنا. وحكى القرطبي عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن يساف أن آمين اسم من أسماء الله تعالى، وروي عن ابن عباس مرفوعا ولا يصح، قاله أبو بكر بن العربي المالكي. وقال أصحاب مالك:\nلا يؤمن الإمام ويؤمن المأموم لما رواه مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «وإذا قال-يعني الإمام-ولا الضالين فقولوا آمين» الحديث. واستأنسوا أيضا\n_________\n(^١) مسند أحمد، ج ٦ ص ٤٧٣. ك\n(^٢) صحيح البخاري (أذان باب ١١١، ودعوات باب ٤) ومسلم (صلاة حديث ٧٣)\n(^٣) صحيح مسلم (صلاة حديث ٧٤ - ٧٦)\n(^٤) صحيح مسلم (صلاة حديث ٢٦، ٨٧)","vol":"1","page":58},{"text":"بحديث أبي موسى عند مسلم: كان يؤمن إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ وقد قدمنا في المتفق عليه «إذا أمن الإمام فأمنوا» وأنه ﵊ كان يؤمن إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾.\nوقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية، وحاصل الخلاف أن الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولا واحدا، وإن أمن الإمام جهرا فالجديد أن لا يجهر المأموم وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن مالك: لأنه ذكر من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة، والقديم أنه يجهر به وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل والرواية الأخرى عن مالك لما تقدم «حتى يرتج المسجد» ولنا قول آخر ثالث أنه إن كان المسجد صغيرا لم يجهر المأموم لأنهم يسمعون قراءة الإمام وإن كان كبيرا جهر ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال «إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام آمين» ورواه ابن ماجة ولفظه «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين» (^١) وله عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين فأكثروا من قول آمين» وفي إسناده طلحة بن عمرو (^٢) وهو ضعيف، وروى ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين» (^٣) وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت آمين في الصلاة وعند الدعاء لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى، كان موسى يدعو وهارون يؤمن فاختموا الدعاء بآمين فإن الله يستجيبه لكم» (قلت) ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ. قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:\n٨٨ - ٨٩] فذكر الدعاء عن موسى وحده ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمّن فنزل منزلة من دعا لقوله تعالى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ فدل ذلك على أن من أمّن على دعاء فكأنما قاله، فلهذا قال من قال: إن المأموم لا يقرأ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها، ولهذا جاء في الحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» رواه أحمد في مسنده (^٤). وكان بلال يقول:\n_________\n(^١) ابن ماجة (إقامة باب ١٤)\n(^٢) هو طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي المتوفى سنة ١٥٢. من الطبقة السابعة. متروك. (موسوعة رجال الكتب التسعة ٢/ ٢٠٦)\n(^٣) الدر المنثور (١/ ٤٤). قال السيوطي: بسند ضعيف.\n(^٤) المسند ج ٥ ص ١٠٠. رواه من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا.","vol":"1","page":59},{"text":"لا تسبقني بآمين يا رسول الله. فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية والله أعلم. ولهذا قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن الحسن حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن ليث عن ابن أبي سليم عن كعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال آمين، فوافق آمين أهل الأرض آمين أهل السماء غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه، ومثل من لا يقول آمين كمثل رجل غزا مع قوم فاقترعوا فخرجت سهامهم ولم يخرج سهمه فقال لم لم يخرج سهمي؟ فقيل إنك لم تقل آمين» (^١).\n_________\n(^١) رواه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٤) قال: وأخرجه أبو يعلى في مسنده وابن مردويه بسند جيد عن أبي هريرة.","vol":"1","page":60},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-48>تفسير سورة البقرة</span>\n<span data-type='title' id=toc-49>[ذكر ما ورد في فضلها]</span>\nقال الإمام أحمد حدثنا عارم حدثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال «البقرة سنام القرآن وذروته. نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا واستخرجت ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ من تحت العرش فوصلت بها أو فوصلت بسورة البقرة، ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له واقرءوها على موتاكم» (^١) انفرد به أحمد. وقد رواه أحمد أيضا عن عارم عن عبد الله بن المبارك عن سليمان التيمي عن أبي عثمان-وليس بالنهدي-عن أبيه عن معقل بن يسار قال، قال رسول الله ﷺ «اقرءوها على موتاكم» يعني يس-فقد تبين بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى.\nوقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود والنسائي وابن ماجة، وقد روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير وفيه ضعف عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي» (^٢) وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا تجعلوا بيوتكم قبورا فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» (^٣) وقال الترمذي: حسن صحيح وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه» (^٤) سنان بن سعد ويقال بالعكس، وثقه ابن معين، واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره. وقال أبو عبيد: حدّثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الأحوص عن عبد الله-يعني ابن مسعود-﵁ قال: إن الشيطان يفرّ من البيت يسمع فيه سورة البقرة. ورواه النسائي في «اليوم والليلة» وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل حدثنا أبو\n_________\n(^١) المسند ج ٧ ص ٢٨٦.\n(^٢) الترمذي، ثواب القرآن باب ٢.\n(^٣) هذا لفظ الترمذي. ولفظ أحمد في المسند (ج ٣ ص ١٢٨): «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفرّ من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة».\n(^٤) الدر المنثور ١/ ٤٩.","vol":"1","page":61},{"text":"إسماعيل الترمذي حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى (^١) ويدع سورة البقرة يقرؤها فإن الشيطان يفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة وإن أصفر (^٢) البيوت الجوف الصفر من كتاب الله» (^٣) وهكذا رواه النسائي في «اليوم والليلة» عن محمد بن نصر عن أيوب بن سليمان به. وروى الدارمي في مسنده عن ابن مسعود قال: ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط (^٤). وقال إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة وإن لكل شيء لبابا وإن لباب القرآن المفصل. وروى أيضا من طريق الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة، أربع من أولها وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها، وفي رواية: لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق. وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ «إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن البقرة وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام» رواه أبو القاسم الطبراني وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه وابن مردويه من حديث الأزرق بن علي حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا خالد بن سعيد المدني عن أبي حازم عن سهل به. وقد روى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن عطاء مولى أبي أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال «بعث رسول الله ﷺ بعثا وهم ذوو عدد فاستقرأهم فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن فأتى على رجل من أحدثهم سنا فقال: ما معك يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال نعم قال: اذهب فأنت أميرهم» فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها. فقال رسول الله ﷺ «تعلموا القرآن فاقرأوه وأقرئوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه في كل مكان ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكئ على مسك» هذا لفظ رواية الترمذي (^٥) ثم قال هذا حديث حسن ثم رواه من\n_________\n(^١) في الدر المنثور «يتعنّى» بالعين المهملة وهو الصواب.\n(^٢) أصفر البيوت: أخلاها. وبيت صفر: خال. وصفر اليدين: خالي اليدين.\n(^٣) وفي الدر المنثور: أخرجه ابن الضريس والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والطبراني في الأوسط والصغير وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان بسند ضعيف عن ابن مسعود.\n(^٤) ورواه السيوطي بأطول من هذا وباختلاف يسير، قال: وأخرجه الدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان.\n(^٥) الترمذي (ثواب القرآن، باب ٢). وقوله: وكئ أي ربط. وأصل الوكاء: خيط يربط به في القربة بعد ملئها.","vol":"1","page":62},{"text":"حديث الليث عن سعيد عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلا (^١) فالله أعلم. قال البخاري: وقال الليث حدثني يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أسيد بن حضير ﵁ قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة-وفرسه مربوطة عنده-إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها -فأشفق أن تصيبه فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي ﷺ فقال: «اقرأ يا ابن حضير» قال: قد أشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا فرفعت رأسي وانصرفت إليه فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها قال «وتدري ما ذاك؟» قال لا قال «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم» وهكذا رواه الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن عن عبد الله بن صالح، ويحيى بن بكير عن الليث به. وقد روي من وجه آخر عن أسيد بن حضير كما تقدم والله أعلم. وقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن شماس ﵁ وذلك فيما رواه أبو عبيد حدثنا عباد بن عباد عن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدّثوه أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح قال «فلعله قرأ سورة البقرة» قال: فسألت ثابتا فقال: قرأت سورة البقرة» وهذا إسناد جيد إلا أن فيه إبهاما ثم هو مرسل والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>(ذكر ما ورد في فضلها مع آل عمران)</span>\nقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو نعيم حدّثنا بشر بن مهاجر حدّثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:\nكنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعته يقول «تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» (^٢) قال: ثم سكت (^٣) ساعة ثم قال «تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان (^٤) يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان (^٥) أو فرقان من طير صوّاف (^٦) وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له:\nهل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه\n_________\n(^١) وزاد الترمذي هنا أن الليث «لم يذكر فيه عن أبي هريرة».\n(^٢) لا يستطيعها البطلة: لا يقدر على تحصيلها المبطلون أو أهل الباطل. وفي صحيح مسلم: قال معاوية ابن سلام: بلغني أن البطلة السحرة.\n(^٣) مسند أحمد «مكث» وهو الصواب.\n(^٤) سميتا الزهراوين لنورهما وهدايتها وعظيم أجرهما.\n(^٥) الغمامة والغياية بمعنى. وهما كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغبره وغيرهما.\n(^٦) الفرقان: الجماعتان أو القطيعان، واحدهما فرق. وقوله: من طير صوّاف، جمع صافة وهي من الطيور ما يبسط أجنحته في الهواء.","vol":"1","page":63},{"text":"والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلّتين لا يقوم لهما أهل الدنيا فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هذّا كان (^١) أو ترتيلا» (^٢) وروى ابن ماجة من حديث بشر بن المهاجر بعضه (^٣)، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم فإن بشرا هذا خرج له مسلم ووثقه ابن معين وقال النسائي: ما به بأس، إلا أن الإمام أحمد قال فيه: هو منكر الحديث قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تأتي بالعجب. وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: روى ما لا يتابع عليه. وقال الدارقطني:\nليس بالقوي. (قلت) ولكن لبعضه شواهد فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي. قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الملك بن عمرو حدّثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «اقرءوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أهلهما» يوم القيامة ثم قال «اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» (^٤) وقد رواه مسلم في الصلاة من حديث معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام ممطور الحبشي عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي به الزهراوان: المنيرتان، والغياية: ما أظلك من فوقك، والفرق: القطعة من الشيء، والصواف المصطفة المتضامة، والبطلة السحرة، ومعنى لا تستطيعها أي لا يمكنهم حفظها وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها والله أعلم. ومن ذلك حديث النواس بن سمعان قال الإمام أحمد (^٥):\nحدّثنا يزيد بن عبد ربه حدّثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران» وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال «كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق (^٦) كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما» ورواه مسلم (^٧) عن\n_________\n(^١) هذّ القرآن: أسرع في قراءته، وهو غير محمود.\n(^٢) الحديث رواه أحمد في المسند (ج ٩ ص ٩)\n(^٣) وروى مسلم بعضه من حديث أبي أمامة الباهلي مرفوعا (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين حديث ٢٥٢)\n(^٤) مسند أحمد (ج ٨ ص ٢٧٠)\n(^٥) المسند (ج ٦ ص ٢٠٠)\n(^٦) شرق، بفتح الراء وإسكانها: ضياء ونور.\n(^٧) صحيح مسلم (صلاة المسافرين حديث ٢٥٣)","vol":"1","page":64},{"text":"إسحاق بن منصور عن يزيد بن عبد ربه به، والترمذي (^١) من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي به وقال: حسن غريب، وقال أبو عبيد: حدّثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير قال: قال حماد أحسبه عن أبي منيب عن عمه أن رجلا قرأ البقرة وآل عمران فلما قضى صلاته قال له كعب: أقرأت البقرة وآل عمران؟ قال: نعم قال: فوالذي نفسي بيده إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به استجاب. قال: فأخبرني به قال: لا والله لا أخبرك به ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلك فيها أنا وأنت، وحدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر أنه سمع أبا أمامة يقول: إن أخا لكم أري في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان يهتفان هل فيكم قارئ يقرأ سورة البقرة؟ وهل فيكم قارئ يقرأ سورة آل عمران؟ قال: فإذا قال الرجل نعم دنتا منه بأعذاقهما (^٢) حتى يتعلق بهما فيخطران به الجبل، وحدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن أبي عمران أنه سمع أم الدرداء تقول: إن رجلا ممن قرأ القرآن أغار على جار له فقتله وإنه أقيد به فقتل فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة ثم إن آل عمران انسلت منه وأقامت البقرة جمعة فقيل لها ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] قال فخرجت كأنها السحابة العظيمة. قال أبو عبيد: أراه يعنى أنهما كانتا معه في قبره يدفعان عنه ويؤنسانه فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن. وقال أيضا: حدثنا أبو مسهر الغسّاني عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أن يزيد بن الأسود الجرشي كان يحدث أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح قال:\nفكان يقرأهما كل يوم وليلة سوى جزئه. وحدّثنا يزيد عن ورقاء بن إياس عن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان-أو كتب-من القانتين. فيه انقطاع ولكن ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعة واحدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>ذكر ما ورد في فضل السبع الطوال</span>\nقال أبو عبيد: حدّثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: «أعطيت السبع الطوال مكان التوراة وأعطيت المئين مكان الإنجيل وأعطيت المثاني مكان الزبور وفضلت بالمفصل» (^٣) هذا حديث غريب وسعيد بن أبي بشير فيه لين. وقد رواه أبو عبيد عن عبد الله بن صالح عن الليث عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال فذكره والله أعلم ثم قال: حدّثنا إسماعيل بن\n_________\n(^١) الترمذي (ثواب القرآن، باب ٥)\n(^٢) العذق: عرجون النخل بما فيه من الشماريخ.\n(^٣) وأخرجه أحمد في المسند (ج ٦/ ص ٤٤)","vol":"1","page":65},{"text":"جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن حبيب بن هند الأسلمي عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال «من أخذ السبع فهو حبر» وهذا أيضا غريب وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي وروى عنه عمرو بن عمرو وعبد الله بن أبي بكرة وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحا فالله أعلم. وقد رواه الإمام أحمد (^١) عن سليمان بن داود وحسين كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به، ورواه أيضا عن أبي سعيد عن سليمان بن بلال عن حبيب بن هند عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ قال «من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر» قال أحمد: وحدّثنا حسين حدثنا ابن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله قال عبد الله بن أحمد: وهذا أرى أن فيه عن أبيه عن الأعرج ولكن كذا كان في الكتاب فلا أدري أغفله أبي أو كذا هو مرسل. وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث بعثا وهم ذوو عدد وقدم عليهم أحدثهم سنا لحفظه سورة البقرة وقال له: «اذهب فأنت أميرهم» وصححه الترمذي ثم قال أبو عبيد: حدّثنا هشيم أنبأ أبو بشر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي﴾ قال هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، قال: وقال مجاهد: هي السبع الطوال، وهكذا قال مكحول وعطية بن قيس وأبو محمد الفارسي وشداد بن أوس ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك وفي تعدادها وإنّ يونس هي السابعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>فصل-[البقرة نزلت بالمدينة]</span>\nوالبقرة جميعها مدنية بلا خلاف وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ الآية يقال إنها آخر ما نزل من القرآن ويحتمل أن تكون منها، وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل. وكان خالد بن معدان يسمي البقرة فسطاط القرآن. قال بعض العلماء وهي مشتملة على ألف خبر وألف أمر وألف نهي. وقال العادّون آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائتان وإحدى وعشرون كلمة وحروفها خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف فالله أعلم. قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة. وقال خصيف عن مجاهد عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة. وقال الواقدي: حدّثني الضحاك بن عثمان عن أبي الزناد عن خارجة بن ثابت عن أبيه قال: نزلت البقرة بالمدينة. وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين ولا خلاف فيه. وقال ابن مردويه: حدّثنا محمد بن معمر حدّثنا الحسن بن علي بن الوليد الفارسي حدّثنا خلف بن هشام وحدّثنا عيسى بن ميمون عن موسى بن أنس بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقولوا\n_________\n(^١) المسند (ج ٩ ص ٣٤٧)","vol":"1","page":66},{"text":"سورة البقرة ولا سورة ال عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة والتي يذكر فيها آل عمران وكذا القرآن كله» هذا حديث غريب لا يصح رفعه وعيسى بن ميمون هذا هو أبو سلمة الخواص وهو ضعيف الرواية لا يحتج به وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال هذا المقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه. وروى ابن مردويه من حديث شعبة عن عقيل بن طلحة عن عتبة بن مرثد قال: رأى النبي ﷺ في أصحابه تأخرا فقال «يا أصحاب سورة البقرة» وأظن هذا كان يوم حنين يوم ولوا مدبرين أمر العباس فناداهم «يا أصحاب الشجرة» يعني أهل بيعة الرضوان وفي رواية «يا أصحاب سورة البقرة» لينشطهم بذلك فجعلوا يقبلون من كل وجه، وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة جعل الصحابة يفرون لكثافة حشر بني حنيفة فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون يا أصحاب سورة البقرة، حتى فتح الله عليهم، رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.\n\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-53>[سورة البقرة (٢): آية ١]</span>\n﴿الم (١)﴾\nقد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه، فردّوا علمها إلى الله ولم يفسروها، حكاه القرطبي (^١) في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃ أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان. ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور. قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر، ونقل عن سيبويه أنه نص عليه، ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة و﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾، وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم، وحم، والمص، وص. فواتح افتتح الله بها القرآن، وكذا قال غيره عن مجاهد، وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال: الم اسم من أسماء القرآن. وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السورة فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١/ ١٥٤.","vol":"1","page":67},{"text":"وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى، فقال الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى.\nوكذلك قال سالم بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي:\nبلغني أن ابن عباس قال: الم اسم من أسماء الله الأعظم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال: سألت السدي عن حم وطس والم فقال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن جرير (^١): وحدثنا محمد بن المثنى حدّثنا أبو النعمان حدّثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله فذكر نحوه. وحكى مثله عن علي وابن عباس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال: الم قسم (^٢). ورويا أيضا من حديث شريك بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس، الم قال: أنا الله أعلم (^٣)، وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك. وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ الم قال: أما الم فهي حروف استفتحت (^٤) من حروف هجاء أسماء الله تعالى.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه، وبلائه: وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. قال عيسى ابن مريم ﵇ وعجب فقال: أعجب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به، فالألف مفتاح اسم الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله، الألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.\nهذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه، قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد بها الدين كقوله تعالى ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١١٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ١١٩.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ١١٩.\n(^٤) في الدر المنثور «اشتقّت».","vol":"1","page":68},{"text":"تطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.\nهذا حاصل كلامه (^١) موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا معا، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأوصل ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.\nثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف، والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به. وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: [الرجز] قلنا لها قفي لنا فقالت قاف … لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف (^٢)\nتعني وقفت. وقال الآخر: [الرجز] ما للظليم عال (^٣) كيف لا يا … ينقد عنه جلده إذا يا (^٤)\nفقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل. وقال الآخر:\n[الرجز] بالخير خيرات وإن شرافا … ولا أريد الشر إلا أن تا (^٥)\nيقول: وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١٢٠ - ١٢٩.\n(^٢) الرجز للوليد بن عتبة في الأغاني ٥/ ١٣١؛ وشرح شواهد الشافية في ٢٧١؛ ومشكل القرآن ص ٢٣٨؛ وبلا نسبة في لسان العرب (وقف)؛ والطبري ١/ ١٢٢؛ وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٧٩؛ وتاج العروس (سين). والإيجاف: حث الدابة على سرعة السير، وهو الوجيف.\n(^٣) كذا أيضا برواية الطبري. وقوله عال: دعاء عليه، من قولهم: عال عوله أي ثكلته أمه، فاختصر. و«يا» في البيت الأول كأنه أراد أن يقول «ينقد عنه …» فوقف، ثم عاد يقول «ينقد». و«يا» في الآخر: أي إذا يعدو هذا العدو. وفي رواية اللسان: «عاك» في موضع «عال». قال ابن سيده: عاك عيكانا: مشى وحرّك منكبيه. (اللسان: عيك)\n(^٤) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (يا)؛ وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٧٠؛ وتاج العروس (يا)؛ وشرح شواهد الشافية ص ٢٦٧؛ والطبري ١/ ١٢٣.\n(^٥) البيت بلا نسبة في الطبري ١/ ١٢٣؛ والكتاب ٢/ ٦٢؛ والكامل للمبرد ١/ ٢٤٠؛ والموشح للمرزباني ص ١٢٠؛ وشرح شواهد الشافية ص ٢٦٢. ونسب في شرح شواهد الشافية ص ٢٦٤ للقيم بن أوس. وهو منسوب إلى زهير بن أبي سلمى في القرطبي ١/ ١٥٥.","vol":"1","page":69},{"text":"بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.\nقال القرطبي: وفي الحديث «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة» الحديث قال شقيق (^١) هو أن يقول في اقتل «اق»، [كما قال ﵇: «كفى بالسيف شا» معناه: شافيا] (^٢). وقال خصيف عن مجاهد أنه قال: فواتح السور كلها (ق وص وحم وطسم والر) وغير ذلك هجاء موضوع (^٣). وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل: ابني يكتب في-ا ب ت ث-أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير (^٤).\nقلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي -ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن-يجمها قولك: نص حكيم قاطع له سر. وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف. قال الزمخشري: وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة، ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله ومن هاهنا لحظ بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها ﷾ عبثا ولا سدى، ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأ كبيرا، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين.\nهذا مقام.\nالمقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها، فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور، حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة.\nوقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف لأنه لو كان\n_________\n(^١) في الأصل: «سفيان». وما أثبتناه عن القرطبي ١/ ١٥٦.\n(^٢) الزيادة من القرطبي.\n(^٣) الطبري ١/ ١٢٠.\n(^٤) روى ابن جرير أربعة أحاديث بهذا المعنى عن مجاهد (تفسير الطبري ١/ ١١٨ - ١١٩)","vol":"1","page":70},{"text":"كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها وليس كذلك، ولو كان كذلك أيضا لا نبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه. وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو العجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.\nقال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن، قال: وجاء منها على حرف واحد كقوله- ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾ -وحرفين مثل ﴿حم﴾ وثلاثة مثل ﴿الم﴾ وأربعة مثل ﴿المر﴾ و﴿المص﴾ وخمسة مثل ﴿كهيعص﴾ -و- ﴿حم عسق﴾ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك (قلت) ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى ﴿الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢] ﴿الم. اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ١ - ٣] ﴿المص. كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١ - ٢] ﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿الم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [السجدة: ١ - ٢] ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١ - ٢] ﴿حم. عسق. كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ١ - ٣] وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.\nوأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته (^١) وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن\n_________\n(^١) وقال الطبري أيضا: «قال بعضهم: هي حروف من حساب الجمّل-كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله». يقصد محمد بن السائب الكلبي. وقد روي الطبري حديثين نظير ذلك عن الربيع بن أنس. (تفسير الطبري ١/ ١٢٠)","vol":"1","page":71},{"text":"عبد الله بن رئاب قال: مر أبو ياسر بن أخطب من رجال من يهود برسول الله وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ﴿الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه ﴿الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فقال: أنت سمعته؟ قال نعم. قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك ﴿الم. ذلِكَ الْكِتابُ﴾؟ فقال رسول الله ﷺ «بلى» فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال «نعم» قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بيّن لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ فقال: نعم، قال: ما ذاك؟ قال: «المص» قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد سبعون فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال ما ذاك؟ قال: الر. قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال «نعم» قال: ماذا؟ قال «المر» قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثم قال قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟ فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطمّ (^١) وأعظم والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>[سورة البقرة (٢): آية ٢]</span>\n﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾\nقال ابن جريج قال ابن عباس ذلك الكتاب، أي هذا الكتاب وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض (^٢) بين اسمي الإشارة [هذين] فيستعملون كلا منهما مكان الآخر وهذا معروف\n_________\n(^١) الطامّ: الشيء العظيم. وأطمّ وأعظم بمعنى واحد.\n(^٢) تقارضا الشيء أو الأمر: تبادلاه.","vol":"1","page":72},{"text":"في كلامهم. وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى عن أبي عبيدة وقال الزمخشري: ذلك إشارة إلى ﴿الم﴾ كما قال تعالى ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] وقال تعالى ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقال ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ [غافر: ٦٢] وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي (^١) وغيره أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعف هذا المذهب كثيرون والله أعلم.\nوالكتاب: القرآن. ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير (^٢) وغيره فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما لا علم له به. والريب:\nالشك. قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه، وقال أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد وقال ابن أبي حاتم:\nلا أعلم في هذه خلافا. وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل: [الطويل] بثينة قالت يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب (^٣)\nواستعمل أيضا في الحاجة كما قال بعضهم: [الوافر] قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم أجمعنا السيوفا (^٤)\nومعنى الكلام هنا أن هذا الكتاب هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال تعالى في السجدة ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الآية: ٢] وقال بعضهم: هدى خبر، ومعناه النهي أي لا ترتابوا فيه. ومن القراء من يقف على قوله تعالى ﴿لا رَيْبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى ﴿فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوقف على قوله تعالى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها ولأنه يصير قوله تعالى ﴿هُدىً﴾ صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدى. وهدى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعا على النعت ومنصوبا على الحال. وخصت الهداية للمتقين كما قال ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ١٢٩.\n(^٣) رواه أيضا القرطبي (١/ ١٥٩) شاهدا على هذا المعنى.\n(^٤) البيت لكعب بن مالك الأنصاري في ديوانه ص ٢٣٤؛ ولسان العرب (ريب)؛ وتاج العروس (ريب)؛ وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٢/ ١٦٤؛ ومجمل اللغة ٢/ ٤٤٠؛ والقرطبي ١/ ١١٥٩.","vol":"1","page":73},{"text":"بالقرآن لأنه هو في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وقد قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني نورا للمتقين. وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: هدى للمتقين قال: هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال سفيان الثوري عن رجل عن الحسن البصري: قوله تعالى للمتقين قال: اتقوا ما حرم الله عليهم وأدّوا ما افترض عليهم. وقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن المتقين قال: فأجبته فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم قال: فرجعت إلى الأعمش فقال: يرى أنه كذلك ولم ينكره. وقال قتادة: للمتقين هم الذين نعتهم الله بقوله ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ الآية والتي بعدها (^١)، واختيار ابن جرير أن الآية تعم ذلك كله وهو كما قال (^٢). وقد روى الترمذي وابن ماجة من رواية أبي عقيل عن عبد الله بن يزيد عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس» ثم قال الترمذي: حسن غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي حدّثنا عبد الله بن عمران عن إسحاق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر.\nقلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة. ويطلق الهدى ويراد به ما يقرّ في القلب من الإيمان وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿ قال الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقال ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقال ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الإسراء: ٩٧] إلى غير ذلك من الآيات ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقال ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وقال\n_________\n(^١) أي الآية التي بعد ذلِكَ الْكِتابُ … هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فهي تفسر ما قبلها، وهو تفسير القرآن بالقرآن، وهو الأكثر اعتبارا في مذاهب التأويل.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ١٣٢.","vol":"1","page":74},{"text":"تعالى ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وقال ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] على تفسير من قال المراد بهما الخير والشر وهو الأرجح والله أعلم، وأصل التقوى التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية قال النابغة: [الكامل] سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد (^١)\nوقال الآخر: [الطويل] فألقت قناعا دونه الشمس واتقت … بأحسن موصولين كف ومعصم (^٢)\nوقد قيل إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت (^٣)، قال: فذلك التقوى.\nوقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: [مجزوء الكامل] خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى\nواصنع كماش فوق أرض … الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة … إنّ الجبال من الحصى (^٤)\nوأنشد أبو الدرداء يوما: [الوافر] يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا\nيقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا (^٥)\nوفي سنن ابن ماجة عن أبي أمامة عن النبي ﷺ «ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله» (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>[سورة البقرة (٢): آية ٣]</span>\n﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾\n_________\n(^١) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٩٣؛ والشعر والشعراء ١/ ١٧٦؛ والمقاصد النحوية ٣/ ١٠٢؛ ولسان العرب (نصف)؛ والقرطبي ١/ ١٦١؛ وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٢٥٩. والنصيف: هو كل ما غطى الرأس من خمار أو عمامة. والنابغة هنا يصف المتجردة زوجة النعمان بن المنذر.\n(^٢) البيت بلا نسبة أيضا في القرطبي ١/ ١٦١.\n(^٣) في رواية القرطبي: «تشمّرت وحذرت» وهو أوضح في المقام.\n(^٤) الأبيات الثلاثة في القرطبي ١/ ١٦٢.\n(^٥) البيتان في القرطبي ١/ ١٦٢. وقد أوردهما القرطبي شاهدا على أن «التقوى فيها جماع الخير كله وهي وصية الله في الأولين والآخرين». قال: كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما أحفظ عنك شيء، فقال\n(^٦) ابن ماجة (نكاح، باب ٥)","vol":"1","page":75},{"text":"قال أبو جعفر الرازي عن العلاء بن المسيب بن رافع عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: الإيمان التصديق، وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس ﵄:\nيؤمنون: يصدّقون. وقال معمر عن الزهري: الإيمان العمل، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس يؤمنون: يخشون.\nقال ابن جرير: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا وعملا واعتقادا قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل (قلت) أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك كما قال تعالى ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وكما قال إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال كقوله تعالى ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيدة وغير واحد إجماعا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أفردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنّة. ومنهم من فسره بالخشية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢] وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣] والخشية خلاصة الإيمان والعلم كما قال تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى عن المنافقين ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ [البقرة: ١٤] وقال: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] فعلى هذا يكون قوله بالغيب حالا أي في حال كونهم غيبا عن الناس.\nوأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد، قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال: ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة بن دعامة. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (بالغيب) قال: بما جاء منه-يعني من الله تعالى-وقال سفيان الثوري. عن عاصم عن","vol":"1","page":76},{"text":"زر (^١) قال: الغيب القرآن وقال عطاء بن أبي رباح: من آمن بالله فقد آمن بالغيب. وقال إسماعيل بن أبي خالد: يؤمنون بالغيب قال: بغيب الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الذين يؤمنون بالغيب قال: بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد لأن جميع المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.\nوقال سعيد بن منصور: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا به فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بيّنا لمن رآه؛ والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ ﴿الم، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ -إلى قوله- ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن الأعمش به. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الحديث الذي رواه أحمد (^٢): حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي حدّثني أسيد بن عبد الرحمن عن خالد بن دريك عن ابن محيريز قال: قلت لأبي جمعة [رجل من الصحابة]:\nحدّثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: نعم أحدّثك حديثا جيّدا: تغذينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك.\nقال «نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني»: طريق أخرى. قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدّثنا عبد الله بن جعفر حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود حدّثنا عبد الله بن صالح حدّثنا معاوية بن صالح عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس ليصلي فيه ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة ﵁ فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقا، أحدّثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قلنا: هات رحمك الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة فقلنا: يا رسول الله هل من قوم أعظم منّا أجرا؟ آمنا بالله واتبعناك، قال: «ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجرا مرتين» ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة عن مرزوق بن نافع عن صالح بن جبير عن أبي جمعة بنحوه. وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة (^٣) التي اختلف فيها أهل الحديث كما قررته في أول شرح البخاري لأنه مدحهم على\n_________\n(^١) بالزاي المكسورة وراء مشدّدة. وهو زرّ بن جيش بن حباشة بن أوس الأسدي الكوفي الغاضري، أبو مريم، المتوفى نحو ٨١ هـ. ثقة جليل، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. (موسوعة رجال الكتب التسعة ١/ ٥١٨)\n(^٢) مسند أحمد (ج ٦ ص ٤٣)\n(^٣) الوجادة (في اصطلاح المحدّثين): اسم لما أخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة.","vol":"1","page":77},{"text":"ذلك وذكر أنهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا مطلقا، وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي، حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي عن المغيرة بن قيس التميمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ «أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا الملائكة قال «وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم»؟ قالوا فالنبيون قال «وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم»؟ قال: فقال رسول الله ﷺ ألا إن أعجب الخلق إليّ إيمانا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها» قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث (قلت) ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده وابن مردويه في تفسيره والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن أبي حميد-وفيه ضعف-عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقد روى نحوه عن أنس بن مالك مرفوعا والله أعلم، وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي حدثنا عبد الله بن محمد المسندي حدثنا إسحاق بن إدريس أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري أخبرني جعفر بن محمود عن جدته نويلة بنت أسلم قالت:\nصليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة فاستقبلنا مسجد إيلياء (^١) فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أنّ رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك قال: «أولئك قوم آمنوا بالغيب» هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nقال ابن عباس: ويقيمون الصلاة أي يقيمون الصلاة بفروضها. وقال الضحاك عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها. وقال قتادة إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان:\nإقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور بها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها والتشهد والصلاة على النبي ﷺ فهذا إقامتها.\nوقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم، وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: نفقة الرجل على أهله وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال جويبر عن الضحاك كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهنّ الصدقات هن\n_________\n(^١) هو المسجد الأقصى في بيت المقدس، وهو أولى القبيلتين.","vol":"1","page":78},{"text":"الناسخات المثبتات. وقال قتادة ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عوار (^١) وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها.\nواختار ابن جرير أنّ الآية عامة في الزكاة والنفقات فإنه قال (^٢): وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين-زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته من أهل أو عيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك، لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه (قلت) كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده والابتهال إليه ودعائه والتوكل عليه، والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ولهذا ثبت في الصحيحين (^٣) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت» والأحاديث في هذا كثيرة وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء. قال الأعشى: [الطويل] لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلّى عليها وزمزما (^٤)\nوقال أيضا: [المتقارب] وقابلها الريح في دنّها … وصلّى على دنّها وارتسم (^٥)\nأنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك. وقال الآخر، وهو الأعشى أيضا: [البسيط] تقول بنتي وقد قربت مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا\nعليك مثل الذي صليت فاغتمضي … نوما فإن لجنب المرء مضطجعا (^٦)\n_________\n(^١) العواري: جمع عارية، وهي ما تعيره إلى غيرك ثم تستردّه.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ١٣٧. وابن كثير ينقل ما يأتي باختصار وبعض تصرّف.\n(^٣) البخاري (إيمان باب ١ و٢؛ وتفسير سورة ٢ باب ٣) ومسلم (إيمان حديث ١٩ - ٢٢)\n(^٤) البيت من شواهد الطبري (١/ ١٣٧). والكلام يدور على دنّ الخمر. ذبحت الدنّ: أزيل ختمها. وزمزم المجوسيّ عند الأكل أو الشرب: رطن وهو مطبق فاه وصوت بصوت مبهم يديره في خيشومه وحلقه لا يحرك فيه لسانا ولا شفة.\n(^٥) البيت للأعشى في ديوانه ص ٨٥؛ ولسان العرب (رسم، صلا)؛ والمخصص ١٣/ ٨٥؛ ومقاييس اللغة ٣/ ٣٠٠؛ وتهذيب اللغة ٩/ ١٦٦؛ وجمهرة اللغة ص ١١٥؛ وتاج العروس (رسم). وارتسم الرجل: كبّر ودعا (الصحاح). ورواية الديوان: «وارتشم».\n(^٦) البيت للأعشى في ديوانه ص ١٥١؛ ومقاييس اللغة ٣/ ٣٠٠؛ وتاج العروس (شفع)؛ والقرطبي ١/ ١٦٨.","vol":"1","page":79},{"text":"يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي، وهذا ظاهر. ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة بشروطها المعروفة وصفاتها وأنواعها المشهورة. قال ابن جرير: وأرى أن الصلاة [المفروضة] (^١) سميت صلاة لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعلمه مع ما يسأل ربه من حاجاته [تعرّض الداعي بدعائه ربّه استنجاح حاجاته وسؤله] (^٢) وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفان عجب الذنب ومنه سمي المصلي وهو التالي للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر. وقيل هي مشتقة من الصلى وهو الملازمة للشيء من قوله تعالى: ﴿لا يَصْلاها﴾ أي لا يلزمها ويدوم فيها ﴿إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] وقيل مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوم كما أن المصلي يقوم عوجه بالصلاة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر والله أعلم.\nوأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>[سورة البقرة (٢): آية ٤]</span>\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾\nقال ابن عباس: ﴿(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي يصدّقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرّقون بينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم، وبالآخرة هم يوقنون: أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان؛ وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا. وقد اختلفت المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدّم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير (^٣)، أحدها: أن الموصوفين أولا هم الموصوفون ثانيا وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم، قاله مجاهد وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة. والثاني: هما واحد وهم مؤمنو أهل الكتاب؛ وعلى هذين تكون الواو عاطفة على صفات كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى. فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ [الأعلى: ١ - ٥] وكما قال الشاعر: [المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم (^٤)\nفعطف الصفات بعضها على بعض والموصوف واحد والثالث أن الموصوفين أوّلا مؤمنو العرب والموصوفون ثانيا بقوله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري ١/ ١٣٧.\n(^٢) الزيادة من الطبري ١/ ١٣٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ١٣٩.\n(^٤) البيت بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٦٩؛ وخزانة الأدب ١/ ٤٥١، وشرح قطر الندى ص ٢٩٥.","vol":"1","page":80},{"text":"لمؤمني أهل الكتاب، نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة واختاره ابن جرير ﵀ ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] وبما ثبت في الصحيحين من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بي ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها» (^١) وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين كافر ومنافق فكذلك المؤمنون صنّفهم إلى عربي وكتابي.\n(قلت) والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: أربع آيات من أوّل سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاثة عشر في المنافقين فهذه الآيات الأربع عامات في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي من إنسي وجني وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ وما جاء به من قبله من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والإيقان بالآخرة، كما أنّ هذا لا يصح إلا بذاك وقد أمر الله المؤمنين بذلك كما قال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى:\n﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك فقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:١٨٥] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على جميع أمر المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه، لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم مفصلا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدّم مجملا كما جاء في\n_________\n(^١) البخاري (علم باب ٣١) ومسلم (إيمان حديث ٢٤١)","vol":"1","page":81},{"text":"الصحيح «إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدّقوهم ولكن قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم» ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية فغيرهم يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>[سورة البقرة (٢): آية ٥]</span>\n﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾\nيقول الله تعالى: ﴿أُولئِكَ﴾ أي المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الآخرة، وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات ﴿عَلى هُدىً﴾ أي على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم به ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا. وقال ابن جرير: وأما معنى قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فإن معنى ذلك فإنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديده إياهم وتوفيقه لهم وتأويل قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب (^١). وقد حكى ابن جرير قولا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية، على ما تقدم من الخلاف، وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ منقطعا مما قبله وأن يكون مرفوعا على الابتداء وخبره ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب لما رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٢) وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة والإشارة عائدة عليهم والله أعلم.\nوقد نقل هذا عن مجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة ﵏، وقال ابن أبي حاتم:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١٤٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ١٣٩.","vol":"1","page":82},{"text":"حدثنا أبي حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري حدثنا أبي حدثنا ابن لهيعة حدثني عبيد الله ابن المغيرة عن أبي الهيثم واسمه سليمان بن عمرو عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ، وقيل له: يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجوا ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس أو كما قال، فقال:\n«أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ﴿الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هؤلاء أهل الجنة، قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿عَظِيمٌ﴾ هؤلاء أهل النار قالوا: لسنا هم يا رسول الله، قال: «أجل».\n\n<span data-type='title' id=toc-58>[سورة البقرة (٢): آية ٦]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي غطوا الحق وستروه وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك سواء عليهم إنذارك وعدمه فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦] وقال تعالى في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة:١٤٥]، أي إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له ومن أضله فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يهمنك ذلك ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول (^١). وقال محمد بن إسحاق:\nحدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بما أنزل إليك وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق وقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا وقد كفروا بما عندهم من علمك. قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب وهم الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩] والمعنى الذي ذكرناه أولا وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في\n_________\n(^١) رواه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٦٥). قال: وأخرجه ابن جريج وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير في السنة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.","vol":"1","page":83},{"text":"معناها، والله أعلم.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال: حدثنا أبي حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري حدثنا ابن لهيعة حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم عن عبد الله بن عمرو وقال: قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو ونقرأ فنكاد أن نيأس فقال: «ألا أخبركم» ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ «هؤلاء أهل النار» قالوا: لسنا منهم يا رسول الله، قال «أجل». وقوله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أي هم كفار في كلا الحالين فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل أن يكون لا يؤمنون خبرا لأن تقديره إن الذين كفروا لا يؤمنون ويكون قوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملة معترضة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>[سورة البقرة (٢): آية ٧]</span>\n﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾\nقال السدي: ختم الله أي طبع الله وقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون. وقال ابن جريج: قال مجاهد: ختم الله على قلوبهم قال:\nالطبع، ثبتت الذنوب على القلب فحفت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه فالتقاؤها عليه الطبع والطبع الختم. قال ابن جريج: الختم على القلب والسمع. قال ابن جريج: وحدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد ذلك كله. وقال الأعمش: أرانا مجاهد بيده فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه-يعني الكف- فإذا أذنب العبد ذنبا ضمّ منه-وقال بإصبعه الخنصر (^١) هكذا-فإذا أذنب ضم-وقال بإصبع أخرى-فإذا أذنب ضم-وقال بإصبع أخرى هكذا-حتى ضم أصابعه كلها ثم قال: يطبع عليه بطابع. وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك الرين (^٢). ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن الأعمش عن مجاهد بنحوه (^٣)، قال ابن جرير: وقال بعضهم إنما معنى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق كما يقال إن فلانا أصم عن هذا الكلام إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا. قال: وهذا لا يصح لأن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم (قلت) وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدا، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله، لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده\n_________\n(^١) قال بلسانه: تكلم. وقال بيده وإصبعه: أشار. وكذا بعينه وقدمه إلخ.\n(^٢) الرّين والران: الغطاء والحجاب الكثيف. وهو أيضا الصدأ يعلو الشيء الجليّ. والدنس. وما غطّى على القلب وركبه من القسوة للذنب بعد الذنب.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ١٤٥.","vol":"1","page":84},{"text":"يتعالى الله عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] وما أشبه من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علما بهذا لما قال ما قال والله أعلم.\nقال القرطبي (^١): وأجمعت الأمة على أن الله ﷿ قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وذكر حديث تقليب القلوب «اللهمّ يا مثبّت القلوب ثبت قلوبنا على دينك» وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله ﷺ. قال «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد (^٢) كالكوز مجخيا (^٣) لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا» الحديث (^٤)، قال ابن جرير: والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ وهو ما حدثنا به محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر (^٥) صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو (^٦) قلبه فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٧). وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة والليث بن سعد وابن ماجة عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم ثلاثتهم عن محمد بن عجلان به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ نظير الختم والطبع على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها فكذلك\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١/ ١٨٧.\n(^٢) أي اختلط سواده بكدرة.\n(^٣) مجخّيا: مائلا.\n(^٤) تفسير القرطبي ١/ ١٨٩، وصحيح مسلم (إيمان حديث ٢٣١)\n(^٥) في الأصل «واستعتب». وما أثبتناه عن الطبري.\n(^٦) في الطبري «تغلق».\n(^٧) سورة المطففين، الآية: ١٤. والحديث في تفسير الطبري ١/ ١٤٥. ورواه أحمد في المسند (ج ٣ ص ١٥٤) عن صفوان بن عيسى بهذا الإسناد.","vol":"1","page":85},{"text":"لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحل رباطه عنها.\nواعلم أن الوقف التام على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ وقوله:\n﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ جملة تامة فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة وهي الغطاء تكون على البصر كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في قوله ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون يقول: وجعل على أبصارهم غشاوة يقول: على أعينهم فلا يبصرون، وقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن سعد حدثنا أبي حدثني عمي الحسين بن الحسن عن أبيه عن جده عن ابن عباس: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ والغشاوة على أبصارهم. قال: وحدثنا القاسم حدثنا الحسين، يعني ابن داود وهو سنيد (^٢)، حدثني حجاج، وهو ابن محمد الأعور، حدثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] قال ابن جرير: ومن نصب غشاوة من قوله تعالى ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره:\nوجعل على أبصارهم غشاوة ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [سورة الواقعة: ٢٢] وقول الشاعر: [الرجز] علفتها تبنا وماء باردا … حتى شتت همّالة عيناها (^٣)\nوقال الآخر: [مجزوء الكامل] ورأيت زوجك في الوغى … متقلدا سيفا ورمحا (^٤)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١٤٧.\n(^٢) هو سنيد بن داود، أبو علي المحتسب المصيصي المدائني المتوفى سنة ١٢٦ هـ. من الطبقة العاشرة. أخرج له ابن ماجة. ضعيف. (موسوعة رجال الكتب التسعة ٢/ ١١٣)\n(^٣) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (زجج، قلد، علف)؛ والأشباه والنظائر ٢/ ١٠٨؛ وأمالي المرتضى ٢/ ٢٥٩؛ والإنصاف ٢/ ٦١٢؛ وأوضح المسالك ٢/ ٢٤٥؛ والخصائص ٢/ ٤٣١؛ والدرر ٦/ ٧٩؛ وشرح الأشموني ١/ ٢٢٦؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١١٤٧؛ وشرح شذور الذهب ص ٣١٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٥٨؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٣٠؛ وتاج العروس (علف)؛ والطبري ١/ ١٤٧.\n(^٤) ويروي أيضا: «يا ليت زوجك قد غدا». والبيت بلا نسبة في الطبري ١/ ١٤٧؛ والأشباه والنظائر ٢/ ١٠٨؛ وأمالي المرتضى ١/ ٥٤؛ والإنصاف ١/ ٥٤؛ وخزانة الأدب ٢/ ٢٣١؛ والخصائص ٢/ ٤٣١؛ وشرح شواهد الإيضاح ص ١٨٢؛ وشرح المفصل ٢/ ٥٠؛ ولسان العرب (رغب، زجج)، مسح، قلد، جدع، جمع، هدى)؛ والمقتضب ٢/ ٥١.","vol":"1","page":86},{"text":"تقديره وسقيتها ماء باردا ومعتقلا رمحا. لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات ثم عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور تعريفا لأحوالهم لتجتنب ويجتنب من تلبس بها أيضا فقال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-60>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨ إلى ٩]</span>\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩)﴾\nالنفاق هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار. وعملي وهو من أكبر الذنوب كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى، وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه، وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مستكرها وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج، بنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج وقلّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁ ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان ﵊ وادع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة فلما كانت وقعة بدر وأظهر الله كلمته وأعز الإسلام وأهله قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأسا في المدينة وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر الله قد توجه (^١). فأظهر الدخول في الإسلام ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد نافق لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرها بل يهاجر فيترك ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.\nقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. وكذا فسرها بالمنافقين من الأوس والخزرج أبو العالية والحسن\n_________\n(^١) أي أن ملكه قد تولى وانقضى.","vol":"1","page":87},{"text":"وقتادة والسدي ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي يقولون ذلك قولا ليس وراءه شيء آخر كما قال تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] أي إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط لا في نفس الأمر، ولهذا يؤكدون في الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها. كما أكدوا أمرهم قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر، وليس الأمر كذلك، كما كذبهم الله في شهادتهم وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وبقوله: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك من أنفسهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ومن القراء من قرأ ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد (^١). وقال ابن جرير: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ قيل: لا تمتنع العرب من أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي هو في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعا، فكذلك المنافق سمي مخادعا لله وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية مما تخلّص به من القتل والسبي والعذاب العاجل وهو لغير ما أظهره مستبطن وذلك من فعله، وإن كان خداعا للمؤمنين في عاجل الدنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع، لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها به حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومزيرها (^٢) من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك خديعته نفسه ظنا منه مع إساءته إليها في أمر معادها أنه إليها محسن كما قال تعالى: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ إعلاما منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم\n_________\n(^١) اختار الطبري قراءة (وما يخدعون). قال: ومن الدلالة أيضا على أن هذه القراءة أولى بالصحة أن الله جلّ ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله والمؤمنين في أول الآية، فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأن ذلك تضاد في المعنى، وذلك غير جائز من الله ﷿. (تفسير الطبري ١/ ١٥٣)\n(^٢) جعلها زيارة، وهي هلاك، سخرية بهم واستهزاء.","vol":"1","page":88},{"text":"غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا علي بن المبارك فيما كتب إليّ حدثنا زيد بن المبارك حدثنا محمد بن ثور عن ابن جريج في قوله تعالى: يخادعون الله قال: يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وفي أنفسهم غير ذلك. وقال سعيد عن قتادة ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق يصدق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله ويصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، ويتكفأ (^١) تكفؤ السفينة كلما هبت ريح هبت معها.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>[سورة البقرة (٢): آية ١٠]</span>\n﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾\nقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في هذه الآية ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: شك (فزادهم الله مرضا) قال: شكا. وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس (في قلوبهم مرض) قال: شكا. وكذلك قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة. وعن عكرمة وطاوس (في قلوبهم مرض) يعني الرياء. وقال الضحاك عن ابن عباس (في قلوبهم مرض) قال: نفاق. (فزادهم الله مرضا) قال: نفاقا وهذا كالأول. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (في قلوبهم مرض) قال: هذا مرض في الدين وليس مرضا في الأجساد وهم المنافقون. والمرض الشك الذي دخلهم في الإسلام (فزادهم الله مرضا) قال: زادهم رجسا، وقرأ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]. قال: شرا إلى شرهم وضلالة إلى ضلالتهم. وهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حسن وهو الجزاء من جنس العمل وكذلك قاله الأولون وهو نظير قوله تعالى أيضا ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقوله ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وقرئ يكذّبون، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة ويكذبون بالغيب يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه ﵊ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم (^٢) وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال لعمر ﵁ «أكره أن يتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه» (^٣) ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر فإنهم إنما\n_________\n(^١) تكفّأ: تمايل وتبختر.\n(^٢) المراد: مع علمه بنفاقهم، كما في القرطبي ١/ ١٩٨.\n(^٣) في القرطبي: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي» قال: أخرجه البخاري ومسلم.","vol":"1","page":89},{"text":"يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمدا يقتل أصحابه، قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم، قال ابن عطية (^١): وهي طريقة أصحاب مالك، نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون. ومنها ما قال مالك: إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا في سائر الأحكام، قال: ومنها ما قال الشافعي إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجبّ (^٢) ما قبله. ويؤيد هذا قوله ﵊ في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿» (^٣) ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرا فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة وإن لم يعتقدها لم ينفعه جريان الحكم عليه في الدنيا وكونه كان خليط أهل الإيمان ﴿يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى، وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ، وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ [الحديد: ١٤] فهم يخالطونهم في بعض المحشر فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث ومنها ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه لا يخاف من شرهم مع وجوده ﷺ بين أظهرهم يتلو عليهم آيات مبينات فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون، قال مالك: المنافق في عهد رسول الله ﷺ هو الزنديق اليوم (^٤) (قلت) وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا، أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا، أو يتكرر منه ارتداده أم لا، أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال متعددة موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام.\n[تنبيه] قول من قال: كان ﵊ يعلم أعيان بعض المنافقين، إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه\n_________\n(^١) ما يأتي من قول ابن عطية ومالك والشافعي هو أيضا نقل عن القرطبي في تفسيره ١/ ١٩٩.\n(^٢) جبّ الشيء: قطعه. ومنه الحديث: «إن الإسلام يجبّ ما قبله».\n(^٣) أخرجه البخاري (إيمان باب ١٧؟ وزكاة باب ١؛ وصلاة باب ٢٨؛ واستتابة باب ٣) ومسلم (إيمان حديث ٣٢؛ وزكاة حديث ١؛ وجهاد حديث ١) والترمذي (إيمان باب ١ و٢؛ وتفسير سورة ٨٨) والنسائي (زكاة باب ٣؛ وإيمان باب ١٥) وابن ماجة (مقدمة باب ٩؛ وفتن باب ١)\n(^٤) عبارة القرطبي: قال مالك: النفاق في عهد رسول الله هو الزندقة فينا اليوم؛ فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة؛ وهو أحد قولي الشافعي.","vol":"1","page":90},{"text":"المدارك أو لغيرها والله أعلم.\nفأما غير هؤلاء فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] ففيها دليل على أنه لم يغربهم ولم يدرك على أعيانهم وإنما كان تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ. وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين ومع هذا لما مات صلّى عليه النبي ﷺ وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب ﵁ فيه فقال: «إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه» وفي رواية في الصحيح «إني خيرت فاخترت» وفي رواية «لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت».\n\n<span data-type='title' id=toc-62>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١ إلى ١٢]</span>\n﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾\nقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الطيب الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ قال: هم المنافقون. أما (لا تفسدوا في الأرض) قال: الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية. وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: يعني لا تعصوا في الأرض وكان فسادهم ذلك معصية الله لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته فقد أفسد في الأرض لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة (^١). وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة. وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم لا تفعلوا كذا وكذا قالوا: إنما نحن على الهدى مصلحون (^٢)، وقال وكيع وعيسى بن يونس وعثمان بن علي عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأزدي عن سلمان الفارسي ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ قال سلمان: لم يجئ أهل هذه الآية بعد. وقال ابن جرير (^٣) حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عبد الرحمن بن شريك حدثني أبي عن الأعمش عن زيد بن وهب وغيره عن سلمان الفارسي في هذه الآية قال: ما جاء هؤلاء بعد؟ قال ابن جرير:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١٥٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ١٦٠.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ١٦٠.","vol":"1","page":91},{"text":"يحتمل أن سلمان ﵁ أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمن النبي ﷺ لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد، قال ابن جرير: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه وتضييعهم فرائضه وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها. وهذا الذي قاله حسن، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ثم قال ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٤ - ١٤٥] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل لأنه هو الذي غر المؤمنين، بقوله الذي لا حقيقة له ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح ونجح، ولهذا قال تعالى ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء كما قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب (^١). يقول الله ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادا.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>[سورة البقرة (٢): آية ١٣]</span>\n﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى وإذا قيل للمنافقين: آمنوا كما آمن الناس أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ يعنون-لعنهم الله- أصحاب رسول الله ﷺ ﵃، قاله أبو العالية والسدي في تفسيره بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة، وبه يقول الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن\n_________\n(^١) بهذا الإسناد أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ١٦٠.","vol":"1","page":92},{"text":"أسلم (^١)، وغيرهم يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟ والسفهاء جمع سفيه كما أن الحكماء جمع حكيم والحلماء جمع حليم، والسفيه هو الجاهل الضعيف الرأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار، ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيامًا﴾ [النساء: ٥] قال عامة علماء التفسير: هم النساء والصبيان، وقد تولى الله سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤ إلى ١٥]</span>\n﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾\nيقول تعالى وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا، وأظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة غرورا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ يعني إذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم، فضمن (خلوا) معنى انصرفوا لتعديته بإلى ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال «إلى» هنا بمعنى «مع» والأول أحسن، وعليه يدور كلام ابن جرير (^٢). وقال السدي عن أبي مالك:\nخلوا يعني مضوا، وشياطينهم: سادتهم وكبراؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين. قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾: يعني هم رؤساؤهم في الكفر. وقال الضحاك عن ابن عباس: وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم.\nوقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول ﷺ وقال مجاهد: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين. وقال قتادة ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ قال: إلى رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر، وبنحو ذلك فسره أبو\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١٦٢؛ والدر المنثور ١/ ٦٨ - ٦٩.\n(^٢) قال ابن جرير: وأما بعض نحويي أهل الكوفة فإنه كان يتأول أن ذلك بمعنى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا صرفوا خلاءهم إلى شياطينهم … إلخ. فيزعم أن الجالب «إلى» المعنى الذي دل عليه الكلام: من انصراف المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم، لا قوله «خلوا». وعلى هذا التأويل لا يصلح في موضع «إلى» غيرها، لتغير الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها. قال: وهذا القول عندي أولى بالصواب، لأن لكل حرف من حروف المعاني وجها هو به أولى من غيره. (تفسير الطبري ١/ ١٦٥)","vol":"1","page":93},{"text":"مالك وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس. قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وفي المسند (^١) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ «[يا أبا ذرّ] (^٢) تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن» فقلت يا رسول أو للإنس شياطين؟ قال «نعم» وقوله ﴿قالُوا إِنّا مَعَكُمْ﴾ قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم (^٣). وقال الضحاك عن ابن عباس: قالوا إنما نحن مستهزئون ساخرون بأصحاب محمد ﷺ، وكذلك قال الربيع بن أنس وقتادة.\nوقوله تعالى جوابا لهم ومقابلة على صنيعهم ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال ابن جرير: أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ [الحديد: ١٣] وقوله تعالى ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ذكره وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل قال: وقال آخرون بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه والكفر به. قال: وقال آخرون هذا وأمثاله على سبيل الجواب كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك، ولم يكن منه خديعة ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله تعالى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] و﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم، وقال آخرون: قوله تعالى ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقوله ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقوله ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] و﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وما أشبه ذلك إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى:٤٠] وقوله تعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ فالأول ظلم والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظهما فقد اختلف معناهما. قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.\n_________\n(^١) مسند أحمد، ج ٥ ص ١٧٨ و١٧٩ و٢٦٥.\n(^٢) الزيادة من المسند.\n(^٣) الدر المنثور ١/ ٦٩؛ والطبري ١/ ١٦٥.","vol":"1","page":94},{"text":"قال: وقال آخرون إن معنى ذلك أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد ﷺ وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم [صدقنا بمحمد ﵇ وما جاء به] (^١) مستهزئون، فأخبر تعالى أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة يعني من العذاب والنكال. ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله ﷿ بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك. قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس: حدثنا أبو كريب حدثنا عثمان حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم. وقوله تعالى ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ: يمدهم يملي لهم. وقال مجاهد: يزيدهم. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] وقال:\n﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢؛ والقلم: ٤٤] قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة وقال تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥] قال ابن جرير: والصواب نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم كما قال تعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] والطغيان: هو المجاوزة في الشيء كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] وقال الضحّاك عن ابن عباس: في طغيانهم يعمهون في كفرهم يترددون. وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة وبه يقول أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس ومجاهد وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم. قال ابن جرير: والعمه: الضلال. يقال: عمه فلان يعمه عمها وعموها إذا ضل، قال: وقوله (في طغيانهم يعمهون) في ضلالهم وكفرهم الذي غمرهم دنسه وعلاهم رجسه يترددون حيارى ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها فلا يبصرون رشدا ولا يهتدون سبيلا (^٢). وقال بعضهم: العمى في العين والعمه في القلب، وقد يستعمل العمى في القلب أيضا قال تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وتقول عمه الرجل يعمه عموها فهو عمه وعامه وجمعه عمه، وذهبت إبله العمهاء إذا لم يدر\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري ١/ ١٦٦.\n(^٢) الطبري ١/ ١٧٠.","vol":"1","page":95},{"text":"أين ذهبت.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>[سورة البقرة (٢): آية ١٦]</span>\n﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾\nقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ أي الكفر بالإيمان (^١)، وقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى (^٢)، وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال واعتاضوا عن الهدى بالضلالة وهو معنى قوله تعالى ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ أي بذلوا الهدى ثمنا للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الايمان ثم رجع عنه إلى الكفر كما قال تعالى فيهم ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى كما يكون حال فريق آخر منهم فإنهم أنواع وأقسام ولهذا قال تعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة وما كانوا مهتدين أي راشدين في صنيعهم ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة (^٣)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة بمثله سواء (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧ إلى ١٨]</span>\n﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾\nيقال: مثل ومثل ومثيل أيضا والجمع أمثال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا أصم لا يسمع أبكم لا ينطق أعمى لو كان ضياء لما\n_________\n(^١) الطبري ١/ ١٧١؛ والدر المنثور ١/ ٧٠.\n(^٢) الدر المنثور ١/ ٧١.\n(^٣) الطبري ١/ ١٧٢.\n(^٤) الدر المنثور ١/ ٧١.","vol":"1","page":96},{"text":"أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضا عن الهدى واستحبابهم الغي على الرشد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع، والله أعلم.\nوقد حكى هذا الذي قلناه الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه هاهنا في غاية الصحة لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين.\nوزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات واحتج بقوله تعالى ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك ثم سلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] فلهذا وجه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان أي في الدنيا ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة. قال (^١):\nوصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي كدوران الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى:\n﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا نارا، وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون:\nالذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر: [الطويل] وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (^٢)\nقلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ وهذا أفصح في الكلام وأبلغ في الظلام، وقوله تعالى ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي ذهب عنهم بما ينفعهم وهو النور وأبقى لهم ما يضرهم وهو الإحراق والدخان ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى سبيل خير ولا يعرفونها وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرا ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿عُمْيٌ﴾ في ضلالة وعماية\n_________\n(^١) الطبري ١/ ١٧٥.\n(^٢) البيت للأشهب بن رميلة في خزانة الأدب ٦/ ٧؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥١٧؛ والكتاب ١/ ١٨٧؛ ولسان العرب (فلج، لذا)؛ والمؤتلف والمختلف ص ٣٣؛ والمحتسب ١/ ١٨٥؛ ومعجم ما استعجم ص ١٠٢٨؛ والمقاصد النحوية ١/ ٤٨٢؛ والمقتضب ٤/ ١٤٦؛ والمنصف ١/ ٦٧. وللأشهب أو لحريث بن مخفض في الدرر ١/ ١٤٨، وبلا نسبة في الأزهية ص ٩٩؛ ورصف المباني ص ٣٤٢.","vol":"1","page":97},{"text":"البصيرة كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه</span>\nقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ زعم أن ناسا دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله ﷺ المدينة ثم إنهم نافقوا وكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فلما أضاءت ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال والحرام والخير والشر فبينا هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشر (^١). وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أما النور فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به وأما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك (^٢). وقال مجاهد: ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى. وقال عطاء الخراساني في قوله تعالى ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قال: هذا مثل المنافق يبصر أحيانا ويعرف أحيانا ثم يدركه عمى القلب. وقال ابن أبي حاتم:\nوروي عن عكرمة والحسن والسدي والربيع بن أنس نحو قول عطاء الخراساني. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارا ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون (^٣).\nوأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص بلا إله إلا الله أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة. وقال الضحاك:\n﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به. وقال عبد الرزاق عن معمر عن\n_________\n(^١) الدر المنثور ١/ ٧١؛ والطبري ١/ ١٧٦.\n(^٢) الطبري ١/ ١٧٦.\n(^٣) الطبري ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":98},{"text":"قتادة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ فهي لا إله إلا الله أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وآمنوا في الدنيا ونكحوا النساء وحقنوا دمائهم حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إن المعنى أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وغازاهم بها ووارثهم بها وحقن بها دمه وماله فلما كان عند الموت سلبها المنافق لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في عمله ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ يقول: في عذاب إذا ماتوا. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ﴾ أي يبصرون الحق ويقولون به حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفؤوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق. وقال السدي في تفسيره بسنده: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ﴾ فكانت الظلمة نفاقهم. وقال الحسن البصري: وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فذلك حين يموت المنافق فيظلم عليه عمله عمل السوء فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق به قوله لا إله إلا الله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ قال السدي بسنده: صم بكم عمي فهم خرس عمي، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يقول لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه، ولا يعقلونه، وكذا قال أبو العالية وقتادة بن دعامة: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن عباس: أي لا يرجعون إلى هدى، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال السدي بسنده ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الإسلام. وقال قتادة: فهم لا يرجعون، أي لا يتوبون ولا هم يذكرون،\n\n<span data-type='title' id=toc-68>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩ إلى ٢٠]</span>\n﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾\nهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ويشكون تارة أخرى فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ﴿كَصَيِّبٍ﴾، والصيب المطر، قاله ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن البصري وقتادة وعطية العوفي وعطاء الخراساني والسدي والربيع بن أنس. وقال الضحاك: هو السحاب. والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق (ورعد) وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] وقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ. لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٦ - ٥٧] و﴿الْبَرْقُ﴾ هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من","vol":"1","page":99},{"text":"المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان ولهذا قال ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ أي ولا يجدي عنهم حذرهم شيئا لأن الله محيط بقدرته وهم تحت مشيئته وإرادته كما قال: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٧ - ٢٠] بهم ثم قال: ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ أي لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم وعدم ثباتها للإيمان.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين وقال ابن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ أي لشدة ضوء الحق كلما أضاء لهم مشوا فيه (وإذا أظلم عليهم قاموا) أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه وتارة تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (كلما أضاء لهم مشوا فيه) يقول: كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه وإذا أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: ١١] وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم في قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر (قاموا) أي متحيرين، وهكذا قال أبو العالية والحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس والسدي بسنده عن الصحابة وهو أصح وأظهر والله أعلم. وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء له أخرى، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى، ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخلص من المنافقين الذين قال تعالى فيهم ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] وقال في حق المؤمنين ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [الحديد: ١٢]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-69>ذكر الحديث الوارد في ذلك</span>\nقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ الآية، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، أبين","vol":"1","page":100},{"text":"إلى (^١) صنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه [والناس منازل بأعمالهم]» (^٢)، رواه ابن جرير. ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن داور القطان عن قتادة بنحوه. وهذا كما قال المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود قال:\nيؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا على إبهامه يطفأ مرة ويتقد مرة، وهكذا رواه ابن جرير عن ابن مثنى عن ابن إدريس عن أبيه عن المنهال. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن علي بن محمد الطنافسي حدثنا ابن إدريس سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود ﴿نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا أبو يحيى الحماني حدثنا عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا. وقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورا فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا.\nفإذا تقرر هذا صار الناس أقساما، مؤمنون خلص وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خلص وهم الموصوفون بالآيتين بعدها. ومنافقون وهم قسمان: خلص وهم المضروب لهم المثل الناري (^٣)، ومنافقون يترددون تارة يظهر لهم لمع الإيمان وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل المائي (^٤) وهم أخف حالا من الذين قبلهم. وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور (^٥) من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دري وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله. ثم ضرب مثل العباد من الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل\n_________\n(^١) في الأصل «إلى عدن أو بين صنعاء ودون ذلك» وما أثبتنا عن الدر المنثور ٦/ ٢٥٠.\n(^٢) الزيادة عن الدر المنثور. قال السيوطي: وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة.\n(^٣) أي في قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا الآية.\n(^٤) أي في قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ الآية.\n(^٥) سورة النور، الآية ٣٥.","vol":"1","page":101},{"text":"البسيط وهم الذين قال تعالى فيهم ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين: داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] وقال ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] وقد قسم الله المؤمنين في أول الواقعة وفي آخرها، وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.\nفتلخّص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين أيضا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» (^١) استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق. إما عملي لهذا الحديث أو اعتقادي كما دلت عليه الآية كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله. قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره وأما القلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» وهذا إسناد جيد حسن.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ﴾ قال: لما تركوا من الحق بعد معرفته (^٣) ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن عباس: أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (إيمان باب ٢٤؛ جزية باب ١٧؛ مظالم باب ١٧) ومسلم (إيمان حديث ١٠٢) وأبو داود (سنة باب ١٥) والترمذي (إيمان باب ١٤) والنسائي (إيمان باب ٢٠) وأحمد في المسند (ج ٢ ص ١٨٩)\n(^٢) المسند ج ٣ ص ١٧.\n(^٣) الطبري ١/ ١٩٤.","vol":"1","page":102},{"text":"قدير وقال ابن جرير (^١): إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير.\nومعنى قدير: قادر، كما أن معنى عليم: عالم. وذهب ابن جرير ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون «أو»، في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ بمعنى الواو كقوله تعالى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أو تكون للتخيير أي اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، قاله القرطبي (^٢). أو للتساوي مثل:\nجالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه ويكون معناه على قوله: سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم (قلت) وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة-ومنهم-ومنهم-ومنهم (^٣) -يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى أن قال ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية: فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-70>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١ إلى ٢٢]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾\nشرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي مهدا كالفراش مقررة (^٤) موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء، وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل لهم من السماء ماء والمراد به السحاب هاهنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد رزقا لهم ولأنعامهم كما قرر هذا في غير موضع من القرآن. ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى:\n_________\n(^١) الطبري ١/ ١٩٥.\n(^٢) تفسير القرطبي ١/ ٢١٥.\n(^٣) سورة التوبة (براءة)، الآيات: ٤٩، ٥٨، ٦١، ٧٥، ٧٦، ٩٧.\n(^٤) مقرّرة: مسوّاة مدحوّة. ومنه قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا.","vol":"1","page":103},{"text":"﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ومضمونه:\nأنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» الحديث (^١)، وكذا حديث معاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» الحديث (^٢)، وفي الحديث الآخر «لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان». وقال حماد بن سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل بن سخبرة (^٣) أخي عائشة أم المؤمنين لأمها قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزيز ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد، قال: ثم مررت بنفر من النصارى فقلت من أنتم؟ قالوا نحن النصارى، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال:\n«هل أخبرت بها أحدا؟» قلت: نعم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا (^٤) أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده» هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة به، وأخرجه ابن ماجة من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به بنحوه، وقال سفيان بن سعيد الثوري عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده» رواه ابن مردويه وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح به، وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (تفسير سورة ٢ باب ٣؛ وأدب باب ٢٠؛ وحدود باب ٢٠؛ وديات باب ١، وتوحيد باب ٤٠) ومسلم (إيمان حديث ١٤١، ١٤٢) وأبو داود (طلاق باب ٥) والترمذي (تفسير سورة ٢٥ باب ١ و٢) والنسائي (أيمان باب ٦؛ وتحريم باب ٤) وأحمد في المسند (ج ١ ص ٢٨٠)\n(^٢) أخرجه البخاري (لباس باب ١٠١؛ جهاد باب ٤٦؛ استئذان باب ٣٠؛ رقاق باب ٢٧؛ توحيد باب ١) ومسلم (إيمان حديث ٤٨ - ٥١)\n(^٣) وهو الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن سخبرة. وقد ينسب إلى جده فيقال: الطفيل بن سخبرة. (أسد الغابة ٣/ ٥٣؛ وموسوعة رجال الكتب التسعة ٢/ ٢٠٣)\n(^٤) في مسند أحمد (ج ٥ ص ٧٢) والدر المنثور (ج ١ ص ٧٦): «وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم منها».","vol":"1","page":104},{"text":"عباس قال: قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أي وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم (^١). وبه عن ابن عباس ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا أبو عمرو حدثنا أبو الضحاك بن مخلد أبو عاصم حدثنا شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان لا تجعل فيها فلان، هذا كله به شرك. وفي الحديث أن رجلا قال لرسول الله ﷺ ما شاء وشئت، قال: «أجعلتني لله ندا» وفي الحديث الآخر: «نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون: تقولون ما شاء الله وشاء فلان» قال أبو العالية: فلا تجعلوا لله أندادا أي عدلاء شركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد، وقال مجاهد ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء (^٣)، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن الحارث الأشعري أن نبي الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ أمر يحيى بن زكريا ﵇ بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وأنه كاد أن يبطئ بها فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تبلّغهن وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن، أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو\n_________\n(^١) الطبري ١/ ١٩٦.\n(^٢) المسند ج ٤ ص ١٣٠.\n(^٣) البدلاء أو الأبدال: قوم من الصالحين بهم يقيم الله الأرض، لا يموت منهم أحد إلا قام مكانه آخره، فلذلك سموا أبدالا. (لسان العرب: بدل)","vol":"1","page":105},{"text":"ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وآمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفوا، وآمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله كثيرا وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله» قال: فقال رسول الله ﷺ: «وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جثي جهنم» قالوا: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ فقال: «وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله ﷿: المسلمين المؤمنين عباد الله» هذا حديث حسن. والشاهد منه في هذه الآية قوله: «وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا» وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع تعالى، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب، وقد سئل ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟.\nوحكى الرازي عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات. وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة (^١) فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد، فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا علي يديه. وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع، فقال: هذا ورق التوت طعمه\n_________\n(^١) موقرة: محملة.","vol":"1","page":106},{"text":"واحد تأكله الدود (^١) فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعرا وروثا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد. وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: هاهنا حصن حصين أملس ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذا انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة. وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد: [الوافر] تأمل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك\nعيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك\nعلى قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك\nوقال ابن المعتز: [المتقارب] فيا عجبا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد\nوقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ، إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع وما ذرأ (^٢) في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأرايج (^٣) والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء استدل على وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم، لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)﴾\nثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبا للكافرين:\n_________\n(^١) المراد دود الحرير. والإبريسم: الحرير.\n(^٢) ذرأ: خلق.\n(^٣) الأرايج والأرائج: جمع، أريجة، وهي الريح الطيبة.","vol":"1","page":107},{"text":"﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ يعني محمدا ﷺ (فأتوا بسورة) من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله فعارضوه بمثل ما جاء به واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله فإنكم لا تستطيعون ذلك. قال ابن عباس: شهداءكم أعوانكم، وقال السدي عن أبي مالك:\nشركاءكم، أي قوما آخرين يساعدونكم على ذلك، أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم، وقال مجاهد: وادعوا شهداءكم قال: ناس يشهدون به يعني حكام الفصحاء. وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن فقال في سورة القصص ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] وقال في سورة سبحان ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] وقال في سورة يونس: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨] وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك أيضا في المدينة فقال في هذه الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ -أي شك- ﴿مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ -يعني محمدا ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ يعني من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير والزمخشري والرازي، ونقله عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن البصري، وأكثر المحققين، ورجح ذلك بوجوه من أحسنها أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين سواء في ذلك أميهم وكتابيهم وذلك أكمل من التحدي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئا من العلوم وبدليل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] وقوله ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ، يعني من رجل أمي مثله، والصحيح الأول، لأن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ولن لنفي التأبيد في المستقبل أي: ولن تفعلوا ذلك أبدا وهذه أيضا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرا جازما قاطعا مقدما غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين وكذلك وقع الأمر لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد والقرآن كلام الله خالق كل شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين.\nومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: ﴿الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف فكل من لفظه ومعناه فصيح","vol":"1","page":108},{"text":"لا يحاذى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر إن أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيت أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته، وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا وإجمالا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت مبسوطة أو وجيزة وسواء تكررت أم لا، وكلما تكرر حلا وعلا، لا يخلق (^١) عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن كما قال في الترغيب ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] وقال: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] وقال في الزجر: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] وقال في الوعظ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة. وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك فإنها خير يأمر به أو شر ينهى عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت، ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الآخرة، وثبتت على الطريقة\n_________\n(^١) لا يخلق: لا يبلى.","vol":"1","page":109},{"text":"المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم. ولهذا ثبت في الصحيحين (^١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» -لفظ مسلم (^٢) -وقوله ﷺ: «وإنما كان الذي أوتيته وحيا» أي الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه بخلاف غيره من الكتب الإلهية فإنها ليس معجزة عند كثير من العلماء والله أعلم. وله ﵊ من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر ولله الحمد والمنة.\nوقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصرفة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزا في نفسه لا يستطع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته فقد حصل المدعى وهو المطلوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له كان ذلك دليلا على أنه من عند الله لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق، وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر وإنا أعطيناك الكوثر.\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ أما الوقود، بفتح الواو، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ. لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩] والمراد بالحجارة هاهنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت، أجارنا الله منها. وقال عبد الملك بن ميسرة الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ قال: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين.\nرواه ابن جرير (^٣) وهذا لفظه وابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه وقال: على شرط الشيخين.\nوقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرّة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، أما الحجارة فهي من كبريت أسود يعذبون به مع النار. وقال مجاهد حجارة من كبريت أنتن من الجيفة. وقال أبو جعفر محمد بن علي: حجارة من كبريت، وقال ابن جريج: حجارة من كبريت أسود في النار، قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (فضائل القرآن باب ١؛ اعتصام باب ١) ومسلم (إيمان حديث ٢٣٩)\n(^٢) بالمقارنة مع لفظ مسلم لاحظنا اختلافا في ترتيب عدد من الألفاظ.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٢٠٤.","vol":"1","page":110},{"text":"وقال لي عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم. وقيل المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية، حكاه القرطبي والرازي ورجحه على الأول، قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر فجعلها هذه الحجارة أولى. وهذا الذي قاله ليس بقوي، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم أخذ النار بهذه الحجارة أيضا مشاهد، وهذا الجص يكون إحجارا فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها، وشدة ضرامها وقوة لهبها كما قال تعالى:\n﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها قال: ليكون ذلك أشد عذابا لأهلها، قال: وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مؤذ في النار» وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف، ثم قال القرطبي: وقد فسر بمعنيين، أحدهما أن كل من آذى الناس دخل النار، والآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك (^١).\nوقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ الأظهر أن الضمير في أعدت عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده إلى الحجارة كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى لأنهما متلازمان، وأعدت أي رصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله كما قال ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾: أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر. وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي أرصدت وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها «تحاجت الجنة والنار» ومنها «استأذنت النار ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف» وحديث ابن مسعود: سمعنا وجبة (^٢) فقلنا ما هذه؟ فقال رسول الله ﷺ: «هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها» وهو عند مسلم، وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي (^٣) قاضي الأندلس.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١/ ٢٣٦. وعبارة القرطبي: «والثاني أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار، معدّ لعقوبة أهل النار».\n(^٢) الوجبة: صوت الساقط. ووجب القلب وجيبا: خفق واضطرب.\n(^٣) هو منذر بن سعيد بن عبد الله القرطبي البلوطي المتوفى سنة ٣٥٥ هـ. نسبته إلى «فحص البلوط» بقرب قرطبة. قال ابن الفرضي في «تاريخ علماء الأندلس»: كان بصيرا بالجدل منحرفا إلى مذاهب أصحاب الكلام.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>(تنبيه ينبغي الوقوف عليه)</span>\nقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ وقوله في سورة يونس: ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أم قصيرة لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعا بين الناس سلفا وخلفا. وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يتناول سورة الكوثر وسورة العصر، وقل يا أيها الكافرون ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر كان مكابرة والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين (قلنا) (^١) فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني وقلنا إن بلغت هذه السور في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك، كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزا، فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه، والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة. قال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٢] وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال: وما هي؟ فقال ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها، فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]</span>\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)﴾\nلما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عطف يذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء كما سنبسطه في موضعه، وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه أو حال السعداء ثم الأشقياء أو عكسه، وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه كما سنوضحه إن شاء الله فلهذا قال تعالى:\n_________\n(^١) القائل هنا هو الرازي.","vol":"1","page":112},{"text":"﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار أي من تحت أشجارها وغرفها، وقد جاء في الحديث: أن أنهارها تجري في غير أخدود، وجاء في الكوثر أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف، ولا منافاة بينها فطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله إنه هو البر الرحيم. وقال ابن أبي حاتم: قرئ على الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أنهار الجنة تفجر تحت تلال أو من تحت جبال المسك» وقال أيضا: حدثنا أبو سعيد حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق، قال: قال عبد الله: أنهار الجنة تفجر من جبل المسك.\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾ قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة (قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل)، قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وهكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نصره ابن جرير (^١)، وقال عكرمة ﴿قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: معناه مثل الذي كان بالأمس، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال مجاهد: يقولون ما أشبهه به. قال ابن جرير: وقال آخرون: بل تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعضه بعضا (^٢) لقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾. قال سنيد بن داود حدثنا شيخ من أهل المصيصة (^٣) عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: يؤتى أحدهم بالصفحة من الشيء فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيقول:\nهذا الذي أتينا به من قبل، فتقول الملائكة: كل فاللون واحد والطعم مختلف (^٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير، قال:\nعشب الجنة الزعفران وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها، فيقول لهم أهل الجنة: هذا الذي أتيتمونا آنفا به، فتقول لهم الوالدان: كلوا فاللون واحد والطعم مختلف، وهو قول الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ قال: يشبه بعضه بعضا، ويختلف في الطعم. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. وقال ابن جرير بإسناده عن السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ يعني في اللون والمرأى وليس يشتبه في\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢٠٦.\n(^٢) أضاف الطبري: «ومن علة قائلي هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله».\n(^٣) المصيصة: مدينة من ثغور بلاد الشام بين انطاكية وبلاد الروم.\n(^٤) الطبري ١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":113},{"text":"الطعم، وهذا اختيار ابن جرير. وقال عكرمة ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ قال: يشبه ثمر الدنيا غير أن ثمر الجنة أطيب. وقال سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء، وفي رواية: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، ورواه ابن جرير من رواية الثوري وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية كلاهما عن الأعمش به.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا التفاح بالتفاح والرمان بالرمان، قالوا في الجنة: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا وأتوا به متشابها يعرفونه وليس هو مثله في الطعم (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: مطهرة من القذر والأذى، وقال مجاهد: من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد، وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمأثم، وفي رواية عنه لا حيض ولا كلف. وروي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي صالح وعطية والسدي نحو ذلك. وقال ابن جرير (^٢): حدثني يونس بن عبد الأعلى. أنبأنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: المطهرة التي لا تحيض، قال: وكذلك خلقت حواء ﵍، فلما عصت قال الله تعالى: إني خلقتك مطهرة وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة-وهذا غريب. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد حدثني جعفر بن محمد بن حرب وأحمد بن محمد الجوري قالا: حدثنا محمد بن عبيد الكندي، حدثنا عبد الرزاق بن عمر البزيعي، حدثنا عبد الله بن المبارك عن شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال من الحيض والغائط والنخاعة (^٣) والبزاق. هذا حديث غريب-وقد رواه الحاكم في مستدركه عن محمد بن يعقوب عن الحسن بن علي بن عفان عن محمد بن عبيد به، وقال:\nصحيح على شرط الشيخين. وهذا الذي ادعاه فيه نظر، فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به (قلت) والأظهر أن هذا من كلام قتادة كما تقدم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ هذا هو تمام السعادة فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم بر رحيم.\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢١٠؛ والدر المنثور ١/ ٨٢ - ٨٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٢١٢.\n(^٣) في الدر المنثور: «والنخامة».","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)﴾\nقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين يعني قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ وقال سعيد عن قتادة: أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا مما قل أو كثر، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ (قلت) العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد عن قتادة أقرب، والله أعلم. وروى ابن جريج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة. وقال ابن أبي حاتم روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن إذا امتلاءوا من الدنيا ريا أخذهم الله عند ذلك ثم تلا: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] هكذا رواه ابن جرير (^١) ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية بنحوه فالله أعلم. فهذا اختلافهم في سبب النزول. وقد اختار ابن جرير ما حكاه السدي لأنه أمس بالسورة وهو مناسب، ومعنى الآية أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي أي لا يستنكف وقيل لا يخشى أن يضرب مثلا ما، أي: أيّ مثل كان بأي شيء كان صغيرا كان أو كبيرا، وما هاهنا للتقليل، وتكون بعوضة منصوبة على البدل كما تقول: لأضربن ضربا ما، فيصدق بأدنى شيء، أو تكون ما نكرة موصوفة ببعوضة، واختار ابن جرير أن ما موصولة وبعوضة معربة بإعرابها، قال: وذلك سائغ في كلام العرب أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة ونكرة أخرى كما قال حسان بن ثابت: [الكامل] وكفى بنا فضلا على من غيرنا … حب النبي محمد إيانا (^٢)\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢١٣.\n(^٢) البيت منسوب لحسان بن ثابت في الطبري ١/ ٢١٦؛ والأزهية ص ١٠١؛ ولكعب بن مالك في ديوانه ص ٢٨٩؛ وخزانة الأدب ٦/ ١٢٠؛ والدرر ٣/ ٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٣٥؛ ولبشير بن عبد الرحمن في لسان العرب (منن)؛ ولكعب أو لحسان أو لعبد الله بن رواحة في الدرر ١/ ٣٠٢؛ وللأنصاري في الكتاب ٢/ ١٠٥؛ ولسان العرب (كفى)؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص ١٤٩؛ ومجالس ثعلب ١/ ٣٣٠؛ وهمع الهوامع ١/ ٩٢.","vol":"1","page":115},{"text":"قال: ويجوز أن تكون بعوضة منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها. وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن [أبي] (^١) عبلة: بعوضة بالرفع، قال ابن جني وتكون صلة لما وحذف العائد كما في قوله ﴿تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي على الذي هو أحسن، وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي بالذي هو قائل لك شيئا وقوله تعالى: ﴿فَما فَوْقَها﴾ فيه قولان: أحدهما فما دونها في الصغر والحقارة كما إذا وصف رجل باللؤم والشح فيقول السامع: نعم وهو فوق ذلك-يعني فيما وصفت-وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة قاله الرازي وأكثر المحققين. وفي الحديث «لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء» والثاني: فما فوقها لما هو أكبر منها لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، وهذا قول قتادة بن دعامة واختيار ابن جرير، فإنه يؤيده ما رواه مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» (^٢) فأخبر أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، كما لا يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ. يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، ثم قال:\n﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٧٦] كما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. وقال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾\n_________\n(^١) الزيادة من القرطبي. وزاد بأنها قراءة رؤبة بن العجاج أيضا. قال: وهي لغة تميم. ووجه ذلك أن «ما» اسم بمنزلة «الذي»، «وبعوضة» رفع على إضمار المبتدأ، والتقدير: لا يستحي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ.\n(^٢) أخرجه مسلم (برّ حديث ٤٦، ٤٧، ٤٨)","vol":"1","page":116},{"text":"[العنكبوت: ٤٣] وفي القرآن أمثال كثيرة.\nقال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي لأن الله قال:\n﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم ويهديهم الله بها. وقال قتادة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي يعلمون أنه كلام الرحمن وأنه من عند الله، وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أنس نحو ذلك. وقال أبو العالية ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني هذا المثل ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا﴾ كما قال في سورة المدثر ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا. وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا. كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وكذلك قال هاهنا ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: (يضل به كثيرا) يعني المنافقين (ويهدي به كثيرا) يعني المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم لتكذيبهم بما قد علموه حقا يقينا من المثل الذي ضربه الله بما ضرب لهم، وأنه لما ضرب له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به، (ويهدي به) يعني بالمثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينا أنه موافق لما ضربه الله له مثلا وإقرارهم به وذلك هداية من الله لهم به ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ قال: هم المنافقون. وقال أبو العالية ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ قال: هم أهل النفاق، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال ابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ قال: يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به. وقال قتادة ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ فسقوا فأضلهم الله على فسقهم. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي عن إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن سعد ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني الخوارج. وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد قال سألت أبي فقلت:\nقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ إلى آخر الآية: فقال: هم الحرورية (^١)، وهذا الإسناد وإن صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ فهو تفسير على المعنى لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على عليّ بالنهروان، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل لأنهم سموا خوارج لخروجهم عن طاعة\n_________\n(^١) الحرورية: لقب أطلق على الخوارج، نسبة إلى حروراء، قرية قريبة من الكوفة لجئوا إليها أول ما انفضوا عن علي بن أبي طالب. ويسمون أيضا المحكمة، من أسماء الأضداد، لأنهم رفضوا التحكيم.","vol":"1","page":117},{"text":"الإمام والقيام بشرائع الإسلام.\nوالفاسق في اللغة هو الخارج عن الطاعة أيضا، وتقول العرب: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، ولهذا يقال للفأرة: فويسقة لخروجها عن حجرها للفساد. وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور» (^١) فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد به من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل أنه وصفهم بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين كما قال تعالى في سورة الرعد ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ. وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١] إلى أن قال ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به.\nوقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذ الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد ﷺ إذا بعث والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك وكتمانهم علم ذلك عن الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا. وهذا اختيار ابن جرير (^٢) ﵀ وهو قول مقاتل بن حيان.\nوقال آخرون بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته وعهد إليهم في أمره ونهيه ما احتجّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضهم ذلك: تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق. وروي عن مقاتل بن حيان أيضا نحو هذا وهو حسن، وإليه مال الزمخشري فإنه قال، فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (صيد باب ٧؛ بدء الخلق باب ١) ومسلم (حجّ حديث ٧١، ٧٣) والترمذي (حج باب ٢١) والنسائي (مناسك باب ١١٦، ١١٧) وأحمد في المسند (ج ٦ ص ١٦٤)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٢١٩.","vol":"1","page":118},{"text":"التوحيد كأنه أمر وصّاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]، ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به، وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ قال: هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظهرة (^١) على الناس أظهروا هذه الخصال، إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا. وكذا قال الربيع بن أنس أيضا، وقال السدي في تفسيره بإسناده قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ قال: هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.\nوقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة كقوله تعالى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ورجحه ابن جرير، وقيل: المراد أعم من ذلك فكل ما أمر الله بوصله وفعله فقطعوه وتركوه. وقال مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ قال: في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب. وقال ابن جرير (^٢) في قوله تعالى ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ الخاسرون: جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خسرا وخسرانا وخسارا كما قال جرير بن عطية: [الرجز] إن سليطا في الخسار إنّه … أولاد قوم خلقوا أقنّه (^٣)\n_________\n(^١) أي إذا كانت لهم الغلبة على الناس.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٢٢٢.\n(^٣) الرجز لجرير في ديوانه ص ١٠١٧؛ ولسان العرب (قنن)؛ وأساس البلاغة (قنن)؟ وديوان الأدب ٣/ ٣٥؛ وتاج العروس (قنن)","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]</span>\n﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى محتجا على وجوده وقدرته وأنه الخالق المتصرف في عباده ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ أي كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ﴾ أي وقد كنتم عدما فأخرجكم إلى الوجود كما قال تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ. بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦] وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] والآيات في هذا كثيرة، وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ [غافر: ١١] قال هي التي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: (كنتم أمواتا فأحياكم): أمواتا في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم ثم يميتكم موتة الحق ثم يحييكم حين يبعثكم، قال:\nوهي مثل قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى، فهذه ميتتان وحياتان فهو كقوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وهكذا روي عن السدي بسنده عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة وعن أبي العالية والحسن ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك، وقال الثوري عن السدي عن أبي صالح ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قال: يحييكم في القبر ثم يميتكم. وقال ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال:\nخلقهم في ظهر آدم ثم أخذ عليهم الميثاق (^١) ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، وذلك كقوله تعالى ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. وهذا غريب والذي قبله. والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود وابن عباس وأولئك الجماعة من التابعين وهو كقوله تعالى ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية:٢٦]، كما قال تعالى في الأصنام ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢١] وقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣].\n_________\n(^١) عبارة حديث ابن جرير (الطبري ١/ ٢٢٤): «خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق».","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]</span>\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾\nلما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه من أنفسهم ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه من خلق السموات والأرض فقال ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أي قصد إلى السماء. والاستواء هاهنا مضمن معنى القصد والإقبال، لأنه عدّي بإلى فسواهن أي فخلق السماء سبعا، والسماء هاهنا اسم جنس فلهذا قال ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي وعلمه محيط بجميع ما خلق، كما قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله تعالى ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢] ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السموات سبعا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله. فأما قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها. رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها. وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها. وَالْجِبالَ أَرْساها. مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣] فقد قيل إن (ثم) هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل (^١)، كما قال الشاعر: [الخفيف] قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم قد ساد قبل ذلك جدّه (^٢)\nوقيل إنّ الدحى كان بعد خلق السموات، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قال: إن الله ﵎ كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في\n_________\n(^١) عبارة القرطبي: «ثم» لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه. (تفسير القرطبي ١/ ٢٥٤)\n(^٢) البيت لأبي نواس في ديوانه ١/ ٣٥٥؛ وخزانة الأدب ١١/ ٣٧؛ والدرر ٦/ ٩٣؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٤٢٨؛ وجواهر الأدب ص ٣٦٤؛ ورصف المباني ص ١٧٤؛ ومغني اللبيب ١/ ١١٧. والرواية المشهورة: «إن من ساد …».","vol":"1","page":121},{"text":"الأحد والاثنين فخلق الأرض على حوت، والحوت هو [النون] (^١) الذي ذكره الله في القرآن ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان، ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت فالجبال تفخر على الأرض فذلك قوله تعالى ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك حين يقول ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها﴾ [فصلت: ٩ - ١٠] يقول أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] يقول: لمن يسألك: هكذا الأمر ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة، إنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، وأوحى في كل سماء أمرها قال: خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار والجبال والبرد ومما لا يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة حفظا تحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فذلك حيث يقول ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ويقول ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا عبد الله بن صالح حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة (^٢).\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال خلق الله الأرض قبل السماء فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾ … ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ قال: بعضهن فوق بعض وسبع أرضين يعني بعضها تحت بعض. وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء كما قال في سورة السجدة: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾.\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري ١/ ٢٣١.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٢٣٢.","vol":"1","page":122},{"text":"﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها. رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾.\n﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها. وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض، وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديما وحديثا، وقد حررنا ذلك في سورة النازعات وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾.\n﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ ففسر الدحي بأخرج ما كان مودعا فيها بالقوة إلى الفعل لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض فأخرجت ما كان مودعا فيها من المياه فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله ﷾ أعلم. وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفسير أيضا من رواية ابن جريج، قال: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سملة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم (^١)، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة، فجعلوه مرفوعا، وقد حرر ذلك البيهقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى بامتنانه على بني أدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى:\n﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ أي واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك.\nوحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية وهو أبو عبيدة أنه زعم أن «إذ» هاهنا زائدة وأن تقدير\n_________\n(^١) صحيح مسلم (منافقين حديث ٢٧)","vol":"1","page":123},{"text":"الكلام: وقال ربك، وردّه ابن جرير (^١). قال القرطبي: وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج هذا اجتراء من أبي عبيدة (^٢).\n﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] قال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقال: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] وقرئ في الشاذ: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ حكاها الزمخشري وغيره. ونقل القرطبي عن زيد بن علي (^٣) وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم ﵇ فقط كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر بل الخلاف في ذلك كثير، حكاه الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينا إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون، أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس في ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي؛ أو أنهم قاسوهم على من سبق كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.\nوقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين-وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول (^٤) أي لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه، وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقا، قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ الآية-وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك كما سيأتي. أي ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها مالا تعلمون أنتم فإني سأجعل فيهم الأنبياء\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(^٢) في القرطبي (١/ ٢٦٢): «هذا اجترام». وقال: فالتقدير: وابتدأ خلقكم إذ قال. فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام، كما قال الشاعر: فإن المنيّة من يخشها فسوف تصادفه أينما قال: يريد أينما ذهب. ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره: واذكر إذ قال.\n(^٣) العبارة غير واضحة. والحال أن القرطبي يذكر هنا أن زيد بن علي قرأ «خليقة» بالقاف.\n(^٤) كما جاء في سورة الأنبياء، الآية ٢٧: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.","vol":"1","page":124},{"text":"وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم. وقد ثبت في الصحيح (^١) أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم وهم أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال ﵊: «يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل» فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم هم يصلون من تفسير قوله لهم:\n﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، وقيل معنى قوله تعالى جوابا لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إني لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها، قيل إنه جواب ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل بل تضمن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ طلبا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم:\n﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه</span>\nقال ابن جرير: حدثني القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين قال: حدثني الحجاج عن جرير بن حازم ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالوا: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم إني فاعل وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك (^٢). وقال السدي:\nاستشار الملائكة في خلق آدم، رواه ابن أبي حاتم قال: وروي عن قتادة (^٣) نحوه. وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل (^٤)، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن والله أعلم. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله ﷺ قال: «دحيت الأرض من مكة وأول من طاف بالبيت الملائكة. فقال الله: إني جاعل في الأرض خليفة، يعني مكة» وهذا مرسل، وفي سنده ضعف وفيه مدرج وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.\n_________\n(^١) البخاري (بدء الخلق باب ٦) والنسائي (صلاة باب ٢١) وموطأ مالك (سفر حديث ٨٢)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٢٣٥.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٢٤٦.\n(^٤) التساهل لجهة الاستشارة.","vol":"1","page":125},{"text":"﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة.\nقالوا: ربنا وما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قال ابن جرير: فكان تأويل الآية على هذا إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه. قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله، إنما هي خلافة قرن منهم قرنا، قال: والخليفة الفعلية من قولك: خلف فلان فلانا في هذا الأمر إذا قام مقامه فيه بعده كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم خليفة لأنه خلف الذي كان قبله فقام بالأمر مكانه فكان منه خلفا، قال: وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، يقول ساكنا وعامرا يعمرها ويسكنها خلفا ليس منكم. قال ابن جرير: وحدثنا أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضا، قال: فبعث الله إليهم إبليس [في جند من الملائكة] (^١) فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وقال سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن ابن سابط: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ قال: يعنون به بني آدم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة، وليس لله ﷿ [يومئذ] (^٢) خلق إلا الملائكة والأرض ليس فيها خلق، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها (^٣). وقد تقدم ما رواه السدي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن الله أعلم الملائكة بما تفعله ذرية آدم فقالت الملائكة ذلك، وتقدم آنفا ما رواه الضحاك عن ابن عباس أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك فقاسوا هؤلاء بأولئك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن عبد الله بن عمر، قال: كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء فبعث الله جندا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور فقال الله للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. وقال\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري.\n(^٢) الزيادة من الطبري.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.","vol":"1","page":126},{"text":"أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال: خلق الله الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم ببغيهم فكانت الدماء بينهم، وكان الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت الجن ويسفك الدماء كما سفكوا. قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا مبارك بن فضالة حدثنا الحسن قال:\nقال الله للملائكة (إني جاعل في الأرض خليفة)، قال لهم: إني فاعل، فآمنوا بربهم فعلمهم علما وطوى علما علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. قال الحسن: إن الجن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون، فقالوا بالقول الذي علمهم. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام الرازي حدثنا ابن المبارك عن معروف يعني ابن خربوذ المكي عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السجل ملك (^١)، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور فأسر ذلك إلى هاروت وماروت وكانا في أعوانه فلما قال تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾. قالا ذلك استطالة على الملائكة. وهذا أثر غريب وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب رده، والله أعلم، ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق. وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم أيضا حيث قال: حدثنا أبي حدثنا هشام بن أبي عبيد الله حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير قال: سمعت أبي يقول: إن الملائكة الذين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كانوا عشرة آلاف فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم، وهذا أيضا إسرائيلي منكر كالذي قبله، والله أعلم. قال ابن جريج: وإنما تكلموا بما أعلمهم الله أنه كائن من خلق آدم فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. وقال ابن جرير (^٢): وقال بعضهم إنما قالت الملائكة ما قالت (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) لأن الله أذن لهم في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة فقالت على التعجب منها: وكيف\n_________\n(^١) هو المذكور في سورة الأنبياء، الآية ١٠٤ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. قال الزمخشري في الكشاف ١/ ١٠٨: وقيل: السجل ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٢٤٥.","vol":"1","page":127},{"text":"يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يعني أن ذلك كائن منهم، وإن لم تعلموه أنتم، ومن بعض من ترونه لي طائعا. قال: وقال بعضهم ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموه من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب خبرنا-مسألة استخبار منهم لا على وجه الإنكار (^١) -واختاره ابن جرير. وقال سعيد عن قتادة قوله تعالى:\n﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء-وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض- ﴿(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة، قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇ قالت الملائكة: ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة فقال الله تعالى: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: التسبيح التسبيح (^٣) والتقديس الصلاة، وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة (ونحن نسبح بحمد ونقدس لك) قال:\nيقولون: نصلي لك. وقال: مجاهد (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، قال: نعظمك ونكبرك. وقال الضحاك: التقديس التطهير. وقال محمد بن إسحاق (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، قال: لا نعصي ولا نأتي شيئا تكرهه. وقال ابن جرير: التقديس هو التعظيم والتطهير. ومنه قولهم: سبّوح قدوس. يعني بقولهم سبوح: تنزيه لله، وبقولهم قدوس: طهارة وتعظيم له، وكذلك قيل للأرض أرض مقدسة يعني بذلك المطهرة، فمعنى قول الملائكة إذا ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك (^٤). وفي صحيح\n_________\n(^١) عبارة الطبري: «لا على وجه مسألة التوبيخ».\n(^٢) الطبري ١/ ٢٤٢. قال أبو جعفر الطبري: وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ على غير يقين علم تقدم منها بأن ذلك كائن، ولكن على الرأي منها والظن. ثم قال الطبري: وقد روي عن قتادة خلاف هذا التأويل وهو ما حدثنا به الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كان الله أعلمهم إذ كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء.\n(^٣) أي أن التسبيح المذكور في الآية هو عينه التسبيح المعروف.\n(^٤) الطبري ١/ ٢٤٨. وكان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده: «سبّوح قدّوس، ربّ الملائكة والروح» روته عائشة وأخرجه مسلم (القرطبي ١/ ٢٧٧)","vol":"1","page":128},{"text":"مسلم عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل أي الكلام أفضل؟ قال: «ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده» (^١) وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به سمع تسبيحا في السموات العلا «سبحان العلي الأعلى ﷾».\n﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة. وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.\nوقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ويقطع تنازعهم وينتصر لمظلومهم من ظالمهم ويقيم الحدود ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع. والله أعلم. أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف. وقد نص عليه الشافعي. وهل يجب الإشهاد على عقد الإمام؟ فيه خلاف، فمنهم من قال لا يشترط وقيل بلى ويكفي شاهدان، وقال الجبائي: يجب أربعة وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر ﵁ الأمر شورى بين ستة فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين وفي هذا نظر، والله أعلم.\nويجب أن يكون ذكرا حرا بالغا عاقلا مسلما عدلا مجتهدا بصيرا سليم الأعضاء خبيرا بالحروب والآراء، قرشيا على الصحيح، ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافا للغلاة الروافض. ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله ﵊، «إلا أن تروا كفرا بواحا (^٢) عندكم من الله فيه برهان» وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف. وقد عزل الحسن بن علي ﵁ نفسه وسلم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مدح على ذلك. فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة\n_________\n(^١) صحيح مسلم (كتاب الذكر والدعاء، حديث ٨٤)\n(^٢) أي جهارا. من قولهم: باح بالشيء، إذا أعلنه. وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (إمارة حديث ٤٢). قال النووي: معنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام. فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم. وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين.","vol":"1","page":129},{"text":"والسلام «من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان» وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية (^١) يجوز اثنان فأكثر، كما كان علي ومعاوية إمامين (^٢) واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمام لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف. وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك. قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب ولنقرر هذا كله في موضع آخر من كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-80>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣١ إلى ٣٣]</span>\n﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾\nهذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له؛ وإنما قدم هذا الفصل على ذلك لمناسبة ما بين المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم فقال تعالى:\n﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾.\nقال السدي عمن حدثه عن ابن عباس ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ قال: علمه أسماء ولده إنسانا إنسانا والدواب فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس. وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ قال: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وسماء وأرض وسهل وبحر وخيل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد عن ابن عباس ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾\n_________\n(^١) الكرامية: فرقة من أهل السنة تنسب إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان وتوفي ببيت المقدس سنة ٨٦٩ م. والكرامية مجسمون يذهبون إلى أن الله محدود من جهة العرش، وأن شيئا لا يحدث في العالم قبل حدوث أعراض في ذاته. تعددت فروعهم دون اختلاف في الأصول، وعرفوا بالزهد والتقوى، وكثر أتباعهم في خراسان وما وراء النهر وبيت القدس حتى أوائل القرن الثالث عشر.\n(^٢) الحال أن معاوية لم يدّع الإمامة لنفسه وإنما ادّعى ولاية الشام.\n(^٣) بسط القرطبي هذه الأمور المتعلقة بالإمام في تفسيره ١/ ٢٦١ - ٢٧٢.","vol":"1","page":130},{"text":"قال: علمه اسم الصحفة والقدر، قال نعم حتى الفسوة والفسية (^١). وقال مجاهد ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ قال: علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شيء. كذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف أنه علمه أسماء كل شيء. وقال الربيع في رواية عنه (^٢) قال: أسماء الملائكة. وقال حميد الشامي: أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم. واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية [دون أسماء سائر أجناس الخلق] (^٣) لأنه قال ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾. وهذا عبارة عما يعقل (^٤). وهذا الذي رجح به ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب كما قال تعالى ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] وقد قرأ عبد الله بن مسعود: ثم عرضهن، وقرأ أبي بن كعب: ثم عرضها أي المسميات. والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها وأفعالها كما قال ابن عباس حتى الفسوة والفسية، يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر. ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية في كتاب التفسير من صحيحه: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم (^٥)، ويذكر ذنبه فيستحي. ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي.\nفيقول ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه فيقول: لست هناكم، فيقول: ائتوا موسى عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة فيقول: لست هناكم ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحي من ربه. فيقول: ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه فيأتونه فيقول: لست هناكم ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيأذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله ثم يقال: ارفع رأسك وسل تعطه وقل يسمع واشفع تشفّع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه فإذا رأيت ربي\n_________\n(^١) أخرج الطبري أربعة أحاديث بنحو هذا عن ابن عباس من طريق عاصم بن كليب. (الطبري ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣)\n(^٢) الإسناد في الطبري: حدّثت عن عمار، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع.\n(^٣) الزيادة من الطبري ١/ ٢٥٣.\n(^٤) قال الطبري موضحا رأيه ومدعما هذا الاختيار: ولا تكاد العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بين آدم والملائكة.\n(^٥) لست هناكم: لست أهلا لذلك.","vol":"1","page":131},{"text":"مثله ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة ثم أعود الرابعة فأقول ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود» هكذا ساق البخاري (^١) هذا الحديث هاهنا، وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي عن قتادة به، وأخرجه مسلم (^٢) والنسائي وابن ماجة من حديث سعيد وهو ابن أبي عروبة عن قتادة، ووجه إيراده هاهنا، والمقصود منه قوله ﵊ «فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء». فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات، ولهذا قال ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ يعني المسميات كما قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة ﴿فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾.\nوقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة. وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة، وقال ابن جرير:\nحدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثني الحجاج عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالا: علمه اسم كل شيء، وجعل يسمي كل شيء باسمه وعرضت عليه أمة أمة (^٣). وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. وقال ابن جرير وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيها الملائكة القائلون أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من غيرنا أم منا فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ إن كنتم صادقين في قيلكم إني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم [من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعلمه غيركم بتعليمي إياه] (^٤) فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة ٢ باب ١)\n(^٢) صحيح مسلم (إيمان حديث ٣٢٢ - ٣٢٤). وأحاديث مسلم الثلاثة المذكورة هي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعة.\n(^٣) الطبري ١/ ٢٥٥.\n(^٤) بين معقوفين من الطبري. ومكانه في الأصل: «وأنتم تشاهدونهم».","vol":"1","page":132},{"text":"﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى ولهذا قالوا ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس: سبحان الله، قال تنزيه الله نفسه عن السوء، ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده: لا إله إلا الله قد عرفناها، فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه ورضيها وأحب أن تقال. قال: وحدثنا أبي حدثنا ابن نفيل حدثنا النضر بن عربي قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن سبحان الله، قال: اسم يعظم الله به، ويحاشي به من السوء.\nقوله تعالى: ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال زيد بن أسلم: قال: أنت جبرائيل أنت ميكائيل أنت إسرافيل حتى عدد الأسماء كلها حتى بلغ الغراب. وقال مجاهد في قول الله ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾ قال اسم الحمامة والغراب واسم كل شيء. وروي عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة نحو ذلك، فلما ظهر آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي ألم أتقدم إليكم إني أعلم الغيب الظاهر والخفي كما قال تعالى ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧] وكما قال إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ. اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥ - ٢٦] وقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غير ما ذكرناه، فروى الضحاك عن ابن عباس ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قال: قولهم ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ الآية، فهذا الذي أبدوا ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر. وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري، واختار ذلك ابن جرير. وقال أبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة: هو قولهم: لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدوا هو قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، وكان الذي كتموا بينهم هو قولهم:\nلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم، فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم. وقال ابن جرير: حدثنا يونس حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في","vol":"1","page":133},{"text":"قصة الملائكة وآدم، فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني، قال: وقد سبق من الله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه، فقال: فلما رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل. وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس وهو أن معنى قوله تعالى:\n﴿وَأَعْلَمُ، ما تُبْدُونَ﴾ وأعلم مع علمي غيب السموات والأرض، ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم، فلا يخفى علي أي شيء سواء عندي سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطويا إبليس من الخلاف على الله في أوامره والتكبر عن طاعته، قال: وصح ذلك كما تقول العرب: قتل الجيش وهزموا، وإنما قتل الواحد أو البعض وهزم الواحد أو البعض، فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ [الحجرات: ٤] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدا من بني تميم، قال: وكذلك قوله ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]</span>\n﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)﴾\nوهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك أحاديث أيضا كثيرة منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى ﵇ «رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته» وقال وذكر الحديث كما سيأتي إن شاء الله.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنا من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وهو لسان النار الذي يكون فيه طرفها إذا ألهبت. قال: وخلق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا، قال:\nفبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذي يقال لهم الجن (^٢) فقتلهم إبليس\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(^٢) كذا أيضا في الطبري: «الجن» بالجيم. وقد خطأه الأستاذ محمود شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري (طبقة دار المعارف بمصر) وقال إن الصواب «الحن» بالحاء المهملة، مستشهدا بسياق الأثر الذي ميز بين إبليس وبين الجن. فإبليس مخلوق من نار السموم، والآخرون خلقوا من مارج من نار. والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة. وقد قال الجاحظ في الحيوان ٧/ ١٧٧: وبعض الناس يقسم الجن على قسمين فيقول: هم جنّ (بالجيم) وحنّ (بالحاء)، ويجعل التي بالحاء أضعفهما. وقال في موضع آخر من كتاب الحيوان (١/ ٢٩١ - ٢٩٢): وبعض الناس يزعم أن الحن والجن صنفان مختلفان. وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى باب بعض الملوك ليكتتب في الزمنى فقال في ذلك: إن تكتبوا الزّمنى فإني لزمن من ظاهر الداء وراء مستكنّ أبيت أهوي في شياطين ترنّ مختلف نجارهم جنّ وحنّ","vol":"1","page":134},{"text":"ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه، فقال: قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد، قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه فقال الله للملائكة الذين كانوا معه: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.\nفقالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال الله تعالى. ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول: إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه، من كبره واغتراره، قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب، واللازب اللازج الصلب من حمأ مسنون منتن، وإنما كان حمأ مسنونا بعد التراب، فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل [أي] فيصوت، فهو قول الله تعالى ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ يقول كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت، قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئا للصلصلة ولشيء ما خلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت عليّ لأعصينك، قال: فلما نفخ الله فيه روحه أتت النفخة من قبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى (وخلق الإنسان عجولا) قال: ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ بإلهام الله، فقال الله له «يرحمك الله يا آدم» قال: ثم قال تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار، فقال: لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا، خلقتني من نار وخلقته من طين، يقول: إن النار أقوى من الطين، قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي آيسه من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته، ثم علم آدم الأسماء كلها وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خلقوا من نار السموم، وقال لهم ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ﴾ أي يقول","vol":"1","page":135},{"text":"أخبروني ﴿بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة، قال:\nفلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره الذي ليس لهم به علم ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره وتبنا إليك ﴿لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾ تبريا منهم من علم الغيب إلا ما علمتنا كما علمت آدم فقال ﴿يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكة خاصة ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا يعلم غيري ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ يقول ما تظهرون ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار. هذا سياق غريب وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها. وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.\nوقال السدي في تفسيره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ: لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش.\nفجعل إبليس على ملك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره الكبر وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لميزة لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، قالوا: ربنا ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وَيَسْفِكُ الدِّماءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يعني من شأن إبليس. فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص (^١) مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: يا رب إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أو أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به فبلّ التراب حتى عاد طينا لازبا، واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض (^٢)، ثم قال للملائكة ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢] فخلفه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه؟ فخلقه بشرا، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، فكان أشدهم فزعا منه إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له\n_________\n(^١) في الأصل «تقبض». وما أتيناه من الطبري.\n(^٢) بعد هذا في رواية الطبري: «ثم ترك حتى أنتن وتغيّر. وذلك حين يقول مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: ٢٨]- قال: منتن».","vol":"1","page":136},{"text":"صلصلة، فذلك حين يقول ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] يقول: لأمر ما خلقت، ودخل من فيه وخرج من دبره وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح، قال الملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة قل الحمد لله، فقال الحمد لله، فقال له الله «رحمك ربك» فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول الله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبي أن يكون مع الساجدين، أبى واستكبر وكان من الكافرين، قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟ قال:\nأنا خير منه لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين. قال الله له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ﴾ يعني ما ينبغي لك ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] والصغار هو الذل، قال ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة فقال ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال الله: ﴿يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال:\nقولهم ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ فهذا الذي أبدوا وأعلم ما تكتمون يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر (^١)، فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج (^٢) ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوا من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم (^٣). والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه ويقول أشياء ويقول على شرط البخاري.\nوالغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل إبليس في خطابهم لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم وذم في مخالفة الأمر، وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾\n_________\n(^١) خبر السدّي بالإسناد المذكور نقله الطبري في تفسيره ١/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(^٢) حديث مدرج: هو الحديث الذي يرويه الراوي فيذكر في آخره كلاما لنفسه أو لغيره من غير فصل أو تمييز، فيأتي بعده من يرويه متصلا متوهما أنه من أصل الحديث.\n(^٣) الإسناد المذكور الذي أورده السّدي في تفسيره «عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود-وعن ناس من الصحابة» هو من أكثر الأسانيد دورانا في تفسير الطبري، علما أن الطبري نفسه قد ارتاب به ولكنه لم يبيّن علّة ارتيابه. وللاستاذ محمود شاكر بحث وتدقيق ورأي حول هذا الأمر، فانظر تفسير الطبري (طبعة دار المعارف) ١/ ١٥٦ - ١٦٠ (حاشية طويلة استغرقت نحو ٤ صفحات)","vol":"1","page":137},{"text":"[الكهف: ٥٠] ولذا قال محمد بن إسحاق عن خلاد عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس، قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل وكان من سكان الأرض وكان من أشد الملائكة اجتهادا، وأكثرهم علما، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمونه جنا (^١). وفي رواية عن خلاد عن عطاء عن طاوس أو مجاهد عن ابن عباس أو غيره بنحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد يعني ابن العوام عن سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد. وقال سنيد، عن حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض (^٢). وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس سواء. وقال صالح مولى التوأمة (^٣) عن ابن عباس: إن من الملائكة قبيلا يقال لهم الجن: وكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانا رجيما، رواه ابن جرير (^٤). وقال قتادة عن سعد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا (^٥). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عدي بن أبي عدي عن عوف عن الحسن، قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. وهذا الإسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء. وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، رواه ابن جرير. وقال سنيد بن داود: حدثنا هشيم أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل عن سعد بن مسعود، قال:\nكانت الملائكة تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا فكان مع الملائكة يتعبد معها فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس، فلذلك قال تعالى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن القزاز حدثنا أبو عاصم عن شريك عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله خلق خلقا فقال اسجدوا لآدم فقالوا: لا نفعل، فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق خلقا آخر فقال: ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ اسجدوا لآدم قال: فأبوا فبعث الله عليهم نارا\n_________\n(^١) كذا أيضا في الطبري ١/ ١٦٢: «جنا» -بالجيم. وصوابه بالحاء المهملة. راجع ص ١٣٠ حاشية ٢.\n(^٢) هذا الخبر في الطبري ١/ ٥٠٣. وفيه زيادة عما هنا: «قال: قال ابن عباس: وقوله: كانَ مِنَ الْجِنِّ إنما يسمى بالجنان أنه كان خازنا عليها، كما يقال للرجل مكي ومدني وكوفي وبصري».\n(^٣) هو صالح بن نبهان (أبي صالح) المتوفى نحو ١٢٥ هـ. من الطبقة الرابعة. أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة. صدوق، اختلط بآخره، فقال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج. وقد أخطأ من زعم أن البخاري أخرج له. (موسوعة رجال الكتب التسعة ٢/ ١٦٨)\n(^٤) تفسير الطبري ١/ ٢٦٤.\n(^٥) أخرجه الطبري ١/ ٢٦٢.","vol":"1","page":138},{"text":"فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء فقال: اسجدوا لآدم، قالوا: نعم، وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم (^١) -وهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده فإن فيه رجلا مبهما (^٢) ومثله لا يحتج به، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة حدثنا صالح بن حيان حدثنا عبد الله بن بريدة: قوله تعالى: ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ من الذين أبوا فأحرقتهم النار. وقال أبو جعفر ﵁ عن الربيع عن أبي العالية ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ يعني من العاصين. وقال السدي ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ يكونون بعد. وقال محمد بن كعب القرضي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة وعمل بعمل الملائكة فصيره الله إلى ما أبدى عليه خلقه على الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته. وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا. قال معاذ: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال: «لا لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» (^٣) ورجحه الرازي. وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكراما وإعظاما واحتراما وسلاما، وهي طاعة لله ﷿ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين وهما كونه جعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف والآخر أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض وهو ضعيف كما قال. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ حسد عدو الله إبليس آدم ﵇ ما أعطاه من الكرامة، وقال: أنا ناريّ وهذا طينيّ، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم ﵇. قلت: وقد ثبت في الصحيح «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» (^٤) وقد كان في إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس، قال بعض\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢٦٤.\n(^٢) قوله: «عن رجل عن عكرمة».\n(^٣) أخرجه أبو داود (نكاح باب ٤٠) والترمذي (رضاع باب ١٠) وابن ماجة (نكاح باب ٤) وأحمد في المسند (ج ٥ ص ٢٤٨)\n(^٤) أخرجه مسلم (إيمان حديث ١٤٨، ١٤٩)","vol":"1","page":139},{"text":"المعربين (^١): ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي وصار من الكافرين بسبب امتناعه كما قال ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وقال: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال الشاعر: [الطويل] بتيهاء قفر والمطيّ كأنها. قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها (^٢) أي قد صارت. وقال ابن فورك: [«كان» هنا بمعنى «صار» خطأ تردّه الأحول. وقال جمهور المتأوّلين (^٣)] تقديره وقد كان في علم الله من الكافرين، ورجحه القرطبي. وذكر هاهنا مسألة فقال: قال علماؤنا من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته خلافا لبعض الصوفية والرافضة، هذا لفظه. ثم استدل على ما قال بقوله: ولما اتفقنا على أننا بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أن يوافي الله بالإيمان وهو لا يقطع لنفسه، علم أن ذلك ليس يدلّ على ولايته لله (^٤) قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضا بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة. وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي: قصر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة (^٥). وقد حكى الرازي وغيره قولين للعلماء: هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض أو عام في ملائكة السموات والأرض، وقد رجح كلا من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]</span>\n﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)﴾\n_________\n(^١) أي بعض المفسرين أو المتأولين.\n(^٢) البيت لعمرو بن أحمر في ديوانه ص ١١٩؛ والحيوان ٥/ ٥٧٥؛ وخزانة الأدب ٩/ ٢٠١؛ ولسان العرب (عرض، كون). وله أو لابن كنزة في شرح شواهد الإيضاح ص ٥٢٥؛ وبلا نسبه في أسرار العربية ص ١٣٧؛ وشرح الأشموني ١/ ١١١؟ والمعاني الكبير ١/ ٣١٣؛ والقرطبي ١/ ٢٩٦.\n(^٣) الزيادة من القرطبي ١/ ٢٩٧. وهي ضرورية لصحة العبارة.\n(^٤) عبارة الأصل: «لذلك يعني والولي الذي يقطع له بذلك في نفس الأمرة، وهي غير واضحة. وما أثبتناه عن القرطبي، وكذا الزيادة قبل هذا بين معقوفين.\n(^٥) كذا بالأصل. ولا فرق بين عبارتي الليث والشافعي، فتأمل.","vol":"1","page":140},{"text":"يقول الله تعالى إخبارا عما أكرم به آدم: أنه أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس وأنه أباح له الجنة يسكن منها حيث يشاء ويأكل منها ما شاء رغدا أي هنيئا واسعا طيبا. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث محمد بن عيسى الدامغاني: حدثنا سلمة بن الفضل عن ميكائيل عن ليث عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله أريت آدم، أنبيا كان؟ قال: «نعم نبيا رسولا كلمه الله قبيلا» -يعني عيانا-فقال: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم أهي في السماء أم في الأرض؟ والأكثرون على الأول، وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى. وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق حيث قال: لما فرغ الله من معاتبة إبليس أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها فقال يا آدم أنبئهم بأسمائهم إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال: ثم ألقيت السّنة (^١) على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم عن ابن عباس وغيره، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما، وآدم نائم لم يهب من نومه حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء فسواها امرأة ليسكن إليها، فلما كشف عنه السنة وهب من نومه رآها إلى جنبه فقال، فيما يزعمون والله أعلم: «لحمي ودمي وزوجتي» فسكن إليها، فلما زوجه الله وجعل له سكنا من نفسه قال له قبيلا: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (^٢).\nويقال إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة كما قال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة وعن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليه فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم، قال: حواء، قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. قال الله: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾.\nوأما قوله: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة ما هي، فقال السدي عمن حدثه عن ابن عباس: الشجرة التي نهي عنها آدم عليه\n_________\n(^١) السّنة: النعاس.\n(^٢) الأثر في الطبري ١/ ٢٦٧.","vol":"1","page":141},{"text":"السلام هي الكرم. وكذا قال سعيد بن جبير والسدي والشعبي وجعدة بن هبيرة ومحمد بن قيس.\nوقال السدي أيضا في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مره عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي الكرم (^١). وتزعم يهود أنها الحنطة.\nوقال ابن جرير وابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي حدثنا أبو يحيى الحماني حدثنا النضر أبو عمر الخراز عن عكرمة عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهي عنها آدم ﵇ هي السنبلة (^٢). وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هي السنبلة. وقال محمد بن إسحاق عن رجل من أهل العلم عن حجاج عن مجاهد عن ابن عباس قال: هي البر وقال ابن جرير:\nوحدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا القاسم حدثني رجل من بني تميم أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم والشجرة التي تاب عندها آدم فكتب إليه أبو الجلد: سألتني عن الشجرة التي نهي عنها آدم وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة (^٣). وكذلك فسره الحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفي وأبو مالك ومحارب بن دثار وعبد الرحمن بن أبي ليلى وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل اليمن عن وهب بن منبه أنه كان يقول: هي البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككلى البقر وألين من الزبد وأحلى من العسل (^٤). وقال سفيان الثوري عن حصين عن أبي مالك ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال النخلة. وقال ابن جرير عن مجاهد ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال التينة (^٥).\nوبه قال قتادة وابن جريج، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: كانت شجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث (^٦). وقال عبد الرزاق: حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مهران قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها من بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم وهي الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته.\nفهذه أقوال ستة في تفسير هذه الشجرة. قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: والصواب في ذلك أن يقال إن الله ﷿ ثناؤه: نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠؛ والدر المنثور ١/ ١٠٧.\n(^٢) الطبري ١/ ٢٦٨.\n(^٣) الطبري ١/ ٢٦٩.\n(^٤) رواه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٧. قال: وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.\n(^٥) الذي أخرجه ابن جرير بهذا المعنى هو عن ابن جريج عن بعض أصحاب النبي ﷺ (الطبري ١/ ٢٧٠). وعن مجاهد أخرجه أبو الشيخ، وعن قتادة أخرجه ابن أبي حاتم (الدر المنثور ١/ ١٠٧)\n(^٦) الرازي ٣/ ٦.","vol":"1","page":142},{"text":"لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل: كانت شجرة البر وقيل كانت شجرة العنب وقيل كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به، والله أعلم. وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره وهو الصواب.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها﴾ يصح أن يكون الضمير في قوله عنها عائدا إلى الجنة فيكون معنى الكلام كما قرأ عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود: فأزالهما أي فنحاهما؛ ويصح أن يكون عائدا على أقرب المذكورين وهو الشجرة فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادة:\nفأزلهما أي من قبل الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها﴾ أي بسببها، كما قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أي يصرف بسببه من هو مأفوك، ولهذا قال تعالى ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ أي من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.\n﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ أي قرار وأرزاق وآجال-إلى حين-أي إلى وقت ومقدار معين ثم تقوم القيامة. وقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده وأبي العالية ووهب بن منبه وغيرهم هاهنا أخبارا إسرائيلية عن قصة الحية وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته، وسنبسط ذلك إن شاء الله في سورة الأعراف فهناك القصة أبسط منها هاهنا، والله الموفق. وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا: حدثنا علي بن الحسن بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق (^١) فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن: يا آدم مني تفر» فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياء. قال: وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القرشي سنة أربع وخمسين ومائتين، حدثنا سليمان بن منصور بن عمار حدثنا علي بن عاصم عن سعيد عن قتادة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «لما ذاق آدم من الشجرة فر هاربا فتعلقت شجرة بشعره فنودي: يا آدم أفرارا مني؟ قال: بل حياء منك، قال: يا آدم اخرج من جواري فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقا ثم عصوني لأسكنتهم دار العاصين» (^٢) هذا حديث غريب وفيه انقطاع بل إعضال (^٣) بين قتادة وأبي بن كعب رضي الله\n_________\n(^١) السحوق: الطويل.\n(^٢) رواه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٩؛ قال: وأخرجه ابن إسحاق في المبتدأ، وابن سعد، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في التوبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور، عن أبيّ بن كعب عن النبي.\n(^٣) الإعضال في الحديث: أن يسقط من إسناده اثنان أو أكثر على التوالي.","vol":"1","page":143},{"text":"عنهما. وقال الحاكم حدثنا أبو بكر بن بالويه عن محمد بن أحمد بن النضر عن معاوية بن عمرو عن زائدة عن عمار بن أبي (^١) معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا روح عن هشام عن الحسن، قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة فأخرج آدم معه غصنا من شجر الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة وهو الإكليل من ورق الجنة. وقال السدي: قال الله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] فهبطوا ونزل آدم بالهند ونزل معه الحجر الأسود وقبضة من ورق الجنة، فبثه بالهند فنبتت شجرة الطيب فإنما أصل ما يجاء به من الطيب من الهند من قبضة الورق التي هبط بها آدم، وإنما قبضها آدم أسفا على الجنة حين أخرج منها.\nوقال عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أهبط آدم من الجنة بدحنا أرض بالهند. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس قال: أهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال لها دحنا بين مكة والطائف. وعن الحسن البصري قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان، رواه ابن أبي حاتم. وقال محمد بن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث حدثنا محمد بن سابق حدثنا عمر بن أبي قيس عن الزبير بن عدي عن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة. وقال رجاء بن سلمة: أهبط آدم ﵇ يداه على ركبتيه مطأطئا رأسه، وأهبط إبليس مشبكا بين أصابعه رافعا رأسه إلى السماء. وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى، قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شيء وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير. وقال الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها» رواه مسلم والنسائي (^٢).\nوقال الرازي (^٣): أعلم أن في هذه الآية تهديدا عظيما عن كل المعاصي من وجوه [أحدها] (^٤) أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر: [الكامل]\n_________\n(^١) الصواب «عمار بن معاوية» (موسوعة رجال الكتب التسعة ٣/ ٩٢)\n(^٢) مسلم (جمعة حديث ١٧، ١٨) والنسائي (جمعة باب ٤، ٥، ٤٥)\n(^٣) تفسير الرازي ٣/ ١٨.\n(^٤) في الأصل: «الأول». وما أثبتناه عن الرازي.","vol":"1","page":144},{"text":"يا ناظرا يرنو بعيني راقد … ومشاهدا للأمر غير مشاهد\nتصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي … درج (^١) الجنان ونيل فوز العابد\nأنسيت ربك حين أخرج آدما (^٢) … منها إلى الدنيا بذنب واحد\nوقال ابن القاسم:\nولكننا سبي العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم\nقال الرازي عن فتح الموصلي أنه قال: كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها (^٣). فإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء، فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة، وقد طرد من هنالك طردا قدريا، والقدري لا يخالف ولا يمانع؟ فالجواب: أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء، كما قد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية، وأجاب الجمهور بأجوبة، أحدها: أنه منع من دخول الجنة مكرما، فأما على وجه السرقة والإهانة، فلا يمتنع، ولهذا قال بعضهم: كما جاء في التوراة أنه دخل في فم الحية إلى الجنة. وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة. وقال بعضهم:\nيحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض، وهما في السماء، ذكرها الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك، فأجاد وأفاد (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-83>[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]</span>\n﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾\nقيل إن هذه الكلمات مفسرة بقوله تعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وروي هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٥). وقال أبو إسحاق السبيعي عن رجل من بني تميم قال: أتيت ابن عباس فسألته ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج. وقال سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير، وفي رواية قال: أخبرني مجاهد عن عبيد بن عمير، أنه قال: قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني أو\n_________\n(^١) في الرازي: «درك».\n(^٢) في الرازي «أنسيت أن الله أخرجه آدما».\n(^٣) انتهى نقل ابن كثير عن الرازي.\n(^٤) انظر تفسير القرطبي ١/ ٣١٣ - ٣١٩.\n(^٥) وفي الدر المنثور (١/ ١١٧ - ١١٨) آثار بهذا المعنى عن ابن عباس، علاوة عما ورد عن الحسن والضحاك ومحمد بن كعب القرظي ومجاهد وقتادة.","vol":"1","page":145},{"text":"شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال «بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك» قال: فكما كتبته علي فاغفر لي، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾. وقال السدي عمن حدثه عن ابن عباس: فتلقى آدم من ربه كلمات، قال: قال آدم ﵇: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى، ونفخت فيّ من روحك؟ قيل له بلى، وعطست فقلت يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك؟ قيل له: بلى، وكتبت علي أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى، قال: أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. وهكذا رواه العوفي وسعيد بن جبير وسعيد بن معبد عن ابن عباس بنحوه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جبير عن ابن عباس، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهكذا فسره السدي وعطية العوفي. وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا شبيها بهذا فقال: حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ «قال آدم ﵇: أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟» قال: نعم فذلك قوله ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ وهذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه. قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: أرأيت يا رب إن تبت وأصلحت؟ قال الله «إذا أدخلك الجنة» فهي الكلمات ومن الكلمات أيضا ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه كان يقول في قول الله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، قال: كلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي إنه يتوب على من تاب إليه وأناب كقوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ [الفرقان: ٧١] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب، ويتوب على من يتوب، وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]</span>\n﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد الذرية، أنه سينزل الكتب ويبعث الأنبياء والرسل كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء والرسل والبينات","vol":"1","page":146},{"text":"والبيان (^١). وقال مقاتل بن حيان: الهدى: محمد ﷺ، وقال الحسن: الهدى: القرآن، وهذان القولان صحيحان. وقول أبي العالية أعم. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ أي من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا كما قال في سورة طه ﴿قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه: ١٢٤] كما قال هاهنا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي مخلدون فيها لا محيد لهم عنها ولا محيص وقد أورد ابن جرير هاهنا حديثا ساقه من طريقين: عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد واسمه سعد بن مالك بن سنان الخدري (^٢)، قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذي هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أقوام أصابتهم النار بخطاياهم (^٣) فأماتتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة» وقد رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي مسلمة به (^٤). وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم: أنه تأكيد وتكرير، كما يقال: قم قم، وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، والصحيح الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٠ إلى ٤١]</span>\n﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾\nيقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي الله يعقوب ﵇، وتقديره: يا بني\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢٨٤؛ والدر المنثور (١/ ١٢٣، عن أبي العالية-وليس فيهما لفظ «البينات».\n(^٢) أخطأ ابن كثير هنا إذ قال إن الطبري ساق الحديث من طريقين. والصواب أنه ساقه بثلاثة أسانيد على النحو التالي: «حدثنا عقبة بن سنان البصري، قال: حدثنا غسان بن مضر، قال: حدثنا سعيد بن يزيد [إسناد أول]-وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد [إسناد ثان]-وحدثني يعقوب بن إبراهيم، وأبو بكر بن عون، قالا: حدثنا إسماعيل بن عليّة، عن سعيد بن يزيد [إسناد ثالث]-عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن الرسول. (الطبري ١/ ٢٨٦)\n(^٣) في الطبري: «ولكن أقواما أصابتهم النار بخطاياهم أو بذنوبهم» إلخ.\n(^٤) مسلم (إيمان حديث ٣٠٦) وابن ماجة (زهد باب ٣٦). ولم يروه من أصحاب الكتب الستة غيرهما من حديث مسلمة.","vol":"1","page":147},{"text":"العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم افعل كذا، يا ابن الشجاع بارز الأبطال، يا ابن العالم اطلب العلم، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] فإسرائيل هو يعقوب بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ، فقال لهم «هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟» قالوا: اللهم نعم، فقال النبي ﷺ: «اللهم اشهد» وقال الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس: أن إسرائيل كقولك عبد الله.\nوقوله تعالى ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى، وفيما سوى ذلك أن فجر لهم الحجر وأنزل عليهم المن والسلوى ونجاهم من عبودية آل فرعون. وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب، قلت:\nوهذا كقول موسى ﵇ لهم ﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] يعني في زمانهم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي بلائي (^١) عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم من فرعون وقومه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي ﷺ إذا جاءكم أنجز لكم ما وعدتكم عليه من تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم. وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] وقال آخرون: هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيا عظيما يطيعه جميع الشعوب والمراد به محمد ﷺ فمن اتبعه غفر الله له ذنبه وأدخله الجنة وجعل له أجرين. وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد ﷺ.\nقال أبو العالية ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال عهده إلى عباده دين الإسلام وأن يتبعوه، وقال الضحاك عن ابن عباس: (أوف بعهدكم)؟ قال: أرض عنكم وأدخلكم الجنة. وكذا قال السدي والضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس. وقوله تعالى ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي فاخشون، قاله أبو العالية والسدي والربيع بن أنس وقتادة، وقال ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي إن نزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره، وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع\n_________\n(^١) في الطبري ١/ ٢٨٧: «آلائي».","vol":"1","page":148},{"text":"الرسول ﷺ والاتعاظ بالقرآن وزواجره وامتثال أوامره وتصديق أخباره والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولهذا قال ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يعني به القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ النبي الأمي العربي بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا مشتملا على الحق من الله تعالى مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل. قال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم، يقول لأنهم يجدون محمدا ﷺ مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك. وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ قال بعض المعربين: أول فريق كافر به أو نحو ذلك، قال ابن عباس: ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم، قال أبو العالية: يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ، يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه، وكذا قال الحسن والسدي والربيع بن أنس، واختار ابن جرير (^١) أن الضمير في قوله «به» عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله ﴿بِما أَنْزَلْتُ﴾ وكلا القولين صحيح لأنهما متلازمان، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ، ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن. وأما قوله ﴿أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك: أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر عن هارون بن يزيد قال: سئل الحسن، يعني البصري عن قوله تعالى، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها. قال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إن آياته كتابه الذي أنزله إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا وشهواتها، وقال السدي: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا طمعا قليلا، ولا تكتموا اسم الله، فذلك الطمع هو الثمن. وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرا، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم علّم مجانا علمت مجانا (^٢). وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع بالكتمان واللبس لتستمروا على رئاستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يرح (^٣) رائحة الجنة يوم القيامة» (^٤) فأما\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢٩١.\n(^٢) الطبري ١/ ٢٩١.\n(^٣) راح الشيء روحا: وجد ريحه.\n(^٤) أبو داود (ترجّل باب ٢٠)","vol":"1","page":149},{"text":"تعليم العلم بأجرة، فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله بأجرة، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب، فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد في قصة اللديغ «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» (^١) وقوله في قصة المخطوبة «زوّجتكها بما معك من القرآن» (^٢) فأما حديث عبادة بن الصامت، أنه علم رجلا من أهل الصفة (^٣) شيئا من القرآن فأهدى له قوسا فسأل عنه رسول الله ﷺ فقال «إن أحببت أن تطوق بقوس من نار فاقبله» فتركه، رواه أبو داود. وروي مثله عن أبي ابن كعب مرفوعا، فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء منهم: أبو عمر بن عبد البر، على أنه لما علمه لله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم. وقوله ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عاصم الأحول عن أبي العالية عن طلق بن حبيب، قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله، ومعنى قول ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]</span>\n﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣)﴾\nيقول تعالى ناهيا لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فنهاهم عن الشيئين معا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به، ولهذا قال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾: لا تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب. وقال أبو العالية-ولا تلبسوا الحق بالباطل-يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله من أمة محمد ﷺ ويروى عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه وقال قتادة ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله. وروي عن الحسن البصري نحو ذلك. وقال محمد بن إسحاق:\n_________\n(^١) البخاري (إجارة باب ١٦)\n(^٢) أخرجه البخاري (فضائل القرآن باب ٢١؛ ونكاح باب ٢٧، ٤٠). وأبو داود (نكاح باب ١٧) والترمذي (نكاح باب ٢٣) والدارمي (نكاح باب ١٩)\n(^٣) أهل الصفّة: هم فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلّل في مسجد المدينة يسكنونه.","vol":"1","page":150},{"text":"حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي العالية نحو ذلك. وقال مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني محمدا ﷺ (قلت) وتكتموا يحتمل أن يكون مجزوما، ويحتمل أن يكون منصوبا، أي لا تجمعوا بين هذا وهذا كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود: «وتكتمون الحق» أي في حال كتمانكم الحق (وأنتم تعلمون) حال أيضا، ومعناه وأنتم تعلمون الحق، ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إلى أن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروّجوه عليهم، والبيان الإيضاح وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أمرهم أن يصلوا مع النبي ﷺ ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي ﷺ ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد ﷺ، يقول: كونوا معهم ومنهم. وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص، وقال وكيع عن أبي جناب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾، قال: ما يوجب الزكاة قال: مائتان فصاعدا. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالصلاة. وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن أبي حيان التيمي عن الحارث العكلي في قوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ قال: صدقة الفطر. وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أي وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة. وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة، وأبسط ذلك في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]</span>\n﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾\nيقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير، أن تنسوا أنفسكم فلا تأتمرون بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم، وهذا كما قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى:\n﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه","vol":"1","page":151},{"text":"وبالبر، ويخالفون، فعيرهم الله ﷿ (^١). وكذلك قال السدي. وقال ابن جريج: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة ويدعون العمل بما يأمرون به الناس، فعيرهم الله بذلك، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة (^٢). وقال محمد بن إسحاق عن محمد [بن أبي محمد] (^٣) عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس:\n﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تتركون أنفسكم ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي وتنقضون ميثاقي وتجحدون ما تعلمون من كتابي. وقال الضحاك عن ابن عباس: في هذه الآية يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة وتنسون أنفسكم. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني علي بن الحسن حدثنا مسلم الجرمي حدثنا مخلد بن الحسين عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ قال: قال أبو الدرداء ﵁: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا (^٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية: هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل سألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة أمروه بالحق، فقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ والغرض: أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به ولا يتخلف عنهم كما قال شعيب ﵇: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها وهذا ضعيف، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، قال مالك عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك:\nوصدق من ذا الذي ليس فيه شيء؟ (قلت) لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية لعلمه بها ومخالفته على بصيرة فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٢٩٦)\n(^٢) الطبري ١/ ٢٩٦)\n(^٣) الزيادة من الطبري.\n(^٤) الطبري ١/ ٢٩٧)","vol":"1","page":152},{"text":"الأحاديث في الوعيد على ذلك، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسن بن علي العمري، قالا: حدثنا هشام بن عمار حدثنا علي بن سليمان الكلبي حدثنا الأعمش عن أبي تميمة الهجيمي عن جندب بن عبد الله ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه» هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^١): حدثنا وكيع حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد (هو ابن جدعان) عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت من هؤلاء؟ قالوا:\nخطباء أمتك (^٢) من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون» ورواه عبد بن حميد في مسنده وتفسيره عن الحسن بن موسى عن حماد بن سلمة به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من حديث يونس بن محمد المؤدب والحجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة به، وكذا رواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به، ثم قال ابن مردويه:\nحدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا موسى بن هارون حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا عمر بن قيس عن علي بن زيد عن ثمامة عن أنس، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم» وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم وابن مردويه أيضا من حديث هشام الدستوائي عن المغيرة يعني ابن حبيب ختن (^٣) مالك بن دينار عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس بن مالك، قال: لما عرج برسول الله ﷺ مرّ بقوم تقرض شفاههم، فقال:\nيا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أفلا يعقلون.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يعلى بن عبيد: حدثنا الأعمش عن أبي وائل، قال: قيل لأسامة وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه، ألا أسمعكم إني لأكلمه فيما بيني وبينه دون أن أفتتح (^٥) أمرا لا أحب أن أكون أول من افتتحه، والله لا أقول لرجل إنك خير الناس وإن كان علي أميرا بعد إذ سمعت رسول الله ﷺ يقول، قالوا: وما سمعته\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد (ج ٣ ص ١٢٠)\n(^٢) لفظ «أمتك» غير موجود في النسخة التي بين أيدينا من المسند.\n(^٣) الختن: زوج البنت أو زوج الأخت.\n(^٤) المسند (ج ٥ ص ٢٠٥)\n(^٥) عبارة المسند: «إنكم ترون أن لا أكلمه إلا سمعكم، إني لا أكلمه فيما بين وبينه ما دون أن أفتتح» إلخ.","vol":"1","page":153},{"text":"يقول؟ قال: سمعته يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه (^١)، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» رواه البخاري ومسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به نحوه. وقال أحمد.\nحدثنا سيار بن حاتم حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء» وقد ورد في بعض الآثار: أنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يعفر للعالم مرة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾. [الزمر: ٩] وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة عن النبي ﷺ، قال: «إن أناسا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل» ورواه ابن جرير الطبري عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي عن زهير بن عباد الرواسي عن أبي بكر الزهري عبد الله بن حكيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الوليد بن عقبة فذكره. وقال الضحاك عن ابن عباس: أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس، إن أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇ ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ﴾ [هود: ٨٨] أحكمت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك، رواه ابن مردويه في تفسيره. وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا زيد بن الحارث حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال أو دعا إليه» إسناده فيه ضعف وقال إبراهيم النخعي: إن لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وقوله إخبارا عن شعيب: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-88>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)﴾\n_________\n(^١) أقتابه: أمعاؤه.","vol":"1","page":154},{"text":"يقول تعالى آمرا عبيده فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما قال مقاتل بن حيان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة، فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد، قال القرطبي وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث. وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن جري (^١) بن كليب عن رجل من بني سليم عن النبي ﷺ، قال «الصوم نصف الصبر» وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي، ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها فعل الصلاة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن حمزة بن إسماعيل حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله. قال: وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر. وقال ابن المبارك عن ابن لهيعة عن مالك بن دينار عن سعيد بن جبير، قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصيب فيه واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر. وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ قال: على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله (^٢). وأما قوله: والصلاة، فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر كما قال تعالى: ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا خلف بن الوليد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة: قال حذيفة، يعني ابن اليمان ﵁: كان رسول الله ﷺ، إذا حزبه أمر صلى. ورواه أبو داود عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار كما سيأتي، وقد رواه ابن جرير من حديث ابن جريج عن عكرمة بن عمار عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة عن عبد العزيز بن اليمان عن حذيفة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (^٤). ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة، ويقال: أخي حذيفة مرسلا عن النبي ﷺ. وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا سهل بن عثمان العسكري حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي: قال عبد العزيز: قال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ، ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى. حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي\n_________\n(^١) جريّ بن كليب الدوسي البصري. من الطبقة الثالثة. مقبول. أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. (موسوعة رجال الكتب التسعة ١/ ٢٣٨)\n(^٢) الطبري ١/ ٢٩٩)\n(^٣) المسند ج ٥ ص ٣٨٨.\n(^٤) الطبري ١/ ٢٩٨.","vol":"1","page":155},{"text":"إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع عليا ﵁ يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح. قال ابن جرير: وروي عنه ﵊ أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه فقال له: «أشكم درد» ومعناه أيوجعك بطنك؟ قال: نعم، قال: «قم فصل، فإن الصلاة شفاء» (^١). قال ابن جرير: وقد حدثنا محمد بن الفضل ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن علية حدثنا عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قسم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾. وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ قال انهما معونتان على رحمة الله. والضمير في قوله: «إنها لكبيرة» عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير. ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى في قصة قارون ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥] أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها أي يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم. وعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني المصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: المؤمنين حقا، وقال أبو العالية: إلا على الخاشعين الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: (إلا الخاشعين) يعني به المتواضعين. وقال الضحاك: (وإنها لكبيرة)، قال:\nإنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته الخائفين سطوته المصدقين بوعده ووعيده. وهذا يشبه ما جاء في الحديث «لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه» وقال ابن جرير (^٢):\nمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر المقربة من رضا (^٣) الله، العظيمة إقامتها إلا على الخاشعين أي المتواضعين المستكنّين لطاعته المتذللين من مخافته. هكذا قال. والظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم.\n_________\n(^١) الحديث ذكره الطبري معلقا، دون إسناد. وفيه «اشكنب درد». وهو لفظ فارسي بمعنى: تشتكي بطنك؟ وثبت هذا اللفظ في رواية البخاري في التاريخ الصغير، ص ٢١٤: «شكم درد» وفي رواية ابن ماجة «اشكمت درد».\n(^٢) الطبري ١/ ٣٠٠.\n(^٣) في الطبري: «مراضي الله».","vol":"1","page":156},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي وإن الصلاة أو الوصاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم، أي يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة معروضون عليه، وأنهم إليه راجعون أي أمورهم راجعة إلى مشيئته يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات. فأما قوله ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ قال ابن جرير (^١)، ﵀:\nالعرب قد تسمي اليقين ظنا، والشك ظنا، نظير تسميتهم الظلمة سدفة، والضياء سدفة، والمغيث صارخا، والمستغيث صارخا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده، كما قال دريد بن الصمة: [الطويل] فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج … سراتهم في الفارسي المسرد (^٢)\nيعني بذلك: تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم، وقول عميرة بن طارق: [الطويل] فإن يعبروا قومي وأقعد فيكم … وأجعل مني الظن غيبا مرجما (^٣)\nيعني ويجعل اليقين غيبا مرجما، قال: والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣] ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان عن جابر عن مجاهد: كل ظن في القرآن يقين أي (^٤) ظننت وظنوا.\nوحدثني المثنى: حدثنا إسحاق حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن فهو علم. وهذا سند صحيح. وقال أبو جعفر الرازي (^٥) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ قال: الظن هاهنا يقين.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والسدي والربيع بن أنس وقتادة نحو قول أبي العالية. وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ علموا أنهم ملاقوا ربهم كقوله ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ يقول: علمت. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (قلت) وفي الصحيح: أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة «ألم أزوّجك ألم أكرمك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول الله تعالى «أظننت أنك ملاقي؟» فيقول: لا، فيقول الله «اليوم أنساك كما نسيتني» وسيأتي مبسوطا عند قوله تعالى ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ إن\n_________\n(^١) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص ٤٧؛ والأصمعيات ص ٢٣؛ والطبري ١/ ٣٠٠؛ ولسان العرب (ظنن). وبلا نسبة في أسرار العربية ص ١٥٦. والفارسي المسرّد: الدروع الفارسية الجيدة النسج.\n(^٢) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص ٤٧؛ والأصمعيات ص ٢٣؛ والطبري ١/ ٣٠٠؛ ولسان العرب (ظنن). وبلا نسبة في أسرار العربية ص ١٥٦. والفارسي المسرّد: الدروع الفارسية الجيدة النسج.\n(^٣) البيت في الطبري ١/ ٣٠٠؛ ونقائض جرير والفرزدق ص ٥٣؛ والأضداد لابن الأنباري ص ١٢. والرواية: «بأن تغتزوا قومي».\n(^٤) في الطبري: «إني».\n(^٥) تفسير الرازي ٣/ ٤٨.","vol":"1","page":157},{"text":"شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>[سورة البقرة (٢): آية ٤٧]</span>\n﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧)﴾\nيذكرهم تعالى بسالف نعمه إلى آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] قال أبو جعفر الرازي (^١) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما. وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، ويجب الحمل على هذا لأن هذه الأمة أفضل منهم لقوله تعالى، خطابا لهذه الأمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠] وفي المسانيد والسنن عن معاوية بن حيدة القشيري، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله»، والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ وقيل: المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقا، حكاه الرازي وفيه نظر. وقيل: إنهم فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم، حكاه القرطبي (^٢) في تفسيره، وفيه نظر، لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، صلوات الله وسلامه عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]</span>\n﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾\nلما ذكرهم تعالى بنعمه أولا، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة، فقال:\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يعني يوم القيامة ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي لا يغني أحد عن أحد، كما قال ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]: وقال ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] فهذا أبلغ المقامات أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا. وقوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ يعني من الكافرين كما قال:\n﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وكما قال عن أهل النار ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الرازي ٣/ ٤٩.\n(^٢) تفسير القرطبي ١/ ٣٧٦.","vol":"1","page":158},{"text":"﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] وقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ﴾ أي لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقال تعالى:\n﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ [الأنعام: ٧٠] وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ [الحديد: ١٥]. فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبا، كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] قال سنيد: حدثني حجاج حدثني ابن جريج قال: قال مجاهد: قال ابن عباس:\n﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ﴾ قال: بدل، والبدل: الفدية، وقال السدي: أما عدل؛ فيعدلها، من العدل. يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها (^١)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال أبو جعفر الرازي (^٢) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ﴾ يعني فداء (^٣). قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك، وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي ﵁ في حديث طويل، قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة، وكذا قال الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن عمير بن هانئ وهذا القول غريب هاهنا. والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية. وقد ورد حديث يقويه وهو ما قال ابن جرير (^٤): حدثني نجيح بن إبراهيم حدثنا علي بن حكيم حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرو بن قيس الملائي عن رجل من بني أمية، من أهل الشام أحسن عليه الثناء، قال: قيل يا رسول الله، ما العدل؟ قال: «العدل الفدية».\nوقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم ولا من غيرهم، كما قال: ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أي أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ، ولا يخلص منه أحد، ولا يجير منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٦] وقال: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] وقال:\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٠٧.\n(^٢) تفسير الرازي ٣/ ٥١.\n(^٣) تفسير الرازي ٣/ ٥١.\n(^٤) الطبري ١/ ٣٠٧.","vol":"1","page":159},{"text":"﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٨]، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] مالكم اليوم لا تمانعون منا، هيهات ليس ذلك لكم اليوم، قال ابن جرير (^١): وتأويل قوله: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، بطلت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحكم إلى الجبار العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها، وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ. ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦]\n\n<span data-type='title' id=toc-91>﴿[سورة البقرة (٢)﴾: الآيات ٤٩ إلى ٥٠]</span>\n﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾\nيقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، أي خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇، وقد كانوا يسومونكم أي يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته، رأى نارا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال بعد تحدّث سمّاره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في حديث الفتون كما سيأتي في موضعه في سورة طه إن شاء الله تعالى، فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها، وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه كما قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص إن شاء الله تعالى، به الثقة والمعونة والتأييد. ومعنى يسومونكم:\nيولونكم، قاله أبو عبيدة، كما يقال: سامه خطّة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم: [الوافر] إذا ما الملك سام الناس خسفا … أبينا أن نقر الخسف فينا (^٢)\nوقيل معناه: يديمون عذابكم، [والسّوم: الدوام] (^٣) كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي. وإنما قال هاهنا: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ ليكون ذلك\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٠٨.\n(^٢) البيت لعمرو بن كلثوم في ديوانه ص ٩١؛ والقرطبي ١/ ٣٨٤؛ وتفسير الرازي ٣/ ٦٣.\n(^٣) الزيادة من القرطبي.","vol":"1","page":160},{"text":"تفسيرا للنعمة عليهم في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ ثم فسره بهذا لقوله هاهنا: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وأما في سورة إبراهيم فلما قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ [إبراهيم: ٥] أي بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل. وفرعون علم على كل من ملك مصر كافرا من العماليق وغيرهم، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرا، وكسرى لمن ملك الفرس، وتبّع لمن ملك اليمن كافرا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك الهند، ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى ﵇ الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل مصعب بن الريان، فكان من سلالة عمليق بن الأود بن إرم بن سام بن نوح، وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من إصطخر، وأيّا ما كان فعليه لعنة الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال ابن جرير (^١): وفي الذي فعلنا بكم من إنجائناكم (^٢) مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم، أي نعمة عظيمة عليكم في ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله تعالى: ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال:\nنعمة (^٣). وقال مجاهد ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال: نعمة من ربكم عظيمة (^٤). وكذا قال أبو العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم. وأصل البلاء الاختبار وقد يكون بالخير والشر كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقال: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] قال ابن جرير: وأكثر ما يقال في الشر: بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبليه إبلاء وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى: [الطويل] جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم … وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (^٥)\nقال (^٦): فجمع بين اللغتين لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ﴾ إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء قال القرطبي (^٧): وهذا قول الجمهور، ولفظه بعد ما حكى القول الأول، ثم قال: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٣١٣.\n(^٢) في الأصل «إنجائنا آباءكم» والتصحيح من الطبري.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٣١٣.\n(^٤) تفسير الطبري ١/ ٣١٣.\n(^٥) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ١٠٩؛ ولسان العرب (بلا)؛ وتهذيب اللغة ١٥/ ٣٩٠؛ ومقاييس اللغة ١/ ٢٩٤؛ وديوان الأدب ٤/ ١٠٦؛ وتاج العروس (باس)؛ وتفسير الرازي ٣/ ٦٦؛ والطبري ١/ ٣١٤.\n(^٦) أي ابن جرير الطبري.\n(^٧) تفسير القرطبي ١/ ٣٨٧.","vol":"1","page":161},{"text":"مكروه وامتحان.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، معناه:\nوبعد أن أنقذناكم من آل فرعون وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم ففرقنا بكم البحر كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلا كما سيأتي في مواضعه، ومن أبسطها ما في سورة الشعراء إن شاء الله. ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ أي خلصناكم منهم وحجزنا بينكم وبينهم وأغرقناهم وأنتم تنظرون، ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم. قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون، فقال:\nلا تتبعوهم حتى تصيح الديكة، قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فذبحت، ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط [فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط] (^١)، فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك؟ قال: أمامك، يشير إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر، فذهب به الغمر، ثم رجع فقال: أين أمر ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت، فعل ذلك ثلاث مرات. ثم أوحى الله إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾، فضربه فانقلق، ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ يقول: مثل الجبل-ثم سار موسى ومن معه، واتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. وكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه. وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا اليوم الذي تصومون؟» قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله ﷿ فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى ﵇، فقال رسول الله ﷺ: «أنا أحق بموسى منكم» فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصومه (^٢). وروى هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق عن أيوب السختياني به نحو ما تقدم (^٣).\nوقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو الربيع حدثنا سلام يعني ابن سليم عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي ﷺ قال: «فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء» وهذا ضعيف من\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري ١/ ٣١٥.\n(^٢) مسند أحمد (ج ١ ص ٢٩١)\n(^٣) وأخرجه البخاري (صوم باب ٦٩، وتفسير سورة ١٠ باب ١). ومسلم (صيام حديث ١٢٦) وابن ماجة (صيام باب ٤١)","vol":"1","page":162},{"text":"هذا الوجه، فإن زيدا العمي (^١) فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي (^٢) أضعف منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥١ إلى ٥٣]</span>\n﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوما وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] قيل إنها: ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْفُرْقانَ﴾ وهو ما يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلالة ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وكان ذلك أيضا بعد خروجهم من البحر كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف، ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] وقيل: الواو زائدة، والمعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان وهذا غريب، وقيل: عطف عليه وإن كان المعنى واحدا، كما في قول الشاعر: [الوافر] وقدمت الأديم لراقشيه … فألغى قولها كذبا ومينا (^٣)\nوقال الآخر: [الطويل] ألا حبذا هند وأرض بها هند … وهند أتى من دونها النأي والبعد (^٤)\nفالكذب هو المين، والنأي: هو البعد. وقال عنترة: [الكمال] حيّيت من طل تقادم عهده … أقوى وأقفر بعد أم الهيثم (^٥)\n_________\n(^١) هو زيد العمي البصري، أبو الحواري، قاضي هراة. أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ضعيف. (موسوعة رجال الكتب التسعة ١/ ٥٥٦)\n(^٢) هو يزيد بن أبان الرقاشي البصري، القاصّ. وفاته ما بين ١١٠ و١٢٠ هـ. أخرج له البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة. ضعيف (موسوعة ٤/ ٢٤٢) ..\n(^٣) الرواية المشهورة للبيت: وقدّدت الأديم لراهشيه وألغى قولها كذبا ومينا وهو لعدي بن زيد في ذيل ديوانه ص ١٨٣؛ والأشباه والنظائر ٣/ ٢١٣؛ وجمهرة اللغة ص ٩٩٣؛ والدرر ٦/ ٧٣؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٦؛ والشعر والشعراء ١/ ٢٣٣، ولسان العرب (مين)؛ ومعاهد التنصيص ١/ ٣١٠.\n(^٤) البيت للحطيئة في ديوانه ص ٣٩؛ والدرر ٥/ ٢٢١؛ ولسان العرب (سند، نأي)؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ١/ ١٠؛ والصحابي في فقه اللغة ص ٩٧؛ وهمع الهوامع ٢/ ٨٨؛ والقرطبي ١/ ٣٩٩.\n(^٥) البيت لعنترة في ديوانه ص ١٨٩؛ ولسان العرب (شرع)؛ وتهذيب اللغة ١/ ٤٢٤؛ وتاج العروس ٢١/ ٢٦٠؛ (شرع)","vol":"1","page":163},{"text":"فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾\nهذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل. قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حتى قال تعالى: ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا﴾ [الأعراف: ١٤٩]. قال: فذلك حين يقول موسى ﴿يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ وقال أبو العالية وسعيد بن جبير والربيع بن أنس ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ﴾ أي إلى خالقكم، قلت: وفي قوله هاهنا ﴿إِلى بارِئِكُمْ﴾ تنبيه على عظم جرمهم، أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره. وقد روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: فقال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول. وهذا قطعة من حديث الفتون وسيأتي في سورة طه بكماله إن شاء الله.\nوقال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ، فَتابَ عَلَيْكُمْ، إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه ﷿ أن يقتلوا أنفسهم، قال: فاحتبى (^١) الذين عبدوا العجل فجلسوا وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وقال ابن جرير: أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا يقولان في قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد حتى ألوى (^٢) موسى بثوبه فطرحوا\n_________\n(^١) في الأصل: «فأخبر» وما أثبتناه عن الطبري ١/ ٣٢٥. واحتبى: جلس على أليتيه وضمّ فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند.\n(^٢) أي أشار.","vol":"1","page":164},{"text":"ما بأيديهم، فتكشّف عن سبعين ألف قتيل، وإن الله أوحى إلى موسى أن حسبي فقد اكتفيت فذلك حين ألوى موسى بثوبه وروي عن علي ﵁ نحو ذلك. وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر فقاموا يتناحرون بالشفار، يقتل بعضهم بعضا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل فجعل لحيهم توبة، وللمقتول شهادة. وقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة حندس (^١)، فقتل بعضهم بعضا ثم انكشف عنهم فجعل توبتهم في ذلك.\nوقال السدي في قوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدا حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل منهم سبعون ألفا وحتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقية البقية، فأمرهم أن يلقوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدا، ومن بقي مكفرا عنه، فذلك قوله ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ وقال الزهري: لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه حتى إذا فتر بعضهم، قالوا: يا نبي الله، ادع الله لنا، وأخذوا بعضديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: ما يحزنك، أما من قتل منهم فحي عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل، رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه (^٢). وقال ابن إسحاق: لما رجع موسى إلى قومه وأحرق العجل وذراه في اليم، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية، وأصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وبهش (^٣) إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب الله عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف (^٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه وكانوا سبعين رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم، فقالوا: يا موسى. أما من توبة؟ قال: بلى، ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ -الآية: فاخترطوا\n_________\n(^١) ظلمة حندس: شديدة السواد.\n(^٢) إسناده في الطبري: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب.\n(^٣) بهش إليه: خفّ إليه.\n(^٤) الطبري ١/ ٣٢٧.","vol":"1","page":165},{"text":"السيوف والجرزة (^١) والخناجر والسكاكين. قال: وبعث عليهم ضبابة، قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي ويقتل بعضهم بعضا، قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري. قال: ويتنادون فيها: رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه، قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم ثم قرأ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]</span>\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق إذا سألتم رؤيتي جهرة عيانا مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج، قال ابن عباس في هذه الآية ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ﴾ قال: علانية، وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن أبي الحويرث عن ابن عباس، أنه قال في قول الله تعالى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ أي علانية، أي حتى نرى الله. وقال قتادة والربيع بن أنس ﴿حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ أي عيانا. وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه، قال:\nفسمعوا كلاما، فقالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ قال: فسمعوا صوتا فصعقوا يقول:\nماتوا. وقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة صيحة من السماء. وقال السدي في قوله ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ الصاعقة: نار. وقال عروة بن رويم في قوله ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: صعق بعضهم وبعض ينظرون، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء. وقال السدي ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل. ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجل رجل، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقال الربيع بن أنس كان موتهم عقوبة لهم فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم، وكذا قال قتادة، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون-فيما ذكر لي-حين صنعوا ما أمروا به، وخرجوا للقاء ربّه، قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع\n_________\n(^١) الجرز: عمود من حديد، وهو سلاح يقاتل به.","vol":"1","page":166},{"text":"كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من (^١) الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة، فماتوا جميعا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟ أي إن هذا لهم هلاك واخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ فلم يزل موسى يناشد ربه ﷿ ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم -هذا سياق محمد بن إسحاق (^٢). وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير (^٣): لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم لبعض كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل وواعدهم موسى، فاختار موسى سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. وساق البقية، وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ والمراد السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه. وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى إنك لا تطلب من الله شيئا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته (^٤). وهذا غريب جدا إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ﷿، فإن موسى الكليم ﵇ قد سأل ذلك فمنع منه فكيف يناله هؤلاء السبعون؟ القول الثاني في الآية: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٣١.\n(^٢) الزيادة من الطبري والرازي.\n(^٣) أخرجه الطبري عن موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن السدّي.\n(^٤) تفسير الرازي ٣/ ٧٩. والأثر يرويه الرازي من قول السدّي، بلا إسناد. ورواه الطبري عن موسى بن هارون عن عمرو بن حماد بن حماد عن أسباط بن نصر عن السدّي.","vol":"1","page":167},{"text":"ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى، وقرأ قول الله ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من الله فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقتهم فماتوا أجمعون، قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قال: خذوا كتاب الله، قالوا: لا، فبعث الله ملائكة فنتقت (^١) الجبل فوقهم. وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق، والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف، قال القرطبي (^٢): وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورا عظاما من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون وهذا واضح، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>[سورة البقرة (٢): آية ٥٧]</span>\n﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾\nلما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكرهم أيضا بما أسبغ عليهم من النعم، فقال:\n﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ وهو جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس، كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفتون، قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر والربيع بن أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس. وقال الحسن وقتادة ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس. وقال ابن جرير: قال آخرون: وهو غمام أبرد من هذا وأطيب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو حذيفة حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ قال، ليس بالسحاب هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ولم يكن إلا لهم. وهكذا رواه ابن جرير عن المثنى بن إبراهيم عن أبي حذيفة (^٣)، وكذا رواه الثوري وغيره عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وكأنه يريد، والله أعلم، أن ليس من زي هذا السحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ قال:\nغمام أبرد من هذا وأطيب وهو الذي يأتي الله فيه في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾\n_________\n(^١) نتقت الجبل: رفعته من مكانه لترمي به. أو: هزّته ونفضته.\n(^٢) تفسير القرطبي ١/ ٤٠٥. وما حكاه الماوردي نقله القرطبي.\n(^٣) الطبري ١/ ٢٣٣.","vol":"1","page":168},{"text":"[البقرة: ٢١٠] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس وكان معهم في التيه (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو؟ فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون منه ما شاؤوا. وقال مجاهد: المن: صمغة، وقال عكرمة: المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرّب الغليظ، وقال السدي، قالوا: يا موسى، كيف لنا بما هاهنا، أي الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجرة الزنجبيل، وقال قتادة: كان المن ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق، حتى كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية. وقال الربيع بن أنس: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. وقال وهب بن منبه، وسئل عن المن، فقال:\nخبز رقاق مثل الذرة أو مثل النقي، وقال أبو جعفر بن جرير حدثني محمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد حدثنا إسرائيل عن جابر عن عامر، وهو الشعبي، قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنه العسل، ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال: [الخفيف] فرأى الله أنهم بمضيع … لا بذي مزرع ولا مثمورا\nفسناها عليهم غاديات … وترى مزنهم خلايا وخورا\nعسلا ناطفا وماء فراتا … وحليبا ذا بهجة مزمورا (^٢)\nفالناطف هو السائل والحليب المزمور الصافي منه، والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر، والله أعلم، أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركب مع\n_________\n(^١) الطبري ١/ ١٣٣.\n(^٢) كذا أيضا رواية الأبيات الثلاثة في مخطوط تفسير الطبري وفي ديوان أمية بن أبي الصلت ص ٣٤ - ٣٥. وقد اختار محقق طبعة دار المعارف في تفسير الطبري الأستاذ محمود محمد شاكر أن يثبت النصّ التالي، استنادا إلى اجتهاد وتعليل من عنده: رأى الله أنهم بمضيع لا بذي مزرع ولا معمورا نساها عليهم غاويات ومرى مزنهم خلايا وخورا لا ناطفا وماء فراتا وحليبا ذا بهجة مثمورا انظر تفسير الطبري ٢/ ٩٤ - ٩٥، الحواشي.","vol":"1","page":169},{"text":"غيره صار نوعا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده، والدليل على ذلك قول البخاري:\nحدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عبد الملك عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» (^١) وهذا الحديث رواه الامام أحمد عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك وهو ابن عمير به (^٢)، وأخرجه الجماعة في كتبهم، إلا أبا داود، من طرق عن عبد الملك وهو ابن عمير به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٣)، ورواه البخاري ومسلم من رواية الحكم عن الحسن العرني عن عمرو بن حريث به، وقال الترمذي:\nحدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» تفرد بإخراجه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو وإلا من حديث سعيد بن عامر عنه. وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر-كذا قال-وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من طريق آخر عن أبي هريرة، فقال: حدثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري، حدثنا أسلم بن سهل حدثنا القاسم بن عيسى حدثنا طلحة بن عبد الرحمن عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» وهذا حديث غريب من هذا الوجه وطلحة بن عبد الرحمن هذا السلمي الواسطي يكنى بأبي محمد وقيل: أبو سليمان المؤدب، قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها. ثم قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة: أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض فقال نبي الله ﷺ «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم» وهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار به، وعنه عن غندر عن شعبة عن أبي بشر جعفر بن أياس عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة به، وعن محمد بن بشار عن عبد الأعلى عن خالد الحذاء عن شهر بن حوشب بقصة الكمأة فقط. وروى النسائي أيضا وابن ماجة من حديث محمد بن بشار عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد عن مطر الوراق عن شهر: بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجة، وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة، فإنه لم يسمع منه بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة ٢ ب ٤، وسورة ٧ باب ٢؛ وطب باب ٢٠)\n(^٢) وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة (المسند ج ٢ ص ٣٠١) ومن حديث سعيد بن زيد (ج ١ ص ١٨٧) ومن حديث جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري (ج ٢ ص ٤٨)\n(^٣) الترمذي (طب باب ٢٢)","vol":"1","page":170},{"text":"الدرهمي عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة وبعضهم يقول: جدري الأرض، فقال «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر كما قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن جابر ابن عبد الله وأبي سعيد الخدري، قالا: قال رسول الله ﷺ «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم» وقال النسائي في الوليمة أيضا: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» ثم رواه أيضا وابن ماجة من طرق الأعمش عن أبي بشر عن شهر عنهما به، وقد رويا-أعني النسائي من حديث جرير وابن ماجة من حديث سعيد ابن أبي سلمة- كلاهما عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد رواه النسائي وحديث جابر عن النبي ﷺ قال «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين» ورواه ابن مردويه عن أحمد بن عثمان عن عباس الدوري عن لاحق بن صواب عن عمار بن زريق عن الأعمش كابن ماجة، وقال ابن مردويه أيضا: حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا عباس الدوري حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت، فقال «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» وأخرجه النسائي عن عمرو بن منصور عن الحسن بن الربيع به؛ ثم ابن مردويه رواه أيضا عن عبد الله بن إسحاق عن الحسن بن سلام عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان عن الأعمش به، وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم عن عبيد الله بن موسى، وقد روي من حديث أنس بن مالك ﵁، كما قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا حمدون بن أحمد حدثنا حوثرة بن أشرس حدثنا حماد عن شعيب بن الحبحاب عن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارأوا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه الكمأة، فقال رسول الله ﷺ «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم» وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئا من هذا، والله أعلم. وروي عن شهر عن ابن عباس كما رواه النسائي أيضا في الوليمة عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد عن عبد الله بن عون الخراز عن أبي عبيدة الحداد عن عبد الجليل بن عطية عن شهر عن عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ قال «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» وقد اختلف كما ترى فيه على شهر بن حوشب ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم،","vol":"1","page":171},{"text":"فإن الأسانيد إليه جيدة، وهو لا يتعمد الكذب، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ كما تقدم من رواية سعيد بن زيد ﵁.\nوأما السلوى، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السلوى طائر شبه بالسمانى، كانوا يأكلون منه. وقال السدي في خبر، ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: السلوى طائر يشبه السماني، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا عبد الصمد بن الوارث حدثنا قرة بن خالد عن جهضم عن ابن عباس، قال: السلوى هو السماني، وكذا قال مجاهد والشعبي والضحاك والحسن وعكرمة والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى. وعن عكرمة: أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور أو نحو ذلك. وقال قتادة: السلوى كان من طير أقرب إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه. وقال وهب بن منبه: السلوى طير سمين مثل الحمامة كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية عن وهب قال: سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ لحما فقال الله لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض فأرسل عليهم ريحا فأذرت عند مساكنهم السلوى وهو السماني مثل ميل في ميل قيد رمح إلى السماء فخبأوا للغد فنتن اللحم وخنز (^١) الخبز، وقال السدي: لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل، والسلوى وهو طائر ليشبه السماني أكبر منه فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام. فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا ينخرق لهم ثوب، فذلك قوله تعالى ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ [الأعراف: ١٦] وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] وروي عن وهب بن منبه وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن، قال ابن جريج، فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدا، قال ابن عطية السلوى طير بإجماع المفسرين وقد غلط الهذلي في قوله أنه العسل وأنشد في ذلك مستشهدا: [الطويل]\n_________\n(^١) خنز الخبز: أنتن.","vol":"1","page":172},{"text":"وقاسمها بالله جهدا لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما أشورها (^١)\nقال: فظن أن السلوى عسلا، قال القرطبي: دعوى الإجماع لا تصح لأن المؤرّج (^٢) أحد علماء اللغة والتفسير قال إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة لأنه يسلي به ومنه عين سلوان (^٣)، وقال الجوهري: السلوى: العسل، واستشهد ببيت الهذلي أيضا، والسلوانة بالضم خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا، قال الشاعر: [الطويل] شربت على سلوانة ماء مزنة … فلا وجديد العيش يا ميُّ ما أسلو (^٤)\nواسم ذلك الماء السلوان، وقال بعضهم: السلوان دواء يشفي (^٥) الحزين فيسلوا والأطباء يسمونه (مفرج). قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضا كما يقال: سماني للمفرد والجمع وويلي كذلك (^٦)، وقال الخليل: واحده سلواة، وأنشد: [الطويل] وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض السلواة من بلل القطر (^٧)\nوقال الكسائي: السلوى واحدة وجمعه سلاوى، نقله كله القرطبي (^٨). وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: ﴿وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا كما قال ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك\n_________\n(^١) المشهور «نشورها» في موضع «أشورها». والبيت لخالد بن زهير في شرح أشعار الهذليين ص ٣١٥؛ ولسان العرب (سلا)؛ وتاج العروس (شور، سلا)؛ وتهذيب اللغة ١٣/ ٦٩؛ والمخصص ٥/ ١٥؛ وبلا نسبة في كتاب العين ٧/ ٢٩٨.\n(^٢) هو مؤرج بن عمر الدوسي المتوفى سنة ١٩٥ هـ. كان من أصحاب الخليل بن أحمد.\n(^٣) عين سلوان: عين نضاحة يتبرك بها ويستشفى منها بالبيت المقدس.\n(^٤) البيت بلا نسبة في لسان العرب (سلا)؛ وتهذيب اللغة ١٣/ ٦٨؛ ومجمل اللغة ٣/ ٨٢، وتاج العروس (سلا)؛ والقرطبي (١/ ٤٠٨)\n(^٥) في القرطبي «يسقاه».\n(^٦) عبارة «وويلي كذلك» غير موجودة في القرطبي.\n(^٧) البيت منسوب لأبي صخر الهذلي برواية: «كما انتفض العصفور بلّله القطر»، في الأغاني ٥/ ١٦٩؛ والإنصاف ١/ ٢٥٣؛ وخزانة الأدب ٣/ ٢٥٤؛ والدر ٣/ ٧٩؛ وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٥٧؛ ولسان العرب (رمث)؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٦٧.\n(^٨) تفسير القرطبي ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨.","vol":"1","page":173},{"text":"كان سهلا على النبي ﷺ لكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعا الله فيه وأمرهم فملؤوا كل وعاء معهم وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في اتباع الشيء مع قدر الله مع متابعة الرسول ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]</span>\n﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾\nيقول تعالى لائما لهم على نكولهم عن الجهاد ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇ فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل وقتال من فيها من العماليق الكفرة فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا فرماهم الله في التيه عقوبة لهم كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد وقد قال الله تعالى حاكيا عن موسى ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا﴾ [المائدة: ٢١]. وقال آخرون هي أريحاء، ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد، وهذا بعيد لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء، وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس، وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇ وفتحها الله عليهم عشية جمعة وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ أي شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.\nقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ أي ركعا، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعا من باب صغير (^١)، رواه الحاكم من حديث سفيان به، ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان وهو الثوري به وزاد: «فدخلوا من قبل أستاههم»، وقال الحسن البصري:\nأمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخلوهم، واستبعده الرازي. وحكي عن بعضهم أن المراد هاهنا بالسجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته، وقال خصيف: قال عكرمة قال ابن عباس:\nكان الباب قبل القبلة، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: هو باب الحطة من\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٣٩.","vol":"1","page":174},{"text":"باب إيلياء بيت المقدس. وحكى الرازي عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القبلة، وقال خصيف قال عكرمة قال ابن عباس: فدخلوا على شق (^١)، وقال السدي عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود عن عبد الله بن مسعود: قيل لهم ادخلوا الباب سجّدا فدخلوا مقنعي رؤوسهم أي رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: مغفرة استغفروا. وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه، وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا: هذا الأمر حق، كما قيل لكم. وقال عكرمة: قولوا: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه فسأله عن قوله تعالى ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه: أن أقروا بالذنب. وقال الحسن وقتادة أي أحطط عنا خطايانا ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال: هذا جواب الأمر أي إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضاعفنا لكم الحسنات.\nوحاصل الأمر أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب عند الله تعالى كما قال تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس بأنه نعي إلى رسول الله ﷺ أجله فيها وأقره على ذلك عمر ﵁، ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعي إليه روحه الكريمة أيضا، ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدا عند النصر كما روي أنه كان يوم الفتح فتح مكة داخلا إليها من الثنية العليا وأنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ليمس مورك رحله (^٢) شكرا لله على ذلك، ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات وذلك ضحى، فقال بعضهم: هذه صلاة الضحى، وقال آخرون بل هي صلاة الفتح فاستحبوا للإمام وللأمير إذا فتح بلدا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله كما فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات، والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقيل يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ قال البخاري (^٣): حدثني محمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله\n_________\n(^١) أي على جهد ومشقّة.\n(^٢) العثنون: اللحية. ومورك الرحل: المرفقة التي تكون عند قادمة الرحل، يضع الراكب رجله عليها ليستريح من وضع رجله في الركاب.\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة ٧ باب ٣)","vol":"1","page":175},{"text":"عنه عن النبي ﷺ قال: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة-فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حبة في شعرة» ورواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الرحمن به موقوفا وعن محمد بن عبيد بن محمد عن ابن المبارك ببعضه مسندا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: فبدلوا وقالوا حبة، وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «قال الله لبني إسرائيل: ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم فقالوا حبة في شعرة» وهذا حديث صحيح رواه البخاري عن إسحاق بن نصر ومسلم عن محمد بن رافع والترمذي عن عبد بن حميد كلهم عن عبد الرزاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال محمد بن إسحاق:\nكان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وعمن لا أتهم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «دخلوا الباب-الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا-يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعيرة» وقال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح وحدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الله بن وهب حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: «قال الله لبني إسرائيل ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن مسافر حدثنا ابن أبي فديك عن هشام بمثله، هكذا رواه منفردا به في كتاب الحروف مختصرا. وقال ابن مردويه (^١): حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا أحمد بن المنذر القزاز حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل أجزنا في ثنية (^٢) يقال لها ذات الحنظل، فقال رسول الله ﷺ: «ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم». وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال: اليهود: قيل لهم ادخلوا الباب سجدا قال: ركعا، وقولوا حطة أي مغفرة، فدخلوا على أستاههم وجعلوا يقولون حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. وقال الثوري عن السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود: وقولوا حطة، فقالوا:\nحنطة، حبة حمراء فيها شعيرة، فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. وقال أسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: هطا سمعاتا أزبة مزبا (^٣)، فهي بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\n_________\n(^١) رواه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩.\n(^٢) في الدر المنثور: «اجتزنا في برية».\n(^٣) رواه الطبري ١/ ٣٤٤، وفيه أنهم قالوا: «هطى سمقايا ازبة هزبا».","vol":"1","page":176},{"text":"وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعا من باب صغير، فدخلوا من قبل أستاههم وقالوا حنطة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ وهكذا روي عن عطاء ومجاهد وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن رافع.\nوحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل فأمروا أن يدخلوا سجدا فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم وأمروا أن يقولوا حطة أي أحطط عنا ذنوبنا وخطايانا، فاستهزأوا فقالوا حنطة في شعيرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وهو خروجهم عن طاعته. ولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب، وهكذا روي عن مجاهد وأبي مالك والسدي والحسن وقتادة أنه العذاب، وقال أبو العالية: الرجز الغضب، وقال الشعبي: الرجز إما الطاعون وإما البرد، وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون، وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن سعد يعني ابن أبي وقاص عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت ﵃، قالوا: قال رسول الله ﷺ: «الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم» وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث حبيب بن أبي ثابت «إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها» الحديث (^١)، قال ابن جرير: أخبرني يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس عن الزهري، قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم» (^٢) وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين من حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم بن أبي النضر عن عامر بن سعد بنحوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]</span>\n﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم وتيسيري لكم الماء وإخراجه لكم من حجر معكم وتفجيري الماء لكم منه من اثنتي عشرة عينا لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها فكلوا من المن والسلوى واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد واعبدوا الذي سخر لكم ذلك ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾\n_________\n(^١) البخاري (طب باب ٣٠) ومسلم (سلام حديث ٩٢، ٩٣، ٩٤)\n(^٢) الطبري ١/ ٣٤٥.","vol":"1","page":177},{"text":"ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها.\nوقد بسطه المفسرون في كلامهم كما قال ابن عباس ﵁: وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع وأمر موسى ﵇ فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها لا يرتحلون من منقلة (^١) إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول. وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وهو حديث الفتون الطويل. وقال عطية العوفي: وجعل لهم حجرا مثل رأس الثور يحمل على ثور فإذا نزلوا منزلا وضعوه فضربه موسى ﵇ بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فإذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء. وقال عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه: كان لبني إسرائيل حجر فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا، وقال قتادة: كان حجرا طوريا من الطور يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، وقال الزمخشري: وقيل كان من الرخام وكان ذراعا في ذراع وقيل مثل رأس الإنسان وقيل كان من الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى وله شعبتان تتقدان في الظلمة وكان يحمل على حمار، قال: وقيل اهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا، وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل، فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة ولك فيه معجزة فحمله في مخلاته.\nقال الزمخشري: ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه، قال: وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر ثم يضربه فييبس، فقالوا: إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون، والله أعلم.\nوقال يحيى بن النضر: قلت لجويبر: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر ويقوم من كل سبط رجل ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا فينضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين، وقال الضحاك: قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارا، وقال الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: ذلك في التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها، وقال مجاهد نحو قول ابن عباس وهذه القصة شبيهة بالقصة التي في سورة الأعراف ولكن تلك مكية، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب لأن الله تعالى يقص على رسوله ﷺ ما فعل لهم. وأما في هذه السورة-وهي البقرة-فهي مدنية، فلهذا كان الخطاب فيها متوجها إليهم،. وأخبر هناك بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف:١٦٠] وهو أول الانفجار، وأخبر هاهنا بما آل إليه الحال آخرا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار\n_________\n(^١) الصواب «لا يرتحلون منقلة» كما في الطبري ١/ ٣٤٧. والمنقلة: المرحلة من مراحل السفر، والجمع مناقل.","vol":"1","page":178},{"text":"هاهنا وذاك هناك، والله أعلم، وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية قد سأل عنها الزمخشري في تفسيره وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>[سورة البقرة (٢): آية ٦١]</span>\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعاما طيبا نافعا هنيئا سهلا واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها مما سألتم. قال الحسن البصري: فبطروا ذلك ولم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قوما أهل أعداس وبصل وبقول وفوم فقالوا: ﴿يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها﴾ وإنما قالوا على طعام واحد وهم يأكلون المن والسلوى لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم، فهو مأكل واحد: فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة، وأما الفوم، فقد اختلف السلف في معناه، فوقع في قراءة ابن مسعود وثومها بالثاء، وكذا فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم عنه، بالثوم. وكذا الربيع بن أنس وسعيد بن جبير، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري عن يونس، عن الحسن، في قوله:\n﴿وَفُومِها﴾ قال: قال ابن عباس: الثوم. قال: وفي اللغة القديمة: فوّموا لنا بمعنى اختبزوا. قال ابن جرير (^١): فإن كان ذلك صحيحا، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم: وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وأثافي وأثاثي، ومغافير ومغاثير وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاء والثاء فاء لتقارب مخرجيهما، والله أعلم. وقال آخرون: الفوم الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب قراءة حدثني نافع بن أبي نعيم أن ابن عباس: سئل عن قول الله: ﴿وَفُومِها﴾ ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس: أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح، وهو يقول: [الكامل] قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا … ورد المدينة عن زراعة فوم (^٢)\nوقال ابن جرير: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجهني، حدثنا عيسى بن يونس، عن رشيدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَفُومِها﴾ قال: الفوم الحنطة\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٥٢.\n(^٢) البيت لأبي محجن الثقفي في اللسان (فوم) أنشده الأخفش له وروايته: «قد كنت أحسبني كأغنى واجد … نزل المدينة». وكذا رواية القرطبي ١/ ٤٢٥. وهو في الروض الأنف ٢/ ٤٥ لأبي أميمة أو لأبي محجن، ورواه «سكن المدينة».","vol":"1","page":179},{"text":"بلسان بني هاشم (^١)، وكذا قال علي بن أبي طلحة والضحاك وعكرمة عن ابن عباس: أن الفوم الحنطة، وقال سفيان الثوري عن ابن جريج عن مجاهد وعطاء ﴿وَفُومِها﴾ قالا: وخبزها، وقال هشيم عن يونس عن الحسين وحصين عن أبي مالك ﴿وَفُومِها﴾ قال: الحنطة، وهو قول عكرمة والسدي والحسن البصري وقتادة وعبد الرحمن بن يزيد بن أسلم وغيرهم، فالله أعلم، وقال الجوهري: الفوم: الحنطة، وقال ابن دريد: الفوم: السنبلة، وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة:\nأن الفوم كل حب يختبز (^٢). قال: وقال بعضهم: هو الحمص، لغة شامية، ومنه يقال لبائعه:\nفامي، مغير عن فومي، قال البخاري: وقال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم.\nوقوله تعالى: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه من العيش الرغيد والطعام الهنيء الطيب النافع، وقوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ هكذا هو منون مصروف، مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف. وقال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك لإجماع المصاحف على ذلك. وقال ابن عباس ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قال: مصر من الأمصار، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد البقال سعيد بن المرزبان عن عكرمة عنه قال: وروي عن السدي وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك، وقال ابن جرير: وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ من غير إجراء، يعني من غير صرف ثم روي عن أبي العالية والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والربيع وعن الأعمش أيضا وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد: مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضا. ويكون ذلك من باب الإتباع لكتابة المصحف كما في قوله تعالى: ﴿قَوارِيرَا قَوارِيرَا﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] ثم توقف في المراد ما هو أمصر فرعون أم مصر من الأمصار؟ وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد: مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك لأن موسى ﵇ يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ولهذا قال:\n﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه والله أعلم.\nيقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي وضعت عليهم وألزموا بها شرعا وقدرا\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٥٢.\n(^٢) القرطبي ١/ ٤٢٦.","vol":"1","page":180},{"text":"أي لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكون. قال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب النيالات يعني الجزية. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال الضحاك: وضربت عليه الذلة، قال: الذل. وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم تحت أقدام المسلمين ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية، وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة الفاقة، وقال عطية العوفي: الخراج، وقال الضحاك:\nالجزية، وقوله تعالى: ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله، وقال الربيع بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله، وقال سعيد بن جبير: ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ يقول: استوجبوا سخطا، وقال ابن جرير: يعني بقوله: ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ انصرفوا ورجعوا، ولا يقال: باء إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يعني تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام: إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم من الذلة، بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق، ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته: أن رسول الله ﷺ قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» (^١) وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: قال ابن مسعود: كنت لا أحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله ﷺ وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، فأدركته من آخر حديثه وهو يقول: يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أفليس ذلك هو البغي؟ فقال: «لا ليس ذلك من البغي ولكن البغي من بطر»، أو قال: «سفه الحق وغمط الناس» (^٢) يعني رد الحق، وانتقاص الناس، والازدراء بهم، والتعاظم عليهم، ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله، وقتلهم أنبياءه، أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا. (إيمان حديث ١٤٧). وبطر الحق: هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا. وغمط الناس احتقارهم.\n(^٢) مسند أحمد (ج ١ ص ٣٨٥)","vol":"1","page":181},{"text":"وكساهم ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة جزاء وفاقا. قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار، وقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله يعني ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبيّ أو قتل نبيا وإمام ضلالة وممثل من الممثلين. وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون فالعصيان فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾\nلما بيّن تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم وما أحل بهم من النكال، نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمر بن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قال سلمان ﵁: سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخر الآية، وقال السدي ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ الآية، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي بينا هو يحدث النبي ﷺ إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم، فقال كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون لك ويشهدون أنك ستبعث نبيا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله ﷺ «يا سلمان هم من أهل النار»، فاشتد ذلك على سلمان فأنزل الله هذه الآية. فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى فلما جاء كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ، فمن لم يتبع محمدا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا.\n_________\n(^١) المسند (ج ١ حديث ص ٤٠٧)","vol":"1","page":182},{"text":"قال ابن أبي حاتم، وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا. قلت: وهذا لا ينافي ما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية-قال-فأنزل الله بعد ذلك ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم. واليهود من الهوادة وهي المودة، أو التهود وهي التوبة، كقول موسى ﵇ ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي تبنا، فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض، وقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة، فلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، سموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم أنصار أيضا، كما قال عيسى ﵇ ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ وقيل: إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة، قاله قتادة وابن جريج، وروي عن ابن عباس أيضا، والله أعلم. والنصارى جمع نصران، كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة نصرانة وقال الشاعر:\n[الطويل] [فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها … كما سجدت] نصرانة لم تحنّف (^١)\nفلما بعث الله محمدا ﷺ خاتما للنبيين، ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقا وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين لكثرة إيمانهم، وشدة إيقانهم ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية، وأما الصابئون فقد اختلف فيهم، فقال سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى وليس لهم دين، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك. وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي وأبو الشعثاء، جابر بن زيد، والضحاك وإسحاق بن راهويه: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور، ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم، وقال هشيم، عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتبة، فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك، وقال عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون\n_________\n(^١) البيت لأبي الأخرز الحماني في الإنصاف ٢/ ٤٤٥، والكتاب ٣/ ٤١١؛ ولسان العرب (نصر)؛ وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٥٦؛ والطبري ١/ ٣٥٩.","vol":"1","page":183},{"text":"الملائكة. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، قال: أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة، ويصلون الخمس قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية، قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة (^١). وقال أبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور ويصلون للقبلة (^٢)، وكذا قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه قال: الصابئون قوم مما يلي العراق وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات. وسئل وهب بن منبه عن الصابئين فقال: الذي يعرف الله وحده وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا وقال عبد الله بن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول لا إله إلا الله، قال: ولم يؤمنوا برسول فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه هؤلاء الصابئون يشبهونهم بهم، يعني في قول لا إله إلا الله، وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇. وحكى القرطبي (^٣) عن مجاهد والحسن وابن نجيح، أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس (^٤)، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم، وأنها فاعلة (^٥)، ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم. واختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها، قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكلدانيين (^٦) الذين جاءهم إبراهيم ﵇ رادا عليهم ومبطلا لقولهم. وأظهر الأقوال والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتنونه، ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ، أي أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك. وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم.\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٦١.\n(^٢) تفسير الرازي ٣/ ٩٨. وقد نقله من قول قتادة.\n(^٣) القرطبي ١/ ٤٣٤.\n(^٤) عبارة القرطبي: «بين اليهودية والمجوسية».\n(^٥) في القرطبي: «فعّالة».\n(^٦) في الأصل «الكشرانيين». والتصحيح عن الرازي.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]</span>\n﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)﴾\nيقول تعالى مذكرا بني إسرائيل ما أخد عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له، واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق، رفع الجبل فوق رؤوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وجزم وامتثال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١] فالطور هو الجبل كما فسره به في الأعراف، ونص على ذلك ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن والضحاك والربيع بن أنس وغير واحد، وهذا ظاهر. وفي رواية عن ابن عباس: الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور. وفي حديث الفتون عن ابن عباس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا. وقال السدي: فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم فنظروا إليه وقد غشيهم فسقطوا سجدا فسجدوا على شق ونظروا بالشق الآخر فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم فهم يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. وقال الحسن في قوله ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ يعني التوراة. وقال أبو العالية والربيع بن أنس: بقوة أي بطاعة، وقال مجاهد: بقوة بعمل ما فيه، وقال قتادة ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ القوة: الجد وإلا قذفته عليكم، قال: فأقروا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا به بقوة، ومعنى قوله وإلا قذفته عليكم أي أسقطته عليكم، يعني الجبل. وقال أبو العالية والربيع ﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ يقول: اقرءوا ما في التوراة واعملوا به، وقوله تعالى ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي بتوبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]</span>\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يا معشر اليهود ما أحل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره إذ كان مشروعا لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الشصوص (^١) والحبائل والبرك قبل يوم السبت فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل\n_________\n(^١) الشصوص: جمع شصّ، وهو حديدة معقوفة يصاد بها السمك.","vol":"1","page":185},{"text":"والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله إلى صورة القردة وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى:\n﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] القصة بكمالها. وقال السدي: أهل هذه القرية هم أهل أيله، وكذا قال قتادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة.\nوقوله تعالى: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ قال:\nمسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة. وإنما هو مثل ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] ورواه ابن جرير عن المثنى، عن أبي حذيفة وعن محمد بن عمر الباهلي وعن أبي عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به (^١)، وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فجعل الله منهم القردة والخنازير فزعم أن شباب القوم صاروا قردة وأن المشيخة صاروا خنازير. وقال شيبان النحوي عن قتادة ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فصار القوم قردة تعاوى، لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء وقال عطاء الخراساني: نودوا يا أهل القرية ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برءوسهم: أي بلى، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصية (^٢)، حدثنا محمد بن مسلم، يعني الطائفي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقا (^٣)، ثم هلكوا ما كان للمسخ نسل. وقال الضحاك، عن ابن عباس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكرها الله في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٧٣.\n(^٢) كذا. ولعلها المصيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس (معجم البلدان)\n(^٣) الفواق: ما بين الحلبتين من الراحة.","vol":"1","page":186},{"text":"القردة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء، وقال أبو جعفر (^١)، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ قال: يعني أذلة صاغرين. وروي عن مجاهد وقتادة والربيع وأبي مالك نحوه.\nوقال محمد بن إسحاق عن داود بن أبي الحصين عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم يوم الجمعة فخالفوا إلى السبت فعظموه وتركوا ما أمروا به، فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره، وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: مدين، فحرم الله عليهم في السبت الحيتان صيدها وأكلها، وكانوا إذا كان يوم السبت، أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا، حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعا، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا (^٢) إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت فحزمه بخيط ثم أرسله في الماء وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه تم تركه، حتى إذا كان الغد جاء فأخذه أي إني لم آخذه في يوم السبت (^٣)، فانطلق به فأكله، حتى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل، قال: ففعلوا كما فعل، وصنعوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية وباعوها في الأسواق، فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم اتقوا الله، ونهوهم عما كانوا يصنعون، فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا؟ قالُوا: مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] لسخطنا أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم وفقدوا الناس فلم يروهم، قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس شأنا، فانظروا ما هو فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلا فغلقوها على أنفسهم كما يغلق الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد، قال: قال ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه نجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الله الجميع منهم، قال: وهي القرية التي قال جل ثناؤه لمحمد ﷺ ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وروى الضحاك عن ابن عباس نحوا من هذا. وقال السدي في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ قال: هم أهل أيلة، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر،\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٧٤.\n(^٢) أي اشتدت شهوتهم إلى لحم الحيتان.\n(^٣) أي مدعيا، على سبيل الاحتيال والمخادعة، أنه لم يأخذه في يوم السبت.","vol":"1","page":187},{"text":"فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت، وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا، فلم يبق في البحر حوت إلا خرج حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فيها، فإذا كان يوم الأحد، جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره روائحه، فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره حتى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم، إنما تصطادون يوم السبت وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، قال الفقهاء: لا ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا. فقال بعض الذين نهوهم لبعض ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فلما أبوا، قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار وفتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا ولعنهم داود ﵇، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم فلما أبطئوا عليهم، تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ وذلك حين يقول ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]: فهم القردة.\n(قلت) والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة، بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀، من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صوريا، بل الصحيح أنه معنوي وصوري، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا﴾ قال بعضهم: الضمير في فجعلناها عائد على القردة وقيل على الحيتان وقيل على العقوبة وقيل على القرية، حكاها ابن جرير (^١). والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿نَكالًا﴾ أي عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة كما قال الله عن فرعون ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] وقوله تعالى ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾ أي من القرى، قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ومنه قوله تعالى\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥.","vol":"1","page":188},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١]، على أحد الأقوال في المكان، كما قال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى، فالمراد لما بين يديها وما خلفها من القرى، وكذا قال سعيد بن جبير: لما بين يديها وما خلفها، قال: من بحضرتها من الناس يومئذ. وروي عن إسماعيل بن أبي خالد وقتادة وعطية العوفي ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ قال: ما قبلها من الماضين في شأن السبت. وقال أبو العالية والربيع وعطية: ﴿وَما خَلْفَها﴾ لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكان هؤلاء يقولون: المراد لما بين يديها وما خلفها في الزمان.\nوهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به، وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ وهذا لعل أحدا من الناس لا يقوله بعد تصوره فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى، كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.\nوقال أبو جعفر الرازي (^١)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾ أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد والسدي والفراء وابن عطية: لما بين يديها من ذنوب القوم وما خلفها، لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب. وحكى الرازي ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها، من تقدمها من القرى (^٢) بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها. والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى (^٣) والأمم. والثالث: أنه تعالى، جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن. (قلت) وأرجح الأقوال المراد بما بين يديها وما خلفها، من بحضرتها من القرى، يبلغهم خبرها وما حل بها، كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى﴾ [الأحقاف: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، وقال تعالى ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم، وموعظة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة، وقال الحسن وقتادة ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم فيتقون نقمة الله ويحذرونها، وقال السدي وعطية العوفي\n_________\n(^١) تفسير الرازي ٣/ ١٠٤.\n(^٢) في الرازي: «من الأمم والقرون».\n(^٣) في الرازي: «القرون».","vol":"1","page":189},{"text":"﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال أمة محمد ﷺ (قلت) المراد بالموعظة هاهنا الزاجر أي جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا، وثقه الحافظ أبو بكر البغدادي وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-102>[سورة البقرة (٢): آية ٦٧]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلا، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض. فقال ذوو الرأي منهم والنهي: علام يقتل بعضكم بعضا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇، فذكروا ذلك له، فقال ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا، فشدد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال:\nوالله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ذهبا، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا-لابن أخيه، ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، فلم يورث قاتل بعد. ورواه ابن جرير من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة بنحو من ذلك (^١)، والله أعلم. ورواه عبد بن حميد في تفسيره: أنبأنا يزيد بن هارون به، ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره، عن أبي جعفر هو الرازي، عن هشام بن حسان به، وقال آدم بن أبي إياس في تفسره: أنبأنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب، وكان وراثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵇ فقال له: إن قريبي قتل وأني إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله، قال: فنادى\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٧٩.","vol":"1","page":190},{"text":"موسى في الناس، فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا يبينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵇، فقال له: أنت نبي الله، فسل لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه، فأوحى الله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا؟ قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ﴾ يعني لا هرمة ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ يعني ولا صغيرة ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي نصف بين البكر والهرمة ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ أي صاف لونها ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ أي تعجب الناظرين ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ أي لم يذللها العمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ يعني وليست بذلول، تثير الأرض ولا تسقي الحرث يعني ولا تعمل في الحرث ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ يعني مسلمة من العيوب ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ يقول: لا بياض فيها ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: إنا إن شاء الله لمهتدون، لما هدوا إليها أبدا، فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز وعندها يتامى وهي القيمة عليهم، فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألت أضعاف ثمنها، فقال موسى: إن الله قد خفف عليكم، فشددتم على أنفسكم، فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظما منها فيضربوا القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتا كما كان، فأخذ قاتله، وهو الذي كان أتى موسى ﵇، فشكا إليه، فقتله الله على أسوأ عمله.\nوقال محمد بن جرير: حدثني محمد بن سعيد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله في شأن البقرة، وذلك أن شيخا من بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ كان مكثرا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته فقالوا ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم، أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؟ وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما، وكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين، قيس ما بين القتيل والقريتين، فأيتهما كانت أقرب إليه، غرمت الدية، وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم، عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها، فلما أصبح أهل المدينة، جاء بنو أخي الشيخ فقالوا:\nعمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا، قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، وإنهم عمدوا إلى موسى عليه","vol":"1","page":191},{"text":"السلام، فلما أتوه، قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا، وإن جبرائيل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ﵇، فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فتضربوه ببعضها، وقال السدي (^١): ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال، فكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال يا عم، انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أن أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي، فأدوا إليّ ديته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي وأعماه، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم بالدية، فقالوا له:\nيا رسول الله ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه فيؤخذ صاحب القضية (^٢)، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكن نستحي أن نعير به فذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول اذبحوا بقرة أتهزأ بنا ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ قال ابن عباس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا وتعنتوا على موسى، فشدد الله عليهم، فقالوا: ﴿اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ والفارض: الهرمة التي لا تولد، والبكر التي لم تلد إلا ولدا واحدا، والعوان النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ قال: نقي لونها ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ قال: تعجب الناظرين ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ من بياض ولا سواد ولا حمرة ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ فطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وإن رجلا مرّ به معه لؤلؤ يبيعه، وكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح، فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفا، قال الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٣٨٠.\n(^٢) في الطبري: «صاحب الجريمة».","vol":"1","page":192},{"text":"ألف، فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبدا، وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، وأبصروا البقرة عنده فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه اثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرا، فقالوا:\nوالله لا نتركك حتى نأخذها منك، فانطلقوا به إلى موسى ﵇، فقالوا: يا نبي الله، إنا وجدناها عند هذا وأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنا، فقال له موسى: أعطهم بقرتك، فقال يا رسول الله، أنا أحق بمالي، فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم فأعطوه وزنها ذهبا، فأبى فأضعفوه له حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبا، فباعهم إياها وأخذ ثمنها، فقال:\nاذبحوها فذبحوها، قال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه:\nمن قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي، قال: أقتله فآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.\nوقال سنيد: حدثنا حجاج هو ابن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس-دخل حديث بعضهم في حديث بعض-، قالوا: إن سبطا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدا منهم خارجا إلا أدخلوه، وإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف، فإذا لم ير شيئا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا، قال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته، فقتله ليرثه، ثم حمله فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه، قال: فأشرف رئيس المدينة فنظر، فلم ير شيئا ففتح الباب، فلما رأى القتيل رد الباب، فناداه أخو المقتول وأصحابه: هيهات قتلتموه ثم تردون الباب، وكان موسى لما رأى القتل كثيرا في بني إسرائيل كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال حتى لبس الفريقان السلاح ثم كف بعضهم عن بعض، فأتوا موسى، فذكروا له شأنهم، قالوا: يا موسى إن هؤلاء قتلوا قتيلا ثم ردوا الباب، قال أهل المدينة: يا رسول الله قد عرفت اعتزالنا الشرور، وبنينا مدينة كما رأيت نعتزل شرور الناس، والله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم، فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا تصدق ولا تكذب، فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٨ إلى ٧١]</span>\n﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾","vol":"1","page":193},{"text":"أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، لهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعبيدة وغير واحد، ولكنهم شددوا فشدد عليهم فقالوا: ﴿اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أي ما هذه البقرة وأي شيء صفتها، قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا تمّام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم-اسناد صحيح-وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي ومجاهد وعكرمة وأبو العالية وغير واحد، وقال ابن جريج: قال لي عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم، قال ابن جريج: قال رسول الله ﷺ: «إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا شدد الله عليهم وايم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ أي لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية والسدي ومجاهد وعكرمة وعطية العوفي وعطاء الخراساني ووهب بن منبه والضحاك والحسن وقتادة، وقاله ابن عباس أيضا، وقال الضحاك عن ابن عباس: عوان بين ذلك، يقول نصف بين الكبير والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر، وأحسن ما تكون، وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك، وقال السدي:\nالعوان: النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها، وقال هشيم، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرة وحشية، وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لا لابسها، وذلك قوله تعالى: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ وكذا قال مجاهد ووهب بن منبه: كانت صفراء، وعن ابن عمر: كانت صفراء الظلف، وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، أنبأنا أبو رجاء عن الحسن في قوله تعالى: ﴿بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ قال سوداء شديدة السواد، وهذا غريب، والصحيح الأول ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ وقال عطية العوفي ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ تكاد تسود من صفرتها، وقال سعيد بن جبير ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ قال: صافية اللون. وروي عن أبي العالية والربيع بن أنس والسدي والحسن وقتادة نحوه، وقال شريك عن معمر عن ابن عمر ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ قال: صاف، وقال العوفى في تفسيره عن ابن عباس ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ تكاد تسود من صفرتها، وقال سعيد بن جبير ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ صافية اللون، وروي عن أبي العالية والربيع بن أنس والسدي والحسن وقتادة نحوه، وقال شريك عن معمر عن ابن عمر ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض، وقال السدي ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ أي تعجب الناظرين، وكذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس. وقال وهب بن منبه: إذا نظرت إلى جلدها تخيلت أن شاع الشمس يخرج من جلدها. وفي التوراة:","vol":"1","page":194},{"text":"أنها كانت حمراء وسواد، فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ أي لكثرتها، فميز لنا هذه البقرة وصفها وحلها لنا ﴿وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ﴾ إذا بينتها لنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدثنا سرور بن المغيرة الواسطي بن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: قال:\nقال رسول الله ﷺ «لولا أن بني إسرائيل قالوا ﴿وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أعطوا أبدا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا، فشدد الله عليهم» وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله على السدي، والله أعلم.\n﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أي إنها ليست مذللة بالحراثة ولا معدة للسقي في الساقية، بل هي مكرمة، حسنة، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة:\nمسلمة يقول: لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع. وقال مجاهد: مسلمة من الشية، وقال عطاء الخراساني: مسلمة القوائم والخلق لا شية فيها، قال مجاهد: لا بياض ولا سواد، وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ليس فيها بياض، وقال عطاء الخراساني: لا شية فيها، قال:\nلونها واحد بهيم، وروي عن عطية العوفي ووهب بن منبه وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، وقال السدي: لا شية فيها من بياض ولا سواد ولا حمرة. وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى.\nوقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي يعمل عليها بالحراثة، لكنها لا تسقي الحرث، وهذا ضعيف لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي (^١) وغيره.\n﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ قال قتادة: الآن بينت لنا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:\nوقبل ذلك والله قد جاءهم الحق ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس:\nكادوا أن لا يفعلوا ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها. وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس:\nفذبحوها وما كادوا يفعلون لكثرة ثمنها. وفي هذا نظر، لأن كثرة الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس، وقال عبيدة\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١/ ٤٥٣.","vol":"1","page":195},{"text":"ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنهم اشتروها بمال كثير، وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك، وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة عن عكرمة، قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير، وهذا إسناد جيد عن عكرمة والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضا، وقال ابن جرير (^١)، وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه [إلى موسى] (^٢) ولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها وللفضيحة، وفي هذا نظر، بل الصواب، والله أعلم، ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه، وبالله التوفيق.\n[مسألة] استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان، كما هو مذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وجمهور من العلماء سلفا وخلفا بدليل ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ: «لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها» وكما وصف النبي ﷺ، إبل الدية في قتل الخطأ، وشبه العمد بالصفات المذكورة بالحديث، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون: لا يصح السلم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله، وحكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]</span>\n﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾\nقال البخاري: ﴿فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ اختلفتم، وهكذا قال مجاهد، قال فيما رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، إنه قال في قوله تعالى:\n﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ اختلفتم. وقال عطاء الخراساني والضحاك: اختصمتم فيها، وقال ابن جريج ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ قال بعضهم: أنت قتلتموه، وقال آخرون: بل أنتم قتلتموه، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسم ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال مجاهد: ما تغيبون، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن مسلم البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كلام الله ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٣٩٧.\n(^٢) الزيادة من الطبري.","vol":"1","page":196},{"text":"الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله، ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد بن سنان حدّثنا عفان بن مسلم حدّثنا عبد الواحد بن زياد حدّثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها (^١) دنانير، فذبحوها، فضربوه-يعني القتيل-بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دما، فقالوا له من قتلك؟ قال: قتلني فلان، وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنه ضرب ببعضها، وفي رواية عن ابن عباس أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر، قال: قال أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها، قال معمر: قال قتادة: ضربوه بلحم فخذها فعاش، فقال: قتلني فلان، وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا النضر بن عربي عن عكرمه ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ فضرب بفخذها، فقام فقال: قتلني فلان، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وقتادة وعكرمة نحو ذلك. وقال السدي: فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه فقال: قتلني ابن أخي، وقال أبو العالية: أمرهم موسى ﵇، أن يأخذوا عظما من عظامها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتا كما كان، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها (^٢) وقيل: بلسانها وقيل بعجب (^٣) ذنبها.\nوقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ أي فضربوه فحيي، ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل، جعل ﵎ ذلك الصنيع حجة لهم على المعاد، وفاصلا ما كان بينهم من الخصومة والعناد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة مما خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة. ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميما، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبه، أخبرني يعلى بن عطاء، قال: سمعت وكيع بن عدس يحدث عن أبي رزين العقيلي ﵁، قال: قلت يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: «أما مررت بواد ممحل، ثم مررت به خضرا»؟ قال بلى. قال: «كذلك النشور» أو قال: «كذلك يحيي الله الموتى» وشاهد هذا قوله تعالى:\n_________\n(^١) أي ملء جلدها.\n(^٢) الآراب: جمع إرب، وهو العضو. أي ضربوه ببعض أعضائها.\n(^٣) عجب الذنب: الجزيء في أصل الذنب عند رأس العصعص.","vol":"1","page":197},{"text":"﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٥].\n[مسألة] استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني، لوثا (^١) بهذه القصة، لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله، فقال فلان قتلني، فكان ذلك مقبولا منه، لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه. ورجحوا ذلك لحديث أنس أن يهوديا قتل جارية على أوضاح (^٢) لها، فرضخ رأسها بين حجرين، فقيل: من فعل بك هذا، أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين، وعند مالك إذا كان لوثا، حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك، ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثا.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]</span>\n﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾\nيقول تعالى توبيخا لبني إسرائيل وتقريعا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ كله، فهي كالحجارة التي لا تلين أبدا، ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] قال العوفى في تفسيره عن ابن عباس: لما ضرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني ثم قبض، فقال بنو أخيه حين قبضه الله: والله ما قتلناه فكذبوا بالحق بعد أن رأوه فقال الله ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾، يعني أبناء أخى الشيخ فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها أو أشد قسوة من الحجارة فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جاريا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء: أو يتشقق عن ماء أو يتردى من رأس جبل لمن خشية الله نزل بذلك القرآن. وقال محمد بن إسحاق حدثني\n_________\n(^١) اللّوث عند الإمام الشافعي: شبه الدلالة، ولا يكون بنية تامة. وفي حديث القسامة ذكر اللوث، وهو أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول، قبل أن يموت، بأن فلانا قتلني أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما، أو تهديد منه له، أو نحو ذلك. وهو من التلوّث: التلطّخ (لسان العرب)\n(^٢) الأوضاح: الحليّ من الدراهم الصحاح، والخلاخل.","vol":"1","page":198},{"text":"محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقال أبو علي الجياني في تفسيره ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ هو سقوط البرد من السحاب. قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد، وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قال فإن هذا خروج عن اللفظ بلا دليل، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب يعني يحيى بن يعقوب في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ قال: كثرة البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ﴾ قال: قليل البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ قال: بكاء القلب من غير دموع العين.\nوقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا، فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ١٧]، وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ [النحل:٤٨]، ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١]:\n﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ﴾ [فصلت: ٢١]، وفي الصحيح «هذا جبل يحبنا ونحبه» وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن» وفي صفة الحجر الأسود: إنه يشهد لمن استلم بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه. وحكى القرطبي قولا أنها للتخيير أي مثلا لهذا وهذا وهذا مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين. وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولا آخر: إنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب، كقول القائل: أكلت خبزا أو تمرا، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل: كل حلوا أو حامضا، أي لا يخرج عن واحد منهما، أي وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم.\n[تنبيه] اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: أو هاهنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] وكما قال النابغة الذبياني: [البسيط]","vol":"1","page":199},{"text":"قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد (^١)\nتريد ونصفه، قاله ابن جرير (^٢)، وقال جرير بن عطية: [البسيط] نال الخلافة أو كانت له قدرا … كما أتى ربه موسى على قدر (^٣)\nقال ابن جرير: يعني نال الخلافة وكانت له قدرا وقال آخرون: أو هاهنا بمعنى بل فتقديره:\nفهي كالحجارة بل أشد قسوة، وكقوله: ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، فكان ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ [النجم: ٩] وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ عندكم حكاه ابن جرير. وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على المخاطب، كما قال أبو الأسود: [الوافر] أحب محمدا حبا شديدا … وعباسا وحمزة والوصيّا\nفإن يك حبهم رشدا أصبه … وليس بمخطئ إن كان غيّا (^٤)\nوقال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكا في أن حب من سمى رشد، ولكنه أبهم على من خاطبه [به] (^٥)، قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات، قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله، ثم انتزع. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] فقال: أو كان شاكا من أخبر بهذا من الهادي منهم ومن الضال؟ وقال بعضهم: معنى ذلك فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها في القسوة. قال ابن جرير ومعنى ذلك على هذا التأويل، فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة؛ وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره.\n(قلت) وهذا القول الأخير يبقى شبيها بقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] مع قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] مع قوله: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠]، أي\n_________\n(^١) البيت للنابغة في ديوانه ص ٢٤: والأزهية ص ٨٩؛ والأغاني ١١/ ٣١؛ والإنصاف ٢/ ٤٧٩؛ وتذكرة النحاة ص ٣٥٣؛ وخزانة الأدب ١٠/ ٢٥١؛ والخصائص ٢/ ٤٦٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٢٣٦.\n(^٣) ويروى «جاء الخلافة». والبيت لجرير في ديوانه ص ٤١٦؛ والأزهية ص ١١٤؛ وخزانة الأدب ١١/ ٦٩؛ والدرر ٦/ ١١٨؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٩٦؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٤٨٥.\n(^٤) البيتان لأبي الأسود في القرطبي ١/ ٤٦٣. وفيه: «وحمزة أو عليا» مكان «وحمزة والوصيّا». وتفسير الطبري ١/ ٤٠٥.\n(^٥) الزيادة من الطبري.","vol":"1","page":200},{"text":"إن منهم من هو هكذا، ومنهم من هو هكذا، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج حدثنا علي بن حفص حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله: القلب القاسي» رواه الترمذي في كتاب الزهد من جامعه عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج صاحب الإمام أحمد به، ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم، وروى البزار عن أنس مرفوعا «أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا».\n\n<span data-type='title' id=toc-106>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٥ إلى ٧٧]</span>\n﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي يتأولونه على غير تأويله ﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أي فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وليس قوله: يسمعون كلام الله: يسمعون التوراة كلهم قد سمعها، ولكن هم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها. وقال محمد بن إسحاق، فيما حدثني بعض أهل العلم: أنهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا تعالى فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم، مرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا، ففعلوا ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام، أمرهم موسى أن يسجدوا، فوقعوا سجودا، وكلمه ربه، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا منه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءهم، حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا: حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين","vol":"1","page":201},{"text":"ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا خلافا لما قال الله ﷿ لهم فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ.\nوقال السدي: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: هي التوراة حرفوها، وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران ﵊، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] أي مبلغا إليه، ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه، وقال مجاهد: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم، وقال أبو العالية:\nعمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، وقال السدي ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي أنهم أذنبوا، وقال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حراما والحرام فيها حلالا، والحق فيها باطلا والباطل فيها حقا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محق، وإذا جاءهم أحد يسألهم شيئا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق، فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ الآية، قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، وعن ابن عباس ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ أي بصاحبكم محمد رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم، فأنزل الله ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به. يقول الله تعالى ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا، وقال السدي: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا. وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه كان رسول الله ﷺ قد قال «لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن» فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] وكانوا يقولون إذا","vol":"1","page":202},{"text":"دخلوا المدينة: نحن مسلمون ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون، وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا، فيقولون: بلى، فإذا وجه إلى قومهم، يعني الرؤساء، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.\nوقال أبو العالية ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني بما أنزل عليكم في كتابكم من محمد ﷺ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا يقولون: سيكون نبي، فخلا بعضهم ببعض، ﴿قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ قول آخر في المراد بالفتح. قال ابن جريج: حدثني القاسم بن أبي برزة عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: قام النبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت، فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمدا؟ ما خرج هذا القول إلا منكم ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بما حكم الله للفتح يكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا ﷺ. وقال السدي ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم. وقال عطاء الخراساني ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني بما قضى لكم وعليكم. وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد ﷺ وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبا عندهم، وكذا قال قتادة.\nوقال الحسن ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد ﷺ وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد ﷺ بما فتح الله عليهم مما في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد ﷺ بما في كتابهم عند ربهم ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ يعني حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ: وآمنا. كذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]</span>\n﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي ومن أهل الكتاب، قاله مجاهد. والأميون جمع أمي، وهو","vol":"1","page":203},{"text":"الرجل الذي لا يحسن الكتابة. قال أبو العالية والربيع وقتادة وإبراهيم النخعي وغير واحد: وهو ظاهر في قوله تعالى ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ﴾ أي لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي ﷺ: أنه الأمي لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقال عليه الصلاة السلام «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» الحديث، أي لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب، وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقال ابن جرير (^١): نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه من جهله بالكتاب دون أبيه. قال: وقد روي عن ابن عباس ﵄: قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله، وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله، ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأمي عند العرب الذي لا يكتب. قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا أماني الأحاديث. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ يقول: إلا قولا يقولون بأفواههم كذبا. وقال مجاهد إلا كذبا: وقال سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ﴾ قال: أناس من اليهود، لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله ويقولون هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وعن الحسن البصري نحوه. وقال أبو العالية والربيع وقتادة: إلا أماني يتمنون على الله ما ليس لهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إلا أماني، قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم. قال ابن جرير: والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس. وقال (^٢) مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى شيئا ولكنهم يتخرصون الكذب ويتخرصون الأباطيل كذبا وزورا، والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه، ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان ﵁: ما تغنيت ولا تمنيت، يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب. وقيل المراد بقوله إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضا: أي إلا تلاوة، فعلى هذا يكون استثناء منقطعا، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ إِذا تَمَنّى﴾ -أي تلا- ﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، وقال كعب بن مالك الشاعر:\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٤١٧.\n(^٢) في الطبري: «وقول مجاهد». والكلام ما زال للطبري بصدد اختياره.","vol":"1","page":204},{"text":"[الطويل] تمنى كتاب الله أول ليلة … وآخره لاقى حمام المقادر (^١)\nوقال آخر: [الطويل] تمنى كتاب الله آخر ليلة … تمنّى داود الكتاب على رسل (^٢)\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] أي ولا يدرون ما فيه، وهم يجدون نبوتك بالظن. وقال مجاهد: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ يكذبون. وقال قتادة وأبو العالية والربيع: يظنون بالله الظنون بغير الحق.\nوقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية، هؤلاء صنف آخر من اليهود. وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله وأكل أموال الناس بالباطل، والويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم. وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج به، وقال: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.\n(قلت) لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوع منكر، والله أعلم.\nوقال ابن جرير حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام، حدثنا صالح القشيري (^٣)، حدثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان ﵁، عن رسول الله ﷺ ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ قال «الويل جبل في النار». وهو الذي أنزل في اليهود، لأنهم حرفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة ولذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في لسان العرب (مني)؛ ومقاييس اللغة ٥/ ٢٧٧؛ وكتاب العين ٨/ ٣٩؛ وتاج العروس (مني). ولحسان بن ثابت في تفسير ابن حيان ٦/ ٣٨٢.\n(^٢) البيت بلا نسبة في لسان العرب (مني)؛ وتاج العروس (منا)\n(^٣) في الطبري: «حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري ..».","vol":"1","page":205},{"text":"وهذا غريب أيضا جدا. وعن ابن عباس: الويل المشقة من العذاب، وقال الخليل بن أحمد:\nالويل شدة الشر، وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها، وقال الأصمعي: الويل تفجع، والويح ترحم، وقال غيره: الويل: الحزن، وقال الخليل: وفي معنى ويل: ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرق بينها، وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوز نصبها بمعنى: ألزمهم ويلا (قلت) لكن لم يقرأ بذلك أحد، وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: هم أحبار اليهود، وكذا قال سعيد عن قتادة: هم اليهود، وقال سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس ﵁، عن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب، وقال السدي: كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم يبيعونه من العرب ويحدثونهم أنه من عند الله فيأخذوا به ثمنا قليلا، وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله تقرأونه غضا لم يشب وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم، رواه البخاري من طرق عن الزهري. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ أي فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس ﵄ ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، وويل لهم مما يكسبون يقول مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-108>[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]</span>\n﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ أي بذلك، فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى بأم التي بمعنى بل، أي بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.\nقال محمد بن إسحاق عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن اليهود كانوا يقولون أن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار وإنما هي سبعة أيام معدودة فأنزل الله تعالى ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾ إلى قوله ﴿خالِدُونَ﴾ ثم","vol":"1","page":206},{"text":"رواه عن محمد، عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾ اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة، زاد غيره وهي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي (^١) عن ابن عباس وقتادة، وقال الضحاك وعن ابن عباس:\nزعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم التي هي نابتة في أصل الجحيم، وقال أعداء الله إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك فذلك قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني الأيام التي عبدنا فيها العجل. وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ، فقالوا لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون، يعنون محمدا ﷺ وأصحابه ﵃، فقال رسول الله ﷺ بيده على رؤوسهم «بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد» فأنزل الله ﷿ ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال:\nلما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ، شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ «اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا» فقال لهم رسول الله ﷺ «من أبوكم»؟ قالوا فلان، قال «كذبتم بل أبوكم فلان» فقالوا: صدقت وبررت، ثم قال لهم «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه»؟ قالوا نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله ﷺ «من أهل النار»؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ «اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبدا» ثم قال لهم رسول الله ﷺ «هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سما؟» فقالوا: نعم، قال «فما حملكم على ذلك؟» فقالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضر، ورواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي من حديث الليث بن سعد بنحوه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨١ إلى ٨٢]</span>\n﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)﴾\nيقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من عمل سيئة وأحاطت به\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ١٠.\n(^٢) رواه البخاري (هبة باب ٢٨؛ وجزية باب ٧؛ وطب باب ٥٥) والدارمي (مقدمة باب ١١). وأحمد في المسند (ج ٢ ص ٤٥١)","vol":"1","page":207},{"text":"خطيئته وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة بل جميع أعماله سيئات فهذا من أهل النار.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات من العمل الموافق للشريعة فهم من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣ - ١٢٤].\nقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أي عمل مثل أعمالكم وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره، فماله من حسنة. وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك. قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه. وقال الحسن أيضا والسدي:\nالسيئة الكبيرة من الكبائر، وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: بقلبه.\nوقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: أحاط به شركه. وقال الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب، وعن السدي وأبي رزين نحوه، وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما، وقتادة والربيع بن أنس ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ والموجبة الكبيرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم.\nويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١) حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا فأنضجوا ما قذفوا فيها. وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي من آمن بما كفرتم وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له.\n\n<span data-type='title' id=toc-110>[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]</span>\n﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد (ج ١ ص ٤٠٢)","vol":"1","page":208},{"text":"يذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدا وعمدا وهم يعرفونه، ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن ﵎ بين حقه وحق الوالدين كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال ﵎: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى أن قال ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله أيّ العمل أفضل؟ قال «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل الله» ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رجلا قال: يا رسول الله من أبر؟ قال «أمك» قال: ثم من؟ قال «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أباك»؟ ثم أدناك ثم أدناك».\nوقوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ قال الزمخشري خبر بمعنى الطلب وهو آكد، وقيل كان أصله «أن لا تعبدوا إلا الله» ونقل من قرأها من السلف، فحذفت أن فارتفع، وحكي عن أبيّ وابن مسعود أنهما قرءاها «لا تعبدوا إلا الله» ونقل هذا التوجيه القرطبي (^١) في تفسيره عن سيبويه. قال:\nواختاره الكسائي والفراء، قال ﴿وَالْيَتامى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء، والمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم. وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء التي أمرنا الله تعالى بها صريحا في قوله ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] أي كلموهم طيبا، ولينوا لهم جانبا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف كما قال الحسن البصري في قوله تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ فالحسن من القول يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس: حسنا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال «لا تحقرن من المعروف شيئا، وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق» (^٣) وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي،\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ١٣.\n(^٢) مسند الإمام أحمد (ج ٥ ص ١٧٣)\n(^٣) في المسند: «طلق».","vol":"1","page":209},{"text":"وصححه من حديث أبي عامر الخزاز واسمه صالح بن رستم به، وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمتعين من ذلك وهو الصلاة والزكاة، فقال ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي تركوه وراء ظهورهم وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به إلا القليل منهم، وقد أمر الله هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.\nومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف يعني التنيسي، حدثنا خالد بن صبيح عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة: أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديا ولا نصرانيا إلا سلم عليه، فقيل له: ما شأنك تسلم على اليهودي والنصراني؟ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ وهو السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني نحوه (قلت) وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدءون بالسلام، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٤ إلى ٨٦]</span>\n﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾\nيقول ﵎ منكرا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير: حلفاء الخزرج، وبنو قريظة: حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب عملا بحكم التوراة، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]","vol":"1","page":210},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضا ولا يخرجه من منزله ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وذلك أن اهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة كما قال ﵊ «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ الآية، قال محمد بن إسحاق بن يسار، حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ الآية، قال: أنبأهم الله بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج والنضير، وقريظة وهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ولا يعرفون جنة ولا نارا ولا بعثا ولا قيامة ولا كتابا ولا حلالا ولا حراما، فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة وأخذا به بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيد الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم يقول الله تعالى ذكره حيث أنبأهم بذلك ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] أي تفادونهم بحكم التوراة وتقتلونهم وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا؟ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة.\nوقال أسباط عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج فكانوا يقتتلون في حرب بينهم، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائهم النضير وحلفائهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ويغلبونهم، فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كلاهما، جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك يقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، قالوا فلم تقتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تستذل حلفاؤنا، فذلك حين عيرهم الله ﵎ فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ الآية.\nوقال أسباط عن السدي عن الشعبي نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ","vol":"1","page":211},{"text":"تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ الآية.\nوقال أسباط عن السدي، عن عبد خير، قال: غزونا مع سليمان (^١) بن ربيعة الباهلي بلنجر (^٢) فحاصرنا أهلها، ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مر برأس الجالوت نزل به، فقال له عبد الله، يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم، قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى، قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف، قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتشرينها مني أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه، قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه مما في التوراة: إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا اشتريته، فأعتقه ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، ورد عليه ألفين.\nوقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر يعني الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب، فقال عبد الله: أما أنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة الرسول الله ﷺ ونعته ومبعثه ومخرجه ومهاجره وغير ذلك من شؤونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ﴾ جزاء على مخالفتهم كتاب الله الذي بأيديهم ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ أي استحبوها على الآخرة واختاروها ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ولا يجيرهم منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾\nينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم\n_________\n(^١) في معجم البلدان: فتحها عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي. وفي فتوح البلدان للبلاذري: سلمان بن ربيعة الباهلي.\n(^٢) بلنجر: مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب. (معجم البلدان: ١/ ٤٨٩)","vol":"1","page":212},{"text":"إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب وهو التوراة، فحرفوها وبدلوها وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة: ٤٤]: ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي عن أبي مالك: أتبعنا، وقال غيره: أردفنا والكل قريب كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ [المؤمنون: ٤٤] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات وهي المعجزات، قال ابن عباس من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل ﵇-ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء أسوأ المعاملة، ففريقا يكذبونه، وفريقا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، وبالإلزام بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان ذلك يشق عليهم فكذبوهم، وربما قتلوا بعضهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.\nوالدليل على أن روح القدس هو جبريل، كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك ابن عباس ومحمد بن كعب وإسماعيل بن خالد والسدي والربيع بن أنس وعطية العوفي وقتادة مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣] ما قال البخاري (^١) وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عروة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ، وضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ «اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك» فهذا من البخاري تعليقا. وقد رواه أبو داود في سننه عن ابن سيرين والترمذي، عن علي بن حجر وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم، عن أبي عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به. قال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد، وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر بن الخطاب مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني اللهم أيده بروح القدس» فقال: اللهم نعم، وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ، قال لحسان\n_________\n(^١) صحيح البخاري (صلاة باب ٦٨؛ وبدء الخلق باب ٦)","vol":"1","page":213},{"text":"«اهجهم-أو هاجهم-وجبريل معك» وفي شعر حسان قوله: [الوافر] وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء (^١)\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ، قالوا: أخبرنا عن الروح، فقال:\n«أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه جبرائيل وهو الذي يأتيني؟» قالوا: نعم، وفي صحيح ابن حبان، عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب». أقوال أخر- قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا بشر عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. وقال ابن جرير (^٢): حدثت عن المنجاب فذكره، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، ونقله القرطبي (^٣) عن عبيد بن عمير أيضا قال: وهو الاسم الأعظم.\nوقال ابن أبي نجيح: الروح هو حفظة على الملائكة، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس:\nالقدس هو الرب ﵎، وهو قول كعب، وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: القدس: هو الله تعالى، وروحه: جبريل، وهو قول كعب، وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: القدس: هو الله تعالى، وروحه: جبريل. فعلى هذا يكون القول الأول، وقال السدي: القدس البركة. وقال العوفي عن ابن عباس: القدس: الطهر، وقال ابن جرير حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله تعالى ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحا كما جعل القرآن روحا، كلاهما روح من الله، كما قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ثم قال ابن جرير (^٤):\nوأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع: جبرائيل، فإن الله تعالى أخبر أنه أيد عيسى به كما أخبر في قوله تعالى ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠، فذكر أنه أيده به، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قوله: «إذ أيدتك بروح القدس. وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة\n_________\n(^١) الرواية المشهورة «ليس له كفاء» مكان «ليس به خفاء». والبيت لحسان في ديوانه ص ٧٥؛ ولسان العرب (كفأ، جبر)؛ وكتاب العين ٥/ ٤١٤؛ وتهذيب اللغة ١٠/ ٣٨٩؛ وتاج العروس (كفأ، جبر)؛ وأساس البلاغة (كفأ)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٤٤٩.\n(^٣) تفسير القرطبي ٢/ ٢٤.\n(^٤) تفسير الطبري ١/ ٤٤٩.","vol":"1","page":214},{"text":"والإنجيل» تكرير قول لا معنى له، والله ﷾ أعز وأجل أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به، (قلت) ومن الدليل على أنه جبرائيل ما تقدم من أول السياق، ولله الحمد.\nوقال الزمخشري ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ بالروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود ورجل صدق ووصفها بالقدس كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة، وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث وقيل بجبريل، قيل بالإنجيل كما قال في القرآن ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره فتضمن كلامه قولا آخر، وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة، وقال الزمخشري في قوله تعالى:\n﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل وفريقا قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضا لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر وقد قال ﵇ في مرض موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري» (قلت) وهذا الحديث في صحيح البخاري (^١) وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]</span>\n﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾\nقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أي في أكنة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أي لا تفقه. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ هي القلب المطبوع عليها. وقال مجاهد ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ عليه غشاوة وقال عكرمة: عليها طابع، وقال أبو العالية: أي لا تفقه، وقال السدي يقولون عليه غلاف، وهو الغطاء، وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: فلا تعي ولا تفقه، قال مجاهد وقتادة: وقرأ ابن عباس غلف، بضم اللام، وهو جمع غلاف، أي قلوبنا أوعية كل علم فلا تحتاج إلى علمك، قاله ابن عباس وعطاء ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي طردهم الله وأبعدهم من كل خير ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ قال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا القليل ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ هو كقوله ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله غلف، قال: تقول قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما تقول شيء، وقرأ ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] وهذا الذي رجحه ابن جرير، واستشهد بما روي من حديث عمرو بن مرة الجملي عن أبي البحتري، عن حذيفة قال: «القلوب أربعة» فذكر منها «وقلب أغلف مغضوب عليه وذاك قلب الكافر».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قال: لم تختن، هذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم وأنها بعيدة من الخير. قول آخر-قال الضحاك عن ابن عباس\n_________\n(^١) صحيح البخاري (مغازي باب ٨٣)","vol":"1","page":215},{"text":"﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قال: يقولون قلوبنا غلف مملوءة لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره. وقال عطية العوفي عن ابن عباس ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أي أوعية للعلم، وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيها، حكاه ابن جرير (^١). وقالوا: قلوبنا غلف، بضم اللام، نقلها الزمخشري، أي جمع غلاف، أي أوعية، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر كما كانوا يفتون بعلم التوراة، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ أي ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] وقد اختلفوا في معنى قوله: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] فقال بعضهم:\nفقليل من يؤمن منهم، وقيل: فقليل إيمانهم بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ، وقال بعضهم: إنما كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: فقليلا ما يؤمنون وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط، تريد ما رأيت مثل هذا قط، وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض قلما تنبت، أي لا تنبت شيئا، حكاه ابن جرير (^٢) ﵀، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]</span>\n﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾، يعني اليهود، ﴿كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ يعني من التوراة، وقوله ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما قال محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم، قال: فينا والله وفيهم، يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة يعني:\n﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قالوا: كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية، ونحن أهل شرك، وهم أهل كتاب، وهم يقولون: إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به. يقول الله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٤٥٢.\n(^٢) الطبري ١/ ٤٥٤.","vol":"1","page":216},{"text":"وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكانُوا (مِنْ قَبْلُ) يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: يستنصرون، يقولون: نحن نعين محمدا عليهم، وليسوا كذلك بل يكذبون.\nوقال محمد بن إسحاق: أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن يهودا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود بن سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، ما هو الذي كنا نذكر لكم، فينزل الله في ذلك من قولهم:\n﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ الآية.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول:\nيستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب، يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد ﷺ ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه. وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدا ﷺ ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، فقال الله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ وقال قتادة ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي. ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ وقال مجاهد ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ قال: هم اليهود.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]</span>\n﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾\nقال مجاهد ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن يبينوه، وقال السدي ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: باعوا به أنفسهم، يقول: بئسما اعتاضوا لأنفسهم فرضوا به وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه وموازرته ونصرته، وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ل ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ ولا حسد أعظم من هذا.\nقال ابن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي أن الله جعله من غيرهم.\n﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ قال ابن عباس: في الغضب على الغضب عليهم فيما","vol":"1","page":217},{"text":"كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي بعث الله إليهم (قلت) ومعنى ﴿فَباؤُ﴾ استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب. وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد ﷺ وبالقرآن. وعن عكرمة وقتادة مثله. قال السدي: أما الغضب الأول، فهو حين غضب عليهم في العجل، وأما الغضب الثاني، فغضب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ، وعن ابن عباس مثله.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي صاغرين حقيرين ذليلين راغمين. وقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-116>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩١ إلى ٩٢]</span>\n﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب ﴿آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ على محمد ﷺ وصدقوه واتبعوه ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أي يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ يعني بما بعده ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ أي وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ ﴿الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ منصوبا على الحال، أي في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] ثم قال تعالى:\n﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيا وعنادا واستكبارا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] وقال السدي: في هذه الآية يعيرهم الله ﵎: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال أبو جعفر بن جرير (^٢): قل\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ١٧٩)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٤٦٤. وحكى الطبري حديث السدي الوارد قبل هذا.","vol":"1","page":218},{"text":"يا محمد ليهود بني إسرائيل إذا قلت لهم أمنوا بما أنزل الله، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا لم تقتلون -إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله-أنبياء الله يا معشر اليهود وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؟ وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم:\nنؤمن بما أنزل علينا وتعيير لهم.\n﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالآيات الواضحات والدلائل القاطعات على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، والآيات البينات هي: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد، وفلق البحر وتظليلهم بالغمام والمن والسلوى والحجر وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها (ثم اتخذتم العجل) أي معبودا من دون الله في زمان موسى وأيامه، وقوله: من بعده، أي من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾، أي وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-117>[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]</span>\n﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾\nيعدد ﷾ عليهم خطأهم، ومخالفتهم للميثاق، وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه ولهذا ﴿قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ وقد تقدم تفسير ذلك.\n﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال: أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم، وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ: قال «حبك الشيء يعمي ويصم» ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به، وقال السدي: أخذ موسى ﵇ العجل فذبحه بالمبرد (^٢)، ثم ذراه في البحر، ثم لم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء [منه]، ثم قال لهم موسى، اشربوا منه، فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول الله\n_________\n(^١) المسند (ج ٥ ص ١٩٤)\n(^٢) في الطبري ١/ ٤٦٧: «فذبحه ثم حرقه بالمبرد». قال في لسان العرب: حرق الحديد بالمبرد: برده وحك بعضه ببعض.","vol":"1","page":219},{"text":"تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عمير وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁، قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد فبرده بها، وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، وقال سعيد بن جبير ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: لما أحرق العجل، برد ثم نسف، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران. وحكى القرطبي (^١) عن كتاب القشيري: أنه ما شرب أحد «منه» ممن عبد العجل إلا جن، ثم قال القرطبي: وهذا شيء غير ما هاهنا، لأن المقصود من هذا السياق: أنه ظهر على شفاههم ووجوههم، والمذكور هاهنا: أنهم أشربوا في قلوبهم العجل، يعني في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة (^٢) في زوجته عثمة: [الوافر] تغلغل حب عثمة في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير\nتغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور\nأكاد إذ ذكرت العهد منها … أطير لو أن إنسانا يطير (^٣)\nوقوله ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفركم بآيات الله، ومخالفتكم الأنبياء ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ وهذا أكبر ذنوبكم وأشد الأمر عليكم إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين، المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدّعون لأنفسكم الإيمان، وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة: من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل من دون الله؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٤ إلى ٩٦]</span>\n﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾\nقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁: يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي ادعوا بالموت على أي الفريقين\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ٣٢.\n(^٢) لم ينسب القرطبي هذه الأبيات إلى النابغة، وإنما إلى «أحد التابعين الذي قال في زوجته عثمة».\n(^٣) الأبيات منسوبة إلى أحد التابعين في القرطبي ٢/ ٣٢؛ وإلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في لسان العرب (غلل)؛ وتاج العروس (غلل)؛ وبلا نسبة في لسان العرب (معع)","vol":"1","page":220},{"text":"أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أي بعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك [فيقال] (^١) لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. وقال الضحاك عن ابن عباس: فتمنوا الموت فسلوا الموت. وقال عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة قوله: فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. قال: قال ابن عباس: لو تمنى يهود الموت، لماتوا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام: سمعت الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه، وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.\nوقال ابن جرير (^٢) في تفسيره: وبلغنا أن النبي ﷺ، قال «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا»، حدثنا (^٣) بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ. ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد الرقي، حدثنا فرات عن عبد الكريم به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال: قول الله: ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم، قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم تمنوا الموت أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا والله ما كانوا ليموتوا ولو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وهذا غريب عن الحسن. ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية، هو المتعين وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى.\nونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ. قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٦: ٧: ٨] فهم عليهم لعائن الله تعالى، لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كانوا يهودا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم أو من المسلمين، لما نكلوا عن ذلك، علم كل أحد أنهم ظالمون، لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه، لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا، علم كذبهم\n_________\n(^١) الزيادة من سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٤٦٩.\n(^٣) هذا إسناد ابن جرير الطبري.","vol":"1","page":221},{"text":"وهذا كما دعا رسول الله وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة وعتوهم وعنادهم إلى المباهلة، فقال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] فلما رأوا ذلك، قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف، فعند ذلك جنحوا للسلم، وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح أمينا. ومثل هذا المعنى أو قريب منه قول الله تعالى لنبيه أن يقول للمشركين ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] أي من كان في الضلالة منا ومنكم فزاده الله مما هو فيه ومد له واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله تعالى.\nوأما من فسر الآية على معنى ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي في دعواكم، فتمنوا الآن الموت، ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة، كما قرره طائفة من المتكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول، فإنه قال (^١): القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ﴾ الآية، فهذه الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم وذلك أن الله تعالى أمر نبيه [أن يدعوهم] (^٢) إلى قضية عادلة فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه في عيسى ابن مريم ﵇، وجادلوه فيه إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة، فقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله لكم (^٣) لكي يعطيكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها والفوز بجوار الله في جناته إن كان الأمر كما تزعمون، من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم، فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها، أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى الذين جادلوا النبي ﷺ في عيسى إذ دعوا للمباهلة من (^٤) المباهلة.\nفهذا الكلام منه أوله حسن، وآخره فيه نظر، وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم، أنهم يتمنون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٤٦٨.\n(^٢) الزيادة من الطبري.\n(^٣) عبارة الطبري: «بل إن أعطيتم أمنيتكم …».\n(^٤) أي: كما امتنع فريق النصارى من المباهلة.","vol":"1","page":222},{"text":"الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيرا وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث «خيركم من طال عمره، وحسن عمله» ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون أيها المسلمون أنكم أصحاب الجنة وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت، فكيف تلزموننا بما لا يلزمكم؟ وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس: فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نصف إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه، فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. وسميت هذه المباهلة تمنيا، لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ، وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ أي على طول العمر لما يعلمون من مآلهم السيء، وعاقبتهم عند الله الخاسرة، لأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم. وما يحاذرون منه واقع بهم لا محالة حتى وهم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم، وهذا من باب عطف الخاص على العام.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا؟﴾ قال:\nالأعاجم، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي، وقال الحسن البصري: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة. قال: المنافق أحرص الناس، وأحرص من المشرك على حياة، يود أحدهم أي يود أحد اليهود، كما يدل عليه نظم السياق، وقال أبو العالية: يود أحدهم، أي أحد المجوس، وهو يرجع إلى الأول لو يعمر ألف سنة. قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو كقول الفارسي «ده هزار سال» يقول: عشرة آلاف سنة (^١). وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضا، وقال ابن\n_________\n(^١) في الدرّ المنثور (١/ ١٧٣) والطبري (١/ ٤٧٤): «هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم: زه هزار سال، يعني ألفا سنة».","vol":"1","page":223},{"text":"جرير (^١): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال هو قول الأعاجم هزار سال نوروز مهرجان (^٢) وقال مجاهد ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: حببت إليهم الخطيئة طول العمر، وقال مجاهد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي وما هو بمنجيه من العذاب، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما ضيع ما عنده من العلم، وقال عوفي عن ابن عباس ﴿وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ قال: هم الذين عادوا جبرائيل، قال أبو العالية وابن عمر: فما ذاك بمغيثه من العذاب، ولا منجيه منه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية: يهود أحرص على الحياة من هؤلاء، وقد ودّ هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة، وليس بمزحزحه من العذاب لو عمر كما أن عمر إبليس لم ينفعه إذ كان كافرا، ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي خبير بصير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]</span>\n﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)﴾\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري (^٣) ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك، فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته. (ذكر من قال ذلك) (^٤) حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك، عنهن لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله ﷺ: «سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٣٧٢؛ طبعة دار المعارف بتحقيق محمود محمد شاكر)\n(^٢) في الطبري: «هو قول الأعاجم: سال زه نوروز مهرجان حر» قال الأستاذ شاكر في تعليقه: سألت أحد أصحابنا ممن يعرف الفارسية فقال: إن هذا النص لا ينطبق على قواعد الفارسية، وأنه يظن أن صوابها «زه در مهرجان نوروز هزار سال». ومعنى «زه»: عش. و«در» ظرف معنى «في». ومهرجان هو عيد لهم. ونيروز: عيد آخر في أول السنة. «وهزار»: ألف. وسال: سنة. فكأن «حر» التي في آخر الكلام في نص الطبري هي «در» مصحفة. وباقي النصوص الفارسية صحيح، ومعناه: عش ألف سنة.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٤٧٦.\n(^٤) هذه عبارة الطبري.","vol":"1","page":224},{"text":"ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم عن شيء فعرفتموه لتتابعنني على الإسلام» فقالوا: ذلك لك، فقال رسول الله ﷺ: «سلوا عما شئتم» قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة (^١)، ومن وليه من الملائكة؟ فقال النبي ﷺ، «عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنني؟» فأعطوه ما شاء الله (^٢) من عهد وميثاق، فقال: «نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من مرضه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه: لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها» فقالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اشهد عليهم، وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ﷿، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ﷿» قالوا: اللهم نعم، «قال اللهم اشهد، وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه»؟ قالوا: اللهم نعم، قال: «اللهم اشهد»، قالوا: أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك (^٣) أو نفارقك، قال: «فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه» قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك، قال: «فما يمنعكم أن تصدقوه»؟ قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ -إلى قوله- ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فعندها باؤوا بغضب على غضب.\nوقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي النضر هاشم بن القاسم وعبد الرحمن بن حميد في تفسيره عن أحمد بن يونس كلاهما عن عبد الحميد بن بهرام به. ورواه أحمد أيضا عن الحسين بن محمد المروزي عن عبد الحميد بنحوه وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلا وزاد فيه، قالوا فأخبرنا عن الروح، قال: «فأنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني» قالوا: اللهم نعم، ولكنه عدو لنا، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ -إلى قوله- ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال\n_________\n(^١) في الطبري: «في النوم» مكان «في التوراة».\n(^٢) لفظ «الله» غير موجود في الطبري.\n(^٣) في الطبري «نتابعك».","vol":"1","page":225},{"text":"الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: والله على ما نقول وكيل، قال «هاتوا» قالوا: فأخبرنا عن علامة النبي؟ قال:\n«تنام عيناه ولا ينام قلبه» قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة؟ وكيف يذكر الرجل؟ قال: «يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت» قالوا:\nأخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: «وكان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا» قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل فحرم لحومها، قالوا: صدقت، قالوا:\nأخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: «ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيديه أو في يديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى» قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «صوته» قالوا: صدقت، قالوا: إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، أنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: «جبريل ﵇» قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ إلى آخر الآية. ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد به، وقال الترمذي:\nحسن غريب وقال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد عن ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة أن يهودا سألوا النبي ﷺ عن صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي، قال: «جبريل» قالوا: فإنه عدو لنا ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال، فنزلت: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.\nقال ابن جرير (^٢): قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد ما نزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال فإنه لنا عدو، فنزل: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. قال البخاري (^٣): قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال عكرمة: جبرا وميكا وإسراف: عبد. إيل: الله، حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد الله بن بكر، حدثنا حميد عن أنس بن مالك، قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف (^٤) فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الوالد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: «أخبرني بهذه (^٥) جبرائيل آنفا» قال: جبريل؟ قال: «نعم» قال: ذاك عدو اليهود من\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٢٧٤)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٤٧٨.\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة البقرة باب ٣)\n(^٤) اخترف في أرضه أو بستانه: أقام وقت اجتناء التمر في الخريف.\n(^٥) في البخاري «بهنّ».","vol":"1","page":226},{"text":"الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ «وأما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت» قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت (^١)، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال لهم رسول الله ﷺ: «أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، قال: «أرأيتم إن أسلم» قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. قالوا: هو شرنا وابن شرنا وانتقضوه، فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله-انفرد به البخاري من هذا الوجه. وقد أخرجه من وجه آخر عن أنس بنحوه، وفي صحيح مسلم عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قريب من هذا السياق كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.\nوحكاية البخاري كما تقدم عن عكرمة هو المشهور أن إيل هو الله، وقد رواه سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، ورواه عبد بن حميد عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، ورواه ابن جرير عن الحسين بن يزيد الطحان عن إسحاق بن منصور عن قيس بن عاصم عن عكرمة أنه قال: إن جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل اسمه عبد الله، إيل: الله، ورواه يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس مثله سواء، وكذا قال غير واحد من السلف كما سيأتي قريبا، ومن الناس من يقول: إيل عبارة عن عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله، لأن كلمة إيل لا تتغير في الجميع فوزانه عبد الله عبد الرحمن عبد الملك عبد القدوس عبد السلام عبد الكافي عبد الجليل، فعبد موجودة في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم.\nثم قال ابن جرير (^٢)، وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر بن الخطاب في أمر النبي ﷺ.\n(ذكر من قال ذلك) حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها، فقال: ما بال هؤلاء؟ قالوا يزعمون أن رسول الله ﷺ صلّى هاهنا، قال: فكره ذلك، وقال إنما رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد فصلّى، ثم ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم، فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدارسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن ومن القرآن كيف يصدق التوراة، فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك قلت ولم ذلك؟\n_________\n(^١) أي موصوفون بالبهتان، وهو الكذب.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٤٧٨.","vol":"1","page":227},{"text":"قالوا: لأنك تغشانا وتأتينا، فقلت: إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة ومن التوراة كيف تصدق القرآن، قال: ومر رسول الله ﷺ، فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به، قال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه، هل تعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، فقال عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم عليكم فأجيبوه، قالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت، قال: أما إذا نشدتنا بما نشدتنا، فإنا نعلم أنه رسول الله، قلت: ويحكم إذا هلكتم، قالوا: إنا لم نهلك، قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ولا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة، وأنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة، قلت: ومن عدوكم، ومن سلمكم؟ قالوا:\nعدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل، قالوا: إن جبرائيل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا، قال: قلت:\nوما منزلتهما من ربهما ﷿؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، قال: فقلت:\nفوالذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلّم لمن سالمهما، وما ينبغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبرائيل، قال: ثم قمت فأتبعت النبي ﷺ، فلحقته وهو خارج من خوخة (^١) لبني فلان، فقال: «يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن قبل» فقرأ عليّ ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ حتى قرأ الآيات، قال: قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لقد جئت أنا أريد أن أخبرك وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن مجالد، أنبأنا عامر، قال:\nانطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون محمدا في كتبكم؟ قالوا: نعم، قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قال: إن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له من الملائكة كفلا وإن جبرائيل كفل محمدا وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا، قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، قال عمر: وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل، وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل، فبينما هو عندهم إذ مر النبي ﷺ، فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب، فقام إليه عمر فأتاه، وقد أنزل الله ﷿: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر فإنه لم يدرك زمانه، والله أعلم.\n_________\n(^١) في الطبري: مخرفة لبني فلان». والمخرفة: البستان. والخوخة: باب صغير وسط باب كبير نصب حاجزا بين دارين، ومخترق ما بين كل دارين.","vol":"1","page":228},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما انصرف ورحبوا به، فقال لهم عمر: وأما والله ما جئتكم لحبكم ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبرائيل، فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء يطلع محمدا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسنة، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل تعرفون جبرائيل، وتنكرون محمدا ﷺ؟ ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ (نَزَّلَهُ) عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ الآيات.\nثم قال (^١): حدثني المثنى، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، حدثنا قتادة، قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يوما فذكر نحوه. وهذا في تفسير آدم وهو أيضا منقطع. وكذلك رواه أسباط عن السدي عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن يعني الدشتكي، حدثنا أبو جعفر عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهوديا لقي عمر بن الخطاب، فقال: إن جبرائيل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا، فقال عمر ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ قال: فنزلت على لسان عمر ﵁. ورواه عبد بن حميد عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر هو الرازي. وقال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثني هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو الذي ينزل عليكم لتبعناكم، فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبرائيل ينزل بالعذاب والنقمة، فإنه عدو لنا، قال:\nفنزلت هذه الآية. حدثنا يعقوب، أخبرنا هشيم، أخبرنا عبد الملك عن عطاء بنحوه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود:\nإن جبرائيل عدو لنا. لأنه ينزل بالشدة والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبرائيل عدو لنا. فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.\nوأما تفسير الآية فقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾، أي من عادى جبرائيل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾\n_________\n(^١) أي الطبري. وهذا الحديث والذي قبله في تفسير الطبري ١/ ٤٧٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٤٨.","vol":"1","page":229},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، فحكم عليهم بالكفر المحقق إذا آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبرائيل فإنه عدو لله، لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣ - ١٩٤]، وقد روى البخاري (^١) في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب» ولهذا غضب الله لجبرائيل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المتقدمة: ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ [فصلت:٤٤]: وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].\nثم قال تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي، ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر لأن السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ، لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله تعالى أن من عادى واحدا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضا، ولأنه أيضا ينزل على أنبياء الله بعض الأحيان، كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر، ولكن جبرائيل أكثر وهي وظيفته وميكائيل موكل بالنبات والقطر، هذا بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالنفخ في الصور للبعث يوم القيامة، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» وقد تقدم ما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير عن عكرمة وغيره أنه قال، جبر، وميك، وإسراف: عبيد، وإيل: الله، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن أبي رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: إنما كان قوله جبرائيل كقوله عبد الله وعبد الرحمن وقيل جبر: عبد، وإيل: الله. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري، عن علي بن الحسين، قال: أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا، قال: اسمه عبد الله، وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله عز\n_________\n(^١) صحيح البخاري (رقاق باب ٣٨)","vol":"1","page":230},{"text":"وجل. قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد والضحاك ويحيى بن يعمر، نحو ذلك. ثم قال: حدثني أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبرائيل في الملائكة خادم الله، قال: فحدثت به أبا سليمان الداراني فانتفض، وقال: لهذا الحديث أحب إلى من كل شيء في دفتر كان بين يديه. وفي جبرائيل وميكائيل لغات وقراءات (^١) تذكر في كتب اللغة والقراءات، ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة وهو المستعان.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المظهر مكان المضمر حيث لم يقل: فإنه عدو، بل قال: ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ كما قال الشاعر: [الخفيف] لا أرى الموت يسبق الموت شيء … نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا (^٢)\nوقال الآخر: [الكامل] ليت الغراب غداة ينعب دائبا … كان الغراب مقطع الأوداج (^٣)\nوإنما أظهر لله هذا الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى وليا لله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث «من عادى لي وليا فقد آذنته بالمحاربة» وفي الحديث الأخر «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب» وفي الحديث الصحيح «من كنت خصمه خصمته».\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي ٢/ ٣٧ - ٣٨؛ وتفسير الرازي ٣/ ١٧٧ - ١٨١.\n(^٢) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ص ٦٥؛ والأشباه وللنظائر ٨/ ٣٠؛ وخزانة الأدب ١/ ٣٧٨؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٣٦؛ ولسوادة بن عدي في شرح أبيات سيبويه ١/ ١٢٧؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ١٧٦؛ والكتاب ١/ ٦٢.\n(^٣) البيت بلا نسبة أيضا في الطبري ١/ ٤٨٥. وهو لجرير في ديوانه ص ٨٩؛ وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٤٣.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٩ إلى ١٠٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الآية، أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالات على نبوتك، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة فأطلع الله في كتابه الذي أنزل على نبيه محمد ﷺ، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه ولم يدعها إلى هلاكها الحسد والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصف من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيئا منه عن آدمي، كما قال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، يقول الله تعالى: في ذلك عبرة وبيان [لهم] (^٢)، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.\nوقال محمد بن إسحاق (^٣): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال ابن صوريا الفطيوني لرسول الله ﷺ: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك، فأنزل الله في ذلك من قوله ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ﴾.\nوقال مالك بن الصيف (^٤) حين بعث رسول الله ﷺ-وذكر لهم ما أخذ عليهم له من الميثاق وما عهد إليهم في محمد ﷺ: والله ما عهد إلينا في محمد عهد، وما أخذ علينا ميثاقا (^٥)، فأنزل الله تعالى ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.\nوقال الحسن البصري: في قوله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: نعم، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدا. وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ. وقال قتادة: نبذه فريق منهم، أي نقضه فريق منهم. وقال ابن جرير: أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذا، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء، قال أبو الأسود الدؤلي: [الطويل]\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٤٨٥.\n(^٢) زيادة من الطبري.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٨؛ وتفسير الطبري ١/ ٤٨٥.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٧.\n(^٥) في السيرة: «وما أخذ له علينا من ميثاق».","vol":"1","page":232},{"text":"نظرت إلى عنوانه فنبذته … كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا (^١)\nقلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال هاهنا ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ الآية، أي طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم، أي تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه، ولهذا أرادوا كيدا برسول الله ﷺ وسحروه في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر تحت راعوفة ببئر أروان (^٢)، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم لعنه الله وقبحه، فأطلع الله على ذلك رسوله ﷺ وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂، كما سيأتي بيانه.\nقال السدي ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة، فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن فذلك قوله ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾. وقال قتادة في قوله ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال: إن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم نبذوا علمهم وكتموه وجحدوا به.\nوقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ الآية، وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئات من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما أرجع الله إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين كما كان، وأن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵇ حدثان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان فأخفاه عنا، فأخذوا به فجعلوه دينا، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ الآية واتبعوا الشهوات التي كانت تتلوا الشياطين، وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل به. قال: فأكفره جهال\n_________\n(^١) البيت لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص ١٠٦؛ وتاج العروس (عنن)؛ والطبري ١/ ٤٨٨.\n(^٢) أروان: اسم بئر بالمدينة. وقد جاء فيه «ذروان» و«ذو أروان». والمشاقة: الشعر الذي يسقط في الرأس واللحية عند التسريح بالمشط. وجفّ الطلع: الغشاء الذي يكون فوقه. والراعوثة: صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت، تكون ناتئة؛ فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقّي عليها.","vol":"1","page":233},{"text":"الناس وسبوه، ووقف علماء الناس، فلم يزل جهال الناس يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني أبو السائب سلّم بن جنادة السوائي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئا من نسائه، أعطى الجرادة وهي امرأة خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال: هاتي خاتمي، فأخذه ولبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس.\nقال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فقالت: كذبت لست سليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين، فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها على الناس وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال فبرئ الناس من سليمان وأكفروه حتى بعث الله محمدا ﷺ فأنزل عليه ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾.\nثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران وهو ابن الحارث، قال: بينا نحن عند ابن عباس ﵄، إذ جاء رجل فقال له [ابن عباس] (^٢): من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: من أيه؟ قال: من الكوفة، قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم؛ ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جرّب منه وصدق، كذب معها سبعين كذبة، قال: فتشربها قلوب الناس قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇، فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان ﵇، قام شيطان الطريق (^٣)، فقال: هل أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا: هذا سحر، فتناسخها الأمم حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق، فأنزل الله ﷿ ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وروى الحاكم في مستدركه عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير به.\nوقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أي على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٤٩٤.\n(^٢) زيادة في الطبري.\n(^٣) في الطبري: قام شيطان بالطريق.","vol":"1","page":234},{"text":"الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشى ذلك في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال:\nلا أسمع أحدا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه، فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف، تمثل الشيطان في صورة إنسان ثم أتى نفرا من بني إسرائيل فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه (^١) أبدا؟ قالوا:\nنعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فذهب معهم وأراهم المكان وقام ناحيته، فقالوا له: فادن، فقال: لا ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها فذلك حين يقول الله تعالى ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقال الربيع بن أنس (^٢): إن اليهود سألوا محمدا ﷺ زمانا عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ﷾ ما سألوه عنه، فيخصمهم به فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله ﷿ ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي مجلس سليمان وكان ﵇ لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا الناس وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه، فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث فرجعوا من عنده وقد أدحض الله حجتهم.\nوقال مجاهد (^٣) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع الوحي فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان ﵇ إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته الشياطين وعلمته الناس وهو السحر.\nوقال سعيد بن جبير (^٤): كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه فدنت إلى الإنس فقالوا لهم\n_________\n(^١) أي لا ينفد أبدا.\n(^٢) هذا الأثر والذي قبله وردا في الطبري ١/ ٤٩٠.\n(^٣) الطبري ١/ ٤٩٢.\n(^٤) الطبري ١/ ٤٩٤.","vol":"1","page":235},{"text":"أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم، قالوا:\nفإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه فاستشار به الإنس واستخرجوه وعملوا بها، فقال أهل الحجاز: كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر فأنزل الله تعالى على نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇ فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵇، فكتبوا أصناف السحر، من كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل كذا وكذا حتى إذا صنفوا أصناف السحر، جعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم على نقش خاتم سليمان وكتبوا في عنوانه:\nهذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان ملك سليمان إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس فتعلموه وعلموه، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله سليمان بن داود وعده فيمن عد من المرسلين، قال من كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبيا والله ما كان إلا ساحرا. وأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا القاسم: حدثنا حسين حدثنا الحجاج عن أبي بكر عن شهر بن حوشب، قال: لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان، فكتبت من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا، فكتبته وجعلت عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵉ من ذخائر كنوز العلم ثم دفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان ﵇، قام إبليس لعنه الله خطيبا فقال: يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبيا إنما كان ساحرا فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته، ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه، فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرا هذا سحره بهذا تعبدنا وبهذا قهرنا، فقال المؤمنون: بل كان نبيا مؤمنا، فلما بعث الله النبي محمدا ﷺ وذكر داود وسليمان فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحرا يركب الريح، فأنزل الله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدا فإذا\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(^٢) الطبري ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦.","vol":"1","page":236},{"text":"أصيب رجل فسأل بذلك العهد خلي عنه، فزاد الناس السجع والسحر، فقالوا: هذا يعمل به سليمان بن داود ﵉، فقال الله تعالى: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد حدثنا آدم حدثنا المسعودي عن زياد مولى ابن مصعب عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ قال: ثلث الشعر وثلث السحر وثلث الكهانة، وقال: حدثنا الحسن بن أحمد حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ وتبعته اليهود على ملكه وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان. فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفهم، والله الهادي.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أي واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم، ومخالفتهم لرسول الله محمد ﷺ ما تتلوه الشياطين، أي ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين على ملك سليمان، وعداه بعلى لأنه ضمن تتلو: تكذب، وقال ابن جرير «على» هاهنا بمعنى في، أي تتلوا في ملك سليمان، ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق.\n(قلت) والتضمين أحسن وأولى، والله أعلم. وقول الحسن البصري ﵀: وكان السحر قبل زمان سليمان بن داود-صحيح لا شك فيه، لأن السحرة كانوا في زمان موسى ﵇ وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ [البقرة: ٢٤٦]، ثم ذكر القصة بعدها وفيها ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وقال قوم صالح وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇ لنبيهم صالح إنما ﴿أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي المسحورين على المشهور.\nوقوله تعالى ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن «ما» نافية أعني التي في قوله: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال القرطبي (^١): ما نافية ومعطوف على قوله ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ ثم قال ﴿وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله وجعل قوله ﴿هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ بدلا من الشياطين، قال: وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] أو لكونهما\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ٥٠.","vol":"1","page":237},{"text":"لهما أتباع أو ذكرا من بينهم لتمردهما تقدير الكلام عنده يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه.\nوروى ابن جرير (^١) بإسناده من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ﴾ الآية، يقول لم ينزل الله السحر وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر. قال ابن جرير فتأويل الآية على هذا ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ من السحر وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون قوله ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه المقدم قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل وجه تقديمه أن يقال ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ من السحر وما كفر سليمان وما أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنيا بالملكين جبريل وميكائيل ﵉، لأن سحرة اليهود فيما ذكرت كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود فأكذبهم الله بذلك، أخبر نبيه محمدا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر وبرأ سليمان ﵇ مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس وردا عليهم. هذا لفظه بحروفه.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثت عن عبيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عطية ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر، قال ابن أبي حاتم:\nوأخبرنا الفضل بن شاذان، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا يعلى يعني ابن أسد، أخبرنا بكر يعني ابن مصعب، أخبرنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها «وما أنزل على الملكين داود وسليمان» وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما بالإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي، رواه ابن أبي حاتم. ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن ما بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك، لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا الذي سلكه غريب جدا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن، كما زعمه ابن حزم.\nوروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرؤها\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٤٩٧.","vol":"1","page":238},{"text":"﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ويقول: هما علجان من أهل بابل، ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق لا بمعنى الإيحاء كما في قوله تعالى ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] وفي الحديث «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء» وكما يقال «أنزل الله الخير والشر».\nوحكى القرطبي (^١) عن ابن عباس وابن أبزى والحسن البصري أنهم قرءوا ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ بكسر اللام، قال ابن أبزى: وهما داود وسليمان، قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضا. وذهب آخرون إلى الوقف على قوله ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ وما نافية. قال ابن جرير (^٢): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وسأله رجل عن قول الله ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ فقال: الرجلان يعلمان الناس ما أنزل عليهما ويعلمان الناس ما لم ينزل عليهما، فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت. ثم روى عن يونس عن أنس بن عياض عن بعض أصحابه أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان (^٣)، إني آمنت به. وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده ﵀ كما سنورده إن شاء الله، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصا لهما فلا تعارض حينئذ كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قوله إنه كان من الملائكة لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ [البقرة: ٣٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى. وقد حكاه القرطبي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-121>ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه</span>\nقال الإمام أحمد بن حنبل (^٤) رحمه الله تعالى في مسنده: أخبرنا يحيى بن بكير، حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: «إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ٥٢.\n(^٢) الطبري ١/ ٤٩٩.\n(^٣) بعد ما سألوه: أأنزل أم لم ينزل، كما ورد في الطبري.\n(^٤) مسند أحمد (ج ٢ ص ١٣٤)","vol":"1","page":239},{"text":"﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة:\nهلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان، قالوا: ربنا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئا أبدا، فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: لا والله لا نقتله أبدا فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا».\nوهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن بكير-به، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، روى عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف ونافع وعبد الله بن كعب بن مالك وروى عنه ابنه عبد السلام وبكر بن مضر وزهير بن محمد وسعيد بن سلمة وعبد الله بن لهيعة وعمرو بن الحارث ويحيى بن أيوب، وروى له أبو داود وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئا من هذا فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ، وروى له متابع من وجه آخر عن نافع، كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا هشام بن علي بن هشام حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا سعيد بن سلمة حدثنا موسى بن سرجس عن نافع عن ابن عمر: سمع النبي ﷺ يقول: فذكره بطوله.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١) ﵀: حدثنا القاسم، أخبرنا الحسين وهو سنيد بن داود صاحب التفسير، أخبرنا الفرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع انظر طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرتين أو ثلاثا، ثم قلت: قد طلعت، قال: لا مرحبا بها ولا أهلا، قلت: سبحان الله نجم مسخر سامع مطيع، قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ وقال: قال لي رسول الله ﷺ «إن الملائكة قالت يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم، قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك، قال: فاختاروا ملكين منكم، قال: فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت» وهذان أيضا غريبان جدا. وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٥٠٤.","vol":"1","page":240},{"text":"عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار لا عن النبي ﷺ كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر، قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه رواه ابن جرير من طريقين عن عبد الرزاق به، ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن عصام عن مؤمل عن سفيان الثوري به، ورواه ابن جرير أيضا حدثني المثنى أخبرنا المعلى وهو ابن أسد أخبرنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار فذكره، فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-122>(ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين)</span>\nقال ابن جرير (^١): حدثني المثنى حدثنا الحجاج أخبرنا حماد عن خالد الحذاء عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليا ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت فراوداها عن نفسها فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحد يعرج به إلى السماء فعلماها فتكلمت به، فعرجت إلى السماء فمسخت كوكبا. وهذا الإسناد رجاله ثقات وهو غريب جدا.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان أخبرنا محمد بن عيسى أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا معاوية عن خالد عن عمير بن سعيد عن علي ﵁ قال: هما ملكان من ملائكة السماء، يعني ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده عن مغيث عن مولاه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي مرفوعا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه. ثم رواه من طريقين آخرين عن جابر عن أبي الطفيل عن علي ﵁، قال:\nقال رسول الله ﷺ «لعن الله الزهرة فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت» وهذا أيضا لا يصح وهو منكر جدا، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني المثنى بن إبراهيم أخبرنا الحجاج بن منهال حدثنا حماد عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا جميعا: لما كثر بنو آدم\n_________\n(^١) الطبري ١/ ٥٠٢.\n(^٢) الطبري ١/ ٥٠١.","vol":"1","page":241},{"text":"وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال ربنا لا تمهلهم، فأوحى الله إلى الملائكة إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ولو نزلتم لفعلتم أيضا. قال: فحدثوا أنفسهم ان لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم، فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت، قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما، فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقى أخبرنا عبيد الله يعني ابن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب عن مجاهد، قال: كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر هل طلعت الحمراء لا مرحبا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: يا رب، كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام وينتهكون محارمك ويفسدون في الأرض؟ قال إني ابتليتهم فلعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون، قالوا: لا، قال: فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض وعاهد إليكما أن لا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا، فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشهوة، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما فراوداها عن نفسها، فقالت: إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله، قالا: وما دينك؟ قالت المجوسية، قالا: الشرك هذا شيء لا نقر به، فمكثت عنهما ما شاء الله تعالى، ثم تعرضت لهما فراوداها عن نفسها، فقالت:\nما شئتما غير أن لي زوجا وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت، فأقرا لهما بدينها وأتياها فيما يريان ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين فإذا كان يوم الجمعة أجيب فقالا: لو أتينا فلانا فسألناه فطلب لنا التوبة، فأتياه فقال: رحمكما الله كيف يطلب التوبة أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا:\nإنا قد ابتلينا، قال ائتياني يوم الجمعة فأتياه، فقال: ما أجبت فيكما بشيء ائتياني في الجمعة الثانية فأتياه، فقال: اختارا فقد خيرتما إن اخترتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله، فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منه إلا القليل.\nوقال الآخر: ويحك إني قد أطعتك في الأمر الأول فأطعني الآن إن عذابا يفنى ليس كعذاب يبقى. فقال: إننا يوم القيامة على حكم الله فأخاف أن يعذبنا، قال: لا. إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة أن لا يجمعها علينا، قال: فاختارا عذاب الدنيا فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار عليهما سافلهما-وهذا إسناد جيد إلى","vol":"1","page":242},{"text":"عبد الله بن عمر-وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح عن نافع عنه رفعه، وهذا أثبت وأصح إسنادا ثم هو-والله أعلم-من رواية ابن عمر عن كعب كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه. وقوله: إن الزهرة نزلت في صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي فيه غرابة جدا.\nوأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا عصام بن رواد، أخبرنا آدم، أخبرنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس ﵄، قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يا رب هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا والسرقة، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم فقيل: إنهم في غيب فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا من أفضلكم ملكين آمرهما، وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وجعل لهما شهوات بني آدم وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئا ونهيا عن قتل النفس الحرام وأكل المال الحرام وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر، فلبثا في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمن إدريس ﵇، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها على نفسها فأبت إلا أن يكون على أمرها وعلى دينها، فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنما فقالت: هذا أعبده، فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فغبرا (^١) ما شاء الله، ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها ففعلت مثل ذلك، فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما:\nاختارا إحدى الخلال الثلاث: إما ان تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذه الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي وأهون هذا شرب الخمر فشربا الخمر فأخذت فيهما، فواقعا المرأة فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه فعجبوا كل العجب وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض فنزل في ذلك ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل فهما يعذبان. وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولا عن أبي زكريا العنبري عن محمد بن عبد السلام عن إسحاق بن راهوية عن حكام بن سلم الرازي وكان ثقة عن أبي جعفر الرازي به، ثم قال: صحيح الإسناد لم يخرجاه، فهذا أقرب ما روي في شأن\n_________\n(^١) غير غبورا: مضى.","vol":"1","page":243},{"text":"الزهرة، والله أعلم (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا مسلم أخبرنا القاسم بن الفضل الحذائي أخبرنا يزيد يعني الفارسي عن ابن عباس: أن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي، فقالوا: يا رب أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي، فقال الله: أنتم معي وهم في غيب عني، فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا أن لا يشربوا خمرا ولا يقتلوا نفسا ولا يزنوا ولا يسجدوا لوثن، فاستقال منهم واحد فأقيل، فأهبط اثنان إلى الأرض فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية فهوياها جميعا، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها فأراداها فقالت لهما: لا حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني، فقالا: لا نسجد ثم شربا من الخمر ثم قتلا ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما، وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما، فأخبراها فطارت، فمسخت جمرة وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فهما مناطان بين السماء والأرض، وهذا السياق فيه زيادة كثيرة وإغراب ونكارة، والله أعلم بالصواب.\nوقال عبد الرزاق: قال معمر قال قتادة والزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ كانا ملكين من الملائكة فأهبطا ليحكما بين الناس، وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم فحاكمت إليهما امرأة فخافا لها ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا. قال معمر: قال قتادة فكانا يعلمان الناس السحر فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.\nوقال أسباط عن السدي أنه قال (^٢): كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرا من الشهوات فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر فاحكما بين الناس، فنزلا ببابل ديناوند، فكانا يحكمان حتى إذا أمسيا عرجا فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها فأعجبهما حسنها واسمها بالعربية الزهرة، وبالنبطية بيدخت (^٣)، وبالفارسية ناهيد، فقال أحدهما لصاحبه: إنها\n_________\n(^١) وقال ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٣٣: فهذا أظنّه من وضع الإسرائيليين وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبيل الحكاية والتحدث عن بني إسرائيل … وإذا أحسنا الظن قلنا هذا من أخبار بني إسرائيل ومن خرافاتهم التي لا يعوّل عليها.\n(^٢) الأثر في تفسير الطبري ١/ ٥٠٢.\n(^٣) في الطبري «بيذخت» و«أناهيذ» كلاهما بالذال المعجمة.","vol":"1","page":244},{"text":"لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك، فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها. قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها، فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي فقضيا لها على زوجها ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها، فأخبراها فتكلمت فصعدت، فأنساها الله تعالى ما تنزل به فثبتت مكانها وجعلها الله كوكبا، فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل، أرادا أن يصعدا فلم يطيقا فعرفا الهلكة، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامها وهو السحر.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد (^١): أما شأن هاروت وماروت فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض فاختاروا فلم يألوا هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما:\nأعجبتما من بني آدم من ظلمهم ومعصيتهم وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء وإنكما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا ودعا كذا وكذا، فأمرهما بأمور ونهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما فحكما فعدلا، فكانا يحكمان في النهار بين بني آدم فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم فقضيا عليها، فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم، فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك، فلما رجعت قالا وقضيا لها (^٢) فأتتهما فكشفا لها عن عورتيهما، وإنما كانت سوأتهما (^٣) في أنفسهما ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذاتها، فلما بلغا ذلك واستحلا افتتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بني آدم فأتياه فقالا: ادع لنا ربك، فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا:\nسمعنا ربك يذكرك بخير في السماء، فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما فدعا لهما فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل فتم عذابهما، وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصفقان بأجنحتهما.\nوقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن\n_________\n(^١) رواه الطبري ١/ ٥٠٤.\n(^٢) عبارة الطبري: فلما رجعت قالا لها-وقضيا لها-: ائتينا! فأتتهما.\n(^٣) في الطبري: «شهوتهما».","vol":"1","page":245},{"text":"البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.\nوقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه، قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) رحمه الله تعالى: أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا ابن وهب أخبرنا ابن أبي الزناد حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل (^٢) جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة (^٣) ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، وقالت عائشة ﵂ لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، فكانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني فدخلت عليّ عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن لشيء (^٤) حتى وقفنا ببابل وإذا برجلين معلقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ قلت: أتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري فارجعي، فأبيت وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت ولم أفعل فرجعت إليهما فقالا: أفعلت؟ فقلت:\nنعم، فقالا: هل رأيت شيئا؟ فقلت: لم أر شيئا، فقالا لم تفعلي ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فأربيت (^٥) وأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما وقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: لم أر شيئا، فقالا: كذبت لم تفعلي ارجعي إلى بلادك، ولا تكفري فإنك على رأس أمرك فأربت وأبيت، فقالا: اذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلت فيه فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسا مقنعا خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فقالا: صدقت ذلك إيمانك خرج منك اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئا وما قالا لي شيئا، فقالت: لن لم تريدي شيئا إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت وقلت: اطلعي فأطلعت، وقلت: احقلي فأحقلت، ثم قلت: افركي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٠٦.\n(^٢) قال ابن خرداذبة في المسالك والممالك (ص ١١٣): هي من المدينة على ثلاث عشرة مرحلة، ومن الكوفة على عشر مراحل، ومن دمشق على عشر مراحل.\n(^٣) أي عقيبه.\n(^٤) في الطبري «كشيء».\n(^٥) أربّ بالمكان: لزمه ولم يبرحه.","vol":"1","page":246},{"text":"فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: اطحني فأطحنت، ثم قلت: اخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان سقط في يدي، وندمت، والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئا ولا أفعله أبدا. ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان به مطولا كما تقدم وزاد بعد قولها ولا أفعلها أبدا: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافرون، فما دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما. قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان.\nقال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: أنهم كانوا من أهل الورع والخشية من الله ثم يقول هشام:\nلو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى (^١) أهل حمق وتكلف بغير علم، فهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂.\nوقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى ان الساحر له تمكن في قلب الأعيان لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال. وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل كما قال تعالى ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى:\n﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] استدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق لا بابل ديناوند كما قاله السدي وغيره. ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين أخبرنا أحمد بن صالح حدثني ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري: أن علي بن أبي طالب ﵁ مر ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي بأرض المقبرة ونهاني ان أصلي ببابل فإنها ملعونة وقال أبو داود: أخبرنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن عليا مرّ ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة. حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن حجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعنى حديث سليمان بن داود، قال: فلما خرج منها برز، وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود لأنه رواه وسكت عنه ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم إلا أن يكونوا باكين. قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل وهي من إقليم العراق عن البحر المحيط الغربي، ويقال له أوقيانوس سبعون درجة ويسمون هذا طولا، وأما عرضها وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء اثنان وثلاثون درجة، والله أعلم.\n_________\n(^١) النوكى: الحمقى. واحده: أنوك.","vol":"1","page":247},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر، قال: فإذا أبى عليهما أمراه يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلمه خرج منه النور، فنظر إليه ساطعا في السماء فيقول: يا حسرتاه، يا ويله ماذا صنع.\nوعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم انزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر، رواه ابن أبي حاتم. وقال قتادة: كان أخذ عليهما ان لا يعلما أحدا حتى يقولا: إنما نحن فتنة أي بلاء ابتلينا به فلا تكفر. وقال السدي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه وقالا له: لا تكفر إنما نحن فتنة، فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه، فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه، وكل شيء، وذلك غضب الله، فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ الآية، وقال سعيد عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترئ على السحر إلا كافر، وأما الفتنة فهي المحنة والاختيار، ومنه قول الشاعر: [المتقارب] وقد فتن الناس في دينهم … وخلى ابن عفان شرا طويلا (^١)\nوكذلك قوله تعالى إخبارا عن موسى ﵇ حيث قال ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف:١٥٥] أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، واستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار، حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم عن همام عن عبد الله قال: «من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» وهذا إسناد صحيح وله شواهد أخر. وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر وما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين، مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في\n_________\n(^١) البيت للحتات بن يزيد المجاشعي عمّ الفرزدق في تاريخ الطبري ١/ ١٥١ (وفيه: لقد سفه الناس في دينهم …)؛ وهو منسوب لعلي بن الغدير بن المضرّس الغنوي أو لإهاب بن همام بن صعصعة أو لابن الغريرة النهشلي في أنساب الأشراف ٥/ ١٠٤؛ ولابن الغريرة النهشلي في معجم الشعراء ص ٣٤٩؛ والكامل للمبرد ٢/ ٣٤؛ وتاج العروس (وبل)","vol":"1","page":248},{"text":"صحيحه (^١) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، ويجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئا! ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: نعم أنت» وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر أو خلق أو نحو ذلك أو عقد أو بغضة أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة، والمرء عبارة عن الرجل وتأنيثه امرأة ويثنى كل منهما ولا يجمعان والله اعلم.\nوقوله تعالى ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله، وقال محمد بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد، وقال الحسن البصري ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط ولا يستطيعون من أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى. وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي يضرهم في دينهم وليس له نفع يوازي ضرره ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ أي ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ لمن فعل فعلهم، ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق، قال ابن عباس ومجاهد والسدي: من نصيب، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله، وقال عبد الرزاق، وقال الحسن: ليس له دين، وقال سعد عن قتادة ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ قال: ولقد علم أهل الكتاب فيم عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.\nوقوله تعالى ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن الإيمان ومتابعة الرسول لو كان لهم علم بما وعظوا به ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾ أي ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به كما قال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠].\nوقد استدل بقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف، وقيل: بل لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه، لما رواه\n_________\n(^١) صحيح مسلم (منافقين حديث رقم ٦٦، ٦٧)","vol":"1","page":249},{"text":"الشافعي وأحمد بن حنبل (^١)، قالا: أخبرنا سفيان، هو ابن عيينة عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال:\nفقتلنا ثلاث سواحر. وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضا، وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها، فقتلت، قال الإمام أحمد بن حنبل: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ في قتل الساحر. وروى الترمذي (^٢) من حديث إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حد الساحر ضربه بالسيف» ثم قال: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح عن الحسن عن جندب موقوفا. قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن عن جندب مرفوعا. والله أعلم. وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة، كان عنده ساحر يلعب بين يديه فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى، ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقا فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى:\n﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه، والله أعلم. وقال الإمام أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي أخبرنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندي مشتملا على سيفه فقتله، قال: أراه كان ساحرا، وحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركا والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-123>[فصل]</span>\nحكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره (^٣) عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده، قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حمارا، والحمار إنسانا إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم، فلا، خلافا للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى بقوله تعالى:\n﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ومن الأخبار بأن رسول الله ﷺ سحر، وأن السحر عمل فيه وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂ وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثير، ثم قال بعد هذا:\nالمسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور-اتفق المحققون على ذلك لأن\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ١٩٠، ١٩١)\n(^٢) سنن الترمذي (حدود باب ٢٧)\n(^٣) التفسير الكبير ٣/ ١٩٤.","vol":"1","page":250},{"text":"العلم لذاته شريف، وأيضا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة والعلم بكون المعجز معجزا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا، وما يكون واجبا كيف يكون حراما وقبيحا؟ هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة. وهذا الكلام فيه نظر من وجوه أحدها قوله: العلم بالسحر ليس بقبيح عقلا، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي الصحيح «من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد»، وفي السنن «من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر» وقوله: ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك، كيف لا يكون محظورا مع ما ذكرناه من الآية والحديث واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص إلى هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله في علم السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيه نظر، لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، ولم قلت إن هذا منه؟ ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ضعيف بل فاسد، لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجزة لا يتوقف على علم السحر أصلا، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم.\nثم ذكر أبو عبد الله الرازي (^١)، أن أنواع السحر ثمانية [الأول] سحر الكذابين والكشدانيين (^٢)، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل ﷺ مبطلا لمقالتهم وردا لمذهبهم، وقد استقصى في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المنسوب إليه، كما ذكرها القاضي ابن خلكان وغيره، ويقال أنه تاب منه، وقيل بل صنفه على وجه إظهار الفضيلة، لا على سبيل الاعتقاد، وهذا هو المظنون به إلا أنه ذكر فيه طريقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه وما يتمسكون به.\nقال: [والنوع الثاني] سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه (^٣)، قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن\n_________\n(^١) التفسير الكبير ٣/ ١٨٧ - ١٩٣.\n(^٢) في تفسير الرازي: «الكلدانيين والكسدانيين».\n(^٣) عبارة الرازي: «أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه، لو كان موضوعا على الأرض، لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته. وما ذاك إلا أن تخيّل السقوط متى قوي أوجبه».","vol":"1","page":251},{"text":"النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذلك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام. قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق-وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» -قال: فإذا عرفت هذا فنقول النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا فتستغني في هذه الأفاعيل عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات، وتحقيقه أن النفس إذا كانت متعلية عن البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية، فحينئذ لا يكون لها تأثير البتة إلا في هذا البدن، ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء (قلت) وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين، تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله ﷺ، ويترك ما نهى الله ورسوله ﷺ، فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة ولا يسمى هذا سحرا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله ﷺ، ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة مع أنه مذموم شرعا لعنه الله، وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وبسط هذا يطول جدا وليس هذا موضعه.\nقال: [والنوع الثالث] من السحر، الاستعانة بالأرواح الأرضية وهم الجن، خلافا للفلاسفة والمعتزلة (^١)، وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار وهم الشياطين، وقال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية لما بينها من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بها أعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير.\nقال: [النوع الرابع] من السحر التخييلات والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئا آخر عملا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جدا ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعلمه، ولم تتحرك\n_________\n(^١) عبارة الرازي أوضح في المقام: «واعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة. أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به، إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية …».","vol":"1","page":252},{"text":"النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله (قال) وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعا من أنواع الخلل أشد، كان العمل أحسن مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدا أو مظلم فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها والحالة هذه.\n(قلت) وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر، والله أعلم.\n[النوع الخامس من السحر]: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة على النسب الهندسية [تارة وعلى ضروب الخيلاء أخرى] (^١) كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد-ومنها الصور التي تصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان حتى يصورونها ضاحكة وباكية، إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل، قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل (قلت) يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي فحشوها زئبقا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها. قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر لأن لها أسبابا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها. (قلت) ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد القدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام منهم. وأما الخواص فهم معترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم فيرون ذلك سائغا لهم. وفيهم شبهة على الجهلة الأغبياء من متعبدي الكرامية (^٢) الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ فيهم: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وقوله: «حدثوا عني ولا تكذبوا عليّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار» ثم ذكر هاهنا حكاية عن بعض الرهبان وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت ضعيف الحركة فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله وتوصل إلى أن جعله أجوف فإذا دخلته الريح يسمع منه صوت كصوت الطائر وانقطع في صومعة ابتناها وزعم أنها على قبر\n_________\n(^١) الزيادة من الرازي.\n(^٢) الكرامية: فرقة من أهل السنّة، تنسب إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان وتوفي ببيت المقدس سنة ٨٦٩ م. والكرامية مجسمون يذهبون إلى أن الله تعالى محدود من جهة العرش وأن شيئا لا يحدث في العالم قبل حدوث أعراض في ذاته.","vol":"1","page":253},{"text":"بعض صالحيهم وعلق على ذلك الطائر في مكان منها فإذا كان زمان الزيتون فتح بابا من ناحيته فيدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتها كل طائر في شكله أيضا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئا كثيرا، فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة ولا يدرون ما سببه، ففتنهم بذلك وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة (^١).\nقال الرازي: النوع السادس من السحر الاستعانة بخواص الأدوية يعني في هذا الأطعمة والدهانات قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص فإن تأثير المغناطيس مشاهد. (قلت) يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص مدعيا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات (^٢).\nقال النوع السابع من السحر: التعليق للقلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة فإذا ما حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء. (قلت) هذا النمط يقال له التنبلة وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة العقل من ناقصه فإذا كان المتنبل حاذقا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره.\nقال: النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب (^٣) من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع في الناس (قلت) النميمة على قسمين تارة تكون على وجه التحرش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث «ليس بالكذاب من ينم خيرا» أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث «الحرب خدعة»، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب وبني قريظة: جاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلاما، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئا آخر، ثم لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما\n_________\n(^١) يفهم من حكاية ابن كثير المنقولة هنا عن الرازي أن الراهب المشار إليه أعلاه نصراني. والحال أن الرازي إنما حكى عن «عمل أرجعيانوس الموسيقار في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه». قارن برواية الرازي ٣/ ١٩٣.\n(^٢) توجيه كلام الرازي إلى هذا المعنى غير دقيق. فقد تحدث الرازي عن «الاستعانة بخواص الأدوية مثل أن يجعل في طعامه بعض الأدوية المبلدة المزيلة للعقل والدخن المسكرة، نحو دماغ الحمار إذا تناوله الإنسان تبلّد عقله وقلّت فطنته» فتأمّل.\n(^٣) التضريب: الإغراء.","vol":"1","page":254},{"text":"يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة والله المستعان.\nثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه، (قلت) وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي بسببه، ولهذا جاء في الحديث «إن من البيان لسحرا»، وسمي السحور لكونه يقع خفيا آخر الليل، والسحر: الرئة، وهي محل الغذاء وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحره أي انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة ﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، وقال تعالى:\n﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] أي أخفوا عنهم علمهم، والله أعلم.\nوقال أبو عبد الله القرطبي (^١): وعندنا أن السحر حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذي البريد لخفة سيره، قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية، قال القرطبي: ومنه ما يكون كلاما يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك، قال: وقوله ﵇: «إن من البيان لسحرا» يحتمل أن يكون مدحا كما تقول طائفة، ويحتمل أن يكون ذما للبلاغة قال: وهذا أصح، قال لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق كما قال ﵊: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له» الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>[فصل]</span>\nوقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة ﵀ في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) بابا في السحر فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر ومن تعلمه معتقدا جوازه أو أنه ينفعه كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له صف لنا سحرك فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر، قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد نعم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حدا عندهم إلا الشافعي فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصا قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ٤٤.","vol":"1","page":255},{"text":"عنهم: لا تقبل، وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى تقبل، وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم، وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل يعني لقصة لبيد بن الأعصم. واختلفوا في المسلمة الساحرة فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل ولكن تحبس، وقال الثلاثة حكمها حكم الرجل، والله أعلم. وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي قال:\nقرأ على أبي عبد الله-يعني أحمد بن حنبل-عمر بن هارون أخبرنا يونس عن الزهري، قال:\nيقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها. وقد نقل القرطبي عن مالك ﵀، أنه قال في الذمي يقتل إن قتل سحره، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل، والثانية أنه يقتل وإن أسلم، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]. لكن قال مالك إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبا قبلناه، فإن قتل سحره قتل قال الشافعي: فإن قال لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>[مسألة]</span>\nوهل يسأل الساحر حلا لسحره؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة (^١) وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله هلا تنشرت، فقال: «أما الله فقد شفاني وخشيت أن أفتح على الناس شرا» وحكى القرطبي عن وهب أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته (قلت) أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في ذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث «لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما» وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾\nنهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقامهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص، عليهم لعائن الله فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون راعنا ويورون بالرعونة كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ﴾\n_________\n(^١) النّشرة (بضم النون وتسكين الشين): الرّقية يعالج بها المريض ونحوه.","vol":"1","page":256},{"text":"﴿أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون السام عليكم، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم ب «وعليكم»، وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا. والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا، فقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١): أخبرنا أبو النضر أخبرنا عبد الرحمن بن ثابت أخبرنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم».\nوروى أبو داود (^٢) عن عثمان بن أبي شيبة عن أبي شيبة عن أبي النضير هاشم أخبرنا ابن القاسم به «من تشبه بقوم فهو منهم» ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا نعيم بن حماد أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا مسعر عن معن وعون أو أحدهما أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال الأعمش عن خيثمة قال: ما تقرؤون في القرآن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه في التوراة يا أيها المساكين. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس ﴿راعِنا﴾ أي أرعنا سمعك. وقال الضحاك: عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرعنا سمعك وإنما راعنا كقولك عاطنا. وقال ابن أبي حاتم وروي عن أبي العالية وأبي مالك والربيع بن أنس، وعطية العوفي وقتادة نحو ذلك، وقال مجاهد:\n﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ لا تقولوا خلافا، وفي رواية لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك. وقال عطاء لا تقولوا ﴿راعِنا﴾، كانت لغة تقولها الأنصار (^٣)، فنهى الله عنها، وقال الحسن: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾، قال: الراعن من القول السخري منه، نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد ﷺ، وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جريج، أنه قال مثله، وقال أبو صخر:\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٢ ص ٥٠)\n(^٢) سنن أبي داوود (لباس باب ٤)\n(^٣) في الطبري «تقولها الأنصار في الجاهلية». والأخبار الواردة هذا في تفسير «راعنا» ذكرها الطبري في تفسيره ١/ ٥١٤ - ٥١٧.","vol":"1","page":257},{"text":"﴿لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا﴾ قال: كان رسول الله ﷺ، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له. وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن زيد (^١) يأتي النبي ﷺ فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون:\nاسمع غير مسمع غير صاغر، وهي كالتي في سورة النساء، فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا راعنا. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا. قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه راعنا. لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها لنبيه ﷺ، نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة (^٢) ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي» وما أشبه ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم للمؤمنين، ليقطع المودة بينهم وبينهم، ونبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل الذي شرعه لنبيهم محمد ﷺ، حيث يقول تعالى: ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]</span>\n﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾\nقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما نبدل من آية، وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي ما نمحو من آية، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قال نثبت خطها ونبدل حكمها، حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵃. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي نحو ذلك، وقال الضحاك ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما ننسك، وقال عطاء أما ﴿ما نَنْسَخْ﴾، فما نترك من القرآن.\nوقال ابن أبي حاتم: يعني ترك فلم ينزل على محمد ﷺ. وقال السدي ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ نسخها قبضها وقال ابن أبي حاتم: يعني قبضها ورفعها، مثل قوله «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، وقوله «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا».\nوقال ابن جرير (^٣): ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، ما ننقل من حكم آية إلى غيره، فنبدله ونغيره،\n_________\n(^١) في الطبري: رفاعة بن زيد بن السائب، قال أبو جعفر: هذا خطأ، إنما هو ابن التابوت، ليس ابن السائب.\n(^٢) الحبلة (بالتحريك): الأصل أو القضيب من شجر الأعناب.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٥٢١.","vol":"1","page":258},{"text":"وذلك أن يحوّل الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ، وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيرها وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة.\nوأما علماء الأصول، فاختلفت عباراتهم في حد النسخ والأمر في ذلك قريب، لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولحظ بعضهم أن رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل وعكسه والنسخ لا إلى بدل، وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوطة، في أصول الفقه.\nوقال الطبراني: أخبرنا أبو سنبل (^١) عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، أخبرنا أبي أخبرنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله ﷺ، فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين إلى رسول الله ﷺ، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها، فكان الزهري يقرؤها: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾، بضم النون الخفيفة، سليمان بن الأرقم ضعيف. وقد روى أبو بكر بن الأنباري عن أبيه عن نصر بن داود عن أبي عبيد الله عن عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ابن شهاب عن أمامة بن سهل بن حنيف، مثله مرفوعا، ذكره القرطبي (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِها﴾، فقرئ على وجهين، ننسأها وننسها، فأما من قرأها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه نؤخرها. قال علي ابن أبي طلحة: عن ابن عباس، «ما ننسخ من آية أو ننسأها»، يقول ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها، وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: «أو ننسأها»، نثبت خطها ونبدل حكمها، وقال عبد بن عمير ومجاهد وعطاء أو ننسأها، نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: أو ننسأها، نؤخرها فلا ننسخها، وقال السدي: مثله أيضا وكذا الربيع بن أنس، وقال الضحاك: «ما ننسخ من آية أو ننسأها»، يعني الناسخ والمنسوخ. وقال أبو العالية: «ما ننسخ من آية أو ننسأها» نؤخرها عندنا، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، أخبرنا خلف، أخبرنا الخفاف، عن إسماعيل يعني ابن أسلم، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطبنا عمر ﵁، فقال: يقول الله ﷿: «ما ننسخ من آية أو ننسأها»، أي نؤخرها، وأما على قراءة ﴿أَوْ نُنْسِها﴾، فقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾، قال كان الله ﷿:\n_________\n(^١) في المعجم الصغير للطبراني (١/ ٢٣٧): «أبو شبل».\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ٦٨.","vol":"1","page":259},{"text":"ينسي نبيه ﷺ ما يشاء، وينسخ ما يشاء.\nوقال ابن جرير (^١): أخبرنا سوار بن عبد الله، أخبرنا خالد بن الحارث، أخبرنا عوف، عن الحسن أنه قال: في قوله: ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ قال: إن نبيكم ﷺ، قرأ علينا (^٢) قرآنا ثم نسيه، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا ابن نفيل، أخبرنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج يعني الجزري عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبي ﷺ، الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله ﷿: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾، قال ابن أبي حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل، ليس هو الحجاج بن أرطأة هو شيخ لنا جزري، وقال عبيد بن عمير: ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ نرفعها من عندكم.\nوقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا هشيم، عن يعلى بن عطاء عن القاسم بن ربيعة، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾ قال: قلت له فإن سعيد بن المسيب يقرأ ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ قال: قال سعد: إن القرآن، لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال: قال الله جل ثناؤه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، وكذا رواه عبد الرزاق عن هشيم، وأخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم عن شعبة عن يعلى بن عطاء به، وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nقال ابن أبي حاتم وروى عن محمد بن كعب وقتادة وعكرمة نحو قول سعيد.\nوقال الإمام أحمد: أخبرنا يحيى أخبرنا سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال عمر: علي أقضانا وأبي أقرأنا، وإنا لندع من قول أبي، وذلك أن أبيا يقول: ما أدع شيئا سمعته من رسول الله ﷺ، والله يقول: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾.\nقال البخاري: أخبرنا يحيى أخبرنا سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال:\nقال عمر: أقرؤنا أبيّ وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وذلك أن أبيا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله ﷺ، وقد قال الله: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾.\nوقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾، أي في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها﴾ ويقول خير لكم في المنفعة وأرفق بكم.\nوقال أبو العالية: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فلا نعمل بها «أو ننسأها»، أي نرجئها عندنا نأت بها أو نظيرها، وقال السدي ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾ يقول: نأت بخير من الذي نسخناه أو مثل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٢٢.\n(^٢) في الطبري: «أقرئ قرآنا ثم نسيه».","vol":"1","page":260},{"text":"الذي تركناه. وقال قتادة: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾ يقول: آية فيها تخفيف فيها رخصة فيها أمر فيها نهي.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾، يرشد عباده تعالى بهذا، إلى أنه المتصرف في خلقه، بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء ويصح من يشاء ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ، إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) ﵀: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد، أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير، من أحكامي التي أحكم بها في عبادي، بما أشاء إذ أشاء، وأقر منهما ما أشاء. ثم قال: وهذا الخبر وإن كان خطابا من الله تعالى، لنبيه ﷺ على وجه الخبر، عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود، الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله، بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.\n(قلت) الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ، إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى، لأنه يحكم ما يشاء، كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح، بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٢٩.","vol":"1","page":261},{"text":"وما بعدها، وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل، وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية فلا يصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، كما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد ﷺ والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته ﵊، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته، وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغيّاة إلى بعثه ﵇، فلا يسمى ذلك نسخا كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب متابعته متعين، لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله ﵎، ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ، ردا على اليهود عليهم لعنة الله، حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقرئ في سورة آل عمران، التي نزل في صدرها خطابا مع أهل الكتاب، وقوع النسخ في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، كما سيأتي تفسيره.\nوالمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قال بوقوعه. وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله ضعيف مردود مرذول، وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول، لم يجب عن ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]</span>\n﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾\nنهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أي وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء في الصحيح:\n«إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» (^١) ولما سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلا، فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت\n_________\n(^١) البخاري (اعتصام باب ٣) ومسلم (فضائل حديث ١٣٢، ١٣٣)","vol":"1","page":262},{"text":"عن مثل ذلك، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة، ولهذا ثبت في الصحيحين، من حديث المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال (^١). وفي صحيح مسلم «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (^٢) وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم، «أن الله كتب عليهم الحج، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثا، ثم قال ﵇: «لا، ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم»، ثم قال «ذروني ما تركتكم» الحديث، ولهذا قال أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب، قال: إن كان ليأتي عليّ السنة، أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء، فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب. وقال البزار: أخبرنا محمد بن المثنى، أخبرنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ -و- ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ -و﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ [البقرة: ٢١٧ - ٢١٩ - ٢٢٠]، يعني هذا وأشباهه.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعلم المؤمنين والكافرين، فإنه ﵇ رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً، فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]، قال محمد بن إسحاق (^٣): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله من قولهم، ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي (^٤) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل، فقال النبي ﷺ: «اللهم لا نبغيها-ثلاثا-ما أعطاكم الله خير مما أعطى\n_________\n(^١) البخاري (خصومات باب ٣) ومسلم (أقضية حديث ١٤)\n(^٢) مسلم (حج حديث ٤١١، وفضائل حديث ١٣١)\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٥٣٠.\n(^٤) الأثر في الطبري ١/ ٥٣١.","vol":"1","page":263},{"text":"بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة، فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل»، قال ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال «الصلوات الخمس ومن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن» وقال: «من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك»، فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾.\nوقال مجاهد: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾، أن يريهم الله جهرة، قال: سألت قريش محمدا ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، قال: «نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل [إن كفرتم]» (^١)، فأبوا ورجعوا. وعن السدي وقتادة نحو هذا، والله أعلم. والمراد أن الله ذم من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتا وتكذيبا وعنادا. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ﴾، أي ومن يشتر الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال. وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء، واتباعهم والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم، والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]، وقال أبو العالية: يتبدل الشدة بالرخاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]</span>\n﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾\nيحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح، ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه، كما قال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب، من أشد اليهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري ١/ ٥٣٠.\n(^٢) الأثر في الطبري ١/ ٥٣٤.","vol":"1","page":264},{"text":"برسوله ﷺ، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ قال:\nهو كعب بن الأشرف، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي ﷺ، وفيه أنزل الله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾. وقال الضحاك: عن ابن عباس، أن رسولا أميا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرا وحسدا وبغيا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة، وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين، ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم، وما أنزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.\nوقال الربيع بن أنس ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ من قبل أنفسهم، وقال أبو العالية ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾، من بعد ما تبين أن محمدا رسول الله، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدا وبغيا، إذ كان من غيرهم، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس.\nوقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله، ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾، نسخ ذلك قوله:\n﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]، إلى قوله ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فنسخ هذا عفوه عن المشركين، وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي، إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي: أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان رسول الله ﷺ، يتأول من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش، وهذا إسناده صحيح ولم أره في شيء من الكتب الستة، ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾،","vol":"1","page":265},{"text":"يحثهم تعالى على الاشتغال بما ينفعهم، وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢]، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه سواء كان خيرا أو شرا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله. وقال أبو جعفر بن جرير (^١): في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، هذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، إنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرا وعلانية، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرا، وبالإساءة مثلها، وهذا الكلام وإن كان قد خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعدا ووعيدا وأمرا وزجرا، وذلك أنه أعلم القوم، أنه بصير بجميع أعمالهم، ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده، حتى يثيبهم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾، وليحذروا معصيته، قال: وأما قوله ﴿بَصِيرٌ﴾ فإنه مبصر، صرف إلى بصير، كما صرف مبدع إلى بديع، ومؤلم إلى أليم، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ، وهو يقرأ هذه الآية: «سميع بصير»، يقول «بكل شيء بصير».\n\n<span data-type='title' id=toc-130>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١١ إلى ١١٣]</span>\n﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾\nيبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى، أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة، أنهم قالوا:\n﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم.\nولو كانوا كما ادعوا، لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم، أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة، فقال: ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ﴾. وقال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس.\nثم قال تعالى ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ قال أبو العالية ومجاهد والسدي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٣٨.","vol":"1","page":266},{"text":"والربيع بن أنس: حجتكم، وقال قتادة بينتكم على ذلك: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، أي فيما تدعونه، ثم قال تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠]، وقال أبو العالية والربيع ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ يقول: من أخلص لله وقال سعيد بن جبير: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص ﴿وَجْهَهُ﴾، قال دينه ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي اتبع فيه الرسول ﷺ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما أن يكون صوابا خالصا لله وحده، والآخر أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، رواه مسلم (^١) من حديث عائشة عنه ﵊.\nفعمل الرهبان ومن شابههم، وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله، فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعا للرسول ﷺ، المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى:\n﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى نارًا حامِيَةً تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٥]، وروي عن أمير المؤمنين عمر ﵁، أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي.\nوأما إن كان العمل موافقا للشريعة، في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى مما يتركونه، كما قال سعيد بن جبير، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني في الآخرة، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يعني لا يحزنون للموت.\nوقوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾، بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم، كما قال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: لما قدم أهل نجران من النصارى، على رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند\n_________\n(^١) صحيح مسلم (أقضية حديث ١٨)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٤٢.","vol":"1","page":267},{"text":"رسول الله ﷺ، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾، قال (^١): إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة، فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يد صاحبه.\nوقال مجاهد في تفسير هذه الآية: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء. وقال قتادة:\n﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ قال: بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا ﴿وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ قال: بلى، قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ.\nوهذا القول يقتضي، أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه، مع علمهم بخلاف ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾، أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد، كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول وهذا من باب الإيماء والإشارة. وقد اختلف فيمن عنى بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فقال الربيع بن أنس وقتادة ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالا: وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم، وقال ابن جريج: قلت لعطاء من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل. وقال السدي كذلك ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فهم العرب، قالوا ليس محمد على شيء. واختار أبو جعفر بن جرير (^٢) أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال، والحمل على الجميع أولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أي أنه تعالى يجمع\n_________\n(^١) من هنا إلى قوله «في يد صاحبه» رواه الطبري ١/ ٥٤٣ منفصلا عن الحديث السابق لابن إسحاق، ولكن بالإسناد نفسه. لذلك يصح ما فعله ابن كثير هنا من الجمع بينهما.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٤٤.","vol":"1","page":268},{"text":"بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل، الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:١٧]، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-131>[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]</span>\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾\nاختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها، على قولين:\nأحدهما ما رواه العوفي في تفسيره عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال: هم النصارى وقال مجاهد: هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله:\n﴿وَسَعى فِي خَرابِها﴾. قال هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى. وقال سعيد عن قتادة: قال أولئك أعداء الله، النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس، وقال السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، وروي نحوه عن الحسن البصري، (القول الثاني)، ما رواه ابن جرير (^١): حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها﴾، قال: هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وبين أن يدخلوا مكة، حتى نحر هديه بذي طوى، وهادنهم وقال لهم: «ما كان أحد يصد عن هذا البيت، وقد كان الرجل، يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يصده» فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق. وفي قوله:\n﴿وَسَعى فِي خَرابِها﴾ قال: إذا قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة.\nوقال ابن أبي حاتم ذكر عن سلمة قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن قريشا منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، ثم اختار ابن جرير القول الأول (^٢)، واحتج بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٤٦. والوجوه السابقة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدّي كلها ذكرها ابن جرير.\n(^٢) أي أن النصارى هم الذين أعانوا بختنصر على ذلك.","vol":"1","page":269},{"text":"(قلت) والذي يظهر، والله أعلم، القول الثاني كما قاله ابن زيد، وروي عن ابن عباس، لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس، كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا إذ ذاك، لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وأيضا فإنه تعالى، لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى: ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٣٤]، وقال تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ. إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨] وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] فقال تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ [التوبة: ١٨]، فإذا كان من هو كذلك مطرودا منها مصدودا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك.\nوقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ﴾، هذا خبر معناه الطلب، أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها، إلا تحت الهدنة والجزية، ولهذا لما فتح رسول الله ﷺ مكة، أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: «ألا لا يحجّن بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته»، وهذا إنما كان تصديقا وعملا بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين، على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين، أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى: ما كان إلا الحق والواجب إلا ذلك، لولا ظلم الكفرة وغيرهم. وقيل إن هذا بشارة من الله للمسلمين، أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم، حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم، إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل، إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا الوعد، كما تقدم من منع المشركين","vol":"1","page":270},{"text":"من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول الله ﷺ، أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى منها، ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة، بشيرا ونذيرا، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا هو الخزي لهم في الدنيا، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا عنها، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده، والطواف به عريا وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله.\nوأما من فسر بيت المقدس، فقال كعب الأحبار: إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه، فلما بعث الله محمدا ﷺ أنزل عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ﴾ الآية، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا. وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية، فهو يؤديها. وقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة. (قلت) وهذا لا ينفي أن يكون داخلا في معنى عموم الآية، فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة، التي كانت تصلي إليها اليهود، عوقبوا شرعا وقدرا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن بهم بيت المقدس، وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضا، أعظم من عصيان النصارى، كانت عقوبتهم أعظم، والله أعلم.\nوفسر هؤلاء الخزي في الدنيا بخروج المهدي عند السدي وعكرمة ووائل بن داود، وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون، والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، كما قال الإمام أحمد (^١): أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس، سمعت أبي يحدث عن بسر بن أرطاة، قال كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة» وهذا حديث حسن، وليس هو في شيء من الكتب الستة، وليس لصاحبه وهو بشر بن أبي أرطاة حديث سواه، وسوى حديث: لا تقطع الأيدي في الغزو (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]</span>\n﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾\nوهذا، والله أعلم، فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه، الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد كان رسول الله ﷺ، يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، فلما قدم المدينة، وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله إلى\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٤ ص ١٨١)\n(^٢) رواه أيضا الإمام أحمد في المسند، قبل الحديث السابق، من طريقين.","vol":"1","page":271},{"text":"الكعبة بعد، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ: أخبرنا حجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء عن ابن عباس قال: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم، شأن القبلة. قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ، فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها. فقال ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٩ - ١٥٠] وقال (^١) علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٩] إلى قوله ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. وقال عكرمة عن ابن عباس ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ قال: قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا، وقال مجاهد ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة، وقال ابن أبي حاتم بعد رواية الأثر المتقدم عن ابن عباس في نسخ القبلة عن عطاء عنه: وروي عن أبي العالية والحسن وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة والسدي وزيد بن أسلم نحو ذلك.\nوقال ابن جرير: وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه، أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلو منه مكان كما قال تعالى:\n﴿وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال.\nوفي قوله وأنه تعالى لا يخلو منه مكان، إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال ابن جرير (^٢) وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، إذنا من الله أن يصلي المتطوع، حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٤٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٥٠.","vol":"1","page":272},{"text":"وشدة الخوف [والتقاء الزحوف في الفرائض] (^١). حدثنا أبو كريب، أخبرنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك هو ابن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله ﷺ، كان يفعل ذلك ويتأول هذه الآية ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه، من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان به، وأصله في الصحيحين، من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة، من غير ذكر الآية. وفي صحيح البخاري من حديث نافع عن ابن عمر، وأنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ.\n[مسألة] ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه، بين سفر المسافة وسفر العدوى، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة خلافا لمالك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري، التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف عن أنس بن مالك ﵁، واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضا. قال ابن جرير وقال آخرون: بل نزلت الآية في قوم عميت عليهم القبلة، فلم يعرفوا شطرها فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله تعالى: لي المشارق والمغارب فأني وليتم وجوهكم فهناك وجهي وهو قبلتكم فيعلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية. حدثنا (^٢) أحمد بن إسحاق الأهوازي، أخبرنا أبو أحمد الزبيري أخبرنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ، في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فقلنا يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ الآية. ثم رواه عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن أبي الربيع السمان بنحوه. ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن وكيع وابن ماجة عن يحيى بن حكيم عن أبي داود عن أبي الربيع السمان، ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان عن أبي الربيع السمان، واسمه أشعث (^٣) بن سعيد البصري، وهو ضعيف الحديث، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك ولا نعرفه إلا من حديث الأشعث السمان، وأشعث يضعف في الحديث.\nقلت وشيخه عاصم أيضا ضعيف. قال البخاري منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك، والله أعلم.\nوقد روى من طريق آخر، عن جابر فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية:\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري.\n(^٢) الحديث للطبري، وهو في تفسيره ١/ ٥٥٠.\n(^٣) وانظر موسوعة رجال الكتب التسعة ١/ ١٤٠.","vol":"1","page":273},{"text":"أخبرنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبد الله بن الحسن، قال: وجدت في كتاب أبي أخبرنا عبد الملك العزرمي عن عطاء عن جابر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي هاهنا قبل الشمال فصلوا وخطوا خطوطا فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ فسكت وأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العزرمي عن عطاء عن جابر به. وقال الدارقطني: قرئ على عبد الله بن عبد العزيز وأنا أسمع حدثكم داود بن عمرو أخبرنا محمد بن يزيد الواسطي عن محمد بن سالم عن عطاء عن جابر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: قد أجزأت صلاتكم، ثم قال الدارقطني: كذا قال عن محمد بن سالم، وقال غيره عن محمد بن عبيد الله العزرمي عن عطاء وهما ضعيفان. ورواه ابن مردويه أيضا من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث سرية فأخذتهم ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة فصلوا لغير القبلة ثم استبان لهم بعد أن طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاءوا إلى رسول الله ﷺ حدثوه فأنزل الله تعالى في هذه الآية ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا، وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم.\nقال ابن جرير وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي كما حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا هشام بن معاذ حدثني أبي عن قتادة أن النبي ﷺ، قال: إن أخا لكم قد مات، فصلوا عليه، قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] قال قتادة: فقالوا إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ وهذا غريب، والله أعلم.\nوقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي (^١) عن قتادة، وذكر القرطبي أنه لما مات صلّى عليه رسول الله ﷺ فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب، قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه-أحدهما-أنه ﵇، شاهده حين صلّى عليه طويت له الأرض. الثاني أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه واختاره ابن العربي قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه، وقد أجاب ابن العربي عن هذا لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ٨٣.","vol":"1","page":274},{"text":"وهذا جواب جيد. الثالث أنه ﵊ إنما صلّى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك، والله أعلم.\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق» وله مناسبة هاهنا وقد أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن السدي المدني به «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (^١) وقال الترمذي وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، ثم قال الترمذي: حدثني الحسن بن بكر المروزي، أخبرنا المعلى بن منصور أخبرنا عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد بن الأخنسي عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» ثم قال الترمذي: هذا صحيح، وحكي عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح، قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة «ما بين المشرق والمغرب قبله» منهم عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس ﵃ أجمعين. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة، ثم قال ابن مردويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن أخبرنا يعقوب بن يوسف مولى بني هاشم، أخبرنا شعيب بن أيوب أخبرنا ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» وقد رواه الدارقطني والبيهقي: وقال المشهور عن ابن عمر عن عمر ﵄ قوله.\nقال ابن جرير (^٢) ويحتمل فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما حدثنا القاسم، أخبرنا الحسين حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد لما نزلت ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا إلى أين؟ فنزلت ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ قال ابن جرير: ومعنى قوله ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال، وأما قوله ﴿عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني عليم بأعمالهم ما يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه بل هو بجميعها عليم.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]</span>\n﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة والتي تليها على الرد على النصارى عليهم لعائن الله وكذا من\n_________\n(^١) الترمذي (صلاة باب ١٣٩) وابن ماجة (إقامة باب ٥٦). والموطأ للإمام مالك (قبلة حديث ٨)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٥٢.","vol":"1","page":275},{"text":"أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ممن جعل الملائكة بنات الله فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم إن لله ولدا، فقال تعالى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا ﴿بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ليس الأمر كما افتروا وإنما له ملك السموات والأرض ومن فيهنّ وهو المتصرف فيهم وهو خالقهم ورازقهم ومقدّرهم ومسخّرهم ومسيّرهم ومصرّفهم كما يشاء والجميع عبيد له وملك له فكيف يكون له ولد منهم والولد إنما يكون متولدا من شيئين متناسبين وهو ﵎ ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له فكيف يكون له ولد؟ كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه له وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة فكيف يكون له منها ولد؟ ولهذا قال البخاري (^١) في تفسير هذه الآية من البقرة: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي الحسين، حدثنا نافع بن جبير هو ابن مطعم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:\n«قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا» انفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال ابن مردويه حدثنا أحمد بن كامل أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي، أخبرنا محمد بن إسحاق بن محمد الفروي أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ويقول الله تعالى كذبني ابن آدم وما ينبغي له أن يكذبني وشتمني وما ينبغي له أن يشتمني، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته؛ وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الله الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (^٢).\nوفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة الفاتحة باب ٥)\n(^٢) وأخرجه البخاري أيضا من هذا الطريق في تفسير سورة الإخلاص باب ١.\n(^٣) صحيح البخاري (توحيد باب ٣؛ وأدب باب ٧١) وصحيح مسلم (منافقين حديث ٤٩، ٥٠)","vol":"1","page":276},{"text":"وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أسباط عن مطرف عن عطية عن ابن عباس قال: ﴿قانِتِينَ﴾ مصلين، وقال عكرمة وأبو مالك: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مقرون له بالعبودية، وقال سعيد بن جبير: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾، يقول الإخلاص، وقال الربيع بن أنس: يقول: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أي: قائم يوم القيامة، وقال السدي: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أي: مطيعون يوم القيامة، وقال خصيف عن مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ قال: مطيعون، كن إنسانا فكان، وقال: كن حمارا فكان، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كل له قانتون مطيعون، قال:\nطاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره، وهذا القول عن مجاهد وهو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها وهو أن القنوت والطاعة والاستكانة إلى الله وهو شرعي وقدري كما قال الله تعالى:\n﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرعد: ١٥].\nوقد ورد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به، كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يوسف بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة»، وكذا رواه الإمام أحمد (^١): عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة عن دراج بإسناده مثله، ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق؛ قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث بدعة، كما جاء في صحيح مسلم: فإن كل محدثة بدعة، والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية، كقوله: «فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نعمت البدعة هذه.\nوقال ابن جرير (^٢): ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما، وإنما هو مفعل فصرف إلى فعيل، كما صرف المؤلم إلى الأليم، والمسمع إلى السميع، ومعنى المبدع المنشئ والمحدث، ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد، قال: ولذلك سمي المبتدع في الدين، مبتدعا لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره، وكذلك كل محدث قولا أو فعلا، لم يتقدم فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعا، ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي: [البسيط] يرعي إلى قول سادات الرجال إذا … أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا (^٣)\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٣ ص ٧٥)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٥٥.\n(^٣) البيت للأعشى في ديوانه ص ٨٦؛ وتفسير الطبري ١/ ٥٥٥.","vol":"1","page":277},{"text":"أي يحدث ما شاء، قال ابن جرير: فمعنى الكلام سبحان الله أن يكون له ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها، من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه، وهذا إعلام من الله لعباده، أن مما يشهد له بذلك المسيح، الذي أضافوا إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم، أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل، وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى، من غير والد بقدرته، وهذا من ابن جرير ﵀ كلام جيد وعبارة صحيحة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمرا وأراد كونه، فإنما يقول له كن، أي: مرة واحدة فيكون، أي: فيوجد، على وفق ما أراد كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال الشاعر:\n[الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنما … يقول له كن قولة فيكون\nونبه بذلك أيضا، على أن خلق عيسى بكلمة كن فكان كما أمره الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-134>[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾\nقال محمد بن إسحاق (^١): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله ﷺ: يا محمد إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه؛ فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾.\nوقال مجاهد: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾، قال: النصارى تقوله، وهو اختيار ابن جرير، قال: لأن السياق فيهم. وفي ذلك نظر.\nوحكى القرطبي (^٢): ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾، أي: يخاطبنا بنبوتك يا محمد، (قلت): وهو ظاهر السياق، والله أعلم.\nوقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب\n_________\n(^١) الأثر في الطبري ١/ ٥٦٠. وقد أخرجه من حديث ابن عباس بإسنادين من طريق ابن إسحاق.\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ٩٢.","vol":"1","page":278},{"text":"﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، قالوا: هم اليهود والنصارى. ويؤيد هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب، قوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]؛ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل، بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل، وفهم ما جاءوا به عن الله ﵎، وأما من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-135>[سورة البقرة (٢): آية ١١٩]</span>\n﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا عبد الرحمن بن صالح أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الفزاري، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النّبي ﷺ، قال: «أنزلت عليّ ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، قال: بشيرا بالجنة ونذيرا من النار».\nوقوله: ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ قراءة أكثرهم ولا تسأل بضم التاء، على الخبر وفي قراءة أبي بن كعب، وما تسأل، وفي قراءة ابن مسعود ولن تسأل عن أصحاب الجحيم، نقلها ابن جرير (^١)، أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك كقوله: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١] الآية، وكقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٦٤.","vol":"1","page":279},{"text":"[ق: ٤٥]؛ وأشباه ذلك من الآيات.\nوقرأ آخرون: «ولا تسأل عن أصحاب الجحيم» بفتح التاء على النهي (^١)، أي: لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليت شعري ما فعل أبواي ليت شعري ما فعل أبواي ليت شعري ما فعل أبواي؟» فنزلت: ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾، فما ذكرهما حتى توفاه الله ﷿.\nورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن موسى بن عبيدة، وقد تكلموا فيه عن محمد بن كعب بمثله، وقد حكاه القرطبي، عن ابن عباس ومحمد بن كعب، قال القرطبي: وهذا كما يقال لا تسأل عن فلان، أي: قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به، وأجبنا عن قوله: «إن أبي وأباك في النار» (^٢)، (قلت): والحديث المروي في حياة أبويه ﵇، ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف، والله أعلم.\nثم قال ابن جرير: وحدثني القاسم أخبرنا الحسين حدثني حجاج عن ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم، أن النّبي ﷺ قال ذات يوم: «أين أبواي»؟ فنزلت: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾، وهذا مرسل كالذي قبله، وقد رد ابن جرير هذا القول المروي، عن محمد بن كعب وغيره في ذلك، لاستحالة الشك من الرسول ﷺ في أمر أبويه، واختار القراءة الأولى، وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه، قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار، كما ثبت هذا في الصحيح، ولهذا أشباه كثيرة ونظائر ولا يلزم ما ذكر ابن جرير، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: أخبرنا موسى بن داود حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن؛ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، وأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في البيوع (^٣) عن محمد بن سنان عن فليح به، وقال تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال: وقال سعيد بن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام، ورواه في التفسير عن عبد الله عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن\n_________\n(^١) ذكر القرطبي (٢/ ٩٢) أنها قراءة نافع وحده.\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ٩٣.\n(^٣) صحيح البخاري (بيوع باب ٥٠) وفيه «سخّاب» في موضع «صخّاب»، وهما بمعنى.","vol":"1","page":280},{"text":"عمرو بن العاص، به فذكر نحوه، فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في كتاب الأدب، وزعم ابن مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة، عن أحمد بن الحسن بن أيوب عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان عن فليح به وزاد: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار فسألته، فما اختلفا في حرف إلا أن كعبا قال: بلغته أعينا عمومى، وآذانا صمومى، وقلوبا غلوفا.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٠ إلى ١٢١]</span>\n﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)﴾\nقال ابن جرير (^١): يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ أي: قل يا محمد إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل، قال قتادة في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ قال: خصومة علمها الله محمدا ﷺ وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة، قال قتادة: وبلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (^٢)، (قلت): هذا الحديث مخرج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو.\n﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ فيه تهديد ووعيد شديد للأمة، عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة، عياذا بالله من ذلك فإن الخطاب مع الرسول والأمر لأمته؛ وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا، لأنهم كلهم ملة واحدة وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه، وقال في الرواية الأخرى كقول مالك، إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى، كما جاء في الحديث، والله أعلم.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٦٥.\n(^٢) صحيح البخاري (اعتصام باب ١٠) وصحيح مسلم (إيمان حديث ٢٤٧، وجهاد وحديث ٤)","vol":"1","page":281},{"text":"اليهود والنصارى، وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وقال سعيد عن قتادة: هم أصحاب رسول الله ﷺ، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا إبراهيم بن موسى وعبد الله بن عمران الأصبهاني، قال: أخبرنا يحيى بن يمان حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه عن عمر بن الخطاب ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار، وقال أبو العالية: قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة ومنصور بن المعتمر عن ابن مسعود، قال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه؛ قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك، وقال الحسن البصري: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو زرعة أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا ابن أبي زائدة أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] يقول: اتبعها قال: وروي عن عكرمة وعطاء ومجاهد وأبي رزين وإبراهيم النخعي نحو ذلك. وقال سفيان الثوري: أخبرنا زبيد عن مرة عن عبد الله بن مسعود، في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، قال القرطبي (^١): وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النّبي ﷺ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قال:\n«يتبعونه حق اتباعه» ثم قال في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وعن عمر بن الخطاب: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها، قال: وقد روي هذا المعنى عن النّبي ﷺ أنه كان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية عذاب تعوذ.\nوقوله: ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خبر عن ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] أي: إذا أقمتموها حق الإقامة وآمنتم بها حق الإيمان وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد ﷺ ونعته وصفته والأمر باتباعه ونصره وموازرته، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١/ ٩٥.","vol":"1","page":282},{"text":"تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد ﷺ لواقعا، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] وقال تعالى:\n﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١] كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وفي الصحيح: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٢ إلى ١٢٣]</span>\n﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾\nقد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة وكررت هاهنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم: نعته واسمه وأمره وأمته فحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم من النعم الدنيوية والدينية ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم ذلك على الحسد على مخالفته وتكذيبه والحيد عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]</span>\n﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ (١٢٤)﴾\nيقول تعالى منبها على شرف إبراهيم خليله ﵇ وأن الله تعالى جعله إماما للناس يقتدى به في التوحيد حين قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿(فَأَتَمَّهُنَّ)﴾ أي: قام بهن كلهن كما قال تعالى: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم: ٣٧] أي: وفي جميع ما شرع له فعمل به صلوات الله عليه وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٤٠)","vol":"1","page":283},{"text":"﴿شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢١ - ١٢٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٢]، وقال تعالى: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿بِكَلِماتٍ﴾ أي:\nبشرائع وأوامر ونواه، فإن الكلمات تطلق، ويراد بها الكلمات القدرية كقوله تعالى عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وتطلق، ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي:\nكلماته الشرعية، وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمرا أو نهيا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، أي: قام بهن قال: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ أي: جزاء على ما فعل، لما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله الله للناس قدوة، وإماما يقتدى به ويحتذي حذوه.\nوقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ﵇، فروي عن ابن عباس في ذلك روايات، فقال عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك، وكذا رواه أبو إسحاق السبيعي عن التميمي عن ابن عباس. وقال عبد الرزاق أيضا، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾، قال:\nابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء، قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي، وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك، (قلت): وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء، ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة». قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء، وفي الصحيحين (^١) عن أبي هريرة عن النّبي ﷺ قال: «الفطرة خمس: الختان والاستحداد (^٢) وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط»، ولفظه لمسلم. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش بن عبد الله الصنعاني عن ابن عباس أنه كان يقول في تفسير هذه الآية:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (لباس باب ٥١، ٦٣، ٦٤) وصحيح مسلم (طهارة حديث ٤٩، ٥٠)\n(^٢) الاستحداد: هو حلق العانة. سمي استحدادا لاستعمال الحديدة، وهي الموسى.","vol":"1","page":284},{"text":"﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: عشر، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر، فأما التي في الإنسان حلق العانة، ونتف الإبط والختان، وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار وقص الشارب والسواك وغسل يوم الجمعة، والأربعة التي في المشاعر: الطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والإفاضة. وقال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهما منها عشر آيات في براءة ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، و﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وعشر آيات في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى آخر الآية فأتمهن كلهن فكتبت له براءة، قال الله: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم: ٣٧] هكذا رواه الحاكم وأبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند وهذا لفظ ابن أبي حاتم.\nوقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال:\nالكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن، فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء، قال الله له: ﴿أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو سعيد الأشج أخبرنا إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن، يعني البصري ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه.\nوقال ابن جرير (^١): أخبرنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا سعيد عن قتادة قال:\nكان الحسن يقول: أي والله لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه، ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة، فخرج من بلاده وقومه، حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، وابتلاه بذبح ابنه والختان، فصبر على ذلك.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٧٥.","vol":"1","page":285},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بذبح ولده وبالنار وبالكوكب والشمس والقمر. وقال أبو جعفر بن جرير: أخبرنا ابن بشار أخبرنا سلم بن قتيبة، أخبرنا أبو هلال عن الحسن ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾، قال: ابتلاه بالكوكب وبالشمس والقمر، فوجده صابرا.\nوقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ فمنهن ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ ومنهن ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ومنهن الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال الله لإبراهيم:\nإني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إماما؟ قال: نعم، قال: ومن ذريتي؟ قال: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾، قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم، قال: وأمنا؟ قال: نعم، قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال: نعم، قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال: نعم، قال ابن نجيح: سمعته عن عكرمة فعرضته على مجاهد فلم ينكره، وهكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\nوقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلي بالآيات التي بعدها ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قال: الكلمات ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وقوله: ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥] الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم.\nوقال السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨] ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال القرطبي (^٢): وفي الموطأ وغيره، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم ﵇ أول من اختتن وأول من ضاف الضيف،\n_________\n(^١) في الطبري: «ومحمد في ذريتهما ﵉».\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ٩٨.","vol":"1","page":286},{"text":"[وأول من استحدّ] (^١) وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب، قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب زدني وقارا. وذكر ابن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم ﵇، قال غيره: وأول من برّد (^٢) البريد وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل، وروي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم» (قلت): هذا حديث لا يثبت، والله أعلم. ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية.\nقال أبو جعفر بن جرير (^٣) ما حاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر وجائز أن يكون بعض ذلك ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع، قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.\nقال: غير أنه قد روي عن النّبي ﷺ في نظير معنى ذلك خبران أحدهما ما حدثنا به أبو كريب، أخبرنا رشدين بن سعد، حدثني زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس قال: كان النّبي ﷺ يقول: «ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله، الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان ﴿اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] إلى آخر الآية» قال: والآخر: ما حدثنا به أبو كريب، أخبرنا الحسن عن عطية، أخبرنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم: ٣٧] قال: «أتدرون ما وفى؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «وفّى عمل يومه أربع ركعات في النهار» ورواه آدم في تفسيره عن حماد بن سلمة وعبد بن حميد عن يونس بن محمد عن حماد بن سلمة عن جعفر بن الزبير به، ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال: فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه، والله أعلم. ثم قال ابن جرير: ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبا لأن قوله: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم، (قلت): والذي قاله أولا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم.\n_________\n(^١) زيادة من القرطبي.\n(^٢) في القرطبي: «وأول من ثرّد الثريد» وهو الصواب.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٥٧٥.","vol":"1","page":287},{"text":"وقوله قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ لما جعل الله إبراهيم إماما سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون وأنه لا ينالهم عهد الله ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه.\nوأما قوله تعالى: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فقد اختلفوا في ذلك. فقال خصيف عن مجاهد في قوله: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قال: لا يكون لي إمام ظالم، وفي رواية:\nلا أجعل إماما ظالما يقتدى به. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به. وقال ابن أبي حاتم أخبرنا أبي أخبرنا مالك بن إسماعيل أخبرنا شريك عن منصور عن مجاهد في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال أما من كان منهم صالحا فأجعله إماما يقتدى به، وأما من كان ظالما فلا ولا نعمة عين. وقال سعيد بن جبير ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ المراد به المشرك لا يكون إمام ظالم، يقول لا يكون إمام مشرك، وقال ابن جريج عن عطاء قال: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ قال ومن ذريتي فأبى أن يجعل من ذريته إماما ظالما، قلت لعطاء ما عهده؟ قال أمره. وقال ابن أبي حاتم أخبرنا عمرو بن ثور القيساري فيما كتب إليّ أخبرنا الفريابي حدثنا إسماعيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي فأبى أن يفعل ثم قال ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ﴿قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده ولا ينبغي أن يوليه شيئا من أمره وإن كان من ذرية خليله، ومحسن ستنفذ فيه دعوته وتبلغ له ما أراد من مسألته. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قال يعني:\nلا عهد لظالم عليك في ظلمه أن تطيعه فيه.\nوقال ابن جرير (^١) حدثنا إسحاق أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله عن إسرائيل عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس قال ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قال ليس للظالمين عهد وإن عاهدته أنقضه وروي عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وقال الثوري عن هارون بن عنترة عن أبيه قال ليس لظالم عهد.\nوقال عبد الرزاق (^٢) أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قال لا ينال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٧٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٧٩.","vol":"1","page":288},{"text":"عهد الله في الآخرة الظالمين فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به وأكل وعاش، وكذا قال إبراهيم النخعي وعطاء وعكرمة.\nوقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده دينه يقول لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣] يقول ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق، وكذا روي عن أبي العالية وعطاء ومقاتل بن حيان.\nوقال جويبر (^١) عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدوّ لي يعصيني ولا أنحلها إلا وليا يطيعني.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، أخبرنا وكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قال لا طاعة إلا في المعروف، وقال السدي: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ يقول عهدي نبوتي.\nفهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية، على ما نقله ابن جرير وابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى واختار ابن جرير أن هذه الآية وإن كانت ظاهرة في الخبر، أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالما، ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇، أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه كما تقدم عن مجاهد وغيره. والله أعلم. وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكما ولا مفتيا ولا شاهدا ولا راويا.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]</span>\n﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْنًا وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾\n﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال العوفي: عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ يقول: لا يقضون فيه وطرا، يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: مثابة للناس يقول يثوبون، رواهما ابن جرير (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه ثم يرجعون، قال وروي عن أبي العالية وسعيد بن جبير، في رواية وعطاء ومجاهد والحسن وعطية والربيع بن أنس والضحاك نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني عبد الكريم بن أبي عمير حدثني الوليد بن مسلم، قال: قال أبو عمرو يعني الأوزاعي، حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٨١.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٨١.\n(^٣) تفسير ابن كثير/ ج/ ١ م ١٩","vol":"1","page":289},{"text":"قال: لا ينصرف عنه منصرف، وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا. وحدثني (^١) يونس عن ابن وهب قال: قال ابن زيد ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ قال يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه، وما أحسن ما قاله الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي (^٢): [الرمل] جعل البيت مثابا لهم … ليس منه الدهر يقضون الوطر\nوقال سعيد بن جبير في الرواية الأخرى وعكرمة وقتادة وعطاء الخراساني ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ أي مجمعا ﴿وَأَمْنًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمنا للناس. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْنًا﴾ يقول وأمنا من العدو وأن يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يسبون، وروي عن مجاهد وعطاء والسدي وقتادة والربيع بن أنس قالوا: من دخله كان آمنا.\nومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا، من كونه مثابة للناس، أي جعله محلا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرا ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى، لدعاء خليله إبراهيم ﵇، في قوله فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، إلى أن قال: ﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] ويصفه تعالى بأنه جعله آمنا من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه، فلا يعرض له، كما وصف في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] أي يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء، كما قال ابن عباس: لو لم يحج الناس هذا البيت، لأطبق الله السماء على الأرض، وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا، وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] وفي هذه الآية الكريمة، نبه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو، فقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عمرو بن شبة النميري، حدثنا أبو خلف، يعني عبد الله بن عيسى، أخبرنا داود بن أبي هند عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: مقام إبراهيم الحرم كله. وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك. وقال أيضا أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فقال سمعت ابن عباس قال: أما مقام\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٨٢.\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ١١٠.","vol":"1","page":290},{"text":"إبراهيم الذي ذكر هاهنا، فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد، ثم قال: ومقام إبراهيم يعد كثير مقام إبراهيم الحج كله، ثم فسره لي عطاء فقال: التعريف وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة، فقلت أفسره ابن عباس؟ قال لا. ولكن قال مقام إبراهيم الحج كله. قلت: أسمعت ذلك لهذا أجمع؟ قال: نعم سمعته منه.\nوقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: الحجر مقام إبراهيم نبي الله قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجار، ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه.\nوقال السدي: المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي (^١) وضعفه ورجحه غيره. وحكاه الرازي (^٢) في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد عن أبيه، سمع جابرا يحدث عن حجة النبي ﷺ، قال: لما طاف النبي ﷺ، قال له عمر: هذا مقام أبينا؟ قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله ﷿ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقال عثمان بن أبي شيبة: أخبرنا أبو أسامة عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله هذا مقام خليل ربنا؟ قال:\nنعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقال ابن مردويه:\nأخبرنا دعلج بن أحمد، أخبرنا غيلان بن عبد الصمد، أخبرنا مسروق بن المرزبان، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، أنه مر بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله أليس نقوم بمقام خليل ربنا؟ قال: بلى، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقال ابن مردويه: أخبرنا علي بن أحمد بن محمد القزويني، أخبرنا علي بن الحسين، حدثنا الجنيد، أخبرنا هشام بن خالد، أخبرنا الوليد عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، قال: لما وقف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله هذا مقام إبراهيم الذي قال الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، قال: نعم، قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك واتخذوا؟ قال: نعم هكذا وقع في هذه الرواية وهو غريب، وقد روى النسائي من حديث الوليد بن مسلم نحوه.\nوقال البخاري (^٣): باب قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ مثابة يثوبون يرجعون،\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ١١٢.\n(^٢) تفسير الرازي ٤/ ٤٥.\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة البقرة باب ٦)","vol":"1","page":291},{"text":"حدثنا مسدد، أخبرنا يحيى عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، فأنزل الله ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ﴾ [التحريم: ٥]، وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني حميد، قال: سمعت أنسا عن عمر ﵄، هكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، وقد تفرد عنه بالرواية البخاري من بين أصحاب الكتب الستة، وروى عنه الباقون بواسطة، وغرضه من تعليق هذا الطريق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث، وإنما لم يسنده لأن أبا أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه هو سيء الحفظ، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هشيم، أخبرنا حميد عن أنس، قال: قال عمر ﵁:\nوافقت ربي ﷿ في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، فنزلت كذلك، ثم رواه أحمد عن يحيى وابن أبي عدي كلاهما عن حميد، عن أنس عن عمر، أنه قال:\nوافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث، فذكره.\nوقد رواه البخاري عن عمر وابن عون والترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجة عن محمد بن الصباح، كلهم عن هشيم بن بشيربه. ورواه الترمذي أيضا عن عبد بن حميد، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة والنسائي، عن هناد عن يحيى بن أبي زائدة كلاهما، عن حميد وهو ابن تيرويه الطويل به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه علي المديني بن زريع، عن حميد به، وقال: هذا من صحيح الحديث وهو بصري.\nورواه الإمام مسلم بن حجاج في صحيحه بسند آخر ولفظ آخر، فقال: أخبرنا عقبة بن مكرم، أخبرنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ١ ص ٢٤)","vol":"1","page":292},{"text":"وقال أبو حاتم الرازي: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقني ربي في ثلاث أو وافقت ربي في ثلاث، قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقلت: يا رسول الله لو حجبت النساء، فنزلت آية الحجاب، والثالثة: لما مات عبد الله بن أبي، جاء رسول الله ﷺ ليصلي عليه، قلت: يا رسول الله تصلي على هذا الكافر المنافق؟ فقال: إيها عنك (^١) يا ابن الخطاب، فنزلت ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وهذا إسناد صحيح أيضا، ولا تعارض بين هذا ولا هذا بل الكل صحيح ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قدم عليه، والله أعلم.\nوقال ابن جريج: أخبرني جعفر عن محمد عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله ﷺ رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا يوسف بن سلمان، أخبرنا حاتم بن إسماعيل، أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، قال: استلم رسول الله ﷺ الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم (^٣) في صحيحه من حديث حاتم بن إسماعيل.\nوروى البخاري بسنده عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعا وصلّى خلف المقام ركعتين. فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدران الكعبة كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاري، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفا تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية: [الطويل] وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيا غير ناعل\nوقد أدرك المسلمون ذلك فيه كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن\n_________\n(^١) أي اسكت.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٨٦.\n(^٣) صحيح مسلم (حج حديث ١٤٧)","vol":"1","page":293},{"text":"شهاب: أن أنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أصابعه ﵇ وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا سعيد عن قتادة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. وقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيه فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.\n(قلت) وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك ولهذا، والله أعلم، أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وهو الذي نزل القرآن بوفاته في الصلاة عنده، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من أصحابه ﵃ أجمعين.\nقال عبد الرزاق عن ابن جريج: حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول ما نقله عمر بن الخطاب ﵁، وقال عبد الرزاق أيضا عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضيل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا أبو ثابت، حدثنا الدراوردي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن المقام كان زمان رسول الله ﷺ، وزمان أبي بكر ﵁، ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁، وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان، يعني ابن عيينة وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام من سقع البيت على عهد رسول الله ﷺ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ وبعد قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه.\nوقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله، وقال سفيان لا أدري أكان لاصقا بها أم لا؟ فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله علم.\nوقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا ابن عمر وهو أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام، أخبرنا آدم هو ابن أبي إياس في تفسيره، أخبرنا شريك عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٨٦.","vol":"1","page":294},{"text":"إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد، قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله ﷺ على موضعه هذا. قال مجاهد: وكان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٨]</span>\n﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْنًا وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾\nقال الحسن البصري: قوله ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ﴾ قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال:\nأمره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ﴾ أي أمرناه كذا، قال: والظاهر أن هذا الحرف إنما عدى بإلى لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ﴾ قال: من الأوثان، وقال مجاهد وسعيد بن جبير ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ أن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس. قال ابن أبي حاتم، وروي عن عبيد بن عمير وأبي العالية وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وقتادة ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ أي بلا إله إلا الله من الشرك.\nوأما قوله تعالى: ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ فالطواف بالبيت معروف وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ يعني من أتاه من غربة ﴿وَالْعاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه، وهكذا روي عن قتادة والربيع بن أنس، أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير، وقال يحيى القطان عن عبد الملك هو ابن أبي سليمان، عن عطاء في قوله ﴿وَالْعاكِفِينَ﴾ قال: من انتابه من الأمصار فأقام عنده وقال لنا ونحن مجاورون أنتم من العاكفين، وقال وكيع عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا كان جالسا فهو من العاكفين، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، قال: قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يجنبون ويحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون. ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة به.","vol":"1","page":295},{"text":"(قلت) وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول ﷺ وهو عزب، وأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقال وكيع عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء عن ابن عباس:\nوالركع السجود، قال: إذا كان مصليا فهو من الركع السجود، وكذا قال عطاء وقتادة.\nقال ابن جرير (^١) ﵀: فمعنى الآية، وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما الله به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك، ثم أورد سؤالا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين: [أحدهما] أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إماما يقتدى به، كما قال عبد الرحمن بن زيد ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها (قلت) وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد ﷺ. [الجواب الثاني] أنه أمرهما أن يخلصا بناءه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرا من الشرك والريب، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ [التوبة:١٠٩] قال: فكذلك قوله: ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ أي ابنياه على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ ابنيا بيتي للطائفين، وملخص هذا الجواب أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به، والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود، كما قال تعالى:\n﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].\nوقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك ﵀، الطواف به لأهل الأمصار أفضل. وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام، والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها وركوعها وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفى بذكر الركوع والسجود عن القيام، لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام، وفي ذلك أيضا رد على من لا يحجه من أهل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٨٧.","vol":"1","page":296},{"text":"الكاتبين اليهود والنصارى، لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يفعلون شيئا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حج البيت موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤].\nوتقدير الكلام إذا ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ﴾ أي تقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصا لله معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود، وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [النور: ٣٦] ومن السنة من أحاديث كثيرة من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال ﵇ «إنما بنيت المساجد لما بنيت له» وقد جمعت في ذلك جزاء على حدة، ولله الحمد والمنة. وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة، فقيل:\nالملائكة قبل آدم، روي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي (^١) وحكى لفظه، وفيه غرابة، وقيل: آدم ﵇، رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وهذا غريب أيضا. وروي عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه: أن أول من بناه شيث ﵇، وغالب من يذكر هذه إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢): أخبرنا ابن بشار قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، أخبرنا سفيان عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها» (^٣) وهكذا رواه النسائي عن محمد بن بشار، عن بندار به، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو بن الناقد كلاهما عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري. وقال ابن جرير (^٤) أيضا: أخبرنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: حدثنا ابن إدريس،\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ١٢٠ والذي ذكره القرطبي هو رواية عن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٩١.\n(^٣) اللابة: هي الأرض ذات الحجارة السود. والعضاه: شجر عظيم له شوك.\n(^٤) تفسير الطبري ١/ ٥٩١.","vol":"1","page":297},{"text":"وأخبرنا أبو كريب، أخبرنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعا: سمعنا أشعث عن نافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها: عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير».\nوهذه الطريق غريبة ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم (^١) من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاءوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: «اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه» ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر وفي لفظ «بركة مع بركة» ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان-لفظ مسلم.\nثم قال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا بكر بن مضر عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها» انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة عن بكر بن مضر به، ولفظه كلفظه سواء.\nوفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: «التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني» فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل، وقال في الحديث: ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه» فلما أشرف على المدينة قال: «اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم» وفي لفظ لهما «اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم» زاد البخاري يعني أهل المدينة (^٣).\nولهما أيضا عن أنس أن رسول الله ﷺ، قال: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلته بمكة من البركة».\nوعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁، عن النبي ﷺ: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة» رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ، قال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة».\n_________\n(^١) صحيح مسلم (حج حديث ٤٧٣)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٩٢.\n(^٣) صحيح البخاري (جهاد باب ٧٤) وصحيح مسلم (حج حديث ٤٤٥)","vol":"1","page":298},{"text":"وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها (^١)، أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين» الحديث، رواه مسلم.\nوالأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم ﵇ لمكة، لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة. وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض، وهذا أظهر وأقوى، والله يعلم.\nوقد وردت أحاديث أخر تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى خلاها» (^٢) فقال العباس: يا رسول الله: إلا الإذخر (^٣)، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر» وهذا لفظ مسلم، ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك، ثم قال البخاري بعد ذلك: وقال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ مثله، وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، قالت:\nسمعت رسول الله ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: «يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد» فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه للبيوت والقبور، فقال رسول الله ﷺ: «إلا الإذخر» وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحادثك قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به-إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» فقيل لأبي\n_________\n(^١) المأزم: الطريق الضيق بين جبلين.\n(^٢) الخلا: النبات الرطب. لا يختلى: لا يقطع.\n(^٣) الإذخر: حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب.","vol":"1","page":299},{"text":"شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة، رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه.\nفإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇ حرمها، لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها وأنها لم تزل بلدا حراما عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها، كما أنه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بدء أمرك.\nفقال: «دعوة أبي إبراهيم ﵇، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» أي أخبرنا عن بدء ظهور أمرك، كما سيأتي قريبا إن شاء الله.\nوأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله وبه الثقة. وقوله تعالى إخبارا عن الخليل أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي من الخوف أي لا يرعب أهله، وقد فعل الله ذلك شرعا وقدرا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيه. وفي صحيح مسلم (^١) عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح» وقال في هذه السورة ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي اجعل هذه البقعة بلدا آمنا وناسب هذا لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم:\n﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وناسب هذا هناك لأنه، والله أعلم، كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﴿قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال: هو قول الله تعالى، وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوبه ابن جرير (^٢) ﵀.\nقال: وقرأ آخرون: ﴿قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾\n_________\n(^١) صحيح مسلم (حج حديث ٤٤٩)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٩٤. قال: والصواب عندنا ما قاله أبيّ بن كعب وقراءته. والمراد بقراءة أبيّ: أمتّعه، بتشديد التاء ورفع العين.","vol":"1","page":300},{"text":"فجعلوا ذلك من تمام دعاء (^١) إبراهيم، كما رواه أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.\nوقال أبو جعفر عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ يقول، ومن كفر فأرزقه قليلا أيضا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم الدعوة أبى الله أن يجعل له الولاية-انقطاعا إلى الله ومحبته، وفراقا لمن خالف أمره وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا يناله عهده بخبر الله له بذلك، قال الله تعالى: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا.\nوقال حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس فأنزل الله: ومن كفر أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير، ثم قرأ ابن عباس ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] رواه ابن مردويه، وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضا.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٣ - ٢٤] وقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٤ - ٣٥].\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير، ومعناه أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨] وفي الصحيحين «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم» وفي الصحيح أيضا «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وقرأ بعضهم ﴿قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ الآية، جعله من تمام دعاء إبراهيم وهي قراءة شاذة مخالفة\n_________\n(^١) أي قراءة «وأمتعه» بتخفيف التاء المكسورة وجزم العين، بصيغة الطلب. وكذلك «ثم اضطرّه» على سبيل الطلب.","vol":"1","page":301},{"text":"للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم، فإن الضمير في قال: راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في قال عائدا على إبراهيم، وهذا خلاف نظم الكلام، والله سبحانه هو العلام.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ فالقواعد جمع قاعدة وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت ورفعهما القواعد منه، وهما يقولان ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وحكى القرطبي (^١) وغيره عن أبي وابن مسعود أنهما كانا يقرآن «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم»، (قلت) ويدل على هذا قولهما بعده ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية، فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي عن وهيب بن الورد أنه قرأ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين الخلص في قوله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي خائفة أن ألاّ يتقبل منهم، كما جاء به الحديث الصحيح عن عائشة عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.\nوقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان كما سيأتي بيانه.\nوقد روى البخاري هاهنا حديثا سنورده ثم نتبعه بآثار متعلقة بذلك، قال البخاري (^٢) ﵀ حدثنا عبد الله بن محمد، أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة-يزيد أحدهما على الآخر-عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا ليعفّى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفا إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ليس فيه أنيس؟ ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بذا؟ قال: نعم: قالت: إذا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ١٢٦.\n(^٢) صحيح البخاري (أنبياء باب ٩). ورواه أيضا الإمام أحمد في مسنده (ج ١ ص ٣٤٧)","vol":"1","page":302},{"text":"حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه، فقال ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى-أو قال: يتلبط (^١) -فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي: رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فلذلك سعى الناس بينهما» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت «صه» -تريد نفسها-ثم تسمعت فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّضه (^٢) وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم-أو قال: لو لم تغرف من الماء-لكانت زمزم عينا معينا» (^٣) قال:\nفشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا (^٤)، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين (^٥)، فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء عندنا، قالوا: نعم، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس» فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم (^٦) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل ليطالع تركته (^٧) فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت:\n_________\n(^١) أي يتمرّغ.\n(^٢) أي تجعل له حوضا يجتمع فيه الماء.\n(^٣) قوله: «يرحم الله أم إسماعيل … عينا معينا» منسوب في المسند إلى ابن عباس لا إلى النبي ﷺ.\n(^٤) عاف الطائر: دار حول الشيء يريد الوقوع عليه.\n(^٥) أي رسولا أو رسولين.\n(^٦) أنفسهم وأعجبهم بمعنى.\n(^٧) أي زوجته وابنه، لما تركهما بمكة.","vol":"1","page":303},{"text":"نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، كأنه أنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد، فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت:\nخرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله ﷿، قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء.\nقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي ﷺ: «ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم لدعا لهم فيه» قال: فهما لا يخلو (^١) عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت:\nنعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، وصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق بن مطولا، ورواه ابن أبي حاتم عن أبي عبد الله بن حماد الطبراني، وابن جرير عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرا.\nوقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا إسماعيل بن علي، أخبرنا بشر بن موسى، أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن عبد الملك بن جريج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير في أعلى المسجد ليلا، فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل أن لا تروني، فسألوه عن المقام، فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.\nثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، أخبرنا\n_________\n(^١) خلا على طعام كذا وكذا: اقتصر عليه.","vol":"1","page":304},{"text":"إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة (^١) فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة، فوضعهما تحت دوحة ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى بلغوا كداء (^٢)، نادته من ورائه:\nيا إبراهيم، إلي من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، فصعدت الصفا، فنظرت هل تحس أحدا، فلم تحس أحدا فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة وفعلت ذلك أشواطا حتى أتمت سبعا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ (^٣) للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدا فلم تحس ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل ﵇، قال: فقال بعقبه: هكذا، وغمز عقبه على الأرض، فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحفر، قال: فقال أبو القاسم ﷺ: «لو تركته لكان الماء ظاهرا» قال:\nفجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها، قال: فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم، فنظر فإذا هو بالماء، فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها، فقالوا: يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك ونسكن معك؟ فبلغ ابنها ونكح منهم امرأة، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مطلع تركتي، قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد، قال: قولي له إذا جاء: غيّر عتبة بابك، فلما أخبرته، قال: أنت ذاك فاذهبي إلى أهلك، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال: إني مطلع تركتي، قال: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت:\nألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال، ما طعامكم، وما شرابكم؟ فقالت: طعامنا اللحم، وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم، قال: فقال أبو القاسم ﷺ «بركة بدعوة إبراهيم»، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مطلع تركتي، فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له، فقال: يا إسماعيل، إن ربك ﷿ أمرني أن أبني له بيتا: فقال: أطع ربك ﷿، قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذن أفعل-أو كما قال-قال: فقام فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام فجعل يناوله\n_________\n(^١) الشنة: القربة.\n(^٢) كداء: جبل بأعلى مكة.\n(^٣) ينشغ: يشهق.","vol":"1","page":305},{"text":"الحجارة ويقولان ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء.\nوالعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه المستدرك عن أبي العباس الأصم عن محمد بن سنان القزاز عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي عن إبراهيم بن نافع به، وقال، صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه كذا قال، وقد رواه البخاري كما ترى من حديث إبراهيم بن نافع، وكأن فيه اختصارا فإنه لم يذكر فيه شأن الذبح، وقال: جاء في الصحيح أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء أن إبراهيم ﵇ كان يزور أهله بمكة على البراق سريعا ثم يعود إلى أهله بالبلاد المقدسة، والله أعلم، إنما فيه مرفوع أماكن صرح بها ابن عباس عن النبي ﷺ.\nوقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا: أخبرنا مؤمل، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابن على ظلي، أو قال: على قدري، ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، قالت: انطلق فإنه لا يضيعنا، قال: فعطش إسماعيل عطشا شديدا، قال فصعدت هاجر إلى الصفا، فنظرت فلم تر شيئا، حتى أتت المروة فلم تر شيئا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا، ففعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل مت حيث لا أراك، فأتته وهو يفحص برجله من العطش، فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم، قال: فإلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله، قال: وكلكما إلى كاف، قال: ففحص الغلام الأرض بإصبعه، فنبعت زمزم فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه فإنها رواء (^٢)، ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقها، وقد يحتمل أنه كان محفوظا أن يكون أولا وضع له حوطا وتحجيرا لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معا كما قال الله تعالى.\nثم قال ابن جرير (^٣): أخبرنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن خالد بن عرعرة: أن رجلا قام إلى علي ﵁، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، وإن شئت أنبأتك كيف بني: إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض، فضاق إبراهيم بذلك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٦٠٠.\n(^٢) أي كثيرة الماء.\n(^٣) تفسير الطبري ١/ ٦٠٠.","vol":"1","page":306},{"text":"ذرعا فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج (^١) ولها رأسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوّت على موضع البيت كطي الحجفة (^٢)، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم وبقي الحجر فذهب الغلام يبغي شيئا، فقال إبراهيم: أبغني حجرا كما آمرك، قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه به فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، قال: يا أبت من أتاك بهذا الحجر؟ قال: أتاني به من لم يتكل على بنائك، جاء به جبريل ﵇ من السماء فأتماه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءة (^٣) على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عاما، ومنه دحيت الأرض. قال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب:\nأن إبراهيم أقبل من أرض أرمينية ومعه السكينة تدله على تبوء البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتا، قال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجر إلا ثلاثون رجلا، فقلت: يا أبا محمد فإن الله يقول ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: كان ذلك بعد، وقال السدي: إن الله ﷿ أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل، ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود. فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحا يقال لها الريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني، اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا. قال: يا أبت إني كسلان لغب (^٤)، قال: عليّ بذلك، فانطلق يطلب له حجرا فجاءه بحجر فلم يرضه فقال: ائتني بحجر أحسن من هذا فانطلق يطلب له حجرا، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة (^٥)، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك، فبينا هما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيم ربه، فقال ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم، وإنما هدي إبراهيم إليها وبوئ لها، وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن\n_________\n(^١) ريح خجوج: شديدة ملتوية في هبوبها.\n(^٢) الجحفة: الترس.\n(^٣) الغثاءة: ما يحتمله السيل.\n(^٤) لغب: تعب.\n(^٥) الثغامة: شجرة بيضاء الثمر والزهر، تنبت في قنة الجبل. وإذا يبست اشتدّ بياضها.","vol":"1","page":307},{"text":"أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قال، القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك. وقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا هشام بن حسان عن سوار ختن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاؤهم يأنس إليهم، فهابت الملائكة حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فخفضه الله تعالى إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش، حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة فكان موضع قدميه قرية، وخطوه مفازة، حتى انتهى إلى مكة وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم ﵇ فبناه، ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء، قال: قال آدم: إني لا أسمع أصوات الملائكة، فقال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور زيتا وطور سيناء [وجبل لبنان] (^١) والجودي، وكان ربضه من حراء، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم ﵇ بعد، وهذا صحيح إلى عطاء ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق (^٢) أيضا أخبرنا معمر عن قتادة، قال: وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعا، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله ﷿، فقال الله: يا آدم إني أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم، فخرج ومدّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت فطاف به ومن بعده من الأنبياء.\nوقال ابن جرير (^٣): أخبرنا ابن حميد، أخبرنا يعقوب العمىّ، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال، وضع الله البيت على أركان الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.\nوقال محمد بن إسحاق (^٤): حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم:\nإن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه إسماعيل وأمه هاجر وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحملوا فيما حدثني على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فخرج وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٥٩٦.\n(^٣) الزيادة من الطبري.\n(^٤) الزيادة من الطبري.","vol":"1","page":308},{"text":"يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه (^١)، حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر (^٢)، وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة (^٣)، فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، فقال ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد، قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة. وكذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أخبرنا عمرو بن رافع أخبرنا عبد الوهاب بن معاوية عن عبد المؤمن بن خالد، عن علياء بن أحمر: إن ذا القرنين قدم مكة، فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل. فقال:\nما لكما ولأرضي؟ فقال: نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا البينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش فقلن: نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى، وذكر الأزرقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم ﵇ بالبيت، وهذا يدل على تقدم زمانه، والله أعلم.\nوقال البخاري (^٤) ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ الآية، القواعد: أساسه، واحدها قاعدة، والقواعد من النساء واحدتها قاعد. حدثنا إسماعيل:\nحدثني مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة زوج النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: «ألم تري أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا على قواعد إبراهيم؟» (^٥) فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال «لولا حدثان قومك بالكفر» فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمّم على قواعد إبراهيم ﵇. وقد رواه في الحج عن القعنبي، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف ومسلم، عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم كلهم عن مالك به.\nورواه مسلم أيضا من حديث نافع قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة، يحدث\n_________\n(^١) امضه: بمعنى امضي، والهاء زائدة.\n(^٢) العضاه والسلم والسمر: أنواع من الشجر.\n(^٣) أي من طين لزج متماسك.\n(^٤) صحيح البخاري (تفسير سورة البقرة باب ٧)\n(^٥) عبارة البخاري: «أن قومك بنوا الكعبة واقتصروا …».","vol":"1","page":309},{"text":"عبد الله بن عمر عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال:\nبكفر-لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها الحجر».\nوقال البخاري: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال:\nقال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك حديثا كثيرا، فما حدثتك في الكعبة؟ قال: قلت:\nقالت لي: قال النبي ﷺ «يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم-فقال ابن الزبير-بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: بابا يدخل منه الناس، وبابا يخرجون منه» ففعله ابن الزبير، انفرد بإخراجه البخاري فرواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه.\nوقال مسلم (^١) في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ «ولولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفا» (^٢) قال: وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: أخبرنا ابن نمير عن هشام بهذا الإسناد انفرد به مسلم، قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثني ابن مهدي، أخبرنا سليم بن حيان عن سعيد يعني ابن ميناء، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي، يعني عائشة ﵂، قالت: قال النبي ﷺ «يا عائشة لولا قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث (^٣) بنت الكعبة» انفرد به أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵇ بمدد طويلة، وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين</span>\nوقد نقل معهم في الحجارة وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (^٤): ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنما كانت رضما (^٥) فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك مولى بني مليح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده، ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر\n_________\n(^١) صحيح مسلم (حج حديث ٣٩٨)\n(^٢) خلفا: أي بابا من خلفها.\n(^٣) حيث هنا بمعنى حين. وذكر ابن هشام في مغني اللبيب أن كلمة حيث قد ترد للزمان.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ١٩٢.\n(^٥) الرضم: أن تنضد الحجارة بعضها على بعض من غير ملاط.","vol":"1","page":310},{"text":"قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدي لها كل يوم تتشرّق (^١) على جدار الكعبة وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألّت (^٢) وكشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يوما تتشرّق على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرا فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية، فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال:\nيا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، قال ابن إسحاق: والناس ينتحلون هذا الكلام للوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، قال: ثم إن قريشا تجزأت الكعبة، فكان شق (^٣) الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود، والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة، لبني جمح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحطيم، ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة، أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع (^٤)، اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس، أساس إبراهيم ﵇، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضا، قال: فحدثني بعض من يروي الحديث: أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضا أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت (^٥) مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.\nقال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن، يعني الحجر الأسود، فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا (^٦) وتخالفوا وأعدوا للقتال، فقربت بنو\n_________\n(^١) تتشرّق: تبرز للشمس.\n(^٢) احزألّت: رفعت رأسها. كشّت: صوتت باحتكاك بعض جلدها ببعض.\n(^٣) الشقّ: الناحية والجانب.\n(^٤) لم ترع: لم تفزع. والضمير فيها يعود على الكعبة. قال ابن هشام: ويقال: لم نزغ.\n(^٥) تنقضت: اهتزت.\n(^٦) كذا أيضا في أكثر المصادر. ولعل الصواب، تحاوزوا (بالزاي) أي انحازت كل قبيلة إلى جهة، كما جاء في طبعة دار الكتب العلمية من السيرة ١/ ١٩٦.","vol":"1","page":311},{"text":"عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا «لعقة الدم» فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلهم، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ﷺ: هلم إلي ثوبا، فأتي به فأخذ الركن، يعني الحجر الأسود، فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ثم بني عليه، وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ قبل أن ينزل الوحي الأمين فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا، قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها: [الوافر] عجبت لما تصوبت العقاب … إلى الثعبان وهي لها اضطراب\nوقد كانت يكون لها كشيش … وأحيانا يكون لها وثاب\nإذا قمنا إلى التأسيس شدت … تهيبنا البناء وقد تهاب\nفلما إن خشينا الرجز (^١) جاءت … عقاب تتلئب (^٢) لها انصباب\nفضمتها إليها ثم خلت … لنا البنيان ليس له حجاب\nفقمنا حاشدين إلى باء … لنا منه القواعد والتراب\nغداة نرفّع التأسيس منه … وليس على مساوينا (^٣) ثياب\nأعز به المليك بني لؤي … فليس لأصله منهم ذهاب\nوقد حشدت هناك بنو عدي … ومرة قد تقدمها كلاب\nفبوأنا المليك بذاك عزا … وعند الله يلتمس الثواب\nقال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي ﷺ ثماني عشر ذراعا، وكانت تكسى القباطي (^٤)، ثم كسيت بعد البرود (^٥)، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.\n(قلت) ولم تزل على بناء قريش حتى احترقت في أول إمارة عبد الله بن الزبير بعد سنة ستين\n_________\n(^١) الرجز: العذاب.\n(^٢) تتلئبّ: تتابع في انقضاضها.\n(^٣) مساوينا: سوآتنا.\n(^٤) القباطي: ثياب بيض كانت تصنع بمصر.\n(^٥) البرود: ضرب من ثياب اليمن.","vol":"1","page":312},{"text":"وفي أخر ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابا شرقيا وبابا غربيا ملصقين بالأرض كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين عن رسول الله ﷺ ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله الحجاج، فردها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم بن الحجاج في صحيحه:\nأخبرنا هناد بن السري، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن أبي سليمان عن عطاء، قال:\nلما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يحزبهم أو يجرئهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق (^١) لي رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهي منها، وتدع بيتا أسلم الناس عليه، وأحجارا أسلم الناس عليها، وبعث عليها ﷺ، فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم ﷿؟ إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري، فلما مضت ثلاث، أجمع رأيه على أن ينقضها فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة ﵂ تقول إن النبي ﷺ قال «لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه» قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى له أسا، فنظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا فلما زاد فيه استقصره فزاد في أوله عشرة أذرع وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك يستجيزه بذلك ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة؛ فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه.\nوقد رواه النسائي في سننه عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير عن عائشة بالمرفوع منه، ولم يذكر القصة وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير ﵄، لأنه هو الذي ودّه رسول الله ﷺ، ولكن خشي أن تنكره قلوب بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام وقرب عهدهم من الكفر، ولكن خفيت هذه السنة على عبد الملك بن مروان، ولهذا لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ذلك عن\n_________\n(^١) في الأصل «خرق». والمثبت عن صحيح مسلم. والمراد: قد ظهر لي أمر ورأي فيها.","vol":"1","page":313},{"text":"رسول الله ﷺ قال: وددنا أن تركناه وما تولى، كما قال مسلم:\nحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك:\nما أظن أبا خبيب، يعني ابن الزبير، سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث:\nبلى، أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ «إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فهلمي لأريك ما تركوه منه» فأراها قريبا من سبعة أذرع، هذا حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، وزاد عليه الوليد بن عطاء قال النبي ﷺ «ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض: شرقيا وغربيا، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها» قالت: لا. قال «تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه حتى يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط» قال عبد الملك: فقلت للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، قال فنكت ساعة بعصاه، ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل.\nقال مسلم: وحدثناه محمد بن عمرو بن جبلة، حدثنا أبو عاصم (ح)، وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق كلاهما عن ابن جريج بهذا الإسناد مثل حديث أبي بكر، قال: وحدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن أبي قزعة: أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ «يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة حتى أزيد فيها من الحجر. فإن قومك قصروا في البناء» فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فإني سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير. فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة، لأنه قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة عن الأسود بن يزيد والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير، فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير، فلو ترك لكان جيدا.\nولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبيه المهدي أنه سأل الإمام مالكا عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها، فترك ذلك الرشيد، نقله عياض والنووي ولا تزال-والله أعلم-هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخربها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» أخرجاه. وعن ابن","vol":"1","page":314},{"text":"عباس عن النبي ﷺ «كأني به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا» رواه البخاري. وقال الإمام أحمد (^١) بن حنبل في مسنده: أخبرنا أحمد بن عبد الملك الحراني، أخبرنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله» -الفدع:\nزيغ بين القدم وعظم الساق-وهذا، والله أعلم، إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج، لما جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «ليحجن البيت وليعتمرنّ بعد خروج يأجوج ومأجوج».\nوقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ قال ابن جرير (^٢): يعنيان بذلك واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، ولا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا إسماعيل عن رجاء بن حبان الحصني القرشي، أخبرنا معقل بن عبيد الله عن عبد الكريم ﴿وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال: مخلصين لك، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال: مخلصة، وقال أيضا: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا المقدمي، أخبرنا سعيد بن عامر عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية ﴿وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ﴾ قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.\nوقال عكرمة ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت.\nوقال السدي (^٣) ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان العرب. قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩].\n(قلت) وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي، فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو العرب، ولهذا قال بعده ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. والمراد بذلك محمد ﷺ، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٢ ص ٢٢٠)\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ٦٠٢.\n(^٣) رواه الطبري ١/ ٦٠٣.","vol":"1","page":315},{"text":"الأحمر والأسود لقوله تعالى ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وغير ذلك من الأدلة القاطعة، وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] وهذا القدر مرغوب فيه شرعا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له. ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇ ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ قال ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ وهو قوله ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، أنه قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له».\n﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ قال ابن جرير عن عطاء ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ أخرجها لنا علمناها، وقال مجاهد ﴿أَرِنا مَناسِكَنا﴾ مذابحنا. وروي عن عطاء أيضا وقتادة نحو ذلك. وقال سعيد بن منصور: أخبرنا عتاب بن بشير عن خصيف، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم ﴿أَرِنا مَناسِكَنا﴾ فأراه جبرائيل فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد وأتم البنيان ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبر وارمه، فكبر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه، فكبر ورماه، فذهب الخبيث إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئا، فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرات، قال: نعم.\nوروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك، وقال أبو داود الطيالسي: أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي العاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: إن إبراهيم لما أري أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى، قال: هذا مناخ الناس، فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب فأتى به جمعا، فقال: هذا المشعر، ثم أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٩]</span>\n﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد صلوات الله","vol":"1","page":316},{"text":"وسلامه عليه رسولا في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجميين من الإنس والجن، كما قال الإمام أحمد (^١): أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ «إني عبد الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين» وكذلك رواه ابن وهب والليث وكاتبه عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح وتابعه أبو بكر بن أبي مريم عن سعيد بن سويد به.\nوقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: أخبرنا أبو النضر، أخبرنا الفرج، أخبرنا لقمان بن عامر، قال:\nسمعت أبا أمامة قال: قلت يا رسول الله: ما كان أول بدء أمرك؟ قال «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي. ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام».\nوالمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ﵇، ولم يزل ذكره في الناس مذكورا مشهورا سائر حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبا، وهو عيسى ابن مريم ﵇، حيث قام في بني إسرائيل خطيبا، وقال ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ولهذا قال في هذا الحديث دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى بن مريم. وقوله: ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، قيل كان مناما رأته حين حلمت به، وقصته على قومها، فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة؛ وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذ نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» وفي صحيح البخاري «وهم بالشام».\nقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني أمة محمد ﷺ، فقيل له: قد استجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان، وكذا قال السدي وقتادة، وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ يعني القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني السنة، قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك وغيرهم، وقيل: الفهم في الدين ولا منافاة، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني طاعة الله وقال محمد بن إسحاق ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال الخير فيفعلوه والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوه ليستكثروا من طاعته ويجتنبوا ما يسخطه من معصيته.\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٤ ص ١٢٧)\n(^٢) مسند أحمد (ج ٥ ص ٢٦٢)","vol":"1","page":317},{"text":"وقوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها لعلمه وحكمته وعدله.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٢]</span>\n﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾\nيقول ﵎ ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، فإنه جرد توحيد ربه ﵎ فلم يدعو معه غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه خالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه، فقال ﴿يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ. إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢١ - ١٢٢] ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ﴾ عن طريقته ومنهجه فيخالفها ويرغب عنها ﴿إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؟ أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته، واتبع طريق الضلالة والغيّ، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى:\n﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\nقال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨].\nوقوله تعالى ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي أمره الله بالإخلاص والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا، وقوله ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي وصى بهذه الملة، وهي الإسلام لله، أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ لحرصهم عليها ومحبتهم لها، حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] وقد قرأ بعض السلف","vol":"1","page":318},{"text":"«ويعقوب» بالنصب (^١) عطفا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرا ذلك، وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي (^٢) عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح، والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة، لأن البشارة وقعت بهما في قوله ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال في الآية الأخرى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وهذا يقضي أنه وجد في حياته، وأيضا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة.\nوثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال:\n«المسجد الحرام» قلت: ثم أي؟ قال «بيت المقدس»، قلت: كم بينهما؟ قال «أربعون سنة» الحديث (^٣)، فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس-وإنما كان جدّده بعد خرابه وزخرفه-وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين، والله أعلم، وأيضا فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبا، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين.\nوقوله ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأنه من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحا ثبت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ويعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].\n_________\n(^١) هي قراءة عمرو بن فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد الله المكي، كما جاء في تفسير القرطبي.\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ١٣٦.\n(^٣) أخرجه مسلم (مساجد حديث ١) وأحمد في المسند (ج ٥ ص ١٥٠). وتتمة الحديث: ثم أي؟ قال: «ثم حيثما أدركت الصلاة فصلّ فكلها مسجد».","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٤]</span>\n﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾\nيقول تعالى محتجا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل وعلى الكفار من بني إسرائيل -وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈-بأن يعقوب لما حضرته الوفاة، وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ وهذا من باب التغليب، لأن إسماعيل عمه، قال النحاس:\nوالعرب تسمي العم أبا، نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أبا وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من السلف والخلف، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه يقاسم الإخوة، وحكي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ولتقريرها موضع آخر.\nوقوله ﴿إِلهًا واحِدًا﴾ أي نوحده بالألوهية ولا نشرك به شيئا غيره، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، والآيات في هذا كثيرة والأحاديث فمنها قوله ﷺ «نحن معشر الأنبياء أولاد علات (^١) ديننا واحد».\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي مضت، ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ﴾ أي إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إذا لم تفعلوا خيرا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم ﴿وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال أبو العالية والربيع وقتادة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط ولهذا جاء في الأثر «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».\n\n<span data-type='title' id=toc-145>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]</span>\n﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾\n_________\n(^١) بنو العلاّت: بنو رجل واحد من أمهات شتّى. والمراد بقوله «أولاد علاّت» أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة.","vol":"1","page":320},{"text":"قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله ﷿ ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾.\nوقوله ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية بل نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي مستقيما، قاله محمد بن كعب القرظي وعيسى بن جارية، وقال خصيف عن مجاهد: مخلصا، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: حاجا، وكذا روي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي، وقال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا. وقال مجاهد والربيع بن أنس: حنيفا أي متبعا. وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى أخرهم، وقال قتادة: الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله، يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات وما حرم الله ﷿ والختان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]</span>\n﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾\nأرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلا وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾.\n﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠].\nوقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا عثمان بن عمرة، أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله».\nوقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم عن سعيد بن يسار عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر ب ﴿آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ الآية، والأخرى ب ﴿آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢].\nوقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة\n_________\n(^١) الآثار الواردة في تفسير هذه الآية حكاها الطبري في تفسيره ١/ ٦١٦ - ٦١٧.","vol":"1","page":321},{"text":"من الناس، فسموا الأسباط (^١).\nوقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل، وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط هاهنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، وقال تعالى:\n﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا﴾ [الأعراف: ١٠٦] قال القرطبي (^٢): وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة، وقيل أصله من السبط، بالتحريك، وهو الشجر، أي في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سبطة. قال الزجاج: ويبين لك أصله ما حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، قال القرطبي: والسبط الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد.\nوقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله. وقال سليمان بن حبيب: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، أخبرنا مؤمل، أخبرنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ «آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن».\n\n<span data-type='title' id=toc-147>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٧ إلى ١٣٨]</span>\n﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)﴾\nيقول تعالى: فإن آمنوا، يعني الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بمثل ما آمنتم به يا أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عن الحق إلى الباطل بعد قيام الحجة عليهم ﴿فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾، أي فسينصرك عليهم ويظفرك بهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: قرأ عليّ يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا زياد بن يونس، حدثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إلى بعض الخلفاء مصحف عثمان بن عفان ليصلحه، قال زياد: فقلت له: إن الناس ليقولون إن مصحفه كان في حجره حين قتل فوقع الدم على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية، وقد قدم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٦١٩.\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ١٤١.","vol":"1","page":322},{"text":"وقوله ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾، قال الضحاك عن ابن عباس: دين الله، وكذا روي عن مجاهد وأبي العالية وعكرمة وإبراهيم والحسن وقتادة والضحاك وعبد الله بن كثير وعطية العوفي والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. وانتصاب صبغة الله إما على الإغراء كقوله ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ أي الزموا ذلك عليكموه، وقال بعضهم: بدلا من قوله ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ [الروم: ٣٠] وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله ﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ كقوله ﴿وَعَدَ اللهُ﴾.\nوقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من رواية أشعث بن إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن نبي الله ﷺ قال «إن بني إسرائيل قالوا: يا رسول الله، هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل: نعم، أنا أصبغ الألوان:\nالأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صبغي» وأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف وهو أشبه إن صح إسناده والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٩ إلى ١٤١]</span>\n﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾\nيقول الله تعالى مرشدا نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء مجادلة المشركين: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ﴾ أي تناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد واتباع أوامره وترك زواجره ﴿وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ﴾ المتصرف فينا وفيكم المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له ﴿وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي نحن براء منكم ومما تعبدون وأنتم براء منا، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ. أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١ - ٤٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] إلى آخر الآية، وقال تعالى إخبارا عن إبراهيم ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] إلى آخر الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقال في هذه الآية الكريمة ﴿وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي نحن براء منكم كما أنتم براء منا، ونحن له مخلصون أي في العبادة والتوجه، ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط، كانوا على ملتهم إما اليهودية وإما النصرانية، فقال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ يعني بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى كما قال تعالى: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] والتي بعدها.","vol":"1","page":323},{"text":"وقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال الحسن البصري: كانوا يقرءون في كتاب الله الذي أتاهم إن الدين الإسلام وإن محمدا رسول الله وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، كانوا براء من اليهودية والنصرانية فشهدوا لله بذلك، وأقروا على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك.\nوقوله ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد ووعيد شديد، أي أن علمه محيط بعلمكم وسيجزيكم عليه. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي قد مضت، ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ﴾ أي لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا منقادين مثلهم لأوامر الله واتباع رسله الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد، فقد كفر بسائر الرسل ولا سيما بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من المكلفين صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]</span>\n﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾\nقيل: المراد بالسفهاء-هاهنا مشركوا العرب، قاله الزجاج، وقيل أحبار يهود، قاله مجاهد، وقيل: المنافقون، قاله السدي، والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم.\nقال البخاري (^١): أخبرنا أبو نعيم، سمع زهيرا عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁: أن رسول الله ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلّى أول صلاة (^٢) صلاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم فخرج رجل ممن كان يصلي (^٣) معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل ان تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ انفرد به البخاري من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق، عن البراء، قال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة البقرة باب ٨)\n(^٢) عبارة الصحيح: «وأنه صلّى أو صلاها صلاة العصر».\n(^٣) في الصحيح: «صلى معه».","vol":"1","page":324},{"text":"كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فقال رجل من المسلمين: وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس، فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ وقال السفهاء من الناس، وهم أهل الكتاب: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ إلى آخر الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، قال: كان رسول الله ﷺ قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ قال: فوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ فأنزل الله ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﷿:\n﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤ - ١٥٠] أي نحوه، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله ﷺ أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، قال ابن عباس والجمهور: ثم اختلف هؤلاء، هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره على قولين.\nوحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري: إن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده ﵇.\nوالمقصود: إن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم ﵇، فأجيب إلى ذلك وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله ﷺ الناس فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين رواية البراء.","vol":"1","page":325},{"text":"ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر، وقال: كنت أنا وصاحبي أول من صلّى إلى الكعبة.\nوذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم: أن تحويل القبلة نزل على رسول الله وقد صلى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة، فسمي مسجد القبلتين، وفي حديث نويلة بنت مسلم: أنهم جاءهم الخبر بذلك وهم في صلاة الظهر، قالت: فتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري، وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أنه قال:\nبينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.\nوفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم. ولما وقع هذا، حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب، وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ أي قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي الحكم والتصرف والأمر كله لله ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة: فنحن عبيده وفي تصرفه، وخدامه حيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه وأمته عناية عظيمة إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء إبراهيم الخليل ﵇ ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقد روى الإمام أحمد (^١) عن علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو (^٢) بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ، يعني في أهل الكتاب:\n«إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين».\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇، واخترناها لكم\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٦ ص ١٣٥)\n(^٢) في المسند «عمر».","vol":"1","page":326},{"text":"لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هاهنا الخيار والأجود كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي خيرها، وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها. ولما جعل الله هذه الأمة وسطا، خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ «يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، قال فذلك قوله: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: والوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم» رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن الأعمش.\nوقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه، فيقال: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله ﷿ ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.\nوقال أحمد أيضا: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال عدلا.\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم، من حديث عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس، حدثني مكاتب لنا عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ود أنه منا وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه ﷿».\nوروى الحاكم في مستدركه وابن مردويه أيضا، واللفظ له من حديث مصعب بن ثابت عن محمد بن كعب القرظي عن جابر بن عبد الله قال: شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني مسلمة\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٣ ص ٣٢)\n(^٢) مسند أحمد (ج ٣ ص ٥٨)","vol":"1","page":327},{"text":"وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ فقال بعضهم: والله يا رسول الله لنعم المرء كان، لقد كان عفيفا مسلما وكان … وأثنوا عليه خيرا، فقال رسول الله ﷺ: أنت بما تقول. فقال الرجل: الله يعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي ﷺ وجبت وجبت، ثم شهد جنازة في بني حارثة وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ فقال بعضهم: يا رسول الله بئس المرء كان إن كان لفظا غليظا فأثنوا عليه شرا، فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: أنت بالذي تقول. فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ: وجبت. قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ ثم قرأ ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ثم قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد حدثنا داود بن أبي الفرات عن عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض فهم يموتون موتا ذريعا، فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرت به جنازة فأثني على صاحبها خيرا، فقال: وجبت وجبت، ثم مر بأخرى فأثني عليها شرا، فقال عمر: وجبت. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين قال، قلت كما قال رسول الله ﷺ «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة» قال: فقلنا وثلاثة قال: فقال «وثلاثة» قال: فقلنا واثنان: قال «واثنان». ثم لم نسأله عن الواحد. وكذا رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به.\nوقال ابن مردويه حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد حدثنا نافع بن عمر حدثني أمية بن صفوان عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنباوة (^١) يقول: «يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم» قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بالثناء الحسن والثناء السيء أنتم شهداء الله في الأرض»، ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون، ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وعبد الملك بن عمر وشريح عن نافع عن ابن عمر به.\nوقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ يقول تعالى: إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك، ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبه، أي مرتدا عن دينه وإن كانت لكبيرة، أي هذه الفعلة وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس إلا على الذين هدى الله قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث\n_________\n(^١) النباوة: موضع بالطائف.","vol":"1","page":328},{"text":"أمر أحدث لهم شكا كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، وقال تعالى:\n﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب من سادات الصحابة، وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا إلى القبلتين.\nوقال البخاري (^١) في تفسير هذه الآية: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء إذ جاء رجل (^٢) فقال: قد أنزل على النبي ﷺ قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة. وقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وعنده أنهم كانوا ركوعا فاستداروا كما هم إلى الكعبة وهم ركوع، وكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مثله، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله وانقيادهم لأوامر الله ﷿ ﵃ أجمعين.\nوقوله: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع ثوابها عند الله، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه.\nوقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ أي بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي ليعطيكم أجرهما جميعا ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال الحسن البصري ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ أي ما كان الله ليضيع محمدا ﷺ وانصرافكم معه حيث انصرف. ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها، فقال رسول الله ﷺ «أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه»؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فوالله لله أرحم بعباده من هذه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة البقرة باب ٧)\n(^٢) في الصحيح: «إذ جاء جاء».","vol":"1","page":329},{"text":"بولدها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-150>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]</span>\n﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ، لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء فأنزل الله ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتابت من ذلك اليهود وقالوا: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] وقال: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقال الله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري عن عمه عبيد الله بن عمر عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ إلى الكعبة إلى الميزاب يؤم به جبرائيل ﵇.\nوروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء عن يحيى بن قمطة قال:\nرأيت عبد الله بن عمرو جالسا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب فتلى هذه الآية، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قال: نحو ميزاب الكعبة. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة عن هشام عن يعلى بن عطاء به. وهكذا قال غيره وهو أحد قولي الشافعي ﵁: إن الغرض إصابة عين القبلة، والقول الآخر وعليه الأكثرون: أن المراد المواجهة، كما رواه الحاكم من حديث محمد بن إسحاق عن عمير بن زياد الكندي عن علي بن أبي طالب ﵁ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ قال شطره: قبله، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهذا قول أبي العالية ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. وكما تقدم في الحديث الآخر «ما بين المشرق والمغرب قبلة».\nوقال القرطبي (^٢): روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (توبة حديث ٢٢)\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ١٥٩.","vol":"1","page":330},{"text":"قال: «البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي».\nوقال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن البراء أن النبي ﷺ صلّى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه قبلته قبل البيت وأنه صلّى صلاة العصر وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلي معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يحول نحو الكعبة، فنزلت ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ فصرف إلى الكعبة.\nوروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ فنصلي فيه فمررنا يوما ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ، فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناها. ثم نزل النبي ﷺ وصلّى للناس الظهر يومئذ.\nوكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر وإنها الصلاة الوسطى، والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا رجاء بن محمد السقطي حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا إبراهيم بن جعفر، حدثني أبي عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم قالت: صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة فاستقبلنا مسجد إيلياء (^١) فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال: «أولئك رجال يؤمنون بالغيب».\nوقال ابن مردويه أيضا، حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا قيس عن زياد بن علامة عن عمارة بن أوس قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ونحن ركوع إذ نادى مناد بالباب: إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، قال فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان وهم ركوع نحو الكعبة.\n_________\n(^١) إيلياء: بيت المقدس.","vol":"1","page":331},{"text":"وقوله: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال. وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئا في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها.\n[مسألة] وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، قال المالكية بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء وهو ينافي كمال القيام، وقال بعضهم: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره. وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع وقد ورد به الحديث، وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه وفي حال قعوده إلى حجره.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي واليهود الذين أنكروا استقبالكم وانصرافكم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمته، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا ولهذا تهددهم تعالى بقوله: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]</span>\n﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٤٥)﴾\nيخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله ﷺ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] ولهذا قال هاهنا ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ وقوله ﴿وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ إخبار عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله ولا كونه متوجها إلى بيت المقدس لكونها قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذر تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى، فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطبا للرسول والمراد به الأمة ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ","vol":"1","page":332},{"text":"ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]</span>\n﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾\nيخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب، يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث (^١). أن رسول الله ﷺ قال لرجل معه صغير «ابنك هذا»؟ قال: نعم يا رسول الله أشهد به، قال «أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه».\nقال القرطبي (^٢): ويروى عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا كما تعرف ولدك؟ قال، نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته (^٣)، وأبني لا أدري ما كان من أمه (قلت) وقد يكون المراد ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم. ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﷺ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ثم ثبت تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-153>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]</span>\n﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس. ولكل وجهة هو موليها يعني بذلك أهل الأديان، يقول لكل قبيلة قبلة يرضونها ووجهة الله حيث توجه المؤمنون. وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة إلى القبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس والسدي نحو هذا، وقال مجاهد في الرواية الأخرى والحسن: أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر الباقر وابن عامر «ولكل وجهة هو مولّيها»، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقال هاهنا ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٥ ص ٨١)\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ١٦٣.\n(^٣) عبارة القرطبي: «بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه فعرفته».","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٠]</span>\n﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾\nهذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض، وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات، فقيل، تأكيد لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص فيه ابن عباس وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائبا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان، هكذا وجهه فخر الدين الرازي.\nوقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار، ورجح هذا الجواب القرطبي.\nوقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله أو بعده من السياق، فقال: أولا ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤] إلى قوله ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها، وقال في الأمر الثاني، ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فذكر أنه الحق من الله وارتقاءه المقام الأول، حيث كان موافقا لرضا الرسول ﷺ فبين أنه الحق أيضا من الله يحبه ويرتضيه، وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇ إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إليها، وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله أعلم.\nوقوله، ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: أهل الكتاب فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس، وهذا أظهر.\nقال أبو العالية: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة. وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه وكان حجتهم على النبي ﷺ انصرافه إلى البيت الحرام، أن قالوا، سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.","vol":"1","page":334},{"text":"قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي نحو هذا، وقال هؤلاء في قوله ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني مشركي قريش.\nووجه بعضهم حجة الظلمة وهي داحضة، أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فلم يرجع عنه والجواب أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس، أولا لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضا، فهو صلوات الله وسلامه عليه مطيع لله في جميع أحواله لا يخرج عن أمر الله طرفة عين وأمته تبع له.\nوقوله، ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، أي، لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي إلى ما ضلت عنه الأمم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأمم وأفضلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥١ إلى ١٥٢]</span>\n﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾\nيذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ إليهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم، أي يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويعلمهم الكتاب، وهو القرآن، والحكمة وهي السنة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالعقول الغراء، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء. فصاروا أعمق الناس علما، وأبرهم قلوبا، وأقلهم تكلفا، وأصدقهم لهجة. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وذمّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال ابن عباس: يعني بنعمة الله محمدا ﷺ، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾.\nقال مجاهد، في قوله: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني، قال عبد الله بن وهب: عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن موسى ﵇ قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: «تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني» قال الحسن البصري وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس: أن الله يذكر من ذكره ويزيد من شكره","vol":"1","page":335},{"text":"ويعذب من كفره.\nوقال بعض السلف في قوله تعالى، ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال، هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.\nوقال ابن أبي حاتم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، أخبرنا مكحول الأزدي، قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟ قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت.\nوقال الحسن البصري في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي، وعن سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية، برحمتي. وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.\nوفي الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه».\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: يا ابن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، إن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة-أو قال، في ملأ خير منه-وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة»، صحيح الإسناد أخرجه البخاري من حديث قتادة، وعنده قال قتادة: الله أقرب بالرحمة (^٢).\nوقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله تعالى بشكره ووعد على شكره بمزيد الخير فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا روح، حدثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة-رجل من قيس-حدثنا أبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال، إن رسول الله ﷺ قال، «من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه»، وقال روح مرة: على عبده.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٣ ص ١٣٨)\n(^٢) عبارة المسند: «قال قتادة: فالله ﷿ أسرع بالمغفرة».\n(^٣) مسند أحمد (ج ٤ ص ٤٣٨)","vol":"1","page":336},{"text":"لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها كما جاء في الحديث «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له».\nوبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة كما تقدم في قوله:\n﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر صلى، والصبر صبران فصبر على ترك المحارم والمآثم وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابا لأنه المقصود. وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذلك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله.\nوقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي مناد، أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق (^١) من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: نحن الصابرون، قالوا: وما كان صبركم، قالوا: صبرنا على طاعة الله وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا الله، قالوا: أنتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.\n(قلت) ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ﴾، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم (^٢): أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك إطلاعة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا\n_________\n(^١) العنق (بالتحريك): الطائفة من الناس.\n(^٢) صحيح مسلم (إمارة حديث ١٢١). والحديث الذي يرويه ابن كثير هنا يختلف بلفظه كثيرا عما جاء في رواية مسلم. قارن أيضا بسنن الترمذي (تفسير سورة ٣ باب ١٩)","vol":"1","page":337},{"text":"إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى-لما يرون من ثواب الشهادة-فيقول الرب ﷻ: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون.\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١) عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضا وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفا وتكريما وتعظيما.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٧]</span>\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾\nأخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده، أي يختبرهم ويمتحنهم كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال تعالى: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه، ولهذا قال لباس الجوع والخوف. وقال هاهنا: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي بقليل من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾ أي ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب والأقارب والأحباب ﴿وَالثَّمَراتِ﴾ أي لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها.\nقال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة، وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا خوف الله، وبالجوع صيام رمضان، وبنقص الأموال الزكاة، والأنفس الأمراض، والثمرات الأولاد، وفي هذا نظر، والله أعلم.\nثم بين تعالى من الصابرين الذين شكرهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أي تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة. ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك، فقال: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي ثناء من الله عليهم. قال سعيد بن جبير: أي أمنة من العذاب ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة وهي ما توضع بين العدلين وهي زيادة في الحمل فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٣ ص ٤٥٥)","vol":"1","page":338},{"text":"وزيدوا أيضا.\nوقد ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد (^١) حيث قال: حدثنا يونس بن محمد حدثنا ليث يعني ابن سعد عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به. قال: «لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا فعل ذلك به»، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن عليّ رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابا لي فغسلت يدي من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا يكون بك الرغبة، لكني امرأة في غيرة شديدة فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال، فقال: «أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله ﷿ عنك وأما ما ذكرت من السن قد أصابني مثل الذي أصابك وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي». قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ، فتزوجها رسول الله ﷺ فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه: رسول الله ﷺ.\nوفي صحيح مسلم (^٢) عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله ﷺ.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: حدثنا هشام بن أبي هشام حدثنا عباد بن زياد عن أمه عن فاطمة ابنة الحسين عن أبيها الحسين بن علي عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها-وقال عباد قدم عهدها-فيحدث لذلك استرجاعا إلا جدد الله له عن ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب». ورواه ابن ماجة في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها.\nوقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون عن هشام بن زياد عن أبيه (كذا) عن فاطمة عن أبيها.\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٤ ص ٢٨)\n(^٢) صحيح مسلم (جنائز حديث ٣، ٤)\n(^٣) مسند أحمد (ج ١ ص ٢٠١)","vol":"1","page":339},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١) حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني (^٢) حدثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: دفنت ابنا لي وإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة يعني الخولاني فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ «قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع. قال: «ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد» ثم رواه عن علي بن إسحاق عن عبد الله بن المبارك فذكره. وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وقال حسن غريب واسم أبي سنان عيسى بن سنان.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]</span>\n﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾\nقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي أخبرنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة، قال: قلت أرأيت قول الله تعالى. ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾؟ قلت: فوالله ما على أحد جناح أن لا يطّوّف بهما، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه كانت فلا جناح أن عليه لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل (^٣)، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما أخرجاه في الصحيحين.\nوفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إن الناس-إلا من ذكرت عائشة-كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن:\nفلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٤ ص ٤١٥)\n(^٢) في المسند: «السالحيني». وفي موسوعة رجال الكتب التسعة ٤/ ١٩٥: «السيلحيني».\n(^٣) المشلل: جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر (معجم البلدان)","vol":"1","page":340},{"text":"ورواه البخاري من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بنحو ما تقدم. ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنسا عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾.\nوذكر القرطبي (^١) في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق (^٢) بين الصفا والمروة الليل كله وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. وقال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونها فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية (قلت) ذكر محمد بن إسحاق (^٣) في كتاب السيرة أن إسافا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:\n[الطويل] وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … لمفضى (^٤) السيول من إساف ونائل\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل، وفيه أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ ثم قال: «أبدأ بما بدأ الله به» وفي رواية النسائي «ابدءوا بما بدأ الله به».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي».\nثم رواه الإمام أحمد (^٦) عن عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: «كتب عليكم السعي فاسعوا».\nوقد استدل بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج،\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ١٧٩.\n(^٢) في القرطبي: «تعزف».\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٨٣.\n(^٤) في السيرة: «بمفضى».\n(^٥) مسند أحمد (ج ٦ ص ٤٢١)\n(^٦) مسند أحمد (ج ٦ ص ٤٣٧)","vol":"1","page":341},{"text":"كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه، ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك. وقيل أنه واجب وليس بركن، فإن تركه عمدا أو سهوا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة، وقيل بل مستحب، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ والقول الأول أرجح لأنه ﵇ طاف بينهما، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم.\nوقد تقدم قوله ﵇ «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» فقد بين الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس، أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم ﵇ هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفذ ما عندهما، قامت تطلب الغوث من الله ﷿، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله ﷿، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها «طعام طعم، وشفاء سقم» فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله، في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ﷿، لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما فعل بهاجر ﵍.\nوقوله ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قيل زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة ونحو ذلك، وقيل يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيرا في سائر العبادات، حكى ذلك الرازي، وعزي الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم، وقوله ﴿فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي يثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه، و﴿لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-159>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾\nهذا وعيد شديد لمن كتم ما جاء به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده من كتبه التي أنزلها على رسله.","vol":"1","page":342},{"text":"قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ، ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، وقد ورد في الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضا عن أبي هريرة وغيره أن رسول الله ﷺ، قال: «من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار» والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله، ما حدثت أحدا شيئا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى﴾ الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عمار بن محمد عن ليث بن أبي سليم عن المنهال بن عمرو، عن زاذان بن عمرو، عن البراء بن عازب، قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: «إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، فيسمع صوته كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى، ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ يعني دواب الأرض» ورواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح، عن عامر بن محمد به، وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجن والإنس، وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض، قال البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم، وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث أن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون واللاعنون أيضا، وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال، أو الحال، أو لو كان له عقل ويوم القيامة والله أعلم.\nثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أعمالهم وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه ﴿فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر، أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.\nوقد ورد أن الأمم السالفة لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.\nثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأنّ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها﴾ أي في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة ثم المصاحبة فهم في نار جهنم التي ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ فيها أي لا ينقص عما هم فيه ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يغير عنهم ساعة واحدة ولا يفتر بل هو متواصل دائم فنعوذ بالله من ذلك. قال أبو العالية وقتادة إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون.\n[فصل] لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة، يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، فأما الكافر المعين، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا","vol":"1","page":343},{"text":"وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله ﵇ في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-160>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]</span>\n﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾\nيخبر تعالى عن تفرده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول الفاتحة، وفي الحديث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله ﷺ، أنه قال «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] و﴿الم اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾» ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال:\n\n<span data-type='title' id=toc-161>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]</span>\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها-وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار. هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] أي يزيد من هذا في هذا ومن هذا في هذا.\n﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أي في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣] ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك","vol":"1","page":344},{"text":"كله ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أي فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبورا وهي غربية تنفذ من ناحية دبر الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم.\n﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي سائر بين السماء والأرض، مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش محمدا ﷺ فقالوا: يا محمد، إنا نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك، قال «أوثقوا لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبا لتؤمنن بي» فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين، قال محمد ﷺ «رب لا بل دعني وقومي فلأدعهم يوما بيوم»، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ الآية.\nورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن جعفر بن أبي المغيرة به، وزاد في آخره: وكيف يسألونك الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا؟ وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت على النبي ﷺ بالمدينة ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.\nوقال وكيع بن الجراح: حدثنا سفيان عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: لما نزلت ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ إلى آخر الآية، قال المشركون: إن كان هكذا، فليأتنا بآية، فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ","vol":"1","page":345},{"text":"فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ رواه آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر هو الرازي، عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضحى به (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٥ إلى ١٦٧]</span>\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ (١٦٧)﴾\nيذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا ومالهم في الدار الآخرة حيث جعلوا له أندادا أي أمثالا ونظراء، يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ندّ له، ولا شريك معه.\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» (^٢).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم، له، لا يشركون به شيئا بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجئون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ قال بعضهم: تقدير الكلام، لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا، أي أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه.\n﴿وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ كما قال ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦] يقول لو يعلمون ما يعاينونه هنالك وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم لانتهوا عما هم فيه من الضلال ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبري المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فيقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ويقولون: ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، [سبأ: ٤١] والجن أيضا تتبرأ منهم، ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٤٦ - ٤٧] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾\n_________\n(^١) ورواه الطبري في تفسيره ٢/ ٦٦، به وبالإسناد نفسه.\n(^٢) رواه البخاري (تفسير سورة ٢ باب ٣، وتوحيد باب ٤٠) ومسلم (إيمان حديث ١٤١، ١٤٢)","vol":"1","page":346},{"text":"[مريم: ٨١ - ٨٢] وقال الخليل لقومه ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ. وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٢ - ٣٣] وقال تعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nوقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ أي عاينوا عذاب الله وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص ولم يجدوا عن النار معدلا ولا مصرفا. قال عطاء عن ابن عباس ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ قال المودة، وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (^١).\nوقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا﴾ أي لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم بل نوحد الله تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي تذهب وتضمحل كما قال تعالى:\n﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وقال تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ [النور: ٣٩]، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ إلى ١٦٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾\nلما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا من الله طيبا، أي مستطابا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان وهي طرائقه ومسالكه فيما أضلّ اتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها، مما كان زينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حماد الذي في صحيح\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٧٦.","vol":"1","page":347},{"text":"مسلم (^١) عن رسول الله ﷺ أنه قال «يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال -وفيه-وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم».\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بن شيبة المصري، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي، حدثنا أبو عبد الله الجوزجاني رفيق إبراهيم بن أدهم، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال تليت هذه الآية عند النبي ﷺ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال «يا سعد أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به».\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].\nوقال قتادة والسدي في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان، وقال عكرمة: هي نزغات الشيطان، وقال مجاهد: خطاه أو قال خطاياه، وقال أبو مجلز: هي النذور في المعاصي (^٢).\nوقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات الشيطان.\nوقال أبو الضحى عن مسروق أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم، فقال: لا أريده، فقال: أصائم أنت قال: لا، قال:\nفما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعا أبدا، فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفّر عن يمينك، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت يوما على امرأتي، فقالت: هي يوما يهودية ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان، وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة: وأتيت عاصما وابن عمر فقالا مثل ذلك.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (جنة حديث ٦٣)\n(^٢) أورد هذه الآثار الطبري في تفسيره ٢/ ٨١ - ٨٢.","vol":"1","page":348},{"text":"وقال عبد بن حميد: حدثنا أبو نعيم عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.\nوقوله: ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٠ إلى ١٧١]</span>\n﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾\nيقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما ألفينا، أي وجدنا عليه آباءنا، أي من عبادة الأصنام والأنداد، قال الله تعالى منكرا عليهم: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ أي الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي ليس لهم فهم ولا هداية.\nوروى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:\nأنها نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأنزل الله هذه الآية (^١).\nثم ضرب لهم تعالى مثلا. كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل:٦٠] فقال ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها بل إذا نعق بها راعيا، أي دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه بل إنما تسمع صوته فقط. هكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو هذا. وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا واختاره ابن جرير (^٢)، والأول أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها.\nوقوله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوهون به، عمي عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي لا يعلمون شيئا ولا يفهمونه.\n_________\n(^١) ورواه الطبري تفسيره ٢/ ٨٣. وفيه أن من قال ذلك هما رافع بن خارجة ومالك بن عوف، قالا: «بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فإنهم كانوا أعلم منا وخيرا منا».\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٨٦.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-165>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو النضر، حدثنا الفضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟» ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من ذلك حديث فضيل بن مرزوق.\nولما امتن تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية وسواء كانت منخنقة أو موقوذة (^٢) أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع، وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] على ما سيأتي إن شاء الله، وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ﵇ في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».\nوروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعا «أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله في سورة المائدة.\n[مسألة] ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره. لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي (^٣) في التفسير هاهنا يخالط اللبن منها يسير، ويعف عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع.\nوقد روى ابن ماجة (^٤) من حديث سيف بن هارون عن سليمان التميمي، عن أبي عثمان\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٢ ص ٣٢٨)\n(^٢) الموقوذة: التي ضربت بالعصا حتى ماتت.\n(^٣) تفسير القرطبي ٢/ ٢١٦.\n(^٤) سنن ابن ماجة (أطعمة باب ٦٠)","vol":"1","page":350},{"text":"النهدي، عن سلمان ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه».\nوكذلك حرم عليهم لحم الخنزير سواء ذكي أم مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه إما تغليبا أو أن اللحم يشمل ذلك أو بطريق القياس على رأي وكذلك حرم عليهم ما أهل به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له.\nوذكر القرطبي (^١) عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرسا للعبها فنحرت فيه جزورا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم، وأورد القرطبي عن عائشة ﵂: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم.\nثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ أي في غير بغي ولا عدوان وهو مجاوزة الحد ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي في أكل ذلك ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعا للسبيل أو مفارقا للأئمة، أو خارجا في معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيا أو عاديا أو في معصية الله، فلا رخصة له وإن اضطر إليه، وكذا روي عن سعيد، بن جبير. وقال سعيد في رواية عنه ومقاتل بن حيان: غير باغ يعني غير مستحلة، وقال السدي: غير باغ، يبتغي فيه شهوته، وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء وهو الخراساني، عن أبيه، في قوله ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ قال: لا يشوي من الميتة ليشتهيه، ولا يطبخه، ولا يأكل إلا العلقة، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه، وهو قوله ﴿وَلا عادٍ﴾ ويقول لا يعدو به الحلال، وعن ابن عباس: لا يشبع منها، وفسره السدي بالعدوان، وعن ابن عباس ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ قال ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ في الميتة ولا عاد في أكله، وقال قتادة: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قال: غير باغ في الميتة أي في أكله أن يتعدى حلالا إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة، وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: فمن اضطر، أي أكره على ذلك بغير اختياره.\n[مسألة] إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير بغير خلاف-كذا قال (^٢) -ثم قال: وإذا أكله، والحالة هذه، هل يضمن أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك، ثم أورد (^٣) من سنن ابن ماجة من حديث شعبة\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٢/ ٢٢٤.\n(^٢) أي القرطبي.\n(^٣) تفسير القرطبي ٢/ ٢٢٦.","vol":"1","page":351},{"text":"عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية (^١): سمعت عباد بن شرحبيل الغبري قال: أصابتنا عاما مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطا (^٢)، فأخذت سنبلا ففركته وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال للرجل «ما أطعمته إذ كان جائعا، ولا ساغيا ولا علمته إذ كان جاهلا» فأمره فرد إليه ثوبه، فأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق، إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة، من ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق، فقال «من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة (^٣)، فلا شيء عليه» الحديث.\nوقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فيما أكل من اضطرار، وبلغنا، والله أعلم. أنه لا يزاد على ثلاث لقم، وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام، رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار، وقال وكيع: أخبرنا الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات، دخل النار، وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة. قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا، كالإفطار للمريض ونحو ذلك (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-166>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٦]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ (١٧٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ﴾ يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رئاستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا-لعنهم الله-إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله، بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب،\n_________\n(^١) في القرطبي: «حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس» وقد أخرجه ابن ماجة بإسنادين.\n(^٢) الحائط: البستان، سمي كذلك لأنه يجعل من حوله حائط.\n(^٣) الخبنة: ما يحمله الإنسان في حضنه أو تحت إبطه.\n(^٤) انظر تفسير القرطبي ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤.","vol":"1","page":352},{"text":"وذمهم الله في كتابه في غير موضع فمن ذلك هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهو عرض الحياة الدنيا ﴿أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ﴾ أي إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق، نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال، «الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» وقوله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذابا أليما، وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه، هاهنا حديث الأعمش عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» ثم قال تعالى مخبرا عنهم ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ أي اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه الضلالة وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم ﴿وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أي اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.\nوقوله تعالى: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذا بالله من ذلك، وقيل معنى قوله: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ أي فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ أي إنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوا، فكتابهم أمرهم بإظهار العلم ونشره فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزأوا بآيات الله المنزلة على رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]</span>\n﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾\nاشتملت هذه الآية على جمل عظيمة وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عامر بن شفي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله ﷺ: ما الإيمان؟ فتلا عليه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: ثم سأله أيضا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال:\n«إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك» وهذا منقطع، فإن مجاهدا لم يدرك أبا ذر، فإنه مات قديما، وقال المسعودي: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عمّا سألتني عنه فقرأ عليه هذه الآية فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى فقال له رسول الله ﷺ وأشار بيده «المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها» ورواه ابن مردويه،. وهذا أيضا منقطع، والله أعلم.\nوأما الكلام على تفسير هذه الآية، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو أن المراد إنما هو طاعة الله ﷿، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجّه واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].\nوقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها، وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك، وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يقول: هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل، وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله؛ وقال مجاهد ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله ﷿، وقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها وقال الثوري: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ الآية قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله.","vol":"1","page":354},{"text":"(والكتاب) وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.\nوقوله ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أي أخرجه وهو محب له راغب فيه، نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر» (^١).\nوقد روى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة والثوري عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر» ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(قلت) وقد رواه وكيع عن الأعمش، وسفيان عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفا، وهو أصح، والله أعلم.\nوقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩] وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] نمط آخر أرفع من هذا، وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.\nوقوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبى﴾ وهم قرابات الرجل وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في الحديث «الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك» وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز.\n﴿وَالْيَتامى﴾ هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن جويبر، عن الضحاك عن النزال بن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يتم بعد حلم».\n﴿وَالْمَساكِينَ﴾ وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (نفقات باب ٢) ومسلم (زكاة حديث ٩٥)\n(^٢) أخرجه البخاري (تفسير سورة ٢ باب ٤٨؛ وزكاة باب ٥٣) وأبو داود (زكاة باب ٢٤) والنسائي (زكاة باب ٧٦) والدارمي (زكاة باب ٢) ومالك في الموطأ (صفة النبي حديث ٢٤)","vol":"1","page":355},{"text":"﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو جعفر الباقر والحسن وقتادة والضحاك والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان.\n﴿وَالسّائِلِينَ﴾ وهم الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها-قال عبد الرحمن حسين بن علي-قال: قال رسول الله ﷺ «للسائل حق وإن جاء على فرس» رواه أبو داود.\n﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم، وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة إن شاء الله تعالى، وقد قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك عن أبي حمزة عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس، أنها سألت رسول الله ﷺ: أفي المال حق سوى الزكاة؟ قالت: فتلا علي ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن إياس ويحيى بن عبد الحميد كلاهما عن شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ «في المال حق سوى الزكاة» ثم قرأ ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ وأخرجه ابن ماجة والترمذي، وضعف أبا حمزة ميمونا الأعور، وقد رواه سيار وإسماعيل بن سالم عن الشعبي.\nوقوله ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ أي وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي، وقوله: ﴿وَآتَى الزَّكاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] وقول موسى لفرعون ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال، كما قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين، إنما هو التطوع والبر والصلة، ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس أن في المال حقا سوى الزكاة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾، كقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٢٠١)","vol":"1","page":356},{"text":"[الرعد: ٢٠] وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وفي الحديث الآخر: «وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».\nوقوله: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي في حال الفقر وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام وهو الضراء ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ اي في حال القتال والتقاء الأعداء وقاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وأبو مالك والضحاك وغيرهم، وإنما نصب ﴿الصّابِرِينَ﴾ على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.\nوقوله ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾، أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٨ إلى ١٧٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾\nيقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون، حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم، وسبب ذلك قريظة والنضير، كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري قتل، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية قريظة، فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل المفسدين المحرفين المخالفين لأحكام الله فيهم كفرا وبغيا، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى، الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى﴾ وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى﴾، يعني إذا كان عمدا الحر بالحر، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل العبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى﴾ منها منسوخة نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾","vol":"1","page":357},{"text":"[المائدة: ٤٥]، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى﴾ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: النفس بالنفس والعين بالعين، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله النفس بالنفس.\n[مسألة] ذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم، قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده، لعموم حديث الحسن عن سمرة «ومن قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه» وخالفهم الجمهور فقالوا: لا يقتل الحر بالعبد، لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق الأولى، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، لما ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ «ولا يقتل مسلم بكافر» ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.\n[مسألة] قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله ﵇: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.\n[مسألة] ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد، قال عمر في غلام:\nقتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع، وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة، وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت، ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر.\nوقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد، وكذا روي عن أبي العالية وأبي الشعثاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يعني: فمن ترك له من أخيه شيء يعني أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو، ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية، ﴿وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ يعني من","vol":"1","page":358},{"text":"القاتل من غير ضرر ولا معك (^١) يعني المدافعة، وروى الحاكم من حديث سفيان عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدي المطلوب بإحسان. وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان.\n[مسألة] قال مالك ﵀ في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأحمد في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل. وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض.\n[مسألة] وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي، وخالفهم الباقون.\nوقوله: ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفا من الله عليكم ورحمة بكم مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد عن ابن عباس قال: كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد وقد رواه غير واحد عن عمرو، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار، ورواه جماعة عن مجاهد عن ابن عباس بنحوه. وقال قتادة ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رحم الله هذه الأمة وأطعمهم الدية ولم تحل لأحد قبلهم فكان أهل التوراة: إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش، وكان أهل الإنجيل: إنما هو عفو أمروا به وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش (^٢)، وهكذا روي عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس نحو هذا.\nوقوله ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول تعالى: فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها، فله عذاب من الله أليم موجع شديد، وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية، كما قال محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي، أن النبي ﷺ قال: «من أصيب بقتل أو خبل (^٣) فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها» رواه أحمد (^٤)، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن\n_________\n(^١) معكه: بالقتال والخصومة. لواه، ومعكه في دينه: مطله به.\n(^٢) الأرش: دية الجراحة. وما يستردّ من ثمن المبيع إذا ظهر فيه عيب.\n(^٣) الخبل: الجراح، كما في رواية المسند.\n(^٤) المسند (ج ٤ ص ٣١)","vol":"1","page":359},{"text":"سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية» يعني لا أقبل منه الدية، بل أقتله.\nوقوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل فجاءت هذه العبارة في القرآن افصح وأبلغ وأوجز ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل. وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان.\n﴿يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.\n\n<span data-type='title' id=toc-169>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٢]</span>\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمل منة الموصى، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: نسخت هذه الآية وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن يونس به، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث، فبين ميراث الوالدين وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (وصايا باب ٦) وأبو داود (وصايا باب ٦) والترمذي (وصايا باب ٥) والنسائي (وصايا باب ٥) وابن ماجة (وصايا باب ٦) والدارمي (وصايا باب ٢٨) وأحمد في المسند (ج ٤ ص ١٨٦)","vol":"1","page":360},{"text":"نسختها هذه الآية ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] ثم قال ابن أبي حاتم، وروي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري: أن هذا الآية منسوخة، نسختها آية الميراث.\nوالعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي ﵀، كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء: قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد (^١).\n(قلت) وبه قال أيضا سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخا في اصطلاحنا المتأخر، لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم أية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ولا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له، وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبا حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» فآية الميراث حكم مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، رفع بها حكم هذه بالكلية، بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (^٢) قال ابن عمر: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي. والآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدا.\nوقال عبد بن حميد في مسنده: أخبرنا عبد الله عن مبارك بن حسان، عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: يقول الله تعالى: يا ابن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء\n_________\n(^١) تفسير الرازي ٥/ ٥٣ - ٥٤.\n(^٢) أخرجه البخاري (وصايا باب ١) ومسلم (وصية حديث ١ و٤)","vol":"1","page":361},{"text":"أجلك».\nوقوله ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي مالا، قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم.\nثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال أو كثر كالوراثة ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالا جليلا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: قيل لعلي ﵁: إن رجلا من قريش قد مات وترك ثلاثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص؟ قال: ليس بشيء إنما قال الله ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وقال أيضا: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة يعني ابن سليمان، عن هشام بن عروة عن أبيه: إن عليا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي؟ فقال له علي: إنما قال الله ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ إنما ترك شيئا يسيرا فاتركه لولدك.\nوقال الحاكم (^١) بن أبان حدثني عن عكرمة عن ابن عباس ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال ابن عباس:\nمن لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا، قال الحاكم (^٢): قال طاوس: لم يترك خيرا من لم يترك ثمانين دينارا، وقال قتادة: كان يقال: ألفا فما فوقها.\nوقوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فقال: نعم الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضر الموت بالمعروف غير المنكر. والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدا قال: يا رسول الله، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: «لا» قال: فبالشطر؟ قال «لا» قال:\nفالثلث؟ قال «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». وفي صحيح البخاري (^٣) أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال «الثلث والثلث كثير» وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل كنا نسميها المطية، فقال النبي ﷺ «لا لا لا، الصدقة خمس وإلا فعشر وإلا فخمس عشرة وإلا فعشرون وإلا فخمس وعشرين وإلا فثلاثون وإلا فخمس وثلاثون فإن كثرت فأربعون» وذكر الحديث بطوله.\n_________\n(^١) كذا. والصواب: الحكم بن أبان-انظر موسوعة رجال الكتب التسعة ١/ ٣٧٠.\n(^٢) صحيح البخاري (جنائز باب ٣٦؛ ووصايا باب ٢ و٣؛ ونفقات باب ١؛ وفرائض باب ٦)\n(^٣) صحيح البخاري (جنائز باب ٣٦؛ ووصايا باب ٢ و٣؛ ونفقات باب ١؛ وفرائض باب ٦)","vol":"1","page":362},{"text":"وقوله ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقول تعالى: فمن بدّل الوصية وحرفها، فغير حكمها وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى ﴿فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي قد اطلع على ما أوصى به الميت وهو عليم بذلك وبما بدّله الموصى إليهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي: الجنف الخطأ، وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها بأن زادوا وارثا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعة الشيء الفلاني محاباة أو أوصى لابن ابنته ليزيدها أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئا غير عامد بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدا آثما في ذلك، فللوصي والحالة هذه، أن يصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق، ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النهي عن ذلك، ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قراءة، أخبرني أبي عن الأوزاعي، قال الزهري: حدثني عروة عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال «يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته» وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه من حديث العباس بن الوليد به، قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد، وهذا الكلام إنما هو عن عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يجاوز به عروة، وقال ابن مردويه أيضا: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «الجنف في الوصية من الكبائر» وهذا في رفعه أيضا نظر.\nوأحسن ما ورد في هذا الباب ما قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة» قال أبو هريرة:\nاقرءوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-170>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ إلى ١٨٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾","vol":"1","page":363},{"text":"يقول تعالى مخاطبا للمؤمنين من هذه الآية، وآمرا لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله ﷿ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى:\n﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، ولهذا قال هاهنا ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (^١) ثم بين مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان كما سيأتي بيانه.\nوقد روي أن الصيام كان أولا كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ وابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك بن مزاحم وزاد: لم يزل هذا مشروعا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان. وقال عباد بن منصور عن الحسن البصري ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت، كما كتبه علينا شهرا كاملا وأياما معدودات عددا معلوما، وروي عن السدي نحوه. وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد عن أبي الربيع رجل من أهل المدينة، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» في حديث طويل اختصر منه ذلك. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عمن حدثه عن ابن عمر قال: أنزلت ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كتب عليهم إذا صلّى أحدهم العتمة ونام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها، قال ابن أبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وعطاء الخراساني نحو ذلك، وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني بذلك أهل الكتاب، وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخراساني مثله، ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ أي المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقة عليهما بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أخر، وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام فقد كان مخيرا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم\n_________\n(^١) البخاري (صوم باب ١٠؛ ونكاح باب ٢ و٣) ومسلم (نكاح حديث ١ و٣)","vol":"1","page":364},{"text":"مسكينا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطاوس ومقاتل بن حيان وغيرهم من السلف، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل ﵁، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النبي ﷺ، قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس، ثم إن الله ﷿ أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤]، فوجهه الله إلى مكة هذا حول، قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضا، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون (^١)، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد بن عبد ربه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله-مثنى-حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة مرتين قال رسول الله ﷺ: «علمها بلالا فليؤذن بها» فكان بلال أول من أذن بها، قال: وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني فهذان حالان، قال: وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم النبي ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إذن كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها، قال: فثبت معه فلما قضى رسول الله ﷺ قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ «إنه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا» فهذه ثلاثة أحوال، وأما أحوال الصيام فإن رسول الله ﷺ، قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلى قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا\n_________\n(^١) النّقس: الضرب بالناقوس، وهي خشبة طويلة تضرب بخشية أصغر منها، وكان النصارى يعلمون بها أوقات صلاتهم.","vol":"1","page":365},{"text":"ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة، ظل يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول الله وقد جهد جهدا شديدا، فقال «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا؟» قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت صائما، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ١﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي به، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض رمضان، كان من شاء صام ومن شاء أفطر، وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾: كان من أراد أن يفطر يفادي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، وروي أيضا من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: هي منسوخة، وقال السدي عن مرة عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه، قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ يقول: أطعم مسكينا آخر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فكانوا كذلك حتى نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوقال البخاري أيضا: أخبرنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء: سمع ابن عباس يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس:\nليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا، وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضعف فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينا.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسين بن بهرام المخزومي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٥ ص ٢٤٦ - ٢٤٧)","vol":"1","page":366},{"text":"عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ثم نسخت الأولى إلى الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر.\nفحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة (^١)؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وهو أحد قولي الشافعي. والثاني، وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء، أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، هو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعد ما كبر عاما أو عامين عن كل يوم، مسكينا، خبزا ولحما وأفطر، وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم، ورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة، عن عمران وهو ابن حدير، عن أيوب به. ورواه عبد أيضا من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه، ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان، وقيل: يفديان فقط ولا قضاء، وقيل يجب القضاء بلا فدية، وقيل: يفطران ولا فدية ولا قضاء، وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-171>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]</span>\n﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾\nيمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام\n_________\n(^١) أي إذا كان ذا مال.","vol":"1","page":367},{"text":"عن قتادة، عن أبي المليح، عن وائلة يعني ابن الأسقع: أن رسول الله ﷺ، قال «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» (^١).\nوقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه. وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقال ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] ثم نزل بعده مفرقا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ، هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس، كما قال إسرائيل عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس: أنه سأل عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك، قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقوله ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ وقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم وصفر وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور والأيام، رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وهذا لفظه.\nوفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال، أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة لجواب كلام الناس، وفي رواية عكرمة عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر، على هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢].\nوقوله: ﴿هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وَبَيِّناتٍ﴾ أي دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقا بين الحق والباطل والحلال والحرام.\nوقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال إلا شهر رمضان، ولا يقال رمضان، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا ابو معشر عن محمد بن كعب\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٤ ص ١٠٧)","vol":"1","page":368},{"text":"القرظي وسعيد هو المقبري عن أبي هريرة قال: لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان-قال ابن أبي حاتم وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت.\n(قلت) أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعا عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ بن عدي، وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري ﵀ في كتابه لهذا فقال: باب يقال رمضان وساق أحاديث في ذلك منها «من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» ونحو ذلك.\nوقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحا مقيما أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه، ولما حتّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء، فقال ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر، أي في حالة السفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ اي إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيرا عليكم ورحمة بكم.\nوهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية [إحداها] أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر في أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب، نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم، فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر، أخرجه صاحبا الصحيح. [الثانية] ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم، لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، قال: فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة صائما لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.","vol":"1","page":369},{"text":"[الثالثة] قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي ﷺ كما تقدم، وقالت طائفة. بل الإفطار أفضل أخذا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: «من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه» وقال في حديث آخر «عليكم برخصة الله التي رخص لكم» وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ فقال «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» وهو في الصحيحين، وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل، لحديث جابر أن رسول الله ﷺ رأى رجلا قد ظلل عليه فقال: «ما هذا»؟ قالوا: صائم، فقال «ليس من البر الصيام في السفر» أخرجاه، فأما إن رغب عن السنة ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام، والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة.\n[الرابعة] القضاء هل يجب متتابعا أو يجوز فيه التفريق فيه قولان: [أحدهما] أنه يجب التتابع لأن القضاء يحكى الأداء. [والثاني] لا يجب التتابع بل إن شاء فرق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا ابن هلال عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول «إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره».\nوقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بن هلال، حدثنا غاضرة بن عروة الفقيمي، حدثني أبي عروة، قال: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج رجلا (^٣) يقطر رأسه من وضوء أو غسل، فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله ﷺ «إن دين الله في يسر» -ثلاثا يقولها-ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم عن عاصم بن هلال به.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو التياح سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «يسروا ولا تعسروا وسكنوا وتنفروا» أخرجاه في الصحيحين.\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٣ ص ٤٧٩)\n(^٢) المسند (ج ٥ ص ٦٩)\n(^٣) أي كان شعره رجلا. وترجيل الشعر: إرساله بالمشط. ويأتي بمعنى تجعيده.\n(^٤) المسند (ج ٣ ص ١٣١)","vol":"1","page":370},{"text":"وفي الصحيحين أيضا أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا وتطاوعا ولا تختلفا» وفي السنن والمسانيد أن رسول الله ﷺ قال:\n«بعثت بالحنيفية السمحة».\nوقال الحافظ أبو بكر مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الحريري عن عبد الله بن شقيق، عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي فتراءاه ببصره ساعة، فقال «أتراه يصلي صادقا؟» قال: قلت يا رسول الله، هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله ﷺ «لا تسمعه فتهلكه» وقال «إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر».\nومعنى قوله ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم.\nوقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال:\n﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقال ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠] ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات، وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير، ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم، وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه وحفظ حدوده فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]</span>\n﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة أخبرنا جرير عن عبدة بن أبي برزة السجستاني، عن الصلب بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده، أن أعرابيا قال يا رسول الله ﷺ، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني","vol":"1","page":371},{"text":"استجبت، ورواه ابن جرير (^١) عن محمد بن حميد الرازي، عن جرير به، ورواه ابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن أبي حميد عن جرير به.\nوقال عبد الرزاق (^٢) أخبرنا جعفر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال سأل أصحاب رسول الله ﷺ أين ربنا؟ فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ الآية وقال ابن جريج (^٣) عن عطاء أنه بلغه لما نزلت ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال الناس لو نعلم أي ساعة فنزلت ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فجعلنا لا نصعد شرفا (^٤) ولا نعلو شرفا ولا نهبط واديا، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا، فقال «يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن علي عنه بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ، قال: «يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني».\nوقال الإمام أحمد (^٦) حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله عن كريمة بنت خشخاش المزنية، قالت: حدثنا أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ، يقول: «قال الله تعالى أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه».\n(قلت) وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله لموسى وهارون ﵉ ﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه: ٤٦] والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما قال الإمام أحمد (^٧): حدثنا يزيد، حدثنا رجل: أنه سمع أبا عثمان هو النهدي، يحدث عن سلمان يعني الفارسي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبتين» -قال يزيد: سموا لي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٢/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(^٤) الشرف: الموضع العالي يشرف على ما حوله.\n(^٥) المسند (ج ٣ ص ٢١٠)\n(^٦) المسند (ج ٢ ص ٥٤٠)\n(^٧) المسند (ج ٥ ص ٤٣٨)","vol":"1","page":372},{"text":"هذا الرجل، فقالوا: جعفر بن ميمون-وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه، قال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀ في أطرافه، وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي به.\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا أبو عامر، حدثنا علي بن دؤاد أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ، قال «ما من مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» قالوا: إذا نكثر؟ قال: «الله أكثر».\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا ابن ثوبان عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير: أن عبادة بن الصامت، حدثهم: أن النبي ﷺ، قال «ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» ورواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوقال الإمام مالك (^٢) عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ، قال «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي» أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به، وهذا لفظ البخاري ﵀ وأثابه الجنة.\nوقال مسلم (^٣) في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال؟ قال «يقول قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل» قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: «يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي».\n_________\n(^١) المسند (ج ٣ ص ١٨)\n(^٢) الموطأ (قرآن حديث ٢٩)\n(^٣) صحيح مسلم (ذكر حديث ٩٢)\n(^٤) المسند (ج ٣ ص ١٩٣)","vol":"1","page":373},{"text":"وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب حتى تعجل له في الدنيا أو تدخر له في الآخرة إذا لم يعجل أو يقنط، قال عروة: قلت: يا أماه كيف عجلته وقنوطه؟ قالت: يقول:\nسألت فلم أعط ودعوت فلم أجب. قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب يقول كقول عائشة سواء.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال «القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل».\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبيّ بن نافع بن معد يكرب ببغداد، حدثني أبيّ بن نافع حدثني أبي نافع بن معد يكرب، قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله ﷺ عن آية ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ قال: «يا رب مسألة عائشة» فهبط جبريل فقال «الله يقرؤك السلام هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة وقلبه نقي يقول يا رب فأقول لبيك فأقضي حاجته» وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوروى ابن مردويه من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم أمرت بالدعاء وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور».\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: وحدثنا الحسن بن يحيى الأزدي ومحمد بن يحيى القطعي، قالا: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المدي عن الحسن، عن أنس، عن النبي ﷺ قال:\n«يقول الله تعالى يا ابن آدم واحدة لك وواحدة لي وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي لك فما عملت من شيء وفيتكه وأما الذي بيني وبينك، فمنك الدعاء وعلي الإجابة».\nوفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى اجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده:\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ١٧٧)","vol":"1","page":374},{"text":"حدثنا أبو محمد المليكي عن عمرو، هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة» فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا.\nوقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه: حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم عن إسحاق بن عبد الله المدني، عن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، قال:\nقال النبي ﷺ: «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» قال عبيد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي.\nوفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء، يقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-173>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]</span>\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَاِبْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾\nهذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو الجماع، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والحسن وقتادة والزهري والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان.\nوقوله ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان: يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن، وقال الربيع بن أنس:\nهن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن، وحاصله: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (جنة باب ٣، ودعوات باب ١٢٨) وابن ماجة (صيام باب ٤٨) وأحمد في المسند (ج ٤ ص ١٥٤)","vol":"1","page":375},{"text":"قال الشاعر: [المتقارب] إذا ما الضّجيع ثنى جيدها … تداعت فكانت عليه لباسا (^١)\nوكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل، وقال أبو إسحاق عن البراء بن عازب: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وكان يومه ذلك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائما قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرحوا بها فرحا شديدا.\nولفظ البخاري هاهنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء، قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فينزل الله ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وكذا روى العوفي عن ابن عباس.\nوقال موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس، قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم، يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال:\n«وما صنعت»؟ قال: إني سولت لي نفسي، فوقعت على أهلي بعد ما نمت، وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: «ما كنت خليقا أن تفعل» فنزل الكتاب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾.\nوقال سعد بن أبي عروبة عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾\n_________\n(^١) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه ص ٨١؛ ومقاييس اللغة ٥/ ٢٣٠؛ وتهذيب اللغة ١٢/ ٤٤٤؛ ومجمل اللغة ٤/ ٢٦٢؛ وتاج العروس (لبس)؛ ولسان العرب (لبس)؛ والشعر والشعراء ص ٣٠٢.","vol":"1","page":376},{"text":"قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب، فنام ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلّى رسول الله ﷺ العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ يعني بالرفث مجامعة النساء ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني جامعوهن ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ يعني الولد ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فكان ذلك عفوا من الله ورحمة.\nوقال هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قام عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله، فقالت: إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها، فنزل في عمر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ وهكذا رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى به.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن أبي لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والطعام الشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقا.\nوقوله: ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال أبو هريرة وابن عباس وأنس وشريح القاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم: يعني الولد: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ يعني الجماع، وقال عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: ابتغوا الرخصة التي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ١٧١.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ١٧٦.","vol":"1","page":377},{"text":"كتب الله لكم، يقول: ما أحل الله لكم، وقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن ابي رباح، قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾؟ قال: أيتهما شئت، عليك بالقراءة الأولى، واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله.\nقوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد، قال: أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه يعني الليل والنهار.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا هشام، أخبرنا حصين عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال:\nلما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته بالذي صنعت، فقال «إن وسادك إذا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي.\nومعنى قوله: إن وسادك إذا لعريض، أي إن كان ليسع الخيطين: الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الآية تحتها، فإنهما بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب.\nوهكذا وقع في رواية البخاري مفسرا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن حصين، عن الشعبي، عن عدي، قال: أخذ عدي عقالا أبيض وعقالا أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال يا رسول الله جعلت تحت وسادتي، قال «إن وسادك إذا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك» وجاء في بعض الألفاظ «إنك لعريض القفا» ففسره بعضهم بالبلادة، وهو ضعيف، بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضا: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن مطرف عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا بل هو سواد الليل وبياض النهار».","vol":"1","page":378},{"text":"وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالحث على السحور.\nففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «تسحروا فإن في السحور بركة» وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» وقال الإمام أحمد، حدثنا إسحاق بن عيسى هو ابن الطباع، حدثنا عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ «السحور أكلة بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرع جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين».\nوقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة ماء تشبها بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر، كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الآذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور».\nوقد ورد أحاديث كثيرة أن رسول الله ﷺ سماه الغذاء المبارك، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش عن حذيفة، قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ، وكان النهار إلا أن الشمس لم تطلع، وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي، وحمله على أن المراد قرب النهار، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي قارين انقضاء العدة فإما إمساك بمعروف أو ترك للفراق، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر، حتى أن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك.\nوقد روى عن طائفة كثيرة من السلف، أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وأبو الضحى وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء والحسن والحاكم بن عيينة ومجاهد وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش وجابر بن راشد، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد.\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٤ ص ١٤٧)","vol":"1","page":379},{"text":"وحكى أبو جعفر بن جرير (^١) في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها. (قلت) وهذا القول ما أظن أحدا من أهل العلم يستقر له قدم عليه، لمخالفته نص القرآن في قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\nوقد ورد في الصحيحين (^٢) من حديث القاسم عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» لفظ البخاري.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال «ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكن المعترض الأحمر» ورواه الترمذي ولفظهما «كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر».\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﷺ «لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر»، ثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سواد بن حنظلة، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكنه الفجر المستطير في الأفق»، قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا بن علية عند عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض-لعمود الصبح-حتى يستطير» رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية مثله سواء.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره، أو قال نداء بلال، فإن بلالا يؤذن بليل أو قال ينادي لينبه نائمكم وليرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا وهكذا حتى يقول هكذا»، ورواه من وجه آخر عن التيمي به، وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي حدثني أبو أسامة عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: «وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام» وهذا مرسل جيد.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ١٧٧.\n(^٢) البخاري (أذان باب ١٣، وصوم باب ١٧) ومسلم (صيام حديث ٣٩، ٤٢، ٤٣)\n(^٣) تفسير الطبري ٢/ ١٧٩.","vol":"1","page":380},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئا، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب، وقال عطاء فأما إذا سطع سطوعا في السماء، وسطوعه أن يذهب في السماء طولا، فإنه لا يحرم به شراب الصائم ولا صلاة ولا يفوت به الحج، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال، حرم الشراب للصيام وفات الحج، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ﵏.\n[مسألة] ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جنبا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفا وخلفا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي، وفي صحيح مسلم عن عائشة، أن رجلا قال:\nيا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا يا رسول الله، فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي».\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، أنه قال «إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ» فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين عن أبي هريرة، عن الفضل بن عباس، عن النبي ﷺ، وفي سنن النسائي عنه عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس ولم يرفعه. فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء وهشام بن عروة والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبا نائما فلا عليه، لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارا فلا صوم له، لحديث أبي هريرة، يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن، ومنهم من فرق بين الفرض فيتم فيقضيه، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري عن منصور، عن إبراهيم النخعي وهو رواية عن الحسن البصري أيضا، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأم سلمة، ولكن لا تاريخ معه، وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية وهو بعيد أيضا إذ لا تاريخ بل الظاهر من التاريخ خلافه، ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال فلا صوم له، لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها، والله أعلم.\n﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكما شرعيا، كما جاء في\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٢ ص ٣١٤)","vol":"1","page":381},{"text":"الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم» وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» أخرجاه، وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا قرة بن عبد الرحمن عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «يقول الله ﷿ إن أحب عبادي إليّ أعجلهم فطرا» ورواه الترمذي من غير وجه عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا عبيد الله بن إياد، سمعت إياد بن لقيط، سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه وقال «يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإذا كان الليل فأفطروا» ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال وهو أن يصل يوما بيوم ولا يأكل بينهما شيئا، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «لا تواصلوا» قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال «فإني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» قال: فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكل لهم، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به، وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر، وعن عائشة ﵄، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: «إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني» فقد ثبت النهي عنه من غير وجه وثبت أنه من خصائص النبي ﷺ وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويا لا حسيا، وإلا فلا يكون مواصلا مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر: [البسيط] لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nوأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «لا تواصلوا فأيكم أراد يواصل فليواصل إلى السحر» قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله ﷺ، قال «إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» أخرجاه في الصحيحين أيضا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبسي عن أبي بكر بن حفص، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة: أنها مرت برسول الله ﷺ وهو يتسحر فدعاها إلى الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: وكيف تصومين. فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: أين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":382},{"text":"أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر».\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي: أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر.\nوقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف: أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم، فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم.\nوقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء بالليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.\nقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه وقال الضحاك كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره. وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية، قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب ومجاهد وعطاء والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل، قالوا:\nلا يقربها وهو معتكف. وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط او الأكل، وليس له أن يقبل امرأته ولا أن يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه.\nوللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة، ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى، الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبتت في السنة عن رسول الله ﷺ أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ﷿، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه من","vol":"1","page":383},{"text":"حديث عائشة أم المؤمنين ﵂. وفي الصحيحين ان صفية بنت حيي كانت تزور النبيّ ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلا، فقام النبي ﷺ ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، وفي رواية: تواريا، أي حياء من النبي ﷺ لكون أهله معه، فقال لهما ﷺ: «على رسلكما إنها صفية بنت حيي» أي لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت حيي أي زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال ﷺ «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا، أو قال: شرا» قال الشافعي ﵀: أراد ﵇ أن يعلم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي ﷺ شيئا، والله أعلم.\nثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت، فما أسأل عنه، إلا وأنا مارة.\nوقوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي هذا الذي بيناه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله أي شرعها الله وبينها بنفسه، فلا تقربوها أي لا تجاوزوها وتتعدوها، وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي المباشرة في الاعتكاف، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة، ويقرأ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ -حتى بلغ- ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ قال:\nوكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ أي كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون، كما قال تعالى:\n﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-174>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]</span>\n﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام، وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان","vol":"1","page":384},{"text":"وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وقد ورد في الصحيحين (^١) عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ، قال «ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها» فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم.\nقال قتادة: اعلم يا ابن آدم إن قضاء القاضي لا يحل لك حراما ولا يحق لك باطلا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]</span>\n﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم. وقال أبو جعفر (^٢) عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله ﷺ لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ﴾ يقول جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم (^٣)، كذا روي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك؛ وقال عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما» ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن أبي رواد به، وقال: كان ثقة عابدا مجتهدا شريف النسب فهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه، قال: قال رسول الله: «جعل الله الأهلة، فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وكذا روي من\n_________\n(^١) صحيح البخاري (مظالم باب ١٦، وأحكام باب ٢٩ و٣١) وصحيح مسلم (أقضية حديث ٥)\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ١٩١.\n(^٣) في الطبري: «وحلّ ديونهم».","vol":"1","page":385},{"text":"حديث أبي هريرة ومن كلام علي بن أبي طالب ﵁.\nوقوله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية، أتوا البيت من ظهره فأنزل الله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم، لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذه الآية.\nوقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس (^١)، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله ﷺ في بستان، إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر من الأنصار فقالوا:\nيا رسول الله، إن قطبة بن عامر رجل تاجر، وإنه خرج معك من الباب، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت، فقال: إني أحمس، قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ رواه ابن أبي حاتم، ورواه العوفي عن ابن عباس بنحوه، وكذا روي عن مجاهد والزهري وقتادة وإبراهيم النخعي والسدي والربيع بن أنس.\nوقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا، وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه ولكن يتسوره من قبل ظهره، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ الآية، وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية، وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها، ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدا إذا وقفتهم بين يديه فيجازيكم على التمام والكمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-176>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٠ إلى ١٩٣]</span>\n﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ (١٩٣)﴾\n_________\n(^١) الحمس: لأنهم كانوا يتشدّدون في دينهم.","vol":"1","page":386},{"text":"قال أبو جعفر الرازي (^١) عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة. وكذا قال عبد الرحمن (^٢) بن زيد بن أسلم، حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ١] وفي هذا نظر، لأن قوله ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم، كما قال: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ولهذا قال في الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم، كما همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصا.\nوقوله: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي، كما قاله الحسن البصري: من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بريدة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اغزوا في سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع» رواه الإمام أحمد وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال «اخرجوا باسم الله قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله لا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع» رواه الإمام أحمد (^٣)، ولأبي داود عن أنس مرفوعا نحوه.\nوفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأحلج عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالا واحدا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة، وأحد عشر، فضرب لنا رسول الله ﷺ منها مثلا وترك سائرها، قال «إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة» هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ١٩٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ١٩٥.\n(^٣) المسند (ج ١ ص ٣٠٠)\n(^٤) المسند (ج ٥ ص ٤٠٧)","vol":"1","page":387},{"text":"فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا.\nولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله، أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل، ولهذا قال:\n﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ قال أبو مالك: أي ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل. ولهذا قال:\n﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، يقول الشرك أشد من القتل.\nوقوله: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ كما جاء في الصحيحين «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل إلا ساعة من نهار وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره ولا يختلي خلاه، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم»، يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم عند الخندمة (^١)، وقيل صلحا لقوله «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن».\nوقوله: ﴿حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ يقول تعالى:\nولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للصيال، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وقال ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ، لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥].\nوقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله يغفر ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه، ثم أمر الله بقتال الكفار ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي شرك قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبيّ ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» وفي الصحيحين «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا\n_________\n(^١) الخندمة: جبل بمكة.","vol":"1","page":388},{"text":"مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (^١).\nوقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ يقول تعالى فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد أن لا يقاتل إلا من قاتل أو يكون تقديره فإن انتهوا تخلصوا من الظلم وهو الشرك، فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله:\n﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢] ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله.\nوقال البخاري: قوله: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب حدثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، وحتى يكون الدين لغير الله، وزاد عثمان بن صالح عن ابن وهب، أخبرني فلان وحيوة بن شريح عن بكر بن عمر المغافري، أن بكير بن عبد الله حدثه عن نافع، أن رجلا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاما وتقيم عاما وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت. قالوا: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه، ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ وكان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، قال فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عمّ رسول الله ﷺ وختنه، فأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]</span>\n﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾\nقال عكرمة: عن ابن عباس والضحاك والسدي وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء\n_________\n(^١) البخاري (إيمان باب ١٧) ومسلم (إيمان حديث ٢٢)","vol":"1","page":389},{"text":"وغيرهم (^١)، لما سار رسول الله ﷺ، معتمرا في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين، في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام، إلا أن يغزى ويغزوا، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ.\nهذا إسناد صحيح. ولهذا لما بلغ النبي ﷺ، وهو مخيم بالحديبية أن عثمان قتل، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين، بايع أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة تحت الشجرة، على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل، كف عن ذلك وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين، وتحصن فلّهم (^٢) بالطائف، عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق، واستمر عليه إلى كمال أربعين يوما كما ثبت في الصحيحين عن أنس، فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعا إلى مكة واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضا، عام ثمان صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ أمر بالعدل حتى في المشركين، كما قال: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقال: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أن قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال بالمدينة، وقد رد هذا القول ابن جرير (^٣)، وقال: بل الآية مدنية بعد عمرة القضية وعزا ذلك إلى مجاهد ﵀.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخباره بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-178>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]</span>\n﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾\nقال البخاري: حدثنا إسحاق أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا وائل عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة، ورواه ابن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(^٢) فلّهم: أي المنهزمون منهم والجمع فلول.\n(^٣) تفسير الطبري ٢/ ٢٠٥.","vol":"1","page":390},{"text":"أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن أبي معاوية عن الأعمش به مثله، قال: وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nوقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس:\nألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره، حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا، فنقيم فيهما، فنزل فينا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد، في تفسيره، وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به.\nوقال الترمذي حسن صحيح غريب، وقال الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل يريد فضالة بن عبيد، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه، فقالوا سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فاصلحناها، فأنزل الله هذه الآية (^١).\nوقال أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال رجل للبراء بن عازب، إن حملت على العدو وحدي فقتلوني، أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله:\n﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] وإنما هذه في النفقة، رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه الترمذي وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن البراء، فذكره وقال بعد قوله ﴿لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾، ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا\n_________\n(^١) وانظر الدر المنثور ١/ ٣٧٤.","vol":"1","page":391},{"text":"عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي بكر بن نمير بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث، أخبره أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال الله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nوقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، قال: ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة.\nقال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي عن الضحاك بن أبي جبير، قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت:\n﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nوقال الحسن البصري ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: هو البخل.\nوقال سماك بن حرب عن النعمان بن بشير، في قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ رواه ابن مردويه.\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيدة السلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني نحو قول النعمان بن بشير، أنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي يستكثر من الذنوب فيهلك. ولهذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:\nالتهلكة عذاب الله.\nوقال ابن أبي حاتم وابن جرير (^١)، جميعا حدثنا يونس حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر عن القرظي محمد بن كعب، أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: كان القوم في سبيل الله، فيتزود الرجل، فكان أفضل زادا من الآخر، أنفق البائس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه فأنزل الله ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nوقال ابن وهب أيضا: أخبرني عبد الله بن عياش عن زيد بن أسلم في قول الله ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وذلك أن رجالا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله ﷺ، بغير نفقة، فإما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالا، فأمرهم الله أن يستنفقوا من المشي. وقال لمن بيده فضل ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٢٠٧.","vol":"1","page":392},{"text":"ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتقاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]</span>\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)﴾\nلما ذكر تعالى أحكام الصيام، وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، ولهذا قال بعده: فإن أحصرتم، أي صددتم عن الوصول إلى البيت، ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء، على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا الأحكام، مستقصى ولله الحمد والمنة.\nوقال شعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي أنه قال في هذه الآية:\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾، قال: أن تحرم من دويرة أهلك، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس، وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الآية: إتمامها أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبا من مكة، قلت لو حججت أو أعمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره، وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعا من الميقات، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: الحج أشهر معلومات، وقال هشام عن ابن عون: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة، فقيل له: فالعمرة في المحرم؟ قال: كانوا يرونها تامة، وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله.\nوهذا القول فيه نظر لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ، اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة، عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معا في ذي القعدة سنة عشر وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي»، وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه ﵇، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط","vol":"1","page":393},{"text":"في الحديث عند البخاري ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم.\nوقال السدي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ أي أقيموا الحج والعمرة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾، يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل، حتى يتمهما تمام الحج، يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة، وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل. وقال قتادة عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف، وكذا روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾، قال: هي قراءة عبد الله وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لا يجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم:\nفذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس. وقال سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، وكذا روى الثوري أيضا، عن إبراهيم عن منصور عن إبراهيم، أنه قرأ: «وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت». وقرأ الشعبي:\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ برفع العمرة، وقال: ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك، وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ، جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: «من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة»، وقال في الصحيح أيضا: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».\nوقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثا غريبا، فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم ابن طهمان، عن عطاء عن صفوان بن أمية، أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي قال: فأنزل الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ فقال رسول الله ﷺ «أين السائل عن العمرة»؟ فقال: ها أنا ذا، فقال له «ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك» هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة، فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق (^١)؟ فسكت رسول الله ﷺ، ثم جاءه الوحي ثم رفع رأسه فقال: أين السائل؟ فقال ها أنا ذا، فقال «أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك» ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه الآية، وهو عن يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية، فالله أعلم.\nوقوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست، أي عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك\n_________\n(^١) الخلوق: ضرب من الطيب أعظم أجزائه الزعفران.","vol":"1","page":394},{"text":"سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وكان سبعين بدنة، وأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم ﵇ أن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا، فلم يفعلوا انتظارا للنسخ، حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال ﷺ «رحم الله المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة «والمقصرين»، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم.\nولهذا اختلف العلماء: هل يختص الحصر بالعدو فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره على قولين، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، وابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن ابن عباس، أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو وضع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ فليس الأمن حصرا، قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك، والقول الثاني: إن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال، وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك، قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حجاج بن الصواف عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من كسر أو وجع أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى» قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق، وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به، وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: من عرج أو كسر أو مرض، فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله، فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث، وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد صح ولله الحمد.\nوقوله ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال الإمام مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أنه كان يقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة، وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن، وقال الثوري عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن\n_________\n(^١) المسند (ج ٣ ص ٤٥٠)","vol":"1","page":395},{"text":"عباس في قوله ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: شاة، وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم مثل ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر. قال: وروي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك.\n(قلت) والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين عن جابر، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس في قوله ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: بقدر يسارته، وقال العوفي، عن ابن عباس: إن كان موسرا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة عن أبيه ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء، والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي أي مهما تيسر مما يسمى هديا، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم (^١) رسول الله ﷺ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أهدى النبي ﷺ مرة غنما.\nوقوله ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ وليس معطوفا على قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير ﵀، لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنا، أو من فعل أحدهما إن كان منفردا أو متمتعا، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت:\nيا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال «إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» (^٢).\nوقوله ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد-يعني مسجد الكوفة-فسألته عن فدية من صيام، فقال: حملت إلى النبي ﷺ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال «ما كنت أرى أن الجهد\n_________\n(^١) هذه النعوت تطلق عادة على عبد الله بن عباس.\n(^٢) صحيح البخاري (حج باب ٣٤) ومسلم (حج حديث ١٧٥، ١٧٧)","vol":"1","page":396},{"text":"بلغ بك هذا، أما تجد شاة»؟ قلت: لا، قال: «صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك» فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ النبي ﷺ وأنا أوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي، أو قال حاجبي، فقال «يؤذيك هوام رأسك»؟ قلت: نعم، قال «فاحلقه، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك نسيكة» قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ.\nوقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر عليّ النبي ﷺ فقال:\n«أيؤذيك هوام رأسك»؟ فأمره أن يحلق قال: ونزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\nوكذا رواه عفان عن شعبة عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس به، وعن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به؛ وعن شعبة عن داود عن الشعبي عن كعب بن عجرة نحوه؛ ورواه الإمام مالك عن حميد بن قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكره نحوه، وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري: أنه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، ورواه ابن مردويه، وروي أيضا من حديث عمر بن قيس وهو ضعيف عن عطاء عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة» وكذا روي عن علي ومحمد بن كعب وعكرمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مدين مدين لكل إنسان، أو أنسك شاة، أي ذلك فعلت أجزأ عنك» وهكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان أو فأيه أخذت أجزأ عنك، قال ابن أبي حاتم:\nوروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والحسن وحميد الأعرج وإبراهيم والنخعي والضحاك نحو ذلك.\n(قلت) وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام، إن شاء صام وإن\n_________\n(^١) المسند (ج ٤ ص ٢٤١)\n(^٢) المسند (ج ٤ ص ٢٤١)","vol":"1","page":397},{"text":"شاء تصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أيّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ولما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: أنسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام، فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال:\nسأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فأجابه بقوله:\nيحكم عليه إطعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم وجعل مكانها طعام فتصدق، وإلا صام لكل نصف صاع يوما، قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر، قال:\nلما قام لي سعيد بن جبير: من هذ ما أظرفه؟ قال: قلت: هذا إبراهيم، فقال: ما أظرفه كان يجالسنا، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم قال: فلما قلت: يجالسنا انتفض منها.\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين: مكوكا من تمر، ومكوكا من بر، والنسك شاة.\nوقال قتادة عن الحسن وعكرمة في قوله ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إطعام عشرة مساكين، وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة، قولان غريبان فيهما نظر، لأنه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة الصيام ثلاثة أيام لا ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دل عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا، والله أعلم.\nوقال هشيم: أخبرنا ليث عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن، وقال هشيم: أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حج عثمان بن عفان ومعه علي والحسين بن علي فارتحل عثمان، قال أبو أسماء وكنت مع ابن جعفر فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلت: أيها النائم، فاستيقظ فإذا الحسين بن علي، قال: فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إلي علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرضناه نحوا من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٢٤٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٢٤٤.","vol":"1","page":398},{"text":"ما الذي تجد؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها فإن كانت هذه الناقة عن الحلق، ففيه أنه نحرها دون مكة. وإن كانت عن التحلل فواضح.\nوقوله ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي فإذا تمكنتم من أداء المناسك فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولا، فلما فرغ منها أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله ﷺ وآخر يقول: قرن ولا خلاف أنه ساق هديا، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة، وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه البقر، وقال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ذبح البقر عن نسائه وكن متمتعات، رواه أبو بكر بن مردويه.\nوفي هذا دليل على مشروعية التمتع، كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين، قال:\nنزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله ﷺ، ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها، حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري (^١): يقال إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام، يعني قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ وفي نفس والأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرما لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به ﵁.\nوقوله ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ يقول تعالى: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي في أيام المناسك، قال العلماء:\nوالأولى أن يصومها قبل عرفة في العشر، قاله عطاء، أو من حين يحرم قاله ابن عباس وغيره لقوله في الحج، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد، وجوز الشعبي صيام يوم عرقة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وعطاء وطاوس والحكم والحسن وحماد وإبراهيم وأبو جعفر الباقر والربيع ومقاتل بن حيان، وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث، فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة عن ابن عمر قال: يصوم يوما قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة وكذا روى جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي أيضا:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة ٢ باب ١٣)","vol":"1","page":399},{"text":"فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد، فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء وهما للإمام الشافعي أيضا، القديم منهما: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي هكذا رواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر وقد روي من غير وجه عنهما، ورواه سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي، أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج، صامهن أيام التشريق، وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي عن عكرمة والحسن البصري وعروة بن الزبير، وإنما قالوا ذلك لعموم قوله ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ والجديد من القولين أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم عن قتيبة الهذلي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله ﷿».\nوقوله ﴿وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ﴾ فيه قولان: [أحدهم] إذا رجعتم إلى رحالكم، ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق، وكذا قال عطاء بن أبي رباح. والقول [الثاني] إذا رجعتم إلى أوطانكم، قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن سالم، سمعت ابن عمر قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجع إلى أهله، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والزهري والربيع بن أنس، وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع، وقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، فأهل بعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ، وبدأ رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل بشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله» وذكر تمام الحديث، قال الزهري: وأخبرني عورة عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به.\nوقوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي، وقال الله تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقال ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقيل: معنى كاملة الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جرير، وقيل معنى كاملة أي مجزئة عن الهدي، قال هشيم عن عباد بن راشد عن الحسن البصري في قوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ قال: من الهدي.","vol":"1","page":400},{"text":"وقوله ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ قال ابن جرير (^١): واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان هو الثوري قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم، وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه، وقال قتادة:\nذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة، لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديا، ثم يهل بعمرة، وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، قال: المتعة للناس لا لأهل مكة، ممن لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله ﷿ ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس، وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت (^٢)، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن عطاء، قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع، وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول في قوله ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ قال: من كان دون الميقات (^٣).\nوقال ابن جريج عن عطاء: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال: عرفة ومرّ وعرنة وضجنان والرجيع، وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع، وفي رواية عنه: اليوم واليومين، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، لأن من كان كذلك يعد حاضرا لا مسافرا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي فيما أمركم ونهاكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.\n\n<span data-type='title' id=toc-180>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]</span>\n﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)﴾\nاختلف أهل العربية في قوله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها وإن كان ذاك صحيحا، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد واحتج لهم بقوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٢٦٥.\n(^٢) عبارة الطبري: «ومن كان منزله دون المواقيت إلى مكة».\n(^٣) في الطبري: «المواقيت».","vol":"1","page":401},{"text":"تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وبأنه أحد النسكين، فصح الإحرام به في جميع السنة كالعمرة. وذهب الشافعي ﵀، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به وهل ينعقد عمرة، فيه قولان عنه.\nوالقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد ﵏، والدليل عليه قوله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة.\nوقال الشافعي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.\nوقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم في أشهر الحج، وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي «من السنة كذا» في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرا للقرآن وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا نافع، حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال «لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج» وإسناده لا بأس به، لكن رواه الشافعي والبيهقي من طرق عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهلّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس من السنة: أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم.\nوقوله ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذا الذي علقه البخاري بصيغة الجزم، رواه ابن جرير (^١) موصولا، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي برزة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، إسناد صحيح. وقد رواه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٢٦٨.","vol":"1","page":402},{"text":"الحاكم أيضا في مستدركه عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، عن عبد الله عن نافع، عن ابن عمرو فذكره وقال: هو على شرط الشيخين.\n(قلت) وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور ﵏، واختار هذا القول ابن جرير (^١)، قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما يقول العرب: رأيته العام ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما تعجل في يوم ونصف يوم.\nوقال الإمام مالك بن أنس والشافعي في القديم: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر أيضا، قال ابن جرير (^٢): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج. قال: نعم، كان عبد الله يسمي شوالا وذا القعدة وذا الحجة، قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكى هذا أيضا عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير والربيع بن أنس وقتادة.\nوجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه من طريق حصين بن مخارق، وهو متهم بالوضع، عن يونس بن عبيد عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ «الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة» وهذا كما رأيت لا يصح رفعه والله أعلم.\nوفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيها عمرة، وهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٢٧١.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٢٦٩.","vol":"1","page":403},{"text":"قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة إنما هي للحج وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج، وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج فقال:\nكانوا لا يرونها تامة. (قلت) وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄، أنهما كان يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.\nوقوله ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي أوجب بإحرامه حجا، فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه، قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج أو عمرة، وقال عطاء: الفرض الإحرام. وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم. وقال ابن جرير:\nأخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض. قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وعكرمة والضحاك وقتادة وسفيان الثوري والزهري ومقاتل بن حيان: نحو ذلك، وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية.\nوقوله ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أي من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكذلك يحرم تعاطي دواعية من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، كذلك التكلم به بحضرة النساء، قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن نافعا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم، قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب مثله، قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس، أنه كان يحدو وهو محرم، وهو يقول: [الرجز] وهنّ يمشين بنا هميسا … إن يصدق الطير ننك لميسا (^١)\nوقال أبو العالية: فقلت: تكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء.\nورواه الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس فذكره. وقال ابن جرير أيضا، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عون، حدثني زياد بن حصين حدثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت خليله، فلما كان بعد إحرامنا\n_________\n(^١) الرجز لابن عباس في جمهره اللغة ص ٤٢٢؛ وتاج العروس (رفث، همس)؛ ولسان العرب (رفث، همس)؛ وتهذيب اللغة ٦/ ١٤٣؛ وبلا نسبة في تاج العروس (لمس)؛ وكتاب العين ٤/ ١٠.","vol":"1","page":404},{"text":"قال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه ويرتجز ويقول: [الرجز] وهنّ يمشين بنا هميسا … إن تصدق الطير ننك لميسا\nقال فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. وقال عبد الله بن طاوس عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾؟ قال: الرفث التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث، وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش وكذا قال عمرو بن دينار وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة، وهو التعريض وهو محرم. وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة إذا حللت أصبتك، وكذا قال أبو العالية، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك، وقال ابن عباس أيضا وابن عمر: الرفث غشيان النساء وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول وعطاء الخراساني وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.\nوقوله ﴿وَلا فُسُوقَ﴾ قال مقسم وغير واحد، عن ابن عباس: هي المعاصي، وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، وقال محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيدا أو غيره، وكذا روى ابن وهب عن يونس عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم، وقال آخرون: الفسوق هاهنا السباب قال ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي وإبراهيم النخعي والحسن، وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ولهذا رواه هاهنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق هاهنا الذبح للأصنام، قال الله تعالى:\n﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب.\nوالذين قالوا: الفسوق هاهنا هو جميع المعاصي الصواب معهم، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد، ولهذا قال ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وقال في الحرم ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] واختار ابن جرير أن الفسوق هاهنا ارتكاب ما نهي عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك، كما تقدم","vol":"1","page":405},{"text":"عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى، والله أعلم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (^١) وقوله ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه قولان: [أحدهما] ولا مجادلة في وقت الحج في مناسكه، وقد بينه الله أتم بيان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدا يقول ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ قد بين الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحج قد تبين ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به. وقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد في قوله ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: قد استقام الحج.\nفلا جدال فيه، وكذا قال السدي. وقال هشيم: أخبرنا حجاج عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: المراء في الحج. وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج-والله أعلم-أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فهذا فيما نرى، والله أعلم، وقال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه الله حين أعلم نبيه بالمناسك، وقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب، قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال حماد بن سلمة، عن جبير بن حبيب، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج غدا، ويقول بعضهم: الحج اليوم، وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحج، والله أعلم.\n[والقول الثاني] أن المراد بالجدال هاهنا المخاصمة. قال ابن جرير (^٢): حدثنا عبد الحميد بن بيان، حدثنا إسحاق عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود في قوله ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه. وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي، سألت ابن عباس، عن الجدال، قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه، وكذلك روى مقسم والضحاك عن ابن عباس وكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري وقال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (حج باب ٤) ومسلم (حج حديث ٤٣٨) والترمذي (حج باب ٢) والنسائي (حج باب ٤) وابن ماجة (مناسك باب ٣)\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٢٨٣.","vol":"1","page":406},{"text":"علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ولا جدال في الحج، المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك فنهى الله عن ذلك، وقال إبراهيم النخعي ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: كانوا يكرهون الجدال، وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجدال في الحج السباب والمنازعة، وكذا روى ابن وهب عن يونس، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب، قالوا الجدال المراء، وقال عبد الله بن المبارك عن يحيى بن بشر، عن عكرمة ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ والجدال الغضب، أن تغضب عليك مسلما إلا أن تستعتب مملوكا فتغضبه من غير أن تضربه، فلا بأس عليك إن شاء الله.\n(قلت) ولو ضربه لكان جائزا سائغا، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجا حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله ﷺ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ وجلست إلى جانب أبي، وكانت زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله ﷺ واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه، فأطلع وليس معه بعيره، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير تضلله؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يبتسم ويقول «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث ابن إسحاق، ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي ﷺ عن أبي بكر ﵁ «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك، والله أعلم.\nوقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيد الله، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «من قضى نسكه وسلّم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه».\nوقوله ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعلا، حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة، وقوله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن عكرمة: أن ناسا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهو الفلاس، عن ابن عيينة، قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس، قال وما يرويه عن ابن عيينة أصح.","vol":"1","page":407},{"text":"(قلت) قد وراه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد، فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وأما حديث ورقاء فأخرجه البخاري عن يحيى بن بشر، عن شبابة، وأخرجه أبو داود عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة عن ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به.\nوروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار عن نافع، عن ابن عمر، قال:\nكانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادا آخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك، وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، وقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك.\nوقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قال الخشكنانج والسويق، قال وكيع أيضا: حدثنا إبراهيم المكي عن ابن نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر، وزاد فيه حماد بن سلمة عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجوزة.\nوقوله ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال ﴿وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشدا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع، قال عطاء الخراساني في قوله ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ يعني زاد الآخرة، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١): حدثنا عبدان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مروان بن معاوية عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال «من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة» وقال مقاتل بن حيان لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾: قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله، ما نجد ما نتزوده، فقال رسول الله ﷺ «تزود ما تكفّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى» رواه ابن أبي حاتم (^٢)، وقوله ﴿وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.\n_________\n(^١) الدر المنثور ١/ ٣٩٩.\n(^٢) الدر المنثور ١/ ٣٩٩.","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]</span>\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ (١٩٨)﴾\nقال البخاري: حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة عن عمرو، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. وهكذا رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وغير واحد عن سفيان بن عيينة به. ولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية، وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال ابن جرير (^١) حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه قرأ: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج».\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج»، وقال عبد الرحمن، عن ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد: وهكذا فسرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم.\nوقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعبة عن أبي أميمة، سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة، فقرأ ابن عمر ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهذا موقوف، وهو قوي جيد.\nوقد روي مرفوعا، قال أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إن نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبرائيل بهذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ، فقال «أنتم حجاج».\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم، قال: جاء\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٢٩٥.","vol":"1","page":409},{"text":"رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا نقوم نكري ويزعمون أنه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى، قال فأنت حاج، ثم قال ابن عمر جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عما سألت عنه، فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق به، وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعا، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عباد بن العوام عن العلاء بن المسيب عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة، وإن أناسا يزعمون أنه لا حج لنا، فهل ترى لنا حجا؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: بلى، قال «فأنتم حجاج» ثم قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه، أو قال: فلم يرد شيئا حتى نزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعا الرجل فتلاها عليه، وقال «أنتم حجاج» وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي عن العلاء بن المسيب مرفوعا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني طليق بن محمد الواسطي، حدثنا أسباط هو ابن محمد، أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري، فهل لنا حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعروف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلنا: بلى، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال النبي ﷺ «أنتم حجاج» وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا غندر عن عبد الرحمن بن المهاجر عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين، كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟ وقوله تعالى: ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ إنما صرف عرفات وإن كان علما على مؤنث، لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمي به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير.\nوعرفة موضع الوقوف في الحج، وهي عمدة أفعال الحج، ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحج عرفات-ثلاثا-فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه» ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، لأن النبي ﷺ وقف في حجة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٢٩٤.","vol":"1","page":410},{"text":"الوداع بعد أن صلّى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال «لتأخذوا عني مناسككم» وقال في هذا الحديث «فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، ﵏.\nوذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتجوا بحديث الشعبي عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ: «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه» (^١) رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي.\nثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم ﷺ فحج به، حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة وقال ابن المبارك عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت عرفت، فسميت عرفات، وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمر وأبي مجلز، فالله أعلم.\nوتسمى عرفات المشعر الحرام، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: [الطويل] وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له … إلال إلى تلك الشراج القوابل (^٢)\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، حدثنا أبو عامر عن زمعة هو ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فأخر رسول الله ﷺ الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة وصلّى الفجر بغلس، حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر، دفع، وهذا حسن الإسناد.\nوقال ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ وهو\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند (ج ٤ ص ١٥) باختلاف في بعض الألفاظ. والتّفث: ما يفعله المحرم في الحج إذا حل، كقصّ الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.\n(^٢) البيت من قصيدة طويلة لأبي طالب رواها ابن إسحاق في السيرة النبوية- انظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٢ - ٢٨٠.","vol":"1","page":411},{"text":"بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال «أما بعد-وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد-فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفا هدينا هدي أهل الشرك»، هكذا رواه ابن مردويه، وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي عن عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج، وقال الحاكم:\nصحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله ﷺ لا كما يتوهمه بعض أصحابنا أنه من له رؤية بلا سماع.\nوقال وكيع، عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي، عن المعرور بن سويد، قال: رأيت عمر ﵁ حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه رجلا أصلع على بعير له يوضع (^١) وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع.\nوفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم (^٢)، قال فيه: فلم يزل واقفا -يعني بعرفة-حتى غربت الشمس، وبدت (^٣) الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء (^٤) الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة السكنية» كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر، حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس.\nوفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله ﷺ حين دفع؟ قال:\nكان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. والعنق هو انبساط السير، والنص فوقه.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه، عن سفيان بن عيينة قوله ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ وهي الصلاتان (^٥) جميعا.\n_________\n(^١) أوضع الراكب الدابة: حملها على السير السريع.\n(^٢) صحيح مسلم (حج حديث ١٤٧)\n(^٣) في صحيح مسلم «وذهبت».\n(^٤) القصواء: هي ناقة النبي.\n(^٥) في الأصل «الصلاتين».","vol":"1","page":412},{"text":"وقال أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام؟ فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها. وقال هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ قال: فقال: هذا الجبل وما حوله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: على ما يزدحم هؤلاء؟! كل هاهنا مشعر. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال:\nوليس مأزمان عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس.\n(قلت) والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ، قال «عرفة كلها موقف، وارفعوا عن عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسرا» هذا حديث مرسل.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثني سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ، قال «كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح» وهذا أيضا منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا، وهو الأشدق، لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد، عن جبير بن مطعم عن أبيه، وقال سويد عن نافع بن جبير عن أبيه عن النبي ﷺ فذكره، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه من الهداية إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا قال ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدى وقبل القرآن وقبل الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح.\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٤ ص ٨٢)","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٩]</span>\n﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾\nثم-هاهنا-لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشا فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته.\nقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله ﴿مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم، واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان عن عمرو عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال:\nأضللت بعيرا لي بعرفة فذهبت أطلبه، فإذا النبي ﷺ واقف، قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه هاهنا؟ أخرجاه في الصحيحين، ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، فالله أعلم، وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم ﵇، وفي رواية عنه: الإمام، قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.\nوقوله ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ، كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا، وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين. وقد روى ابن جرير (^٢) هاهنا حديث العباس بن مرداس السلمي، في استغفاره ﷺ لأمته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة، وأورد ابن مردويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة»، وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال «قل اللهم إني ظلمت نفسي\n_________\n(^١) المسند (ج ٤ ص ٨٠)\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٣٠٦.","vol":"1","page":414},{"text":"ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» والأحاديث في الاستغفار كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-183>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٠ إلى ٢٠٢]</span>\n﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)﴾\nيأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله ﴿كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه، فقال ابن جريج عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه، يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس، وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات (^١)، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد ﷺ ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: وروى السدي، عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته، ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة والله أعلم، والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله ﷿، ولهذا كان انتصاب قوله، «أو أشد ذكرا» على التمييز، تقديره: كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا، وأو-هاهنا-لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] وقوله ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ [النجم: ٩] فليست هاهنا للشك قطعا، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه.\nثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ أي من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك، قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا، فأنزل الله\n_________\n(^١) الحمالة: الدية أو الغرامة يحملها قوم عن قوم، أو إنسان عن غيره.","vol":"1","page":415},{"text":"فيهم ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فأنزل الله ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.\nوقال القاسم بن عبد الرحمن: «من أعطي قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وجسدا صابرا، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار».\nولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال البخاري (^١): حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» وقال أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ؟ قال: يقول «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها. ورواه مسلم (^٣)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد يعني أبا طالوت، قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة، إن إخوانك يريدون القيام، فادع الله لهم، فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله، وقال أحمد (^٤) أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ «هل كنت تدعو الله بشيء أو\n_________\n(^١) صحيح البخاري (دعوات باب ٥٥)\n(^٢) المسند (ج ٣ ص ١٠١)\n(^٣) صحيح مسلم (ذكر حديث ٢٣ و٢٦)\n(^٤) المسند (ج ٣ ص ١٠٧)","vol":"1","page":416},{"text":"تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه، فهلا قلت ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ قال: فدعاه فشفاه، انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي به.\nوقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو ذلك، وفي سنده ضعف، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان عن إبراهيم بن سليمان عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكا يقول آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال: أنت من الذين قال الله: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]</span>\n﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾\nقال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر، وقال عكرمة ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ يعني التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات الله أكبر الله أكبر. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب»، وقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» ورواه مسلم أيضا، وتقدم حديث جبير بن مطعم «عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح» وتقدم أيضا حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي «وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٤ ص ١٥٣)\n(^٢) مسند أحمد (ج ٥ ص ٧٥)","vol":"1","page":417},{"text":"عليه ومن تأخر فلا إثم عليه».\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أيام التشريق أيام طعم وذكر الله» وحدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى: «لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله ﷿» وحدثنا يعقوب حدثنا هشيم عن سفيان بن حسين عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال «إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدي» زيادة حسنة ولكن مرسلة، وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار أن رسول الله ﷺ بعث بشر بن سحيم فنادى في أيام التشريق فقال: «إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله» وقال هشيم عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن صوم أيام التشريق، قال: «وهي أيام أكل وشرب وذكر الله» وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله، وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة بعده، وروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي ويحيى بن أبي كثير والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك. وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيهن شئت، وأفضلها أولها، والقول الأول هو المشهور، وعليه دلّ ظاهر الآية الكريمة حيث قال ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فدل على ثلاثة بعد النحر.\nويتعلق بقوله ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي ﵀ وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر التشريق ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني لكن لا يصح مرفوعا، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرا ويتعلق بذلك أيضا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٣١٦.","vol":"1","page":418},{"text":"الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ﷿. ولما ذكر الله تعالى النفر الأول (^١) والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف، قال ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كما قال ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-185>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٤ إلى ٢٠٧]</span>\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)﴾\nقال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس، أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد، وهو الصحيح.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف وهو البكالي وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون للناس [لباس] (^٣) مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: فعليّ يجترءون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ﴾ الآية (^٤).\nوحدثني (^٥) محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال الله تعالى، عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران،\n_________\n(^١) النفر الأول هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والنفر الثاني أو الآخر هو اليوم الثالث.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٣٢٥.\n(^٣) زيادة من الطبري. والمسوك: جمع مسك، وهو الجلد.\n(^٤) في رواية الطبري زيادة هنا، وهي: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ الحج: ١١.\n(^٥) تفسير الطبري ٢/ ٣٢٥.","vol":"1","page":419},{"text":"فقال محمد بن كعب هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب، إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي، حسن صحيح.\nوأما قوله ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ﴾ بفتح الياء وضم الجلالة ﴿عَلى ما فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناها أن هذا وإن أظهر لكم الحيل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة، ﴿يُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ [النساء: ١٠٨]، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ الألد في اللغة الأعوج ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] أي عوجا، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». وقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن ابن مليكة عن عائشة ترفعه، قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ، قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة عن النبي ﷺ، قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».\nوقوله ﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ أي هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، والسعي-هاهنا-هو القصد، كما قال إخبارا عن فرعون ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٢ - ٢٦] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم","vol":"1","page":420},{"text":"السكينة والوقار» فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما وقال مجاهد: إذا سعي في الأرض إفسادا، منع الله القطر فهلك الحرث والنسل ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ أي لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.\nوقوله ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له اتق الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا، قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢] ولهذا قال في هذه الآية ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ أي هي كافيته عقوبة في ذلك.\nوقوله ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الآية، ويروى أن رسول الله ﷺ قال له «ربح البيع صهيب» قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليمان الضبي، حدثنا عوف عن أبي عثمان النهدي عن صهيب، قال:\nلما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش يا صهيب قدمت إلينا، ولا مال لك وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال «ربح صهيب ربح صهيب» مرتين، وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، قال: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي ﷺ فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته وانتثل (^١) ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلا، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما تبقى في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي ﷺ قال «ربح البيع» قال: ونزلت ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في\n_________\n(^١) استخرج ما فيها من السهام.","vol":"1","page":421},{"text":"سبيل الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٨ إلى ٢٠٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾\nيقول الله تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك، قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني الإسلام. وقال الضحاك، عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني الطاعة. وقال قتادة أيضا: الموادعة. وقوله ﴿كَافَّةً﴾ قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك جميعا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.\nوزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله ﷺ في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها، وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.\nومن المفسرين من يجعل قوله ﴿كَافَّةً﴾ حالا من الداخلين أي ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها، كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب، يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ﷺ ولا تدعوا منها شيئا وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها.\nوقوله ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أي اعملوا بالطاعات واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان ف ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]،\nو","vol":"1","page":422},{"text":"﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] ولهذا قال ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قال مطرف: أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان، وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ﴾ أي عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز أي في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس:\nعزيز في نقمته حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.\n\n<span data-type='title' id=toc-187>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]</span>\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾\nيقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا. وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.\n﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣] وقال ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) -هاهنا-حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا واحدا من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ، فإذا جاءوا إليه قال «أنا لها أنا لها» فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون (^٢)، قال: وينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه سبحانه أبدا أبدا.\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه-هاهنا-أحاديث فيها غرابة، والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة، عن مسروق، عن ابن مسعود،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٣٤٣.\n(^٢) الكروبيون: سادة الملائكة المقربون.","vol":"1","page":423},{"text":"عن النبي ﷺ، قال «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو بكر بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾ الآية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له القلوب. قال: وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد. قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾ قال: ظلل من الغمام منظوم من الياقوت، مكلل بالجوهر والزبرجد. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في ظلل من الغمام، قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات «هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام» وهي كقوله ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-188>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١١ إلى ٢١٢]</span>\n﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة أي حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضرب الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله كفرا، أي استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ كما قال تعالى إخبارا عن كفار قريش ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩] ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها، واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها، مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا، الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين،","vol":"1","page":424},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيرا جزيلا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث «ابن آدم أنفق أنفق عليك» وقال النبي ﷺ «أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا» وقال تعالى: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وفي الصحيح «أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» وفي الصحيح «يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» وفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-189>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]</span>\n﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا». ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار عن محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكذا روى أبو جعفر الرازي عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» وقال عبد الرزاق:\nأخبرنا معمر عن قتادة في قوله ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعا «فاختلفوا فبعث الله النبيين» فكان أول من بعث نوحا. وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس أولا. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفارا ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ والقول الأول عن ابن عباس أصح سندا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحا ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (ج ٦ ص ٧١) من حديث عائشة ﵂، وليس فيه عبارة «ومال من لا مال له».\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٣٤٧.","vol":"1","page":425},{"text":"وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ الآية، قال: قال النبي ﷺ: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع فغدا لليهود وبعد غد للنصارى» ثم رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ﷺ ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت: النصارى كان نصرانيا، وجعله الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانا عظيما، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك.\nوقال الربيع بن أنس في قوله ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم.\nوفي قراءة أبي بن كعب: «وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». وكان أبو العالية يقول في هذه الآية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.\nوقوله ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي بعلمه بهم وبما هداهم له، قاله ابن جرير ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي من خلقه ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي وله الحكمة والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» وفي","vol":"1","page":426},{"text":"الدعاء المأثور: «اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما».\n\n<span data-type='title' id=toc-190>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]</span>\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب. قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان ﴿الْبَأْساءُ﴾ الفقر ﴿وَالضَّرّاءُ﴾ السقم ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خوفا من الأعداء زلزالا شديدا، وامتحنوا امتحانا عظيما، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت، قال:\nقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه» ثم قال «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون».\nوقال الله تعالى: ﴿الم. أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١٢]. ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال سجالا، يدال علينا وندال عليه.\nقال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة.\nوقوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي سنتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] وقوله ﴿وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ كما قال ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ وفي حديث أبي رزين «عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين، فيظل","vol":"1","page":427},{"text":"يضحك يعلم أن فرجهم قريب» الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]</span>\n﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾\nقال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع. وقال السدي: نسختها الزكاة، وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد فبين لهم تعالى ذلك، فقال ﴿قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث «أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك» وتلا ميمون بن مهران هذه الآية، ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلا ولا مزمارا ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان. ثم قال تعالى: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن الله يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]</span>\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾\nهذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام، وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر ان ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد.\n(قلت) ولهذا ثبت في الصحيح «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية» وقال ﵇ يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».\nوقوله ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي شديد عليكم ومشقة وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم.\n﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-193>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٧ إلى ٢١٨]</span>\n﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، حدثني الحضرمي عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ بعث رهطا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فحبسه فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال «لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك» فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية.\nوقال السدي (^١) عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سرية، وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه «أن سر حتى تنزل بطن نخلة» فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله ﷺ، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فتخلفا (^٢) يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان [وعمرو بن الحضرمي] (^٣) وعبد الله بن المغيرة، وانفلت [المغيرة] (^٤) وقتل عمرو، قتله واقد ابن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب رسول الله ﷺ، فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين عليه [فقال النبي ﷺ: حتى تنظر ما فعل صاحبانا، فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون] (^٥). وقالوا: إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال\n_________\n(^١) رواه الطبري في تفسيره ٢/ ٣٦١.\n(^٢) في الطبري: «فأتيا بحران يطلبانها».\n(^٣) الزيادة بين معقوفين من الطبري.\n(^٤) الزيادة بين معقوفين من الطبري.\n(^٥) الزيادة بين معقوفين من الطبري.","vol":"1","page":429},{"text":"المسلمون: إنما قتلناه في جمادى، وقيل: في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، وأنزل الله يعير أهل مكة ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد ﷺ وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدا ﷺ وأصحابه أكبر من القتل عند الله.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدوا رسول الله ﷺ وردوه عن المسجد في شهر حرام، قال: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله ﷺ القتال في شهر حرام، فقال الله ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ من القتال فيه، وأن محمدا ﷺ بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد ﷺ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب، ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد ﷺ، والشرك أشد منه، وهكذا روى أبو سعيد البقال عن عكرمة، عن ابن عباس، أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ إلى آخر الآية.\nوقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة (^١)، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀، في كتاب السيرة له، أنه قال: وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا، وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص ومن بني\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠١ - ٦٠٥.","vol":"1","page":430},{"text":"عدي بن كعب بن عامر بن ربيعة، حليف لهم من عنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء، فلما سار عبد الله بن جحش يومين، فتح الكتاب فنظر فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش الكتاب، قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ، أن امضي إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ، فمضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصدف وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه، قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله ﷺ، قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال ذلك رسول الله ﷺ، سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال؛ فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت اليهود: تفاءل بذلك على رسول الله ﷺ: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله وقدت","vol":"1","page":431},{"text":"الحرب، فجعل الله عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسول الله ﷺ:\n﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبَرُ﴾ عند الله من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا﴾ أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين، قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق (^١)، قبض رسول الله ﷺ وآله وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، فقال رسول الله ﷺ: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا» يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة، ففداهما رسول الله ﷺ منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا، قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كان حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول الله، أنطمع ان تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء، قال ابن إسحاق، والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة.\nوقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبا من هذا السياق، وروى موسى بن عقبة، عن الزهري نفسه نحو ذلك، وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة بن الزبير نحوا من هذا أيضا، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل لله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ الآية، وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة.\nثم قال ابن هشام، عن زياد، عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن عبد الله قسم الفيء بين أهله، فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه، وخمسا على الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير، قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون، قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق ﵁ في غزوة عبد الله بن\n_________\n(^١) الشفق: الخوف.","vol":"1","page":432},{"text":"جحش، ويقال: بل عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال، قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش: [الطويل] تعدون قتلا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرّشد راشد\nصدودكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد\nوإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد\nفإنا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغ وحاسد\nسقينا من ابن الحضرمي رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد\nدما وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غلّ من القدّ عائد (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-194>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٩ إلى ٢٢٠]</span>\n﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما أنزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعي عمر، فقرئت عليه فقال. اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟﴾ قال عمر: انتهينا انتهينا.\nهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن قد قال أبو زرعة: لم يسمع منه، والله أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح صحيح، وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله انتهينا، إنها تذهب المال وتذهب العقل، وسيأتي هذا الحديث أيضا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضا عند قوله في سورة المائدة\n_________\n(^١) الأبيات في سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٥ - ٦٠٦.\n(^٢) مسند أحمد (ج ١ ص ٥٣)","vol":"1","page":433},{"text":"﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فقوله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أما الخمر، فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: أنه كل ما خامر العقل، كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.\nوقوله ﴿قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته: [الوافر] ونشربها فتتركنا ملوكا … وأسدا لا ينهنهنا اللقاء (^١)\nوكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يقمشه (^٢) بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر ﵁ لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] ويأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وبه الثقة، قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن هذه أول آية نزلت في الخمر ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر.\nقوله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله ﷺ، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا فأنزل الله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ وقال الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال: ما يفضل عن أهلك، كذا روي عن ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن أنس وغير واحد، أنهم قالوا في قوله ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ يعني الفضل، وعن طاوس: اليسير من كل شيء. وعن الربيع أيضا: أفضل مالك وأطيبه والكل يرجع إلى الفضل. وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن الحسن، في الآية ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾\n_________\n(^١) البيت لحسان في ديوانه ص ٤؛ والكامل ١/ ٧٤؛ والطبري ٢/ ٣٧٢.\n(^٢) أي يجمعه من هاهنا وهاهنا.","vol":"1","page":434},{"text":"قال، ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس، ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير (^١): حدثنا علي بن مسلم، حدثنا أبو عاصم عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، قال «أنفقه على نفسك» قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على أهلك» قال: عندي آخر: قال «أنفقه على ولدك» قال: عندي آخر، قال «فأنت أبصر»؛ وقد رواه مسلم في صحيحه وأخرجه مسلم أيضا عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال لرجل «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا». وعنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» وفي الحديث أيضا «ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف» ثم قد قيل إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني والسدي، وقيل مبينة بآية الزكاة، قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه.\nوقوله ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو أسامة عن الصعق العيشي، قال: شهدت الحسن وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء، وهكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا. وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى.\nوقوله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ الآية، قال ابن جرير (^٢): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وهكذا رواه أبو داود\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٣٧٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٩٨٢.","vol":"1","page":435},{"text":"والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب به.\nوكذا رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود بمثله، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، قال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام صاحب الدستوائي (^١)، عن حماد، عن إبراهيم، قال: قالت عائشة ﵂: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة، حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي.\nفقوله ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي على حدة، ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ أي وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين، ولهذا قال ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح، وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله وبه الثقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-195>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]</span>\n﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾\nهذا تحريم من الله ﷿ على المؤمنين، أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومها مرادا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وغيرهم. وقيل:\nبل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم.\nفأما ما رواه ابن جرير (^٢): حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثني\n_________\n(^١) كذا. وفي موسوعة رجال الكتب التسعة (٤/ ١٤١): هو هشام بن أبي عبد الله سنبر، أبو بكر الدستوائي المتوفى سنة ١٥٤ هـ. من كبار الطبقة السابعة.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٣٨٩.","vol":"1","page":436},{"text":"عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول:\nنهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام. قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبا شديدا حتى هم أن يسطو عليهما فقالا نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، ولكني أنتزعهن منكم صغرة قمأة، فهو حديث غريب جدا، وهذا الأثر غريب عن عمر أيضا.\nقال أبو جعفر بن جرير ﵀: بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني. كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، حدثنا الصلت بن بهرام عن شقيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خلّ سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن، وهذا إسناد صحيح.\nوروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت، نحوه، وقال ابن جرير:\nحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سفيان بن سعيد عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة، قال: وهذا أصح إسنادا من الأول، ثم قال: وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرقي عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة عليه [أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب] (^١)، كذا قال ابن جرير ﵀.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾. وقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: ربها عيسى، وقال أبو بكر الخلال الحنبلي: حدثنا محمد بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد، أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام.\nوقوله ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهما،\n_________\n(^١) الزيادة من الطبري ٢/ ٣٩٠.","vol":"1","page":437},{"text":"فقال له «ما هي؟» قال: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال «يا أبا عبد الله هذه مؤمنة». فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ … ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.\nوقال عبد بن حميد: حدثنا جعفر بن زياد الإفريقي عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال «لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن عن أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وأنكحوهن على الدين، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل» والإفريقي ضعيف، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك» ولمسلم عن جابر مثله، وله عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».\nوقوله ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ أي لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي ولرجل مؤمن-ولو كان عبدا حبشيا- خير من مشرك، وإن كان رئيسا سريا ﴿أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ أي معاشرتهم ومخالطتهم، تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي بشرعه وما أمر به وما نهى عنه ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ الله ﴿آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٢ إلى ٢٢٣]</span>\n﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس، أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ، فأنزل الله ﷿ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله ﷺ «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا، إلا خالفنا فيه،\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٣ ص ١٣٢ - ١٣٣)","vol":"1","page":438},{"text":"فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت: كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ، فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما، رواه مسلم من حديث حماد بن زيد بن سلمة، فقوله ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يعني الفرج، لقوله «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم، إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج.\nقال أبو داود أيضا: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ، كان إذا أراد من الحائض شيئا يلقي على فرجها ثوبا، وقال أبو داود أيضا: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله يعني ابن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن يعني ابن زياد، عن عمارة بن غراب أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ، دخل فمضى إلى مسجده، قال أبو داود: تعني مسجد بيتها، فما انصرف حتى غلبتني عيني فأوجعه البرد فقال «ادني مني» فقلت: إني حائض، فقال «اكشفي عن فخذيك» فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفئ ونام ﷺ.\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب عن كتاب أبي قلابة، أن مسروقا ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهله، فقالت عائشة: مرحبا مرحبا، فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني، فقال:\nما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت له: كل شيء إلا فرجها. ورواه أيضا عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة، وروى ابن جرير أيضا عن أبي كريب عن ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة، قالت له: ما فوق الإزار.\n(قلت) ويحل مضاجعتها ومواكلتها بلا خلاف، قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ، يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن. وفي الصحيح عنها، قالت: كنت أتعرق العرق (^١) وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه.\nوقال أبو داود (^٢): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن جابر بن صبح، سمعت خلاسا الهجري\n_________\n(^١) العرق: العظم إذا أخذ منه معظم اللحم. وتعرّقه: أخذ عنه اللحم بأسنانه.\n(^٢) سنن أبي داود (طهارة باب ١٠٦)","vol":"1","page":439},{"text":"قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه-يعني ثوبه-شيء غسل مكانه لم يعده وصلّى فيه، فأما ما رواه أبو داود (^١) حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد، عن أبي اليمان، عن أم ذرة، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال (^٢) على الحصير، فلم نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر، فهو محمول على التنزه والاحتياط.\nوقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض، وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة نحوه، وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث العلاء، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله ﷺ: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار.\nولأبي داود أيضا عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله ﷺ عما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل» وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح.\nفهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل ما فوق الإزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم، ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله ﷿ الذي أجمع العلماء على تحريمه وهو المباشرة في الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر الله ويتوب إليه، وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان: [أحدهما] نعم، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار أو نصف دينار، وفي لفظ للترمذي «إذا كان دما أحمر فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار» وللإمام أحمد أيضا عنه أن رسول الله ﷺ، جعل في الحائض تصاب دينارا، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصف دينار. [والقول الثاني] وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله ﷿ لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه قد روي مرفوعا كما تقدم، وموقوفا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى:\n﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ تفسير قوله ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ونهى عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودا، ومفهومه حله إذا انقطع. قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ﴾ الآية، الطهر يدل\n_________\n(^١) سنن أبي داود (طهارة باب ١٠٦)\n(^٢) المثال: الفراش.","vol":"1","page":440},{"text":"على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله ﷺ في شعاره، دل ذلك على أنه إنما أراد الجماع.\nوقوله ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول منهم من يقول إنه على الوجوب كالمطلق، هؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول: إنه للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له من الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبا، فواجب كقوله ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] أو مباحا فمباح كقوله ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، فاختاره بعض أئمة المتأخرين وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول، فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم، وقال ابن عباس ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ أي من الدم ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ أي بالماء، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن ومقاتل بن حيان والليث بن سعد وغيرهم.\nوقوله ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني الفرج. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ يقول: في الفرج ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئا من ذلك فقد اعتدى. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ أي تعتزلوهن، وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله تعالى. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ يعني طاهرات غير حيّض، ولهذا قال ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ أي من الذنب وإن تكرر غشيانه ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتي.\nوقوله ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ أي كيف شئتم، قال: سمعت جابرا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان الثوري به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري: أن محمد بن المنكدر حدثهم: أن جابر بن عبد الله أخبره أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول،","vol":"1","page":441},{"text":"فأنزل الله ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله ﷺ «مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج» وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال «حرثك ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» الحديث، رواه أحمد وأهل السنن (^١).\nحديث آخر-قال ابن أبي حاتم حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس، قال:\nأتى ناس من حمير إلى رسول الله ﷺ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجب (^٢) النساء فكيف ترى في؟ فأنزل الله ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ ورواه الإمام أحمد (^٣)، حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان عن عامر بن يحيى المغافري عن حنش، عن ابن عباس، قال: أنزلت هذه الآية ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي ﷺ فسألوه، فقال النبي ﷺ «ائتها على كل حال إذا كان في الفرج».\nحديث آخر-قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزل الله ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، ورواه ابن جرير (^٤) عن يونس، وعن يعقوب، ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن الحارث بن شريح، عن عبد الله بن نافع به.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبيد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الله بن سابط، قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت: إني لسائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستحي يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يجبون النساء وكانت اليهود تقول: إنه من أجبى امرأته، كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فأجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله ﷺ، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ، فلما جاء رسول الله ﷺ، استحت الأنصارية أن تسأل رسول الله ﷺ، فخرجت فسألته أم سلمة، فقال:\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند (ج ٥ ص ٣ و٥) وأبو داود (نكاح باب ٤١)\n(^٢) أي أنه يأتي زوجته وهي منكبّة على وجهها.\n(^٣) المسند (ج ١ ص ٢٦٨)\n(^٤) تفسير الطبري ٢/ ٤٠٣.\n(^٥) المسند (ج ٦ ص ٣٠٥)","vol":"1","page":442},{"text":"ادعي «الأنصارية» فدعتها، فتلا عليها هذه الآية ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ «صماما واحدا». ورواه الترمذي عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي خثيم به، وقال حسن. (قلت) وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة عن أبيه، عن ابن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة أم المؤمنين ان امرأة أتتها، فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة فكرهته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال «لا بأس إذا كان في صمام واحد».\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن، حدثنا يعقوب يعني القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ، فقال:\nيا رسول الله هلكت، قال ما الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي (^٢) البارحة، قال، فلم يرد عليه شيئا. قال: فأوحى الله إلى رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة». ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى الأشيب به، وقال: حسن غريب.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن شريح، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: أثفر (^٣) رجل امرأته على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: أثفر فلان امرأته، فأنزل الله ﷿: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾.\nقال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد يعني ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن ابن عباس، قال: إن ابن عمر-والله يغفر له-أو هم وإنما كان الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون كثيرا من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فأصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما فبلغ رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضوع الولد، تفرد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم له من الأحاديث ولا سيما رواية أم سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق.\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٢٩٧)\n(^٢) كناية عن إتيانه زوجته مدبرة.\n(^٣) أثفره: ساقه من ورائه (أساس البلاغة: ثفر) والمراد أنه أتى امرأته من وراء.","vol":"1","page":443},{"text":"وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال، عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون (^١) النساء بمكة ويتلذذون بهن، فذكر القصة بتمام سياقها، وقول ابن عباس إن ابن عمر-والله يغفر له-أو هم، كأنه يشير إلى ما رواه البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون عن نافع، قال، كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عنه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى، وعن عبد الصمد قال، حدثني أبي، حدثنا أيوب عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ قال: أن يأتيها في … هكذا رواه البخاري، وقد تفرد به من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير (^٢)، حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية حدثنا ابن عون عن نافع، قال قرأت ذات يوم ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عمر أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا.\nقال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وحدثني أبو قلابة. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر. وروي من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ولا يصح.\nوروى النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾. قال أبو حاتم الرازي، لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر، لما أولع الناس بنافع، وهذا تعليل منه لهذا الحديث. وقد رواه عبد الله بن نافع عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر، فذكره.\nوهذا الحديث محمول على ما تقدم وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، لما رواه النسائي عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر، أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر، أنه قد أكثر عليك القول، أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن، قال: كذبوا عليّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ فقال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال،\n_________\n(^١) شرح المرأة: أتاها مستلقية. ومنه: غطت المرأة مشرحها أي فرجها (أساس البلاغة: شرح)\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٤٠٧.","vol":"1","page":444},{"text":"إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾.\nوهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى الكاتب العمري، عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة، فذكره، وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحا، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب السر، وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك ﵀. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال، قال رسول الله ﷺ «استحيوا إن الله لا يستحي من الحق، لا يحل أن تأتوا النساء في حشوشهن» (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن عبد الله بن شداد، عن خزيمة بن ثابت، أن رسول الله ﷺ نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها.\nطريق أخرى قال أحمد (^٢): حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه أن هرمي بن عبد الله الواقفي، حدثه أن خزيمة بن ثابت الخطمي، حدثه أن رسول الله ﷺ، قال «استحيوا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن» رواه النسائي وابن ماجة من طريق عن خزيمة بن ثابت وفي إسناده اختلاف كثير.\nحديث آخر قال أبو عيسى الترمذي والنسائي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان عن كريب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه ابن حزم أيضا، ولكن رواه النسائي أيضا عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفا. وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، أن رجلا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، قال:\nنسألني عن الكفر، إسناده صحيح، وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك عن معمر به نحوه، وقال عبد أيضا في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحاكم عن أبيه عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها، وسمعت قول الله ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾\n_________\n(^١) الحشوش: الأدبار. وفي حديث آخر: نهى عن إتيان النساء في محاشّهن، وقد روي أيضا بالسين. وفي حديث ابن مسعود: محاشّ النساء عليكم حرام. (لسان العرب: حشش)\n(^٢) مسند أحمد (ج ٥ ص ٢١٥)","vol":"1","page":445},{"text":"فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لكع إنما قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في إقبالهن لا تعدوا ذلك إلى غيره.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا قتادة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ، قال: «الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى» وقال عبد الله بن أحمد: حدثني هدبة، حدثنا همام، قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها، فقال قتادة: أخبرنا عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ، قال: «هي اللوطية الصغرى». قال قتادة: وحدثني عقبة بن سعيد القطان عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله، وهذا أصح، والله أعلم. وكذلك رواه عبد بن حميد عن يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو موقوفا من قوله.\nطريق أخرى قال جعفر الفريابي: حدثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، ومؤذي جاره حتى يلعنه» ابن لهيعة وشيخه ضعيفان.\nحديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن عاصم، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحي من الحق، وأخرجه أحمد أيضا عن أبي معاوية وأبي عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضا، عن عاصم الأحول به، وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن، ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل (^٢)، والصحيح أنه علي بن طلق.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال «إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه». وقال أحمد أيضا حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة يرفعه، قال «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها»، وكذا رواه ابن ماجة من طريق سهيل وقال أحمد أيضا: حدثنا وكيع عن سهيل بن أبي صالح. عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «ملعون من أتى امرأته في دبرها»، وهكذا رواه\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ١١٠)\n(^٢) المسند (ج ١ ص ٨٦)\n(^٣) المسند (ج ٢ ص ٣٤٤)","vol":"1","page":446},{"text":"أبو داود والنسائي من طريق وكيع به.\nطريق أخرى قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: أخبرنا أحمد بن القاسم بن الريان، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «ملعون من أتى امرأة في دبرها» ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي، وإنما الذي فيه عن سهيل عن الحارث بن مخلد كما تقدم، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند، وهم منه وقد ضعفوه.\nطريق أخرى-رواها مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال «ملعون من أتى النساء في أدبارهن» ومسلم بن خالد فيه كلام، والله أعلم.\nطريق أخرى-رواها الإمام أحمد (^١) وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد» وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث، والذي قاله البخاري في حديث الترمذي عن أبي تيمية: لا يتابع على حديثه.\nطريق أخرى-قال النسائي: حدثنا عثمان بن عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن أبي سلمة ﵁، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال «استحيوا من الله حق الحياء لا تأتوا النساء في أدبارهن» تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري ومن حديث أبي سلمة ومن حديث سعيد فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد، فإنما سمعه بعد الاختلاف، وقد رواه الترمذي عن أبي سلمة أنه كان ينهي عن ذلك، فأما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، فلا، انتهى كلامه، وقد أجاد وأحسن الانتقاد، إلا أن عبد الملك بن محمد الصنعاني لا يعرف أنه اختلط، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة عن الكناني وهو ثقة، ولكن تكلم فيه دحيم وأبو حاتم وابن حبان، وقال: لا يجوز الاحتجاج به، والله أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد عن سعيد بن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين عن أبي سلمة، ولا يصح منها كل شيء.\nطريق أخرى-قال النسائي: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهن كفر، ثم رواه النسائي من طريق الثوري عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ٤٠٨)","vol":"1","page":447},{"text":"مرفوعا، وكذا رواه من طريق علي بن نديمة عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفا، ورواه بكر بن خنيس عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر» والموقف أصح، وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه آخرون.\nحديث آخر-قال محمد بن أبان البلخي: حدثنا وكيع، حدثني زمعة بن صالح عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن عمرو بن دينار، عن عبيد الله بن يزيد بن الهاد، قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ «إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» وقد رواه النسائي، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني عن عثمان بن اليمان عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر، قال: لا تأتوا النساء في أدبارهن وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي حكيم عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي، قال: قال عمر ﵁: استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن، والموقوف أصح.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد: حدثنا غندر ومعاذ بن معاذ، قالا: حدثنا شعبة عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق، عن النبي ﷺ قال «إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههن» وكذا رواه غير واحد عن شعبة، ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، والله أعلم.\nحديث آخر-قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا أبو مسلم الحرمي، حدثنا أخو أنيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ، قال «محاش النساء حرام» وقد رواه إسماعيل بن علية وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي عبد الله الشقري واسمه سلمة بن تمام ثقة، عن أبي القعقاع عن ابن مسعود موقوفا وهو أصح.\nطريق أخرى-قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدثنا سعيد بن يحيى الثوري، حدثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «لا تأتوا النساء في أعجازهن» محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال. وقد روي من حديث أبي بن كعب والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وأبي ذر وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم.\nوقال الثوري، عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية، قال: سأل رجل عليا عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفلت، سفل الله بك، ألم تسمع قول الله ﷿:\n﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]. وقد تقدم قول ابن","vol":"1","page":448},{"text":"مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمر ﵄ أنه يحرمه.\nقال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال: قلت: لابن عمر:\nما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم.\nقال ابن جرير (^١): حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد أحمد (^٢) بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر، حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس، أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج علي أبي. فقال مالك أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال له يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ فقال وما التحميض؟ فذكر له الدبر، فقال: ابن عمر: أف أف! وهل يفعل ذلك مؤمن، أو قال مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع.\nوروى النسائي عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن فقال أف أف أو يعمل هذا مسلم فقال لي مالك فأشهد على سعيد بن يسار، أنه سأل ابن عمر، فقال: لا بأس به. وروى النسائي أيضا من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عمر كان لا يرى بأسا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. وروى معمر بن عيسى عن مالك أن ذلك حرام.\nوقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حسين، حدثني إسرائيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك. قال: يكذبون علي يكذبون علي، فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعكرمة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف، أنهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٤٠٧.\n(^٢) في الطبري: «أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر».","vol":"1","page":449},{"text":"أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فعله الكفر وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة حتى حكوه عن الإمام مالك، وفي صحته نظر.\nقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي.\nوقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك، ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم.\nوقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي عن أبي العباس الأصم سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول، فذكره، قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله لا إله إلا هو، لقد كذب-يعني ابن عبد الحكم-على الشافعي في ذلك، لأن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ أي فيحاسبكم على أعمالكم جميعها ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي المطيعين الله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم. وقال ابن جرير:\nحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني محمد بن عبد الله بن واقد، عن عطاء، قال: أراه عن ابن عباس ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول باسم الله التسمية عند الجماع، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال:\nباسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لن يضره الشيطان أبدا».\n\n<span data-type='title' id=toc-197>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٤ إلى ٢٢٥]</span>\n﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾\nيقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، كما قال","vol":"1","page":450},{"text":"البخاري (^١): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ قال «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» وقال رسول ﷺ «والله لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه» وهكذا رواه مسلم (^٢) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به، ورواه أحمد عنه به، ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية هو ابن سلام، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن عكرمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «من استلجّ في أهله بيمين فهو أعظم إثما، ليس تغني الكفارة» (^٣).\nوقال علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ قال:\nلا تجعلن عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير، وكذا قال مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهري والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي ﵏.\nويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» وثبت فيهما أيضا أن رسول الله ﷺ، قال لعبد الرحمن بن سمرة «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ، قال «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فتركها كفارتها» ورواه أبو داود من طريق أبي عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ «ولا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها» ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي ﷺ كلها\n_________\n(^١) صحيح البخاري (وضوء باب ٦٨؛ وجمعة باب ١ و١٢؛ وأنبياء باب ٥٤؛ وأيمان باب ١؛ وتوحيد باب ٣٥)\n(^٢) صحيح مسلم (جمعة حديث ١٩، ٢١)\n(^٣) البخاري (أيمان باب ١) وابن ماجة (كفارات باب ١١) وأحمد في المسند (ج ٢ ص ٢٧٨)\n(^٤) مسند أحمد (ج ٣ ص ٧٦)","vol":"1","page":451},{"text":"«فليكفر عن يمينه» وهي الصحاح.\nوقال ابن جرير: حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مسهر عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «من حلف على يمين قطيعة رحم ومعصية فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه» وهذا حديث ضعيف، ثم روى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ومسروق والشعبي أنهم قالوا: لا يمين في معصية ولا كفارة عليها.\nوقوله ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ أي لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله» فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية، قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية، وفي الآية الأخرى ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. قال أبو داود [باب لغو اليمين] حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حيان يعني ابن إبراهيم، حدثنا إبراهيم يعني الصائغ، عن عطاء: في اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال «اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله» ثم قال أبو داود: رواه دواد بن الفرات عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء عن عائشة موقوفا، ورواه الزهري وعبد الملك ومالك بن مغول كلهم عن عطاء عن عائشة موقوفا أيضا.\n(قلت) وكذا رواه ابن جريج وابن ليلى عن عطاء عن عائشة موقوفا، ورواه ابن جرير عن هناد عن وكيع وعبدة وأبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ لا والله وبلى والله، ثم رواه عن محمد بن حميد عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه عنها، وبه عن ابن إسحاق عن الزهري عن القاسم عنها، وبه عن سلمة عن ابن أبي نجيح عن عطاء عنها، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة في قوله ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ قالت: هم القوم يتدارءون في الأمر، فيقول هذا: لا والله، بلى والله، وكلا والله، يتدارءون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم، وقد قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة يعني ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول الله ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وحدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي وعكرمة في أحد قوليه،","vol":"1","page":452},{"text":"وعروة بن الزبير وأبي صالح والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة والزهري نحو ذلك.\nالوجه الثاني قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثقة عن ابن شهاب عن عروة، عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الآية، يعني قوله: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ وتقول: هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه، ثم قال: وروي عن أبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن وزرارة بن أوفى وأبي مالك وعطاء الخراساني وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة وحبيب بن أبي ثابت والسدي ومكحول ومقاتل وطاوس وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن سعيد وربيع نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^١) حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عبد الله بن ميمون المرادي، حدثنا عوف الأعرابي عن الحسن بن أبي الحسن قال: مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون، يعني يرمون، ومع رسول الله ﷺ رجل من أصحابه، فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله، فقال الذي مع النبي ﷺ للنبي ﷺ: حنث الرجل يا رسول الله، قال «كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» هذا مرسل حسن عن الحسن.\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعا، حدثنا عصام بن رواد، أنبأنا آدم، حدثنا شيبان عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة، قالت: هو قوله: لا والله، وبلى والله، وهو يرى أنه صادق ولا يكون كذلك.\nأقوال أخرى-قال عبد الرزاق (^٢)، عن هشيم عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه. وقال زيد بن أسلم (^٣): هو قول الرجل أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا، فهو هذا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد بن خالد، حدثنا خالد، حدثنا عطاء عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وأخبرني أبي: حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك فذلك ما ليس عليك فيه كفارة، وكذا روي عن سعيد بن جبير. وقال أبو داود [باب اليمين في الغضب] حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٤٢٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٢/ ٤٢٤.","vol":"1","page":453},{"text":"الرب ﷿، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك».\nوقوله ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، قال مجاهد وغيره، وهي كقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي غفور لعباده حليم عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ إلى ٢٢٧]</span>\n﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾\nالإيلاء الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو إما أن يكون أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها، فإن كانت أقل، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ، آلى من نسائه شهرا فنزل لتسع وعشرين، وقال «الشهر تسع وعشرون» ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه، فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر، إما أن يفيء أي يجامع، وإما أن يطلق فيجبره الحاكم على هذا، وهذا لئلا يضر بها، ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ أي يحلفون على ترك الجماع عن نسائهم، فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال ﴿فَإِنْ فاؤُ﴾ أي رجعوا إلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس ومسروق والشعبي وسعيد بن جبير وغير واحد ومنهم ابن جرير ﵀ ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين.\nقوله ﴿فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيه دلالة لأحد قولي العلماء، وهو القديم عن الشافعي أن المولى إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه، ويعتضد بما تقدم في الحديث عند الآية التي قبلها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ، قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فتركها كفارتها» كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه التكفير لعموم وجوب التكفير على كل حالف، كما تقدم أيضا في الأحاديث الصحاح، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر، كقول الجمهور من المتأخرين، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي أربعة أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه يقول ابن سيرين ومسروق والقاسم وسالم والحسن وأبو سلمة وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن","vol":"1","page":454},{"text":"ذؤيب وعطاء وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن طرخان التيمي وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس والسدي، ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية، قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومكحول وربيعة والزهري ومروان بن الحكم، وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه يقول عطاء وجابر بن زيد ومسروق وعكرمة والحسن وابن سيرين ومحمد بن الحنفية وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب وأبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح، فكل من قال: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدة، إلا ما روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء: أنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها، وهو قول الشافعي، والذي عليه الجمهور من المتأخرين أن يوقف فيطالب إما بهذا وإما بهذا ولا يقع عليها بمجرد مضيها طلاق، وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق وإما أن يفيء، وأخرجه البخاري.\nوقال الشافعي ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ كلهم يوقف المولي، قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر، ورواه الشافعي عن علي ﵁ أنه يوقف المولي، ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر وابن عمر وعائشة وعثمان وزيد بن ثابت وبضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ، هكذا قال الشافعي ﵀.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: سألت اثني عشر رجلا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق، ورواه الدارقطني من طريق سهيل.\n(قلت) وهو يروى عن عمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة أم المؤمنين وابن عمر وابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وطاوس ومحمد بن كعب والقاسم، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم ﵏، وهو اختيار ابن جرير أيضا، وهو قول الليث وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور وداود، وكل هؤلاء قالوا:\nإن لم يفيء ألزم بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية، لها رجعتها في العدة، وانفرد مالك بأن قال، لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة وهذا غريب جدا.\nقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر، الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس ﵀ في الموطأ، عن عبد الله بن دينار، قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول: [الطويل]\nتطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني أن لا خليل ألاعبه","vol":"1","page":455},{"text":"فوالله لولا اللّه أني أراقبه … لحرّك من هذا السرير جوانبه (^١)\nفسأل عمر ابنته حفصة ﵂: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك\n\nوقال محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ، قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها، تقول:\nتطاول هذا الليل وازور جانبه … وأرّقني أن لا ضجيع ألاعبه\nألاعبه طورا وطورا كأنما … بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه\nيسر به من كان يلهو بقربه … لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه\nفوالله لولا الله لا شيء غيره … لنقض من هذا السرير جوانبه\nولكنني أخشى رقيبا موكلا … بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه\nمخافة ربي والحياء يصدني … وإكرام بعلي أن تنال مراكبه\nثم ذكر بقية ذلك، كما تقدم أو نحوه، وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]</span>\n﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾\nهذا أمر من الله ﷾ للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد عندهم بقرأين لأنها على نصف من الحرة، والقرء لا يتبعض فكمل لها قرآن، ولما رواه ابن جرير عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ، قال: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية، وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح أنه من قول القاسم بن محمد نفسه، ورواه ابن ماجة من طريق عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعا، قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع عن ابن عمر قوله، وهكذا روي عن عمر بن الخطاب. قالوا: ولم يعرف بين الصحابة\n_________\n(^١) البيت الأول منسوب لأم الحجاج بن يوسف في تاج العروس (زعزع)؛ وهو بلا نسبة في لسان العرب (أسس، زعع، وصل، وجه). والبيت الثاني بلا نسبة في خزانة الأدب ١٠/ ٣٣٣؛ ورصف المباني ص ٢٤١؛ وسر صناعة الإعراب ص ٣٩٤؛ وشرح شواهد المغني ص ٦٦٨.","vol":"1","page":456},{"text":"خلاف، وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء، حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر وضعفه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل، يعني ابن عياش، عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه، أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، قالت: طلقت على عهد رسول الله ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله ﷿ حين طلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت من هذا الوجه فيها العدة للطلاق يعني ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين: [أحدهما] أن المراد بها الأطهار، وقال مالك في الموطأ (^١) عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾. فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار. وقال مالك (^٢)، عن ابن شهاب:\nسمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك، يريد قول عائشة. وقال مالك (^٣) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها، وقال مالك: وهو الأمر عندنا.\nوروي مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وبقية الفقهاء السبعة وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي في الأطهار ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبا، دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأقل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يوما ولحظتان، واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى: [الطويل] ففي كل عام أنت جاشم غزوة … تشد لأقصاها عزيم عزائكا\nمورثة مالا وفي الذكر رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا (^٤)\nيمدح أميرا (^٥) من أمراء العرب آثر الغزو على المقام، حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم\n_________\n(^١) الموطأ (طلاق حديث ٥٤)\n(^٢) الموطأ (طلاق حديث ٥٥)\n(^٣) الموطأ (طلاق حديث ٥٨)\n(^٤) البيتان للأعشى في ديوانه ص ١٤١؛ ولسان العرب (غزا)؛ والطبري ٢/ ٤٥٨؛ ومجاز القرآن ١/ ٧٤.\n(^٥) هو هوذة بن علي الحنفي.","vol":"1","page":457},{"text":"يواقعهن فيه. [والقول الثاني]-أن المراد بالأقراء، الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: وتغتسل منها، وأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يوما ولحظة، قال الثوري: عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين فجاءني وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي، فقال عمر لعبد الله بن مسعود: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة قال: وأنا أرى ذلك، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وابن مسعود ومعاذ، وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وابن عباس وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وإبراهيم ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة والشعبي والربيع ومقاتل بن حيان والسدي ومكحول والضحاك وعطاء الخراساني أنهم قالوا: الأقراء الحيض.\nوهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: الأقراء الحيض، وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح بن حي وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه.\nويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من طريق المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول الله ﷺ قال لها «دعي الصلاة أيام أقرائك» فهذا لو صح لكان صريحا في أن القرء هو الحيض، ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب: الوقت لمجيئ الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين، والله أعلم. وهذا قول الأصمعي أن القرء هو الوقت.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض قرء، وتسمي الطهر قرءا وتسمي الطهر والحيض جميعا قرءا. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض، ويراد به الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين.\nوقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ﴾ أي من حبل أو حيض، قاله ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي والحكم بن عيينة والربيع بن أنس والضحاك وغير واحد، وقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على خلاف الحق، دل هذا على أن المرجع في هذا إليهن لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن ويتعذر إقامة البينة غالبا على ذلك، فرد الأمر إليهن وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالا منها لانقضاء العدة أو رغبة منها في تطويلها لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.","vol":"1","page":458},{"text":"وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا﴾ أي وزوجها الذي طلقها أحق بردها، ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردها الإصلاح والخير، وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن، فلم يكن حال نزول هذه الآية مطلقة بائن، وإنما كان ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية، فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث تطليقات، صار للناس مطلقة بائن، وغير بائن. وإذا تأملت هذا، تبين لك ضعف ما سلكه بعض الأصوليين من استشهادهم على مسألة عود الضمير، هل يكون مخصصا لما تقدمه من لفظ العموم أم لا بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق لما ذكروه، الله أعلم.\nوقوله ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر، ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم (^١) عن جابر، أن رسول الله ﷺ، قال في خطبته في حجة الوداع «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا؟ قال «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» وقال وكيع، عن بشير بن سليمان، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن الله يقول ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقوله ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي في الفضيلة في الخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].\nوقوله ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.\n\n<span data-type='title' id=toc-200>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٩ إلى ٢٣٠]</span>\n﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾\n_________\n(^١) صحيح مسلم (حج حديث ١٤٧) وأخرجه أبو داود (مناسك باب ٥٦) وابن ماجة (مناسك باب ٨٤) وأحمد في المسند (ج ٥ ص ٧٣)","vol":"1","page":459},{"text":"هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ قال أبو داود ﵀ في سننه [باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث]. حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ﴾ الآية، ودل أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآية، ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم عن علي بن الحسين به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة يعني ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا ولا آويك أبدا، قالت: كيف ذلك؟ قال:\nأطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فأنزل الله ﷿ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس، ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام عن أبيه، قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء ما دامت في العدة، وإن رجلا من الأنصار غضب على امرأته، فقال: والله لا آويك ولا أفارقك، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ قال: فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان عن يعلى بن شبيب مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام. عن أبيه مرسلا، وقال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد.\nثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيما ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارا، فأنزل الله ﷿ فيه ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلا، ذكره السدي وابن زيد وابن","vol":"1","page":460},{"text":"جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية.\nوقوله ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ أي إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية بين أن تردها إليك ناويا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك وتطلق سراحها محسنا إليها، لا تظلمها من حقها شيئا ولا تضار بها. وقال ابن أبي طلحة. عن ابن عباس، قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في ذلك، أي في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، قال: سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﷿ ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ أين الثالثة؟ قال: «التسريح بإحسان» ورواه عبد بن حميد في تفسيره ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم عن سفيان عن إسماعيل بن سميع، أن أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ فأين الثالثة؟ قال «التسريح بإحسان الثالثة» ورواه الإمام أحمد أيضا. وهكذا رواه سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين به وكذا رواه ابن مردويه أيضا من طريق قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين به مرسلا ورواه ابن مردويه أيضا من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، فذكره، ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن عائشة، حدثنا حماد بن سلمة بن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى:\n﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤٠] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية.\nفأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن","vol":"1","page":461},{"text":"جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب (ح) (^٢) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، قالا جميعا: حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عمن حدثه عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ، قال «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة». وهكذا رواه الترمذي عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به، وقال حسن: قال ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإسناد ولم يرفعه.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة». وهكذا رواه أبو داود وابن ماجة وابن جرير من حديث حماد بن زيد به.\nطريق أخرى-قال ابن جرير (^٤): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس حرم الله عليها رائحة الجنة» وقال: «المختلعات هن المنافقات».\nثم رواه ابن جرير والترمذي جميعا، عن أبي كريب، عن مزاحم بن داود بن علية، عن أبيه، عن ليث هو ابن أبي سليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ «المختلعات هن المنافقات». ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي.\nحديث آخر-قال ابن جرير (^٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ «إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات» غريب من هذا الوجه ضعيف.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب عن الحسن، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «المختلعات والمنتزعات هن المنافقات».\nحديث آخر-قال ابن ماجة: حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال «لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه، فتجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٤٨١.\n(^٢) إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح) وهي مأخوذة من التحول.\n(^٣) المسند (ج ٥ ص ٢٧٧)\n(^٤) تفسير الطبري ٢/ ٤٨١.\n(^٥) تفسير الطبري ٢/ ٤٨١.\n(^٦) المسند (ج ٢ ص ٤١٤)","vol":"1","page":462},{"text":"عاما».\nثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، ممن ذهب إلى هذا ابن عباس وطاوس وإبراهيم وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئا وهو مضار لها، وجب رده إليها، وكان الطلاق رجعيا قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه، وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستذكار به عن بكر بن عبد الله المزني، أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] ورواه ابن جرير عنه، وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله.\nوقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها واختلاف ألفاظه.\nقال الإمام مالك في موطئه (^١)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة: أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ، خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ «من هذه؟» قالت: أنا حبيبة بنت سهل. فقال «ما شأنك»؟ قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس، لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله ﷺ «هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر» فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ «خذ منها» فأخذ منها وجلست في أهلها. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بإسناده مثله، ورواه أبو داود (^٢) عن القعنبي عن مالك والنسائي عن محمد بن مسلمة عن ابن القاسم عن مالك.\nحديث آخر-عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو عامر، حدثنا عمرو السدوسي عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فضربها فانكسر بعضها، فأتت رسول الله ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله ﷺ ثابتا، فقال «خذ بعض مالها وفارقها» قال: ويصلح\n_________\n(^١) الموطأ (طلاق حديث ٣١)\n(^٢) سنن أبي داود (طلاق باب ١٧)\n(^٣) تفسير الطبري ٢/ ٤٧٥.","vol":"1","page":463},{"text":"ذلك يا رسول الله؟ قال «نعم» قال إني أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي ﷺ «خذهما وفارقها» ففعل، وهذا لفظ ابن جرير وأبو عمرو السدوسي هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.\nحديث آخر فيه، عن ابن عباس ﵁، قال البخاري (^١): حدثنا أزهر بن جميل، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس، أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ «أتردين عليه حديقته»؟ قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة». وكذا رواه النسائي عن أزهر بن جميل بإسناده مثله، ورواه البخاري أيضا به، عن إسحاق الواسطي، عن خالد هو ابن عبد الله الطحان، عن خالد هو ابن مهران الحذاء، عن عكرمة، به نحوه، وهكذا رواه البخاري أيضا من طرق عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه يعني بغضا. وهذا الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه، ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة أن جميلة ﵂-كذا قال-والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم، لكن قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثني أبو يوسف يعقوب بن يوسف الطباخ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثني عبد الأعلى، حدثنا سعيد عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ، فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق، ولكنني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا، فقال لها النبي ﷺ «تردين عليه حديقته؟». قالت: نعم فأمره النبي ﷺ أن يأخذ ما ساق ولا يزداد.\nوقد رواه ابن مردويه في تفسيره عن موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان، حدثنا عبد الأعلى مثله، وهكذا رواه ابن ماجة (^٢) عن أزهر بن مروان بإسناد مثله سواء، وهو إسناد جيد مستقيم. وقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي ﷺ فقال «يا جميلة ما كرهت من ثابت؟».\nقالت: والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا، إلا أني كرهت دمامته، فقال لها، «أتردين عليه الحديقة؟». قالت: نعم، فردت الحديقة، وفرق بينهما. وقال ابن جرير (^٤) أيضا: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: قرأت على فضيل عن أبي جرير، أنه سأل عكرمة هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ لا يجمع رأسي ورأسه شيء\n_________\n(^١) صحيح البخاري (طلاق باب ١٢) والنسائي (طلاق باب ٣٤)\n(^٢) سنن ابن ماجة (طلاق باب ٢٢)\n(^٣) تفسير الطبري (٢/ ٤٨٣)\n(^٤) سنن ابن ماجة (طلاق باب ٢٢)","vol":"1","page":464},{"text":"أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، فقال زوجها: يا رسول الله، إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي، فإن ردت علي حديقتي، قال «ما تقولين»؟ قالت: نعم وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما.\nحديث آخر-قال ابن ماجة: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلا دميما، فقالت يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل عليّ بصقت في وجهه، فقال رسول الله ﷺ «أتردين إليه حديقته»؟ قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال:\nففرق بينهما رسول الله ﷺ.\nوقد اختلف الأئمة ﵏ في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقال ابن جرير (^١): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن كثير مولى سمرة أن عمر أتي بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل [ثلاثا] (^٢)، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن كثير مولى سمرة فذكر مثله، وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام.\nقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب، فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها.\nوقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص (^٣) رأسها، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن عقيل، أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته، قالت: كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يوما فقلت له: اختلع منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس، ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب والحسن بن صالح وعثمان البتي، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور، واختاره ابن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٤٨٣.\n(^٢) الزيادة من الطبري.\n(^٣) العقاص: جمع عقيصة، وهي الضفيرة.","vol":"1","page":465},{"text":"جرير، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها، جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا، فإن أخذ، جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه:\nلا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس، وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها، وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.\n(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ، كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي من الذي أعطاها لتقدم قوله: فلا ﴿تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي من ذلك، وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس «فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه» رواه ابن جرير، لهذا قال بعده ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾.\nفصل: قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان عن عمر بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد، يتزوجها إن شاء، لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ -قرأ إلى- ﴿أَنْ يَتَراجَعا﴾ قال الشافعي: وأخبرنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق، وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ، حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ من أن الخلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ، هو روايه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة، والقول الثاني في الخلع:\nأنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك، قال مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت، قال الشافعي:","vol":"1","page":466},{"text":"ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر، والله أعلم. وقد روي نحوه عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبو عثمان البتي والشافعي في الجديد، غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع تطليقة أو اثنتين أو أطلق، فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع، وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن البينة، فليس هو بشيء بالكلية.\nمسألة: وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه في رواية عنهما، وهي المشهورة، إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة وسالم وأبو سلمة وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو عياض وخلاس بن عمر وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبو العبيد. قال الترمذي:\nوهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات، والقول الثاني أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرئ بها رحمها. قال ابن أبي شيبة. حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع، عن ابن عمر: أن الربيع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان ﵁، فقال: تعتد بحيضة. قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به، ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا. وحدثنا عبدة عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عدة المختلعة حيضة. وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: عدتها حيضة، وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان وكل من تقدم ذكره ممن يقول أن الخلع فسخ يلزمه القول بهذا واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي حيث قال كل منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة، ثم قال الترمذي: حسن غريب، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مرسلا.\nحديث آخر-قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي ﷺ، أو أمرت أن تعتد بحيضة قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة.\nطريق أخرى-قال ابن ماجة: حدثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الرّبيّع بنت","vol":"1","page":467},{"text":"معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك، قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان فسألت عثمان: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة، قالت: وإنما اتبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه؛ وقد روى ابن لهيعة عن ابن الأسود، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن الربيع بنت معوذ، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة.\nمسألة وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عن الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى وماهان الحنفي وسعيد بن المسيب والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور ﵀. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها، وإن كان يسمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فرقة: أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود.\nمسألة وهل له أن يوقع عليها طلاقا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: [أحدها] ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه، وبه يقول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. [والثاني] قال مالك:\nإن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما، لم يقع، قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان ﵁. [والثالث] أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحاكم والحكم وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء، وقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.\nوقوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده فلا تتجاوزوها، كما ثبت في الحديث الصحيح «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها». وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ ثم قال ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمود بن","vol":"1","page":468},{"text":"لبيد، قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان ثم قال «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله-فيه انقطاع.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، أي حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح ولو في ملك اليمين، لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول، واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب ﵀ أنه يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني، وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البرقة حكاه عنه في الاستذكار، والله أعلم.\nوقد قال أبو جعفر بن جرير (^١) ﵀: حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة، فيتزوجها زوج آخر، فيطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول؟ قال «لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها» هكذا وقع في رواية ابن جرير.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٢) فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله يعني ابن عمر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، في الرجل تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله ﷺ «حتى تذوق العسيلة» وهكذا رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس وابن ماجة، عن محمد بن بشار بندار، كلاهما عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة به، كذلك فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمرو مرفوعا على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم. وقد روى أحمد أيضا والنسائي وابن جرير هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمدي، عن ابن عمر، قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، فيتزوجها آخر، فيغلق الباب، ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال «لا، حتى تذوق العسيلة»، وهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد سليمان بن رزين.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثا،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٤٩١.\n(^٢) المسند (ج ٢ ص ٨٥)\n(^٣) المسند (ج ٣ ص ٢٨٤)","vol":"1","page":469},{"text":"فتزوجت بعده رجلا فطلقها قبل أن يدخل بها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ «لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته». وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن إبراهيم الأنماطي عن هشام بن عبد الملك، حدثنا محمد بن دينار، فذكره (قلت) ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري ويقال له ابن أبي الفرات، اختلفوا فيه، فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له، وذكر أبو داود أنه تغيّر قبل موته، فالله أعلم، حديث آخر-قال ابن جرير (^١): حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا، فتتزوج غيره فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها. قال «لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها» ثم رواه من وجه آخر عن شيبان وهو ابن عبد الرحمن به-وأبو الحارث غير معروف-.\nحديث آخر-قال ابن جرير: حدثنا يحيى عن عبيد الله، حدثنا القاسم عن عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت زوجا، فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله ﷺ: أتحل للأول؟ فقال «لا، حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول» أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن عبد الله بن عمر العمري عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عمته عائشة به.\nطريق أخرى-قال ابن جرير (^٢): حدثنا عبيد الله بن إسماعيل الهباري وسفيان بن وكيع وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: سئل النبي ﷺ عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلا غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ «لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته»، وكذا رواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية وهو محمد بن حازم الضرير به.\nطريق أخرى-قال مسلم (^٣) في صحيحه: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا أبو أسامة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ، سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلا فيطلقها قبل أن يدخل بها، أتحل لزوجها الأول؟ قال «لا حتى يذوق عسيلتها»، قال مسلم (^٤): وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو فضيل، وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية جميعا عن هشام بهذا الإسناد، وقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية محمد بن حازم عن هشام به، وتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين، وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٤٩٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٤٨٩.\n(^٣) صحيح مسلم (طلاق حديث ١، ٢، ٤، ٥)\n(^٤) صحيح مسلم (طلاق حديث ١، ٢، ٤، ٥)","vol":"1","page":470},{"text":"المبارك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا بنحوه أو مثله-وهذا إسناد جيد-، وكذا ورواه ابن جرير أيضا من طريق علي بن زيد بن جدعان عن امرأة أبيه أمينة أم محمد، عن عائشة عن النبي ﷺ بمثله، وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى عن هشام بن عروة، حدثني أبي عن عائشة مرفوعا عن النبي ﷺ، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي ﷺ فذكرت له إنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» تفرد به من هذا الوجه.\nطريق أخرى-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي ﷺ، فقالت: إن رفاعة طلقني البتة، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله ﷺ، فما زاد رسول الله ﷺ عن التبسم، فقال رسول الله ﷺ «كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، وهكذا رواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك ومسلم من حديث عبد الرزاق والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن معمر به، وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم، أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات، وقد رواه الجماعة إلا أبو داود من طريق سفيان بن عيينة والبخاري من طريق عقيل ومسلم من طريق يونس بن يزيد، وعنده آخر ثلاث تطليقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر، كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة به. وقال مالك، عن المسور بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله ﷺ ثلاثا، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها، فأراد رفاعة بن سموأل أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنهاه عن تزوجها، وقال «لا تحل لك حتى تذوق العسيلة» هكذا رواه أصحاب الموطأ عن مالك، وفيه انقطاع وقد رواه إبراهيم بن طهمان وعبد الله بن وهب عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه فوصله.\nفصل: والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبا في المرأة، قاصدا لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك، أن يطأها الثاني وطأ مباحا، فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء أو الزوج صائم أو محرم أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء، وكذا لو كان الزوج الثاني ذميا لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، واشترط الحسن البصري فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج\n_________\n(^١) المسند (ج ٦ ص ٣٤)","vol":"1","page":471},{"text":"الثاني وكأنه تمسك بما فهمه من قوله ﵊ «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضا، وليس المراد بالعسيلة المني، لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن العسيلة الجماع» فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>ذكر الأحاديث الواردة في ذلك</span>\nالحديث الأول عن ابن مسعود ﵁. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان عن أبي قيس عن الهزيل عن عبد الله قال: لعن رسول الله ﷺ: الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والمحلّل والمحلّل له وآكل الربا وموكله. ثم رواه أحمد والترمذي والنسائي من غير وجه عن سفيان وهو الثوري عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي عن هزيل بن شرحبيل الأودي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة منهم عمر وعثمان وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس.\nطريق أخرى عن ابن مسعود. قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم عن أبي الواصل عن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله المحلّل والمحلّل له».\nطريق أخرى-روى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث الأعور عن عبد الله بن مسعود، قال: آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتد على عقبيه أعرابيا بعد هجرته، والمحلل والمحلّل له، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة.\nالحديث الثاني عن علي ﵁، قال الإمام أحمد (^٢)، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن الحارث عن علي قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحسن، ومانع الصدقة، والمحلّل والمحلّل له، وكان ينهى عن النوح. وكذا رواه عن غندر عن شعبة عن جابر وهو ابن يزيد الجعفي عن الشعبي عن الحارث عن علي به، وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد وابن عون، عن عامر الشعبي به، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٤٤٨)\n(^٢) المسند (ج ١ ص ١٠٧)","vol":"1","page":472},{"text":"الشعبي به. ثم قال أحمد: أخبرنا محمد بن عبد الله، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي، قال: لعن رسول الله ﷺ صاحب الربا وآكله وكاتبه وشاهده، والمحلّل والمحلل له.\nالحديث الثالث عن جابر ﵁. قال الترمذي (^١): أخبرنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن يزيد الأيامي، حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله، وعن الحارث عن علي: أن رسول الله ﷺ لعن المحلّل والمحلل له، ثم قال: وليس إسناده بالقائم.\nومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل، قال: ورواه ابن نمير عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن علي، قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أصح.\nالحديث الرابع عن عقبة بن عامر ﵁. قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (^٢)، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، أخبرنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو المصعب مشرح وهو ابن هاعان، قال عقبة بن عامر، قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بالتيس المستعار»؟ قالوا: بلى يا رسول ﷺ، قال: «هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلل له» تفرد به ابن ماجة، كذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن عثمان بن صالح عن الليث به، ثم قال:\nكانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارا شديدا. (قلت) عثمان هذا أحد الثقات، روى عنه البخاري في صحيحه ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث به فبرئ من عهدته، والله أعلم.\nالحديث الخامس عن ابن عباس ﵄. قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لعن رسول الله ﷺ المحلّل والمحلل له.\nطريق أخرى-قال الإمام الحافظ خطيب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حنيفة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن نكاح المحلّل، قال: «لا، إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة (^٣)، ولا استهزاء بكتاب الله ثم يذوق عسيلتها» ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حميد بن عبد الرحمن عن موسى بن أبي الفرات عن عمرو بن دينار عن النبي ﷺ بنحوه من هذا، فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالآخر، والله أعلم.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (نكاح باب ٢٨)\n(^٢) سنن ابن ماجة (نكاح باب ٣٣)\n(^٣) الدلسة: الظلمة.","vol":"1","page":473},{"text":"الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله هو ابن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله ﷺ المحلّل والمحلل له، وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني البيهقي من طريق عبد الله بن جعفر القرشي وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي، وثقه ابن معين، عن سعيد المقبري وهو متفق عليه.\nالحديث السابع عن ابن عمر ﵄. قال الحاكم في مستدركه، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو يمان محمد بن مطرف المدني عن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد رواه الثوري عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر به، وهذه الصيغة مشعرة بالرفع وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني وحرب الكرماني وأبو بكر الأثرم من حديث الأعمش عن المسيب بن رافع عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلّل ولا محلل له إلا رجمتهما، وروى البيهقي من حديث ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار، أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما وكذا روي عن علي وابن عباس وغير واحد من الصحابة ﵃.\nوقوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا﴾ أي المرأة والزوج الأول ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ أي يتعاشرا بالمعروف. قال مجاهد إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي شرائعه وأحكامه ﴿يُبَيِّنُها﴾ أي يوضحها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nوقد اختلف الأئمة ﵏ فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر، فدخل بها ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول، هل تعود إليه بما بقي من الثلاث، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة ﵃، أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏، وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ٣٢٢)","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]</span>\n﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾\nهذا أمر من الله، ﷿ للرجال، إذا طلق أحدهم المرأة طلاقا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي يرتجعها، إلى عصمة نكاحه، بمعروف وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي يتركها حتى تنقضي عدتها ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾، قال ابن عباس، ومجاهد ومسروق والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها، ضرارا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أي بمخالفته أمر الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ قال ابن جرير (^١) عند هذه الآية: أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن منصور عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن الرحمن، عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله، أغضبت على الأشعريين؟ فقال: «يقول أحدكم قد طلقت، قد راجعت، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدتها» ثم رواه من وجه آخر عن أبي خالد الدالاني وهو يزيد بن عبد الرحمن، وفيه كلام.\nوقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كنهه، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها لتطول عليها العدة، وقال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق ويقول:\nكنت لاعبا، أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعبا، فأنزل الله ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ فألزم الله بذلك.\nوقال ابن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أبو أحمد الصيرفي، حدثني جعفر بن محمد السمسار، عن إسماعيل بن يحيى عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ فألزمه رسول الله ﷺ الطلاق. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن هو البصري، قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبا ويعتق ويقول: كنت لاعبا، وينكح ويقول: كنت لاعبا، فأنزل الله ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾، وقال رسول الله ﷺ: «من طلق أو أعتق أو نكح أنكح، جادا أو لاعبا، فقد جاز عليه» وكذا رواه ابن\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢/ ٤٩٦)","vol":"1","page":475},{"text":"جرير، من طريق الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن مثله، وهذا مرسل، وقد رواه ابن مردويه، عن طريق عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي الدرداء موقوفا عليه. وقال أيضا:\nحدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سلمة عن الحسن عن عبادة بن الصامت في قول الله تعالى:\n﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾. قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ يقول للرجل: زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبا، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبا، فأنزل الله ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾.\nقال رسول الله ﷺ: «ثلاث من قالهن لاعبا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق والعتاق والنكاح» والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك عن عطاء عن ابن ماهك عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» وقال الترمذي:\nحسن غريب.\nوقوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾، أي في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ﴾، أي السنة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾، أي فيما تأتون وفيما تذرون، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية وسيجازيكم على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-203>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]</span>\n﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه عن ابن عباس أيضا، وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي والزهري والضحاك: إنها أنزلت في ذلك، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها، وأنه لا بد في النكاح من ولي، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» وفي الأثر الآخر «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء، محرر في موضعه من كتب الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.\nوقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته، فقال البخاري ﵀ في","vol":"1","page":476},{"text":"كتابه الصحيح عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن، قال: حدثني معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي، قال البخاري: وقال إبراهيم عن يونس، عن الحسن، حدثني معقل بن يسار، وحدثنا أبو معمر، وحدثنا عبد الوارث، حدثنا يونس عن الحسن، أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها، فأبى معقل، فنزلت ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه من طرق متعددة عن الحسن، عن معقل بن يسار به، وصححه الترمذي أيضا، ولفظه عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلا من المسلمين، على عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع بن لكع! أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فلما سمعها معقل قال: سمعا لربي وطاعة ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك، زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني. وروى ابن جرير، عن ابن جريج، قال: هي جمل بنت يسار، كانت تحت أبي البداح. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: هي فاطمة بنت يسار. وهكذا ذكر غير واحد من السلف، أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته. وقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عم له والصحيح الأول والله أعلم.\nوقوله ﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به، ويتعظ به، وينفعل له ﴿مَنْ كانَ مِنْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي يؤمن بشرع الله، ويخاف وعيد الله وعذابه، في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي اتباعكم شرع الله، في رد الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ أي من المصالح، فيما يأمر به وينهى عنه ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي الخيرة فيما تأتون، ولا فيما تذرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]</span>\n﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾\nهذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم.","vol":"1","page":477},{"text":"قال الترمذي (^١): [باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين] حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين، فإنه لا يحرم شيئا، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام هي امرأة هشام بن عروة. (قلت) تفرد الترمذي برواية هذا الحديث ورجاله على شرط الصحيحين.\nومعنى قوله «إلا ما كان في الثدي» أي في محال الرضاعة قبل الحولين، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن وكيع، وغندر عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال:\nلما مات إبراهيم بن النبي ﷺ، قال: «٧ ن ابني مات في الثدي، إن له مرضعا في الجنة»، وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة وإنما قال ﵇ ذلك، لأن ابنه إبراهيم ﵇، مات وله سنة وعشرة أشهر، فقال: إن له مرضعا، يعني تكمل رضاعه، ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق الهيثم بن جميل عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين» ثم قال: ولم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. (قلت) وقد رواه الإمام مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد، عن ابن عباس مرفوعا، ورواه الدراوردي عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس، وزاد «وما كان بعد الحولين فليس بشيء» وهذا أصح.\nوقال أبو داود الطيالسي، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام» وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ [لقمان: ١٤]، وقال ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين، يروى عن علي وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عمر وأم سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والجمهور، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية، وعنه أن مدته سنتان وشهران، وفي رواية: وثلاثة أشهر.\nوقال أبو حنيفة: سنتان وستة أشهر. وقال زفر بن الهذيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين، وهذا رواية عن الأوزاعي، قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين، فأرضعته امرأة بعد فصاله، لم يحرم لأنه قد صار بمنزلة الطعام، وهو رواية عن الأوزاعي، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين، كقول الجمهور: سواء فطم أو لم يفطم ويحتمل أنهما أرادا الفعل كقول مالك، والله أعلم.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (رضاع باب ٥)","vol":"1","page":478},{"text":"وقد روي في الصحيحين عن عائشة ﵂، أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها، فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيرا، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبى ذلك سائر أزواج النبي ﷺ، ورأين ذلك من الخصائص، وهو قول الجمهور، وحجة الجمهور وهم الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والأكابر من الصحابة، وسائر أزواج رسول الله ﷺ، سوى عائشة ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «انظرن من إخوانكم فإنما الرضاعة من المجاعة» وسيأتي الكلام على مسائل الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير، عن قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nوقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.\nوقوله: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ أي بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالبا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، ولهذا قال: ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارا بها، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والزهري والسدي والثوري وابن زيد وغيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ قيل: في عدم الضرار لقريبه، قاله مجاهد والشعبي والضحاك، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها، وهو قول الجمهور، وقد استقصى ذلك ابن جرير (^١) في تفسيره، وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعا «من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه» وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد إما في بدنه أو في عقله. وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين، فقال: لا ترضعيه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٥١٣ - ٥١٩.","vol":"1","page":479},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أي فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاروا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد ذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره، وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه، كما قال في سورة الطلاق ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها أو العذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف، قاله غير واحد. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]</span>\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾\nهذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن، أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها ولم يفرض لها، فترددوا إليه مرارا في ذلك، فقال أقول فيها برأيي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملا، وفي لفظ: لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ، قضى به في بروع بنت واشق ففرح عبد الله بذلك فرحا شديدا، وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بروع بنت واشق. ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nوكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية المخرج في الصحيحين (^١) من غير وجه، أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة وهي\n_________\n(^١) ينظر صحيح البخاري (طلاق باب ٣٨، ومغازي باب ١٠) وصحيح مسلم (رضاع حديث ١٢٣) وسنن أبي داود (طلاق باب ٤٧) وسنن النسائي (طلاق باب ٥٦)","vol":"1","page":480},{"text":"حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تعلت من نفاسها، تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال لها: ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي.\nقال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة، يعني لما احتج عليه به، قال: ويصحح ذلك عنه، أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة كما هو قول أهل العلم قاطبة.\nوكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمس ليال على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة. ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجبلية التي تستوي فيها الخليقة، وقد ذكر سعيد بن المسيب، وأبو العالية وغيرهما، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة، ظهر إن كان موجودا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح» فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.\nقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح، وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح، رواهما ابن جرير (^١).\nومن هاهنا ذهب الإمام أحمد، في رواية عنه، إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة هاهنا، لأنها صارت فراشا كالحرائر، وللحديث الذي رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص أنه قال:\nلا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد، إذا توفى عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. ورواه أبو داود عن قتيبة، عن غندر، وعن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، وابن ماجة عن علي بن محمد، عن الربيع، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص، فذكره. وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث، وقيل إن قبيصة لم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٥٣٠.","vol":"1","page":481},{"text":"يسمع عمرا، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير، والحسن وابن سيرين وأبو عياض والزهري وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه.\nوقال طاوس وقتادة: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة شهران وخمس ليال. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه:\nعدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور، وقال الليث: ولو مات وهي حائض، أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض، فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر وثلاثة أحب إليّ، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين من غير وجه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ، قال «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» وفي الصحيحين أيضا عن أم سلمة أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال «لا» كل ذلك يقول-لا-مرتين أو ثلاثا، ثم قال:\n«إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكم في الجاهلية تمكث سنة» قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشا (^١) ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به. فقلما تفتض بشيء إلا مات، ومن هاهنا ذهب كثيرون من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره.\nوالغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة الوفاة قولا واحدا، ولا يجب في عدة الرجعية قولا واحدا، وهل يجب في عدة البائن فيه قولان. ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة والحرة والأمة والمسلمة والكافرة، لعموم الآية، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد على الكافرة، وبه يقول أشهب وابن نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله ﷺ «لا يحل لا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد\n_________\n(^١) الحفش: البيت الحقير القريب السقف من الأرض. والبيت الصغير من بيوت الأعراب. والدرج تصنع المرأة فيه حاجتها.","vol":"1","page":482},{"text":"على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» قالوا: فجعله تعبدا، وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمة المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب.\nوقوله ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس، ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ قال الزهري: أي على أوليائها. ﴿فِيما فَعَلْنَ﴾ يعني النساء اللاتي انقضت عدتهن، قال العوفي عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف. وروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: النكاح الحلال الطيب، وروي عن الحسن والزهري والسدي ونحو ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]</span>\n﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح، قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها-يعرض لها بالقول بالمعروف-وفي رواية:\nوددت أن الله رزقني امرأة، ونحو هذا، ولا ينتصب للخطبة، وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينتصب لها ما دامت في عدتها ورواه البخاري تعليقا فقال: وقال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أن ييسر لي امرأة صالحة، وهكذا قال مجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وقتادة والزهري ويزيد بن قسيط ومقاتل بن حيان والقاسم بن محمد وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها بالخطبة، وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها: فإذا حللت فآذنيني، فلما حلت، خطب عليها أسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه، فأما المطلقة فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها، والله أعلم.","vol":"1","page":483},{"text":"وقوله ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي أضمرتم في أنفسكم من خطبتهن، وهذا كقوله تعالى ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] وكقوله ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١] ولهذا قال ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك. ثم قال: ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال أبو مجلز وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنا، وهو معنى الزنا، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ لا تقل لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا، وكذا روي عن سعيد بن جبير والشعبي وعكرمة وأبي الضحى والضحاك والزهري ومجاهد والثوري، هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره. وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك، وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة، والقول بالمعروف، وقال ابن زيد ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ هو أن يتزوجها في العدة سرا، فإذا حلت أظهر ذلك، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، لهذا قال ﴿إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي والثوري وابن زيد:\nيعني به ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك، وقال محمد بن سيرين:\nقلت لعبيدة: ما معنى قوله ﴿إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني لا تزوجها حتى تعلمني، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ يعني ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ يعني ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة، وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها، فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبدا؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار، أن عمر ﵁، قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدا وقالوا: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أحل الله، عوقب بنقيض قصده، فحرمت عليه على التأبيد كالقاتل يحرم الميراث. وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد، لقول علي أنها تحل","vol":"1","page":484},{"text":"له. (قلت) قال: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روي الثوري عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق، أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]</span>\n﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾\nأباح ﵎ طلاق المرأة بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري: المس النكاح، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها، إن كانت مفوضة وإن كان في هذا انكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره. وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة، عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن كان موسرا متعها بخادم أو نحو ذلك، وإن كان معسرا أمتعها بثلاثة أثواب. وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب، قال: وكان شريح يمتع بخمسمائة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب بن سيرين، قال: كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة. قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويروى أن المرأة قالت: متاع قليل من حبيب مفارق. وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها. وقال الشافعي في الجديد:\nلا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إليّ اني أستحسن ثلاثين درهما، كما روي عن ابن عمر ﵄.\nوقد اختلف العلماء أيضا: هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها، على أقوال: أحدها أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى:\n﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] وقد كن مفروضا لهن ومدخولا بهن، وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري، وهو أحد قولي الشافعي ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله أعلم.\nوالقول الثاني أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضا لها، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] قال شعبة وغيره،","vol":"1","page":485},{"text":"عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآية التي في البقرة.\nوقد روى البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد وأبي أسيد. أنهما قالا: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شرحبيل، فلما أدخلت عليه، بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين أزرقين.\nالقول الثالث أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها، وجب لها مهر مثلها إذا كانت وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول، وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضا لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، هذا قول ابن عمر ومجاهد، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، عليه تحمل آية التخيير في الأحزاب، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ومن العلماء من يقول: إنها مستحبة مطلقا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو-يعني ابن أبي قيس- عن أبي إسحاق، عن الشعبي، قال: ذكروا له المتعة، أيحبس فيها؟ فقرأ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحدا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-208>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]</span>\n﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾\nوهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الآية، والله أعلم.\nوتشطير الصداق والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمى لها صداقا ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون، لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلوا بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق، لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ قال الشافعي: بهذا أقول، وهو ظاهر","vol":"1","page":486},{"text":"الكتاب. قال البيهقي وليث بن أبي سليم، وإن كان غير محتج به، فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس فهو مقوله.\nوقوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي النساء، عما وجب لها على زوجها، فلا يجب لها عليه شيء، قال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: إلا أن تعفوا الثيب فتدع حقها. قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: روي عن شريح وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والشعبي والحسن ونافع وقتادة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني والضحاك والزهري ومقاتل بن حيان وابن سيرين والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني الرجال، وهو قول شاذ لم يتابع عليه، انتهى كلامه.\nوقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ، قال «ولي عقد النكاح الزوج» وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، أن رسول الله ﷺ فذكره ولم يقل عن أبيه عن جده، فالله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جابر يعني ابن أبي حازم، عن عيسى يعني ابن عاصم، قال: سمعت شريحا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح، فقلت له: هو ولي المرأة، فقال علي: لا، بل هو الزوج، ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع ومحمد بن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبي مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان، أنه الزوج (قلت) وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للوليّ، أن يهب شيئا من مال المولية للغير، فكذلك في الصداق، قال: والوجه الثاني حدثنا أبي حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس-في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح-قال: ذلك أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه أنه الولي. وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها. وقال ابن جرير (^١): حدثنا سعيد بن الربيع الرازي، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأي امرأة عفت\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٥٦٠.","vol":"1","page":487},{"text":"جاز عفوها، فإن شحت وضنت عفا وليها جاز عفوه. وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه.\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ قال ابن جرير (^١): قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء، حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو، وكذا روي عن الشعبي وغيره. وقال مجاهد والنخعي والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري: الفضل -هاهنا-أن تعفوا المرأة عن شطرها أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي الإحسان، قاله سعيد، وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل المعروف: يعني لا تهملوه بل استعملوه بينكم، وقد قال أبو بكر بن مردويه، حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبد الله بن الوليد الرصافي عن عبد الله بن عبيد، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل، وقد قال الله تعالى:\n﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ شرار يبايعون كل مضطر» وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر وعن بيع الغرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه، فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه. وقال سفيان: عن أبي هارون، قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء، ويقول صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هما حين رأيتهم أحسن ثيابا، وأطيب ريحا، وأحسن مركبا، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فليدع له، رواه ابن أبي حاتم ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-209>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٨ إلى ٢٣٩]</span>\n﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾\nيأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة في وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قلت: ثم أي؟ قال «برّ الوالدين»، قال: حدثني بهنّ رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٥٦٦.","vol":"1","page":488},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يونس، حدثنا ليث عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن القاسم بن غنام، عن جدته أم فروة، وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ، أنها سمعت رسول الله ﷺ وذكر الأعمال، فقال «أحب العمل إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها» وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري وليس بالقوي عند أهل الحديث، وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى.\nوقد اختلف السلف والخلف فيها أي صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح، حكاه مالك في الموطأ بلاغا عن علي وابن عباس، وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشريك وغيرهم عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي، قال: صليت خلف ابن عباس الفجر، فقنت فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين، رواه ابن جرير، ورواه أيضا من حديث عوف عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس، أنه صلّى الغداة في مسجد البصرة، فقنت قبل الركوع، وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه، فقال ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ وقال أيضا: حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس عن أبي العالية، قال: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة. وروي من طريق أخرى عن الربيع عن أبي العالية، أنه صلّى مع أصحاب رسول الله ﷺ صلاة الغداة فلما فرغوا قال: قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي قد صليتها قبل. وقال أيضا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله، قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، وحكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وأبي أمامة وأنس وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وعكرمة والربيع بن أنس، ورواه ابن جرير عن عبد الله بن شداد وابن الهاد أيضا، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵀، محتجا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح.\nومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي بين صلاتين ورباعيتين مقصورتين، وترد المغرب، وقيل: لأنها بين صلاتين جهريتين وصلاتي نهار سريتين.\nوقيل: إنها صلاة الظهر، قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزبرقان يعني ابن عمرو، عن زهرة يعني ابن معبد، قال: كنا جلوسا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول الله ﷺ يصليها بالهجير، وقال\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٦ ص ٣٧٥)","vol":"1","page":489},{"text":"أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به وقال أحمد أيضا: حدثنا يزيد حدثنا ابن أبي ذئب عن الزبرقان أن رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة العصر فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ قال: فقال رسول الله ﷺ «لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم». والزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدا من الصحابة، الصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير. وقال شعبة وهمام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. وقال أبو داود الطيالسي وغيره، عن شعبة: أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، قال:\nسمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى هي الظهر، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت، قال الصلاة الوسطى هي الظهر، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت، في حديث رفعه، قال «الصلاة الوسطى صلاة الظهر». وممن روي عنه أنها الظهر ابن عمر، وأبو سعيد وعائشة، على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير وعبد الله بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة ﵏.\nوقيل: إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي رحمهما الله: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم. وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره. وهو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بكشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى، وقد نص فيه: أنها العصر، وحكاه عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة وعن ابن عباس وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة وإبراهيم النخعي ورزين وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي والشافعي قال ابن","vol":"1","page":490},{"text":"المنذر: وهو الصحيح عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي، ﵏.\nذكر الدليل على ذلك-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن شتير بن شكل، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا» ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء، وكذا رواه مسلم (^٢) من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، والنسائي (^٣) من طريق عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد، عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ مثله، وقد رواه مسلم أيضا من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار عن علي بن أبي طالب، وأخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق يطول ذكرها عن عبيدة السلماني، عن علي به، ورواه الترمذي والنسائي من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عاصم عن زر، قال: قلت لعبيدة: سل عليا عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارا» ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي به. وحديث يوم الأحزاب، وشغل المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته، أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.\nوقد رواه مسلم أيضا من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب ﵄.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان، حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الوسطى صلاة العصر» وحدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ وسماها لنا أنها هي صلاة العصر، وحدثنا محمد بن جعفر وروح، قالا: حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ قال «هي العصر» قال ابن جعفر:\nسئل عن صلاة الوسطى، ورواه الترمذي من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وقال: حسن صحيح، وقد سمع منه حديث آخر. وقال ابن\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ١ ص ٨١ - ٨٢)\n(^٢) صحيح مسلم (مساجد حديث ٢٠٢ - ٢٠٦)\n(^٣) النسائي (صلاة باب ١٤)\n(^٤) المسند (ج ٥ ص ١٢)","vol":"1","page":491},{"text":"جرير (^١): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «الصلاة الوسطى صلاة العصر».\nطريق أخرى بل حديث آخر قال ابن جرير (^٢): وحدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الحرشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة، قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ، فدخل عليه ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر، غريب من هذا الوجه جدا.\nحديث آخر-قال ابن جرير (^٣): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام عن مسلم مولى أبي جبير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي، قال: كنت جالسا عند عبد العزيز بن مروان، فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير، أسأله عن الصلاة الوسطى فأخذ إصبعي الصغيرة، فقال «هذه صلاة الفجر»، وقبض التي تليها، فقال «هذه الظهر»، ثم قبض الإبهام، فقال «هذه المغرب»، ثم قبض التي تليها، فقال «هذه العشاء»، ثم قال «أي أصابعك بقيت؟» فقلت: الوسطى، فقال «أي الصلاة بقيت؟» فقلت: العصر، فقال «هي العصر» غريب أيضا جدا.\nحديث آخر قال ابن جرير (^٤): حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري، قال:\nقال رسول الله ﷺ «الصلاة الوسطى صلاة العصر» إسناده لا بأس به.\nحديث آخر قال أبو الحاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «صلاة الوسطى صلاة العصر».\nوقد روى الترمذي من حديث محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد اليامي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «صلاة الوسطى صلاة العصر»، ثم قال:\nحسن صحيح، وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه «شغلونا عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢/ ٥٧٤)\n(^٢) تفسير الطبري (٢/ ٥٧٥)\n(^٣) تفسير الطبري (٢/ ٥٧٦)\n(^٤) تفسير الطبري (٢/ ٥٧٦)","vol":"1","page":492},{"text":"الصلاة الوسطى صلاة العصر» الحديث، فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئا، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح من رواية الزهري عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» وفي الصحيح أيضا من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة عن أبي كثير عن أبي المهاجر، عن بريدة بن الحصيب، عن النبي ﷺ، قال «بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله».\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميم عن أبي بصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في واد من أوديتهم، يقال له المخمص، صلاة العصر، فقال «إن هذه الصلاة صلاة العصر عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين، ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد» (^٢) ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق عن يزيد بن حبيب عن جبير بن نعيم عن عبد الله بن هبيرة عن أبي تميم عن أبي بصرة به، وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث، ورواه مسلم أيضا من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن جبير بن نعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة السبائي به.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٣) أيضا حدثنا إسحاق، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة، قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، قالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ فآذني، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين» قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به.\nوقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى الحجاج، حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه، قال:\nكان في مصحف عائشة «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر» وهكذا رواه من طريق الحسن البصري أن رسول الله ﷺ قرأها كذلك وقد روى الإمام مالك أيضا عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة زوج النبي ﷺ، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين». هكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى ابن عمر أن\n_________\n(^١) المسند (ج ٦ ص ٣٩٧)\n(^٢) أضاف في المسند: قلت لابن لهيعة: ما الشاهد؟ قال: الكوكب، الأعراب يسمعون الكوكب شاهد الليل.\n(^٣) المسند (ج ٦ ص ٧٣)","vol":"1","page":493},{"text":"عمر بن نافع قال فذكر مثله وزاد كما حفظتها من النبي ﷺ.\nطريق أخرى عن حفصة قال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله، أن حفصة أمرت إنسانا أن يكتب لها مصحفا، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ فآذني، فلما بلغ آذنها، فقالت: اكتب «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر».\nطريق أخرى قال ابن جرير (^٢): حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله عن نافع، أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين». قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو. وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرأ كذلك، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة، حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبو سلمة عن عمرو بن رافع مولى عمر، قال: كان في مصحف حفصة «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين».\nوتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدل ذلك على أنها غيرها، وأجيب عن ذلك بوجوه [أحدها] أن هذا إن روي على أنه خبر، فحديث علي أصح وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات، كقوله ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وكقوله ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى﴾ [الأعلى: ١ - ٤] وأشباه ذلك كثيرة وقال الشاعر: [المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم (^٣)\nوقال أبو دؤاد الأيادي: [الخفيف] سلط الموت والمنون عليهم … فلهم في صدى المقابر هام (^٤)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٥٧٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٥٧٨.\n(^٣) البيت بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٦٩؛ وخزانة الأدب ٤٥١/؛ وشرح قطر الندى ص ٢٩٥.\n(^٤) البيت لأبي دؤاد في ديوانه ص ٣٣٩؛ ولسان العرب (منن، صدى)؛ وتهذيب اللغة ٣/ ٣٠٢؛ وتاج العروس (منن)","vol":"1","page":494},{"text":"والموت هو المنون، قال عدي بن زيد العبادي: [الوافر] فقدمت الأديم لراهشيه … فألفى قولها كذبا ومينا (^١)\nوالكذب هو المين، وقد نص سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم، وأما إن روي على أنه قرآن، فإنه لم يتواتر فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المصحف، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا من غيرهم.\nثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث، قال مسلم: حدثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت «حافظوا على الصلوات وصلاة العصر» فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله ﷿، فأنزل ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ فقال له زاهر رجل كان مع شقيق: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله ﷿. قال مسلم: ورواه الأشجعي عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق (قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم، فعلى هذا تكون هذه التلاوة وهي تلاوة الجادة ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ولمعناها إن كانت الواو دالة على المغايرة، وإلا فلفظها فقط، والله أعلم.\nوقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وفي إسناده نظر، فإنه رواه عن أبيه عن أبي الجماهير عن سعيد بن بشير، عن قتادة عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس، قال: صلاة الوسطى المغرب. وحكى هذا القول ابن جرير، عن قبيصة بن ذؤيب، وحكى أيضا عن قتادة على اختلاف عنه، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضلية، والله أعلم.\nوقيل: إنها العشاء الأخير، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور، وقيل: هي واحد من الخمس لا بعينها وأبهمت فيهن، كما أبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خيثم، ونقل أيضا عن زيد بن ثابت واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته.\nوقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر، وفي صحته أيضا نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمرو بن عبد البر النمري إمام\n_________\n(^١) البيت لعدي بن زيد في ذيل ديوانه ص ١٨٣؛ والأشباه والنظائر ٣/ ٢١٣؛ وجمهرة اللغة ص ٩٩٣؛ والدرر ٦/ ٧٣؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٦؛ والشعر والشعراء ١/ ٢٣٣؛ ولسان العرب (مين)","vol":"1","page":495},{"text":"ما وراء البحر، وإنها لإحدى الكبر إذ اختاره مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر. وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل:\nصلاة الجمعة. وقيل صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. وقيل: بل صلاة الأضحى، وقيل: الوتر. وقيل: الضحى. وتوقف فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة، ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع الإجماع على قول واحد، بل لم يزل النزاع فيها موجودا من زمان الصحابة وإلى الآن. قال ابن جرير: حدثني محمد بن بشار وابن مثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه، وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبتت السنة بأنها العصر فتعين المصير إليها.\nوقد روى الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما الله في كتاب الشافعي ﵀، حدثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى التجيبي يقول: قال الشافعي، كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ. بخلاف قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ أولى ولا تقلدوني، وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل عن الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود عن الشافعي:\nإذا صح الحديث وقلت قولا، فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك، فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة ﵏، أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نص في الجديد وغيره أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثني المذهب الشافعي، وصمموا على أنها الصبح قولا واحدا، قال المارودي: ومنهم من حكى في المسألة قولين ولتقرير المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ أي خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي ﷺ من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه وهو في الصلاة، اعتذر إليه بذلك وقال «إن في الصلاة لشغلا». وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله»، وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدثني الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ في الحاجة في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت، رواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن إسماعيل به.\nوقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في","vol":"1","page":496},{"text":"الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيرد علينا، قال: فلما قدمنا سلمت عليه فلم يرد علي، فأخذني ما قرب وما بعد، فلما سلم قال «إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم بقوله: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة، الإخبار عن جنس الكلام، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها، والله أعلم.\nوقال آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا بشر بن الوليد، أخبرنا إسحاق بن يحيى عن المسيب، عن ابن مسعود، قال كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه، فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيّ شيء فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال «وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله ﷿ يحدث من أمره ما يشاء، إذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا».\nوقوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب، فقال ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا﴾ أي فصلوا على أي حال كان رجالا أو ركبانا يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما قال مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ، ورواه البخاري -وهذا لفظه ومسلم (^١) -، ورواه البخاري من وجه آخر عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمرو عن النبي ﷺ نحوه أو قريبا منه، ولمسلم أيضا عن ابن عمر، قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء.\nوفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، وكان نحو عرفة أو عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر، قال فخشيت أن تفوتني فجعلت\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة، باب ٤٤) ومسلم (مسافرين حديث ٣٠٥ - ٣٠٧)","vol":"1","page":497},{"text":"أصلي وأنا أومئ إيماء. الحديث بطوله رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، وهذا من رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الآصار والأغلال عنهم، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: في هذه الآية يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه، قال وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح، نحو ذلك-وزاد: ويومئ برأسه أينما توجه، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا غسان، حدثنا داود يعني ابن علية عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله ﴿فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا﴾، وروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك.\nوقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري-زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ-كلاهما عن بكير بن الأخنس الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال:\nفرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، وبه قال: الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي عن شعبة، قال: سألت الحكم وحمادا وقتادة عن صلاة المسايفة، فقالوا: ركعة، وهكذا روى الثوري عنهم سواء، وقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي، حدثنا يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله، قال: صلاة الخوف ركعة. واختار هذا القول ابن جرير.\nوقال البخاري: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو): وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، ويأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتغال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا.\nقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. هذا لفظ البخاري (^٣). ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ﷺ صلاة العصر يوم الخندق لعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله ﷺ بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» فمنهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٥٨٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٥٩٠.\n(^٣) صحيح البخاري (الجمعة باب ٤٣)","vol":"1","page":498},{"text":"من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل السير، ومنهم من أدركته فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم يعنف واحدا من الفريقين.\nوهذا على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث، لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك، لأن هذا حال نادر خاص، فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تستر وقد اشتهر ولم ينكر، ولله أعلم.\nوقوله ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ أي أقيموا صلاتكم كما أمرتم، فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها، ﴿كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي مثل ما أنعم عليكم وهداكم وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد صلاة الخوف ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى:\n﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-210>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٠ إلى ٢٤٢]</span>\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾\nقال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال البخاري: حدثنا أمية حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي ملكية، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها، قال يا ابن أخي، لا أغير شيئا منه من مكانه. ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين، بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها، فأثبتها حيث وجدتها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها","vol":"1","page":499},{"text":"في الدار سنة، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج، ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني والربيع بن أنس أنها منسوخة. وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملا، فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة، قال:\nوروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان، قالوا: نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال: وروي عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها التي في الأحزاب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩].\n(قلت) وروي عن مقاتل وقتادة أنها منسوخة بآية الميراث، وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا روح، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا﴾ قال: كانت هذه للمعتدة، تعتد عند أهل زوجها واجب. فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد ﵀، وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها، ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه.\nفهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة، كما زعمه الجمهور، حتى يكون ذلك منسوخا بالأربعة الأشهر وعشر، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات بأن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا إن اخترن ذلك، ولهذا قال ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ﴾ أي يوصيكم الله بهن وصية كقوله ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ وقيل: إنما انتصب على معنى فلتوصوا لهن وصية وقرأ آخرون بالرفع: وصية على معنى كتب عليكم وصية واختارها ابن جرير، ولا يمنعنه من ذلك لقوله ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر، أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله","vol":"1","page":500},{"text":"﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون، منهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر.\nوقول عطاء ومن تابعه، على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي ﵀، وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج، بما رواه مالك في موطئه (^١)، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري، ﵄، أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ «نعم» قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ أو أمر بي فنوديت له فقال «كيف قلت»؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت له شأن زوجي، فقال «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه وقضى به، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به. ورواه النسائي أيضا وابن ماجة من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢).\nوقوله ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما نزل قوله تعالى: ﴿مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وقد استدل بهذه الآية، من ذهب من العلماء، إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولا بها، وهو قول عن الشافعي ﵀، وإليه ذهب سعيد بن جبير، وغيره من السلف، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقا، يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وأجاب الأولون بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم، فلا تخصيص على المشهور المنصوص، والله أعلم.\n_________\n(^١) الموطأ (طلاق حديث ٨٧)\n(^٢) الترمذي (طلاق باب ٢٣) والنسائي (طلاق باب ٦٠) وأبو داود (طلاق باب ٤٤) وابن ماجة (طلاق باب ٨) والدارمي (طلاق باب ١٤)","vol":"1","page":501},{"text":"وقوله ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ أي في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده، فيما أمركم ونهاكم عنه، بينه ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملا في وقت احتياجكم إليه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهمون وتتدبرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٣ إلى ٢٤٥]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾\nروي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه كانوا ثمانية آلاف وقال أبو صالح: تسعة آلاف، وعن ابن عباس أربعون ألفا، وقال وهب بن منبه وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفا.\nوروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كانوا أهل قرية يقال لها داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد من قبل واسط، وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مثل. وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل داوردان قرية على فرسخ من قبل واسط. وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون قالوا: نأتي أرضا ليس بها موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله ﷿ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية. وذكر غير واحد من السلف، أن هؤلاء القوم، كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم، وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فرارا من الموت، هاربين إلى البرية، فنزلوا واديا أفيح، فملؤوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين، أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبني عليهم جدران وقبور، وفنوا وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر، مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل، يقال له حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما وعصبا وجلدا، فكان ذلك وهو يشاهد، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت.\nوكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، ولهذا قال:","vol":"1","page":502},{"text":"﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾، أي فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل، على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء خرجوا فرارا من الوباء، طلبا لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعا في آن واحد. ومن هذا القبيل، الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد (^١):\nحدثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا مالك وعبد الرزاق، أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ، لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبا لبعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه» فحمد الله عمر ثم انصرف، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به بطريق أخرى لبعضه.\nقال أحمد (^٢): حدثنا حجاج ويزيد العمي، قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي ﷺ «أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا» قال: فرجع عمر من الشام، وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، عن الزهري بنحوه.\nوقوله: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه، لا يقرب أجلا ولا يبعده، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا:﴾\n﴿لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا، قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا. أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧ - ٧٨] وروينا عن أمير الجيوش، ومقدم العساكر، وحامي حوزة الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁، أنه قال وهو في سياق الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفا. وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء-يعني أنه يتألم\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ١ ص ١٩٤)\n(^٢) مسند أحمد (ج ١ ص ١٩٣)","vol":"1","page":503},{"text":"لكونه ما مات قتيلا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه.\nوقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾، يحث تعالى عباده على الانفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزول أنه يقول تعالى: «من يقرض غير عديم ولا ظلوم» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ﷿ ليريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح».\nقال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي ﷿ حائطي، قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي ﷿. وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر ﵁ مرفوعا بنحوه.\nوقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ روي عن عمر وغيره من السلف هو النفقة في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، وقيل: هو التسبيح والتقديس.\nوقوله: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة:٢٦١]، وسيأتي الكلام عليها.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة ﵁، فقلت له: إنه بلغني أنك تقول إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة، قال: وما أعجبك من ذلك، لقد سمعته من النبي ﷺ يقول «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير.\nلكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا محمد بن عقبة الرفاعي عن زياد الجصاص عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فقدم قبلي حاجا، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول «إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة» فقلت: ويحكم، والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا، فانطلقت إلى الحج ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا، فقلت: يا أبا هريرة، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة،\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ٢ ص ٢٩٦)","vol":"1","page":504},{"text":"قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا، والله يقول ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ ويقول ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة».\nوفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ، قال «من دخل سوقا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير-كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة» الحديث.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما نزلت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ إلى آخرها، فقال رسول الله ﷺ «رب زد أمتي»، فنزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾. قال: «رب زد أمتي»، فنزلت ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\nوروى ابن أبي حاتم أيضا عن كعب الأحبار: أنه جاءه رجل فقال: إني سمعت رجلا يقول:\nمن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ مرة واحدة، بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من درّ وياقوت في الجنة، أفأصدق ذلك؟ قال: نعم، أو عجبت من ذلك؟ قال: نعم، وعشرين ألف ألف وثلاثين ألف ألف وما لا يحصي ذلك إلا الله، ثم قرأ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكثير من الله لا يحصى وقوله ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾ أي أنفقوا ولا تبالوا، فالله هو الرازق يضيق على من يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم القيامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦)﴾\nقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هذا النبي هو يوشع بن نون قال ابن جرير: يعني ابن أفرايم بن يوسف بن يعقوب، وهذا القول بعيد لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود ﵇، كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم وقال السدي: هو شمعون. وقال مجاهد: هو شمويل ﵇، وكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: وهو شمويل (^١) بن بالي بن علقمة بن يرحام بن\n_________\n(^١) تأتي هذه الأسماء في الكتب العربية وقد طرأ عليها الكثير من التحريف والتصحيف. وما أثبتناه في سلسلة النسب هنا من الطبري ٥/ ٢٩١ (طبقة دار المعارف بتحقيق محمود محمد شاكر). وقد ضبطها المحقق على ما ورد في الإصحاح السادس من كتاب اليهود الذي بين أيدينا، وأشار في الهوامش إلى رسم الاسم في الثورة مع الاختلافات في سلسلة النسب.","vol":"1","page":505},{"text":"إليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا بن صفتية بن علقمة بن أبي يأسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇. وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقا كثيرا، وأخذوا منهم بلادا كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة، والتابوت الذي كان في قديم الزمان، وكان ذلك موروثا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذوا التوراة من أيديهم، ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها لعل الله يرزقها غلاما يكون نبيا لهم، ولم تزل المرأة تدعو الله ﷿ أن يرزقها غلاما، فسمع الله لها ووهبها غلاما، فسمته شمويل، أي سمع الله دعائي، ومنهم من يقول: شمعون، وهو بمعناه، فشب ذلك الغلام، ونشأ فيهم، وأنبتها لله نباتا حسنا، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضا قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكا ألا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه، ﴿قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ أي وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد، قال الله تعالى: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أي ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]</span>\n﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾","vol":"1","page":506},{"text":"أي لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلا من أجنادهم، ولم يكن من بيت الملك فيهم، لأن الملك كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط، فلهذا قالوا: ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا﴾، أي كيف يكون ملكا علينا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾ أي هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء، وقيل: دباغا، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلا: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم، يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك، ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي وهو مع هذا، أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشد قوة وصبرا في الحرب ومعرفة بها، أي أتم علما وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه؛ ثم قال ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه، ولهذا قال ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي هو واسع الفضل، يختص برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]</span>\n﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾\nيقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل معناه وقار وجلالة. قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي وقار: وقال الربيع: رحمة، وكذا روي عن العوفي، عن ابن عباس. وقال ابن جريج: سالت عطاء عن قوله ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ قال: ما تعرفون من آيات الله فتسكنون إليه، وكذا قال الحسن البصري. وقيل: السكينة طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى ﵇، فوضع فيها الألواح، ورواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس، وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحواص، عن علي، قال:\nالسكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي روح هفافة. وقال ابن جرير، حدثني المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحواص، كلهم عن سماك عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج، ولها رأسان. وقال مجاهد: لها جناحان وذنب. وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هر، أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح. وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا في شيء، تكلم، فتخبرهم ببيان","vol":"1","page":507},{"text":"ما يريدون.\nوقوله ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾ قال ابن جرير (^١): أخبرنا ابن مثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾ قال: عصاه، ورضاض الألواح، وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة، وزاد: والتوراة. قال أبو صالح ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ يعني عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين من التوراة، والمن. وقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح. وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾، فقال: منهم من يقول: قفيز من منّ، ورضاض الألواح، ومنهم من يقول: العصا والنعلان.\nوقوله ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون، قال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت. وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن بعض أشياخه، جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة، وقيل: على بقرتين. وذكر غيره:\nأن التابوت كان بأريحاء، وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير فأصبح التابوت على رأس الصنم فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسور القوائم، ملقى بعيدا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلمه داود ﵇، وإنه لما قام إليهما خجل من فرحه بذلك، وقيل: شابان منهم، فالله أعلم وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها أزدرد.\nوقوله ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي بالله واليوم الآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]</span>\n﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٢٤٩)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٦٢٧.","vol":"1","page":508},{"text":"يقول تعالى مخبرا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفا، فالله أعلم، أنه قال ﴿إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أي مختبركم بنهر، قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين، يعني نهر الشريعة المشهور، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾، أي فلا بأس عليه، قال الله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو.\nوكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس: وكذا قال قتادة وابن شوذب، وقال السدي:\nكان الجيش ثمانين ألفا، فشرب منه ستة وسبعون ألفا، وتبقى معه أربعة آلاف، كذا قال. وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ، الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن، ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن جده، عن البراء بنحوه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد. ولهذا قالوا ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٠ إلى ٢٥٢]</span>\n﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾\nأي لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت، وهم عدد كثير ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أي أنزل علينا صبرا من عندك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ أي في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز ﴿وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى دواد ﵇ مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي النبوة بعد شمويل ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾","vol":"1","page":509},{"text":"أي مما يشاء الله من العلم الذي اختص به ﷺ ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي لولا الله يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]، وقال ابن جرير (^١): حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء» ثم قرأ ابن عمر ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ وهذا إسناد ضعيف، فإن يحيى بن سعيد هذا، هو ابن العطار الحمصي، وهو ضعيف جدا، ثم قال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ﷿، ما دام فيهم» وهذا أيضا غريب ضعيف لما تقدم أيضا.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا علي بن إسماعيل بن حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان رفع الحديث، قال «لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، حتى يأتي أمر الله». وقال ابن مردويه أيضا:\nوحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ نهار بن معاذ بن عثمان الليثي، عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال رسول الله ﷺ:\n«الأبدال في أمتي ثلاثون، بهم ترزقون، وبهم تمطرون، وبهم تنصرون» قال قتادة، إني لأرجو أن يكون الحسن منهم.\nوقوله ﴿وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي ذو منّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضا، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.\nثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل، ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقسم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ٦٤٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٢/ ٦٤٦.","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]</span>\n﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)﴾\nيخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال هاهنا ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ يعني موسى ومحمدا ﷺ، وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي ﷺ، الأنبياء في السموات بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿، (فإن قيل) فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده، فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيث: وعلى محمد ﷺ؟ فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ، فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء» وفي رواية «لا تفضلوا بين الأنبياء» فالجواب من وجوه [أحدها] أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر [الثاني] أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع، [الثالث] أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. [الرابع] لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. [الخامس] ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ﷿، وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به.\nوقوله ﴿وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ﴾ أي الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني أن الله أيده بجبريل ﵇، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ أي كل ذلك عن قضاء الله وقدره، لهذا قالوا ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤)﴾\nيأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير، ليدّخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني يوم القيامة ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ أي لا يباع أحد من نفسه ولا يفادي بمال لو بذل، ولو جاء بملء الأرض ذهبا، ولا تنفعه خلة أحد، يعني صداقته بل ولا نسابته، كما قال ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي","vol":"1","page":511},{"text":"الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ولا شفاعة: أي ولا تنفعهم شفاعة الشافعين.\nوقوله ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره، أي ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا، وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]</span>\n﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾\nهذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ بأنها أفضل آية في كتاب الله. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أبيّ هو ابن كعب، أن النبي ﷺ، سأله «أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا، ثم قال: آية الكرسي، قال «ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده، إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش» وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن الجريري به، وليس عنده زيادة:\nوالذي نفسي بيده إلخ.\nحديث آخر عن أبي أيضا في فضل آية الكرسي، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا مبشر عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أبي بن كعب، أن أباه أخبره أنه كان له جرن فيه تمر، قال: فكان أبي يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، قال:\nفسلمت عليه، فرد السلام، قال: فقلت: ما أنت؟ جني أم أنسي؟ قال: جني. قال: ناولني يدك، قال فناولني يده، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن. قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي، ثم غدا إلى النبي فأخبره، فقال النبي ﷺ صدق الخبيث» وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب، عن جده به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\n_________\n(^١) المسند (ج ٥ ص ١٤١ - ١٤٢)","vol":"1","page":512},{"text":"طريق آخر قال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث، قال:\nسمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يحدث الناس حتى يكثروا عليه، فيصعد على سطح بيت، فيحدث الناس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أي آية في القرآن أعظم؟» فقال رجل ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، أو قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر.\nحديث آخر عن الأسفع البقري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو زيد القرطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء أن مولى ابن الأسفع رجل صدق، أخبره عن الأسفع البكري، أنه سمعه يقول: إن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي ﷺ «اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ حتى انقضت الآية.\nحديث آخر-عن أنس-قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثني سلمة بن وردان، أن أنس بن مالك، حدثه أن رسول الله ﷺ سأل رجلا من صحابته، فقال «أي فلان هل تزوجت؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال «أوليس معك قل هو الله أحد؟» قال: بلى، قال «ربع القرآن». قال «أليس معك قل يا أيها الكافرون؟» قال: بلى. قال: «ربع القرآن». أليس معك إذا زلزلت؟» قال: بلى. قال «ربع القرآن» قال «أليس معك إذا جاء نصر الله؟ قال: بلى.\nقال «ربع القرآن». قال «أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم» قال بلى. قال «ربع القرآن».\nحديث آخر عن أبي ذر جندب بن جنادة. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد الخشخاش، عن أبي ذر ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال «يا أبا ذر، هل صليت؟» قلت: لا. قال «قم فصل». قال: فقمت فصليت، ثم جلست، فقال «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن». قال: قلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: نعم، قال قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال «خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر» قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال «فرض مجزي وعند الله مزيد» قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال «أضعاف مضاعفة».\nقلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: «جهد من مقل، أوسر إلى فقير» قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: «آدم» قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: نعم نبي مكلم» قلت:\nيا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا»، وقال مرة «وخمسة عشر»\n_________\n(^١) المسند (ج ٥ ص ٥٨)\n(^٢) المسند (ج ٣ ص ٢٢١)\n(^٣) المسند (ج ٥ ص ١٧٨)","vol":"1","page":513},{"text":"قلت: يا رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ورواه النسائي.\nحديث آخر عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ وأرضاه. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أنه كان في سهوة (^٢) له، وكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي ﷺ، فقال «فإذا رأيتها فقل باسم الله، أجيبي رسول الله». قال: فجاءت، فقال لها، فأخذها، فقالت: إني لا أعود، فأرسلها؛ فجاء فقال له النبي ﷺ «ما فعل أسيرك»؟ قال: أخذتها، فقالت: إني لا أعود، فأرسلتها، فقال: إنها عائدة، فأخذتها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تقول: لا أعود، فيقول «إنها عائدة»، فأخذتها، فقالت: أرسلني، وأعلمك شيئا تقوله فلا يقربك شيء، آية الكرسي، فأتى النبي ﷺ. فأخبره، فقال «صدقت وهي كذوب». ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار عن أبي أحمد الزبيري به، وقال حسن غريب. والغول في لغة العرب: الجان إذا تبدى في الليل.\nوقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة، فقال في كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الوكالة، وفي صفة إبليس من صحيحه (^٣): قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، فقال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال النبي ﷺ «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟» قال: قلت يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته وخليت سبيله، قال «أما إنه قد كذبك وسيعود» فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ «إنه سيعود» فرصدته، فجاء يحثوا الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: دعني فأنا محتاج وعليّ عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ، «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالا، فرحمته وخليت سبيله. قال «أما أنه قد كذبك وسيعود»، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود، فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ «ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال «وما هي؟» قال\n_________\n(^١) المسند (ج ٥ ص ٤٢٣)\n(^٢) السهوة: شيء كالصّفة يكون بين البيوت. وبيت على الماء يستظلون به.\n(^٣) ما يأتي ورد كاملا في صحيح البخاري (وكالة باب ١٠)","vol":"1","page":514},{"text":"لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ «أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قلت: لا. قال «ذاك شيطان». كذا رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم، وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان بن الهيثم، فذكره.\nوقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي، أنبأنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة، وكان فيه تمر، فذهب يوما ففتح الباب، فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف، ودخل يوما آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف، ثم دخل يوما آخر ثالثا، فإذا قد أخذ منه مثل ذلك، فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: «تحب أن تأخذ صاحبك هذا؟» قال: نعم. قال «فإذا فتحت الباب فقل سبحان من سخرك محمد. فذهب ففتح الباب فقال سبحان من سخرك محمد فإذا هو قائم بين يديه، قال: يا عدو الله، أنت صاحب هذا. قال: نعم، دعني فإني لا أعود، ما كنت آخذا إلا لأهل بيت من الجن فقراء، فخلى عنه، ثم عاد الثانية، ثم الثالثة، فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي ﷺ، قال لا تفعل، فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها، لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى، قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هن؟ قال ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قرأ آية الكرسي حتى ختمها، فتركه فذهب فلم يعد، فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ «أما علمت أن ذلك كذلك» وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله، عن شعيب بن حرب، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة به، وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضا، فهذه ثلاث وقائع.\nقصة أخرى قال أبو عبيد في كتاب الغريب: حدثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإنس، فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه، فقال: إني أراك ضئيلا شخيتا، كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم، أم أنت من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع (^١)، فعاودني فصارعه فصرعه الأنسي فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبج كخبج الحمار، فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال من عسى أن يكون إلا عمر، قال أبو عبيد: الضئيل النحيف الجسم، والخبج بالخاء المعجمة، ويقال بالحاء المهملة الضراط.\n_________\n(^١) الضليع: العظيم الخلقة والجسم.","vol":"1","page":515},{"text":"حديث آخر عن أبي هريرة. قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشان، حدثنا سفيان حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا حكيم بن جبير الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي»، وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة، عن حكيم بن جبير، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، كذا قال، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة، ولفظه «لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي» ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه. (قلت) وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين، وغير واحد من الأئمة، وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.\nحديث آخر قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع، أخبرنا عيسى بن محمد المروزي، أخبرنا عمر بن محمد البخاري، أخبرنا عيسى بن غنجار، عن عبد الله بن كيسان، حدثنا يحيى، أخبرنا بن عقيل، عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات (^١) فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن. فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أعظم آية في القرآن ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حديث آخر في اشتماله على اسم الله الأعظم قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن بكر، أنبأنا عبد الله بن زياد، حدثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ «إن فيهما اسم الله الأعظم» وكذا رواه أبو داود، عن مسدد والترمذي، عن علي بن خشرم وابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nحديث آخر في معنى هذا، عن أمامة ﵁، قال ابن مردويه: أخبرنا عبد الله بن نمير، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أنبأنا الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد، أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه، قال «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران وطه» وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق أما البقرة ف ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي آل عمران ﴿الم اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.\nحديث آخر عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة، قال أبو بكر بن مردويه:\nحدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن، أخبرنا الحسين بن\n_________\n(^١) السماطات: الجماعات.\n(^٢) المسند (ج ٦ ص ٤٦١)","vol":"1","page":516},{"text":"بشر بطرسوس، أخبرنا محمد بن حمير، أخبرنا محمد بن زياد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة، عن الحسين بن بشر به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي، من رجال البخاري أيضا، فهو إسناد على شرط البخاري، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي، أنه حديث موضوع، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله، نحو هذا الحديث، ولكن في إسناد كل منهما ضعف. وقال ابن مردويه أيضا: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري، أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي، أخبرنا زياد بن إبراهيم، أخبرنا أبو حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: «أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵇ أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة، أجعل له قلب الشاكرين، ولسان الذاكرين، وثواب النبيين، وأعمال الصديقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنت قلبه للإيمان، أو أريد قتله في سبيل الله» وهذا حديث منكر جدا.\nحديث آخر في أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل. قال أبو عيسى الترمذي:\nحدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني، أخبرنا ابن أبي فديك. عن عبد الرحمن المليكي، عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ: ﴿حم﴾ المؤمن إلى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وآية الكرسي، حين يصبح، حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح» ثم قال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي، من قبل حفظه.\nوقد ورد في فضلها أحاديث أخر، تركناها اختصارا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث علي في قراءتها عند الحجامة، إنها تقوم مقام حجامتين. وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات، وتلحس للحفظ وعدم النسيان، أوردهما ابن مردويه، وغير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة</span>\nفقوله ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا، القيم لغيره. وكان عمر يقرأ «القيّام»، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، لا قوام لها بدون أمره، كقوله ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وقوله ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ أي لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء،","vol":"1","page":517},{"text":"ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله ﴿لا تَأْخُذُهُ﴾ أي لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ولا نوم لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات، فقال «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ أن موسى ﵇ سأل الملائكة: هل ينام الله ﷿؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا، فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يده، وفي كل يد واحدة، قال: فجعل ينعس وينبه، وينعس وينبه، حتى نعس نعسة، فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما، قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله ﷿، يقول فكذلك السموات والأرض في يده، وهكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق فذكره، وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى ﵇ لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله ﷿، وأنه منزه عنه.\nوأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير (^١): حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل. حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر، قال «وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام، وكادت يداه تلتقيان، فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان، -قال-ضرب الله ﷿ مثلا، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض» وهذا حديث غريب جدا، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل ينام ربك؟ قال:\nاتقوا الله، فناداه ربه ﷿ يا موسى، سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ آية\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٩.","vol":"1","page":518},{"text":"الكرسي.\nوقوله ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه، كقوله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].\nوقوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ كقوله ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] وكقوله ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فأخر ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع -قال-فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة».\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارا عن الملائكة ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا، وَما بَيْنَ ذلِكَ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].\nوقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ﷿ وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].\nوقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: علمه، وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم، كلاهما عن مطرف بن طريف به، قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله، ثم قال ابن جرير: وقال آخرون الكرسي موضع القدمين، ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين.\nوقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عمار الذهبي، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله ﷿ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾؟ قال «كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿» كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره وهو غلط، وقد رواه وكيع في تفسيره، حدثنا سفيان عن عمار الذهبي، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن","vol":"1","page":519},{"text":"محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان، وهو الثوري بإسناده عن ابن عباس موقوفا مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الغزاري الكوفي، وهو متروك عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعا ولا يصح أيضا. وقال السدي، عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش: وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع، بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض».\nوقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد، أخبرنا عبد الله بن وهيب المقري، أخبرنا محمد بن أبي السري العسقلاني، أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الغلاة على تلك الحلقة».\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير، حدثنا ابن أبي بكر، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﵁، قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب ﵎، وقال: «إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله» وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، والطبراني وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما، والحافظ الضياء في كتابه المختار من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفا، ومنهم من يرويه عنه مرسلا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها.\nوأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء، والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية، وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين، إن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير ويقال له الأطلس، وقد رد ذلك عليهم آخرون وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش،","vol":"1","page":520},{"text":"والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما﴾ أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض، وما فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره، ولا رب سواه، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح، إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-221>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٦]</span>\n﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه علي بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاما.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة [من الأنصار] (^٢) تكون مقلاتا (^٣)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله ﷿ ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به، ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم، أنها نزلت في ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد، عن ابن عباس قوله: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٥.\n(^٢) الزيادة من الطبري.\n(^٣) المقلات: التي لا يعيش لها ولد.","vol":"1","page":521},{"text":"بني سالم بن عوف، يقال له الحصيني، كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي ﷺ: ألا استكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك، رواه ابن جرير.\nوروى السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتا، فلما عزما على الذهاب معهم، أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله ﷺ أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق، قال: كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فآبى، فيقول ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ ويقول: يا أسق، لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.\nوقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف، دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه، قال الله تعالى ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٣] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وفي الصحيح «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» يعني الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى عن حميد عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال لرجل «أسلم»، قال: إني أجدني كارها، قال: «وإن كنت كارها» فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: أسلم وإن كنت كارها، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.\nوقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي من خلع الأنداد والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده، وشهد أنه لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ أي فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريق المثلى، والصراط المستقيم، قال أبو قاسم البغوي:\nحدثنا أبو روح البلدي، حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عن حسان، هو ابن\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ١٨١)","vol":"1","page":522},{"text":"قائد العبسي قال: قال عمر ﵁: إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمن لا يعرف، ويفر الجبان من أمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيا أو نبطيا. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن أبي إسحاق عن حسان بن قائد العبسي عن عمر، فذكره، ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان، قوي جدا، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها، والاستنصار بها.\nوقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، هي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد، ولهذا قال ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ الآية، قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان، وقال السدي: هو الإسلام، وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله، وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله، والبغض في الله، وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها. وقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ دون دخول الجنة، وقال مجاهد وسعيد بن جبير ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ ثم قرأ ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا ابن عوف عن محمد بن قيس بن عباد، قال: كنت في المسجد، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه فحدثته، فلما استأنس، قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد، قالوا: كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم، إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ، قصصتها عليه، رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها-وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلى عروة، فقيل لي اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاءني منصف-قال ابن عون هو الوصيف-فرفع ثيابي من خلفي، فقال:\nاصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي، فأتيت رسول الله ﷺ، فقصصتها عليه فقال «أما الروضة، فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت» قال: وهو عبد الله بن سلام. أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون. وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به.\nطريق أخرى وسياق آخر قال الإمام أحمد (^٢): أنبأنا حسن بن موسى وعثمان، قالا: أنبأنا\n_________\n(^١) المسند (ج ٥ ص ٤٥٢)\n(^٢) المسند (ج ٥ ص ٤٥٢، ٤٥٣)","vol":"1","page":523},{"text":"حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحر، قال قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي ﷺ، فجاء شيخ يتوكأ على عصا له، فقال القوم:\nمن سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين، فقلت له: قال بعض القوم: كذا وكذا، فقال: الجنة لله، يدخلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول الله ﷺ رؤيا: كأن رجلا أتاني فقال: انطلق، فذهبت معه فسلك بي منهجا عظيما، فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق، فأخذ بيدي فزجل (^١) بي فإذا أنا على ذروته، فلا أتقارّ ولا أتماسك، فإذا عمود من حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك، فقلت: نعم، فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال «رأيت خيرا، أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت» قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة، قال: وإذا هو عبد الله بن سلام، وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان، وابن ماجة عن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر الفزاري به.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]</span>\n﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾\nيخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين، تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات، لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة ولكنها باطلة، كما قال ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال تعالى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة، حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، قال: يبعث أهل الأهواء،\n_________\n(^١) زجل به: دفعه.","vol":"1","page":524},{"text":"أو قال: تبعث أهل الفتن، فمن كان هواه الإيمان، كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر، كانت فتنته سوداء مظلمة، ثم قرأ هذه الآية ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-223>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٢٥٨)﴾\nهذا الذي حاج إبراهيم في ربه هو ملك بابل نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ويقال نمرود بن فالخ بن عبار بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، والأول قول مجاهد وغيره، قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود وبختنصر، والله أعلم.\nومعنى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، أي وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة، إلا تجبره، وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: أنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال:\n﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ وكان طلب من إبراهيم دليلا، على وجود الرب الذي يدعوا إليه، فقال إبراهيم ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي إنما الدليل على وجوده، حدوث هذه الأشياء، المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار، ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج-وهو النمرود- ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين، قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما-فيقتل، وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة-والظاهر والله أعلم-أنه ما أراد هذا لأنه ليس جوابا لما قال إبراهيم، ولا في معناه لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ ولهذا قال له إبراهيم، لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت، فأت بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا","vol":"1","page":525},{"text":"المقام، بهت، أي أخرس، فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة.\nقال الله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي لا يلهمهم حجة ولا برهانا، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد، وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين، أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة رديّة ترديه وليس كما قالوه، بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني، ويبين بطلان ما ادعاه نمرود في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة.\nوقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة. وروى عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله، عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم، فلما قدم وضع رحاله، وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا، فعملت طعاما، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه، فقال: أنى لك هذا؟ قالت: من الذي جئت به، فعلم أنه رزق رزقهم الله ﷿. قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا، يأمره بالإيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظاما بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في منخري الملك أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة، حتى أهلكه الله بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-224>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]</span>\n﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾\nتقدم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وهو في قوة قوله: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه، ولهذا عطف عليه بقوله ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ اختلفوا في هذا المار من هو، فروى ابن أبي حاتم، عن عصام بن رواد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب، أنه","vol":"1","page":526},{"text":"قال: هو عزير. ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه، وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة، وهذا القول هو المشهور وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد، هو أرميا بن حلقيا. قال محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم عن وهب بن منبه، أنه قال: هو اسم الخضر ﵇. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: سمعت سليمان بن محمد اليساري الجاري من أهل الجار (^١) ابن عم مطرف، قال سمعت سلمان يقول: إن رجلا من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بوار. وقال مجاهد بن جبر:\nهو رجل من بني إسرائيل، وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ أي ليس فيها أحد، من قولهم خوت الدار تخوي خويا.\nقوله ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أي ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها؟﴾ وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: ﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ قال: وعمرت البلاد بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله ﷿ بعد موته، كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه: كيف يحي بدنه، فلما استقل سويا (قال) الله له، أي بواسطة الملك: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال: وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم، فقال ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير، فوجده كما تقدم لم يتغير منه شيء، لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب نقص ﴿وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ﴾ أي كيف يحييه الله ﷿، وأنت تنظر ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أي دليلا على المعاد ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ أي نرفعها، فيركب بعضها على بعض. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نعيم عن إسماعيل بن حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ بالزاي ثم قال: صحيح الإسناد. ولم يخرجاه.\nوقرئ «ننشرها» أي نحييها، قاله مجاهد ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾. وقال السدي وغيره تفرقت عظام حماره حوله يمينا ويسارا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارا قائما من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحما وعصبا وعروقا وجلدا، وبعث الله ملكا فنفخ في منخري الحمار، فنهق بإذن الله ﷿، وذلك كله بمرأى من العزيز، فعند ذلك لما تبين له هذا كله\n_________\n(^١) الجار: مدينة على ساحل البحر الأحمر. كانت على مسافة عشرين يوما جنوبي أيلة وثلاثة أيام من الجحفة. وقد ظلت موجودة إلى نهاية القرون الوسطى فحلّت محلها مدينة ينبع صوب الشمال. (دائرة المعارف الإسلامية ١٠/ ٣٩١) ..","vol":"1","page":527},{"text":"﴿قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي أنا عالم بهذا، وقد رأيته عيانا، فأنا أعلم أهل زماني بذلك، وقرأ آخرون «قال اعلم» على أنه أمر له بالعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾\nذكروا لسؤال إبراهيم ﵇، أسبابا منها أنه لما قال لنمرود ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك، إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وسعيد عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي». وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن وهب به، فليس المراد هاهنا بالشك، ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف، وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة أحدها (^١).\nوقوله ﴿قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي، وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مهم لنص عليه القرآن، فروي عن ابن عباس، أنه قال هي الغرنوق والطاوس والديك والحمامة، وعنه أيضا أنه أخذ وزا ورألا وهو فرخ النعام، وديكا وطاوسا. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة وديكا وطاوسا وغرابا. وقوله ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: قطعهن، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو الأسود الدؤلي ووهب بن منبه والحسن والسدي وغيرهم. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير، فذبحهن ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءا، قيل أربعة أجبل، وقيل سبعة، قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده ثم أمره الله ﷿ أن يدعوهن فدعاهن كما أمره الله ﷿، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر، يتصل بعضها إلى\n_________\n(^١) هنا بياض في النسخ التي بأيدينا. وذكر البغوي من حديث إسماعيل بن يحيى المزني أنه قال: لم يشك النبي ﷺ ولا إبراهيم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى وإنما شكا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا … وأورد الطبري في تفسيره (٣/ ٥١ - ٥٣) (رأيين في تأويل «ليطمئن قلبي» أحدهما يتوافق مع ما ذكرناه عن البغوي، والآخر-وهو ما اختاره ابن جرير-أن «تكون مسألته ربّه ما سأله أن يريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه». قارن أيضا بتفسير القرطبي ٣/ ٢٩٧ - ٣٠٠.","vol":"1","page":528},{"text":"بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته، ولهذا قال ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع من شيء، وما شاء كان بلا ممانع، لأنه القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب في قوله ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها.\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل عن سعيد بن المسيب قال: اتفق عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا قال: ونحن شببة. فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى عندك لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو قوله الله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ، لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فقال ابن عباس:\nأما إن كنت تقول هذا، فأنا أقول أرجى منها لهذه الأمة، قول إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟ قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني محمد بن أبي سلمة عن عمرو، حدثني ابن المنكدر أنه قال: التقى عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك، فقال عبد الله بن عمرو: قول الله ﷿: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا﴾ الآية، فقال ابن عباس: لكن أنا أقول قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى﴾ فرضي من إبراهيم قوله ﴿بَلى﴾، قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان، وهكذا رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأحزم، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة بإسناده مثله، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]</span>\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾\nهذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. قال سعيد بن جبير: يعني في طاعة الله. وقال مكحول: يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: الجهاد والحج","vol":"1","page":529},{"text":"يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف، ولهذا قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله ﷿ لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا زياد بن الربيع أبو خداش، حدثنا واصل مولى ابن عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرمي، عن عياض بن غطيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة [بن الجراح] نعوده من شكوى أصابته بجنبه، وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه، قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجر. قال أبو عبيدة: ما بتّ بأجر، وكان مقبلا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضا أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ﷿ ببلاء في جسده فهو له حطة» وقد روى النسائي في الصوم بعضه من حديث واصل به، ومن وجه آخر موقوفا.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا عمرو الشيباني عن أبي مسعود أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ «لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة» ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن مهران عن الأعمش به، ولفظ مسلم: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة».\nحديث آخر-قال أحمد (^٣): حدثنا عمرو بن مجمع أبو المنذر الكندي، أخبرنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله جعل حسنة ابن آدم إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم والصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».\nحديث آخر-قال أحمد (^٤): أخبرنا وكيع، أخبرنا الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي، وللصائم\n_________\n(^١) مسند أحمد (ج ١ ص ١٩٥)\n(^٢) المسند (ج ٤ ص ١٤١)\n(^٣) المسند (ج ١ ص ٤٤٦)\n(^٤) المسند (ج ٢ ص ٤٤٣)","vol":"1","page":530},{"text":"فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة» وكذا رواه مسلم (^١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج كلاهما عن وكيع به.\nحديث آخر-قال أحمد (^٢): حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن يسير بن عميلة، عن خريم بن فاتك، قال: قال رسول الله ﷺ «من أنفق نفقة في سبيل الله، تضاعف بسبعمائة ضعف».\nحديث آخر-قال أبو داود (^٣): أنبأنا محمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف».\nحديث آخر-قال ابن أبي حاتم: أنبأنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن عن عمران بن حصين، عن رسول الله ﷺ، قال «من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة، ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾، وهذا حديث غريب، وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ الآية.\nحديث آخر-قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر: لما نزلت هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ قال النبي ﷺ «رب زد أمتي» قال: فأنزل الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال «رب زد أمتي» قال: فأنزل الله ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن حاجب بن أركين، عن أبي عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز المقري، عن أبي إسماعيل المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.\nوقوله هاهنا ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أي بحسب إخلاصه في عمله ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق، سبحانه وبحمده.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (صيام حديث ١٦٤)\n(^٢) المسند (ج ٤ ص ٣٤٥)\n(^٣) سنن أبي داود (جهاد باب ١٣)","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٢ إلى ٢٦٤]</span>\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)﴾\nيمدح ﵎ الذين ينفقون في سبيله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منا على من أعطوه، فلا يمنون به على أحد، ولا يمنون به لا بقول ولا بفعل.\nوقوله ﴿وَلا أَذىً﴾ أي لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان، ثم وعدهم الله تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، فقال ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي ثوابهم على الله لا على أحد سواه. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي على ما خلفوه من الأولاد، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا يأسفون عليها، لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي عفو وغفر عن ظلم قولي أو فعلي ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن فضيل قال: قرأت على معقل بن عبد الله، عن عمرو بن دينار، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف، ألم تسمع قوله ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ﴾ عن خلقه، ﴿حَلِيمٌ﴾ أي يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم.\nوقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة، ففي صحيح مسلم (^١) من حديث شعبة عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل (^٢) إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».\nوقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال «لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر».\nوروى أحمد وابن ماجة من حديث يونس بن ميسرة نحوه ثم روى ابن مردويه وابن حبان والحاكم في مستدركه، والنسائي من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد الله بن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ١٧١)\n(^٢) أي الجارّ طرفه خيلاء.","vol":"1","page":532},{"text":"عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن خمر، والمنان بما أعطى» وقد روى النسائي، عن مالك بن سعد، عن عمه روح بن عبادة، عن عتاب بن بشير، عن خصيف الجزري، عن مجاهد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال «لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان»، وقد رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن المنهال، عن محمد بن عبد الله بن عصار الموصلي، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه النسائي من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد قوله، وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد، وعن مجاهد عن أبي هريرة نحوه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى، ثم قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه، ولهذا قال ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه، قال الضحاك: والذي يتبع نفقته منا أو أذى، فقال ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وهو جمع صفوانة، فمنهم من يقول: الصفوان يستعمل مفردا أيضا وهو الصفا وهو الصخر الأملس، ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي فترك الوابل ذلك الصفوان صلدا أي أملس يابسا، أي لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب، ولهذا قال ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-228>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٥]</span>\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾\nوهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله عنهم في ذلك، ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي وهم متحققون متثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا في معنى قوله ﵇ في الحديث الصحيح المتفق على صحته «من صام رمضان إيمانا واحتسابا» أي يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه، قال الشعبي: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تصديقا ويقينا، وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد، واختاره ابن جرير وقال مجاهد والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم.\nوقوله ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾، وهو عند الجمهور: المكان المرتفع من الأرض، وزاد ابن","vol":"1","page":533},{"text":"عباس والضحاك وتجري (^١) فيه الأنهار. قال ابن جرير (^٢) ﵀: وفي الربوة ثلاث لغات:\nهن ثلاث قراءات: بضم الراء، وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة، ويقال إنها لغة تميم، وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس (^٣).\nوقوله ﴿أَصابَها وابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد، كما تقدم، فآتت ﴿أُكُلَها﴾ أي ثمرتها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي بالنسبة إلى غيرها من الجنان ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك: هو الرذاذ وهو اللين من المطر، أي هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدا، لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدا، بل يتقبله الله ويكثره وينميه كل عامل بحسبه، ولهذا قال ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٦]</span>\n﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾\nقال البخاري (^٤) عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام هو ابن يوسف، عن ابن جريج سمعت عبد الله بن أبي مليكة، يحدث عن ابن عباس، قال وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير، قال: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي ﷺ: فيم ترون هذه الآية نزلت؟ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس ﵄: ضربت مثلا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله، ثم رواه البخاري عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، فذكره وهو من أفراد البخاري ﵀، وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولا ثم بعد ذلك انعكس سيره فبدل الحسنات بالسيئات عياذا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق\n_________\n(^١) في القرطبي (٣/ ٣١٥) عن ابن عباس: «الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار، لأن قوله (أصابها وابل) إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد جنس التي تجري فيها الأنهار».\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٧١.\n(^٣) وذكر القرطبي أن فيها خمس لغات، فزاد على الثلاث الواردة هنا: رباوة (بفتح الراء) قال: وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن، ورباوة (بكسر الراء) قال: وبها قرأ الأشهب العقيلي.\n(^٤) صحيح البخاري (تفسير سورة ٢ باب ١٩)","vol":"1","page":534},{"text":"الأحوال، فلم يحصل منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ﴾ وهو الريح الشديد ﴿فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي أحرق ثمارها وأباد أشجارها، فأي حال يكون حاله؟ وقد روى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، قال: ضرب الله مثلا حسنا وكل أمثاله حسن، قال ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ يقول صنعه في شيبته ﴿وَأَصابَهُ الْكِبَرُ﴾ وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يكون يوم القيامة إذا ردّ إلى الله ﷿، ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرا يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عندما كان أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته. وهكذا روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه «اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني وانقضاء عمري» ولهذا قال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها. كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-230>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٧ إلى ٢٦٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)﴾\nيأمر تعالى: عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة هاهنا، قاله ابن عباس: من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها، قال مجاهد: يعني التجارة بتيسيره إياها لهم، وقال علي والسدي ﴿مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ يعني الذهب والفضة، ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض، قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثة، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولهذا قال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي تقصدوا الخبيث ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل معناه ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه.","vol":"1","page":535},{"text":"ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسحاق، عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد، حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه يا نبي الله؟ قال غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحوا الخبيث» والصحيح القول الأول.\nقال ابن جرير (^٢) ﵀: حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، حدثني أبي عن أسباط عن السدي، عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب ﵁، في قول الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الآية، قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها أقناء البسر فعلقوه على حبل، بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر، يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، ثم رواه ابن جرير وابن ماجة وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طريق السدي، عن عدي بن ثابت عن البراء بنحوه، وقال الحاكم:\nصحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل عن السدي عن أبي مالك عن البراء ﵁، ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر، فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو فيه الحشف والشيص، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده، وكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل عن السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان، عن البراء فذكر نحوه، ثم قال وهذا حديث حسن غريب.\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٣٨٧)\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٨٢.","vol":"1","page":536},{"text":"وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، نهى عن لونين من التمر: الجعرور (^١) والحبيق، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ ورواه أبو داود من حديث سفيان بن حسين عن الزهري، ثم قال: أسنده أبو الوليد عن سليمان بن كثير عن الزهري، ولفظه نهى رسول الله ﷺ عن الجعرور ولون الحبيق، أن يؤخذ في الصدقة، وقد روى النسائي هذا الحديث من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن الزهري، عن أبي أمامة، ولم يقل عن أبيه، فذكر نحوه، وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن مغفل، في هذه الآية ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: كسب المسلم لا يكون خبيثا، ولكن لا يصدق بالحشف والدرهم الزيف (^٢) وما لا خير فيه.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حماد هو ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتي رسول الله ﷺ بضب، فلم يأكله ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله، نطعمه المساكين؟ قال «لا تطعموهم مما لا تأكلون». ثم رواه عن عفان عن حماد بن سلمة به؛ فقلت: يا رسول الله، ألا أطعمه المساكين؟ قال «لا تطعموهم مما لا تأكلون.\nوقال الثوري، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك، لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه، رواه ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول:\nلو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال فذلك قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وزاد: وهو قوله: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ثم روي من طريق العوفي وغيره، عن ابن عباس، نحو ذلك، وكذا ذكره غير واحد.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا أن يساوي الغني الفقير، كقوله ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾\n_________\n(^١) الجعرور والحبيق: من أردأ أنواع التمر.\n(^٢) الدرهم الزيف، والدراهم الزيوف: التي تكون نسبة الفضة فيها منقوصة، أي أقل من المقدار الشرعي والمتعارف عليه.\n(^٣) المسند (ج ٦ ص ١٠٥)","vol":"1","page":537},{"text":"[الحج: ٣٧] وهو غني عن جميع خلقه وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، ويجزيه بها، ويضاعفها له أضعافا كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قال ابن ابي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «إن للشيطان للمّة بابن آدم وللملك لمة (^١)، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير والتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان» ثم قرأ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ الآية، وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعا، عن هناد بن السري. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، يعني سلام بن سليم، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديثه، كذا قال وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد؛ عن محمد بن عبد الله بن وستة، عن هارون الفروي، عن أبي ضمرة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود مرفوعا نحوه؛ ولكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم.\nومعنى قول تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ أي مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق، قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ أي في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء. ﴿وَفَضْلًا﴾ أي في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا «الحكمة القرآن» يعني تفسيره، قال ابن عباس:\nفإنه قد قرأه البر والفاجر، رواه ابن مردويه، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة الإصابة في القول، وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾: ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن، وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس\n_________\n(^١) اللمّة: التهمّة والخطرة في القلب، أو الدنوّ.","vol":"1","page":538},{"text":"كل حكمة، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان ابن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود مرفوعا «رأس الحكمة مخافة الله» وقال أبو العالية في رواية عنه:\nالحكمة الكتاب والفهم، وقال إبراهيم النخعي، الحكمة الفهم، وقال أبو مالك: الحكمة السنة، وقال ابن وهب، عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل، قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه، عالما بأمر دينه بصيرا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله، وقال السدي: الحكمة النبوة.\nوالصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور: لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في الأحاديث «من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه» رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمر-قوله: وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع ويزيد، قالا: حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن قيس وهو ابن أبي حازم، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد به.\nوقوله: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل، يعي به الخطاب ومعنى الكلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-231>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٠ إلى ٢٧١]</span>\n﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾\nيخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته، بل خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره، فقال ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ أي يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته.\nوقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ أي إن أظهرتموها فنعم شيء هي. وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٤٣٢)","vol":"1","page":539},{"text":"أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية.\nوقال رسول الله ﷺ «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة» والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين (^١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵌: قال «لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الله الجبال فقالت: يا رب هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال نعم الحديد. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح؟ قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله».\nوقد ذكرنا في فضل آية الكرسي عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال «سر إلى فقير أو جهد من مقل» رواه أحمد (^٣) ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذر، فذكره وزاد: ثم نزع (^٤) بهذه الآية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية.\nوفي الحديث المروي «صدقة السر تطفئ غضب الرب ﷿».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب، أخبرنا موسى بن عمير عن عامر الشعبي في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ «ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟» قال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أذان باب ٣٦) وصحيح مسلم (زكاة حديث ٩١)\n(^٢) المسند (ج ٣ ص ١٢٤)\n(^٣) المسند (ج ٥ ص ١٧٨)\n(^٤) أي تمثل بهذه الآية.","vol":"1","page":540},{"text":"خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي ﷺ فقال له النبي: «ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟» فقال: عدة الله وعدة رسوله، فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا، وهذا الحديث روي من وجه آخر عن عمر ﵁، وإنما أوردناه هاهنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة، لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية، قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها فقال بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها فقال بخمسة وعشرين ضعفا.\nوقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ أي بدل الصدقات ولا سيما إذا كانت سرا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات. وقد قرئ ويكفر بالجزم عطفا على محل جواب الشرط وهو قوله: ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ كقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] وقوله:\n﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-232>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٢ إلى ٢٧٤]</span>\n﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾\nقال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا محمد بن عبد السلام بن عبد الرحيم، أنبأنا الفريابي حدثنا سفيان عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾. وكذا رواه أبو حذيفة وابن المبارك وأبو أحمد الزبيدي وأبو داود الحضرمي عن سفيان، وهو الثوري به، وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن يعني الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ [الممتحنة:","vol":"1","page":541},{"text":"٨]، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك.\nوقوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦؛ والجاثية: ١٥] ونظائرها في القرآن كثيرة.\nوقوله ﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله، وقال عطاء الخراساني: يعني إذا عطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله. وهذا معنى حسن وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب البرّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ والحديث المخرج في الصحيحين (^١) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «قال رجل لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعفّ بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته».\nوقوله ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني سفرا للتسبب في طلب المعاش والضرب في الأرض هو السفر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] وقال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوقوله ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا». رواه أحمد (^٢) من حديث ابن مسعود أيضا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (زكاة حديث ٧٨) والنسائي (زكاة باب ٤٧) وأحمد في المسند (ج ٢ ص ٣٢٢)\n(^٢) المسند (ج ٢ ص ٣١٦)","vol":"1","page":542},{"text":"وقوله ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ أي بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى:\n﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وقال ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وفي الحديث الذي في السنن «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].\nوقوله: ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا﴾ أي لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحف في المسألة، قال البخاري (^١): حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شريك بن أبي نمر أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤا إن شئتم يعني قوله ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا﴾ وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المديني، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار وحده، عن أبي هريرة به، وقال أبو عبد الرحمن النسائي (^٢): أخبرنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل، أخبرنا شريك وهو ابن أبي نمر عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به، عن النبي ﷺ قال: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما المسكين المتعفف، اقرءوا إن شئتم ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا﴾ وروى البخاري من حديث شعبة، عن محمد بن أبي زياد، عن أبي هريرة، عن النبي الله ﷺ نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال «ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا».\nوقال ابن جرير: حدثني معتمر عن الحسن بن ماتك، عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة، قال: ليس المسكين بالطوّاف الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته لا يسأل الناس شيئا تصيبه الحاجة، اقرءوا إن شئتم ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، عن رجل من مزينة أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله ﷺ كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله فوجدته قائما يخطب، وهو يقول «ومن استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق، فقد سأل الناس إلحافا» فقلت بيني وبين نفسي: لناقة لي خير\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة، باب ٤٨)\n(^٢) سنن النسائي (زكاة باب ٢٤)\n(^٣) المسند (ج ٤ ص ١٣٨)","vol":"1","page":543},{"text":"من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأل.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: سرحتني أمي إلى رسول الله ﷺ أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال «من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف، قال: فقلت ناقتي الياقوتة خير من أوقية، فرجعت فلم أسأله. وهكذا رواه أبو داود والنسائي عن قتيبة، زاد أبو داود: وهشام بن عمار كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: قال أبو سعيد الخدري، قال رسول الله ﷺ «من سأل وله قيمة أوقية فهو ملحف». والأوقية أربعون درهما.\nوقال أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، قال: قال رسول الله ﷺ ومن سأل أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا، وقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو كدوحا في وجهه» قالوا: يا رسول الله وما غناه؟ قال «خمسون درهما أو حسابها من الذهب». وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وقد تركه شعبة بن الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء هذا الحديث.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حسين عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: بلغ الحارث رجلا كان بالشام من قريش، أن أبا ذر كان به عوز فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال: ما وجد عبد الله رجلا أهون عليه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول «من سأل وله أربعون فقد ألحف» ولآل أبي ذر أربعون درهما وأربعون شاة وماهنان، قال أبو بكر بن عياش، يعني خادمين.\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد الجبار، أخبرنا سفيان عن داود بن سابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال «من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف وهو مثل سف الملة» يعني الرمل، ورواه\n_________\n(^١) المسند (ج ٣ ص ٩)\n(^٢) المسند (ج ٤ ص ٣٦)\n(^٣) المسند (ج ١ ص ٣٨٨)","vol":"1","page":544},{"text":"النسائي عن أحمد بن سليمان، عن أحمد بن آدم، عن سفيان وهو ابن عيينة بإسناده نحوه.\nقوله ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي لا يخفى عليه شيء منه وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه.\nوقوله ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل ونهار، والأحوال من سر وجهر، حتى أن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضا، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضا عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في فيّ أمرأتك».\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر وبهز، قال: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث عن أبي مسعود ﵄، عن النبي ﷺ، أنه قال «إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة»، أخرجاه من حديث شعبة به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت سعيد بن يسار عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في أصحاب الخيل.\nوقال حبش الصنعاني عن ابن شهاب، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى بن يمان عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن ابن جبير، عن أبيه، قال: كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهما ليلا ودرهما نهارا ودرهما سرا ودرهما علانية، فنزلت ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾، وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف، ولكن رواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب.\nوقوله ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تقدم تفسيره.\n_________\n(^١) المسند (ج ٤ ص ١٢٢)","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]</span>\n﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥)﴾\nلما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها، إلى بعثهم ونشورهم، فقال ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياما منكرا. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق، رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nوحكي عن عبد الله بن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني لا يقومون يوم القيامة، وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك وابن زيد، وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حنيف، عن أبي عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة».\nوقال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وذلك حين يقوم من قبره.\nوفي حديث أبي سعيد في الإسراء، كما هو مذكور في سورة سبحان، أنه ﵇ مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم، فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولا، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات تجري من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا». ورواه الإمام أحمد، عن حسن وعفان وكلاهما عن حماد بن سلمه به،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٠٢.","vol":"1","page":546},{"text":"وفي إسناده ضعف. وقد روى البخاري عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: فأتينا على نهر، حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع الحجارة عنده، فيفغر له فاه فيلقمه حجرا، وذكر في تفسيره أنه آكل الربا.\nوقوله ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، أي إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسا منهم للربا على البيع، لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أي هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ يحتمل أن يكون من تمام الكلام ردا عليهم، أي على ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم ينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ أي من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة، لقوله: ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة (^١) «وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدميّ هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس» ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ قال سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف ما كان أكل من الربا قبل التحريم.\nوقال ابن أبي حاتم: قرئ على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أم يونس يعني امرأته العالية بنت أيفع، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة، فأحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إن لم يتب، قالت: فقلت أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت:\nنعم ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ وهذا الأثر مشهور وهو دليل لمن حرم مسألة العينة، مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) في سيرة ابن هشام (٢/ ٦٠٣) ومسند أحمد (ج ٥ ص ٧٣) أنه كان في خطبة الوداع وليس يوم فتح مكة.","vol":"1","page":547},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عادَ﴾ أي إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة، ولهذا قال: ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وقد قال أبو داود (^١): حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال رسول الله ﷺ «من لم يذر المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله» ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن خثيم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض (^٢) ما يخرج من الأرض والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسما لمادة الربا، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم، وقد قال تعالى:\n﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.\nوباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (^٣) -يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا-والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه» وفي السنن عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وفي الحديث الآخر: «الإثم ما حاك في القلب وترددت فيه النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس» وفي رواية «استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك».\nوقال الثوري عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: آخر ما نزل على رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) سنن أبي داود (بيوع باب ٣٣)\n(^٢) أي أن يعطي المالك الفلاح أرضا يزرعها على بعض ما يخرج منها كالثلث أو الربع.\n(^٣) رواه البخاري (أشربة باب ٥) ومسلم (تفسير حديث ٣٣) وأبو داود (أشربة باب ١)","vol":"1","page":548},{"text":"آية الربا، رواه البخاري عن قبيصة عنه، وقال أحمد (^١) عن يحيى عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل، آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة، رواه ابن ماجة وابن مردويه وروى ابن مردويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم، إلى ما لا يريبكم، وقد قال ابن أبي عدي بالإسناد موقوفا، فذكره ورده الحاكم في مستدركه.\nوقد قال ابن ماجة (^٢)، حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن زبيد عن إبراهيم عن مسروق عن عبد الله، هو ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «الربا ثلاثة وسبعون بابا» ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث عمرو بن علي الفلاس بإسناده مثله، وزاد «أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال ابن ماجة (^٣): حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي معشر عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «الربا سبعون حوبا (^٤)، أيسرها أن ينكح الرجل أمه».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا هشيم عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا الحسن منذ نحو أربعين أو خمسين سنة، عن أبي هريرة أن رسول الله. ﷺ قال «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا»، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال «من لم يأكله منهم ناله من غباره»، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، من غير وجه، عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن به، ومن هذا القبيل وهو تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات، الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٦)، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهن، فحرم التجارة في الخمر، وقد أخرجه الجماعة، سوى الترمذي، من طرق من الأعمش به، وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية، فحرم التجارة، وفي لفظ له عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، قرأها رسول الله ﷺ على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر.\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٣٦)\n(^٢) سنن ابن ماجة (تجارات باب ٥٨)\n(^٣) سنن ابن ماجة (تجارات باب ٥٨)\n(^٤) في الأصول «جزءا» وما أثبتناه من سنن ابن ماجة. والحوب: الإثم.\n(^٥) المسند (ج ٢ ص ٤٩٤)\n(^٦) المسند (ج ٦ ص ٤٦)","vol":"1","page":549},{"text":"قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ﵇ في الحديث المتفق عليه: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها» وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما، عند لعن المحلّل في تفسير قوله: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ قوله ﷺ «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه»، قالوا: وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسدا، فالاعتبار بمعناه لا بصورته، لأن الأعمال بالنيات، وفي الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم» وقد صنف الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، كتابا في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك، وشفى، فرحمه الله، ورضي عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-234>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٦ إلى ٢٧٧]</span>\n﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾\nيخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعدمه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] وقال ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩]، وقال ابن جرير (^١): في قوله ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل.\nوهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد (^٢) في مسنده، فقال: حدثنا حجاج. حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع عن أبيه، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ، قال: «إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل».\nوقد رواه ابن ماجة: عن العباس بن جعفر عن عمرو بن عون، عن يحيى بن زائدة عن إسرائيل عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ، أنه قال «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل»، وهذا من باب المعاملة، بنقيض المقصود، كما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا الهيثم بن رافع الطاطري،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٠٥.\n(^٢) المسند (ج ١ ص ٣٩٥)\n(^٣) المسند (ج ١ ص ٢١)","vol":"1","page":550},{"text":"حدثني أبو يحيى رجل من أهل مكة، عن فروخ مولى عثمان، أن عمر وهو يومئذ أمير المؤمنين، خرج من المسجد فرأى طعاما منشورا، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا، قال:\nبارك الله فيه وفيمن جلبه، قيل: يا أمير المؤمنين إنه قد احتكر، قال: من احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام»، فقال فروخ عند ذلك: أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدا، وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع، قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذوما، ورواه ابن ماجة من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس والجذام» (^١).\nوقوله ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قرئ بضم الياء والتخفيف، من ربا الشيء يربو وأرباه يربيه، أي كثره ونماه ينميه، وقرئ يربي بالضم والتشديد من التربية، كما قال البخاري: حدثنا عبد الله بن كثير، أخبرنا كثير سمع أبا النصر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل الجبل» كذا رواه في كتاب الزكاة (^٢)، وقال في كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد بن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار فذكره بإسناده نحوه، وقد رواه مسلم في الزكاة (^٣)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره، قال البخاري ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nقلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم، فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح عن أبي وهب، عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم به، وأما حديث سهيل، فرواه مسلم عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل به، والله أعلم.\nقال البخاري: وقال ورقاء عن ابن دينار عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن العباس المروزي، عن أبي النضر، هاشم بن القاسم، عن ورقاء وهو ابن عمر اليشكري، عن عبد الله بن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة (تجارات باب ٦)\n(^٢) صحيح البخاري (زكاة باب ٨)\n(^٣) صحيح مسلم (زكاة حديث ٦٤)","vol":"1","page":551},{"text":"كما يربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل أحد» وهكذا روى هذا الحديث مسلم والترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن سعد المقبري، وأخرجه النسائي من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره.\nوقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول، الله ﷺ «إن الله ﷿ يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ وكذا رواه أحمد (^١)، عن وكيع، وهو في تفسير وكيع، ورواه الترمذي، عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح، وكذا رواه الثوري عن عباد بن منصور به، ورواه أحمد أيضا عن خلف بن الوليد، عن ابن المبارك، عن عبد الواحد بن ضمرة وعباد بن منصور، كلاهما عن أبي نضرة، عن القاسم به.\nوقد رواه ابن جرير (^٢)، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «إن العبد إذا تصدق من طيب تقبّلها الله منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله، أو قال في كف الله حتى تكون مثل أحد، فتصدقوا» وهكذا رواه أحمد: عن عبد الرزاق، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم.\nوروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإمام أحمد (^٣)، حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد» تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال البزار حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور حدثنا إسماعيل حدثني أبي عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ وعن الضحاك بن عثمان عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فيتلقاها الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه» أو قال فصيله، ثم قال: لا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد عن عمرة إلا أبا أويس.\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ٤٧١)\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ١٠٦.\n(^٣) المسند (ج ٦ ص ٢٥١)","vol":"1","page":552},{"text":"وقوله ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾، أي لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل- ثم قال تعالى مادحا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون فقال:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-235>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٨ إلى ٢٨١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه، فقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ أي خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ أي اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك، وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج ومقاتل بن حيان والسدي، أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاورا وقالت بنو المغيرة لا نؤدي الربا في الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد، نائب مكة إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ إليه ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقالوا نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الربا فتركوه كلهم، وهذا تهديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾، أي استيقنوا بحرب من الله ورسوله، وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه، كان حقا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.","vol":"1","page":553},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن وابن سيرين، أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيه السلاح.\nوقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون، وجعلهم بهرجا أين ما أتوا، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وطابه، فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم، وقال الربيع بن أنس: أوعد الله آكل الربا بالقتل، رواه ابن جرير، وقال السهيلي:\nولهذا قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي ﷺ قد بطل إلا أن يتوب، فخصت الجهاد لأنه ضد قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال:\nوهذا المعنى ذكره كثير، قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ﴾ أي بأخذ الزيادة ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ أي بوضع رؤوس الأموال أيضا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب، حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان، عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال «ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب، موضوع كله» وكذا وجدته: سليمان بن الأحوص، وقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ألا إن كلّ ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون» وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي حمزة الرقاشي عن عمر وهو ابن خارجة، فذكره.\nوقوله ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين، وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي ﷺ بذلك.\nفالحديث الأول عن أبي أمامة أسعد بن زرارة. قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني، حدثنا يحيى بن حكيم المقوم، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد الله، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال: قال","vol":"1","page":554},{"text":"رسول الله ﷺ: «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر أو ليضع عنه».\nحديث آخر عن بريدة. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول «من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة» قال: ثم سمعته يقول: «من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة» قلت: سمعتك يا رسول الله تقول «من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة». ثم سمعتك تقول «من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة»، قال: «له لكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة».\nحديث آخر عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري. قال أحمد (^٢): حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي، فسأله عنه، فقال: نعم هو في البيت يأكل خزيرة (^٣)، فناداه، فقال: يا فلان، أخرج فقد أخبرت أنك هاهنا، فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال إني معسر وليس عندي شيء، قال: آلله أنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «من نفس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة»، ورواه مسلم في صحيحه.\nحديث آخر عن حذيفة بن اليمان، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس أحمد بن عمران، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال:\nما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها-قالها ثلاث مرات-قال العبد عند آخرها:\nيا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول الله ﷿: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة».\nوقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة من طرق عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، زاد مسلم:\nوعقبة بن عامر وأبي مسعود البدري عن النبي ﷺ بنحوه، ولفظ البخاري: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الزهري عن عبد الله بن عبد الله، أنه سمع أبا هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه:\nتجاوزا عنه لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (^٤).\n_________\n(^١) المسند (ج ٥ ص ٣٦٠)\n(^٢) المسند (ج ٥ ص ٣٠٨)\n(^٣) الخزيرة: لحم يقطع قطعا صغارا ثم يطبخ بماء كثير وملح، فإذا اكتمل نضجه ذرّ عليه الدقيق وعصد به ثم أدم بإدام ما.\n(^٤) صحيح البخاري (أنبياء باب ٥٤؛ وبيوع باب ١٨)","vol":"1","page":555},{"text":"حديث آخر عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، أن سهلا حدثه: أن رسول الله ﷺ، قال: «من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غازيا أو غارما في عسرته أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nحديث آخر عن عبد الله بن عمر، قال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمى عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته، فليفرج عن معسر». انفرد به أحمد.\nحديث آخر عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، أن رجلا أتى به الله ﷿، فقال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرة من خير، فقال ثلاثا، وقال في الثالثة:\nإني كنت أعطيتني فضلا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال ﵎: نحن أولى بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي، فغفر له. قال أبو مسعود: هكذا سمعت من النبي ﷺ، وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به.\nحديث آخر عن عمران بن حصين. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي دواد، عن عمران بن حصين قال، قال: رسول الله ﷺ: «من كان له على رجل حق فأخره، كان له بكل يوم صدقة»، غريب من هذا الوجه، وقد تقدم عن بريدة نحوه.\nحديث آخر عن أبي اليسر كعب بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثنا أبو اليسر، أن رسول الله ﷺ، قال «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله ﷿ في ظله يوم لا ظل إلا ظله». وقد أخرجه مسلم في صحيحه ومن وجه آخر من حديث عباد بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ، ومعه غلام له معه ضمامة من صحف، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري (^٤)، وعلى غلامة بردة ومعافري، فقال له أبي: يا عم، إني أرى في وجهك سفعة من غضب، قال: أجل\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ٢٣)\n(^٢) المسند (ج ٤ ص ١١٨)\n(^٣) المسند (ج ٤ ص ٤٤٢)\n(^٤) المعافري والمعافرية: ثياب تنسب إلى معافر-حيّ من همدان.","vol":"1","page":556},{"text":"كان لي على فلان بن فلان-الحرامي-مال، فأتيت أهله، فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج عليّ ابن له جفر (^١)، فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي، فقلت:\nاخرج إلي فقد علمت أين أنت، فخرج، فقلت ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ، وكنت والله معسرا. قال: قلت: آلله. قال: قلت: آلله؟ قال: الله. قلت: الله ثم قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قضاء فاقضني وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عينيّ هاتين-ووضع إصبعيه على عينيه-وسمع أذنيّ هاتين، ووعاه قلبي-وأشار إلى مناط قلبه، رسول الله ﷺ وهو يقول: من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظله. وذكر تمام الحديث.\nحديث آخر عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الحسن بن أسد بن سالم الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «أظل الله عينا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، من أنظر معسرا، أو ترك لغارم».\nحديث آخر عن ابن عباس. قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد وهو يقول بيده: هكذا، وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض «من أنظر معسرا أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة-ثلاثا-ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله جوفه إيمانا» تفرد به أحمد.\nطريق آخر قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحديبية من ديار ربيعة، حدثنا الحسن بن علي الصدائي، حدثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «من أنظر معسرا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته».\nثم قال تعالى يعظ عباده، ويذكرهم زوال الدنيا، وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة، والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾\n_________\n(^١) الجفر: الصبي انتفخ لحمه وصار له كرش.\n(^٢) المسند (ج ١ ص ٣٢٧)","vol":"1","page":557},{"text":"، وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم، فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، رواه ابن أبي حاتم، وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي عن حبيب ابن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وقد رواه النسائي من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، وكذا رواه الضحاك والعوفي عن ابن عباس، وروى الثوري عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النبي ﷺ واحد وثلاثون يوما، وقال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال وبدء يوم السبت ومات يوم الإثنين، رواه ابن جرير، ورواه ابن عطية عن أبي سعيد، قال آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-236>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾\nهذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال حدثني سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قال لما نزلت آية الدين: قال رسول الله ﷺ «إن أول من جحد آدم ﵇، إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٢٥١ - ٢٥٢)","vol":"1","page":558},{"text":"ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلا يزهر (^١)، فقال: أي رب من هذا؟ قال: هو ابنك داود، قال: أي رب، كم عمره، قال ستون عاما، قال: رب زد في عمره، قال: لا إلا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عاما، فكتب عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة، قال: إنه بقي من عمري أربعون عاما، فقيل له: إنك وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت، فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة». وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، فذكره وزاد فيه «فأتمها الله لداود مائة وأتمها لآدم ألف سنة». وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يوسف بن أبي حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة: هذا حديث غريب جدا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي وثاب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية أبي داود بن أبي هند، عن الشعبي عن أبي هريرة، ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ومن حديث تمام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره بنحوه.\nفقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: ﴿ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا﴾ وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم (^٢) إلى أجل غير معلوم، وقال قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، رواه البخاري، وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (^٣).\nوقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلا، لأن كتاب الله\n_________\n(^١) يزهر: يضيء.\n(^٢) السّلم: بيع شيء موصوف في الذمة بثمن عاجل.\n(^٣) أخرجه البخاري (سلم باب ١، ٧٢) ومسلم) مساقاة حديث ١٢٨ وأبو داود (بيوع باب ٥٥) والترمذي (بيوع باب ٦٨). والنسائي (بيوع باب ٦٣) وابن ماجة (تجارات باب ٥٩)","vol":"1","page":559},{"text":"قد سهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضا محفوظة عن رسول الله ﷺ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم، قال ابن جريج: من ادّان فليكتب، ومن ابتاع فليشهد.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلا صحب كعبا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد عصى ربه، وقال أبو سعيد والشعبي والربيع بن أنس والحسن وابن جريج وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبا، ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والدليل على ذلك أيضا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررا في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، أنه ذكر أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدا، قال ائتني بكفيل قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجج (^٢) موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بذلك؛ وسألني شهيدا، فرضي بذلك؛ وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبا وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار وقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بإلفك راشدا، وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحة معلقا بصيغة الجزم، فقال وقال الليث بن سعيد فذكره، ويقال إنه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه.\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ٤٨)\n(^٢) زجج موضعها: سوى موضع النقر وأصلحه.","vol":"1","page":560},{"text":"وقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث «إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق» وفي الحديث الآخر «من كتم علما يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» وقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب، وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ أي وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي لا يكتم منه شيئا ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ محجورا عليه بتبذير ونحوه ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي صغيرا، أو مجنونا ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.\nوقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال، وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقالت امرأة منهن جزلة (^١): وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال «أما نقصان عقلها، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين».\nوقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة على أن يكون الشاهد عدلا مرضيا. وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما﴾ يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ أي يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد، وبهذا قرأ آخرون فتذكر بالتشديد من التذكار، ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر فقد أبعد. والصحيح الأول، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس، وهذا كقوله: ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن هاهنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية، وقيل مذهب الجمهور، والمراد بقوله:\n_________\n(^١) المرأة الجزلة: القوية التامة الخلق.","vol":"1","page":561},{"text":"﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة قوله الشهداء، والشاهد حقيقة فيمن تحمل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم، وقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب، وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ، قال «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» فأما الحديث الآخر في الصحيحين «ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا» وكذا قوله:\n«ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم» وفي رواية «ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون» وهؤلاء شهود الزور، وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري أنها تعم الحالين التحمل، والأداء.\nوقوله: ﴿وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ﴾ هذا من تمام الإرشاد وهو الأمر بكتابة الحق صغيرا كان أو كبيرا، فقال: ولا تسأموا أي لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله، وقوله: ﴿ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا﴾ أي هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلا هو أقسط عند الله، أي أعدل وأقوم للشهادة، أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبا ﴿وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا﴾ وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.\nوقوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها﴾ أي إذا كان البيع بالحاضر يدا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.\nفأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ يعني أشهدوا على حقكم إذا كان في أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشهدوا على حقكم على كل حال، قال وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك، وقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ. أن النبي ﷺ، ابتاع فرسا من أعرابي،\n_________\n(^١) المسند (ج ٥ ص ٢١٣)","vol":"1","page":562},{"text":"فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ، فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: أوليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ «بل قد ابتعته منك» فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ، والأعرابي، وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقا حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيدا يشهد أني بايعتك، قال خزيمة:\nأنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال «بم تشهد»؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله ﷺ فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين، وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي، وكلاهما عن الزهري به نحوه، ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ، قال «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلا مالا فلم يشهد» ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين».\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ قيل: معناه لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد، فيكتب هذا خلاف ما يملي، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: معناه لا يضربهما، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين يعني ابن حفص، حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زيادة، عن مقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة، فيقول إنكما قد أمرتما أن تجيبا، فليس له أن يضارهما، قال: وروي عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك، وقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه، وقوله ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ كقوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ وكقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وقوله: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء بل علمه محيط بجميع","vol":"1","page":563},{"text":"الكائنات.\n\n<span data-type='title' id=toc-237>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣]</span>\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أي مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾ يكتب لكم، قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا قرطاسا أو دواة أو قلما، فرهان مقبوضة، أي فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة أي في يد صاحب الحق، وقد استدل بقوله:\n﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي والجمهور، واستدل بها آخرون على أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إليه طائفة، واستدل آخرون من السلف بهذه الآية، على أنه لا يكون الرهن مشروعا إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره، وقد ثبت في الصحيحين (^١) عن أنس أن رسول الله ﷺ، توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير رهنها قوتا لأهله، وفي رواية: من يهود المدينة. وفي رواية الشافعي عند أبي الشحم اليهودي، وتقرير هذه المسائل في كتاب الأحكام الكبير، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان.\nوقوله ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسخت ما قبلها. وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا: وقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ يعني المؤتمن كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ، قال «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».\nقوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أي لا تخفوها وتغلوها، ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره:\nشهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها كذلك، ولهذا قال ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قال السدي: يعني فاجر قلبه، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة ١٠٦] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] وهكذا قال هاهنا ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جهاد باب ٨٩، ومغازي باب ٨٦) والترمذي (بيوع باب ٧) والنسائي (بيوع باب ٥٨) وابن ماجة (رهون باب ١)","vol":"1","page":564},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]</span>\n﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾\nيخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] وقال ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧] والآيات في ذلك كثيرة جدا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن يعني العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير» فلما أقر بها القوم وزلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ إلى آخره. ورواه مسلم منفردا به من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر مثله ولفظه، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال:\nنعم.\n_________\n(^١) المسند (ج ٢ ص ٤١٢)","vol":"1","page":565},{"text":"حديث ابن عباس في ذلك: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال:\nفقال رسول الله ﷺ «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إلى قوله ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شبية وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع به، وزاد ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت.\nطريق أخرى عن ابن عباس. قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس:\nإن هذه الآية حين أنزلت، غمت أصحاب رسول الله ﷺ غما شديدا وغاظتهم غيظا شديدا، وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «قولوا سمعنا وأطعنا» فقالوا سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ إلى ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال.\nطريق أخرى عنه (^٣). قال ابن جرير (^٤): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث: أنه بينما هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ الآية، فقال: والله لئن وأخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها، فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها،\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ٢٣٣) وصحيح مسلم (إيمان حديث ١٩٩، ٢٠٠)\n(^٢) المسند (ج ١ ص ٣٣٢)\n(^٣) أي عن ابن عباس.\n(^٤) تفسير الطبري ٣/ ١٤٤.","vol":"1","page":566},{"text":"وصار الأمر إلى أن قضى الله ﷿ أن للنفس ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.\nطريق أخرى قال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس قال البخاري (^٢): حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال:\nنسختها الآية التي بعدها، وهكذا روي عن عليّ وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة، أنها منسوخة بالتي بعدها، وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة، قال:\nقال رسول الله ﷺ «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل».\nوفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «قال الله: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا» لفظ مسلم وهو في إفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، قال «قال الله:\nإذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة». وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ، قال «قال الله: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها». وقال رسول الله ﷺ «قالت الملائكة: رب وذاك أن عبدك، يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جراي». وقال رسول الله ﷺ «إذا أحسن أحد إسلامه، فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿» تفرد به مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ، وبعضه في صحيح البخاري.\nوقال مسلم (^٣) أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٤٥.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة باب ٢٢)\n(^٣) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٠٦)","vol":"1","page":567},{"text":"عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له، وإن عملها كتبت» تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب. وقال مسلم (^١) أيضا: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث عن الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى، قال «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن همّ بها فعملها، كتبها الله عنده سيئة واحدة» ثم رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الرزاق (^٢). زاد «ومحاها الله ولا يهلك على الله إلا هالك» وفي حديث سهيل (^٣) عن أبيه، عن أبي هريرة، قال:\nجاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال «ذاك صريح الإيمان» لفظ مسلم، وهو عند مسلم أيضا من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ به، وروى مسلم أيضا من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال «تلك صريح الإيمان».\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ وهو قوله ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبا من هذا.\nوروى ابن جرير عن مجاهد والضحاك نحوه، وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة لم تنسخ، واختار ابن جرير ذلك واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلا: حدثنا (^٤) ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد وهشام (ح) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٠٧)\n(^٢) في صحيح مسلم: «بمعنى حديث عبد الوارث» وهو الصواب.\n(^٣) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٠٩)\n(^٤) تفسير الطبري ٣/ ١٥٠. المسند (ج ٤ ص ١١٨)","vol":"1","page":568},{"text":"حدثنا ابن هشام، قالا جميعا في حديثهما عن قتادة عن صفوان بن محرز، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «يدنو المؤمن من ربه ﷿ حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب اغفر، مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبيه، قال: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقالت: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمى والنكبة، والبضاعة يضعها في يد كمه فيفقدها، فيفزع لها ثم يجدها في ضبنته حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر، وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه. (قلت) وشيخه علي بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-239>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٥ إلى ٢٨٦]</span>\n﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-240>ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما</span>\nالحديث الأول-قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا شعبة عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال «من قرأ الآيتين» وحدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال:\nقال رسول الله ﷺ «من قرأ بالآيتين-من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» وقد أخرجه بقية الجماعة عن طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله وهو في الصحيحين من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن عنه به، وهو في الصحيحين أيضا عن عبد الرحمن، عن","vol":"1","page":569},{"text":"علقمة، عن ابن مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به، وهكذا رواه أحمد بن حنبل (^١)، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه».\nالحديث الثاني-قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» قد رواه ابن مردويه من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش».\nالحديث الثالث-قال مسلم (^٣): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير وزهير بن حرب، جميعا عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك ابن مغول عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مرة، عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله ﷺ، انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط له من فوقها فيقبض منها، قال ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قال: فراش من ذهب، قال: أعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات (^٤).\nالحديث الرابع قال أحمد (^٥) حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي حدثنا سلمة بن الفضل حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ «اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش» هذا إسناد حسن ولم يخرجوه في كتبهم.\nالحديث الخامس-قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، أخبرنا مروان، أنبأنا ابن عوانة عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «فضلنا على الناس بثلاث أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يعطها أحد قبلي، ولا يعطاها أحد بعدي» ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند\n_________\n(^١) المسند (ج ٥ ص ١١٨)\n(^٢) المسند (ج ٥ ص ١٥١)\n(^٣) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢١٠)\n(^٤) المقحمات: الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار.\n(^٥) المسند (ج ٤ ص ١٤٧)","vol":"1","page":570},{"text":"عن ربعي عن حذيفة بنحوه.\nالحديث السادس-قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن بزيع، أخبرنا جعفر بن عون عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: لا أرى أحدا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيكم ﷺ من تحت العرش، ورواه وكيع في تفسيره عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو المخارقي، عن علي، قال: ما أرى أحدا يعقل، بلغه الإسلام، ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش.\nالحديث السابع-قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بندار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ، قال: «٧ ن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأ بهن في دار ثلاث ليال فيقر بها شيطان» ثم قال: هذا حديث غريب، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nالحديث الثامن قال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا ابن مريم، حدثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ سورة البقرة وآية الكرسي ضحك وقال:\n«إنهما من كنز الرحمن تحت العرش» وإذا قرأ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ استرجع واستكان.\nالحديث التاسع قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة».\nالحديث العاشر-قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته. رواه مسلم والنسائي وهذا لفظه.\nفقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إخبار عن النبي ﷺ بذلك، قال ابن","vol":"1","page":571},{"text":"جرير (^١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ، قال لما نزلت عليه هذه الآية «ويحق له أن يؤمن» وقد روى الحاكم في مستدركه (^٢): حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال النبي ﷺ: «حق له أن يؤمن»، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوقوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع فقال ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله ﴿وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ سؤال للمغفرة والرحمة واللطف، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ قال: قد غفرت لكم ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع والمآب يوم الحساب. قال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن بيان، عن حكيم، بن جابر، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ إلى آخر هذه الآية، وقوله ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ أي لا يكلف أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ أي هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما مالا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ أي من خير ﴿وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي من شر وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٥٢.\n(^٢) انظر الدر المنثور ١/ ٦٦٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ١٥٤.","vol":"1","page":572},{"text":"ثم قال تعالى مرشدا عباده إلى سؤاله، وقد تكلف لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ أي إن تركنا فرضا على جهة النسيان، أو فعلنا حراما كذلك، أو أخطأنا أي الصواب في العمل جهلا منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال «قال الله: نعم» ولحديث ابن عباس، قال الله «قد فعلت».\nوروى ابن ماجة (^١) في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء؛ قال ابن ماجة في روايته عن ابن عباس، وقال الطبراني وابن حبان، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد روي من طريق آخر وأعله أحمد وأبو حاتم، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أم الدرداء، عن النبي ﷺ، قال «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان، والاستكراه» قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآنا ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾.\nوقوله ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدا ﷺ، نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال «قال الله: نعم» وعن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ، قال «قال الله قد فعلت». وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة».\nوقوله ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أي من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما لا قبل لنا به، وقد قال مكحول في قوله ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قال: الغربة والغلمة، [والإنعاظ] (^٢) رواه ابن أبي حاتم، قال الله: نعم، وفي الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت.\nوقوله ﴿وَاعْفُ عَنّا﴾ أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ﴿وَاغْفِرْ لَنا﴾ أي فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿وَارْحَمْنا﴾ أي فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفوالله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في الحديث أن الله قال: نعم، وفي الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت.\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة (طلاق باب ١٦)\n(^٢) الزيادة من الدر المنثور (١/ ٦٦٧) من إخراج ابن أبي حاتم عن مكحول.","vol":"1","page":573},{"text":"وقوله ﴿أَنْتَ مَوْلانا﴾ أي أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس، قال الله: قد فعلت. وقال ابن جرير (^١): حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق أن معاذا ﵁، كان إذا فرغ من هذه السورة ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال: آمين. ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين (^٢).\n\nتم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني وأوله: «تفسير سورة آل عمران»\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٦١.\n(^٢) قال في الدر المنثور (١/ ٦٦٨): وأخرجه أبو عبيد وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن معاذ بن جبل.","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>سورة آل عمران</span>\nهي مدنية، لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها، إن شاء الله تعالى، وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة أول البقرة.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-242>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ (٤)﴾\nقد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ عند تفسير آية الكرسي وقد تقدم الكلام على قوله ﴿الم﴾ في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته، وتقدم الكلام على قوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في تفسير آية الكرسي.\nوقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها، لأنه طابق ما أخبرت به، وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ أي على موسى بن عمران، ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي على عيسى ابن مريم ﵉، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ أي في زمانهما. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.\nوقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان-هاهنا-القرآن. واختار ابن جرير (^١) أنه مصدر هاهنا لتقدم ذكر القرآن في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ وهو القرآن. وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح، أن المراد بالفرقان هاهنا التوراة، فضعيف أيضا لتقدم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٦٨.","vol":"2","page":3},{"text":"ذكر التوراة، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي يوم القيامة، ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ أي منيع الجناب عظيم السلطان، ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ أي ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.\n\n<span data-type='title' id=toc-243>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥ إلى ٦]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾\nيخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي هو الذي خلق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر، لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى، عليهم لعائن الله، وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال؟ كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-244>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)﴾\nيخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات، هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذا قال تعالى ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾ أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.\nوقد اختلفوا في المحكم والمتشابه فروي عن السلف عبارات كثيرة فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به وعن ابن عباس (^١) أيضا أنه قال المحكمات قوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ١٧٢.","vol":"2","page":4},{"text":"تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيات (^١) بعدها. وقوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها ورواه ابن أبي حاتم وحكاه عن سعيد بن جبير به قال: حدثنا أبي حدّثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية وهي ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ فقال أبو فاختة: فواتح السور، وقال يحيى بن يعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام.\nوقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: هنّ أمّ الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب، وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ.\nوقيل في المتشابهات: المنسوخة والمقدم منه والمؤخر والأمثال فيه والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل هي الحروف المقطعة في أوائل السور قاله مقاتل بن حيان، وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضها بعضا وهذا إنما هو في تفسير قوله ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد والمثاني هو الكلام في شيئين متقالين كصفة الجنة وصفة النار وذكر حال الأبرار وحال الفجار ونحو ذلك. وأما هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار ﵀ حيث قال منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم الباطل ليس لهن تصريف عما وضعن عليه، قال: والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق.\nولهذا قال تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى: ﴿اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.\n_________\n(^١) المراد الآيات ١٥٢ و١٥٢ و١٥٣ من سورة الأنعام كما جاء في تفسير الطبري.","vol":"2","page":5},{"text":"وقوله تعالى ﴿وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي تحريفه على ما يريدون وقال مقاتل بن حيان والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن. وقد قال الإمام أحمد (^١) حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ إلى قوله ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ فقال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» هكذا وقع الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ ليس بينهما أحد. وهكذا رواه ابن ماجة (^٢) من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب به. ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب به وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وكذا رواه غير واحد عن أيوب وقد رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به، ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي ولقبه عارم: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به وتابع أيوب أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة. فرواه الترمذي عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخراز، فذكره وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى الأبح، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة، فذكره.\nوقد روى هذا الحديث البخاري (^٣) عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر (^٤) من صحيحه، وأبو داود في السنة (^٥) من سننه، ثلاثتهم عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ، هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ إلى قوله:\n﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» لفظ البخاري. وكذا رواه الترمذي أيضا، عن بندار عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم به؛ وقال: حسن صحيح؛ وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة عن عائشة،\n_________\n(^١) المسند ج ٦ ص ٤٨.\n(^٢) سنن ابن ماجة (مقدمة باب ٧)\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة ٣ باب ١)\n(^٤) هو في صحيح مسلم في أول كتاب العلم الذي يلي كتاب القدر، حديث رقم ١.\n(^٥) سنن أبي داود (سنّة باب ٢)","vol":"2","page":6},{"text":"ولم يذكر القاسم؛ كذا قال.\nوقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: سئل رسول الله ﷺ، عن قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾؛ فقال رسول الله ﷺ، «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم».\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: نزع رسول الله ﷺ بهذه الآية: ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾، فقال رسول الله ﷺ «قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم» ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ قال «هم الخوارج». وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال «هم الخوارج» وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعا فذكره.\nوهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجأوه بهذه المقالة، فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة-بقر الله خاصرته-: اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله ﷺ «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني». فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب، وفي رواية: خالد بن الوليد، رسول الله في قتله، فقال «دعه فانه يخرج من ضئضئ هذا، أي من جنسه، قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم» ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب ﵁ وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب، وقبائل وآراء، وأهواء، ومقالات، ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٧٩.\n(^٢) المسند ج ٥ ص ٢٦٢.","vol":"2","page":7},{"text":"واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي»، أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.\nوقال الحافظ أبو يعلي: حدثنا أبو موسى حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن بن جندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة، أو سمعه منه، يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر «إن في أمتي قوما يقرءون القرآن، ينثرونه نثر الدقل (^١) يتأولونه على غير تأويله» لم يخرجوه.\nوقوله تعالى ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل: على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس ﵁ أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله، ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم. وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ الآية، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه» غريب جدا. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله ﷺ، قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به» وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون آمنا به، وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله، وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: «إن تأويله إلا عند الله الراسخون في العلم يقولون آمنا به»، وكذا عن أبي بن كعب، واختار ابن جرير هذا القول (^٢).\nومنهم من يقف على قوله: ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد:\nوالراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس.\n_________\n(^١) الدقل: رديء التمر ويابسه.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٣/ ١٨٤.","vol":"2","page":8},{"text":"وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد ﴿إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾، ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضا، فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس، فقال «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».\nومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق، ويراد به في القرآن معنيان:\nأحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله ﷿، ويكون قوله ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا يكون قوله:\n﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ حالا منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] أي وجاءت الملائكة صفوفا صفوفا.\nوقوله إخبارا عنهم ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾، أي المتشابه، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ أي الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد، لقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض الرقي، حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ أنسا وأبا أمامة وأبا الدرداء ﵃ قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ، سئل عن الراسخين في العلم، فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعفّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم».","vol":"2","page":9},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: سمع رسول الله ﷺ قوما يتدارءون، فقال «إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» وتقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب به.\nوقد قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال «نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر-قالها ثلاثا-ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ﷻ» وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي «لا أعلمه إلا عن أبي هريرة».\nوقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم.\nثم قال تعالى مخبرا أنهم دعوا ربهم قائلين ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾، أي لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم، ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانا وإيقانا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، وقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، قالا جميعا: حدثنا وكيع عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان يقول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ثم قرأ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾، ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن بكار، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعها تحدث: إن رسول الله ﷺ، كان يكثر من دعائه «اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب؟ قال: «نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين إصبعين من أصابع الله ﷿، فإن شاء أقامه،\n_________\n(^١) المسند ج ٢ ص ١٨٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ١٨٧.","vol":"2","page":10},{"text":"وإن شاء أزاغه» فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.\nوهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، رواه أيضا عن المثنى عن الحجاج بن منهال عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، وزاد: «قلت يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: «بلى، قولي اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن» (^١).\nثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير عن قتادة، عن حسان الأعرج، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يدعو «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال «ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾» غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة.\nوقد رواه أبو داود (^٢) والنسائي وابن مردويه من حديث أبي عبد الرحمن المقري، زاد النسائي وابن حبان وعبد الله بن وهب كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب: حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ، كان إذا استقيظ من الليل قال «لا إله إلا أنت، سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» لفظ ابن مردويه.\nوقال عبد الرزاق عن مالك عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسى أنه أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق ﵁ المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ الآية. قال أبو عبيد:\nوأخبرني عبادة بن نسى أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؟ قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه وإن كنت قبل ذلك لعلى غير\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٨٨.\n(^٢) سنن أبي داود (أدب باب ٩٩)","vol":"2","page":11},{"text":"ذلك، فقال له رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك، قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد به، وروى هذا الأثر الوليد أيضا عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن الصنابحي، أنه صلى خلف أبي بكر المغرب، فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة يجهر بالقراءة، فلما قام إلى الثالثة، ابتدأ القراءة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ الآية.\nوقوله ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] أي يقولون في دعائهم:\nإنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)﴾\nيخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] وقال تعالى:\n﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧]، وقال هاهنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بآيات الله، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ أي حطبها الذي تسجر (^١) به، وتوقد به، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد عن هند بنت الحارث، عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس، قالت: بينما نحن بمكة، قام رسول الله ﷺ من الليل فنادى «هل بلغت اللهم، هل بلغت» ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: نعم، ثم أصبح فقال رسول الله ﷺ «ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، ولتخوضنّ البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرءونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟» قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال «أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار» وكذا رأيته بهذا اللفظ.\nوقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث امرأة\n_________\n(^١) سجر التنور: ملأه وقودا وأحماه.","vol":"2","page":12},{"text":"عبد الله بن شداد، عن أم الفضل، أن رسول الله ﷺ قام ليلة بمكة، فقال «هل بلغت» يقولها ثلاثا؛ فقام عمر بن الخطاب وكان أوّاها (^١)، فقال: اللهم نعم، وحرصت، وجهدت، ونصحت، فاصبر؛ فقال النبي ﷺ «ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرءون القرآن، فيقرءونه ويعلمونه، فيقولون:\nقد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير» قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: «أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار» ثم رواه من طريق موسى بن عبيد، عن محمد بن إبراهيم عن بنت الهاد عن العباس بن عبد المطلب بنحوه.\nوقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة، والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر، هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس: [الطويل] وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم … يقولون لا تأسف أسى وتجمّل\nكدأبك من أم الحويرث قبلها … وجارتها أم الرباب بمأسل (^٢)\nوالمعنى كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها، والمعنى في الآية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاءوا به من آيات الله وحججه، ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء، وذلّ له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-246>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]</span>\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد للكافرين ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي في الدنيا، ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي يوم القيامة ﴿إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال «يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا».\n_________\n(^١) الأوّاه: الكثير الدعاء، والرحيم الرقيق القلب. ومنه الآية: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ.\n(^٢) ديوان امرئ القيس ص ٩. ورواية الديوان «لا تهلك» في موضع «لا تأسف» و«كدينك» في موضع «كدأبك». والدين والدأب بمعنى. ومأسل: اسم موضع.","vol":"2","page":13},{"text":"فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك قوله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ -إلى قوله- ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ وقد رواه محمد بن إسحاق أيضا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيها اليهود القائلون ما قلتم ﴿آيَةٌ﴾، أي دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي طائفتين ﴿اِلْتَقَتا﴾ أي للقتال ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش يوم بدر، وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير (^١): يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي جعل الله ذلك فيما رأوه سببا لنصرة الإسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذ قبل القتال يحزر (^٢) لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصون، وهكذا كان الأمر؛ كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.\nوالقول الثاني: أن المعنى في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي ضعيفهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف، كما رواه محمد بن إسحاق (^٣) عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله ﷺ، لما سأل ذلك العبد (^٤) الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال «كم ينحرون كل يوم»؟ قال: يوما تسعا ويوما عشرا، فقال النبي ﷺ «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف».\nوروى أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة، عن علي ﵁، قال: كانوا ألفا، وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول، والله أعلم، لكن وجه ابن جرير هذا وجعله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ١٩٤.\n(^٢) أي يقدّر عديدهم وعتادهم.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ١٩٦.\n(^٤) في الطبري أنهما كانا غلامين، أحدهما أسلم وهو غلام بني الحجاج، والثاني عريض أبو يسار غلام بني العاص.","vol":"2","page":14},{"text":"صحيحا كما تقول: عندي ألف، وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجا إلى ثلاثة آلاف، كذا قال، وعلى هذا فلا إشكال.\nلكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] فالجواب أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى، كما قال السدي عن الطيب عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا﴾ الآية، قال: هذا يوم بدر، قال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ الآية.\nوقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلا منهم، فقلنا، كم كنتم؟ قال: ألفا، فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي أكثر منهم بالضعف ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم ﷿، ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان، قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر.\n﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي ليفرق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وقال هاهنا ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي إن في ذلك لمعتبرا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-247>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤ إلى ١٥]</span>\n﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)﴾\nيخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء، لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ، قال «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (^١) فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (نكاح باب ١٧) وصحيح مسلم (ذكر حديث ٩٧ و٩٨)","vol":"2","page":15},{"text":"مرغوب فيه، مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، «وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء»، وقوله ﷺ «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» وقوله في الحديث الآخر «حبب إليّ النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (^١). وقالت عائشة ﵂: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من النساء إلا الخيل، وفي رواية من الخيل إلا النساء، وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد ﷺ ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (^٢) وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء، والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود شرعا.\nوقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنه المال الجزيل كما قاله الضحاك وغيره، وقيل: ألف دينار، وقيل: ألف ومائتا دينار وقيل اثنا عشر ألفا، وقيل:\nأربعون ألفا، وقيل: ستون ألفا، وقيل سبعون ألفا، وقيل: ثمانون ألفا، وقيل غير ذلك، وقد قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «القنطار اثنا عشر ألف أوقية، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض»، وقد رواه ابن ماجة (^٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة به، وقد رواه ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفا وهذا أصح، وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر، وحكاه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة وأبي الدرداء، أنهم قالوا:\nالقنطار ألف ومائتا أوقية، ثم قال ابن جرير (^٥) ﵀: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير، حدثنا شبابة، حدثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ «القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية». وهذا حديث منكر أيضا، والأقرب أن يكون موقوفا على أبي بن كعب كغيره من الصحابة وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن إبراهيم، عن موسى، عن أم\n_________\n(^١) مسند أحمد ج ٣ ص ١٢٨.\n(^٢) سنن أبي داود (نكاح باب ٣) وسنن النسائي (نكاح باب ١١) ومسند أحمد (ج ٣ ص ١٥٨ و٢٤٥)\n(^٣) المسند ج ٢ ص ٣٦٣.\n(^٤) سنن ابن ماجة (كتاب الأدب حديث رقم ٣٦٦٠)\n(^٥) تفسير الطبري ٣/ ١٩٩.","vol":"2","page":16},{"text":"الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف، أصبح له قنطار من أجر عند الله، القنطار منه مثل الحبل العظيم» ورواه وكيع عن موسى بن عبيدة بمعناه، وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي، حدثنا محمد بن عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حميد الطويل ورجل آخر، عن أنس بن مالك، قال:\nسئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى ﴿وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾؟ قال «القنطار ألفا أوقية» صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم.\nوقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، أنبأنا عمرو بن أبي سلمة، أنبأنا زهير يعني ابن محمد، أنبأنا حميد الطويل، ورجل آخر قد سماه يعني يزيد الرقاشي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ، في قوله «قنطار يعني ألف دينار» وهكذا رواه ابن مردويه والطبراني (^١) عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء.\nوروى ابن جرير عن الحسن البصري: عنه مرسلا وموقوفا عليه: القنطار ألف ومائتا دينار، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم (^٢) عن حماد عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك الثور ذهبا، قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي عن حماد بن زيد مرفوعا، والموقوف أصح.\nوحب الخيل على ثلاثة أقسام تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون، وتارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر وتارة للتعفف واقتناء نسلها، ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر كما سيأتي الحديث بذلك إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وأما المسومة، فعن ابن عباس ﵄: المسومة الراعية، والمطهمة الحسان، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان وغيرهم، وقال مكحول: المسومة الغرة والتحجيل وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الحميد بن\n_________\n(^١) المعجم الصغير ١/ ٢١٢.\n(^٢) هو محمد بن الفضل السدوسي البصري المتوفى سنة ٢٢٣ هـ. انظر موسوعة رجال الكتب التسعة ٣/ ٤٤٥.\n(^٣) مسند أحمد (ج ٥ ص ١٧٠)","vol":"2","page":17},{"text":"جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج، عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه، أو أحب أهله وماله إليه».\nوقوله تعالى ﴿وَالْأَنْعامِ﴾ يعني الإبل والبقر والغنم، ﴿وَالْحَرْثِ﴾ يعني الأرض المتخذة للغراس والزراعة، وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي ﵌، قال «خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» المأمورة: الكثيرة النسل، والسكة:\nالنخل المصطف، والمأبورة: الملقحة.\nثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي حسن المرجع والثواب.\nوقد قال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد. قال: قال عمر بن الخطاب لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، ولهذا قال تعالى:\n﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ أي قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة، ثم أخبر عن ذلك فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا، ﴿وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾ أي يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبدا، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ١٠٩] أي أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-248>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦ إلى ١٧]</span>\n﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ (١٦) الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)﴾\nيصف ﵎ عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى:\n_________\n(^١) المسند (ج ٣ ص ٤٦٨)\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ١٩٨.","vol":"2","page":18},{"text":"﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا﴾ أي بك وبكتابك وبرسولك، ﴿فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك، ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿الصّابِرِينَ﴾ أي في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، ﴿وَالصّادِقِينَ﴾ فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة، ﴿وَالْقانِتِينَ﴾ والقنوت الطاعة والخضوع ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أي من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات (^١)، ومواساة ذوي الحاجات ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ دلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب ﵇، لما قال لبنيه ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، إنه أخرهم إلى وقت السحر وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة، إن رسول الله ﷺ، قال «ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ (^٢)» الحديث، وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءا على حدة، فرواه من طرق متعددة، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر» (^٣)، وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه، قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب، أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود ﵁. وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨ إلى ٢٠]</span>\n﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)﴾\n_________\n(^١) الخلة: الحاجة والفقر.\n(^٢) صحيح البخاري (تهجد باب ١٤) وصحيح مسلم (مسافرين حديث ١٦٨ - ١٧٠) وسنن أبي داود (سنة باب ١٩) وسنن الترمذي (صلاة باب ٢١١ ودعوات باب ٧٨) وسنن ابن ماجة (إقامة باب ١٨٢)\n(^٣) صحيح البخاري (وتر باب ٢) وصحيح مسلم (مسافرين حديث ١٣٦ - ١٣٨)\n(^٤) تفسير الطبري ٣/ ٢٠٨.","vol":"2","page":19},{"text":"شهد تعالى وكفى به شهيدا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه، كما قال تعالى: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦]، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام ﴿قائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تأكيد لما سبق، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب.\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده عن الزبير، قال سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: «وأنا أشهد أي رب».\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي، قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال:\nأتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر (^٢) قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، واستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ قالها مرارا، قلت: لقد سمع فيها شيئا فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله ﷿: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة».\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد\n_________\n(^١) المسند (ج ١ ص ١٦٦)\n(^٢) أي أردت مغادرة المكان.","vol":"2","page":20},{"text":"سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد ﷺ الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ، فمن لقي الله بعد بعثة محمد ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾.\nوذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ «شهد الله إنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم أن الدين عند الله الإسلام»، بكسر (^١) إنه، وفتح أن الدين عند الله الإسلام، أي شهد هو والملائكة وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام، والجمهور قرءوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم.\nثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول، إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتاب عليهم، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ أي من جحد ما أنزل الله في كتابه ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه.\nثم قال تعالى ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي على ديني يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله محمد ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به، الكتابيين من المليين والأميين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ أي والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وما ذلك إلا لحكمته ورحمته وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٢٠٩.","vol":"2","page":21},{"text":"﴿الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه ﷺ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك، وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة:\nيهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» رواه مسلم (^١) وقال ﷺ «بعثت إلى الأحمر والأسود»، وقال «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس ﵁: أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي ﷺ «يا فلان قل لا إله إلا الله» فنظر إلى أبيه فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فخرج النبي ﷺ وهو يقول «الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» رواه البخاري في الصحيح، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-250>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)﴾\nهذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب بما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله، قديما وحديثا، التي بلغتهم إياها الرسل استكبارا عليهم، وعنادا لهم، وتعاظما على الحق، واستنكافا على اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ﷺ «الكبر بطر الحق وغمط الناس».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري، حدثنا محمد بن حمزة، حدثنا أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن أبي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال «رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ﴾\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٤٠)\n(^٢) المسند (ج ٣ ص ١٧٥)","vol":"2","page":22},{"text":"﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية، ثم قال رسول الله ﷺ «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون (^١) رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله ﷿» وهكذا رواه ابن جرير (^٢) عن أبي عبيد الوصابي محمد بن حفص، عن ابن حمير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول به، وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره، رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي موجع مهين ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-251>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى منكرا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل: وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أي إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة في الدنيا يوما وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم واختلقوه ولم ينزل الله به سلطانا، قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه، والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم وحاكم عليه ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى:\n﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في وقوعه وكونه، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في الطبري: «فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا …».\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٢١٦.","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)﴾\nيقول ﵎: ﴿قُلِ﴾ يا محمد معظما لربك وشاكرا له ومفوضا إليه ومتوكلا عليه ﴿اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي لك الملك كله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ أي أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن. وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ وهذه الأمة، لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي، خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيا من الأنبياء، ولا رسولا من الرسل في العلم بالله وشريعته، واطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية، أي أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، قال الله ردا عليهم ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أي نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة، والحجة التامة في ذلك، وهكذا يعطي النبوة لمن يريد، كما قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١]، وقد روى الحافظ بن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو: بسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك.\nوملك ذي العرش دائم أبدا ليس بفان ولا بمشترك.\nوقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي تأخذ من طول هذه فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء، وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي تعطي من شئت","vol":"2","page":24},{"text":"من المال ما لا يعد ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل.\nقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد، حدثنا أبي عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال:\n«اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]</span>\n﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾\nنهى ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ومن يرتكب نهي الله في هذا، فقد بريء من الله، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ -إلى أن قال-: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال تعالى بعد ذكر موالاة المؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ أي إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: «إنا لنكشر (^١) في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم». وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقال البخاري: قال الحسن:\nالتقية إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي إليه المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن\n_________\n(^١) كشر هنا بمعنى تبسّم.","vol":"2","page":25},{"text":"سعيد، حدثنا مسلم بن خالد عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، قال: قام فينا معاذ بن جبل، فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الجنة أو إلى النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-254>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]</span>\n﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)﴾\nيخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والأزمان والأيام واللحظات وجميع الأوقات، وجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي وقدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ الآية، يعني يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير ومن شر، كما قال تعالى ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فما رأى من أعماله حسنا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه وود لو أنه تبرأ منه وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقرونا به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]، ثم قال تعالى مؤكدا ومهددا ومتوعدا ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي يخوفكم عقابه، ثم قال ﷻ مرجيا لعباده لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره: أي رحيم بخلقه يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم وأن يتبعوا رسوله الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-255>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]</span>\n﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)﴾\nهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ، أنه قال «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^١) ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي يحصل لكم\n_________\n(^١) صحيح البخاري اعتصام باب ٢٠؛ وبيوع باب ٦٠؛ وصلح باب ٥ وصحيح مسلم (أقضية حديث ١٧ و١٨)","vol":"2","page":26},{"text":"فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تحبّ إنما الشأن أن تحبّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف:\nزعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ «وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث.\nثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي باتباعكم الرسول ﷺ، يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته، ثم قال تعالى آمرا لكل أحد من خاص وعام ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي خالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-256>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾\nيخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم ﵇ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، واصطفى نوحا ﵇ وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ، وآل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى ابن مريم ﵇. قال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يويم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رحيعم بن سليمان بن داود ﵉ (^١)، فعيسى ﵇ من ذرية إبراهيم كما سيأتي\n_________\n(^١) ورد نسب عمران في تفسير الطبري (٦/ ٣٢٩ - طبعة دار المعارف بمصر) على النحو التالي محققا: عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهفاشاط بن أسابر بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود بن إيشا. والطبري يذكر هنا رواية ابن إسحاق.","vol":"2","page":27},{"text":"بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-257>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]</span>\n﴿إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾\nامرأة عمران هذه هي أم مريم ﵍، وهي حنة بنت فاقوذ قال محمد بن إسحاق:\nوكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل، نذرت أن يكون محررا أي خالصا مفرغا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لدعائي العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها: أذكرا أم أنثى؟ ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ قرئ برفع التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقريء بتسكين التاء، على أنه من قول الله ﷿، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم» أخرجاه، وكذلك ثبت فيهما: أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى رسول الله ﷺ فحنكه (^١) وسماه عبد الله، وفي صحيح البخاري: أن رجلا قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أسميه؟ قال «أسم ولدك عبد الرحمن»، وثبت في الصحيح أيضا: أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه، فرده إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله ﷺ في المجلس سماه المنذر.\nفأما حديث قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ، قال «كل غلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم السابع، ويسمى ويلحق رأسه» فقد رواه أحمد (^٢) وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، وروي: ويدمّى، وهو أثبت وأحفظ، والله أعلم. كذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب أن رسول الله ﷺ، عق (^٣) عن ولده إبراهيم وسماه\n_________\n(^١) حنّكه: مضغ تمرا ونحو وذلك به حنك الصبي.\n(^٢) المسند (ج ٥ ص ١٢)\n(^٣) عقّ عن ولده: ذبح ذبيحة يوم سبوعه عند حلق شعره. والعقيقة هي الذبيحة.","vol":"2","page":28},{"text":"إبراهيم، فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح، ولو صح لحمل على أنه أشتهر اسمه بذلك يومئذ، والله أعلم.\nوقوله إخبارا عن أم مريم أنها قالت ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أي عوذتها بالله ﷿ من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى ﵇، فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله «ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مسه إياه، إلا مريم وابنها» ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾، أخرجاه من حديث عبد الرزاق.\nورواه ابن جرير (^١) عن أحمد بن الفرج، عن بقية، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، وروى (^٢) من حديث قيس، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه ابن وهب أيضا، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعلّ، عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن بالحجاب» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-258>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]</span>\n﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)﴾\nيخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه ﴿أَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾، أي جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين، فلهذا قال ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وفي قراءة: ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية، أي جعله كافلا لها. قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة.\nوذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك، ولا منافاة بين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٢٤٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٢٣٩.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٣/ ٢٣٨ - ٢٤٠.","vol":"2","page":29},{"text":"القولين؛ والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما، وقيل:\nزوج أختها، كما ورد في الصحيح «فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة» وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا توسعا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال «الخالة بمنزلة الأم» (^١).\nثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ أي علما، أو قال: صحفا فيها علم، رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح وفيه دلالة على كرامات الأولياء.\nوفي السنة لهذا نظائر كثيرة، فإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا﴾ أي يقول من أين لك هذا؟ ﴿قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله ﷺ، أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة فقال «يا بنية هل عندك شيء آكله، فإني جائع؟» قالت: لا والله-بأبي أنت وأمي-، فلما خرج من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله ﷺ، فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال «هلمي يا بنية». قالت: فأتيته بالجفنة، فكشف عنها، فإذا هي مملوءة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصليت على نبيه وقدمته إلى رسول الله، فلما رآه حمد الله وقال «من أين لك هذا يا بنية»؟ قالت: يا أبت ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فحمد الله وقال «الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا وسئلت عنه، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» فبعث رسول الله ﷺ إلى علي، ثم أكل رسول الله ﷺ، وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته حتى شبعوا جميعا، قالت: وبقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على\n_________\n(^١) صحيح البخاري (صلح باب ٦؛ ومغازي باب ٤٣) وسنن أبي داود (طلاق باب ٣٥) وسنن الترمذي (برّ باب ٦)","vol":"2","page":30},{"text":"جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-259>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٨ إلى ٤١]</span>\n﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)﴾\nلما رأى زكريا ﵇ أن الله يرزق مريم ﵍ فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد وكان شيخا كبيرا قد وهن منه العظم واشتعل الرأس شيبا، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيا، وقال ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي ولدا صالحا ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾.\nقال تعالى: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ﴾ أي خاطبته الملائكة شفاها خطابا، أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ أي بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان.\nوقوله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾. روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الآية ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ أي بعيسى ابن مريم. وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم.\nوقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه. وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾، قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى تصديقه (^١) له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى ﵇، وهكذا قال السدي أيضا.\nقوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾ قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحكيم.\nقال قتادة: سيدا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحكيم التقي.\nقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة:\nهو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله ﷿.\nوقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير\n_________\n(^١) في الطبري «سجوده له في بطن أمه».","vol":"2","page":31},{"text":"وأبي الشعثاء وعطية العوفي، أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء. وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له أو قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء. وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثا غريبا جدا، فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عباد يعني ابن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن ابن العاص-لا يدري عبد الله أو عمرو-عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: ثم تناول شيئا من الأرض، فقال «كان ذكره مثل هذا» ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه سمع سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا. ثم قرأ سعيد ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ثم أخذ شيئا من الأرض، فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذا. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف إصبعه السبابة، فهذا موقوف أصح إسنادا من المرفوع بل وفي صحة المرفوع نظر والله أعلم.\nورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ «ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا، فإن الله يقول ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: «وإنما ذكره مثل هدبة الثوب» وأشار بأنملته، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا حجاج بن سليمان المقري عن الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين» ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض، فأخذها وقال: «وكان ذكره مثل هذه القذاة».\nوقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ﴿حَصُورًا﴾ ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوبا أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء ﵈، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها. وقيل مانعا نفسه من الشهوات. وقيل ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله ﷿ كيحيى ﵇، ثم هي في حق من قدر عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه درجة عليا، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من","vol":"2","page":32},{"text":"حظوظ دنيا غيره، فقال: «حبب إليّ من دنياكم» (^١) هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال:\nولدا له ذرية ونسل وعقب، والله ﷾ أعلم.\nوقوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، كقوله لأم موسى ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فلما تحقق زكريا ﵇ هذه البشارة، أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ﴾ أي الملك ﴿كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر، ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي علامة أستدل بها على وجود الولد مني ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ أي إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] ثم أمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾. وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-260>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]</span>\n﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾\nهذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم ﵍ عن أمر الله لهم بذلك، أن الله قد اصطفاها أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، واصطفاها ثانيا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين.\nقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله تعالى:\n﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناء على ولد في صغره، ورعاة على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط» ولم يخرجه من هذا الوجه سوى مسلم، فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به.\nوقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله\n_________\n(^١) «حبّب إليّ من الدنيا: النساء والطيب وجعل قرّة عيني في الصلاة» رواه أحمد في المسند (ج ٣ ص ١٢٨) والنسائي في سننه (عشرة النساء باب ١) من حديث أنس-مرفوعا.","vol":"2","page":33},{"text":"عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير نسائها (^١) مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله.\nوقال الترمذي: حدثنا أبو بكر بن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون» تفرد به الترمذي وصححه.\nقال عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ، قال «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية [بنت مزاحم] (^٢) امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله» رواه ابن مردويه، وروى ابن مردويه من طريق شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة، قال: سمعت مرة الهمداني، يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون» (^٤).\nوقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به، ولفظ البخاري «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم ﵇ في كتابنا البداية والنهاية، ولله الحمد والمنة.\nثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل، لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله وقضاه مما فيه محنة لها، ورفعة في الدارين بما أظهر الله فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولدا من غير أب، فقال تعالى:\n﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ، وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أما القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ، قال «كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة». ورواه ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن دراج به، وفيه\n_________\n(^١) أي نساء أهل الجنة، كما في الطبري ٣/ ٢٦٢.\n(^٢) الزيادة من الطبري.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٢٦٢.\n(^٤) تمام رواية الطبري: «… وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد».","vol":"2","page":34},{"text":"نكارة. وقال مجاهد: كانت مريم ﵍ تقوم حتى تتورم كعباها والقنوت هو طول الركود في الصلاة، يعني امتثالا لقول الله تعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال الحسن: يعني اعبدي لربك، ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أي كوني منهم وقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة، حتى نزل الماء الأصفر في قدميها ﵂ وأرضاها.\nوقد ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي، وفيه مقال (^١): حدثنا علي بن بحر بن بري، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، في قوله ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها.\nوذكر ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا ضمرة عن ابن شوذب، قال:\nكانت مريم ﵍ تغتسل في كل ليلة.\nثم قال تعالى لرسوله بعد ما أطلعه على جلية الأمر ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي نقصه عليك ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي ما كنت عندهم يا محمد فتخبرهم عنهم معاينة عما جرى بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر.\nقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، أنه أخبره عن عكرمة، وأبي بكر عن عكرمة، قال: ثم خرجت بها، يعني أم مريم بمريم، تحملها في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى ﵉، قال:\nوهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فإني حررتها، وهي أنثى، ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران يؤمهم في الصلاة، وصاحب قرباننا، فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم (^٢) زكريا فكفلها. وقد ذكر عكرمة أيضا والسدي وقتادة والربيع بن أنس وغير واحد، دخل حديث بعضهم في بعض، أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن، واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في جرية الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال إنه ذهب صاعدا يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين.\n_________\n(^١) المراد أن الكديمي هذا ضعيف. انظر موسوعة رجال الكتب التسعة ٣/ ٤٩١.\n(^٢) قرعهم: غلبهم بالقرعة. والأثر المروي عن ابن جرير هنا لم نقع عليه في تفسير الطبري.","vol":"2","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]</span>\n﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾\nهذه بشارة من الملائكة لمريم ﵍ بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير.\nقال الله تعالى: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له: كن فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كما ذكر الجمهور على ما سبق بيانه ﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي يكون مشهورا بهذا في الدنيا، ويعرفه المؤمنون بذلك وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح القدمين، لا أخمص (^١) لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدا من ذوي العاهات برئ، بإذن الله تعالى. وقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبة إلى أمه حيث لا أب له. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.\nوقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح.\nقال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى وصاحب جريج» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الصقر يحيى بن محمد بن قزعة، حدثنا الحسين يعني المروزي، حدثنا جرير يعني ابن حازم، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر» فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله ﷿، قالت في مناجاتها ﴿رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؟﴾ تقول: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغيا حاشا لله؟ فقال لها الملك عن الله ﷿ في جواب ذلك السؤال ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء، وصرح هاهنا بقوله: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ولم يقل: يفعل، كما في قصة زكريا، بل نص هاهنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله: ﴿إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي فلا يتأخر شيئا بل يوجد عقيب الأمر\n_________\n(^١) الأخمص: باطن القدم الذي يتجافى عن الأرض.","vol":"2","page":36},{"text":"بلا مهلة كقوله: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] أي إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح بالبصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٨ إلى ٥١]</span>\n﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى ﵇: إن الله يعلمه ﴿الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة، والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة، و﴿التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، فالتوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ابن مريم ﵉. وقد كان عيسى ﵇ يحفظ هذا وهذا، وقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي يجعله رسولا إلى بني إسرائيل، قائلا لهم ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ وكذلك كان يفعل، يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه فيطير عيانا بإذن الله ﷿، الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قيل: إنه الذي يبصر نهارا ولا يبصر ليلا، وقيل بالعكس. وقيل: الأعشى. وقيل الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى وهو أشبه، لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ معروف، ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ﴾.\nقال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى ﵇، فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد. وكذلك محمد ﷺ، بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبدا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب ﷿ لا يشبه كلام الخلق أبدا.","vol":"2","page":37},{"text":"وقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغد، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي في ذلك كله ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي على صدقي فيما جئتكم به ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أي مقررا لها ومثبتا ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه دلالة على أن عيسى ﵇ نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئا، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ، فكشف لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] والله أعلم. ثم قال ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-263>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]</span>\n﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى﴾ أي استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال، ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ قال مجاهد: أي من يتبعني إلى الله. وقال سفيان الثوري وغيره: أي من أنصاري مع الله، وقول مجاهد أقرب. والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر «من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي. فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» حتى وجد الأنصار، فآووه ونصروه وهاجر إليهم، فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر، ﵃ وأرضاهم. وهكذا عيسى ابن مريم ﵇ انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، ولهذا قال الله تعالى مخبرا عنهم ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ الحواريون قيل: كانوا قصارين، وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير ثم ندبهم، فانتدب الزبير ﵁، فقال النبي ﷺ: «لكل نبي حواري، وحواريي الزبير» (^١)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قال: مع أمة محمد ﷺ، وهذا إسناد جيد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جهاد باب ٤٠ و٤١ و١٣٥؛ وفضائل الصحابة باب ١٣) وصحيح مسلم (فضائل الصحابة حديث ٤٨)","vol":"2","page":38},{"text":"ثم قال تعالى مخبرا عن ملإ بني إسرائيل، فيما هموا به من الفتك بعيسى ﵇، وإرادته بالسوء والصلب حين تمالئوا عليه، ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرا، أن هنا رجلا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زنية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجاه الله تعالى من بينهم ورفعه من روزنة (^١) ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ملازما لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-264>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]</span>\n﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾\nاختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك، أي مميتك. وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه، قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات، ثم أحياه. وقال إسحاق بن بشر، عن إدريس عن وهب:\nأماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه. وقال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا-النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وقال تعالى ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢]، وكان رسول الله ﷺ، يقول إذا قام من النوم:\n«الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا» الحديث، وقال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا. وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ﴾\n_________\n(^١) الروزنة: فتحة في أعلى السقف.","vol":"2","page":39},{"text":"﴿الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٦ - ١٥٩] والضمير في قوله ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى ﵇، أي وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم، لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ يعني وفاة المنام، رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ لليهود «إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي برفعي إياك إلى السماء ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ وهكذا وقع فإن المسيح ﵇، لما رفعه الله إلى السماء، تفرقت أصحابه شيعا بعده، فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن ورد على كل فريق، فاستمروا على ذلك قريبا من ثلاثمائة سنة، ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين (^١)، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين، والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة (^٢) إليه، واتبعه الطائفة الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيدهم الله عليهم، لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارا عليهم لعائن الله، فلما بعث الله محمدا ﷺ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي العربي، خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مع ما قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمدا ﷺ من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة،\n_________\n(^١) هو قسطنطين الأول الكبير، ابن قسطانش الأول والقديسة هيلانة. توفي سنة ٣٣٧ م. وفي سنة ٣١٣ م أصدر منشور ميلان الذي أقر التسامح مع المسيحية. ومع أن قسطنطين استمر في اهتمامه بالمسيحية، فإنه لم يعمّد إلا وهو على فراش الموت.\n(^٢) سنة ٣٣٠ م أعاد بناء بيزنطة وجعلها عاصمة ملكه وسماها القسطنطينية وكرسها للعذراء.","vol":"2","page":40},{"text":"ولا يزال قائما منصورا ظاهرا على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واجتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا قيصر وسلبوهما كنوزهما، وأنفقت في سبيل الله كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم ﷿ في قوله:\n﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] الآية، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقا، سلبوا النصارى بلاد الشام وألجأوهم إلى الروم فلجأوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق الصدوق ﷺ أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدا، لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءا مفردا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ وكذلك فعل بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه أو أطراه من النصارى، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، وهو مما قاله تعالى وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ* ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٤ - ٣٥] وهاهنا قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-265>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٣]</span>\n﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾\nيقول جلا وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ﴾ في قدرة الله حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ حيث خلقه من غير أب ولا أم بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالذي خلق آدم من غير أب، قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء النبوة في","vol":"2","page":41},{"text":"عيسى لكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواه في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادا، ولكن الرب ﷻ أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أثنى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١] وقال هاهنا: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال. ثم قال تعالى آمرا رسوله ﷺ، أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي نحضرهم في حال المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ أي منا أو منكم.\nوكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردا عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيره. قال ابن إسحاق في سيرته (^١) المشهورة وغيره: قدم على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو (^٢) بكر بن وائل، وأويس بن الحارث، وزيد، وقيس، ويزيد ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنّس، وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم (^٣)، وكان رجلا من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول الله ﷺ وصفته وشأنه مما علمه من الكتب المتقدمة، ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها.\nقال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات (^٤) جبب وأردية في\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٣ وما بعدها.\n(^٢) في السيرة: «أحد بني بكر بن وائل. وهو أسقفّهم».\n(^٣) المدارس: الموضع يدرس فيه كتاب الله.\n(^٤) الحبرات: برود من برود اليمن. الواحدة: حبرة.","vol":"2","page":42},{"text":"جمال رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول من رآهم من أصحاب النبي ﷺ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم؛ وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ يصلّون، فقال رسول الله ﷺ «دعوهم» فصلوا إلى المشرق، قال: فكلم رسول الله ﷺ منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والسيد الأيهم وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وكذلك قول النصرانية.\nفهم يحتجون في قولهم هو الله، بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، وذلك كله بأمر الله. وليجعله الله آية للناس، ويحتجون على قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله (^١)، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم-تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا-ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله ﷺ «أسلما» قالا: قد أسلمنا، قال: «إنكما لم تسلما فأسلما». قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير». قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.\nثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها (^٢) إلى أن قال: فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، ثم انصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لا عن قوم نبيا قط، فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضا.\n_________\n(^١) عبارة السيرة: «وقد تكلم في المهد، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله» وهي أوضح.\n(^٢) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦ - ٥٨٣.","vol":"2","page":43},{"text":"قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله ﷺ «ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين» فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرا، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، سلم ثم نظر عن يمينه وشماله، فجعلت أتطاول له ليراني فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال «اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه». قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة ﵁.\nوقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج: أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ، فذكر نحوه، إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر، وذكر بقيته بأطول من هذا السياق، وزيادات أخر.\nوقال البخاري (^١): حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة ﵁، قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ، فقال «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» فلما قام، قال رسول الله ﷺ هذا أمين هذه الأمة» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة (^٢) من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة، عن حذيفة، بنحوه وقد رواه أحمد (^٣) والنسائي وابن ماجة من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن صلة، عن ابن مسعود بنحوه وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ، قال «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (^٤) وقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:\nقال أبو جهل قبحه الله: إن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته، قال:\nفقال «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا»، وقد رواه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (آحاد باب ١؛ ومغازي باب ٧٢؛ وفضائل الصحابة باب ٢١)\n(^٢) سنن ابن ماجة (مقدمة باب ١١) وسنن الترمذي (مناقب باب ٣٢)\n(^٣) المسند (ج ١ ص ٤١٤)\n(^٤) صحيح البخاري (فضائل الصحابة باب ٥٣ - ٥٥)\n(^٥) المسند (ج ١ ص ٢٤٨)","vol":"2","page":44},{"text":"الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم به، وقال الترمذي:\nحسن صحيح.\nوقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جدا، ولنذكره فإن فيه فوائد كثيرة، وفيه غرابة، وفيه مناسبة لهذا المقام، قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده، قال يونس -وكان نصرانيا فأسلم-: إن رسول الله ﷺ، كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران سلم أنتم، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسلام». فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه فظع به (^١)، وذعره ذعرا شديدا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الأيهم ولا السيد ولا العقاب، فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في أمر النبوة رأي، ولو كان في أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي واجتهدت لك، فقال الأسقف: تنح فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف: تنح فاجلس، فتنحى عبد الله فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف، فتنحى فجلس ناحية، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمعوا حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح، أهل الوادي أعلاه وأسفله.\nوطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي، فيأتونهم بخبر رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) فظع به: هابه.","vol":"2","page":45},{"text":"فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ فسلموا عليه، فلم يرد عليهم، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا، فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانا معرفة لهم، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا كتابا فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما، أترون أن نرجع؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون إليه، ففعلوا فسلموا عليه فرد سلامهم، ثم قال «والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم». ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه؟ فقال رسول الله ﷺ «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي ربي في عيسى» فأصبح الغد وقد أنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ -إلى قوله- ﴿الْكاذِبِينَ﴾ فأبوا أن يقروا بذلك.\nفلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرا ثقيلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعنا في عينيه وردا عليه أمره، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه، لا يبقى منا على وجه الأرض شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فلما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: أرى أن أحكمه، فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا، فقالا له: أنت وذاك، قال: فلقي شرحبيل رسول الله ﷺ، فقال له: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك. فقال: وما هو؟ فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ «لعل وراءك أحدا يثرب (^١) عليك»؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان من الغد أتوه، فكتب لهم هذا الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب النبي محمد رسول الله لنجران -إن كان عليهم حكمه-في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم، وترك ذلك كله لهم على ألفي حلة، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة» وذكر تمام\n_________\n(^١) ثرّب عليه: لامه وعيّره بذنبه.","vol":"2","page":46},{"text":"الشروط وبقية السياق.\nوالغرض أن وفودهم كان في سنة تسع، لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله ﷺ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، قال: قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعده على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله ﷺ، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ «والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارا» قال جابر، وفيهم نزلت ﴿نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ قال جابر ﴿أَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب و﴿أَبْناءَنا﴾ الحسن والحسين ﴿وَنِساءَنا﴾ فاطمة. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند به بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا قال وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة عن الشعبي مرسلا، وهذا أصح، وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك.\nثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ، وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عن هذا إلى غيره ﴿فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء وهو القادر الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-266>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]</span>\n﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾\nهذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ﴾ والكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال هاهنا، ثم وصفها بقوله ﴿سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا ولا شيئا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ثم قال تعالى ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا","vol":"2","page":47},{"text":"بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾، قال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، وقال عكرمة: يسجد بعضنا لبعض ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ أي فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة، فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.\nوقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر، فسأله عن نسب رسول الله ﷺ، وعن صفته ونعته وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركا، لم يسلم بعد، وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح، كما هو مصرح به في الحديث، ولأنه لما سأله: هل يغدر؟ قال: فقلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، قال: ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئا سوى هذه، والغرض أنه قال:\nثم جيء بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه:\n«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (^١) و﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، نزلت في وفد نجران. وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية، ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه [أحدها] يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين، مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح. [الثاني] يحتمل أن صدر سورة آل عمران، نزل في وفد نجران إلى هذه الآية، وتكون هذه الآية، نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: إلى بضع وثمانين آية، ليس بمحفوظ لدلالة حديث أبي سفيان. [الثالث] يحتمل أن قدوم وفد نجران، كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك، كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك. [الرابع] يحتمل أن رسول الله ﷺ، لما أمر بكتب هذا في كتابه إلى هرقل، لم يكن أنزل بعد، ثم أنزل القرآن موافقة له ﷺ، كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وفي قوله: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾\n_________\n(^١) الأريس: هو الأكار، أي الحراث والفلاح. والمراد بهم عامة أهل مملكته.","vol":"2","page":48},{"text":"[التحريم: ٥] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٥ إلى ٦٨]</span>\n﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾\nينكر ﵎ على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار (^١): حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس ﵁، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ﴾ الآية، أي كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية. هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ، لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجليتها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي متحنفا عن الشرك قاصدا إلى الإيمان ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] الآية. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي، يعني محمدا ﷺ، والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم.\nقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: «إن لكل نبي ولاة من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٣٠٣.","vol":"2","page":49},{"text":"النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ﷿» ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ (^١) الآية.\nوقد رواه الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن أبيه به، ثم قال البزار: ورواه غير أبي أحمد، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله، ولم يذكر مسروقا. وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع عن سفيان، ثم قال: وهذا أصح، لكن رواه وكيع في تفسيره، فقال: حدثنا سفيان عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «إن لكل نبي ولاية من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ﷿ إبراهيم ﵇» ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، قوله ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولي جميع المؤمنين برسله.\n\n<span data-type='title' id=toc-268>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٩ إلى ٧٤]</span>\n﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾\nيخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين، وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم، ثم قال تعالى منكرا عليهم ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي تعلمون صدقها وتتحققون حقها ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﷺ وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه.\n﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ الآية، هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيضة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تعالى إخبارا عن اليهود بهذه الآية، يعني يهودا صلت مع النبي ﷺ صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار مكرا منهم، ليروا الناس أن قد بدت لهم الضلالة منه بعد أن كانوا اتبعوه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٣٠٦.","vol":"2","page":50},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا، وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ﴾ أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان بما ينزله على عبده ورسوله محمد ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات؛ وإن كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد النبي الأمي في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.\nوقوله ﴿أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجوكم به عند ربكم، أي يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة، وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي الأمور كلها تحت تصرفه، وهو المعطي المانع، يمن على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام، ويضل من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة التامة والحكمة البالغة ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ* يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف بما شرف به نبيكم محمدا ﷺ على سائر الأنبياء، وهداكم به إلى أكمل الشرائع.\n\n<span data-type='title' id=toc-269>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]</span>\n﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾\nيخبر تعالى عن اليهود بأن منهم الخونة ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ﴾ أي من المال ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ أي بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى أن لا يؤديه إليه.\nوقد تقدم الكلام على القنطار في أول السورة، وأما الدينار فمعروف. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية عن زياد بن الهيثم، حدثنا مالك بن دينار، قال: إنما سمي الدينار لأنه دين ونار وقيل: معناه من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير","vol":"2","page":51},{"text":"حقه فله النار.\nومناسب أن يذكر هاهنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من صحيحه (^١)، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة حيث قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ، أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا. قال: ائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يركبها ليقدم عليه في الأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج (^٢) موضعها، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني استسلفت (^٣) فلانا ألف دينار فسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، وسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا فرضي بذلك، وأني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه لينظر لعل مركبا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بألف دينار راشدا.\nهكذا رواه البخاري في موضع معلقا بصيغة الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. ورواه الإمام أحمد في مسنده هكذا مطولا، عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث به، ورواه البزار في مسنده عن الحسن بن مدرك عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه، ثم قال: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، كذا قال وهو خطأ لما تقدم.\nوقوله ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي وقد اختلقوا هذه المقالة،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (كفالة، باب ١)\n(^٢) زجّج موضعها: سدّه وسوّاه.\n(^٣) في صحيح البخاري: «أني كنت تسلّفت فلانا».","vol":"2","page":52},{"text":"وائتفكوا (^١) بهذه الضلالة، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بهت.\nقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة بن يزيد، أن رجلا سأل ابن عباس، فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا بذلك بأس، قال هذا كما قال أهل الكتاب:\n﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم (^٢)، وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا يعقوب، حدثنا جعفر عن سعيد بن جبير، قال: لما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ قال نبي الله ﷺ «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر».\nثم قال تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى﴾ أي لكن من أوفى بعهده واتقى منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بعث كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله، واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيدهم ﴿فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾\nيقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه من اتباع محمد ﷺ وذكر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة ﴿أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي لا نصيب لهم فيها ولا حظ لهم منها ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي برحمة منه لهم، يعني لا يكلمهم الله كلام لطف بهم ولا ينظر إليهم بعين الرحمة ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر، الحديث الأول قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال علي بن مدرك:\nأخبرني، قال سمعت أبا زرعة عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، قال قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» قلت:\n_________\n(^١) ائتفكوا: اضطربوا وانقلبت أحوالهم من الخير إلى الشر.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٣١٧.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ١٤٨.","vol":"2","page":53},{"text":"يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال «المسبل (^١)، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان»، ورواه مسلم وأهل السنن من حديث شعبة به.\nطريق أخرى: قال أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن أبي الأحمس، قال: لقيت أبا ذر فقلت له: بلغني عنك أنك تحدث حديثا عن رسول الله ﷺ، قال: أما إنه لا يخالني أن أكذب على رسول الله ﷺ، بعد ما سمعته منه، فما الذي بلغك عني؟ قلت: بلغني أنك تقول: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم (^٣) الله. قال: قلته وسمعته، قلت: فمن هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال: «الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحبوا أن يمسوا الأرض فينزلون، فيتنحى أحدهم يصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن» قلت: من هؤلاء الذين يشنؤهم الله؟ قال:\n«التاجر الحلاف-أو قال: البائع الحلاف-، والفقير المختال، والبخيل المنان» غريب من هذا الوجه.\nالحديث الثاني: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن جرير بن حازم، حدثنا عدي بن عدي، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة، عن أبيه عدي هو ابن عميرة الكندي، قال: خاصم رجل من كندة، يقال له امرؤ القيس بن عابس، رجلا من حضر موت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة فقضى على امرئ القيس باليمين، فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت ورب الكعبة أرضي، فقال النبي ﷺ: «من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان» قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال «الجنة». قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها، ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي به، الحديث الثالث: قال أحمد (^٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان». فقال الأشعث: في والله كان ذلك؛ كان بيني وبين\n_________\n(^١) أي المسبل إزاره الذي يجر طرفه تعاليا وخيلاء.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ١٥١.\n(^٣) يشنؤهم: يبغضهم.\n(^٤) مسند أحمد ٤/ ١٩١.\n(^٥) مسند أحمد ٥/ ٢١١.","vol":"2","page":54},{"text":"رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ: «ألك بينة؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله، إذا يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية أخرجاه من حديث الأعمش.\nطريق أخرى: قال أحمد (^١): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن شقيق بن سلمة، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان» قال: فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيّ كان هذا الحديث، خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله ﷺ في بئر كانت لي في يده فجحدني، فقال رسول الله ﷺ «بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه» قال: قلت: يا رسول الله، ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر، فقال رسول الله ﷺ «من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان» قال: وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية.\nالحديث الرابع: قال أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رشيدين عن زياد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، قال «إن لله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم» قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال «متبرئ من والديه راغب عنهما، ومتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم وتبرأ منهم».\nالحديث الخامس: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، أنبأنا العوام يعني ابن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن يعني السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رجلا أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية، ورواه البخاري من غير وجه عن العوام.\nالحديث السادس: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر، يعني كاذبا، ورجل بايع إماما فإن أعطاه وفي له وإن لم يعطه لم يف له» ورواه أبو\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ١٢.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤٤٠.\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ٤٨٠.","vol":"2","page":55},{"text":"داود والترمذي من حديث وكيع، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-271>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]</span>\n﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾\nيخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وقال مجاهد والشعبي والحسن وقتادة والربيع بن أنس: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ﴾ يحرفونه، وهكذا روى البخاري عن ابن عباس أنهم يحرفون ويزيدون، وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه ويتأولونه على غير تأويله.\nوقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منها حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فأما كتب الله فإنها محفوظة لا تحول رواه ابن أبي حاتم، فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش، وهو من باب تفسير المعرب المعبر وفهم كثير منهم بل أكثرهم بل جميعهم فاسد وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه عنده فتلك كما قال: محفوظة لم يدخلها شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-272>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]</span>\n﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾\nقال محمد بن إسحاق (^١): حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي-حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس (^٢): أوذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال. فقال رسول الله ﷺ «معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني» أو كما قال ﷺ فأنزل الله في ذلك من قولهما:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٤ وتفسير الطبري ٣/ ٣٢٣.\n(^٢) في سيرة ابن هشام: «الربّيس» مثل سكّيت. وربّيس السحرة هو رئيسهم وكبيرهم.","vol":"2","page":56},{"text":"﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة، أن يقول للناس اعبدوني من دون الله، أي مع الله، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال:\nوذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا، يعني أهل الكتاب كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآية، وفي المسند والترمذي كما سيأتي أن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله ما عبدوهم. قال «بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم».\nفالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين فإنهم إنما يأمرون بما يأمر الله به، وبلغتهم إياه رسله الكرام، وإنما ينهونهم عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم القيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق.\nوقوله: ﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي ولكن يقول الرسول للناس كونوا ربانيين، قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد: أي حكماء علماء حلماء، وقال الحسن وغير واحد: فقهاء كذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء الخراساني وعطية العوفي والربيع بن أنس وعن الحسن أيضا: يعني أهل عبادة وأهل تقوى، وقال الضحاك في قوله: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيها «تعلمون» أي تفهمون معناه، وقرئ ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد من التعليم ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون ألفاظه.\nثم قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا﴾ أى ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله: لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى:\n﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] الآية، وقال ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال إخبارا عن الملائكة ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-273>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨١ إلى ٨٢]</span>\n﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)﴾\nيخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسى ﵇ لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته ولهذا قال تعالى وتقدس ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ وقال ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وقتادة والسدي: يعني عهدي وقال محمد بن إسحاق (إصري) أي ثقل ما حملتم من عهدي أي ميثاقي الشديد المؤكد ﴿قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي عن هذا العهد والميثاق ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾.\nقال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث الله محمدا ﷺ وهو حي ليؤمنن به وينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وقال طاوس والحسن البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثل قول علي وابن عباس (^١)، وقد قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي ﷺ، فقال:\nيا رسول الله، إني مررت بأخ لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ قال عبد الله بن ثابت، قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا، بالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، قال: فسرى عن النبي ﷺ وقال «والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين».\nحديث آخر: قال الحافظ أبو بكر: حدثنا إسحاق حدثنا حماد عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٢٦٥.","vol":"2","page":58},{"text":"ما حل له إلا أن يتبعني». وفي بعض الأحاديث «لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي».\nفالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد، لكان هو الواجب طاعته المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب ﷻ لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به صلوات الله وسلامه عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-274>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٣ إلى ٨٥]</span>\n﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)﴾\nيقول تعالى منكرا على من أراد دينا سوى دين الله الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، الذي ﴿لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي استسلم له من فيهما طوعا وكرها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ* وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرها، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع.\nوقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد بن حفص النفيلي، حدثنا محمد بن محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي ﷺ ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، «أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرها فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون». وقد ورد في الصحيح «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» وسيأتي له شاهد من وجه آخر، ولكن المعنى الأول للآية أقوى.\nوقد قال وكيع في تفسيره، حدثنا سفيان عن منصور، عن مجاهد ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الزمر: ٢٥] قال: هو كقوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ","vol":"2","page":59},{"text":"السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وقال أيضا: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: حين أخذ الميثاق (^١).\n﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي يوم المعاد فيجازي كلا بعمله ثم قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ يعني القرآن، ﴿وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي من الصحف والوحي، ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل-وهو يعقوب- الاثني عشر، ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى﴾ يعني بذلك التوراة والإنجيل، ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يعم جميع الأنبياء جملة ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: بل نؤمن بجميعهم ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، أي من سلك طريقا سوى ما شرعه الله، فلن يقبل منه ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن، حدثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدينة، قال: قال رسول الله ﷺ «تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا رب، أنا الصلاة؛ فيقول إنك على خير؛ وتجيء الصدقة فتقول: يا رب، أنا الصدقة فيقول إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: يا رب، أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله تعالى: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب، أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي، قال الله في كتابه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ تفرد به أحمد، قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: عباد بن راشد ثقة، ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-275>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٦ إلى ٨٩]</span>\n﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾\n_________\n(^١) الآثار الواردة سابقا في تفسير الطبري ٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٣٦٢.","vol":"2","page":60},{"text":"قال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع البصري حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا داود بن ابي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا لي رسول الله هل لي من توبة؟ فنزلت ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأرسل إليه قومه فأسلم، وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي ﷺ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك-والله ما علمت-لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه (^٢).\nفقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ أي قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. ثم قال تعالى ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي يلعنهم الله، ويلعنهم خلقه، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي في اللعنة، ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه، تاب عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-276>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٠ إلى ٩١]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)﴾\nيقول تعالى متوعدا ومهددا لمن كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرا، أي استمر عليه إلى الممات، ومخبرا بأنهم لن تقبل لهم توبة عند الممات، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٨]، ولهذا قال هاهنا ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ أي الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي.\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع حدثنا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٣٣٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩.","vol":"2","page":61},{"text":"داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن قوما أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وهكذا رواه، وإسناده جيد.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ أي من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جدعان وكان يقري الضيف ويفك العاني ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال «لا، إنه لم يقل يوما من الدهر: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وكذلك لو افتدى بملء الأرض ذهبا ما قبل منه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] وقال ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦]. ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ فعطف ﴿وَلَوِ افْتَدى﴾ به على الأول، فدل على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال: إن الواو زائدة، والله أعلم، ويقتضي ذلك أن لا ينقذه من عذاب الله شيء ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبا، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبا، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حجاج، حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ، قال «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا أن تشرك» وهكذا أخرجه البخاري ومسلم.\nطريق أخرى: وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا روح، حدثنا حماد عن ثابت، عن أنس، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب خير منزل، فيقول: سل وتمن، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار، لما يرى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب شر منزل، فيقول له: أتفتدي مني بطلاع (^٣) الأرض ذهبا؟ فيقول: أي رب نعم، فيقول: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك وأيسر\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ١٢٧.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ١٣١.\n(^٣) طلاع الأرض: ما يملؤها حتى يفيض عنها.","vol":"2","page":62},{"text":"فلم تفعل، فيرد إلى النار».\nولهذا قال ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-277>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]</span>\n﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾\nروى وكيع في تفسيره عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ﴾ قال: الجنة، وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا روح، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع أنس بن مالك، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء (^٢)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة:\nيا رسول الله، إن الله يقول ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي ﷺ، «بخ بخ ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، أخرجاه، وفي الصحيحين أن عمر قال يا رسول الله لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: احبس الأصل وسبل الثمرة» وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن حماس، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الآية ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئا أحب إليّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، يعني تزوجتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-278>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]</span>\n﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، قال: قال\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ١٤١.\n(^٢) جاء في ضبطه أوجه كثيرة. ويقال: بئرحاء. وهو موضع بقرب المسجد في المدينة يعرف بقصر بني جديلة. انظر معجم البلدان ١/ ٥٢٤.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٢٧٨.","vol":"2","page":63},{"text":"ابن عباس حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، قال: «سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام» قالوا: فذلك لك، قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا وطال سقمه، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها»؟ فقالوا: اللهم نعم: قال: «اللهم اشهد عليهم». وقال «أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد، والشبه بإذن الله إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله»؟ قالوا:\nنعم. قال: «اللهم اشهد عليهم». وقال: «أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه، ولا ينام قلبه»؟ قالوا: اللهم نعم. قال: «اللهم اشهد» قالوا:\nوأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك ونفارقك قال: «إن وليي جبريل ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه، قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] الآية، ورواه أحمد أيضا عن حسين بن محمد عن عبد الحميد به.\nطريق أخرى: قال أحمد (^١): حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ، فقالوا يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] قال «هاتوا» قالوا: أخبرنا عن علامة النبي قال: «تنام عيناه ولا ينام قلبه»، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة، وكيف تذكر؟ قال: «يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، أذكرت، وإذا علا ماء المرأة أنثت» قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا-قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل-فحرم لحومها» قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: «ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيده-أو في يديه-مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله ﷿» قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال «صوته». قالوا صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٧٤.","vol":"2","page":64},{"text":"التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: «جبريل ﵇»، قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر، لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] والآية بعدها.\nوقد رواه الترمذي والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب، وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: كان إسرائيل ﵇ -وهو يعقوب-يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقا ولا يأكل ولد ما له عرق، وهكذا قال الضحاك والسدي، كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانا به واقتداء بطريقه، قال: وقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.\nقلت: ولهذا السياق بعد ما تقدم مناسبتان إحداهما: أن إسرائيل ﵇ حرم أحب الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغا في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى:\n﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] الآية.\nالمناسبة الثانية: لما تقدم بيان الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه، كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك، وكان الله ﷿ قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحا في شريعة إبراهيم ﵇، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغا، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حرم عليهم ذلك في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح ﵇، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدا ﷺ من الدين","vol":"2","page":65},{"text":"القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ أي كان حلا لهم، جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه إسرائيل.\nثم قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فإنها ناطقة بما قلناه ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائما، وأنه لم يبعث نبيا آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ أي قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٠ - ١٦١] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-279>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]</span>\n﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)﴾\nيخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇ الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: ﴿مُبارَكًا﴾ أي وضع مباركا ﴿وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁، قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى،. قلت: كم بينهما؟ قال:\n«أربعون سنة». قلت: ثم أي؟ قال: «ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد» وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، عن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ١٥٠.","vol":"2","page":66},{"text":"شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله.\nوحدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، قال: قام رجل إلى علي ﵁، فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة فأغنى عن إعادته هنا، وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا، والصحيح قول علي ﵁. فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس» فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف. والأشبه، والله أعلم، أن يكون هذا موقوفا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين (^١) اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.\nوقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها وقيل: لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون. قال قتادة: إن الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان. وذكر حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، قال: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء، وقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكة البيت والمسجد، وكذا قال الزهري. وقال عكرمة، في رواية، وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة. وقال أبو صالح وإبراهيم النخعي وعطية العوفي ومقاتل بن حيان: بكة موضع البيت وما سوى ذلك مكة، وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى، وصلاح، والعرش على وزن بدر، والقادس لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسة بالنون، وبالباء أيضا والحاطمة، والنسّاسة، والرأس، وكوثاء والبلدة، والبنية، والكعبة (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ أي دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظمه\n_________\n(^١) الزاملة: ما يحمل عليه من الإبل وغيرها. ولعل المراد هنا: حمل زاملتين أصابهما إلخ\n(^٢) انظر الآثار الواردة في معاني «بكة» في الدر المنثور للسيوطي ٢/ ٩٣ - ٩٤.","vol":"2","page":67},{"text":"وشرفه، ثم قال تعالى: ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال:\n﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادتها هاهنا، ولله الحمد والمنة.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ أي فمنهنّ مقام إبراهيم والمشعر. وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة، وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: [الطويل] وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيا غير ناعل\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ قال: الحرم كله مقام إبراهيم، ولفظ عمرو: الحجر كله مقام إبراهيم، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحج مقام إبراهيم هكذا رأيته في النسخة، ولعله الحجر كله مقام إبراهيم، وقد صرح بذلك مجاهد.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج. وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التّيمي، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه، وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا. ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة «لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (^١) وقال يوم الفتح فتح مكة «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات\n_________\n(^١) صحيح البخاري (إيمان باب ٤١ وصيد باب ١٠ وجهاد باب ١) وصحيح مسلم (جهاد حديث ٢) وسنن الترمذي (سير باب ٣٢)","vol":"2","page":68},{"text":"والأرض، فهو حرام بحرمة الله، إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها» فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال «إلا الإذخر» (^١)، ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه.\nولهما واللفظ لمسلم أيضا عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب». فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخزية.\nوعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا يحل لأحد كم أن يحمل بمكة السلاح» رواه مسلم. وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف بالحزورة بسوق مكة، يقول «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». رواه الإمام أحمد (^٢)، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وكذا صحّح من حديث ابن عباس نحوه وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان، حدثنا أبو عاصم، عن زريق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم، حدثني زياد ابن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ قال: آمنا من النار. وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا ابن المؤمل عن ابن محيصن، عن عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورا له» ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بالقوي.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (حج باب ٤٣ وصيد باب ٨) وصحيح مسلم (حج حديث ٤٤٥) وسنن النسائي (مناسك باب ١١٠) ومسند أحمد (١/ ٢٥٩)\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٣٠٥.","vol":"2","page":69},{"text":"وقوله ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأول أظهر.\nوقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع.\nقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال «أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» ثم قال «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه»، ورواه مسلم (^٢) عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون به نحوه.\nوقد روى سفيان بن حسين وسليمان بن كثير وعبد الجليل بن حميد ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن أبي سنان الدؤلي واسمه يزيد بن أمية، عن ابن عباس ﵁، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج» فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال «لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع» رواه أحمد (^٣) وأبو داود والنسائي وابن ماجة، والحاكم من حديث الزهري به، ورواه شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وروي من حديث أسامة بن يزيد.\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا منصور بن وردان عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري، عن علي ﵁، قال: لما نزلت ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ قال «لا، ولو قلت نعم لوجبت»، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] وكذا رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث منصور بن وردان به، ثم قال الترمذي، حسن غريب، وفيما قال نظر، لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي.\nوقال ابن ماجة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن أبي عبيدة عن أبيه،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٥٠٨.\n(^٢) صحيح مسلم (حج حديث ٤١٢)\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٢٩٠.\n(^٤) مسند أحمد ١/ ١١٣.","vol":"2","page":70},{"text":"عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، قال: قالوا: يا رسول الله، الحج في كل عام؟ قال «لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها، لعذبتم» (^١).\nوفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء، عن جابر، عن سراقة بن مالك، قال:\nيا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ قال «لا، بل للأبد». وفي رواية «بل لأبد الأبد».\nوفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن رسول الله ﷺ، قال لنسائه في حجته هذه «ثم ظهور الحصر-يعني ثم الزمن ظهور الحصر- ولا تخرجن من البيوت».\nوأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعا بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام، قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر ﵄، قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: «الشعث التفل» (^٢)، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: «العج والثج» (^٣)، فقام آخر فقال:\nما السبيل يا رسول الله؟ قال: «الزاد والراحلة»، وهكذا رواه ابن ماجة من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الحوزي، قال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال هاهنا وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن. لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الحوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره.\nفقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: جلست إلى عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: ما السبيل؟ قال «الزاد والراحلة» وهكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير به ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك، وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعائشة كلها مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم. وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث.\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة (مناسك باب ٢)\n(^٢) الشعث التّفل: الذي ترك استعمال الطيب.\n(^٣) العجّ: رفع الصوت بالتلبية. والثّج: سيلان دماء الهدي والأضاحي.","vol":"2","page":71},{"text":"ورواه الحاكم من حديث قتادة عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله ﷿ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال «الزاد والراحلة»، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن يونس، عن الحسن، قال قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقالوا: يا رسول الله ما السبيل؟ قال «الزاد والراحلة»، ورواه وكيع في تفسيره عن سفيان، عن يونس به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل وهو أبو إسرائيل الملائي، عن فضيل، يعني ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «تعجلوا إلى الحج-يعني الفريضة-فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». وقال أحمد (^٣) أيضا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران بن أبي صفوان، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «من أراد الحج فليتعجل» ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي معاوية الضرير به.\nوقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلا، وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة وروى وكيع بن الجراح عن أبي جناب يعني الكلبي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس، قال ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال «الزاد والبعير».\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد:\nأي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه.\nوقال سعيد بن منصور عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، قال: لما نزلت ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله ﷿: فاخصمهم فحجهم، يعني فقال لهم النبي ﷺ «إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا» فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا مسلم بن إبراهيم، وشاذ بن فياض، قالا: حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٢٦٤.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٣١٣.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٢٢٥.","vol":"2","page":72},{"text":"ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهوديا أو نصرانيا، ذلك بأن الله قال:\n﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا*وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾.\nورواه ابن جرير (^١) من حديث مسلم بن إبراهيم به، وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي: حدثنا هلال بن فياض، حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، فذكره بإسناده مثله، ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث يضعف في الحديث. وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ.\nوقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا، وهذا إسناد صحيح إلى عمر ﵁.\nوروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة (^٢) فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-280>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]</span>\n﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾\nهذا تعنيف من الله تعالى للكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم، مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين والسادة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما بشروا به ونوهوا به من ذكر النبي الأمي الهاشمي العربي المكي سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء، وقد توعدهم الله على ذلك، وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ومعاملتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٣٦٤.\n(^٢) الجدة (بكسر أوله وتخفيف الدال المفتوحة): المال.","vol":"2","page":73},{"text":"يحذر ﵎ عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] الآية، وهكذا قال هاهنا ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ يعني أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه، فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلا ونهارا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨]. وكما جاء في الحديث أن النبي ﷺ، قال لأصحابه يوما «أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟» قالوا: الملائكة. قال: «وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم»؟ وذكروا الأنبياء، قال «وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟» قالوا: فنحن. قال «وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟» قالوا: فأي الناس أعجب إيمانا؟ قال: «قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها» وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، ولله الحمد.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد.\n\n<span data-type='title' id=toc-282>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وشعبة عن زبيد اليامي، عن مرة، عن عبد الله هو ابن مسعود ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وهذا إسناد صحيح موقوف، وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود.\nوقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى»، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعا، فذكره، ثم قال: صحيح على شرط","vol":"2","page":74},{"text":"الشيخين، ولم يخرجاه، كذا قال، والأظهر أنه موقوف، والله أعلم.\nثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خثيم وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي، نحو ذلك. وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يخزن لسانه.\nوقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ قال: لم تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذا بالله من خلاف ذلك.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا روح، حدثنا شعبة، قال: سمعت سليمان عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله ﷺ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ولو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرّت على أهل الأرض عيشتهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم؟» وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من طرق عن شعبة به وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه».\nوقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث «لا يموتن (^٤) أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿» ورواه مسلم من طريق الأعمش به.\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٠١.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ١٩٢.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٥١٣.\n(^٤) في المسند «ألا لا يموتن».","vol":"2","page":75},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال «إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن شرا فله»، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي».\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت وأحسبه عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار مريضا، فجاءه النبي ﷺ يعوده، فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له «كيف أنت يا فلان»؟ قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ «لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف»، ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديثه، ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلا.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: بايعت رسول الله ﷺ أن لا أخر إلا قائما، ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة به، وترجم عليه فقال (باب كيف يخر للسجود)، ثم ساقه مثله فقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلما، وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلا غير مدبر وهو يرجع إلى الأول.\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ قيل ﴿بِحَبْلِ اللهِ﴾ أي بعهد الله، كما قال في الآية بعدها ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أي بعهد وذمة، وقيل ﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ يعني القرآن كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعا في صفة القرآن «هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم».\nوقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري (^٣):\nحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أسباط بن محمد عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض».\nوروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٣٩١.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤٠٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٣٧٩.","vol":"2","page":76},{"text":"وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه»، وروي من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين. يا عبد الله هذا الطريق، هلم إلى الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن.\nوقوله: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (^١) وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضا، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا﴾ إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن وذحول (^٢)، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] إلى آخر الآية، وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم، بما فضل عليهم في القسم، بما أراه الله فخطبهم فقال «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟» فكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مرّ بملإ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم\n_________\n(^١) صحيح مسلم (أقضية حديث ١٠) وموطأ مالك (كلام حديث ٢٠)\n(^٢) الذحول: الأحقاد والعداوات.","vol":"2","page":77},{"text":"وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟» وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح ﵃ (^١). وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٩]</span>\n﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة، يعني المجاهدين والعلماء. وقال أبو جعفر الباقر (^٢): قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ثم قال «الخير اتباع القرآن وسنتي» رواه ابن مردويه.\nوالمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (^٣) وفي رواية: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو بن أبي عمرو به، وقال الترمذي: حسن، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيهرا في أماكنها.\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٥ وما بعدها.\n(^٢) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. توفي سنة ١١٤ هـ. قيل له الباقر لأنه وعى علما كثيرا، فكأنه بقر العلم بقرا.\n(^٣) صحيح مسلم (إيمان حديث ٧٨) وسنن الترمذي (فتن باب ١١) وسنن النسائي (إيمان باب ١٧)\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ٣٨٨.","vol":"2","page":78},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ الآية، ينهى ﵎ هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني، عن أبي عامر عبد الله بن لحيّ، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة، قام حين صلى الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة-يعني الأهواء-كلها في النار إلا واحدة-وهي الجماعة-وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» والله يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به، وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي به، وقد ورد هذا الحديث من طرق.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ يعني يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس ﵄، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهم المنافقون ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ وهذا الوصف يعم كل كافر ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ يعني الجنة ماكثون فيها أبدا لا يبغون عنها حولا، وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن ربيع بن صبيح وحماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال: رأى أبو أمامة رؤوسا (^٢) منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال أبو أمامة، كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية، قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟: قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا-حتى عد سبعا- ما حدثتكموه، ثم قال: هذا حديث حسن (^٣)، وقد رواه ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه.\nوقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية عن أبي ذر حديثا مطولا غريبا عجيبا جدا.\nثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أي هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٠٢.\n(^٢) أي رؤوس الخوارج المقتولين من أهل حروراء.\n(^٣) سنن الترمذي (تفسير سورة آل عمران باب ٨)","vol":"2","page":79},{"text":"عليك يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ اي نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أي ليس بظالم لهم بل هو الحكم، العدل الذي لا يجور، لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي الجميع ملك له وعبيد له ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-284>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٠ إلى ١١٢]</span>\n﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾\nيخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام (^١)، وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ يعني خير الناس للناس، والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن زوج درّة بنت أبي لهب، عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال «خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم».\nورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة. والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي خيارا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة آل عمران باب ٧)\n(^٢) مسند أحمد ٦/ ٤٣٢.","vol":"2","page":80},{"text":"﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوفي مسند الإمام أحمد (^١) وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأنتم أكرم على الله ﷿» وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه.\nوإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا ابن زهير، عن عبد الله يعني ابن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي وهو ابن الحنفية أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا يا رسول الله ما هو؟ قال «نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم» تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن.\nوقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، حدثنا ليث عن معاوية عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة، قال: سمعت أم الدرداء ﵂ تقول: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول «إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي».\nوقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا.\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المسعودي حدثنا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ﷿ فزادني مع كل واحد سبعين ألفا» قال أبو بكر ﵁: فرأيت أن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٤٤٧ وسنن ابن ماجة (زهد باب ٣٤.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٩٨.\n(^٣) مسند أحمد ٦/ ٤٥٠.\n(^٤) مسند أحمد ١/ ٦.","vol":"2","page":81},{"text":"ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن القاسم بن مهران، عن موسى بن عبيد، عن ميمون بن مهران، عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ قال «إن ربي أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب» فقال عمر، يا رسول الله فهلا استزدته فقال: استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفا». قال عمر: فهلا استزدته؟ قال: قد استزدته فأعطاني هكذا»، وفرج عبد الله بن أبي بكر بين يديه، وقال عبد الله: وبسط باعيه، وحثا عبد الله، وقال هاشم: وهذا من الله لا يدرى ما عدده.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح بن عبيد: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد الله بن قرط الأزدي، فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعين عائدا، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال:\nنعم، قال: اكتب، فكتب للأمير عبد الله بن قرط «من ثوبان مولى رسول الله ﷺ، أما بعد فإنه لو كان لموسى وعيسى ﵉ بحضرتك خادم لعدته»، ثم طوى الكتاب وقال له: تبلغه إياه؟ قال: نعم، فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه، قام فزعا، فقال الناس:\nما شأنه أحدث أمر؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه فعاده وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه، وقال: اجلس حتى أحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، يقول «ليدخلن الجنة من أمّتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفا» تفرد به أحمد من هذا الوجه وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حمصيون، فهو حديث صحيح، ولله الحمد والمنة.\nطريق آخر: قال الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق الحمصي، حدثنا محمد بن إسماعيل يعني ابن عياش، حدثني أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ربي ﷿ وعدني من أمتي سبعين ألفا لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفا» هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي بين شريح وبين ثوبان، والله أعلم.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود ﵁، قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة ثم غدونا إليه، فقال «عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ١٩٧.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٢٨٠.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.","vol":"2","page":82},{"text":"الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر (^١)، والنبي وليس معه أحد، حتى مر علي موسى ﵇ ومعه كبكبة (^٢) من بني إسرائيل، فأعجبوني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل. قال: فقلت: فأين أمتي؟ فقيل: انظر عن يمينك، فنظرت فإذا الظراب (^٣) قد سد بوجوه الرجال ثم قيل لي: انظر عن يسارك. فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيت؟ فقلت، رضيت يا رب-قال فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب» فقال النبي ﷺ: «فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفا فافعلوا، فإن قصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون» (^٤) فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، أي من السبعين، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم، فقال «قد سبقك بها عكاشة» قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف؟، قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا بالله شيئا حتى ماتوا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق، ورواه أيضا عن عبد الصمد عن هشام عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله «رضيت يا رب، رضيت يا رب، قال: رضيت، قلت: نعم. قال انظر عن يسارك-قال- فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت» وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه تفرد به أحمد، ولم يخرجوه.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد حدثنا أحمد بن منيع: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، حدثنا حماد عن عاصم عن زرعة، ابن مسعود ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «عرضت عليّ الأمم بالموسم فرأيت عليّ أمتي، ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملأوا السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة» رواه الحافظ الضياء المقدسي، وقال: هذا عندي على شرط مسلم.\nحديث آخر: قال الطبراني: حدثنا محمد بن محمد الجذوعي القاضي، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن أبي عدي عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن\n_________\n(^١) النفر: من ثلاثة إلى عشرة من الرجال. والعصابة: الجماعة.\n(^٢) الكبكب والكبكبة: الجماعة من الناس المنضمّ بعضها إلى بعض.\n(^٣) الظراب: الجبال المنبسطة.\n(^٤) تهاوش القوم: اختلطوا.","vol":"2","page":83},{"text":"حصين، قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب» قيل: من هم؟ قال «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» ورواه مسلم (^١) من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة.\nحديث آخر: ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» فقال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة (^٢) عليه، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله، فقال «سبقك بها عكاشة» (^٣).\nحديث آخر قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا-أو سبعمائة ألف-آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر» أخرجه البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل به.\nحديث آخر: قال مسلم بن الحجاج في صحيحه (^٤): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أنبأنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال، أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال:\nفما صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي.\nقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال «لا رقية إلا من عين أو حمة» (^٥)، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط (^٦)، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ٣٧١ و٣٧٢)\n(^٢) النمرة: شملة مخططة.\n(^٣) صحيح البخاري (رقاق باب ٥٠ ولباس باب ١٨) وصحيح مسلم (إيمان حديث ٣٦٧). وسنن الترمذي (قيامة باب ١٦)\n(^٤) صحيح مسلم (إيمان حديث ٣٧٤)\n(^٥) الحمة: سم العقرب وشبهها. والمراد أنه لا رقية إلا من لدغ ذي حمة.\n(^٦) الرهيط: تصغير الرهط، وهو الجماعة دون العشرة.","vol":"2","page":84},{"text":"ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ، فقال «ما الذي تخوضون فيه؟» فأخبروه، فقال «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. «قال: أنت منهم»، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال «سبقك بها عكاشة» وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد عن هشيم، وليس عنده: لا يرقون.\nحديث آخر: قال أحمد (^١): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا، وفيه: فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء» ثم كذلك، وذكر بقيته، رواه مسلم من حديث روح، غير أنه لم يذكر النبي ﷺ.\nحديث آخر: قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنن له: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات (^٢) من حثيات ربي ﷿» وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش به، وهذا إسناد جيد.\nطريق أخرى: عن أبي أمامة: قال ابن أبي عاصم، حدثنا دحيم، حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن أبي اليمان الهوزني واسمه عامر بن عبد الله بن لحيّ، عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ، قال: «إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب» فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب، قال رسول الله ﷺ «فإن الله وعدني سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا وزادني ثلاث حثيات»، وهذا أيضا إسناد حسن، حديث آخر: قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «إن ربي ﷿ وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفا، ثم يحثي ربي ﷿ بكفيه ثلاث حثيات» فكبر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٢٨٣.\n(^٢) الحثية: الغرفة باليد.","vol":"2","page":85},{"text":"وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر، قال الحافظ الضياء أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة: لا أعلم لهذا الإسناد علة، والله أعلم.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثني يحيى بن سعيد، حدثنا هشام يعني الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة، حدثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد أو قال: بقديد فذكر حديثا وفيه: ثم قال: «وعدني ربي ﷿ أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوّءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة» قال الضياء:\nوهذا عندي على شرط مسلم.\nحديث آخر: قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف». قال أبو بكر ﵁: زدنا يا رسول الله. قال: «والله هكذا». فقال عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا، فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد، فقال النبي ﷺ «صدق عمر» هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبد الرزاق. قاله الضياء وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن مخلد، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف» فقال أبو بكر: يا رسول الله، زدنا. قال: «وهكذا وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت: يا رسول الله، زدنا فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله ﷺ «صدق عمر»، هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي بصري.\nطريق آخر عن أنس: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، حدثنا حميد عن أنس، عن النبي ﷺ قال «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا» قالوا: زدنا يا رسول الله. قال: «لكل رجل سبعون ألفا». قالوا: زدنا، وكان على كثيب، فقال «هكذا» وحثا بيده، قالوا: يا رسول الله أبعد الله من دخل النار بعد هذا، وهذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، ما عدا عبد القاهر بن السري، وقد سئل عنه ابن معين فقال:\nصالح.\nحديث آخر: روى الطبراني من حديث قتادة عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه أن النبي ﷺ، قال: «إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة» فقال عمير:\nيا رسول الله، زدنا، فقال: هكذا، بيده، فقال عمير: يا رسول الله، زدنا فقال عمر: حسبك\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٦.","vol":"2","page":86},{"text":"إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة، فقال نبي الله ﷺ «صدق عمر».\nحديث آخر: قال الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن عامر أن قيسا الكندي حدثه أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله ﷺ، قال: «إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ويشفع كل ألف لسبعين ألفا، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه». كذا قال قيس، فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم بأذني، ووعاه قلبي، قال أبو سعيد: فقال يعني رسول الله ﷺ: «وذلك إن شاء الله ﷿ يستوعب مهاجري أمتي ويوفي الله بقيته من أعرابنا» وقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله، وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله ﷺ، فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألف ألف.\nحديث آخر: قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يخبطون الأرض، تقول الملائكة: لم جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء؟» وهذا إسناد حسن.\nنوع آخر: -من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله ﷿، وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن جابر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع الجنة» قال:\nفكبرنا، ثم قال: «أرجو أن يكونوا ثلث الناس» قال: فكبرنا، ثم قال: «أرجو أن تكونوا الشطر»، وهكذا رواه عن روح عن ابن جريج به، وهو على شرط مسلم.\nوثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» فكبرنا، ثم قال «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» فكبرنا، ثم قال «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» (^١).\nطريق أخرى: عن ابن مسعود: قال الطبراني: حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثني الحارث بن حصيرة، حدثني القاسم بن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ٣٧٦). وزاد مسلم: «وسأخبركم عن ذلك. ما المسلمون من الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور أبيض».","vol":"2","page":87},{"text":"عبد الرحمن عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «كيف أنتم وثلثها؟» قالوا: ذاك أكثر، قال: «كيف أنتم والشطر لكم؟» قالوا: ذاك أكثر، فقال رسول الله ﷺ:\n«أهل الجنة عشرون ومائة صف، لكم منها ثمانون صفا» قال الطبراني: تفرد به الحارث بن حصيرة.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال «أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة من ذلك ثمانون صفا» وكذا رواه عن عفان عن عبد العزيز به، وأخرجه الترمذي (^٢) من حديث أبي سنان به، وقال: هذا حديث حسن، ورواه ابن ماجة (^٣) من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به.\nحديث آخر: -روى الطبراني من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: حدثنا خالد بن يزيد البجلي، حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ، قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من أمتي» تفرد به خالد بن يزيد البجلي، وقد تكلم فيه ابن عدي.\nحديث آخر: قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا موسى بن غيلان، حدثنا هاشم بن مخلد، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان، عن أبي عمرو، عن أبيه عن أبي هريرة، قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠] قال رسول الله ﷺ «أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة».\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا فيه تبع، غدا لليهود وللنصارى بعد غد» رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، مرفوعا بنحوه، ورواه مسلم أيضا من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «نحن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٣٤٧ و٣٥٥.\n(^٢) سنن الترمذي (جنة باب ١٣)\n(^٣) سنن ابن ماجة (زهد باب ٣٤)","vol":"2","page":88},{"text":"الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة» (^١) وذكر تمام الحديث.\nحديث آخر: -روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال «إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي»، ثم قال:\nانفرد به ابن عقيل عن الزهري، ولم يرو عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ، فقال: حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق، حدثنا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عتّاب، حدثنا أبو حفص التنيسي-يعني عمرو بن أبي سلمة-حدثنا صدقة الدمشقي عن زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري. ورواه الثعلبي: حدثنا أبو العباس المخلدي أنبانا أبو نعيم عبد الملك بن محمد، أنبانا أحمد بن عيسى التنيسي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا صدقة بن عبد الله عن زهير بن محمد عن ابن عقيل به.\nفهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها، رأى من الناس سرعة (^٢)، فقرأ هذه الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها، رواه ابن جرير (^٣)، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] الآية، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أي بما أنزل على محمد ﷺ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.\nثم قال تعالى مخبرا عباده المؤمنين ومبشرا لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة\n_________\n(^١) صحيح مسلم (جمعة حديث ٢٠)\n(^٢) في الطبري: «رأى من الناس رعة سيئة». والرعة (بكسر الراء وفتح العين) أصلها من الورع مثل العدة من الوعد. والمراد هنا سوء الهيئة وسوء الأدب.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٣٩٠.","vol":"2","page":89},{"text":"الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام.\nثم قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ أي ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون ﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ أي بذمة من الله، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم وإلزامهم أحكام الملة ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ أي أمان منهم لهم، كما في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين، ولو امرأة، وكذا عبد، على أحد قولي العلماء، قال ابن عباس ﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ أي بعهد من الله وعهد من الناس وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس (^١).\nوقوله ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي ألزموا فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ أي ألزموها قدرا وشرعا. ولهذا قال ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي وإنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد فأعقبهم ذلك الذلة والصغار والمسكنة أبدا متصلا بذل الآخرة، ثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، وقيضوا لذلك-أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله ﷿ والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذا بالله من ذلك، والله ﷿ المستعان.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقلهم آخر النهار.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٣ إلى ١١٧]</span>\n﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾\nقال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن يزيد العجلي، عن ابن مسعود في قوله تعالى:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٣/ ٣٩٤.","vol":"2","page":90},{"text":"﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﷺ، وهكذا قال السدي. ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^١): حدثنا أبو النضر وحسن بن موسى، قالا: حدثنا شيبان عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال «أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم» قال: فنزلت هذه الآيات ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.\nوالمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق (^٢) وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس-أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وغيرهم، أي لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أي ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ أي قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة، يعني مستقيمة ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي يقومون الليل ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، ولهذا قال تعالى هاهنا ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ اي لا يضيع عند الله، بل يجزيهم به أوفر الجزاء ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا.\nثم قال تعالى مخبرا عن الكفرة المشركين بأنه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار في هذه الدار، قاله مجاهد والحسن والسدي، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أي برد شديد، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم. وقال عطاء: برد وجليد، وعن ابن عباس أيضا ومجاهد ﴿فِيها صِرٌّ﴾ أي نار وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد ولا سيما الجليد يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار ﴿أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي فأحرقته، يعني بذلك السعفة إذا نزلت على حرث قد آن جذاذه أو حصاده، فدمرته وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها، كما أذهب\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٩٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٣٩٨.","vol":"2","page":91},{"text":"ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-286>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٨ إلى ١٢٠]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾\nيقول ﵎ ناهيا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم، لا يألون المؤمنين خبالا، أي يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة، ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم، وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل هم خاصة أهل الذين يطلعون على داخلة أمره.\nوقد روى البخاري والنسائي وغيرهما، من حديث جماعة منهم يونس ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أبي عتيق عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله» (^١)، وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه، فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما وأخرجه النسائي عن الزهري أيضا، وعلقه البخاري في صحيحه فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي أيوب الأنصاري فذكره فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان، حدثنا عيسى بن يونس عن أبي حيان التيمي، عن أبي الزنباع، عن ابن أبي الدهقانة، قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبا، فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين وإطلاع على دواخل أمورهم\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أحكام باب ٤٢ وقدر باب ٨) وسنن الترمذي (زهد باب ٣٩) وسنن النسائي (بيعة باب ٣٢)","vol":"2","page":92},{"text":"التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾.\nوقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هشيم، حدثنا العوام عن الأزهر بن راشد، قال: كانوا يأتون أنسا فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتوا الحسن يعني البصري، فيفسره لهم، قال: فحدث ذات يوم عن النبي ﷺ أنه قال «لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا» فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنسا حدثنا أن رسول الله ﷺ قال «لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا» فقال الحسن: أما قوله «لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا»: محمد ﷺ، وأما قوله: «لا تستضيئوا بنار المشركين» يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ هكذا رواه الحافظ أبو يعلى رحمه الله تعالى، وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، ورواه الإمام أحمد عن هشيم بإسناده مثله في غير ذكر تفسير الحسن البصري.\nوهذا التفسير فيه نظر ومعناه ظاهر «لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا» أي بخط عربي، لئلا يشابه نقش خاتم النبي ﷺ، فإنه كان نقشه «محمد رسول الله»، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه. وأما الاستضاءة بنار المشركين، فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم، وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود «لا تتراءى نارهما» وفي الحديث الآخر «من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله» فحمل الحديث على ما قاله الحسن ﵀، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، والله أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرونه لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطنا ولا ظاهرا، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ أي ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ أي بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، رواه ابن","vol":"2","page":93},{"text":"جرير (^١). ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة. وقال الشاعر: [الطويل] أودّكما ما بلّ حلقي ريقتي … وما حملت كفاي أنملي العشرا (^٢)\nوقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع، وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها.\nثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء، لما لله تعالى في ذلك من الحكمة-كما جرى يوم أحد-فرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبا للمؤمنين ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ الآية، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به. وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.\nثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين. والتمييز بين المؤمنين والمنافقين وبيان صبر الصابرين فقال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-287>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢١ إلى ١٢٣]</span>\n﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾\nالمراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٤١١.\n(^٢) قوله: أودكما أي لا أودكما. حذفت «لا» مع القسم. والريقة: الريق. ومعنى البيت: لا أودكما أبدا ما حييت.","vol":"2","page":94},{"text":"واحد. وعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جرير (^١)، وهو غريب لا يعول عليه.\nوكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة. قال قتادة: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال. وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوال، فالله أعلم، وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان قال أبناء من قتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: أرصد هذه الأموال لقتال محمد فأنفقوها في ذلك، فجمعوا الجموع والأحابيش، وأقبلوا في نحو من ثلاثة آلاف حتى نزلوا قريبا من أحد تلقاء المدينة، فصلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو، واستشار رسول الله ﷺ الناس «أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة»؛ فأشار عبد الله بن أبي بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرا بالخروج إليهم، فدخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ، فقالوا:\nيا رسول الله إن شئت أن نمكث، فقال رسول الله ﷺ «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يحكم الله له» فسار ﷺ في ألف من أصحابه، فلما كانوا بالشوط، رجع عبد الله بن أبي في ثلث الجيش مغضبا لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالا لا تبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. واستمر رسول الله ﷺ سائرا حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال». وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه. وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف. والرماة يومئذ خمسون رجلا، فقال لهم «انضحوا الخيل عنا ولا نؤتين من قبلكم والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم». وظاهر (^٢) رسول الله ﷺ بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله ﷺ بعض الغلمان يومئذ وأرجأ آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين، وتعبّأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات، إن شاء الله تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ أي تنزلهم منازلهم، وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٤١٥.\n(^٢) أي لبس درعا فوق درع.","vol":"2","page":95},{"text":"﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لما تقولون، عليم بضمائركم (^١).\nوقد أورد ابن جرير هاهنا سؤالا حاصله: كيف تقولون إن النبي ﷺ سار إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ الآية؟ ثم كان جوابه عنه: أن غدوه ليبوأهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار (^٢). وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ الآية، قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: قال عمر: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ الآية، قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب-وقال سفيان مرة وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ وكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به. وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ أي يوم بدر، وكان يوم الجمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك، وخرب محله وحزبه هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فيهم فرسان وسبعون بعيرا، والباقون مشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض (^٣) والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ -إلى- ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥]. وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك، قال: سمعت عياضا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض وليس عياض هذا الذي حدث سماكا قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة، قال:\nفكتبنا إليه إنه قد جاش إلينا الموت، واستمددناه، فكتب إلينا: إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني، وإني أدلكم على من هو أعز نصرا، وأحصن جندا: الله ﷿ فاستنصروه، فإن محمدا ﷺ قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا، فقاتلوهم ولا تراجعوني، قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ، قال: وأصبنا أموالا فتشاورنا، فأشار\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٦٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٤١٦.\n(^٣) البيض: الخوذ.\n(^٤) مسند أحمد: ١/ ٤٩.","vol":"2","page":96},{"text":"علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب قال: فسبقه فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان (^١) وهو خلفه على فرس عري، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث بندار عن غندر بنحوه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وبدر: محلة بين مكة والمدينة تعرف ببئرها، منسوبة إلى رجل حفرها، يقال له: بدر بن النارين، قال الشعبي: بدر بئر لرجل يسمى بدرا، وقوله ﴿فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تقومون بطاعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٩]</span>\n﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾\nاختلف المفسرون في هذا الوعد، هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين [أحدهما] أن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وروي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم، واختاره ابن جرير (^٢).\nقال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ قال: هذا يوم بدر، رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا داود عن عامر يعني الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: فبلغت كرزا الهزيمة، فلم يمد المشركين، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة، وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.\nفإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩]؟ فالجواب أن التنصيص على الألف-هاهنا-لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال\n_________\n(^١) العقيصة: الشعر المضفور. وتنقزان: ترتعشان بشدة.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٤٢١، ٤٢٢.","vol":"2","page":97},{"text":"الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أمد الله المسلمين يوم بدر بخمسة آلاف.\nالقول الثاني-إن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وذلك يوم أحد وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف لأن المسلمين فروا يومئذ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله تعالى: ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد.\nوقوله: ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يعني: تصبروا على عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا﴾ قال الحسن وقتادة والربيع والسدي: أي من وجههم هذا، وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا، ويقال: من غضبهم هذا.\nوقوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أي معلمين بالسيما، وقال أبو إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال:\nكان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضا في نواصي خيولهم، رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ في هذه الآية ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: بالعهن الأحمر، وقال مجاهد: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي محذفة أعرافها، معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل. وقال العوفي، عن ابن عباس ﵁، قال:\nأتت الملائكة محمدا ﷺ، مسومين بالصوف، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف. وقال قتادة وعكرمة ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي بسيما القتال، وقال مكحول: مسومين بالعمائم. وروى ابن مردويه من حديث عبد القدوس بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال «معلمين». وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر. وروى من حديث حصين بن مخارق عن سعيد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر، عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون (^١)، ثم رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس فذكر نحوه.\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٤٣.","vol":"2","page":98},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة عن يحيى بن عباد أن الزبير ﵁، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر، رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، فذكره.\nوقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبا لقلوبكم وتطمينا، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦] ولهذا قال هاهنا ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والأحكام.\nثم قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال:\n﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي ليهلك أمة ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي يخزيهم ويردهم يغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا. ولهذا قال: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أي يرجعوا ﴿خائِبِينَ﴾ أي لم يحصلوا على ما أملوا. ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦].\nقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم.\nثم ذكر تعالى بقية الأقسام، فقال ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال ﴿فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ أي يستحقون ذلك.\nوقال البخاري (^١): حدثنا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر عن الزهري، حدثني سالم عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر «اللهم العن فلانا وفلانا» بعد ما يقول سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» فأنزل الله\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة آل عمران باب ٩)","vol":"2","page":99},{"text":"تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر به.\nوقال الإمام أحمد (^١) حدثنا أبو النضر حدثنا أبو عقيل-قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل صالح الحديث ثقة-حدثنا عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «اللهم العن فلانا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية» فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ فتيب عليهم كلهم.\nوقال أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية الغلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجلان عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخر الآية، قال: وهداهم الله للإسلام.\nوقال محمد بن عجلان عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.\nوقال البخاري (^٣) أيضا: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين (^٤)، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر «اللهم العن فلانا وفلانا» لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.\nوقال البخاري (^٥): قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك: شج النبي ﷺ يوم أحد، فقال «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه، فقال البخاري في غزوة أحد: حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٩٣.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ١٠٤.\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة آل عمران باب ٩)\n(^٤) قوله: «والمستضعفين من المؤمنين» غير موجود في البخاري.\n(^٥) صحيح البخاري (مغازي باب ٢٢)","vol":"2","page":100},{"text":"رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر «اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا» بعد ما يقول «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وعن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة، وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد آنفا.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هشيم، حدثنا حميد عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ، كسرت رباعيته (^٢) يوم أحد، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم ﷿؟» فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ انفرد به مسلم، فرواه عن القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح: حدثنا الحسين بن واقد عن مطر، عن قتادة، قال: أصيب النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول «كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله ﷿؟» فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بنحوه، ولم يقل: فأفاق.\nثم قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي الجميع ملك له، وأهلها عبيد بين يديه ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي هو المتصرف فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-289>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٦]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد (٣/ ٩٩)\n(^٢) الرباعية: السن بين الثنية والناب.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٤٣٢.","vol":"2","page":101},{"text":"يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة كما كانوا في الجاهلية يقولون: إذا حل أجل الدين، إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه، وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي كما أعدت النار للكافرين، وقد قيل إن معنى قوله ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ تنبيها على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة ﴿بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أي فما ظنك بالظهائر؟، وقيل: بل عرضها كطولها لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وسقفها عرش الرحمن» وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١].\nوقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي ﷺ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي ﷺ «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟».\nوقد رواه ابن جرير (^١) فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد عن أبي خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مرة، قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخا كبيرا قد فسد (^٢)، فقال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلا عن يساره، قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، فأين النار؟ قال: فقال رسول الله ﷺ «سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟».\nوقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب: إن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل؟ وإذا جاء الليل أين النهار؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة، رواه ابن جرير (^٣) من ثلاثة طرق، ثم قال: حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا جعفر بن برقان، أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلا من أهل الكتاب قال: يقولون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٤٣٦.\n(^٢) كذا. وفي الطبري «فنّد» بضم الفاء وتشديد النون المكسورة مبنيا للمجهول، بمعنى قد نسب إلى الفند (بفتحتين) وهو العجز والخرف.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧.","vol":"2","page":102},{"text":"﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ فقال ابن عباس ﵁: أين يكون الليل إذا جاء النهار، وأين يكون النهار إذا جاء الليل؟ (^١) وقد روي هذا مرفوعا، فقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا المغيرة بن سلمة أبو هشام، حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال: «أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء، فأين النهار؟» قال: حيث شاء الله، قال «وكذلك النار تكون حيث شاء الله ﷿».\nوهذا يحتمل معنيين [أحدهما] أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله ﷿، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار. [الثاني] أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال الله ﷿ ﴿كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، والله أعلم.\nثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ أي في الشدة والرخاء والمنشط (^٢) والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم. وقد ورد في بعض الآثار «يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك»، رواه ابن أبي حاتم.\nوقد قال أبو يعلي في مسنده: حدثنا أبو موسى الزمن، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثني الربيع بن سليمان الجيزي عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال:\nقال رسول الله ﷺ «من كف غضبه، كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره» وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر.\n_________\n(^١) قارن بتفسير الطبري ٣/ ٤٣٧، إذ ثمة اختلاف في صيغة العبارة.\n(^٢) أي الأمر الذي ترغب فيه فتنشط له.","vol":"2","page":103},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا مالك عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال «ليس الشديد بالصرعة (^٢)، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وقد رواه الشيخان من حديث مالك.\nوقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله وهو ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله» قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال «اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، وما لوارثك ما أخرت» قال: وقال رسول الله ﷺ «ما تعدون الصرعة فيكم؟» قلنا:\nالذي لا تصرعه الرجال. قال «لا ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب». قال: قال رسول الله ﷺ: ما تعدون فيكم الرقوب؟» قلنا: الذي لا ولد له. قال «لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا» أخرج البخاري الفصل الأول منه، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث، من رواية الأعمش به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة سمعت عروة بن عبد الله الجعفي يحدث عن حصبة أو ابن أبي حصين، عن رجل شهد النبي ﷺ يخطب، فقال «تدرون ما الرقوب؟» قلنا: الذي لا ولد له، قال «الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئا» قال «تدرون ما الصعلوك؟» قالوا: الذي ليس له مال، فقال النبي ﷺ «الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئا» قال: ثم قال النبي ﷺ «ما الصرعة؟» قالوا: الصريع قال: فقال ﷺ «الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر شعره فيصرع (^٥) غضبه».\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن الأحنف بن قيس، عن عم له يقال له جارية بن قدامة السعدي، أنه سأل رسول الله ﷺ، فقال:\nيا رسول الله، قل لي قولا ينفعني وأقلل عليّ لعلي أعيه، فقال رسول الله ﷺ: «لا تغضب» فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارا كل ذلك يقول «لا تغضب»، وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام به، ورواه أيضا عن يحيى بن سعيد القطان عن هشام به، أن رجلا قال: يا رسول الله، قل\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٢٣٦.\n(^٢) الصرعة (بوزن همزة لمزة): القوي الذين لا يصرع.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٣٨٢.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ٣٦٧.\n(^٥) رواية المسند: «فيصرعه غضبه».\n(^٦) مسند أحمد ٥/ ٣٤.","vol":"2","page":104},{"text":"لي قولا وأقلل عليّ لعلي أعقله، فقال «لا تغضب» الحديث، انفرد به أحمد.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: «لا تغضب». قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله، انفرد به أحمد.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا داود بن أبي هند، عن ابن أبي حرب أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذر ﵁ قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم فقالوا: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فذقه، وكان أبو ذر قائما فجلس ثم اضطجع فقيل له: يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع»، ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بإسناده إلا أنه وقع في روايته عن أبي حرب عن أبي ذر، والصحيح ابن أبي حرب عن أبيه عن أبي ذر، كما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا أبو وائل الصنعاني، قال: كنا جلوسا عند عروة بن محمد إذ دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، فلما أن أغضبه قام ثم عاد إلينا وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية هو ابن سعد السعدي-وقد كانت له صحبة-قال: قال رسول الله ﷺ «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ». وهكذا رواه أبو داود من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني عن أبي وائل القاص المرادي الصنعاني، قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ «من أنظر معسرا أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة-ثلاثا-ألا إن عمل النار سهل بسهوة (^٥). والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ جوفه إيمانا»، انفرد به أحمد،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٣٧٣.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ١٥٢.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٢٢٦.\n(^٤) مسند أحمد ١/ ٣٢٧.\n(^٥) السهوة: الأرض اللينة التربة.","vol":"2","page":105},{"text":"وإسناده حسن ليس فيه مجروح، ومتنه حسن.\nحديث آخر في معناه: -قال أبو داود (^١): حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي عن بشر يعني ابن منصور، عن محمد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النبي ﷺ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، ملأه الله أمنا وإيمانا، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو قادر عليه-قال بشر: أحسبه قال: تواضعا-كساه (^٢) الله حلة الكرامة ومن توج لله كساه الله تاج الملك».\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سعيد، حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه أن رسول الله قال «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء» ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن أبي أيوب به، وقال الترمذي: حسن غريب.\nحديث آخر: -قال عبد الرزاق: أنبأنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له عبد الجليل، عن عم له، عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى:\n﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أن النبي ﷺ قال: «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمنا وإيمانا» رواه ابن جرير (^٤).\nحديث آخر: -قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، أنبأنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا علي بن عاصم، أخبرني يونس بن عبيد عن الحسن، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ «ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله» وكذا رواه ابن ماجة عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد به.\nفقوله تعالى: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله ﷿.\nثم قال تعالى: ﴿وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإحسان، وفي الحديث «ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله»، وروى الحاكم في مستدركه من\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أدب باب ٣)\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤٤٠.\n(^٣) في سنن أبي داود أن أبا مرحوم هذا هو عبد الرحمن بن ميمون.\n(^٤) تفسير الطبري ٣/ ٤٣٨.","vol":"2","page":106},{"text":"حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي، عن عبادة بن الصامت، عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ، قال: «من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعظ من حرمه، ويصل من قطعه» ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وقد أورده ابن مردويه من حديث علي وكعب بن عجرة وأبي هريرة وأم سلمة ﵃ بنحو ذلك. وروي عن طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄، قال:\nقال رسول الله ﷺ «إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربكم وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة».\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، حدثنا همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال «إن رجلا أذنب ذنبا فقال: رب إني أذنبت ذنبا فاغفره، فقال الله ﷿: عبدي عمل ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره، فقال ﵎: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره لي، فقال الله ﷿: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فاغفره، فقال ﷿: عبدي علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء». أخرجاه في الصحيحين من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو النضر وأبو عامر، قالا: حدثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين، سمع أبا هريرة، قلنا: يا رسول الله، إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، فقال «لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم».\nقلنا: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال «لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين»، ورواه الترمذي وابن ماجة من وجه آخر من حديث سعد به.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٢٩٦.\n(^٢) مسند أحمد ٣٠٤.","vol":"2","page":107},{"text":"ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة لما رواه الإمام أحمد (^١) بن حنبل: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر وسفيان الثوري عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي ﵁، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا، نفعني الله بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر ﵁ حدثني-وصدق أبو بكر-أنه سمع رسول الله ﷺ، قال «ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء-قال مسعر-فيصلي-وقال سفيان-ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله ﷿ إلا غفر له» وهكذا رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة به، وقال الترمذي:\nهو حديث حسن، وقد ذكرنا طرقه، والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق ﵁، وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النبي أبي بكر الصديق ﵄.\nومما يشهد بصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ-أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء».\nوفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أنه توضأ لهم وضوء النبي ﷺ، ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٢) فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، كما دل عليه الكتاب المبين، من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين.\nوقد قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، بكى. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محرز بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور عن أبي نصيرة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر ﵁، عن النبي ﷺ، قال «عليكم بلا إله إلا الله، والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال:\nأهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون» عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان.\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢.\n(^٢) صحيح البخاري (وضوء باب ٢٤ و٢٨) وصحيح مسلم (طهارة حديث ٤٢٣)","vol":"2","page":108},{"text":"وروى الإمام أحمد (^١) في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال «قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني».\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمر بن أبي خليفة، سمعت أبا بدر يحدث عن ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، أذنبت ذنبا، فقال رسول الله ﷺ «إذا أذنبت فاستغفر ربك. قال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب قال: فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك، فقالها في الرابعة استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور» وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ أي لا يغفرها أحد سواه، كما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا سلام بن مسكين والمبارك عن الحسن عن الأسود بن سريع أن النبي ﷺ أتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد؛ فقال النبي ﷺ «عرف الحق لأهله».\nوقوله ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه، كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره، قالوا: حدثنا أبو يحيى عبد الحميد الحماني عن عثمان بن واقد، عن أبي نصيرة، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد-وقد وثقه يحيى بن معين به-وشيخه أبو نصيرة الواسطي واسمه مسلم بن عبيد، وثقه الإمام أحمد وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضر لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر، فهو حديث حسن، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن من تاب تاب الله عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة:١٠٤] وكقوله ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠] ونظائر هذا كثيرة جدا.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٢٩، ٤١، ٧٦.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٣٤٥.","vol":"2","page":109},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، أنبأنا جرير، حدثنا حبان هو ابن زيد الشرعبي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال وهو على المنبر «ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» تفرد به أحمد.\nثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي جزاؤهم على هذه الصفات ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي من أنواع المشروبات ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ يمدح تعالى الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-290>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٧ إلى ١٤٣]</span>\n﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾\nيقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد وقتل منهم سبعون ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ يعني القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ﴾ يعني القرآن فيه خبر ما قبلكم.\nو﴿هُدىً﴾ لقلوبكم، ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي زاجر عن المحارم والمآثم. ثم قال تعالى مسليا للمؤمنين ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أي لا تضعفوا بسبب ما جرى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أي إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ أي نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مهجهم في مرضاته ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب. وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله ﴿وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ١٦٥.","vol":"2","page":110},{"text":"﴿مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] الآية، ولهذا قال هاهنا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء.\nوقوله ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم، تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» (^١) ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرجال للقتال والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل. وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة الذئب.\n\n<span data-type='title' id=toc-291>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٨]</span>\n﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اِسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾\nلما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدا، وإنما كان قد ضرب رسول الله ﷺ فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، وجوّزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء ﵈، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جهاد باب ٢٢) وصحيح مسلم (جهاد حديث ٢٠) وسنن الترمذي (فضائل الجهاد باب ٢٣)","vol":"2","page":111},{"text":"قال ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدا ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة.\nثم قال تعالى منكرا على من حصل له ضعف ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ أي رجعتم القهقرى ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ أي الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيا وميتا. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ أن الصديق ﵁، تلا هذه الآية لما مات رسول الله ﷺ.\nوقال البخاري (^١): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة أن عائشة ﵂، أخبرته أن أبا بكر ﵁، أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها.\nوقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يحدّث الناس فقال:\nاجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى:\n﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ -إلى قوله- ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ قال:\nفوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت (^٢) حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عليا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني؟\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جنائز باب ٣)\n(^٢) عقر الرجل: بقي مكانه لم يتقدم أو يتأخر لفزع أصابه.","vol":"2","page":112},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ أي لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له، ولهذا قال ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ كقوله ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] وكقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا العباس بن يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية عن الأعمش عن حبيب بن صهبان، قال: قال رجل من المسلمين وهو حجر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو هذه النطفة-يعني دجلة- ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم، أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان (^١) فهربوا.\nوقوله ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها﴾ أي من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] وقال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا* وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩] ولهذا قال هاهنا ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم.\nثم قال تعالى مسليا للمؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قيل: معناه كم من نبي قتل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير (^٢) فإنه قال: وأما الذين قرءوا «قتل معه ربيون كثير» فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل، قال: ومن قرأ قاتل فإنه اختار ذلك، لأنه قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله ﴿فَما وَهَنُوا﴾ وجه معروف لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا، ثم اختار قراءة من قرأ «قتل معه ربيون كثير» لأن الله عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمدا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال، فقال لهم ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم و﴿اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾.\n_________\n(^١) أي شيطان. وهي كلمة أعجمية معربة.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٤٦٠.","vol":"2","page":113},{"text":"وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير، وكلام ابن إسحاق في السيرة (^١) يقتضي قولا آخر، فإنه قال: وكأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي جماعات (^٢) فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾.\nفجعل قوله ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حالا، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه، وله اتجاه لقوله ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ﴾ الآية، وكذا حكاه الأموي في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحك غيره.\nوقرأ بعضهم (^٣) ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر عن ابن مسعود ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي ألوف، وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي والربيع وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة وقال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي علماء كثير، وعنه أيضا: علماء صبر أبرار وأتقياء. وحكى ابن جرير (^٤) عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب ﷿، قال: ورد بعضهم (^٥) عليه فقال: لو كان كذلك لقيل: الربيون بفتح الراء، وقال ابن زيد: الربيون الأتباع والرعية، والربانيون الولاة.\n﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا﴾ قال قتادة والربيع بن أنس ﴿وَما ضَعُفُوا﴾ بقتل نبيهم ﴿وَمَا اسْتَكانُوا﴾ يقول: فما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله، وقال ابن عباس ﴿وَمَا اسْتَكانُوا﴾ تخشعوا، وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم، وقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ* وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي لم يكن لهم هجّيرى (^٦) إلا ذلك ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ أي النصر والظفر والعاقبة ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ﴾ أي جمع لهم ذلك مع هذا ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٢.\n(^٢) في السيرة: «أي جماعة-فما وهنوا لفقد نبيهم».\n(^٣) قال القرطبي في تفسيره (٤/ ٢٢٩): «قاتل» هي قراءة الكوفيين وابن عامر وابن مسعود، واختارها أبو عبيد وقال: إن الله إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم؛ فقاتل أتمّ وأمدح.\n(^٤) تفسير الطبري ٣/ ٤٦١.\n(^٥) هم بعض نحويي الكوفة، كما في الطبري.\n(^٦) الهجيرى: الدأب والشأن.","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾\nيحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردي في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان التيمي عن سيار عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال «فضلني ربي على الأنبياء-أو قال على الأمم-بأربع: قال:\nأرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحل لي الغنائم». ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سكن البصرة، عن أبي أمامة صدي بن عجلان ﵁ به، وقال: حسن صحيح.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جهاد باب ١٢٢) وصحيح مسلم (مساجد حديث ٣ و٥)\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٢٤٨.","vol":"2","page":115},{"text":"وقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: «نصرت بالرعب على العدو»، ورواه مسلم من حديث ابن وهب.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهرا، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته وإني اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات لا يشرك بالله شيئا» تفرد به أحمد.\nوروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: «إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب» رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قال ابن عباس: وعدهم الله النصر، وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أن ذلك كان يوم أحد، لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة، ولهذا قال ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ أي أول النهار ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أي تقتلونهم ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي بتسليطه إياكم عليهم ﴿حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ﴾ وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن ﴿وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ كما وقع للرماة ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ﴾ وهو الظفر منهم ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ أي غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك، والله أعلم، لكثرة عدد العدو وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم، قال ابن جريج: قوله ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ قال: لم يستأصلكم، وكذا قال محمد بن إسحاق: رواهما ابن جرير (^٢) ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٤١٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦.","vol":"2","page":116},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد، قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباس والحسن: القتل ﴿حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ الآية، وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع ثم قال: «احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا» فلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين، أكبّت الرماة جميعا دخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فهم هكذا-وشبك بين يديه-وانتشبوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله ﷺ، فضرب بعضهم بعضا، والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا-حيث يقول الناس-الغار، إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشكوا به أنه حق، فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بتلفته إذا مشى، قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقى نحونا وهو يقول: «اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله» ويقول مرة أخرى: «اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا» حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعل هبل-مرتين يعني إلهه-أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: يا رسول الله ألا أجيبه؟ قال «بلى». فلما قال: اعل هبل.\nقال عمر: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: قد أنعمت عينها فعاد: عنها أو فعال. فقال أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر، هذا رسول الله ﷺ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان، يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال: عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. قال: إنكم تزعمون ذلك، لقد خبنا وخسرنا إذن، ثم قال أبو سفيان: إنكم تسجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه. هذا حديث غريب وسياق عجيب، وهو من مرسلات (^٢) ابن عباس، فإنه لم يشهد أحدا ولا أبوه، وقد أخرجها الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سلمان بن\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(^٢) المرسل في مصطلح الحديث هو ما سقط من إسناده الصحابي، كأن يقول التابعي: قال رسول الله، ولا يذكر الصحابي الذي أخذه عنه.","vol":"2","page":117},{"text":"داود بن علي بن عبد الله بن عباس به، وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به. ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.\nفقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس منا أحد يريد الدنيا، حتى أنزل الله ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ، وعصوا ما أمروا به، أفرد النبي ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم ﷺ، فلما رهقوه قال: «رحم الله رجلا ردهم عنا» قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضا قال: «رحم الله رجلا ردهم عنا» فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: «ما أنصفنا أصحابنا» فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل: فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: الله أعلى وأجل»، فقالوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان، لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم» فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر. فيوم علينا ويوم لنا، يوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ: «لا سواء: أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون» فقال أبو سفيان، لقد كان في القوم مثلة، وإن كان لعن غير ملأ (^٢) منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال رسول الله ﷺ:\n«أكلت شيئا»؟ قالوا: لا. قال: «ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار» قال: فوضع رسول الله ﷺ: حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة، تفرد به أحمد أيضا.\nوقال البخاري (^٣): حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال «لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا» فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٤٦٣.\n(^٢) أي عن غير مشاورة.\n(^٣) صحيح البخاري (مغازي باب ١٧)","vol":"2","page":118},{"text":"القوم محمد؟ فقال «لا تجيبوه». فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال «لا تجيبوه». فقال:\nأفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال له: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله عليك ما يحزنك، قال أبو سفيان: اعل هبل.\nفقال النبي ﷺ: «أجيبوه» قالوا: ما نقول قال: «قولوا: الله أعلى وأجل». قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ «أجيبوه» قالوا: ما نقول؟ قال «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم». قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه عن عمرو بن خالد عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه، وسيأتي بأبسط من هذا.\nوقال البخاري (^١) أيضا: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصرخ إبليس:\nأي عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة:\nيغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله ﷿.\nوقال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده أن الزبير بن العوام قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت (^٣) الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم. قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فدفعته لقريش فلاثوا به (^٤).\nوقال السدي، عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة، رواهن ابن مردويه في تفسيره.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قال ابن إسحاق (^٥): حدثني القاسم بن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (مغازي باب ١٨)\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٧٧ - ٧٨.\n(^٣) في السيرة: «إذا مالت».\n(^٤) لاثوا به: اجتمعوا حوله والتفّوا.\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٨٣.","vol":"2","page":119},{"text":"عبد الرحمن بن رافع أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يخليكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ﵁.\nوقال البخاري (^١): حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد عن أنس بن مالك أن عمه يعني أنس بن النضر، غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ لئن أشهدني الله مع رسول الله مع رسول الله ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء-يعني المسلمين-وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه بشامة (^٢)، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم، هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه.\nوقال البخاري (^٣) أيضا: حدثنا عبدان، حدثنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني، قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال:\nنعم. فكبر، فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه» وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: «هذه يد عثمان» فضرب بها على يده فقال:\n«هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك» ثم رواه البخاري من وجه آخر على أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ أي صرفكم عنهم إذ تصعدون أي في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي في الجبل ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ أي وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ﴾ أي وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (مغازي باب ١٨)\n(^٢) في البخاري: «عرفته أخته بشامة أو ببنانه».\n(^٣) صحيح البخاري (مغازي باب ١٩)","vol":"2","page":120},{"text":"والعودة والكرة. قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس «إليّ عباد الله، إليّ عباد الله» فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم، فقال ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ﴾ وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد. وقال عبد الله بن الزبعرى: يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها: [الرمل] يا (^١) غراب البين أسمعت فقل … إنما تنطق شيئا قد فعل\nإن للخير وللشرّ مدى … وكلا ذلك وجه وقبل (^٢)\nإلى أن قال:\nليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل (^٣)\nحين حكّت بقباء بركها … واستحرّ القتل في عبد الأشل (^٤)\nثم خفّوا عند ذاكم رقّصا … رقص الحفّان يعلو في الجبل (^٥)\nفقتلنا الضّعف من أشرافهم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل\nالحفان: صغار النعم. وقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثني عشر رجلا من أصحابه كما قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب ﵁، قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد-وكانوا خمسين رجلا- عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعا، وقال «إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»، قال فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله الغنيمة: أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قاله لكم رسول الله ﷺ؟ فقالوا: إنا والله لنأتين الناس، فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله إلا اثنا عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين،\n_________\n(^١) رواها ابن هشام في السيرة (٢/ ١٣٦) في ١٦ بيتا. ثم روى بعدها ١٦ بيتا لحسان بن ثابت ردا على أبيات ابن الزبعري.\n(^٢) القبل (بفتحتين): المواجهة والمقابلة. يريد أن كل ذلك ملاقيه الإنسان في مستقبل أيامه.\n(^٣) الأسل: الرماح.\n(^٤) البرك: الصدر. استحرّ القتل: اشتد. عبد الأشل: أي بنو عبد الأشهل، فحذف الهاء.\n(^٥) الرقص (بالتحريك): مشي سريع.\n(^٦) مسند أحمد ٤/ ٢٩٣)","vol":"2","page":121},{"text":"وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ -ثلاثا-قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. وإنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز يقول: اعل هبل اعل هبل، فقال رسول الله ﷺ «ألا تجيبوه؟» قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال «قولوا الله أعلى وأجل» قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله ﷺ «ألا تجيبوه؟» قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرا، ورواه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق بأبسط من هذا كما تقدم، والله أعلم.\nوروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل، فلقيهم المشركون، فقال «ألا أحد لهؤلاء» فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال «كما أنت يا طلحة» فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال «ألا رجل لهؤلاء» فقال طلحة، مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه وأصحابه يصعدون، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله، فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما، فقال رسول الله ﷺ «من لهؤلاء» فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال حس (^١)، فقال رسول الله «لو قلت باسم الله وذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء» ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون.\nوقد روى البخاري عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ، يعني يوم أحد-وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ، في بعض الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ، إلا طلحة بن عبيد الله وسعد عن حديثهما (^٢). وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشم الزهري، قال: سمعت\n_________\n(^١) حسّ: لفظ يقوله الإنسان إذا أصابه شيء آذاه غفلة، كالضربة وحرق الجمرة ونحو ذلك.\n(^٢) أي عن قرب منه.","vol":"2","page":122},{"text":"سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد وقال «ارم فداك أبي وأمي»، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد، عن مروان بن معاوية.\nوقال محمد بن إسحاق (^١): حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه رمى يوم أحد دون رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النبل ويقول «ارم فداك أبي وأمي» حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به.\nوثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ، وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني جبريل وميكائيل ﵉.\nوقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، واثنين من قريش، فلما أرهقوه قال «من يردهم عنا وله الجنة-أو وهو رفيقي في الجنة» فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضا، فقال «من يردهم عنا وله الجنة» فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه «ما أنصفنا أصحابنا» رواه مسلم (^٢) عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به نحو.\nوقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير، قال: كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ، فلما بلغت رسول الله حلفته، قال «بل أنا أقتله إن شاء الله» فلما كان يوم أحد، أقبل أبي في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبي بن خلف، من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ «بل أنا أقتل أبيا» ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي، بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات إلى النار ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه.\nوذكر محمد بن إسحاق (^٣)، قال: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أدركه أبي بن\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٨٢.\n(^٢) صحيح مسلم (جهاد حديث ١٠٠)\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٨٤.","vol":"2","page":123},{"text":"خلف وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ «دعوه» فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم فيما ذكر لي-فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعراء (^١) عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ (^٢) منها عن فرسه مرارا.\nوذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، نحو ذلك. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي (^٣) من الليل، إذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ. هذا أبي بن خلف.\nوثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق عن معمر، عن همام بن منبه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ-وهو حينئذ يشير إلى رباعيته-واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله» وأخرجه البخاري أيضا من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اشتد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ بيده في سبيل الله، واشتد غضب الله على قوم دمّوا وجه رسول الله ﷺ (^٤).\nقال ابن إسحاق (^٥): أصيبت رباعية رسول الله ﷺ، وشج في وجنته، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني صالح بن كيسان، عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص إن كان ما علمت لسيء الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ «اشتد غضب الله على من دمّى وجه رسول الله ﷺ».\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن عثمان الجزري، عن مقسم أن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمّى وجهه، فقال «اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا» فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار -وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي الحويرث،\n_________\n(^١) الشعراء: قال ابن هشام: الشعراء ذباب له لدغ.\n(^٢) تدأدأ: تقلّب عن فرسه فجعل يتدحرج.\n(^٣) الهويّ من الليل: الساعة من الليل.\n(^٤) صحيح البخاري (مغازي باب ٢٤) وصحيح مسلم (جهاد حديث ١٠٦)\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٨٦.","vol":"2","page":124},{"text":"عن نافع بن جبير، قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ، دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد، ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع! خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك، قال الواقدي:\nوالذي ثبت عندنا، أن الذي رمى في وجنتي رسول الله ﷺ ابن قميئة، والذي دمّى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد، قال: ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه وأراه قال حمية، فقال: فقلت: كان طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفا لا أحفظه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ، وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله ﷺ «عليكما صاحبكما» يريد طلحة وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ، فأزمّ (^١) عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيّته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة أحسن الناس هتما، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار (^٢)، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه.\nورواه الهيثم بن كليب والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه، فجعل ينضنضه (^٣) كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استل السهم بفيه فبدرت ثنية أبي عبيدة، وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وقد ضعّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد ويحيى بن معين والبخاري\n_________\n(^١) أزمّ: شدّ.\n(^٢) جمع جفرة، وهي الحفرة.\n(^٣) ينضنضه: يحركه.","vol":"2","page":125},{"text":"وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وغيرهم.\nوقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن مالكا أبا أبي سعيد الخدري لما جرح النبي ﷺ يوم أحد مص الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له:\nمجه، فقال: لا والله لا أمجه أبدا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» فاستشهد.\nوقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه ﷺ، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم وكان علي يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي فجزاكم غما على غم، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان. وقال ابن جرير (^١): وكذا قوله ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل، قال ابن عباس: الغم الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل قتل محمد ﷺ، والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ: «اللهم ليس لهم أن يعلونا» وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل قتل محمد ﷺ كان ذلك عندهم أشد وأعظم من الهزيمة، رواهما ابن مردويه، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، وذكر ابن أبي حاتم، عن قتادة نحو ذلك أيضا وقال السدي: الغم الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني بإشراف العدو عليهم، وقال محمد بن إسحاق ﴿فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي كربا بعد كرب قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم، فكان ذلك متتابعا عليكم غما بغم، وقال مجاهد وقتادة: الغم الأول سماعهم قتل محمد، والثاني ما أصابهم من القتل والجراح، وعن قتادة والربيع بن أنس عكسه. وعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني إشراف العدو عليهم، وقد تقدم هذا القول عن السدي.\nقال ابن جرير (^٢): وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال ﴿فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح، يومئذ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم أمر ربكم، وخلافكم أمر نبيكم ﷺ غم ظنكم أن نبيكم قد قتل وميل العدو عليكم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٤٧٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٣٨١.","vol":"2","page":126},{"text":"بعد فلولكم منهم. وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ أي على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم ﴿وَلا ما أَصابَكُمْ﴾ من الجراح والقتل، قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف والحسن وقتادة والسدي، ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ سبحانه وبحمده لا إله إلا هو جل وعلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٤ إلى ١٥٥]</span>\n﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾\nيقول تعالى ممتنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١]، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود، قال: النعاس في القتال من الله وفي الصلاة من الشيطان.\nوقال البخاري: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، وهكذا رواه في المغازي معلقا، ورواه في كتاب التفسير مسندا عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه.\nوقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال، رفعت رأسي يوم أحد وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت حجفته من النعاس، لفظ الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي أيضا، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن أبي قتيبة، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس، الحديث، وهكذا روي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط","vol":"2","page":127},{"text":"وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ أي إنما هم كذبة أهل شك وريب في الله ﷿ هكذا رواه بهذه الزيادة وكأنها من كلام قتادة ﵀ وهو كما قال، فإن الله ﷿ يقول:\n﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ﴾ يعني أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق وهم الجازمون بأن الله ﷿ سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال:\n﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ كما قال في الآية الأخرى ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢] إلى آخر الآية.\nوهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ﴿يَقُولُونَ﴾ في تلك الحال ﴿هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ أي يسرون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.\nقال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فحفظتها منه وفي ذلك أنزل الله ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ لقول معتب، رواه ابن أبي حاتم.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ﴾ أي هذا قدر قدره الله ﷿ وحكم حتم لا محيد عنه ولا مناص منه، وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي يختبركم بما جرى عليكم ليميز الخبيث من الطيب ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ أي ببعض ذنوبهم السابقة كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها، ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ أي عما كان منهم من الفرار ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي يغفر الذنب ويحلم عن خلقه ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان وتوليه يوم أحد وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ ومناسب ذكره هاهنا.","vol":"2","page":128},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال:\nلقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين، قال عاصم: يقول يوم أحد: ولم أتخلف عن بدر ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فأخبر بذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله إني لم أفر يوم حنين، فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله إني تركت سنة عمر فإني لا أطيقها ولا هو، فأته فحدثه بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-294>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾\nينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب، لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾ أي عن إخوانهم ﴿إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي سافروا للتجارة ونحوها ﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ أي كانوا في الغزو ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أي في البلد ﴿ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ أي ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم، ثم قال تعالى ردا عليهم ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شيء، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضا، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا جمع حطامها الفاني، ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله ﷿، فيجزيه بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٦٨.","vol":"2","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٤]</span>\n﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾\nيقول تعالى مخاطبا رسوله، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: أي شيء جعلك لهم لينا، لولا رحمة الله بك وبهم، وقال قتادة ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يقول فبرحمة من الله لنت لهم، وما صلة (^١)، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وبالنكرة كقوله: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] وهكذا هاهنا قال: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي برحمة من الله، وقال الحسن البصري هذا خلق محمد ﷺ بعثه الله به، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حيوة، حدثنا بقية، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحبراني قال: أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال «يا أبا أمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه» تفرد به أحمد.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والفظ الغليظ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ أي لو كنت سيء الكلام، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: «إني أرى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة إنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح».\nوقال أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي، حدثنا عمار بن عبد الرحمن عن المسعودي عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض» حديث غريب.\n_________\n(^١) أي زائدة.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٢٦٧.","vol":"2","page":130},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ولذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييبا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد (^١) لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون: ولكن نقول اذهب، فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك مقاتلون. وشاورهم أيضا أين يكون المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت (^٢)، بالتقدم إلى أمام القوم. وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى ذلك عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين.\nفقال له الصديق: إنا لم نجيء لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، وقال ﷺ في قصة الإفك «أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا (^٣) أهلي ورموهم، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن؟ والله ما علمت عليه إلا خيرا» واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة ﵂. فكان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.\nوقد قال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال: أبو بكر وعمر ﵄، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواريّي رسول الله ﷺ ووزيريه، وأبوي المسلمين، وقد روى الإمام أحمد (^٤): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله ﷺ، قال لأبي بكر وعمر «لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما» وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزم؟ فقال «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم» وقد قال ابن ماجة (^٥): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا\n_________\n(^١) برك الغماد: موضع باليمن.\n(^٢) المعنق ليموت: لقب أطلقه عليه رسول الله لما بلغه مقتله فقال: «أعنق ليموت» أي أنه تطلع إلى منيته وأسرع إليها- انظر سيرة ابن هشام ٢/ ١٨٣ حديث بئر معونة.\n(^٣) أي اتهموهم.\n(^٤) مسند أحمد ٤/ ٢٢٧.\n(^٥) سنن ابن ماجة (أدب باب ٣٧)","vol":"2","page":131},{"text":"يحيى بن بكير عن شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «المستشار مؤتمن» ورواه أبو داود (^١) والترمذي، وحسنه النسائي من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط من هذا. ثم قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «المستشار مؤتمن» تفرد به. وقال أيضا: حدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ «إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه» تفرد به أيضا.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وهذه الآية كما تقدم من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ثم أمرهم بالتوكل عليه، فقال ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد:\nما ينبغي لنبي أن يخون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان بن خصيف عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي يخون. وقال ابن جرى (^٢): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا خصيف، حدثنا مقسم، حدثني ابن عباس أن هذه الآية ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ وكذا رواه أبو داود والترمذي جميعا عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد به. وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم، عن خصيف، عن مقسم يعني مرسلا.\nوروى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اتهم المنافقون رسول الله ﷺ بشيء فقد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ وروي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم، وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضا. وكذا قال الضحاك. وقال محمد بن إسحاق\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أدب باب ١١٤) وسنن النسائي (زهد باب ٣٩)\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٤٩٨.","vol":"2","page":132},{"text":"﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه أمته. وقرأ الحسن البصري وطاوس ومجاهد والضحاك ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بضم الياء أي يخان وقال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غل بعض أصحابه. رواه ابن جرير (^١) عنهما، ثم حكى عن بعضهم أنه فسر هذه القراءة بمعنى يتهم بالخيانة.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضا في أحاديث متعددة.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الملك، حدثنا زهير يعني ابن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي ﷺ قال «أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض-أو في الدار-فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة».\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا أوليست له زوجة فليتزوج، أوليس له خادم فليتخذ خادما، أوليست له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال» هكذا رواه الإمام أحمد. وقد رواه أبو داود (^٤) بسند آخر وسياق آخر، فقال: حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا المعاني، حدثنا الأوزاعي عن الحارث بن يزيد، عن جبير بن نفير، عن المستورد بن شداد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا» قال:\nقال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ، قال «من اتخذ غير ذلك فهو غال-أو سارق». قال شيخنا الحافظ المزي ﵀: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان: فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بدل جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب.\nحديث آخر: -قال ابن جرير (^٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا حفص بن حميد عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥٠٠.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٤٠.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٢٨٩.\n(^٤) سنن أبي داود (إمارة باب ١٠)\n(^٥) تفسير الطبري ٣/ ٥٠٢.","vol":"2","page":133},{"text":"من الله شيئا قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملا له رغاء، فيقول:\nيا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعا (^١) من أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك» لم يروه أحد من أهل الكتب الستة.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سفيان عن الزهري سمع عروة يقول: حدثنا أبو حميد الساعدي: قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال «ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي: أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر» (^٣) ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: ثم قال «اللهم هل بلغت» ثلاثا، وزاد هشام بن عروة فقال أبو حميد: بصرته بعيني وسمعته بأذني واسألوا زيد بن ثابت، أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، وعند البخاري:\nواسألوا زيد بن ثابت، ومن غير وجه عن الزهري، ومن طريق عن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة، به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن عروة بن الزبير عن أبي حميد أن رسول الله ﷺ قال «هدايا العمال غلول» وهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإسناد، وكأنه مختصر من الذي قبله، والله أعلم.\nحديث آخر: -قال أبو عيسى الترمذي (^٥) في كتاب الأحكام: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة عن داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال «أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ لهذا دعوتك فامض لعملك» هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن عدي بن عميرة وبريدة والمستورد بن شداد وأبي حميد وابن عمر.\n_________\n(^١) القشع: الجلد اليابس.\n(^٢) مسند أحمد ٦/ ٣٩٢.\n(^٣) يعرث الشاة أو المعزى تيعر يعرا: صاحت.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ٤٢٤.\n(^٥) سنن الترمذي (أحكام باب ٨)","vol":"2","page":134},{"text":"حديث آخر: -قال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي، عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول:\nلا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع (^٢) تخنق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (^٣)، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك» أخرجاه من حديث أبي حيان به.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني قيس عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله ﷺ «يا أيها الناس من عمل لنا منكم عملا فكتمنا منه مخيطا فما فوقه، فهو غل يأتي به يوم القيامة» قال: فقام رجل من الأنصار أسود-قال مجالد: هو سعيد بن عبادة كأني انظر إليه-فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال «وما ذاك؟» قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال «وأنا أقول ذاك الآن، من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهى» وكذا رواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن جريج، حدثني منبوذ رجل من آل أبي رافع عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى ينحدر المغرب، قال أبو رافع: فبينما رسول الله ﷺ مسرعا إلى المغرب، إذ مر بالبقيع، فقال «أف لك، أف لك» مرتين، فكبر في ذرعي وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال «مالك؟» امش قال: قلت: أحدثت حدثا يا رسول الله، قال «وما ذاك»؟ قلت: أفّفت بي، قال «لا، ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيا على آل فلان فغل نمرة فدرع الآن مثلها من نار».\nحديث آخر: -قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج -وكان بمكة-حدثنا عبيدة بن الأسود عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٤٢٦.\n(^٢) أي كتب فيها ما عليه من حقوق.\n(^٣) الصامت من المال: الذهب والفضة.\n(^٤) مسند أحمد ٣/ ١٩٢.\n(^٥) مسند أحمد ٦/ ٣٩٢.","vol":"2","page":135},{"text":"ناجد، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم ثم يقول «مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد، في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم» وقد روى ابن ماجة بعضه عن المفلوج به.\nحديث آخر: -عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ «ردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة».\nحديث آخر: قال أبو داود (^١) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن مطرف، عن أبي الجهم، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: بعثني رسول الله ﷺ ساعيا، ثم قال «انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء، قد غللته» قال:\nإذا لا أنطلق، قال «إذا لا أكرهك»، تفرد به أبو داود.\nحديث آخر: -قال أبو بكر بن مردويه: أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا عبد الحميد بن صالح، أنبأنا أحمد بن أبان عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال «إن الحجر ليرمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفا ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه ثم يقال لمن غل ائت به، فذلك قوله ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾».\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال:\nلما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ «كلا إني رأيته في النار في بردة غلها -أو عباءة-» ثم قال رسول الله ﷺ «يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وكذا رواه مسلم والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nحديث آخر: -قال ابن جرير (^٣): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدقا، فقال: إياك\n_________\n(^١) سنن أبي داود (إمارة باب ١٢)\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٣٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٥٠٣.","vol":"2","page":136},{"text":"يا سعد أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء». قال: لا آخذه ولا أجيء به، فأعفاه ثم رواه من طريق عبيد الله عن نافع به نحوه.\nحديث آخر: -قال أحمد (^١): حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد في متاع رجل غلول، قال: فسأل سالم بن عبد الله، فقال: حدثني أبي عبد الله عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من وجدتم في متاعه غلولا فأحرقوه-قال: وأحسبه قال: واضربوه» قال: فأخرج متاعه في السوق فوجد فيه مصحفا، فسأل سالما فقال: بعه وتصدق بثمنه، وكذا رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الأتدراوردي، زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري، كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة به. وقد قال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا، وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ومن تابعه من أصحابه، وقد رواه الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي، قال: الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد، وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال بل يعزر تعزير مثله، وقال البخاري: وقد امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه، والله أعلم.\nحديث آخر عن عمر ﵁-قال ابن جرير (^٢): حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوما الصدقة، فقال: ألم تسمع قول رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة «من غل منها بعيرا أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة»؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى. ورواه ابن ماجة عن عمرو بن سوّاد عن عبد الله بن وهب به. ورواه الأموي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله ويحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي قال: الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد.\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٥٠٣.","vol":"2","page":137},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن جبير بن مالك، قال: أمر بالمصاحف أن تغير، قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغله، فإنه من غل شيئا جاء به يوم القيامة، ثم قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ-وروى وكيع في تفسيره عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: لما أمر بتحريق المصاحف قال عبد الله بن مسعود ﵁: يا أيها الناس غلوا المصاحف، فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة، ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة-وقال أبو داود، عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبنا من الغنيمة، فقال «أسمعت بلالا ينادي» ثلاثا؟ قال: نعم. قال «نعم. قال «فما منعك أن تجيء»؟ فاعتذر إليه فقال «كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك».\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله وألزم به فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير، وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ [الرعد: ١٩]، وكقوله ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٦١]. ثم قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾، قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرا ولا يزيدهم شرا، بل يجازي كل عامل بعمله، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ [الروم: ٢١] أي من جنسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقال تعالى:\n﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٤١٤.","vol":"2","page":138},{"text":"تعالى: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يعني القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني القرآن والسنة، ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا الرسول ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي لفي غيّ وجهل ظاهر جلي بيّن لكل أحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-296>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٥ إلى ١٦٨]</span>\n﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ يعني يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا، وأسروا سبعين أسيرا، ﴿قُلْتُمْ أَنّى هذا﴾ أي من أين جرى علينا هذا ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قراد بن نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله ﷺ عنه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بأخذكم الفداء. وهكذا رواه الإمام أحمد (^١) عن عبد الرحمن بن غزوان وهو قراد بن نوح بإسناده ولكن بأطول منه، وهكذا قال الحسن البصري، وقال ابن جرير (^٢): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن عون، ح (^٣)، قال سنيد وهو حسين:\nوحدثني حجاج عن جرير، عن محمد عن عبيدة، عن علي ﵁، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس، فذكر لهم ذلك فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا، عدة أسارى أهل بدر، وهكذا رواه النسائي\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٠ - ٣١.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٥٠٩.\n(^٣) هذا الحرف يشير إلى إسناد آخر للحديث نفسه.","vol":"2","page":139},{"text":"والترمذي من حديث أبي داود الحفري عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به، ثم قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروى أبو أسامة عن هشام نحوه، وروى عن ابن سيرين عن عبيدة، عن النبي ﷺ مرسلا.\nوقال محمد بن إسحاق وابن جريج والربيع بن أنس والسدي ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي بسبب عصيانكم لرسول الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه.\nثم قال تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ أي فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة، ولهذا قال ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو صالح والحسن والسدي: يعني كثروا سواد المسلمين، وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء، وقال غيره: رابطوا، فتعللوا قائلين ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربا لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالا.\nقال محمد بن إسحاق (^١): حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبّان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث (^٢)، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يعني حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز (^٣) عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم، ومضى رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠ - ٦٤.\n(^٢) عبارة ابن إسحاق في السيرة: «كلهم قد حدّث بعض الحديث من يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث. قالوا، أو من قال منهم … إلخ».\n(^٣) في السيرة: «انخزل».","vol":"2","page":140},{"text":"قال الله ﷿: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ استدلوا به علة أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان، لقوله:\n﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر. وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ أي لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-297>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٩ إلى ١٧٥]</span>\n﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾\nيخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. قال محمد بن جرير (^١): حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة، حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله ﷺ الذين أرسلهم نبي الله ﷺ إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ حتى أتوا غارا مشرفا على الماء فقعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؟ فقال-أراه ابن ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ، فخرج حتى أتى حيا منهم فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥١٥.","vol":"2","page":141},{"text":"كسر (^١) البيت برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل، قال: وقال إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرآنا: «بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه»، ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زمانا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.\nوقد قال مسلم (^٢) في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة، تركوا» وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ، قال «ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة» تفرد به مسلم من طريق حماد.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله ﷺ «أعلمت أن الله أحيا أباك، فقال له: تمن عليّ. فقال له: أرد إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى. قال: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون». تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن أبا جابر وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁، قتل يوم أحد شهيدا. قال البخاري: وقال أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر:\nسمعت جابرا قال لما قتل أبي: جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني والنبي ﷺ لم ينه، وقال النبي ﷺ «لا تبكيه-أو ما تبكيه-ما زالت\n_________\n(^١) كسر البيت: جانبه.\n(^٢) صحيح مسلم (إمارة حديث ١٢١.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ١٢٦.\n(^٤) مسند أحمد ٣/ ٣٦١.","vol":"2","page":142},{"text":"الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع» وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طريق آخر عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وذكر تمامه بنحوه.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله ﷿ هذه الآيات ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وما بعدها» هكذا رواه أحمد، وكذا رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق به. ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ فذكره، وهذا أثبت. وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس-وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وكذلك قال قتادة والربيع والضحاك: أنها نزلت في قتلى أحد.\nحديث آخر: قال أبو بكر بن مردويه، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان، أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري، سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصّمة الأنصاري، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إليّ رسول الله ﷺ ذات يوم فقال «يا جابر مالي أراك مهتما؟» قال قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك دينا وعيالا، قال: فقال: «ألا أخبرك ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا»، قال علي: الكفاح المواجهة «قال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أراد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب ﷿: إنه قد سبق مني القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا﴾ الآية». ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري، عن أبيه عن جابر، به نحوه. وكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق علي بن\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.","vol":"2","page":143},{"text":"المديني به. وقد رواه البيهقي أيضا من حديث أبي عبادة الأنصاري وهو عيسى بن عبد الرحمن إن شاء الله عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النبي ﷺ لجابر «يا جابر ألا أبشرك» قال: بلى، بشرك الله بالخير، قال «شعرت أن الله أحيا أباك، فقال: تمن عليّ عبدي ما شئت أعطكه، قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه سلف مني إنه إليها لا يرجع».\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» تفرد به أحمد. وقد رواه ابن جرير (^٢) عن أبي كريب: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان وعبيدة عن محمد بن إسحاق به، وهو إسناد جيد.\nوكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم-وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد ﵀، رواه عن محمد بن إدريس الشافعي ﵀، عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» (^٣) قوله «يعلق» أي يأكل، وفي هذا الحديث «إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة» وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ﴾ إلى آخر الآية، أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم، نسأل الله الجنة.\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٦٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٥١٣.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٤٥٥.","vol":"2","page":144},{"text":"قال محمد بن إسحاق (^١) ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي ويسرون بلحوق من خلفهم (^٢) من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم. قال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم، وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم، أي ربهم، أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية، وقد ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله ﷺ يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا».\nثم قال تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم الله إياه، إلا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من بعدهم.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ هذا كان يوم حمراء الأسد، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تندّموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله ﵁، لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ﷿ ولرسوله ﷺ. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، عن عكرمة، قال: لما رجع المشركون عن أحد، قالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد-أو بئر أبي عيينة-الشك من سفيان-فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع رسول الله ﷺ، فكانت تعد غزوة، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ﴾\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩.\n(^٢) في السيرة: «لحقهم».","vol":"2","page":145},{"text":"﴿وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.\nوقال محمد بن إسحاق (^١): كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذّن مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه، وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان قد شهد أحدا، قال: شهدت أحدا مع رسول الله ﷺ أنا وأخي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي-أو قال لي-: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله ﷺ، وكنت أيسر جراحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة (^٢) ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.\nوقال البخاري (^٣): حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، قلت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر ﵄ لما أصاب نبي الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال «من يرجع في أثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير ﵄، هكذا رواه البخاري منفردا به بهذا السياق.\nوهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم، عن عباس الدوري، عن أبي النضر، عن أبي سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة به، ثم قال: صحيح، ولم يخرجاه، كذا قال. ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار، وهديّة بن عبد الوهاب عن سفيان بن عيينة. عن هشام بن عروة به، وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان به.\nوقد رواه الحاكم أيضا من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن البهي، عن عروة، قال:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٠.\n(^٢) العقبة: النوبة، والبدل.\n(^٣) صحيح البخاري (مغازي باب ٢٧)","vol":"2","page":146},{"text":"قالت لي عائشة: يا بنيّ إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، أنبأنا سمويه، أنبأنا عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح أبو بكر والزبير ﵄»، ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة ﵂ كما قدمناه، ومن جهة معناه فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت ذلك عائشة لعروة بن الزبير، لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ «إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب»، وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي ﷺ واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله ﷺ ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال «إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل» فجاء الشيطان فخوّف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال «إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد لأحضض الناس» فانتدب معه أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا، فساروا في طلب أبي سفيان فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ الآية.\nثم قال ابن إسحاق (^٢): فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، وقد مر به-كما حدثني عبد الله بن أبي بكر- معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة (^٣) نصح لرسول الله ﷺ\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥١٩.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠١ - ١٠٢.\n(^٣) عيبة نصح لرسول الله: موضع سرّه.","vol":"2","page":147},{"text":"بتهامة صفقتهم (^١) معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرّنّ على بقيتهم ثم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد وأصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلهم، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصي الخيل. قال:\nفوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت: [البسيط] كادت تهدّ من الأصوات راحلتي … إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل (^٢)\nتردي بأسد كرام لا تنابلة … عند اللقاء ولا ميل معازيل (^٣)\nفظلت أعدوا أظن الأرض مائلة … لما سموا برئيس غير مخذول\nفقلت ويل ابن حرب من لقائكم … إذا تغطمطت البطحاء بالخيل (^٤)\nإني نذير لأهل السيل ضاحية … لكل ذي إربة منهم ومعقول (^٥)\nمن جيش أحمد لا وخش تنابلة … وليس يوصف ما أنذرت بالقيل\nقال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من بني عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا:\nحسبنا الله ونعم الوكيل. وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله ﷺ حين بلغه رجوعهم «والذي نفسي بيده لقد سومت (^٦) لهم حجارة لو أصبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب».\n_________\n(^١) صفقتهم معه: اتفاقهم معه.\n(^٢) تهدّ: تسقط لهول ما رأت وسمعت. الجرو: الخيل العتاق. الأبابيل: الجماعات.\n(^٣) تردى تسرع. والتنابلة: القصار. الميل: جمع أميل، وهو الذي لا رمح أو لا ترس معه. وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذي لا سلاح معهم.\n(^٤) تغطمطت: اهتزت وارتجّت. والجيل: الصنف من الناس. ويروى: إذا تعظمت البطحاء بالخيل.\n(^٥) أهل البسل: قريش، لأنهم أهل مكة ومكة حرام. والضاحية: البارزة للشمس. والإربة: العقل.\n(^٦) سومت: جعلت لها علامة يعرف بها أنها من عند الله.","vol":"2","page":148},{"text":"وقال الحسن البصري في قوله ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله ﷺ: إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه؟ فقام النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فاتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فلقي عيرا من التجار فقال: ردوا محمدا ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعا وأني راجع إليهم، فجاء التجار فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ «حسبنا الله ونعم الوكيل». فأنزل الله هذه الآية.\nوهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن حمراء الأسد، وقيل:\nنزلت في بدر الموعد، والصحيح الأول.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا﴾ الآية، أي الذين توعدهم الناس بالجموع وخوفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك بل توكلوا على الله واستعانوا به، ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، قال: أراه قال: حدثنا أبو بكر عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.\nوقد رواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر وهو ابن عياش به، والعجب أن الحاكم أبا عبد الله رواه من حديث أحمد بن يونس به، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ثم رواه البخاري عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: كان آخر قول إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقال عبد الرزاق: قال ابن عيينة: وأخبرني زكريا عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، قال: هي كلمة إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، رواه ابن جرير (^١).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري، حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فأنزل الله هذه الآية. وروى أيضا بسنده عن محمد بن عبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع: أن النبي ﷺ، وجه عليا في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥٢٣.","vol":"2","page":149},{"text":"فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس، قالا: حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك أنه حدثهم أن النبي ﷺ، قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي ﷺ «ردوا علي الرجل» فقال: «ما قلت؟» قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي ﷺ: «إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل» وكذا رواه أبو داود (^٢) والنسائي من حديث بقية عن بحير عن خالد، عن سيف وهو الشامي، ولم ينسب عن عوف بن مالك عن النبي ﷺ بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أسباط، حدثنا مطرف عن عطية، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ؟» فقال أصحاب رسول الله ﷺ. فما نقول؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيد.\nوروينا عن أم المؤمنين عائشة وزينب ﵄، أنهما تفاخرتا، فقالت زينب:\nزوجني الله وزوجكن أهاليكن، وقالت عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن، فسلمت لها زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. قالت زينب: قلت كلمة المؤمنين.\nولهذا قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم وردّ عنهم بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مما أضمر لهم عدوهم ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.\nوقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا بشر بن الحكم، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين، حدثنا سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢٤ - ٢٥.\n(^٢) سنن أبي داود (أقضية باب ٢٨)\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٣٢٦.","vol":"2","page":150},{"text":"قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيرا مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله ﷺ فربح فيها مالا فقسمه بين أصحابه.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ قال: هذا أبو سفيان، قال لمحمد ﷺ، موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا. فقال محمد ﷺ «عسى»، فانطلق رسول الله ﷺ لموعده حتى نزل بدرا، فوافقوا السوق فيها، فأشاعوا، فذلك قول الله ﷿: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية، قال: وهي غزوة بدر الصغرى، رواه ابن جرير (^١)، وروى أيضا عن القاسم، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: لما عهد رسول الله ﷺ لموعد أبي سفيان فجعلوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم، يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قدموا بدرا، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد، قال: فقدم رجل من المشركين أخبر أهل مكة بخيل محمد، وقال في ذلك: [الرجز] نفرت قلوصي من خيول محمد … وعجوة منثورة كالعنجد\nواتّخذت ماء قديد موعدي\nقال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم وهو خطأ، وإنما هو:\nقد نفرت من رفقتي محمد … وعجوة من يثرب كالعنجد\nتهزي على دين أبيها الأتلد … قد جعلت ماء قديد موعد\nوماء ضجنان لها ضحى الغد (^٢)\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ أي يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجأوا إلي، فإني كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى:\n﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] إلى قوله ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣.\n(^٢) الرجز لمعبد بن أبي معبد الخزاعي في سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٠ وتاريخ الطبري ٣/ ٤١. وقوله: «رفقتي محمد» بالتثنية يعني المهاجرين والأنصار. والعجوة: ضرب من أجود التمر. والعنجد: الزبيب الأسود. وقوله: «تهوي على دين أبيها» أي تسرع على دأب أبيها وعادته. وقديد: موضع ماء بين مكة والمدينة. وضجنان: جبل على طريق المدينة قبل مكة.","vol":"2","page":151},{"text":"﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقال تعالى: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥١].\n\n<span data-type='title' id=toc-298>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٦ إلى ١٨٠]</span>\n﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: لا يحزنك ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك إخبارا مقررا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ أي استبدلوا هذا بهذا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ أي ولكن يضرون أنفسهم ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾، ثم قال تعال، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ كقوله ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] وكقوله ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] وكقوله ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٥] ثم قال تعالى: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي لا بد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ، وهتك به ستر المنافقين. فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ","vol":"2","page":152},{"text":"الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.\nقال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد، وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة، وقال السدي:\nقالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر، فأنزل الله تعالى:\n﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي حتى يخرج المؤمن من الكافر، روى ذلك كله ابن جرير (^١).\nثم قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك. ثم قال تعالى:\n﴿وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ كقوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ. بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ أي لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه. ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة، فقال ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾.\nقال البخاري (^٢): حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه-يعني بشدقيه-ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك» ثم تلا هذه الآية ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية، تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الليث بن سعد عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال «إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول:\nأنا كنزك أنا كنزك» وهكذا رواه النسائي (^٤) عن الفضل بن سهل عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به. ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز عن عبد الله بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥٢٨ - ٥٢٩.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة آل عمران باب ١٤)\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ٩٨.\n(^٤) سنن النسائي (زكاة باب ٢٠)","vol":"2","page":153},{"text":"دينار عن ابن عمر أثبت من رواية عبد الرحمن عن أبيه عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عن أبي هريرة (قلت) ولا منافاة بين الروايتين، فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين، والله أعلم، وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن حديث محمد بن أبي حميد عن زياد الخطمي عن أبي هريرة به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان عن جامع، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال «ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه، يفر منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك» ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد، زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين، كلاهما عن أبي وائل شقيق ابن سلمة عن عبد الله بن مسعود به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به، ورواه ابن جرير (^٢) من غير وجه عن ابن مسعود موقوفا.\nحديث آخر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان عن النبي ﷺ قال «من ترك بعده كنزا مثل له شجاعا أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه، ويقول: من أنت؟ ويلك، فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبع سائر جسده» إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه. وقد رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي.\nورواه ابن جرير (^٣) وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال «لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده فيمنعه إياه إلا دعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع» لفظ ابن جرير (^٤)، وقال ابن جرير حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن أبي قزعة، عن رجل، عن النبي ﷺ، قال «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه» ثم رواه من طريق أخرى عن أبي قزعة واسمه حجير بن بيان، عن أبي مالك العبدي موقوفا، ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلا.\nوقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير، والصحيح الأول وإن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٧٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٥٣٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٥٣٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٣/ ٥٣٢.","vol":"2","page":154},{"text":"هذا أولى بالدخول، والله ﷾ أعلم، وقوله تعالى ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ف ﴿أَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله ﷿. فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي بنياتكم وضمائركم.\n\n<span data-type='title' id=toc-299>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ إلى ١٨٤]</span>\n﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ الآية، رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم.\nوقال محمد بن إسحاق (^١): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس ﵁، قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ بيت المدارس (^٢) فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل.\nفقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر ﵁ فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قد قال قولا عظيما، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك، غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك، وقال:\nما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص ردا عليه وتصديقا لأبي بكر ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ﴾\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٨.\n(^٢) بيت المدارس: هو البيت الذي يتدارس فيه اليهود كتابهم.","vol":"2","page":155},{"text":"﴿قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ الآية، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي هذا قولهم في الله وهذه معاملتهم لرسل الله وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ يقول تعالى تكذيبا أيضا لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته، فتقبلت منه، أن تنزل نار من السماء تأكلها، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. قال الله ﷿: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالحجج والبراهين، ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي وبنار تأكل القرابين المتقبلة، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أي فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل. ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمد ﷺ ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ أي لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كذبوا مع ما جاءوا به من البينات وهي الحجج والبراهين القاطعة، ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين، ﴿وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ أي البين الواضح الجلي.\n\n<span data-type='title' id=toc-300>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٥ إلى ١٨٦]</span>\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾\nيخبر تعالى إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٦] فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرا كما كان أولا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها في صلب آدم وانتهت البرية، أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا علي بن أبي علي اللهبي","vol":"2","page":156},{"text":"عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: لما توفي النبي ﷺ وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال:\nالسلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ﵇.\nوقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ أي من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾» هذا حديث ثابت في الصحيحين، من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة، وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، ومن حديث محمد بن عمرو هذا ورواه ابن مردويه من وجه آخر، فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة أنبأنا عمرو بن علي عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» قال: ثم تلا هذه الآية ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ (^١).\nوتقدم عند قوله تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] ما رواه الإمام أحمد (^٢) عن وكيع بن الجراح عن الأعمش، عن زيد بن وهب. عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ «من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه».\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية، قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] وقال تعالى ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الشورى: ٣٦] وفي الحديث «والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه» وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ قال: هي متاع متروكة أوشكت-والله الذي لا إله إلا هو-أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من\n_________\n(^١) راجع تفسير الآية ١٠٢ من هذه السورة.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ١٩١.","vol":"2","page":157},{"text":"هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله.\nوقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] إلى آخر الآيتين، أي لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليا لهم عما نالهم من الذي من أهل الكتاب والمشركين، وآمرا لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى:\n﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ قال: وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم، هكذا ذكره مختصرا.\nوقد ذكره البخاري (^١) عند تفسير هذه الآية مطولا، فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد، حدثه أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مر على مجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ، ثم وقف، فنزل، ودعاهم إلى الله ﷿ وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة ﵁: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ «يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب» يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة (^٢) على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير صورة آل عمران باب ١٥)\n(^٢) يريد المدينة النبوية.","vol":"2","page":158},{"text":"أبي الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا، حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] الآية، وكان النبي ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش قال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام وأسلموا.\nفكل من قام بحق أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر فلا بد أن يؤذى فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله والرجوع إلى الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-301>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٧ إلى ١٨٩]</span>\n﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾\nهذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأن ينوهوا بذكره في الناس، ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي ﷺ، أنه قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار».\nوقوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ «من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة» (^١). وفي الصحيح أيضا «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ١٧٣)\n(^٢) صحيح البخاري (نكاح باب ١٠٦) وصحيح مسلم (لباس حديث ١٢٦)","vol":"2","page":159},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حجاج عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعين، فقال ابن عباس: وما لكم وهذه، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية. وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه.\nوهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم والترمذي والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي حاتم، وابن جرير، والحاكم في مستدركه وابن مردويه كلهم من حديث عبد الملك بن جريج بنحوه، ورواه البخاري أيضا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص، أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فذكره.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ، كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية، وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه.\nوقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، قال: كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت عند مروان فقال: يا أبا سعيد رأيت قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾، ونحن نفرح بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن ناسا من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله ﷺ بعثا، فإن كان فيهم نكبة فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نصر من الله وفتح حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح، فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا؟ فقال مروان: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم صدق أبو سعيد، ثم قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذاك-يعني رافع بن خديج، ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة، فلما خرجوا قال زيد\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٩٨.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة آل عمران باب ١٦)","vol":"2","page":160},{"text":"لأبي سعيد الخدري: ألا تحمدني على ما شهدت لك، فقال أبو سعيد: شهدت الحق فقال زيد: أولا تحمدني على ما شهدت الحق؟ ثم رواه من حديث مالك عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية؟ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد ﵃، وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم، فقال له ما ذكرناه ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء، لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، والله أعلم.\nوقد روى ابن مردويه أيضا من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن الزهري، عن محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال «لم»؟ قال: نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهوري الصوت، فقال رسول الله ﷺ «ألا ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟» فقال: بلى يا رسول الله. فعاش حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب.\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد، وبالياء على الإخبار عنهم أي لا يحسبون أنهم ناجون من العذاب بل لا بد لهم منه ولهذا قال تعالى:\n﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم قال تعالى ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا غضبه ونقمته فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، والتقدير الذي لا أقدر منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٠ إلى ١٩٤]</span>\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)﴾\nقال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بم جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ فقالوا:\nادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾","vol":"2","page":161},{"text":"﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ فليتفكروا فيها.\nوهذا مشكل فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة، والله أعلم، ومعنى الآية أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات، وزروع وثمار، وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والروائح والطعوم والخواص، ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا. وكل ذلك تقدير العزيز العليم، ولهذا قال تعالى ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥ - ١٠٦] ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾. كما ثبت في صحيح البخاري (^١) عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال «صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك» أي لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه وحكمته واختياره ورحمته. وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وقال الفضيل قال الحسن: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك، وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك وربما تمثل بهذا البيت: [المتقارب] إذا المرء كانت له فكرة … ففي كل شيء له عبرة\nوعن عيسى ﵇ أنه قال: طوبى لمن كان قيله تذكرا وصمته تفكرا، ونظره عبرا، وقال لقمان الحكيم: إن طول الوحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة، وقال وهب بن منبه ما طالت فكرة امرئ إلا فهم ولا فهم امرؤ قط إلا علم، ولا علم امرؤ قط إلا عمل. وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله ﷿ حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة. وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تقصير باب ١٩)","vol":"2","page":162},{"text":"النار ومقامعها وأطباقها. وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعا من بين أصحابه قد ذهب عقله. وقال عبد الله بن المبارك: مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر: كنز الرجال، وكنز الأموال. وعن ابن عمر:\nأنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه. وقال الحسن البصري: يا ابن آدم، كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة.\nوقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة، انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة.\nوقال بشر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه. وقال الحسن عن عامر بن عبد قيس، قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يقولون:\nإن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر. وعن عيسى ﵇ أنه قال: يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفا، واتخذ المساجد بيتا، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد. وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁، أنه بكى يوما بين أصحابه، فسئل عن ذلك، فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر. وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: [مجزوء الخفيف] نزهة المؤمن الفكر … لذّة المؤمن العبر\nنحمد الله وحده … نحن كل على خطر\nربّ لاه وعمره … قد تقضّى وما شعر\nرب عيش قد كان فوق … المنى مونق الزّهر\nفي خرير من العيون … وظل من الشجر\nوسرور من النبات … وطيّب من الثمر\nغيّرته وأهله … سرعة الدهر بالغير\nنحمد الله وحده … إن في ذا لمعتبر\nإن في ذا لعبرة … للبيب إن اعتبر\nوقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥ - ١٠٦] ومدح عباده المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قائلين ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا﴾","vol":"2","page":163},{"text":"﴿باطِلًا﴾ أي ما خلقت هذا الخلق عبثا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل، فقالوا ﴿سُبْحانَكَ﴾ أي عن أن تخلق شيئا باطلا ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم.\nثم قالوا ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ أي يوم القيامة لا مجير لهم منك. ولا محيد لهم عما أردت بهم ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ﴾ أي داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا﴾ أي يقول آمنوا بربكم فآمنا، أي فاستجبنا له واتبعناه، أي بإيماننا واتباعنا نبيك، ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أي استرها، ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ فيما بيننا وبينك، ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ أي ألحقنا بالصالحين، ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ قيل: معناه على الإيمان برسلك، وقيل: معناه على ألسنة رسلك. وهذا أظهر.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن محمد، عن أبي عقال، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ «عسقلان أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين ألفا شهداء وفودا إلى الله، وبها صفوف الشهداء رؤوسهم مقطعة في أيديهم تثج (^٢) أوداجهم دما، يقولون ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ فيقول الله: صدق عبيدي اغسلوهم بنهر البيضة. فيخرجون منه نقاء بيضا. فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا» وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعا، والله أعلم.\n﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي على رؤوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ أي لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك وهو القيام يوم القيامة بين يديك، وقد قال الحافظ أبو يعلى:\nحدثنا الحارث بن سريج، حدثنا المعتبر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر أن جابر بن عبد الله حدثه أن رسول الله ﷺ قال «العار والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله ﷿ ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار» حديث غريب.\nوقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري (^٣) ﵀: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٢٢٥)\n(^٢) تثج: تسيل.\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة آل عمران باب ١٧)","vol":"2","page":164},{"text":"أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كريب، عن ابن عباس ﵄، قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء، فقال ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ الآيات، ثم قام فتوضأ واستن (^١)، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح. وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن ابن أبي مريم به. ثم رواه البخاري (^٢) من طرق عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب أن ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته، قال:\nفاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله ﷺ من منامه فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي. قال ابن عباس ﵄: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.\nوهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن مالك به. ورواه مسلم أيضا وأبو داود من وجوه أخر عن مخرمة بن سليمان به.\nطريق أخرى: لهذا الحديث عن ابن عباس ﵄: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرّة، أنبأنا خلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله ﷺ وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة العشاء الآخرة حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره، قام فمر بي، فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فمه (^٣)؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: «فالحق الحق» فلما أن دخل قال: افرشنّ عبد الله؟ فأتى بوسادة من مسوح.\nقال: فنام رسول الله ﷺ عليها حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه قاعدا، قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال «سبحان الملك القدوس» ثلاث مرات ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها. وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه حديثا في ذلك أيضا.\n_________\n(^١) استنّ: استاك.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة آل عمران باب ١٩)\n(^٣) فمه: أي فماذا؟ وهي م؟ الاستفهامية، والهاء الساكنة زائدة للوقف على السؤال.","vol":"2","page":165},{"text":"طريق أخرى: رواها ابن مردويه من حديث عاصم بن بهدلة عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة بعد ما مضى ليل، فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ إلى آخر السورة ثم قال «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يدي نورا، ومن خلفي نورا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا وأعظم لي نورا يوم القيامة» وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح من رواية كريب عن ابن عباس ﵁.\nثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بم جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه ﷿، فنزلت ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ قال: فليتفكروا فيها، لفظ ابن مردويه.\nوقد تقدم هذا الحديث من رواية الطبراني في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر. قال ابن مردويه: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن علي الحراني، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم عن الكلبي وهو أبو جناب، عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر: زر غبا تزدد حبا. فقال ابن عمر: ذرينا أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ، فبكت وقالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي، ثم قال «ذريتي أتعبد لربي ﷿» قالت: فقلت والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبّد لربك، فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح. قالت: فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر؟ فقال: «ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾» ثم قال «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها».\nوقد رواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون عن أبي جناب الكلبي عن عطاء.\nقال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي في خدرها، فسلمنا عليها، فقالت: من هؤلاء؟ قال: فقلنا: هذا عبد الله بن عمر وعبيد بن","vol":"2","page":166},{"text":"عمير. قالت: يا عبيد بن عمير. ما يمنعك من زيارتنا، قال: ما قال الأول: زر غبا تزدد حبا.\nقالت: إنا لنحب زيارتك وغشيانك. قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالتكما (^١) هذه، أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ. قال: فبكت ثم قالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى دخل معي في فراشي، حتى لصق جلده بجلدي، ثم قال: «يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي». قالت: إني لأحب قربك وأحب هواك. قالت: فقام إلى قربة في البيت فما أكثر صب الماء، ثم قام فقرأ القرآن، ثم بكى حتى رأيت أن دموعه قد بلغت حقويه، قالت: ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم بكى حتى رأيت دموعه بلغت حجره، قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن ووضع يده تحت خده، قالت: ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض فدخل عليه بلال فآذنه بصلاة الفجر، ثم قال: الصلاة يا رسول الله، فلما رآه بلال يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال «يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا؟ ومالي لا أبكي وقد نزل عليّ الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ إلى قوله ﴿سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ثم قال: «ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها» وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فذكر نحوه. وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار عن شجاع بن أشرس به. ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز: سمعت سنيدا يذكر عن سفيان هو الثوري رفعه، قال «من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها ويله» يعد بأصابعه عشرا-قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني عبيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال:\nيقرؤهن وهو يعقلهن. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عياش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هنية ثم قال: يقرؤهنّ وهو يعقلهن.\nحديث آخر: فيه غرابة: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، حدثنا إسحاق بن إبراهيم البستي (ح) قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو قال: أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف.\n_________\n(^١) بطل في حديثه بطالة: هزل.","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]</span>\n﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر: [الطويل] وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى … فلم يستجبه عند ذاك مجيب (^١)\nقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من آل أم سلمة، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى:\n﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة (^٢) قدمت علينا، وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة. ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: آخر آية نزلت هذه الآية ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ إلى آخرها، رواه ابن مردويه.\nومعنى الآية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا مما تقدم ذكره فاستجاب لهم ربهم عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦ - ١٨٧] وقوله تعالى: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مجيبا لهم أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى، وقوله ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي جميعكم في ثوابي سواء، ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ أي تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ أي ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجأوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ أي إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى:\n﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وقوله تعالى: ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه.\nوقد ثبت في الصحيحين أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال «نعم ثم قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قال، فقال: نعم، إلا الدّين، قاله لي جبريل آنفا» ولهذا قال تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾\n_________\n(^١) البيت لكعب بن سعد الغنوي في الأصمعيات ص ٩٦ ولسان العرب (جوب) والتنبيه والإيضاح ١/ ٥٧) وجمهرة أشعار العرب ص ٧٠٥ وتاج العروس (جوب) وبلا نسبة في تهذيب اللغة ١١/ ٢١٩.\n(^٢) الظعينة: المرأة.","vol":"2","page":168},{"text":"﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله ﴿ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا، كما قال الشاعر: [الخفيف] إن يعذّب يكن غراما وإن يعط … جزيلا فإنه لا يبالي (^١)\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ أي عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحا. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن دحيم بن إبراهيم قال: قال الوليد بن مسلم، أخبرني حريز بن عثمان أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه، فإنه لا يبغي على مؤمن، فإذا أنزل بأحدكم شيء مما يحب، فليحمد الله، وإذا أنزل به شيء مما يكره، فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-304>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٦ إلى ١٩٨]</span>\n﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)﴾\nيقول تعالى: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وجميع ما هم فيه ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أي قليلا، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر أن مآلهم إلى النار، قال بعده ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾.\nوقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا أبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سعيد بن يحيى، أنبأنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار، عن\n_________\n(^١) الرواية المشهورة: «إن يعاقب». والبيت للأعشى في ديوانه ص ٥٩ ولسان العرب (غرم) ومقاييس اللغة ٤/ ٤١٩ وتاج العروس (غرم). والغرام: هو اللازم من العذاب والبلاء. وقال الزجاج: هو أشد العذاب في اللغة.","vol":"2","page":169},{"text":"عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال «إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق» كذا رواه ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جناب، حدثنا عيسى بن يونس عن عبد الله بن الوليد الوصافي، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، قال: إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق، وهذا أشبه، والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي عن رجل عن الحسن، قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذر. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن خيثمة عن الأسود، قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان برا لقد قال الله تعالى ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ وكذا رواه عبد الرزاق عن الأعمش عن الثوري به. وقرأ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].\nوقال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر عن فرج بن فضالة، عن لقمان عن أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ ويقول ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-305>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٩ إلى ٢٠٠]</span>\n﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾\nيخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على محمد مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله أي مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه، ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، أي لا يكتمون ما بأيديهم من البشارات بمحمد ﷺ وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودا أو نصارى، وقد قال تعالى في سورة القصص: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]، وقد قال تعالى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥٥٨.","vol":"2","page":170},{"text":"﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. وقد قال تعالى:\n﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قوله تعالى: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾، وهكذا قال هاهنا ﴿أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية.\nوقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ﵁، لما قرأ سورة ﴿كهيعص﴾ بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعنده البطاركة والقساوسة، بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم، وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه وقال «إن أخا لكم بالحبشة قد مات، فصلوا عليه» فخرج إلى الصحراء فصفّهم وصلى عليه.\nوروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله ﷺ «استغفروا لأخيكم» فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ الآية، ورواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن عن النبي ﷺ، ثم رواه ابن مردويه من طرق عن حميد، عن أنس بن مالك، بنحو ما تقدم ورواه أيضا ابن جرير من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ حين مات النجاشي «إن أخاكم أصحمة قد مات»، فخرج رسول الله ﷺ فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعا، فقال المنافقون: يصلي على علج (^١) مات بأرض الحبشة، فأنزل الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ الآية (^٢).\nوقال أبو داود (^٣): حدثنا محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: لما مات\n_________\n(^١) العلج: الرجل من كفار العجم. الجمع: علوج وأعلاج.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٥٥٨.\n(^٣) سنن أبي داود (جهاد باب ٢٧)","vol":"2","page":171},{"text":"النجاشي كنا نحدث (^١) أنه لا يزال يرى على قبره نور.\nوقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاءه المهاجرون فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لا، دواء بنصرة الله ﷿ خير من دواء بنصرة الناس، قال: وفيه نزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ الآية. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ يعني مسلمة أهل الكتاب. وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ الآية، قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ فاتبعوه، وعرفوا الإسلام فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين: للذي كانوا عليه من الإيمان قبل محمد ﷺ وبالذي اتبعوا محمدا ﷺ، رواهما ابن أبي حاتم.\nوقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين» فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي.\nوقوله تعالى: ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي لا يكتمون ما بأيديهم من العلم كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك مجانا، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾، قال مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يعني سريع الإحصاء، رواه ابن أبي حاتم وغيره.\nوقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾ قال الحسن البصري ﵀: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذا قال غير واحد من علماء السلف، وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله ابن عباس وسهل بن حنيف ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم، وروى ابن أبي حاتم هاهنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي من حديث مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟\n_________\n(^١) في أبي داود: «نتحدث».","vol":"2","page":172},{"text":"إسباغ الوضوء على المكاره (^١)، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (^٢). وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أقبل عليّ أبو هريرة يوما، فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾ قلت: لا.\nقال: أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت ﴿اِصْبِرُوا﴾ أي على الصلوات الخمس، ﴿وَصابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرابِطُوا﴾ في مساجدكم، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ فيما عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن منصور ابن المبارك عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»، وقال ابن جرير أيضا: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني يحيى بن يزيد عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب»؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال «إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط».\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن السلام البيروتي، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب ﵁، قال: وقفه علينا رسول الله ﷺ فقال «هل لكم إلى ما يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر؟» قلنا: نعم يا رسول الله، وما هو؟ قال «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة». قال:\nوهو قوله الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فذلك هو الرباط في المساجد، وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدا.\nوقال عبد الله بن المبارك عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، حدثني داود بن\n_________\n(^١) أي أن يتوضأ بالرغم من كونه يتأذى بهذا الوضوء، كأن يكون به مرض أو حاجة إلى الماء.\n(^٢) صحيح مسلم (طهارة حديث ٤١) وسنن الترمذي (طهارة باب ٣٩) وسنن النسائي (طهارة: باب ١٠٦) وموطأ مالك (سفر حديث ٥٥)\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٥٦٢.","vol":"2","page":173},{"text":"صالح، قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا؟﴾ قال: قلت: لا. قال: إنه لم يكن يا ابن أخي في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد (^١) الصلاة، رواه ابن جرير، وقد تقدم سياق ابن مردويه له، وأنه من كلام أبي هريرة ﵁، والله أعلم.\nوقيل: المراد بالمرابطة هاهنا مرابطة الغزو في نحور العدو وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك وذكر كثرة الثواب فيه، فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ، قال «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها».\nحديث آخر: روى مسلم (^٢) عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان».\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانئ الخولاني أن عمرو بن مالك الجنبي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر» وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضا.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى بن إسحاق، وحسن بن موسى وأبو سعيد قالوا: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا مشرح بن هاعان، سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يجري عليه عمله حتى يبعث ويأمن من الفتان» وروى الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده عن المقبري وهو عبد الله بن يزيد به إلى قوله «حتى يبعث» دون ذكر «الفتان» وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد.\nحديث آخر: قال ابن ماجة (^٥) في سننه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث عن زهرة بن معبد عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال «من مات\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جهاد باب ٧٣)\n(^٢) صحيح مسلم (إمارة حديث ١٦٣)\n(^٣) مسند أحمد ٦/ ٢٠.\n(^٤) مسند أحمد ٤/ ١٥٧.\n(^٥) سنن أبي ماجة (جهاد باب ٧)","vol":"2","page":174},{"text":"مرابطا في سبيل الله أجرى عليه عمله الصالح الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع».\nطريق أخرى: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا موسى، أنبأنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال «من مات مرابطا وقي فتنة القبر، وأمن من الفزع الأكبر، وغدا عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة».\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، عن إسحاق بن عبد الله عن أم الدرداء ترفع الحديث، قالت: «من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة».\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس، حدثنا مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، قال: قال عثمان ﵁ وهو يخطب على منبره:\nإني محدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلاّ الضّن بكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول «حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها» وهكذا رواه أحمد (^٤) أيضا عن روح، عن كهمس، عن مصعب بن ثابت، عن عثمان، وقد رواه ابن ماجة (^٥) عن هشام بن عمار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير، قال: خطب عثمان بن عفان الناس فقال: يا أيها الناس إني سمعت من رسول الله ﷺ حديثا لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الضن بكم وبصحابتكم، فليختر مختار لنفسه أو ليدع، سمعت رسول الله ﷺ يقول «من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها».\nطريق أخرى: عن عثمان ﵁. قال الترمذي (^٦): حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت عثمان وهو على المنبر يقول: إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه: ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل». ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال محمد يعني البخاري\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٤٠٤)\n(^٢) مسند أحمد ٦/ ٣٦٢.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٦٤ - ٦٥.\n(^٤) مسند أحمد ١/ ٦١.\n(^٥) سنن ابن ماجة (جهاد باب ٧)\n(^٦) سنن الترمذي (فضائل الجهاد باب ٢٥)","vol":"2","page":175},{"text":"أبو صالح مولى عثمان اسمه بركان، وذكر غير الترمذي أن اسمه الحارث، والله أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد (^١) من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة، وعنده زيادة في آخره فقال يعني عثمان: فليرابط امرؤ كيف شاء هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد.\nحديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي (^٢): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مر سلمان الفارسي. بشرحبيل بن السمط، وهو في مرابط له وقد شق عليه وعلى أصحابه، فقال: أفلا أحدثكم يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «رباط يوم في سبيل الله أفضل -أو قال خير-من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة» تفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ زيادة وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان. (قلت): الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط، وقد رواه مسلم والنسائي (^٣) من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط وله صحبة عن سلمان الفارسي عن رسول الله ﷺ أنه قال «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان» وقد تقدم سياق مسلم بمفرده.\nحديث آخر: قال ابن ماجة (^٤): حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدثنا محمد بن يعلى السلمي، حدثنا عمر بن صبيح عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ «لرباط يوم في سبيل الله، من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا-أراه قال-من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها، فإن رده الله تعالى إلى أهله سالما لم تكتب عليه سيئة ألف سنة، وتكتب له الحسنات، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة» هذا حديث غريب، بل منكر من هذا الوجه، وعمر بن صبيح متهم.\nحديث آخر: قال ابن ماجة: حدثنا عيسى بن يونس الرملي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور عن سعيد بن خالد بن أبي طويل، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «حرس ليلة في سبيل الله خير من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة. السنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة» وهذا حديث غريب أيضا، وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٦٢.\n(^٢) سنن النسائي (جهاد باب ٣٩) وصحيح مسلم (إمارة حديث ١٦٣)\n(^٣) سنن ابن ماجة (جهاد باب ٧)\n(^٤) سنن ابن ماجة (جهاد باب ٨)","vol":"2","page":176},{"text":"زرعة وغير واحد من الأئمة، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة.\nحديث آخر: قال ابن ماجة (^١): حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ «رحم الله حارس الحرس» فيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر، فإنه لم يدركه والله أعلم.\nحديث آخر: قال أبو داود: حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية يعني ابن سلام عن زيد-يعني ابن سلام-أنه سمع أبا سلام قال: حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله ﷺ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي ﷺ وقال «تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله» ثم قال «من يحرسنا الليلة»؟ قال أنس بن أبي مرثد: [الغنوي] (^٢) أنا يا رسول الله، فقال «فاركب» فركب فرسا له، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ «استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرّنّ من قبلك الليلة» فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم قال «هل أحسستم فارسكم؟» فقال رجل: يا رسول الله ما أحسسناه فثوب (^٣) بالصلاة، فجعل النبي ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال «أبشروا فقد جاءكم فارسكم» فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على النبي ﷺ، فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرتني، فلما أصبحت اطّلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدا، فقال له رسول الله ﷺ «هل نزلت الليلة؟» قال: لا إلا مصليا أو قاضيا حاجة، فقال له «أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها». ورواه النسائي عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة وهو الربيع بن نافع به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، سمعت محمد بن شمير الرعيني يقول: سمعت أبا عامر التّجيبي، قال الإمام أحمد: وقال غير زيد أبا علي الجنبي يقول: سمعت أبا ريحانة يقول كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شرف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة يدخل فيها\n_________\n(^١) سنن أبي داود (جهاد باب ١٦)\n(^٢) الزيادة من أبي داود.\n(^٣) ثوّب بالصلاة: دعا إلى إقامتها.\n(^٤) مسند أحمد ٤/ ١٣٤.","vol":"2","page":177},{"text":"ويلقي عليه الجحفة يعني الترس، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ من الناس نادى «من يحرسنا في هذه الليلة فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل؟» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله فقال «ادن» فدنا، فقال «من أنت؟» فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله ﷺ بالدعاء فأكثر منه. فقال أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به رسول الله ﷺ قلت: أنا رجل آخر، فقال «ادن»، فدنوت فقال «من أنت؟» قال: فقلت: أنا أبو ريحانة، فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال «حرمت النار على عين دمعت-أو بكت-من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله» وروى النسائي منه «حرمت النار» إلى آخره عن عصمة بن الفضل عن زيد بن الحباب به، وعن الحارث بن مسكين عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح به، وأتم وقال في الروايتين عن أبي علي الجنبي.\nحديث آخر: قال الترمذي (^١): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعيب بن رزيق أبو شيبة عن عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» ثم قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق، قال وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة. (قلت) وقد تقدما، ولله الحمد والمنة.\nحديث آخر: -قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين عن زياد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه معاذ بن ﵁ أنس عن رسول الله ﷺ قال «من حرس من وراء المسلمين متطوعا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾» [مريم: ٧١] تفرد به أحمد ﵀.\nحديث آخر: -روى البخاري (^٣) في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». فهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمد على جزيل الإنعام، على تعاقب الأعوام والأيام.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني المثنى، حدثنا مطرف بن عبد الله المدني، حدثنا مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف\n_________\n(^١) سنن الترمذي (فضائل الجهاد باب ١٢)\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨.\n(^٣) صحيح البخاري (جهاد باب ٧٠ ورقاق باب ١٠)\n(^٤) تفسير الطبري ٣/ ٥٦٢.","vol":"2","page":178},{"text":"منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة يجعل الله بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nوهكذا روى الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومائة: [الكامل] يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب\nمن كان يخضب خدّه بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضّب\nأو كان يتعب خيله في باطل … فيخولنا يوم الصبيحة تتعب\nريح العبير لكم ونحن عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأطيب\nولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب\nلا يستوي وغبار خيل الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب\nهذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب\nقال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال:\nصدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا وأملى عليّ الفضيل بن عياض:\nحدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، فقال «هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟» فقال: يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي ﷺ «فوالذي نفسي بيده لو طوّقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أو ما علمت أن الفرس المجاهد ليستن (^١) في طوله، فيكتب له بذلك الحسنات».\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة-وقال ابن جرير (^٢): حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أنبأنا أبو صخر عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في قول الله ﷿ ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني.\nانتهى تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة، نسأله الموت على الكتاب والسنة آمين\n_________\n(^١) استنّ الغرس: عدا شوطا أو شوطين ولا راكب عليه. والطّول: الحبل.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٥٦٤.","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>سورة النساء</span>\nقال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه، عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، وروى من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى، عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ: «لا حبس» وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر، حدثنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا مسعر بن كدام عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] الآية، و﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، و﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] و﴿لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ [النساء: ٦٤] الآية، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] ثم قال: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه فقد اختلف في ذلك.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن ابن مسعود قال: خمس آيات من النساء لهن أحب إلي من الدنيا جميعا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢] رواه ابن جرير. ثم روى من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] والثانية ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] والثالثة ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] ثم ذكر قول ابن مسعود سواء-يعني في الخمسة الباقية-وروى الحاكم من طريق أبي نعيم عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقول: سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغير. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.","vol":"2","page":180},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-307>[سورة النساء (٤): آية ١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾\nيقول تعالى آمرا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبها لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم ﵇ ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ وهي حواء ﵍ خلقت من ضلعه الأيسر، من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع عن أبي هلال عن قتادة، عن ابن عباس، قال: خلقت المرأة من الرجل فجعل نهمتها في الرجل وخلق الرجل من الأرض فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم. وفي الحديث الصحيح: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج».\nوقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ أي وذرأ منهما أي من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر.\nثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ أي واتقوا الله بطاعتكم إياه. قال إبراهيم ومجاهد والحسن ﴿الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ﴾ أي كما يقال: أسألك بالله وبالرحم، وقال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ولكن بروها وصلوها، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد وقرأ بعضهم: والأرحام بالخفض (^١) على العطف على الضمير في به أي تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي هو مراقب لجميع أحوالكم وأعمالكم، كما قال:\n﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]. وفي الحديث الصحيح «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب. ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة ليعطف بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم.\nوقد ثبت في صحيح مسلم (^٢) من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين\n_________\n(^١) هي قراءة إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة. انظر تفسير القرطبي ٥/ ٢.\n(^٢) صحيح مسلم (زكاة حديث ٦٩ - ٧٠)","vol":"2","page":181},{"text":"قدم عليه أولئك النفر من مضر وهم مجتابو النّمار (^١) -أي من عريهم وفقرهم-قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾، حتى ختم الآية. وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، ثم حضهم على الصدقة فقال: «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره» وذكر تمام الحديث، وهكذا رواه أحمد (^٢) وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>[سورة النساء (٤): الآيات ٢ إلى ٤]</span>\n﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾\nيأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم، ولهذا قال: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قال سفيان الثوري عن أبي صالح:\nلا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك. وقال سعيد بن جبير:\nلا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام. وقال سعيد بن المسيب والزهري: لا تعط مهزولا وتأخذ سمينا.\nوقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفا وتأخذ جيدا. وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ويقول درهم بدرهم.\nوقوله ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن حسين: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: أي إثما كبيرا عظيما. وروى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال: «إثما كبيرا» ولكن في إسناده محمد بن يوسف الكديمي وهو ضعيف وروي هكذا عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وأبي مالك وزيد بن أسلم وأبي سنان مثل قول ابن عباس وفي الحديث المروي في سنن أبي داود «اغفر لنا حوبنا وخطايانا».\nوروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل مولى أبي عيينة عن ابن سيرين عن ابن عباس، أن أبا أيوب طلق امرأته فقال له النبي ﷺ: «يا أبا أيوب إن طلاق أم أيوب كان حوبا» قال ابن سيرين:\n_________\n(^١) اجتاب: لبس. والنمار: جمع نمرة، وهي شملة مخططة من مآزر الأعراب.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٣٥٨.","vol":"2","page":182},{"text":"الحوب الإثم، ثم قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف عن أنس أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب، فاستأذن النبي ﷺ فقال: «إن طلاق أم أيوب لحوب» فأمسكها، ثم روى ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك أيضا يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سليم امرأته فقال النبي ﷺ: «إن طلاق أم سليم لحوب» فكف. والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه.\nوقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى﴾، أي إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. ثم قال البخاري (^١): حدثنا عبد العزيز بن عبد الله. حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى﴾، قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن. ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال.\nوقوله: ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ أي انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين وإن شاء ثلاثا، وإن شاء أربعا. كما قال الله تعالى: ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ [فاطر: ١] أي منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع، فمن هذه الآية كما قال ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١)","vol":"2","page":183},{"text":"قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وهذا الذي قاله الشافعي ﵀ مجمع عليه بين العلماء إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة، أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع.\nوقال بعضهم: بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيحين، وأما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري: وقد علقه البخاري وقد روينا عن أنس أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع. وهذا عند العلماء من خصائصه دون غيره من الأمة لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع، ولنذكر الأحاديث في ذلك.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر عن الزهري، قال ابن جعفر في حديثه: أنبأنا ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ «اختر منهن أربعا» فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك، ولعلك لا تمكث إلا قليلا. وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن في مالك أو لأورثهن منك ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال.\nوهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وغيرهم، من طرق عن إسماعيل بن علية وغندر ويزيد بن زريع وسعيد بن أبي عروبة وسفيان الثوري وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ، عن معمر بإسناده مثله إلى قوله: «اختر منهن أربعا» وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد، وهي زيادة حسنة وهي مضعّفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي حيث قال بعد روايته له سمعت البخاري يقول: هذا الحديث غير محفوظ. والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهري. حدّثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة-فذكره. قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم، عن أبيه أن رجلا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال. وهذا التعليل فيه نظر، والله أعلم-وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مرسلا. وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلا. قال أبو زرعة: وهو أصح. وقال البيهقي: ورواه عقيل عن الزهري: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد. وقال أبو حاتم: وهذا وهم إنما هو الزهري، عن محمد بن سويد. بلغنا أن رسول الله ﷺ-فذكره. قال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة عن الزهري عن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ١٤.","vol":"2","page":184},{"text":"محمد بن أبي سويد وهذا كما علله البخاري وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد، رجاله ثقات على شرط الشيخين ثم قد روي من غير طريق معمر بل والزهري. قال البيهقي:\nأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو علي الحافظ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا أبو بريد عمرو بن يزيد الجرمي، أخبرنا سيف بن عبيد الله حدثنا سرار بن مجشر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا. هكذا أخرجه النسائي في سننه، قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة. وكذا وثقه ابن معين قال أبو علي: وكذا رواه السميدع بن واهب عن سرار. قال البيهقي: وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس، وعروة بن مسعود الثقفي وصفوان بن أمية يعني حديث غيلان بن سلمة فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله ﷺ سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، فإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى، والله ﷾ أعلم بالصواب.\nحديث آخر في ذلك: روى أبو داود (^١) وابن ماجة في سننهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حميضة بن الشمردل وعند ابن ماجة بنت الشمردل، حكى أبو داود أن منهم من يقول الشمرذل بالذال المعجمة عن قيس بن الحارث، وعند أبي داود في رواية الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت للنبي ﷺ فقال: «اختر منهن أربعا»، وهذا الإسناد حسن: ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثله لما للحديث من الشواهد.\nحديث آخر في ذلك: قال الشافعي في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول أخبرني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن عن عوف بن الحارث عن نوفل بن معاوية الديلي ﵁، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة فقال لي رسول الله ﷺ: «اختر أربعا أيتهن شئت وفارق الأخرى» فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها.\nفهذه كلها شواهد بصحة ما تقدم من حديث غيلان كما قاله البيهقي ﵀.\nوقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾، أي فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى، ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة أو على الجواري السراري فإنه\n_________\n(^١) سنن أبي داود (طلاق باب ٢٥) وسنن ابن ماجة (نكاح باب ٤٠)","vol":"2","page":185},{"text":"لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج، وقوله: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ قال بعضهم ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم، قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي ﵏، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] أي فقرا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقال الشاعر: [الوافر] فما يدري الفقير متى غناه … وما يدري الغنيّ متى يعيل\nوتقول العرب: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر ولكن في هذا التفسير هاهنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري أيضا والصحيح قول الجمهور ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي لا تجوروا، يقال: عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار، وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة: [الطويل] بميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل (^١)\nوقال هشيم عن أبي إسحاق قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير (^٢).\nوقد روى ابن أبي حاتم وأبو حاتم ابن مردويه وابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا محمد بن شعيب عن عمر بن محمد بن زيد عن عبد الله بن عمر عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ قال: «لا تجوروا» قال ابن أبي حاتم: قال أبي، هذا حديث خطأ، والصحيح: عن عائشة موقوف، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وعائشة ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي مالك وأبي رزين والنخعي والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: لا تميلوا، وقد استشهد عكرمة ﵀ ببيت أبي طالب الذي قدمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة، وقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيدا واختار ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:\nالنحلة المهر، وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة: نحلة فريضة، وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة أي فريضة. زاد ابن جريج: مسماة، وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي ﷺ أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبا بغير حق، ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتما، وأن يكون طيب النفس\n_________\n(^١) البيت في القرطبي ٥/ ٢١ والطبري ٣/ ٥٨٢. وقد أورد الطبري ثلاث روايات مختلفات لهذا البيت فلينظر.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٥٨٢.","vol":"2","page":186},{"text":"بذلك كما يمنع المنيحة ويعطي النحلة طيبا بها كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبا بذلك فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبا، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن السدي عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع بها عسلا ثم ليأخذ ماء السماء فيجتمع هنيئا مريئا شفاء مباركا.\nوقال هشيم عن سيار عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك، ونزل ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن سفيان عن عمير الخثعمي عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: قال رسول الله ﷺ ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قالوا: يا رسول الله فما العلائق بينهم؟ قال:\n«ما تراضى عليه أهلوهم» وقد روى ابن مردويه من طريق حجاج بن أرطأة عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال:\n«أنكحوا الأيامى-ثلاثا-» فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله ما العلائق بينهم؟ قال:\n«ما تراضى عليه أهلوهم» ابن السلماني ضعيف ثم فيه انقطاع أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-309>[سورة النساء (٤): الآيات ٥ إلى ٦]</span>\n﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيامًا وَاُرْزُقُوهُمْ فِيها وَاُكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا (٦)﴾\nينهى ﷾ عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها ومن هاهنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام، فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه، حجر عليه.\nوقال الضحاك عن ابن عباس، في قوله ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ قال: هم بنوك والنساء، وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عيينة والحسن والضحاك: هم النساء والصبيان، وقال سعيد بن جبير: هم اليتامى، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥٨٣.","vol":"2","page":187},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ «إن النساء سفهاء إلا التي أطاعت قيمها» ورواه ابن مردويه مطولا وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا حرب بن سريح، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ قال: هم الخدم، وهم شياطين الإنس.\nوقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد قال: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه.\nوقال مجاهد: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، يعني في البر والصلة.\nوهذه الآية الكريمة تضمنت الإحسان إلى العائلة ومن تحت الحجر بالفعل من الإنفاق في الكساوي والأرزاق والكلام الطيب وتحسين الأخلاق.\nوقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل بن حيان: أي اختبروهم ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ قال مجاهد: يعني الحلم، قال الجمهور من العلماء البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد، وفي سنن أبي داود (^٢) عن علي قال: حفظت من رسول الله ﷺ «لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل» وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» (^٣)، أو يستكمل خمس عشرة سنة وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٥٨٨.\n(^٢) سنن أبي داود (وصايا باب ٩)\n(^٣) صحيح البخاري (طلاق باب ١١ وحدود باب ٢٢) وسنن أبي داود (حدود باب ١٧) وسنن الترمذي (حدود باب ١) وسنن النسائي (طلاق باب ٢١) وسنن ابن ماجة (طلاق باب ١٥)","vol":"2","page":188},{"text":"عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير.\nواختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل تدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم لأنه لا يتعجل بها إلى ضرب الجزية عليه.\nفلا يعالجها، والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١) عن عطية القرظي ﵁، قال: عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلى سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح وإنما كان كذلك لأن سعد بن معاذ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب: حدثنا ابن علية عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمر، أن غلاما ابتهر جارية في شعره، فقال عمر ﵁: انظروا إليه فلم يوجد أنبت فدرأ عنه الحد، قال أبو عبيد: ابتهرها أي قذفها، والابتهار أن يقول فعلت بها وهو كاذب، فإن كان صادقا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره: [المتقارب] قبيح بمثلي نعت الفتاة … إما ابتهارا وإما ابتيارا (^٢)\nوقوله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة وهكذا قال الفقهاء: متى بلغ الغلام مصلحا لدينه وماله انفك الحجر عنه فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه، وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية ﴿إِسْرافًا وَبِدارًا﴾ أي مبادرة قبل بلوغهم، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ من كان في غنية عن مال اليتيم فليستعفف عنه ولا يأكل منه شيئا، وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة، ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نزلت في مال اليتيم، وحدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام عن أبيه عن عائشة: ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا أن يأكل منه،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٣١٠.\n(^٢) البيت للكميت في ديوانه ١/ ٢٠٢ ولسان العرب (بهر، بور) وتهذيب اللغة ١٥/ ٢٦٦ ومقاييس اللغة ١/ ٣٠٩ ومجمل اللغة ١/ ٢٩٨ وتاج العروس (بهر، بور)","vol":"2","page":189},{"text":"وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه. ورواه البخاري عن إسحاق عن عبد الله بن نمير عن هشام به.\nقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله أو قدر حاجته، واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين [أحدهما] لا، لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا، وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل، قال أحمد (^١): حدثنا عبد الوهاب، حدثنا حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل (^٢) مالا ومن غير أن تقي مالك-أو قال-تفدي مالك بماله» شك حسين، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا حسين المكتب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيما عنده مال وليس لي مال. آكل من ماله؟ قال: «بالمعروف غير مسرف» ورواه أبو داود (^٣) والنسائي وابن ماجة من حديث حسين المعلم به وروى ابن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي عن جعفر بن سليمان عن أبي عامر الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلا قال: يا رسول الله فيم أضرب يتيمي؟ قال: «ما كنت ضاربا منه ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل منه مالا» وقال ابن جرير (^٤): حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما وإن لهم إبلا ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر (^٥)، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها وتسقي عليها فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب (^٦)، ورواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد به، وبهذا القول وهو عدم أداء البدل، يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. [والثاني] نعم، لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة، وقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن خيثمة، حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ١٨٦.\n(^٢) أي غير جامع مالا.\n(^٣) سنن أبي داود (وصايا باب ٨)\n(^٤) تفسير الطبري ٣/ ٦٠٠.\n(^٥) أمنح في إبلي: أقدم الناقة لمن ينتفع بها وقتا ثم يردّها. وأفقر: أعير البعير للركوب.\n(^٦) غير ناهك في الحلب: غير مبالغ فيه. ولاط الحوض: طينه وأصلحه. وهنا البعير: طلاه بالهناء أي القطران.","vol":"2","page":190},{"text":"حارثة بن مضرب قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت.\nطريق أخرى: قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت، إسناد صحيح وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني القرض، قال وروي عن عبيدة وأبي العالية، وأبي وائل، وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك، وروي من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل بثلاث أصابع، ثم قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، قال وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحاكم نحو ذلك، وقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة فإن أكل منه قضاه، رواه ابن أبي حاتم وقال ابن وهب: حدثنا نافع بن أبي نعيم القارئ قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، فقال: ذلك في اليتيم إن كان فقيرا أنفق عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء، وهذا بعيد من السياق، لأنه قال ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني من الأولياء. ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرًا﴾ أي منهم ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالتي هي أحسن كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] أي لا تقربوه إلا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف.\nوقوله: ﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ يعني بعد بلوغهم الحلم وإيناسكم الرشد منهم فحينئذ سلموا إليهم أموالهم فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وهذا أمر من الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه، ثم قال: ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ أي وكفى بالله محاسبا وشهيدا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم للأموال هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة، مروج حسابها، مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، ولهذا ثبت في صحيح مسلم (^١) أن رسول الله ﷺ قال: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم».\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إمارة حديث ١٧)","vol":"2","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>[سورة النساء (٤): الآيات ٧ إلى ١٠]</span>\n﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾\nقال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية، أي الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء، فإنه لحمة كلحمة النسب. وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: جاءت أم كجّة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية، وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية، قيل: المراد وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ﴾ فليرضخ لهم من التركة نصيب، وإن ذلك كان واجبا في ابتداء الإسلام، وقيل يستحب.\nواختلفوا هل هو منسوخ أم لا على قولين، فقال البخاري (^١): حدثنا أحمد بن حميد، أخبرنا عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ﴾. قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. تابعه سعيد عن ابن عباس. وقال ابن جرير (^٢): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: هي قائمة يعمل بها، وقال الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم (^٣)، وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي والحسن، وقال ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة، وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين قال: ولي عبيدة وصية فأمر بشاة فذبحت\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ٣)\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٦٠٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٦٠٥.","vol":"2","page":192},{"text":"فأطعم أصحاب هذه الآية وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي، وقال مالك فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله، وقال الزهري: هي محكمة. وقال مالك: عن عبد الكريم عن مجاهد قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم:</span>\nقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة: أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، قالا: وتلا ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى﴾، قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك إلى الوصية وإنما هذه الآية في الوصية يريد الميت يوصي لهم، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>ذكر من قال هذه الآية منسوخة بالكلية:</span>\nقال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قال: منسوخة، وقال إسماعيل بن مسلم المكي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، قال في هذه الآية ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى﴾ نسختها الآية التي بعدها ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى﴾ كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى، رواهن ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ﴾ نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر. وحدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا سعيد بن عامر عن همام، حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حضروا القسمة ثم نسخ بعد ذلك نسختها المواريث فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء. وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية. وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي","vol":"2","page":193},{"text":"عبد الرحمن أنهم قالوا: إنها منسوخة.\nوهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم، وقد اختار ابن جرير هاهنا قولا غريبا جدا وحاصله أن معنى الآية عنده ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا﴾ لليتامى والمساكين إذا حضروا ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هذا مضمون ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار، وفيه نظر، والله أعلم (^١). وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ هي قسمة الميراث، وهكذا قال غير واحد، والمعنى على هذا لا على ما سلكه ابن جرير ﵀، بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطونه، فأمر الله تعالى وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برا بهم وصدقة عليهم، وإحسانا إليهم وجبرا لكسرهم. كما قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وذم الذين ينقلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة. كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] أي بليل. وقال ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم ٢٣ - ٢٤] ف ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث «ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته» أي منعها يكون سبب محق ذلك المال بالكلية.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوقفه ويسدده للصواب. فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة، وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال «لا». قال: فالشطر؟ قال «لا». قال: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثر». ثم قال رسول الله ﷺ «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (^٢) وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال «الثلث، والثلث كثير» (^٣).\n_________\n(^١) خلاصة رأي ابن جرير أن أولى الأقوال بالصحة قول من قال إن هذه الآية محكمة غير منسوخة. قال: وإنما عنى بها الوصية لأولي قربى الموصي، وعنى باليتامى والمساكين أن يقال لهم قول معروف- انظر تفسير الطبري ٣/ ٦٠٨.\n(^٢) صحيح البخاري (وصايا باب ٢ ومناقب الأنصار باب ٤٩) وصحيح مسلم (وصية حديث ٥ و٨)\n(^٣) صحيح مسلم (وصية حديث ١٠)","vol":"2","page":194},{"text":"قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث، وقيل: المراد بالآية فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى ولا يأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا، حكاه ابن جرير (^١) من طريق العوفي عن ابن عباس، وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما، أي كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم.\nثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلما، فإنما يأكل في بطنه نارا؛ ولهذا قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أي إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب فإنهما يأكلون نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة، وفي الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:\n«اجتنبوا السبع الموبقات» قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (^٢) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيدة، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمّي، حدثنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، قال:\nقلنا: يا رسول الله، ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال «انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير.\nرجال كل رجل منهم له مشفران كمشفري البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسفله، ولهم خوار وصراخ، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا» وقال السدي (^٣): يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه بأكل مال اليتيم. وقال ابن مردويه:\nحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا زياد بن المنذر عن نافع بن الحارث، عن أبي برزة أن رسول الله ﷺ قال «يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا» قيل «يا رسول الله، من هم؟ قال «ألم تر أن الله قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا﴾ الآية»، رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة، عن عقبة بن مكرم، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أحمد بن علي بن المثنى عن عقبة بن مكرم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر العبدي، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «أحرج مال الضعيفين المرأة واليتيم» أي أوصيكم باجتناب\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦١٤.\n(^٢) صحيح البخاري (وصايا باب ٢٣) ومسلم (إيمان حديث ١٤٤)\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٦١٥.","vol":"2","page":195},{"text":"مالهما.\nوتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا﴾ الآية، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحسن له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>[سورة النساء (٤): آية ١١]</span>\n﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾\nهذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك.\nولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة، والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتب الأحكام، والله المستعان.\nوقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك، وقد روى أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» (^١) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي» رواه ابن ماجة (^٢) وفي إسناده ضعف. وقد روي من حديث ابن مسعود وأبي سعيد، وفي كل منهما نظر. قال ابن عيينة: إنما سمي الفرائض نصف العلم، لأنه يبتلى به الناس كلهم.\nوقال البخاري (^٣) عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى. حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش\n_________\n(^١) سنن أبي داود (فرائض باب ١)\n(^٢) سنن ابن ماجة (فرائض باب ١)\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ٤)","vol":"2","page":196},{"text":"علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج به، ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر.\nحديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية قال أحمد (^١): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله هو ابن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: فقال «يقضي الله في ذلك» فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك». وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل به، قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه. والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسبب الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يرث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعا للبخاري ﵀ فإنه ذكره هاهنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى، وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأة من السبي فرق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه «أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك»؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال «فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (^٢) وقال البخاري هاهنا (^٣): حدثنا محمد بن يوسف عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٣٥٢.\n(^٢) صحيح البخاري (أدب باب ١٨) وصحيح مسلم (توبة حديث ٢٢)\n(^٣) صحيح البخاري تفسير سورة النساء باب ٥)","vol":"2","page":197},{"text":"للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع. وللزوج الشطر والربع.\nوقال العوفي عن ابن عباس قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وذلك لما أنزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغير، فقال بعضهم: يا رسول الله تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئا وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر.\nرواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١) أيضا.\nوقوله ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ قال بعض الناس: قوله ﴿فَوْقَ﴾ زائدة، وتقديره فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك. فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع، ثم قوله ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلث ما ترك وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورث الأختان الثلثين فلأن يرث البنتان الثلثين بالطريق الأولى. وقد تقدم في حديث جابر أن النبي ﷺ، حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضا فإنه قال ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فلو كان للبنتين النصف لنص عليه أيضا، فلما حكم به للواحدة على انفرادها، دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى آخره، الأبوان لهما في الإرث أحوال [أحدها] أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس؛ وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب. [الحال الثاني] أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم والحالة هذه الثلث، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضعفي ما فرض للأم، وهو الثلثان، فلو كان معهما-والحالة هذه-زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع.\nثم اختلف العلماء ماذا تأخذ الأم بعد فرض الزوج والزوجة، على ثلاثة أقوال: [أحدها] أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين، لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما. وقد جعل\n_________\n(^١) رواه الطبري في تفسيره ٣/ ٦١٧ من طريق ابن عباس.","vol":"2","page":198},{"text":"الله لها نصف ما جعل للأب. فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ الأب ثلثيه، هذا قول عمر وعثمان، وأصح الروايتين عن علي، وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء. [والثاني] أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا، وهو قول ابن عباس. وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهري.\nواختاره أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري في كتابه الإيجاز في علم الفرائض وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف، لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبد بجميع التركة، وأما هنا فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض ويبقى الباقي كأنه جميع التركة فتأخذ ثلثه كما تقدم [والقول الثالث] أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة خاصة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة، فيبقى خمسة للأب، وأما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة وللأم ثلث الباقي بعد ذلك وهو سهم، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ويحكى هذا عن ابن سيرين، وهو قول مركب من القولين الأولين، موافق كلا منهما في صورة وهو ضعيف أيضا، والصحيح الأول، والله أعلم.\nوالحال الثالث من أحوال الأبوين وهو اجتماعهما مع الإخوة، سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب، أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور.\nوقد روى البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان: لا أستطيع تغيير ما كان قبلي، ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه، وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه أنه قال: الأخوان تسمى إخوة، وقد أفردت لهذه المسألة جزءا على حدة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة قوله ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم، وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم؛ وهذا قول شاذ","vol":"2","page":199},{"text":"رواه ابن جرير (^١) في تفسيره فقال: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم، ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمة.\nوقد حدثني يونس، أخبرنا سفيان، أخبرنا عمرو عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس أنه قال:\nالكلالة من لا ولد له ولا والد.\nوقوله ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجة وأصحاب التفاسير من حديث أبي إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن علي بن أبي طالب، قال: إنكم تقرأون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات (^٢)، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. (قلت) لكن كان حافظا للفرائض معتنيا بها وبالحساب، فالله أعلم.\nوقوله ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي إنما فرضنا للآباء والأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللأبوين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم، لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، ولذا قال ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي كأن النفع متوقع ومرجو من هذا كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا وهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم.\nوقوله ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله حكم به وقضاه، والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلاّ ما يستحقه يحسبه، ولهذا قال ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦٢٢.\n(^٢) أبناء العلاّت: هم أبناء رجل واحد من أمهات مختلفات.","vol":"2","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-314>[سورة النساء (٤): آية ١٢]</span>\n﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾\nيقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن من غير ولد، فإن كان لهن ولد، فلكم الربع مما تركن من بعد الوصية أو الدين. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب ثم قال ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ إلى آخره وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان والثلاث والأربع يشتركن فيه. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ إلخ الكلام عليه كما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة من لا ولد له ولا والد، فلما ولي عمر قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، رواه ابن جرير (^١) وغيره.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت وما قلت وما قلت، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد وهكذا قال علي وابن مسعود وصح عن غير وجه عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن وقتادة وجابر بن زيد والحكم، وبه يقول أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حكى الإجماع عليه غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع، قال أبو الحسين بن اللبان وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي من أم كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص، وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه ﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه [أحدها] أنهم يرثون مع من أدلوا به، وهي الآم. [الثاني] أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء.\n[الثالث] أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦٢٥.","vol":"2","page":201},{"text":"ولا ولد ابن. [الرابع] أنهم لا يزادون على الثلث، وإن كثر ذكورهم وإناثهم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرنا يونس عن الزهري، قال: قضى عمر أن ميراث الإخوة من الأم بينهم للذكر مثل الأنثى، قال الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم بذلك من رسول الله ﷺ، لهذه الآية هي التي قال الله تعالى فيها ﴿فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.\nواختلف العلماء في المسألة المشتركة، وهي زوج وأم أو جدة واثنان من ولد الأم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين، فعلى قول الجمهور للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس ولولد الأم الثلث ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأم، وقد وقعت هذه المسألة في زمن أمير المؤمنين عمر، فأعطى الزوج النصف، والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم وصح التشريك عنه وعن عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاوس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه، وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك. وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري. وهو المشهور عن ابن عباس. وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر بن الهذيل والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري، واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي ﵀ في كتابه الإيجاز.\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي لتكون وصيته على العدل لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما قدّر الله له من الفريضة، فمن سعى في ذلك، كان كمن ضاد الله في حكمته، وقسمته. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ، قال «الإضرار في الوصية من الكبائر» وكذا رواه ابن جرير (^١) من طريق عمر بن المغيرة هذا، وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، قال أبو القاسم بن عساكر: ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ، وقال علي بن المديني هو مجهولا لا أعرفه، لكن رواه النسائي في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦٣١. وفيه «الضرار» في موضع «الإضرار».","vol":"2","page":202},{"text":"سننه عن علي بن حجر عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفا «الإضرار في الوصية من الكبائر» وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند، ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفا، وفي بعضها: ويقرأ ابن عباس ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قال ابن جرير: والصحيح الموقوف.\nولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث، هل هو صحيح أم لا؟ على قولين [أحدهما] لا يصح لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (^١). وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي ﵏، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وهو اختيار أبي عبد الله البخاري في صحيحه، واحتج بأن رافع بن خديج أوصى أن لا تكشف الفزارية عما أغلق عليه بابها، قال: وقال بعض الناس لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة، وقد قال النبي ﷺ «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] فلم يخص وارثا ولا غيره، انتهى ما ذكره. فمتى كان الإقرار صحيحا مطابقا لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم، فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. ثم قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-315>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣ إلى ١٤]</span>\n﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾\nأي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها ولا تجاوزوها، ولهذا قال ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي فيها فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي لكونه غير ما حكم الله به وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (وصايا باب ٦) وسنن أبي داود (وصايا باب ٦). وسنن الترمذي (وصايا باب ٥) وسنن النسائي (وصايا باب ٥) وسنن ابن ماجة (وصايا باب ٦)","vol":"2","page":203},{"text":"ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن أيوب عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيته فيختم بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة» قال: ثم يقول أبو هريرة، اقرءوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ -إلى قوله- ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ قال أبو داود (^٢) في باب الإضرار في الوصية من سننه:\nحدثنا عبدة بن عبد الله، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا نصر بن علي الحدّاني، حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله ﷺ قال «إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصية، فتجب لهما النار» وقال قرأ عليّ أبو هريرة من هاهنا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ -حتى بلغ- ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٢] وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عبد الله بن جابر الحداني به، وقال الترمذي: حسن غريب، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-316>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥ إلى ١٦]</span>\n﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾\nكان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ﴾ يعني الزنا ﴿مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ، فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك، قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم، وكذا روى عن عكرمة، وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك، أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي، أثر عليه، وكرب لذلك، وتربّد وجهه، فأنزل الله ﷿ عليه ذات يوم، فلما سري عنه، قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٢٧٨.\n(^٢) سنن أبي داود (وصايا باب ٣)\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ٣١٨.","vol":"2","page":204},{"text":"ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة»، وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ ولفظه «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي، عرف ذلك في وجهه، فلما أنزلت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فلما ارتفع الوحي قال رسول الله ﷺ «خذوا قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة».\nوقد روى الإمام أحمد (^١) أيضا هذا الحديث عن وكيع بن الجراح، حدثنا الفضل بن دلهم عن الحسن عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله ﷺ «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». وكذا رواه أبو داود (^٢) مطولا من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال: وليس هو بالحافظ، كان قصابا بواسط.\nحديث آخر قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا عباس بن حمدان، حدثنا أحمد بن داود حدثنا عمرو بن عبد الغفار، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي كعب، قال: قال رسول الله ﷺ «البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان، والشيخان يرجمان» هذا حديث غريب من هذا الوجه-وروى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت سورة النساء، قال رسول الله ﷺ «لا حبس بعد سورة النساء». وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ﷺ رجم ماعزا (^٣) والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الرجم ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما﴾ أي واللذان يأتيان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وغيرهما: أي بالشتم والتعيير والضرب بالنعال، وكان الحكم كذلك، حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم، وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا. وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٤٧٦.\n(^٢) سنن أبي داود (حدود باب ٢٣)\n(^٣) هو ما عز بن مالك. انظر قصته في سنن أبي داود (حدود باب ٢٣)","vol":"2","page":205},{"text":"يتزوجوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا-لا يكني، وكأنه يريد اللواط-والله أعلم، وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وقوله: ﴿فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا﴾ أي أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالهما وحسنت، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُما﴾ أي لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾. وقد ثبت في الصحيحين «إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها» أي ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.\n\n<span data-type='title' id=toc-317>[سورة النساء (٤): الآيات ١٧ إلى ١٨]</span>\n﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨)﴾\nيقول ﷾: إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو قبل معاينة الملك روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله خطأ أو عمدا، فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب، وقال قتادة عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، رواه ابن جرير (^١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله به، فهو جهالة عمدا كان أو غيره. وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها قال ابن جريج: وقال لي عطاء بن أبي رباح، نحوه. وقال أبو صالح عن ابن عباس: من جهالته عمل السوء، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٢) ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت.\nوقال الضحاك (^٣): ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته، وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن البصري ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، ما لم يغرغر.\nوقال عكرمة: الدنيا كلها قريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>ذكر الأحاديث في ذلك:</span>\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا علي بن عياش، وعصام بن خالد، قالا: حدثنا ابن ثوبان عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦٤٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٦٤٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ٦٤٣.\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ١٣٢.","vol":"2","page":206},{"text":"أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به، وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجة، عن عبد الله بن عمرو وهو وهم إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب.\nحديث آخر: قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا عبد الله بن الحسن الخراساني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا أيوب بن نهيك الحلبي، سمعت عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت عبد الله بن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه وأدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه إلا قبل منه».\nحديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميمونة، أخبرني رجل من ملحان يقال له أيوب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه، فقلت له: إنما قال الله ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله ﷺ. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وأبو عمر الحوضي وأبو عامر العقدي عن شعبة.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين بن محمد حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن اسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، قال: اجتمع أربعة من أصحاب النبي ﷺ، فقال أحدهم سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم»، فقال الآخر:\nأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم»، فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة»، قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه». وقد رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن السلماني، فذكر قريبا منه.\nحديث آخر: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا عمران بن عبد الرحيم، حدثنا عثمان بن الهيثم، حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر».\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٤٢٥.","vol":"2","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>أحاديث في ذلك مرسلة:</span>\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن عوف، عن الحسن، قال:\nبلغني أن رسول الله ﷺ قال «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، هذا مرسل حسن عن الحسن البصري ﵀. وقد قال ابن جرير أيضا ﵀: حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب أن نبي الله ﷺ قال «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، وحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الأعلى عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال، فذكر مثله.\nحديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبو قلابة، فحدث أبو قلابة فقال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة، فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، فقال الله ﷿: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقد ورد هذا في حديث مرفوع رواه الإمام أحمد (^٢) في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري، كلاهما عن أبي سعيد عن النبي ﷺ، قال «قال إبليس: وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله ﷿: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله ﷿ وهو يرجو الحياة، فإن توبته مقبولة، ولهذا قال تعالى ﴿فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة مقبولة حينئذ، ولات حين مناص، ولهذا قال ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وهذا كما قال تعالى:\n﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤]، وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ يعني أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض.\nقال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ قالوا: نزلت في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦٤٣.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤١.","vol":"2","page":208},{"text":"أهل الشرك. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: حدثني أبي عن مكحول أن عمر بن نعيم حدثه عن أسامة بن سلمان أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله ﷺ، قال «إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب».\nقيل: وما وقوع الحجاب؟ قال «أن تخرج النفس وهي مشركة»، ولهذا قال الله تعالى:\n﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ أي موجعا شديدا مقيما.\n\n<span data-type='title' id=toc-320>[سورة النساء (٤): الآيات ١٩ إلى ٢٢]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾\nقال البخاري (^٢): حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الشيباني عن عكرمة، عن ابن عباس، -قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس- ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ هكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث أبي إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان، عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء، كوفي أعمى، كلاهما عن ابن عباس بما تقدم.\nوقال أبو داود (^٣): حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي نهى عن ذلك، تفرد به أبو داود.\nوقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع عن سفيان، عن علي بن بذيمة،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ١٧٤.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ٦)\n(^٣) سنن أبي داود (نكاح باب ٢٤)","vol":"2","page":209},{"text":"عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبا كان أحق بها، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها، وروى العوفي عنه:\nكان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، ولم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾. وقال زيد بن أسلم في الآية: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث امرأته من يرث ماله، وكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾.\nورواه ابن جرير (^١) من حديث محمد بن فضيل به. ثم روى من طريق ابن جريج قال:\nأخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة، حبسها أهله على الصبي يكون فيهم، فنزلت ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ الآية. وقال ابن جريج: قال مجاهد:\nكان الرجل إذا توفي، كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه. وقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم من الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله ﷺ، فقالت:\nيا رسول الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، جاء وليه فألقى عليها ثوبا، فإن كان له ابن صغير، أو أخ، حبسها حتى يشب، أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبا، نجت، فأنزل الله ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾. وقال مجاهد في هذه الآية: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحسبها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها أو يزوجها ابنه، رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. قلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وما ذكره مجاهد، ومن وافقه، وكل ما كان فيه نوع من ذلك،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦٤٨.","vol":"2","page":210},{"text":"والله أعلم.\nوقوله ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي لا تضارّوهن في العشرة، لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقا من حقوقها عليك، أو شيئا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يقول:\nولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يعني الرجل، تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي، وكذا قال الضحاك وقتادة، واختاره ابن جرير.\nوقال ابن المبارك وعبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال أخبرني سماك بن الفضل عن ابن السلماني، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام قال عبد الله بن المبارك: يعني قوله ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ في الجاهلية، ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإسلام (^١).\nوقوله ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والضحاك وأبو قلابة وأبو صالح والسدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال (^٢):\nيعني بذلك الزنا، يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتضاجرها حتى تتركه لك، وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان، واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان، والنشوز وبذاء اللسان، وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم.\nوقد تقدم فيما رواه أبو داود منفردا به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، أي نهى عن ذلك. قال عكرمة والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية، ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها قال: فهذا قوله ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾\n_________\n(^١) حديث عبد الرزاق عبد الله بن المبارك في تفسير الطبري ٣/ ٦٥٠.\n(^٢) الآثار عن هؤلاء في تفسير الطبري ٣/ ٦٥٢.","vol":"2","page":211},{"text":"﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.\nوقال مجاهد في قوله ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هو كالعضل في سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال رسول الله ﷺ «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين ﵂، يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال «هذه بتلك» ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ﷺ. وقد قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام، ولله الحمد.\nوقوله تعالى ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي فعسى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن فيه، خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدا، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الحديث الصحيح «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها آخر».\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئا ولو كان قنطارا من المال، وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا. وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق، ثم رجع عن ذلك، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين، قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولادكم بها النبي ﷺ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٤٠ - ٤١.","vol":"2","page":212},{"text":"الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة، ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء واسمه هرم بن مسيب البصري، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nطريق أخرى عن عمر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صدق النساء. وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه وإنما الصّدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهم على أربعمائة درهم، قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ الآية؟ قال: فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل، إسناده جيد قوي.\nطريق أخرى: قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ -من ذهب-قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود، «فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا»، فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته.\nطريق أخرى عن عمر فيها انقطاع: قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغصّة -يعني يزيد بن الحصين الحارثي-فمن زاد، ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة، في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله قال ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ الآية، فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.\nولهذا قال منكرا ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ أي وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك؟ قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع-وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ، قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما «الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب؟» قالها ثلاثا، فقال الرجل: يا رسول الله مالي؟ -يعني ما أصدقها-قال «لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو","vol":"2","page":213},{"text":"بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها». في سنن أبي داود وغيره عن بصرة بن أكتم أنه تزوج امرأة بكرا في خدرها، فإذا هي حامل من الزنا، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقضى لها بالصداق، وفرق بينهما، وأمر بجلدها، وقال «الولد عبد لك.\nفالصداق في مقابلة البضع» ولهذا قال تعالى ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، أن المراد بذلك العقد. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس في قوله ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال ابن أبي حاتم:\nوروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير والضحاك والسدي، نحو ذلك. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في الآية: هو قوله «أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» فإن كلمة الله هي التشهد في الخطبة، قال: وكان فيما أعطي النبي ﷺ ليلة أسري به، قال له «جعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» رواه ابن أبي حاتم، وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع أن النبي ﷺ قال فيها «واستوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية، يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظاما واحتراما أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم عن الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس بن الربيع حدثنا أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال: لما توفي أبو قيس-يعني ابن الأسلت-وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي رسول الله ﷺ فاستأمره فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: إن أبا قيس توفي، فقال «خيرا» ثم قالت: إن ابنه قيسا خطبني، وهو من صالحي قومه. وإنما كنت أعده ولدا فما ترى؟ فقال لها «ارجعي إلى بيتك»، قال: فنزلت ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية، وقال ابن جرير (^٢): حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أم عبيد الله بنت صخر، وكانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكان عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد كانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (حج حديث ١٤٧)\n(^٢) تفسير الطبري ٣/ ٦٦٠.","vol":"2","page":214},{"text":"وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولا به في الجاهلية، ولهذا قال ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ كما قال ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه، فأولدها ابنه النضر بن كنانة، قال: وقد قال ﷺ «ولدت من نكاح لا من سفاح» قال: فدل على أنه كان سائغا لهم ذلك، فإن أراد أنهم كانوا يعدونه نكاحا فيما بينهم. فقد قال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، حدثنا قراد، حدثنا ابن عيينة عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وهكذا قال عطاء وقتادة، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر، والله أعلم، وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الآية، مبشع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا﴾ وقال ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] فزاد هاهنا ﴿وَمَقْتًا﴾ أي بغضا أي هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي ﷺ وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه.\nوقال عطاء بن أبي رباح في قوله ﴿وَمَقْتًا﴾ أي يمقت الله عليه، ﴿وَساءَ سَبِيلًا﴾ أي وبئس طريقا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب، عن خاله أبي بردة-وفي رواية: ابن عمر، وفي رواية: عن عمه-أنه بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله. وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هشيم، حدثنا أشعث عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي ﷺ فقلت له: أي عم أين بعثك النبي؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه.\nمسألة: وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو شبهة، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية، فعن الإمام أحمد ﵀ أنها تحرم أيضا بذلك، وقد روى الحافظ بن عساكر في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٢٢٩.","vol":"2","page":215},{"text":"وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها، ويقول: هذا المتاع لو كان له متاع! اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجرسي، وكان فقيها، فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، فقال:\nلا تفعل يا أمير المؤمنين فإنها لا تصلح له، ثم قال: نعم ما رأيت، ثم قال ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري، فدعوته وكان آدم شديد الأدمة، فقال: دونك هذه بيض بها ولدك، قال:\nوكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله ﷺ لابنته فاطمة فربته، ثم أعتقته، ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-321>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾\nهذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: حرمت عليكم سبع نسبا وسبع صهرا، وقرأ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ﴾ الآية؛ وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء عن عمير، مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ﴾ فهن النسب.\nوقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى:\n﴿وَبَناتُكُمْ﴾ فإنها بنت، فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ أي كما يحرم عليكم","vol":"2","page":216},{"text":"أمك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال «إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة» (^١)، وفي لفظ لمسلم «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب».\nوقال بعض الفقهاء: كل ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاعة إلا في أربع صور، وقال بعضهم: ست صور هي مذكورة في كتب الفروع والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك، لأنه يوجد مثل بعضها من النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة، ولله الحمد وبه الثقة.\nثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويروى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ، قال:\n«لا تحرم المصة ولا المصتان» (^٢) وقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل، قالت: قال رسول الله ﷺ «لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، والمصة ولا المصتان»، وفي لفظ آخر «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» رواه مسلم. وممن ذهب إلى هذا القول: الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد وأبو ثور، وهو مروي عن علي وعائشة وأم الفضل وابن الزبير وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ﵏.\nوقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵂، قالت: كان فيما أنزل من القرآن «عشر رضعات معلومات يحرمن» ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن (^٣)، وروى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، نحو ذلك.\nوفي حديث سهلة بنت سهيل، أن رسول الله ﷺ أمرها أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، وبهذا قال الشافعي وأصحابه.\nثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ﴾\n_________\n(^١) صحيح البخاري (نكاح باب ٢٠ و٢١) وصحيح مسلم (رضاع حديث ١) وموطأ مالك (رضاع حديث ١)\n(^٢) صحيح مسلم (رضاع حديث ١٧ و٢٠ و٢٣)\n(^٣) صحيح مسلم (رضاع حديث ٢٥)","vol":"2","page":217},{"text":"﴿أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ثم اختلفوا هل يحرم لبن الفحول، كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط، ولا ينتشر إلى ناحية الأب، كما هو قول لبعض السلف؟ على قولين، تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير.\nوقوله ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾، أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل، وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها، ولهذا قال ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدهن. وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب، فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها، لقوله ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي رضي الله تعالى عنه، في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة، وحدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها. وفي رواية عن قتادة، عن سعيد، عن زيد بن ثابت، أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل.\nوقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بن حفص عن مسلم بن عويمر الأجدع، أن بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف، قال: فلم أجامعها حتى توفى عمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال: فسألت ابن عباس وأخبرته الخبر، فقال: انكح أمها؟ قال: وسألت ابن عمر، فقال: لا تنكحها، فأخبرت أبي بما قالا، فكتب إلى معاوية فأخبره بما قالا، فكتب معاوية:\nإني لا أحل ما حرم الله، ولا أحرم ما أحل الله، وأنت وذاك والنساء سواها كثير. فلم ينه ولم يأذن لي فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سماك بن الفضل عن رجل عن عبد الله بن الزبير، قال: الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة، وفي إسناده رجل مبهم لم يسم. وقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهدا قال له ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أراد بهما الدخول جميعا.\nفهذا القول كما ترى مروي عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس، وقد توقف فيه معاوية. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني فيما نقله الرافعي عن العبادي.","vol":"2","page":218},{"text":"وقد روي عن ابن مسعود مثله، ثم رجع عنه، قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق عن الثوري، عن أبي فروة، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود: أن رجلا من بني كمخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته. فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها ثم تزوج أمها، فتزوجها وولدت له أولادا، ثم أتى ابن مسعود المدينة، فسأل عن ذلك، فأخبر أنها لا تحل له، فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها.\nوجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم بخلاف الأم، فإنها تحرم بمجرد العقد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن محمد بن هارون بن عزرة، حدثنا عبد الوهاب عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها، وروي أنه قال: إنها مبهمة، فكرهها. ثم قال: وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاوس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقتادة والزهري نحو ذلك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديما وحديثا، ولله الحمد والمنة.\nقال ابن جرير (^١): والصواب قول من قال: الأم من المبهمات، لأن الله لم يشترط معهن الدخول كما اشترطه مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضا عن النبي ﷺ خبر غير أن في إسناده نظرا، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا حبان بن موسى، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة»، ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فالجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل، أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣].\nوفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله أنكح أختي بنت أبي سفيان، وفي لفظ لمسلم عزة بنت أبي سفيان، قال «أو تحبين ذلك»؟ قالت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، قال «فإن ذلك لا يحل لي». قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال «بنت أم سلمة»؟ قالت: نعم. قال «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦٦٣.","vol":"2","page":219},{"text":"ولا أخواتكن» وفي رواية للبخاري «إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي» (^١)، فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة، وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف.\nوقد قيل: بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم تكن كذلك فلا تحرم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام-يعني ابن يوسف-عن ابن جريج، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم وهي بالطائف.\nقال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف قال: فانكحها، قلت: فأين قول الله ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك.\nهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية ﵀، فاستشكله وتوقف في ذلك، والله أعلم.\nوقال ابن المنذر، حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا الأثرم عن أبي عبيدة قوله ﴿اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، قال: في بيوتكم، وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين، توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعا يريد أن أطأهما جميعا بملك يميني (^٢)، وهذا منقطع.\nوقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس، قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين، لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ﴾ وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (نكاح باب ٢٠ ونفقات باب ١٦) وصحيح مسلم (رضاع حديث ١٥ و١٦) وسنن أبي داود (نكاح باب ٦) وسنن ابن ماجة (نكاح باب ٣٤)\n(^٢) موطأ مالك (نكاح حديث ٣٣)","vol":"2","page":220},{"text":"وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة، وكذا قال قتادة عن أبي العالية.\nومعنى قوله ﴿اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي نكحتموهن، قاله ابن عباس وغير واحد. وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. وقلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها؟ قال: هو سواء، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها.\nوقال ابن جرير (^١): وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا يحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.\nوقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ أي وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية.\nكما قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾. قال: كنا نحدث-والله أعلم-أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد، قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ ونزلت ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا الجرح بن الحارث عن الأشعث، عن الحسن بن محمد: أن هؤلاء الآيات مبهمات ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾، ثم قال: وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول، نحو ذلك.\n(قلت) معنى مبهمات أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه، فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه، فالجواب من قوله ﷺ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف، كما قال ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٦٦٥.","vol":"2","page":221},{"text":"في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان، خيّر فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه، قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق أحداهما. ثم رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة من حديث ابن لهيعة، وأخرجه أبو داود والترمذي أيضا من حديث يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أبي وهب الجيشاني، قال الترمذي واسمه ديلم بن الهوشع. عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه به، وفي لفظ للترمذي.\nفقال النبي ﷺ «اختر أيتهما شئت»، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن (^٢).\nوقد رواه ابن ماجة أيضا بإسناد آخر فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي وهب الجيشاني عن أبي خراش الرعيني، قال: قدمت على رسول الله ﷺ وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية، فقال «إذا رجعت فطلق إحداهما» (^٣) قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز، ويحتمل أن يكون غيره، فيكون أبو وهب قد رواه عن اثنين عن فيروز الديلمي، والله أعلم.\nوقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني، حدثنا هيثم بن خارجة، حدثنا يحيى بن إسحاق عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن رزيق بن حكيم، عن كثير بن مرة، عن الديلمي، قال: قلت: يا رسول الله، إن تحتي أختين، قال «طلق أيهما شئت»، فالديلمي المذكور أولا هو الضحاك بن فيروز الديلمي قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان، والثاني هو أبو فيروز الديلمي ﵁، وكان من جملة الأمراء باليمن الذين ولوا قتل الأسود العنسي المتنبي لعنه الله.\nوأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضا لعموم الآية. وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو زرعة، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عنبة أو عتبة عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه فقال له-يعني السائل: يقول الله تعالى: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه:\nوبعيرك مما ملكت يمينك. وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. قال الإمام مالك (^٤)، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب:\nأن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان:\nأحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلا من أصحاب\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٢٣٢.\n(^٢) سنن الترمذي (نكاح باب ٣٤)\n(^٣) سنن ابن ماجة (نكاح باب ٣٩)\n(^٤) موطأ مالك (نكاح حديث ٣٤)","vol":"2","page":222},{"text":"النبي ﷺ فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا. قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك.\nقال ابن عبد البر النمري ﵀ في كتاب الاستذكار: إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طاب لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب ﵁، ثم قال أبو عمر (^١): حدثني خلف بن أحمد قراءة عليه: أن خلف بن مطرف حدثهم: حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة، قالوا: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عن موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولادا ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟ فقال علي ﵁: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى، قلت: فإن ناسا يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى، فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله ﷿ من الحرائر إلا العدد، أو قال: إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب، ثم قال أبو عمر (^٢): هذا الحديث رحلة (^٣)، لو لم يصب الرجل من أقصى المغرب أو المشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته. قلت: وقد روي عن علي نحو ما روي عن عثمان.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية-يعني الأختين-قال ابن عباس: يحرمهن عليّ قرابتي منهن ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض، يعني الإماء وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فلما جاء الإسلام أنزل الله ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ يعني في النكاح.\nثم قال أبو عمر: روى الإمام أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن سلمة عن هشام، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد، وعن ابن مسعود والشعبي نحو ذلك. قال أبو عمر: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم\n_________\n(^١) هو ابن عبد البرّ.\n(^٢) أي يستحق أن تشدّ الرحال إلى من يرويه. يقال: هو رحلة زمانه، أي تشد الرحال إليه لاستماع حديثه.\n(^٣) رواه السيوطي باختصار في الدر المنثور ٢/ ٢٤٤.","vol":"2","page":223},{"text":"ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا العراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرا وقياسا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات، وهن المزوجات ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾، يعني إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان هو الثوري عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ فاستحللنا بها فروجهن.\nوهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوراي عن عثمان البتي، ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري، فذكره، وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به.\nوقد روي من وجه آخر عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله ﷺ أصابوا سبايا يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكأن أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال: فنزلت هذه الآية في ذلك ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم: وشعبة، ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٧٢.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٨٤.","vol":"2","page":224},{"text":"حسن، ولا أعلم أن أحدا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة-كذا قال- وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم.\nوقد روى الطبراني من حديث الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها أخذا بعموم هذه الآية، وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول:\nبيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وكذا رواه سفيان عن منصور ومغيرة والأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود، قال: بيعها طلاقها وهو منقطع، ورواه سفيان الثوري عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. ورواه سعيد عن قتادة، قال: إن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس، قالوا: بيعها طلاقها. وقال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم قال:\nحدثنا ابن علية عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها، وقال عبد الرزاق:\nأخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قوله ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قال: هنّ ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك، وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ قال إذا كان لها زوج، فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن:\nبيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها.\nفهذا قول هؤلاء من السلف، وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقا لها لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين (^٣) وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ، بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي ﷺ، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم.\nوقد قيل: المراد بقوله ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ يعني العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، حكاه ابن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥.\n(^٣) صحيح البخاري (شروط باب ٣ وطلاق باب ١٤) وصحيح مسلم (عتق حديث ٦)","vol":"2","page":225},{"text":"جرير (^١) عن أبي العالية وطاوس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم.\nوقوله تعالى: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه. وقال عبيدة وعطاء والسدي في قوله ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ يعني الأربع. وقال إبراهيم ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ يعني ما حرم عليكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ أي ما عدا من ذكرن من المحارم، هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ ما دون الأربع، وهذا بعيد، والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ يعني ما ملكت أيمانكم، وهذه الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أي تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] وكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وكقوله ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ مرتين. وقال آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو راوية عن الإمام أحمد، وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرءون «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة»، وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (^٢). ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام. وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، فقال «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦)\n(^٢) صحيح البخاري (نكاح باب ٣١) وصحيح مسلم (نكاح حديث ٢٩ - ٣١)","vol":"2","page":226},{"text":"وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» (^١) وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع، وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى، قال: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به، وزيادة للجعل (^٢)، قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى، يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا، فازداد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾. قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، فلا يرث واحد منهما صاحبه، ومن قال بهذا القول الأول جعل معناه كقوله ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أي إذا فرضت لها صداقا فأبرأتك منه أو عن شيء منه، فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك. وقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، قال: زعم الحضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. يعني إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها، يعني في المقام أو الفراق. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات.\n\n<span data-type='title' id=toc-322>[سورة النساء (٤): آية ٢٥]</span>\n﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أي سعة وقدرة ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي الحرائر العفائف المؤمنات. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار عن ربيعة ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ﴾ قال ربيعة: الطول الهوى، يعني ينكح الأمة\n_________\n(^١) صحيح مسلم (نكاح حديث ٢١)\n(^٢) الجعل: الأجر المتفق عليه.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ١٦.","vol":"2","page":227},{"text":"إذا كان هواه فيها، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ثم أخذ يشنع على هذا القول ويرده ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾، قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان. ثم اعترض بقوله ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور؛ ثم ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه، كما جاء في الحديث «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر» أي زان. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء في الحديث «لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (^١) وقوله تعالى:\n﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات، وقوله تعالى: ﴿مُحْصَناتٍ﴾ أي عفائف عن الزنا لا يتعاطينه، ولهذا قال ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ وهن الزواني اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة-وقوله تعالى: ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾، قال ابن عباس: المسافحات هن الزواني المعلنات، يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدا أرادهن بالفاحشة. و﴿مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ يعني أخلاء، وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي، قالوا: أخلاء. وقال الحسن البصري: يعني الصديق. وقال الضحاك أيضا ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ ذات الخليل الواحد المقرة به، نهى الله عن ذلك. يعني تزويجها ما دامت كذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ اختلف القراء في أحصن، فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم، ثم قيل: معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أن المراد بالإحصان هاهنا الإسلام، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب وهو منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع، قال: وإنما قلنا ذلك، استدلالا بالسنة، وإجماع أكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا مرفوعا، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبي عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ قال «إحصانها إسلامها وعفافها» وقال: المراد به هاهنا التزويج. قال: وقال\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة (نكاح باب ١٥)","vol":"2","page":228},{"text":"علي: اجلدوهن، ثم قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر (^١). (قلت) وفي إسناده ضعف، وفيه من لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها.\nوقيل: المراد به هاهنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري في كتابه الإيضاح عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، رواهما ابن جرير (^٢) في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي. وقيل: معنى القراءتين متباين. فمن قرأ: أحصن بضم الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير (^٣) في تفسيره وقرره ونصره، والأظهر-والله أعلم-أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ أي تزوجن، كما فسره ابن عباس ومن تبعه، وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لاحد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي ﵁ أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي الله ﷺ فقال: «أحسنت اتركها حتى تماثل» (^٤)، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه «فإذا تعالت (^٥) من نفسها حدّها خمسين» وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٢/ ٢٥٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٢٦.\n(^٤) صحيح مسلم (حدود حديث ٣٤)\n(^٥) تعالت المرأة: طهرت.","vol":"2","page":229},{"text":"بحبل من شعر» (^١) ولمسلم «إذا زنت ثلاثا فليبعها في الرابعة»، وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا.\nالجواب الثاني: جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبا وهو المحكي عن ابن عباس ﵁. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال:\n«إن زنت فحدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير». قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة وأخرجاه في الصحيحين. وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير الحبل.\nقالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك، والله أعلم-وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «ليس على أمة حد حتى تحصن-أو حتى تزوج-فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات» وقد رواه ابن خزيمة عن عبد الله بن عمران العابدي عن سفيان به مرفوعا، وقال: رفعه خطأ إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران وقال مثل ما قاله ابن خزيمة.\nقالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة:\nأحدها: أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعا بينه وبين هذا الحديث.\nالثاني: أن لفظة الحد في قوله «فليجلدها الحد» مقحمة من بعض الرواة بدليل الجواب الثالث، وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد، وأيضا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم عن عمه، وكان قد شهد بدرا أن رسول الله ﷺ قال: «إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير».\nالرابع: أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظة الحد في الحديث على الجلد، لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب من زنى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (حدود باب ٣٦) وصحيح مسلم (حدود حديث ٣٠) وسنن أبي داود (حدود باب ٣٢) ومسند أحمد ٢/ ٢٤٩.","vol":"2","page":230},{"text":"من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ (^١)، وعلى جلد من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة. ورجم الثيب أو اللائط، والله أعلم. وقد روى ابن ماجة وابن جرير (^٢) في تفسيره: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج، وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب الأمة أصلا لاحدا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لا تضرب حدا، ولا ينفي ضربها تأديبا فهو كقول ابن عباس ﵁ ومن تبعه في ذلك، والله أعلم.\nالجواب الثالث: أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وكحديث عبادة بن الصامت «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة» والحديث في صحيح مسلم (^٣) وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري وهو في غاية الضعف، لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب، وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال؟ وهذا الشارع ﵇ سأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: اجلدوها، ولم يقل:\nمائة، فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء، وإلا فما الفائدة في قولهم: ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الآخر فبينه لهم، كما في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه فذكرها لهم، ثم قال «والسلام ما قد علمتم» وفي لفظ لما أنزل الله قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك وذكر الحديث وهكذا هذا السؤال.\nالجواب الرابع: عن مفهوم الآية جواب أبي ثور وهو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات وهو الرجم، وهو\n_________\n(^١) العثكال والعثكول: العذق عليه البسر، وهو من النخل كالعنقود من الكرم. والشمراخ: غصن دقيق ينبت في أعلى الغصن الغليظ. فالعثكال يتكون عادة من شماريخ عدة.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٦.\n(^٣) صحيح مسلم (حدود حديث ١٢)","vol":"2","page":231},{"text":"لا ينصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين، فأخطأ في فهم الآية، وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي ﵀:\nولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره، وقوله: ﴿نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم. وقد روى أحمد (^١) نصا في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه: إن صيفة كانت قد زنت برجل من الحمس (^٢)، فولدت غلاما، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله ﷺ: الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وجلدهما خمسين خمسين، وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى أي إن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات وليس عليهن رجم أصلا لا قبل النكاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة، قال ذلك صاحب الإفصاح، وذكر هذا عن الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم عنه، وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار، وهو بعيد من لفظ الآية، لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواها فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه وهو قول في مذهب أحمد ﵀، فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضا بعيد لأنه ليس في لفظ الآية ما يدل عليه، ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة، أو رجمهن كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: «إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها».\nملخص الآية: أنها إذا زنت أقوال: أحدها تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده. وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها إنها تنفى عنه. والثاني لا تنفى عنه مطلقا والثالث أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرة، وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ١٠٤.\n(^٢) كذا في الأصول. وفي مسند «أن يحنّس وصفية كانا من سبي الخمس فزنت صفية برجل من الخمس» إلخ وهو الصواب.","vol":"2","page":232},{"text":"النفي تعزير ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهن وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه، رواه البخاري وذلك مخصوص بالمعنى وهو أن المقصود من النفي الصون، وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم.\nوالثاني أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديبا غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهبا بالتأويل وإلا فهو كالقول الثاني.\nالقول الآخر أنها تجلد قبل الإحصان مائة، وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود وأضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين، وترجم بعده، وهو قول أبي ثور وهو ضعيف أيضا، والله ﷾ أعلم بالصواب.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله، فله حينئذ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيّا، فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nومن هذه الآية الكريمة، استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجا بحرة، جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضا سواء كان واجدا لطول حرة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي العفائف وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة وهذه أيضا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-323>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]</span>\n﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾\nيخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم مما تقدم ذكره في","vol":"2","page":233},{"text":"هذه السورة وغيرها، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي من الإثم والمحارم، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله. وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ أي يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلا عظيما ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أي في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وكيع عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ أي في أمر النساء. وقال وكيع: يذهب عقله عندهن.\nوقال موسى الكليم ﵇ لنبينا محمد ﷺ، ليلة الإسراء حين مر عليه راجعا من عند سدرة المنتهى، فقال له: ماذا فرض عليكم، فقال: أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا، فرجع، فوضع عشرا. ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسا، الحديث (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-324>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ إلى ٣١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾\nينهى ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير (^٢): حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهما، قال: هو الذي قال الله ﷿ فيه ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله في الآية، قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ١٤٩ و٤/ ٢٠٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٣.","vol":"2","page":234},{"text":"القيامة (^١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما أنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وكذا قال قتادة.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ قرئ تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكقوله ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول، لأنه يدل على التراضي نصا بخلاف المعاطاة، فإنها قد لا تدل على الرضى ولا بد، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال: يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعا وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم.\nوقال مجاهد ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ بيعا أو عطاء يعطيه أحد أحدا، ورواه ابن جرير (^٢)، ثم قال: وحدثنا وكيع، حدثنا أبي عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، قال: قال رسول الله ﷺ «البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما» هذا حديث مرسل.\nومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين (^٣) أن رسول الله ﷺ قال «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» وفي لفظ البخاري «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا»، وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك ﵀، وصححوا بيع المعاطاة مطلقا وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا وهو اختيار طائفة من الأصحاب كما هو متفق عليه.\nوقوله ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم\n_________\n(^١) الدر المنثور ٢/ ٢٥٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٥.\n(^٣) صحيح البخاري (بيوع باب ١٩ و٢٢ و٤٢ و٤٣ و٤٤ و٤٦ و٤٧) وصحيح مسلم (بيوع حديث ٤٣ و٤٦ و٤٧)","vol":"2","page":235},{"text":"بينكم بالباطل ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال لما بعثه النبي ﷺ، عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ، ذكرت ذلك له، فقال «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب» قال: قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله ﷿ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا، وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب به، ورواه أيضا عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمر بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عنه، فذكر نحوه، وهذا-والله أعلم-أشبه بالصواب.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد عن عكرمة، عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له فدعاه فسأله عن ذلك، فقال:\nيا رسول الله، خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، فسكت عنه رسول الله ﷺ، ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو مترد في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» (^٢) وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وكذلك رواه أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، وعن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة» (^٣) وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة.\nوفي الصحيحين من حديث الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله ﷺ «كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينا نحر بها يده، فما رقأ\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤.\n(^٢) سنن النسائي (جنائز باب ٦٨) ومسند أحمد ٢/ ٢٥٤.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٣٣.","vol":"2","page":236},{"text":"الدم حتى مات، قال الله ﷿ «عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة» (^١).\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا﴾ أي ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتديا فيه ظالما في تعاطيه أي عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ الآية، أي إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد بن أيوب عن معاوية بن قرة، عن أنس، قال: الذي بلغنا عن ربنا ﷿، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾.\nوقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هشيم عن مغيرة عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قرثع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: قال لي النبي ﷺ «أتدري ما يوم الجمعة؟» قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم، قال «لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة»، وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني خالد عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى الصواري، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يوما، فقال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات، ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر، فكان أحب إلينا من حمر النعم، فقال: «ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام»، وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به، ورواه الحاكم أيضا وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أنبياء باب ٥٠) وصحيح مسلم (إيمان حديث ١٨٠) ورقأ الدم: سكن وجف وانقطع بعد جريانه.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٤٣٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤١.","vol":"2","page":237},{"text":"[تفسير هذه السبع] وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال «اجتنبوا السبع الموبقات».\nقيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال «الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (^١).\nطريق أخرى عنه: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فهد بن عوف، حدثنا أبو عوانة عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال «الكبائر سبع: أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة».\nفالنص على هذه السبع بأنهن كبائر، لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي إملاء، حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حدثنا معاذ بن هانئ، حدثنا حرب بن شداد، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه يعني عمير بن قتادة ﵁، أنه حدثه وكانت له صحبة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع «ألا إن أولياء الله المصلون من يقم الصلوات الخمس التي كتبت عليه، ويصوم رمضان ويحتسب صومه، يرى أنه عليه حق، ويعطي زكاة ماله يحتسبها ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها»، ثم إن رجلا سأله فقال:\nيا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال «تسع: الشرك بالله، وقتل نفس مؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا، ثم قال: لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا كان مع النبي ﷺ في دار أبوابها مصاريع من ذهب»، هكذا رواه الحاكم مطولا، وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصرا من حديث معاذ بن هانئ به. وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطا، ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان. (قلت) وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وقال البخاري: في حديثه نظر، وقد رواه ابن جرير (^٢) عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم بن سلام، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (وصايا باب ٢٣) وصحيح مسلم (إيمان حديث ١٤٤)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٢ وفيه «سليمان بن ثابت الخراز».","vol":"2","page":238},{"text":"عن عبيد بن عمير، عن أبيه فذكره، ولم يذكر في الإسناد عبد الحميد بن سنان، والله أعلم.\nحديث آخر في معنى ما تقدم: قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن ابن عمرو، قال: صعد النبي ﷺ المنبر، فقال «لا أقسم، لا أقسم»، ثم نزل فقال: «أبشروا أبشروا، من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة: ادخل». قال عبد العزيز: لا أعلمه إلا قال: «بسلام». وقال المطلب: سمعت من سأل عبد الله بن عمرو، أسمعت رسول الله ﷺ يذكرهن؟ قال: نعم «عقوق الوالدين، وإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفراق من الزحف، وأكل الربا» حديث آخر في معناه: قال أبو جعفر بن جرير (^١) في التفسير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا زياد بن مخراق عن طيسلة بن مياس، قال: كنت مع النجدات فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر، فقلت له: إني أصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، قال: ما هي؟ قلت: أصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا. قال ليس من الكبائر. قال-بشيء لم يسمه طيسلة-قال: هي تسع وسأعدهن عليك «الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا وأكل مال اليتيم ظلما. وإلحاد في المسجد الحرام والذي يستسخر، وبكاء الوالدين من العقوق».\nقال زياد: وقال طيسلة: لما رأى ابن عمر فرقي قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم.\nقال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات.\nطريق أخرى: قال ابن جرير (^٢): حدثنا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي، حدثنا سلم بن سلام، حدثنا أيوب بن عتبة عن طيسلة بن علي النهدي، قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة وهو يصب الماء على رأسه ووجهه، قلت: أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي تسع قلت: ما هي؟ قال: «الإشراك بالله وقذف المحصنة» قال: قلت: قبل القتل؟ قال: نعم ورغما، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإلحاق بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفا. وقد رواه علي بن الجعد عن أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي، قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة، وهو تحت ظل أراكة، وهو يصب الماء على رأسه فسألته عن الكبائر؟\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٢ وفيه «سليمان بن ثابت الخراز الواسطي».","vol":"2","page":239},{"text":"فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هن سبع» قال: قلت: وما هن؟ قال «الإشراك بالله وقذف المحصنة» قال: قلت: قبل الدم؟ قال: نعم، ورغما، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا». وهكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب عن أيوب بن عتبة اليماني وفيه ضعف، والله أعلم.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا بقية عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان أن أبا رهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ «من عبد الله لا يشرك به شيئا، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة-أو دخل الجنة-» فسأله رجل ما الكبائر؟ فقال «الشرك بالله، وقتل نفسه مسلمة، والفرار يوم الزحف» ورواه أحمد أيضا، والنسائي من غير وجه عن بقية.\nحديث آخر: روى ابن مردويه في تفسيره من طريق سليمان بن داود اليماني-وهو ضعيف-عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، قال:\nكتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب «إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا وأكل مال اليتيم».\nحديث آخر فيه ذكر شهادة الزور: قال الإمام أحمد (^٢) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عبيد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك: قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال «الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين»، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور-أو شهادة الزور-» قال شعبة: أكبر ظني أنه قال:\nشهادة الزور. أخرجاه من حديث شعبة، به. وقد رواه ابن مردويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس بنحوه.\nحديث آخر: أخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئا، فجلس فقال «ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (^٣).\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٤١٣.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ١٣١.\n(^٣) صحيح البخاري (أدب باب ٦) وصحيح مسلم (إيمان حديث ١٤٣ و١٤٤)","vol":"2","page":240},{"text":"حديث آخر فيه ذكر قتل الولد: وهو ثابت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال:\nقلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ وفي رواية أكبر قال «أن تجعل لله ندا وهو خلقك».\nقلت: ثم أي؟ قال «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال «أن تزاني حليلة جارك» ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ [الفرقان:٦٨] (^١).\nحديث آخر فيه ذكر شرب الخمر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثني ابن صخر أن رجلا حدثه عن عمارة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بالحجر بمكة، وسأله رجل عن الخمر فقال: والله إن عظيما عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله ﷺ، فذهب فسأله، ثم رجع فقال: سألته عن الخمر، فقال «هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته» غريب من هذا الوجه.\nطريق أخرى: رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن أبا بكر الصديق ﵁ وعمر بن الخطاب وأناسا من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ أجمعين، جلسوا بعد وفاة رسول الله ﷺ فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، فوثبوا إليه حتى أتوه في داره، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله ﷺ أن ملكا من بني إسرائيل أخذ رجلا فخيره بين أن يشرب خمرا، أو يقتل نفسا، أو يزني أو يأكل لحم خنزير أو يقتله، فاختار شرب الخمر، وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وإن رسول الله ﷺ قال لنا مجيبا «ما من أحد يشرب خمرا إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت أحد وفي مثانته منها شيء إلا حرم الله عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية» هذا حديث غريب من هذا الوجه جدا، وداود بن صالح هذا هو التمار المدني مولى الأنصار، قال الإمام أحمد: لا أرى به بأسا. وذكره ابن حبان في الثقات ولم أر أحدا جرحه.\nحديث آخر: عن عبد الله بن عمرو وفيه ذكر اليمين الغموس. قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال «أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس-شعبة الشاك-واليمين\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أو باب ٢٠) وصحيح مسلم (إيمان حديث ١٤١ و١٤٢)\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٢٠١.","vol":"2","page":241},{"text":"الغموس» ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة، وزاد البخاري وشيبان كلاهما عن فراس به.\nحديث آخر في اليمين الغموس: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله ﷺ قال «أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر (^١) فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة»، وهكذا رواه أحمد (^٢) في مسنده وعبد بن حميد في تفسيره، كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث بن سعد به، وأخرجه الترمذي عن عبد بن حميد به، وقال: حسن غريب، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة ولا يعرف اسمه، وقد روى عن أصحاب النبي ﷺ أحاديث. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن محمد بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه، عن عبد الله بن أنيس، فزاد عبد الله بن أبي أمامة. (قلت) هكذا وقع في تفسير ابن مردويه وصحيح ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن إسحاق كما ذكره شيخنا فسح الله في أجله.\nحديث آخر: عن عبد الله بن عمرو في التسبب إلى شتم الوالدين، قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، رفعه سفيان إلى النبي ﷺ، ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو، قال «من الكبائر أن يشتم الرجل والديه، قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال «يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه» أخرجه البخاري عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال «يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه، فيسب أمه» (^٣) وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد، ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم بن مرفوعا بنحوه، وقال الترمذي: صحيح، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».\nحديث آخر في ذلك: قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي\n_________\n(^١) يمين الصبر هي التي ألزم صاحبها نفسه بها.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤٩٥.\n(^٣) صحيح البخاري (أدب باب ٤) وصحيح مسلم (ايمان حديث ١٤٥)","vol":"2","page":242},{"text":"هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «من أكبر الكبائر عرض الرجل المسلم، والسبّتان والسبّة» هكذا روي هذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن جعفر بن مسافر، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد بن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال «من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة» وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكر مثله.\nحديث آخر فيه ذكر الجمع بين الصلاتين من غير عذر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال «من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر» وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف عن المعتمر بن سليمان به، ثم قال: حنش هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة يعني العدوي، قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين-يعني بغير عذر-والفرار من الزحف، والنهبة، وهذا إسناد صحيح. والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر، تقديما أو تأخيرا، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية، فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبا كبيرة، فما ظنك بترك الصلاة بالكلية، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه قال «بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة» (^١). وفي السنن مرفوعا عنه ﵊ أنه قال «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر»، وقال «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»، وقال «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله».\nحديث آخر: فيه اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. قال ابن أبي حاتم. حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان متكئا، فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال «الشرك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر» وقد رواه البزار عن عبد الله بن إسحاق العطار، عن أبي عاصم النبيل، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال «الإشراك بالله واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله ﷿» وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفا، فقد روي عن ابن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ١٣٤)","vol":"2","page":243},{"text":"مسعود نحو ذلك. قال ابن جرير (^١): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا مطرف عن وبرة بن عبد الرحمن عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق عن وبرة عن أبي الطفيل عن عبد الله به، ثم رواه من طرق عدة عن أبي الطفيل عن ابن مسعود وهو صحيح إليه بلا شك.\nحديث آخر: فيه سوء الظن بالله. قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن بندار، حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثنا أبو حذيفة البخاري عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: أكبر الكبائر سوء الظن بالله ﷿، حديث غريب جدا.\nحديث آخر: فيه التعرب (^٢) بعد الهجرة قد تقدم في رواية عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول «الكبائر سبع، ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد الهجرة»، وفي إسناده نظر، ورفعه غلط فاحش، والصواب ما رواه ابن جرير (^٣): حدثنا تميم بن المنتصر، حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: إني لفي هذا المسجد، مسجد الكوفة، وعلي ﵁ يخطب الناس على المنبر يقول: يا أيها الناس، الكبائر سبع فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: لم لا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، ما هي؟ قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة. فقلت لأبي: يا أبت، التعرب بعد الهجرة، كيف لحق هاهنا؟ قال يا بني وما أعظم من أن يهاجر الرجل حتى إذا وقع سهمه في الفيء، ووجب عليه الجهاد، خلع ذلك من عنقه، فرجع أعرابيا كما كان.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا هشام، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الأشجعي، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع «ألا إنما هن أربع أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٢.\n(^٢) أي العودة إلى حياة الأعراب بعد سكنى المدينة.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٠.\n(^٤) مسند أحمد ٤/ ٣٣٩.","vol":"2","page":244},{"text":"ولا تزنوا، ولا تسرقوا» قال: فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من رسول الله ﷺ ثم رواه أحمد أيضا والنسائي وابن مردويه من حديث منصور بإسناده مثله.\nحديث آخر: تقدم من رواية عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال «الإضرار في الوصية من الكبائر» والصحيح ما رواه غيره عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ابن أبي حاتم: وهو الصحيح عن ابن عباس من قوله.\nحديث آخر في ذلك: قال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عباد بن عباد، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم عن أبي أمامة، أن أناسا من أصحاب النبي ﷺ ذكروا الكبائر وهو متكئ، فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، وفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال رسول الله ﷺ: «فأين تجعلون ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾» [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية. في إسناده ضعف، وهو حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-325>ذكر أقوال السلف في ذلك:</span>\nقد تقدم ما روي عن عمر وعلي ﵄ في ضمن الأحاديث المذكورة، وقال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن ابن عون، عن الحسن، أن أناسا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله ﷿ أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر ﵁ فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناسا لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك. قال: فاجمعهم لي. قال: فجمعتهم له.\nقال ابن عون: أظنه قال: في بهو، فأخذ أدناهم رجلا فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا. قال: ولو قال: نعم، لخصمه. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أمرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم قال: فثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله، قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات، قال: وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ الآية. ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم، إسناد حسن ومتن حسن وإن كان من رواية الحسن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٧.","vol":"2","page":245},{"text":"عن عمر، وفيها انقطاع إلا أن مثل هذا اشتهر، فتكفي شهرته.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري، حدثنا علي بن صالح عن عثمان بن المغيرة، عن مالك بن جوين، عن علي ﵁. قال: الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة.\nوتقدم عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله ﷿. وروى ابن جرير (^١) من حديث الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، كلاهما عن ابن مسعود، قال:\nالكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها، ومن حديث سفيان الثوري وشعبة عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها ثم تلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا صالح بن حيان عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل.\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ»، وفيهما عن النبي ﷺ أنه قال «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل» وذكر تمام الحديث (^٢).\nوفي مسند الإمام أحمد (^٣) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا «من منع فضل الماء وفضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما أخذ على النساء من الكبائر، قال ابن أبي حاتم: يعني قوله تعالى: ﴿عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢]، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة، قال: أتينا أنس بن مالك فكان فيما حدثنا قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت هنيهة ثم قال: والله لما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٠.\n(^٢) صحيح البخاري (شهادات باب ٢٢ وأحكام باب ٤٨) وصحيح مسلم (إيمان حديي ١٧٣)\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ١٧٩.","vol":"2","page":246},{"text":"كلفنا من ذلك تجاوز لنا عما دون الكبائر، وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-326>أقوال ابن عباس في ذلك:</span>\nروى ابن جرير (^٢) من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن طاوس، قال: ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع، فقال: هي أكثر من سبع وسبع، قال: فلا أدري كم قالها من مرة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ليث عن طاوس، قال:\nقلت لابن عباس: ما السبع الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. ورواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن ليث، عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال:\nأرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله؟ قال: هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن طاوس عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هن إلى السبعين أقرب، وكذا قال أبو العالية الرياحي ﵀. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير: أن رجلا قال لابن عباس: كم الكبائر سبع؟ قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شبل به، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا شبيب عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكبائر كل ما وعد الله عليه النار كبيرة، وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري. وقال ابن جرير:\nحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن ابن عباس كان يقول: كل ما نهى الله عنه كبيرة، وقد ذكرت الطرفة، قال: هي النظرة، وقال أيضا: حدثنا أحمد بن حازم، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن معدان عن أبي الوليد، قال: سألت ابن عباس عن الكبائر، فقال كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-327>أقوال التابعين:</span>\nقال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن ابن عون، عن محمد،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٣ - ٤٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤١.","vol":"2","page":247},{"text":"قال: سألت عبيدة عن الكبائر فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان. قال: ويقولون: أعرابية بعد هجرة، قال ابن عون: فقلت لمحمد: فالسحر؟ قال: إن البهتان يجمع شرا كثيرا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: الكبائر سبع، ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله، الإشراك بالله منهن ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]، و﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ [النور: ٢٣]، والفرار من الزحف ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥]، والتعرب بعد الهجرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥]، وقتل المؤمن ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ٩٣]، وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضا في حديث أبي إسحاق عن عبيد بن عمير بنحوه.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن عطاء يعني ابن أبي رباح، قال: الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن مغيرة، قال: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر ﵄ من الكبائر.\nقلت: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة، وهو رواية عن مالك بن أنس ﵀. وقال محمد بن سيرين: ما أظن أحدا ينتقص أبا بكر وعمر وهو يحب رسول الله ﷺ، رواه الترمذي.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، قال زيد بن أسلم في قول الله ﷿ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ من الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعى لله ولدا أو صاحبة-ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل. وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل، فإن الله يغفر السيئات بالحسنات.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤١.","vol":"2","page":248},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر؛ وذكر لنا أن النبي ﷺ قال «اجتنبوا الكبائر، وسدودا، وأبشروا».\nوقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس وعن جابر مرفوعا «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف، إلا ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفردا به من هذا الوجه عن عباس العنبري، عن عبد الرزاق، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الصحيح شاهد لمعناه وهو قوله ﷺ بعد ذكر الشفاعة «أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المتلوثين» (^٢).\nوقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل: هي ما عليه حد في الشرع، ومنهم من قال: هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة، وقيل غير ذلك. قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة ﵃ فمن بعدهم في الكبائر وفي الفرق بينها وبين الصغائر، ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه: أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد. والثاني:\nأنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد لهم، وهو إلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر. والثالث: قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة. والرابع: ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه وكل معصية توجب في جنسها حدا من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط، ثم قال: وفصل القاضي الروياني فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبا، والقذف، وزاد في الشامل على السبع المذكورة: شهادة الزور، وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله ﷺ عمدا، وسب أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٧.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٧٥.","vol":"2","page":249},{"text":"المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ويقال: الوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن، ومما يعد من الكبائر: الظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة، ثم قال الرافعي: وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال.\nقلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي الذي بلغ نحوا من سبعين كبيرة، وإذا قيل: إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها، كما قال ابن عباس وغيره وما تتبّع ذلك، اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل كل ما نهى الله عنه فكثير جدا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>[سورة النساء (٤): آية ٣٢]</span>\n﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة:\nيا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، فأنزل الله ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾. ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة أنها قالت: قلت: يا رسول الله، فذكره، وقال: غريب. ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، فذكره. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث، فنزلت الآية، ثم أنزل الله ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ثم قال ابن أبي حاتم: وكذا روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ، وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة قالت:\nقلت يا رسول الله، وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك، وروى ابن جرير من حديث ابن جريج عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: أنزلت في أم سلمة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن شيخ من أهل مكة، قال: نزلت هذه الآية في قول النساء: ليتنا الرجال، فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل الله ﷿. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، حدثنا الأشعث بن إسحاق عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الآية، قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ قالت: يا رسول الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، فنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ الآية، فإنه عدل مني وأنا صنعته.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٣٢٢.","vol":"2","page":250},{"text":"وقال السدي في الآية: فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا، فأبى الله ذلك ولكن قال لهم: سلوني من فضلي، قال: ليس بعرض الدنيا، وقد روي عن قتادة نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية، قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك، نحو هذا؛ وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء»، فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا، فقال ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي في الأمور الدنيوية، وكذا الدينية أيضا، لحديث أم سلمة وابن عباس. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح: نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالا فيغزون، رواه ابن جرير.\nثم قال ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أي كل له جزاء على عمله بحسبه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، هذا قول ابن جرير (^١).\nوقيل: المراد بذلك في الميراث، أي كل يرث بحسبه، رواه الترمذي عن ابن عباس.\nثم أرشدهم إلى ما يصلحهم، فقال ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، والتمني لا يجدي شيئا، ولكن سلوني من فضلي أعطكم، فإني كريم وهاب، وقد روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد، سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج» ثم قال الترمذي:\nكذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي ﷺ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع عن إسرائيل، ثم رواه من حديث قيس بن الربيع عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباده إليه الذي يحب الفرج».\nثم قال ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥١.","vol":"2","page":251},{"text":"فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، لهذا قال ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-329>[سورة النساء (٤): آية ٣٣]</span>\n﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة وزيد بن أسلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم، في قوله ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ أي ورثة، وعن ابن عباس في رواية: أي عصبة، قال ابن جرير (^١): والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس: [البسيط] مهلا بني عمنا مهلا موالينا … لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا (^٢)\nقال: ويعني بقوله ﴿مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والده وأقربوه من ميراثهم له.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.\nقال البخاري (^٣): حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ قال: ورثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ نسخت، ثم قال ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصى له، ثم قال البخاري: سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس عن طلحة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ الآية، قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، وحدثنا الحسن بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٢.\n(^٢) والبيت بلا نسبة في أساس البلاغة (طرح) وروايته فيه «لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا».\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ٧)","vol":"2","page":252},{"text":"محمد بن الصباح، حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ «كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام» فنسختها هذه الآية ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، ثم قال: وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا:\nهم الحلفاء.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا شريك عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس -ورفعه-قال: ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدة شدة». وقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ، وحدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقدام عن إسرائيل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ «لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة»، هذا لفظ ابن جرير. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال «شهدت حلف المطيبين (^٣) وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم، وأنا أنكثه» قال الزهري: قال رسول الله ﷺ «لم يصب الإسلام حلفا إلا زاده شدة» قال «ولا حلف في الإسلام»، وقد ألف النبي ﷺ بين قريش والأنصار. وهكذا رواه الإمام أحمد (^٤) عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بتمامه.\nوحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرني مغيرة عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي ﷺ عن الحلف، قال: فقال «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام» وهكذا رواه أحمد عن هشيم.\nوحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جدعان عن جدته، عن أم\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٢٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٨.\n(^٣) قال في لسان العرب (طيب) اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية وجعلوا طيبا في جفنة وغمسوا أيديهم فيه وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم فسموا المتطيبين.\n(^٤) مسند أحمد ١/ ١٩٠.","vol":"2","page":253},{"text":"سلمة، أن رسول الله ﷺ، قال «لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة».\nوحدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح، قام خطيبا في الناس فقال «يا أيها الناس ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام» ثم رواه من حديث حسين المعلم وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب به.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ «لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة». وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد وهو أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله، ورواه أبو داود عن عثمان، عن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة، ثلاثتهم عن زكريا وهو ابن أبي زائدة بإسناده مثله، ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم أنه سأله النبي ﷺ عن الحلف فقال «ما كان حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام» وكذا رواه شعبة عن مغيرة وهو ابن مقسم عن أبيه به.\nوقال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين، قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت سعد بن الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد وكانت يتيمة في حجر أبي بكر، فقرأت عليها «والذين عاقدت أيمانكم» فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ قالت: إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبي أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف، أمر الله أن يؤتيه نصيبه، رواه ابن أبي حاتم، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك، وتقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل.\nوالصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى:\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٨٣.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٦١.","vol":"2","page":254},{"text":"﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه، هم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (^١) أي اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة.\nوقوله ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم، أي من الميراث، فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل وحكم الحلف الماضي أيضا، فلا توارث به، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قال: من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصى له وقد ذهب الميراث. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي أسامة، وكذا روي عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهذا هو المعروف، وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقوله ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ وقال سعيد بن جبير: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، أي من الميراث، قال:\nوعاقد أبو بكر مولى فورثه، رواه ابن جرير. وقال الزهري عن ابن المسيب: نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبا في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، وأبي الله أن يكون للمدعين ميراث ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية، رواه ابن جرير.\nوقد اختار ابن جرير (^٢) أن المراد بقوله فآتوهم نصيبهم، أي من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الميراث حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا منسوخة، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس:\nكان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه حتى نسخ ذلك، فكيف يقولون إن هذه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (فرائض باب ٥ و٧ و٩ و١٥) وصحيح مسلم (فرائض حديث ٣٢) وسنن الترمذي (فرائض باب ٨)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٩.","vol":"2","page":255},{"text":"الآية محكمة غير منسوخة؟ والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-330>[سورة النساء (٤): آية ٣٤]</span>\n﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ أي الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت، ﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله ﷺ «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري (^١) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء وغير ذلك.\n﴿وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ أي من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه ﷺ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ يعني أمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله، وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك. وقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشكو أن زوجها لطمها، فقال رسول الله ﷺ «القصاص»، فأنزل الله ﷿ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ الآية، فرجعت بغير قصاص، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه، وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة وابن جريج والسدي، أورد ذلك كله ابن جرير (^٢).\nوقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال: حدثنا أحمد بن علي النسائي، حدثنا محمد بن عبد الله الهاشمي، حدثنا محمد بن محمد الأشعث حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال: حدثنا أبي عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، قال:\nأتى رسول الله ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله ﷺ «ليس له ذلك» فأنزل الله تعالى ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ أي في الأدب، فقال رسول الله ﷺ «أردت أمرا وأراد الله غيره». وقال الشعبي في هذه الآية ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لا عنها، ولو قذفته\n_________\n(^١) صحيح البخاري (فتن باب ١٨)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٦٠.","vol":"2","page":256},{"text":"جلدت.\nوقوله تعالى، ﴿فَالصّالِحاتُ﴾ أي من النساء ﴿قانِتاتٌ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهن ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ وقال السدي وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله. وقوله ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ أي المحفوظ من حفظه الله.\nقال ابن جرير (^١) حدثني المثني، حدثنا أبو صالح، حدثنا أبو معشر، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ إلى آخرها، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به، مثله سواء.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر: أن ابن قارظ أخبره أن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت» تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ عن عبد الرحمن بن عوف.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن، والنشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال، وقد قال رسول الله ﷺ «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها»، وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال:\nقال رسول الله ﷺ «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح»، ورواه مسلم، ولفظه «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (^٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.\nوقوله ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره، وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس في رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها. وقال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٢.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ١٩١.\n(^٣) صحيح البخاري (بدء الخلق باب ٧ ونكاح باب ٨٥) وصحيح مسلم (نكاح حديث ١٢١)","vol":"2","page":257},{"text":"علي بن أبي طلحة أيضا عن ابن عباس: يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد. وقال مجاهد والشعبي وإبراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقتادة: الهجر هو أن لا يضاجعها. وقد قال أبو داود (^١): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه أن النبي ﷺ قال «فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع» قال حماد: يعني النكاح. وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت».\nوقوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، أي إذا لم يرتد عن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع «واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضربا غير مبرح، قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوا ولا يؤثر فيها شيئا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية. وقال سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال النبي ﷺ «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: «ذئرت النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله ﷺ في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ «لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة (^٢). وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سليمان بن داود يعني أبا داود الطيالسي، حدثنا أبو عوانة عن داود الأودي، عن عبد الرحمن المسلي، عن الأشعث بن قيس، قال: ضفت عمر ﵁، فتناول امرأته فضربها، فقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثا حفظتها عن رسول الله ﷺ: لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر»، ونسيت الثالثة، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة، عن داود الأودي به.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع\n_________\n(^١) سنن أبي داود (نكاح باب ٤٢)\n(^٢) سنن ابن ماجة (نكاح باب ٣٤ و٥١) وسنن أبي داود (نكاح باب ٤٢) وذئرت النساء: نشزت.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٢٠.","vol":"2","page":258},{"text":"ما يريده منها مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها. وقوله ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-331>[سورة النساء (٤): آية ٣٥]</span>\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾\nذكر الحال الأول وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة. ثم ذكر الحال الثاني وهو إذا كان النفور من الزوجين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها﴾ وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق، وتشوف الشارع إلى التوفيق، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله ﷿ أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل. ورجلا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه (^١) على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض ولا يرث الكاره الراضي، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا، وقال: أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: تصير إلي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة؟، فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس، لأفرقن بينهما، فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا، وقال عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها مع\n_________\n(^١) ألزموه بها.","vol":"2","page":259},{"text":"كل واحد منهما فئام (^١) من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال علي للحكمين:\nأتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله ﷿ لك وعليك، رواه ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير (^٢) عن يعقوب عن ابن علية عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي مثله، ورواه من وجه آخر عن ابن سيرين، عن عبيدة عن علي به.\nوقد أجمع جمهور العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاث فعلا، وهو رواية عن مالك، وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع لا في التفرقة، وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود، ومأخذهم قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف.\nوقد اختلف الأئمة في الحكمين، هل هما منصوبان من جهة الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان. أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين والجمهور على الأول، لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها﴾ فسماهما حكمين ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، الثاني منهما بقول علي ﵁ للزوج حين قال: أما الفرقة فلا، قال:\nكذبت حتى تقر بما أقرت به، قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، والله أعلم، قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين إذا اختلف قولهما فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة، ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضا من غير توكيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-332>[سورة النساء (٤): آية ٣٦]</span>\n﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦)﴾\nيأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل «أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله\n_________\n(^١) فئام: جماعة.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٧٣.","vol":"2","page":260},{"text":"أعلم، قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا»، ثم قال: «أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم» ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود وكثيرا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وكقوله ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء كما جاء في الحديث «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة» (^١).\nثم قال تعالى: ﴿وَالْيَتامى﴾ وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم ثم قال ﴿وَالْمَساكِينِ﴾ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة.\nوقوله ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\n﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى﴾، يعني الذي بينك وبينه قرابة، ﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ الذي ليس بينك وبينه قرابة، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة، وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله: والجار ذي القربى: يعني الجار المسلم، والجار الجنب يعني اليهودي والنصراني، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود: والجار ذي القربى يعني المرأة وقال مجاهد أيضا في قوله: والجار الجنب يعني الرفيق في السفر، وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر وبالله المستعان.\nالحديث الأول: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمر بن محمد بن زيد أنه سمع أباه محمدا يحدث عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» أخرجاه في الصحيحين من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر به.\nالحديث الثاني: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سفيان عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وروى أبو داود والترمذي نحوه من حديث سفيان بن عيينة، عن بشير أبي إسماعيل،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٧ و١٨ و٢٤١.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٨٥.\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ١٦٠.","vol":"2","page":261},{"text":"زاد الترمذي: وداود بن شابور، كلاهما عن مجاهد به، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وقد روى عن مجاهد عائشة وأبي هريرة عن النبي ﷺ.\nوالحديث الثالث: قال أحمد (^١) أيضا: حدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح به، وقال حسن غريب.\nالحديث الرابع: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يشبع الرجل دون جاره»، تفرد به أحمد.\nالحديث الخامس: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه «ما تقولون في الزنا؟» قالوا حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره»، قال «ما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره» تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت ثم أي؟ قال «أن تزاني حليلة جارك».\nالحديث السادس: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد، حدثنا هشام عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي ﷺ، فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول الله ﷺ حتى جعلت أرثي لرسول الله ﷺ من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: «ولقد رأيته؟» قلت: نعم. قال «أتدري من هو؟».\nقلت: لا، قال «ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ثم قال «أما إنك لو سلمت عليه لرد عليك السلام».\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ١٦٧.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٥٤ - ٥٥.\n(^٣) مسند أحمد ٦/ ٨.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ٣٢.","vol":"2","page":262},{"text":"الحديث السابع: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا أبو بكر يعني المدني، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل من العوالي ورسول الله ﷺ، وجبريل ﵇، يصليان حيث يصلى على الجنائز، فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله، من هذا الرجل الذي رأيت معك؟ قال «وقد رأيته؟» قال: نعم. قال «لقد رأيت خيرا كثيرا، هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت أنه سيورثه»، تفرد به من هذا الوجه وهو شاهد للذي قبله.\nالحديث الثامن: قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضل عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقا، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم، له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم» قال البزار: لا نعلم أحدا روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي فديك.\nالحديث التاسع: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي عمران، عن طلحة بن عبد الله، عن عائشة، أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال «إلى أقربهما منك بابا»، ورواه البخاري من حديث شعبة به، الحديث العاشر: روى الطبراني وأبو نعيم عن عبد الرحمن، فزاد: قال: إن رسول الله ﷺ توضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه، فقال «ما يحملكم على ذلك»؟ قالوا: حب الله ورسوله. قال «من سره أن يحب الله ورسوله فليصدق الحديث إذا حدث، وليؤد الأمانة إذا ائتمن».\nالحديث الحادي عشر: قال أحمد (^٢): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول خصمين يوم القيامة جاران».\nوقوله تعالى: ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قال الثوري، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود، قالا: هي المرأة، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات، نحو ذلك، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر، وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح، وقال\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ١٧٥.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٥١.","vol":"2","page":263},{"text":"زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر، وأما ابن السبيل، فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف، وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازا في السفر، وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف المار في الطريق، فهما سواء، وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان.\nوقوله تعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وصية بالأرقاء، لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس، فلهذا ثبت أن رسول الله ﷺ جعل يوصي أمته في مرض الموت، يقول «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه، وقال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله ﷺ «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة» ورواه النسائي من حديث بقية، وإسناده صحيح، ولله الحمد.\nوعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال:\nفانطلق فأعطهم، فإن رسول الله ﷺ قال: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم» رواه مسلم (^٢). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» رواه مسلم (^٣) أيضا وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه» (^٤) أخرجاه، ولفظه للبخاري ولمسلم: «فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوها قليلا، فليضع في يده أكلة أو أكلتين». وعن أبي ذر ﵁،. عن النبي ﷺ قال «هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» أخرجاه (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾، أي مختالا في نفسه، معجبا متكبرا فخورا على الناس، يرى أنه خير منهم فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض، قال مجاهد في قوله ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا﴾ يعني متكبرا ﴿فَخُورًا﴾ يعني يعدّ ما أعطى، وهو لا يشكر الله تعالى يعني يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٣١.\n(^٢) صحيح مسلم (زكاة حديث ٤٠)\n(^٣) صحيح مسلم (أيمان حديث ٤١)\n(^٤) صحيح البخاري (أطعمة باب ٥٥)\n(^٥) صحيح البخاري (إيمان باب ٢٢) وصحيح مسلم (أيمان حديث ٤٠)","vol":"2","page":264},{"text":"وهو قليل الشكر لله على ذلك، وقال ابن جرير (^١): حدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالا فخورا، وتلا ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ الآية، ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيا، وتلا ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]، وروى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب مثله في المختال الفخور، وقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم عن الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقائه، فلقيته، فقلت: يا أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم «إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة»؟ فقال: أجل، فلا إخالني أكذب على خليلي ثلاثا؟ قلت: من الثلاثة الذين يبغض الله؟ قال: المختال الفخور. أوليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل، ثم قرأ الآية ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾، وحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن خالد، عن أبي تميمة عن رجل من بلهجيم، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال «إياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة».\n\n<span data-type='title' id=toc-333>[سورة النساء (٤): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]</span>\n﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾\nيقول تعالى ذاما الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم من الأرقاء، ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضا، وقد قال رسول الله ﷺ «وأي داء أدوأ من البخل». وقال: «إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا».\nوقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فالبخيل جحود لنعمة الله لا تظهر عليه ولا تبين، لا في مأكله ولا في ملبسه ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ١٠٨] أي بحاله وشمائله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وقال هاهنا ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولهذا توعدهم بقوله:\n﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها فهو كافر لنعم الله عليه، وفي الحديث «إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه»، وفي الدعاء النبوي «واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٨٧.","vol":"2","page":265},{"text":"وأتممها علينا».\nوقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾، رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقاله مجاهد وغير واحد، ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذلك الآية التي بعدها وهي قوله ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ﴾ فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: العالم، والغازي، والمنفق المراؤون بأعمالهم، «يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله: كذبت إنما أردت أن يقال: جواد فقد قيل» أي فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ، قال لعدي بن حاتم «إن أباك رام أمرا فبلغه» (^١). وفي حديث آخر: أن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: «لا، إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (^٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، أي إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسن لهم القبائح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾، ولهذا قال الشاعر: [الطويل] عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي (^٣)\nثم قال تعالى: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ الآية، أي وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطريق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملا، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها، وقوله ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جناية الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه، فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذا بالله من ذلك.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٢٥٨.\n(^٢) مسند أحمد ٦/ ١٢٠.\n(^٣) البيت لعدي بن زيد. وهو في تفسير الطبري ٤/ ٩٠.","vol":"2","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-334>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا: إنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ [لقمان: ١٦]، وقال تعالى:\n﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٧] وفي الصحيحين من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل، وفيه «فيقول الله ﷿ ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار» وفي لفظ:\n«أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار فيخرجون خلقا كثيرا» ثم يقول أبو سعيد: اقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ (^١)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، قال:\nقال عبد الله بن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فيغفر الله من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر طلبته، فإن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة ثم قرأ علينا ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ قال: ادخل الجنة وإن كان عبدا شقيا قال الملك:\nرب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار، ورواه ابن جرير من وجه آخر عن زاذان به نحوه ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل يعني ابن مرزوق عن عطية العوفي حدثني عبد الله بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] قال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (إيمان باب ١٥) وصحيح مسلم (إيمان حديث ٣٠٤)","vol":"2","page":267},{"text":"من ذلك ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوحدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبدا، وقد استدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال: يا رسول الله، إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعته بشيء؟ قال «نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (^١).\nوقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عمران، حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة».\nوقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: يعني الجنة، نسأل الله رضاه والجنة، وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان، قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، قال: فقضي أني انطلقت حاجا أو معتمرا، فلقيته فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «يجزى العبد بالحسنة ألف ألف حسنة» فقلت: ويحكم ما أحد أكثر مني مجالسة لأبي هريرة، وما سمعت هذا الحديث منه فتحملت أريد أن الحقه فوجدته قد انطلق حاجا، فانطلقت إلى الحج في طلب هذا الحديث فلقيته فقلت: يا أبا هريرة:\nإن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا والله يقول ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] ويقول ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] والذي نفسي بيده لقد سمعت النبي ﷺ يقول «إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» قال: وهذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، ورواه أحمد (^٣) أيضا فقال: حدثنا يزيد حدثنا مبارك بن فضالة عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال أتيت أبا هريرة، فقلت له: بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة».\n_________\n(^١) صحيح البخاري (مناقب الأنصار باب ٤٠) وصحيح مسلم (إيمان حديث ٣٥٧)\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٥٢١.\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ٢٩٦.","vol":"2","page":268},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا أبو خلاد وسليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا محمد الرفاعي عن زياد بن الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، فقدم قبلي حاجا وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يؤثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ «إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة» فقلت: ويحكم ما كان أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، وما سمعت منه هذا الحديث، فهممت أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا، فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث، ورواه ابن أبي حاتم من طريق أخرى فقال: حدثنا بشر بن مسلم، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الذهبي، عن زياد الجصاص، عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة» فقال أبو هريرة:\nوالله بل سمعت نبي الله ﷺ يقول: «إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة» ثم تلا هذه الآية ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى مخبرا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد، يعني الأنبياء ﵈، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩]؛ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٤]، وقال البخاري (^١): حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ «اقرأ علي» فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ «قال نعم إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فقال «حسبك الآن» فإذا عيناه تذرفان، ورواه هو ومسلم أيضا من حديث الأعمش به، وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود فهو مقطوع به عنه ورواه أحمد من طريق أبي حيان وأبي رزين عنه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري عن أبيه، قال: وكان أبي ممن صحب النبي ﷺ: إن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر النبي ﷺ قارئا فقرأ حتى أتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فبكى رسول الله ﷺ حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: «يا رب، هذا شهدت على من أنا بين\n_________\n(^١) صحيح البخاري (فضائل القرآن باب ٣٢)","vol":"2","page":269},{"text":"أظهرهم، فكيف بمن لم أره».\nوقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن عبد الله الزهري حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن عبد الله هو ابن مسعود في هذه الآية، قال: قال رسول الله ﷺ «شهيد (^٢) عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم».\nوأما ما ذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على أمته، قال: أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض فيه على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فإنه أثر وفيه انقطاع، فإنه فيه رجلا مبهما لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه، وقد قبله القرطبي فقال بعد إيراده: قد تقدم أن الأعمال تعرض على الله كل يوم اثنين وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، قال:\nولا تعارض، فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ أي لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [النبأ: ٤٠].\nوقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئا. وقال ابن جرير (^٣): حدثنا حاكم، حدثنا عمرو عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: سمعت الله ﷿ يقول-يعني إخبارا عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا- ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا فلنجحد، فقالوا ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٩٥.\n(^٢) في الطبري: «شهيدا عليهم ما دمت فيهم فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد». والإشارة إلى الآية ١١٧ من سورة المائدة، ولفظها في القرآن: «وكنت عليهم شهيدا …».\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٩٦.","vol":"2","page":270},{"text":"قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، قال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكن اختلاف قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال أسمع الله يقول ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ فقد كتموا. فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا يغفر شركا جحد المشركون، فقالوا ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾. وقال جويبر عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس، قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ وقوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقى على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نجحد: فيسألهم فيقولون ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت بهم ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ رواه ابن جرير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-335>[سورة النساء (٤): آية ٤٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾\nينهى ﵎ عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محالها التي هي المساجد للجنب، إلا أن يكون مجتازا من باب إلى باب من غير مكث، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر، كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. فإن رسول الله ﷺ تلاها على عمر، فقال «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا»، فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا» فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات فلما نزل قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٩٧.","vol":"2","page":271},{"text":"منتهون [المائدة: ٩١] فقال عمر: انتهينا انتهينا. وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث وفيه: فنزلت الآية التي في النساء ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قامت الصلاة ينادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، لفظ أبي داود (^١).\nذكروا في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات، صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل لحي بعير ففزر به أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل تحريم الخمر، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ الآية، والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة، ورواه أهل السنن إلا ابن ماجة من طرق عن سماك به.\nسبب آخر قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثنا أبو جعفر عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلانا، قال فقرأ: قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ هكذا رواه ابن أبي حاتم، وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن عبد الرحمن الدشتكي به، وقال: حسن صحيح.\nوقد رواه ابن جرير (^٢) عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي: أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر، شربوا الخمر فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فخلط فيها، فنزلت ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري به.\nورواه ابن جرير أيضا عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان علي في نفر من أصحاب النبي ﷺ في بيت عبد الرحمن بن عوف، فطعموا فأتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فحضرت الصلاة فقدموا عليا فقرأ بهم\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أشربة باب ١) وفيه: «ألا لا يقربن».\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٩٨.","vol":"2","page":272},{"text":"﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ فلم يقرأها كما ينبغي، فأنزل الله ﷿ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن حبيب وهو أبو عبد الرحمن السلمي: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا، فدعا نفرا من أصحاب النبي ﷺ فصلى بهم المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين، فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: إن رجالا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر، فقال الله ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ الآية، رواه ابن جرير، وكذا قال أبو رزين ومجاهد. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر.\nوقال الضحاك في الآية: لم يعن بها سكر الخمر وإنما عنى بها سكر النوم، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ثم قال ابن جرير (^١): والصواب أن المراد سكر الشراب، قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب، لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما قاله، وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما، والله أعلم، وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك.\nوقوله ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ هذا أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما يقول، فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها. وقد قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول» انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب به. وفي بعض ألفاظ الحديث «فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه».\nوقوله: ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٩٩.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ١٥٠.","vol":"2","page":273},{"text":"عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب، إلا عابري سبيل، قال: تمر به مرا، ولا تجلس، ثم قال: وروي عن عبد الله بن مسعود، وأنس، وأبي عبيدة، وسعيد بن المسيب، وأبي الضحى، وعطاء، ومجاهد، ومسروق، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، وأبي مالك، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، وعكرمة، والحسن البصري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن شهاب، وقتادة نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن قول الله ﷿ ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيردون الماء ولا يجدون ممرا إلا في المسجد، فأنزل الله ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب ﵀، ما ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر» (^٢) وهذا قاله في آخر حياته ﷺ، علما منه أن أبا بكر ﵁ سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد، إلا بابه ﵁، ومن روى إلا باب علي (^٣)، كما وقع في بعض السنن فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح.\nومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضا، في معناه، إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث، ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور، جاز لهما المرور، وإلا فلا. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ «ناوليني الخمرة من المسجد» فقلت: إني حائض، فقال «إن حيضتك ليست في يدك» (^٤) وله عن أبي هريرة مثله، ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها، والله أعلم.\nوروى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة العامري، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (^٥)، قال أبو مسلم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٠٢.\n(^٢) صحيح البخاري (صلاة باب ٨٠)\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٣٣١ و٤/ ٣٦٩.\n(^٤) صحيح مسلم (حيض حديث ١١ - ١٣)\n(^٥) سنن أبي داود (طهارة باب ٩٢)","vol":"2","page":274},{"text":"الخطابي: ضعف هذا الحديث جماعة وقالوا: أفلت مجهول، لكن رواه ابن ماجة، من حديث أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ به، قال أبو زرعة الرازي: يقولون: جسرة، عن أم سلمة، والصحيح جسرة عن عائشة، فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي: من حديث سالم بن أبي حفصة عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال:\nقال رسول الله ﷺ «يا علي لا يحل لأحد أن يجنب، في هذا المسجد غيري وغيرك» فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالما هذا متروك، وشيخه عطية ضعيف، والله أعلم.\nحديث آخر: في معنى الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرني ابن أبي ليلى عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء فيصلي، حتى يجد الماء، ثم رواه من وجه آخر عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي بن أبي طالب، فذكره. قال: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وسعيد بن جبير والضحاك، نحو ذلك. وقد روى ابن جرير (^١)، من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، أو عن زر بن حبيش عن علي، فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز: عن ابن عباس، فذكره. ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد، والحسن بن مسلم، والحكم بن عتيبة، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن مثل ذلك. وروى من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير، قال: كنا نسمع أنه في السفر. ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي قلابة عن عمر بن بجدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير» ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب، في قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] إلى آخره، فكان معلوما بذلك أن قوله ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لو كان معنيا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا، حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مرا وقطعا، يقال منه: عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبرا وعبورا، ومنه يقال عبر فلان النهر، إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار، هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار.\nوهذا الذي نصره، هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٠٠.","vol":"2","page":275},{"text":"الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة، ولمحلها أيضا، والله أعلم.\nوقوله ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك والشافعي، أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقه، وذهب الإمام أحمد: إلى أنه متى توضأ الجنب، جاز له المكث في المسجد، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد، هو الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ، يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضأوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد على شرط مسلم، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء، فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض، لعموم الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس، عن خصيف عن مجاهد في قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية، هذا مرسل والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير.\nوقوله ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر، وأما قوله ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ فقرئ لمستم ولامستم، واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين: [أحدهما]: أن ذلك كناية عن الجماع، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قال: الجماع. وروي عن علي وأبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان، نحو ذلك، وقال ابن جرير (^١): حدثني حميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٠٤.","vol":"2","page":276},{"text":"العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: فمن أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي، قال: غلب فريق الموالي. إن اللمس والمس والمباشرة:\nالجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء، ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبة به نحوه، ثم رواه من غير وجه، عن سعيد بن جبير نحوه. ومثله قال: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، قال حدثنا أبو بشر: أخبرنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني بما يشاء، حدثنا عبد الحميد بن بيان، أنبأنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس، قال:\nالملامسة: الجماع، ولكن الله كريم يكني بما يشاء، وقد صح من غير وجه، عن عبد الله بن عباس، أنه قال ذلك، ثم رواه ابن جرير: عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم، ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: عنى الله تعالى بذلك كل لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان، وأوجبوا الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئا من جسدها مفضيا إليه، ثم قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود، قال: اللمس ما دون الجماع، وقد رواه من طرق متعددة، عن ابن مسعود بمثله، وروى من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: القبلة من المس وفيها الوضوء. وروى الطبراني بإسناده، عن عبد الله بن مسعود، قال: يتوضأ الرجل من المباشرة ومن اللمس بيده، ومن القبلة، وكان يقول في هذه الآية ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ هو الغمز، وقال ابن جرير (^١): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويرى فيها الوضوء، ويقول: هي من اللماس.\nوروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا: من طريق شعبة عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله، قال: اللمس ما دون الجماع، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وعبيدة، وأبي عثمان النهدي، وأبي عبيدة يعني ابن عبد الله بن مسعود، وعامر الشعبي، وثابت بن الحجاج، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك، (قلت) وروى مالك، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أوجسها بيده، فعليه الوضوء، وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه: عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، ولكن روينا عنه من وجه آخر: أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه، على الاستحباب، والله أعلم.\nوالقول بوجوب الوضوء من المس، هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٠٧.","vol":"2","page":277},{"text":"أحمد بن حنبل ﵏، قال ناصر هذه المقالة: قد قرئ في هذه الآية لامستم ولمستم، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] أي جسوه، وقال رسول الله ﷺ لماعز حين أقر بالزنا، يعرّض له بالرجوع عن الإقرار: «لعلك قبلت أو لمست»، وفي الحديث الصحيح «واليد زناها اللمس»، وقالت عائشة ﵂: قلّ يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا، فيقبل ويلمس، ومنه ما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الملامسة، وهو يرجع إلى الجس باليد، على كلا التفسيرين، قالوا: ويطلق في اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال الشاعر: [الطويل] ولمست كفي كفّه أطلب الغنى واستأنسوا أيضا بالحديث الذي رواه أحمد (^١)، حدثنا عبد الله بن مهدي، وأبو سعيد، قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وقال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، قال: إن رسول الله ﷺ أتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا أتاه منها، غير أنه لم يجامعها، قال: فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، قال: فقال له رسول الله ﷺ «توضأ ثم صلّ» قال معاذ: فقلت: يا رسول الله، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال «بل للمؤمنين عامة»، ورواه الترمذي من حديث زائدة به، وقال: ليس بمتصل، ورواه النسائي: من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مرسلا، قالوا: فأمره بالوضوء، لأنه لمس المرأة ولم يجامعها، وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ، فإنه لم يلقه، ثم يحتمل أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة، كما تقدم في حديث الصديق: «ما من عبد يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له» الحديث، وهو مذكور في سورة آل عمران، عند قوله ﴿ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].\nثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ الجماع، دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبّل بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي، قال:\nأخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم يقبل ثم يصلي، ولا يتوضأ، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ، قبّل بعض\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٢٤٤.","vol":"2","page":278},{"text":"نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت.\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجة، عن جماعة من مشايخهم، عن وكيع به، ثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، وقال يحيى القطان لرجل: احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء، وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث، وقال: لا شك حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، وقد وقع في رواية ابن ماجة: عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهذا نص في كونه عروة بن الزبير، ويشهد له قوله: من هي إلا أنت فضحكت، لكن روى أبو داود عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني، عن عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة، فذكره، والله أعلم.\nوقال ابن جرير أيضا: حدثنا أبو زيد، عمر بن أنيس عن هشام بن عباد، حدثنا مسدد بن علي، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة وعن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ ينال مني القبلة بعد الوضوء، ثم لا يعيد الوضوء.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قبّل ثم صلى ولم يتوضأ، رواه أبو داود والنسائي، من حديث يحيى القطان، زاد أبو داود: وابن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري به.\nثم قال أبو داود والنسائي: لم يسمع إبراهيم التيمي من عائشة (^٢).\nثم قال ابن جرير أيضا: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءا. وقال أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبي ﷺ: أنه كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ. وقد رواه الإمام أحمد، عن محمد بن فضيل، عن حجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبي ﷺ به، وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده، جاز له حينئذ\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٢١٠.\n(^٢) سنن أبي داود (طهارة باب ٦٨)","vol":"2","page":279},{"text":"التيمم، وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال «يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست برجل مسلم» قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، قال «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فالتيمم في اللغة، هو القصد، تقول العرب:\nتيممك الله بحفظه، أي قصدك، ومنه قول امرئ القيس شعرا: [الطويل] ولما رأت أن المنية وردها … وأن الحصى من تحت أقدامها دامي\nتيممت العين التي عند ضارج … يفيء عليها الفيء عرمضها طامي (^١)\nوالصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والحجر والنبات، وهو قول مالك، وقيل: ما كان من جنس التراب، كالرمل والزرنيخ والنورة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو التراب فقط، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي ترابا أملس طيبا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» وفي لفظ «وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» قالوا: فخصص الطهورية بالتراب، في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه.\nوالطيب هاهنا قيل: الحلال، وقيل: الذي ليس بنجس، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، إلا ابن ماجة من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده فليمسه بشرته فإن ذلك خير» وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان أيضا، ورواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده، عن أبي هريرة وصححه الحافظ أبو الحسن القطان، وقال ابن عباس: أطيب الصعيد تراب الحرث، رواه ابن أبي حاتم، ورفعه ابن مردويه في تفسيره.\nوقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال: أحدها وهو مذهب الشافعي في الجديد: أنه يجب أن يمسح الوجه\n_________\n(^١) رواية البيتين في ديوانه ص ٤٧٥: ولما رأت أن الشريعة همّها وأن البياض من فرائصها دام تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الطلح عرمضها طام وهما في لسان العرب (ضرج، عرمض) ومقاييس اللغة ٣/ ٢٦٢ و٤/ ٤٣٥ وتاج العروس (ضرج)","vol":"2","page":280},{"text":"واليدين إلى المرفقين بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] قالوا: وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية، وذكر بعضهم: ما رواه الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» ولكن لا يصح، لأن في أسانيده ضعفاء، لا يثبت الحديث بهم، وروى أبو داود (^١) عن ابن عمر، في حديث، أن رسول الله ﷺ، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه بعض الحافظ، ورواه غيره من الثقات، فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: وهو الصواب، وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر، واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصمة: أن رسول الله ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا خارجة بن مصعب، عن عبد الله بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، قال: رأيت رسول الله ﷺ يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ حتى فرغ، ثم قام إلى الحائط فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم رد علي السلام.\nوالقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو قول الشافعي في القديم.\nوالثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال عمر لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال «إنما كان يكفيك، وضرب النبي ﷺ بيده الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه» وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) سنن أبي داود (طهارة باب ١٢٢)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ١١٥)\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٢٦٥.","vol":"2","page":281},{"text":"عمار، أن رسول الله ﷺ قال في التيمم «ضربة للوجه والكفين» (^١).\n[طريق أخرى] قال أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، عن سليمان الأعمش، حدثنا شقيق، قال: كنت قاعدا مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى لعبد الله: لو أن رجلا لم يجد الماء لم يصل؟ فقال عبد الله: لا، فقال أبو موسى: أما تذكر إذا قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ وإياك في إبل، فأصابتني جنابة فتمرغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول الله ﷺ أخبرته، فضحك رسول الله ﷺ وقال «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة»؟ فقال عبد الله: لا جرم، ما رأيت عمر قنع بذاك، قال: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ قال: فما درى عبد الله ما يقول، وقال:\nلو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم.\nوقال تعالى في آية المائدة ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٤٣] استدل بذلك الشافعي، على أنه لا بد في التيمم، أن يكون بتراب طاهر، له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء، كما روى الشافعي بإسناده المتقدم عن ابن الصمة: أنه مر بالنبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، فضرب بيده عليه، ثم مسح وجهه وذراعيه.\nوقوله: ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] أي في الدين الذي شرعه لكم ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فلهذا أباح لكم، إذا لم تجدوا الماء، أن تعدلوا إلى التيمم بالصعيد، ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ولهذا كانت هذه الأمة مخصوصة بمشروعية التيمم، دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» وفي لفظ «فعنده طهوره ومسجده، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة» (^٣) وتقدم في حديث حذيفة عند مسلم «فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها طهورا إذا لم نجد الماء».\nوقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ أي ومن عفوه عنكم وغفرانه لكم أن شرع التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٢٦٣.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٢٦٥.\n(^٣) صحيح البخاري (تيمم باب ١ وصلاة باب ٥٦) وصحيح مسلم (مساجد حديث ٤ و٥)","vol":"2","page":282},{"text":"الماء، توسعة عليكم ورخصة لكم، وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة، أن تفعل على هيئة ناقصة، من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضا أو عادما للماء، فإن الله ﷿ قد أرخص في التيمم، والحالة هذه رحمة بعباده ورأفة بهم، وتوسعة عليهم، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-336>ذكر سبب نزول مشروعية التيمم:</span>\nوإنما ذكرنا ذلك هاهنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتّم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير يقال: في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير، وأما المائدة فإنها من أواخر ما نزل ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب هاهنا، وبالله الثقة.\nقال أحمد (^١): حدثنا ابن نمير عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجالا في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا.\nطريق أخرى: قال البخاري (^٢): حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله ﷺ على فخذي فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير:\nما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته، وقد رواه البخاري أيضا عن قتيبة وإسماعيل، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن صالح قال، قال ابن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٥٧.\n(^٢) صحيح البخاري (تيمم باب ١)\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٢٦٤.","vol":"2","page":283},{"text":"شهاب: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله ﷺ عرس بذات الجيش ومعه زوجته عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها، وذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسوله رخصة التطهير بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط. وقد رواه ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا صيفي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه رخصة المسح بالصعيد الطيب، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة نزلت فيك رخصة، فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط.\nحديث آخر: قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا العباس بن أبي سويّة، حدثني الهيثم بن رزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد وعاش مائة وسبع عشرة سنة، عن أبيه، عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول الله ﷺ فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله ﷺ وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: «يا أسلع ما لي أرى رحلتك تغيرت» قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال «ولم»؟ قلت: إني أصابتني جنابة فخشيت القر على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت به، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وقد روي من وجه آخر عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-337>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا (٤٦)﴾\nيخبر تعالى عن اليهود-عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد ﷺ، ليشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١١٥.","vol":"2","page":284},{"text":"أي يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ﴾ أي هو أعلم بهم ويحذركم منهم، ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ أي كفى به وليا لمن لجأ إليه ونصيرا لمن استنصره.\nثم قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ «من» في هذا لبيان الجنس كقوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقوله ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] أي يتأولون الكلام على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ﷿ قصدا منهم وافتراء ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ أي يقولون سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة، وقوله ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي اسمع ما نقول، لا سمعت، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك، قال ابن جرير: والأول أصح، وهو كما قال: وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة الله، ﴿وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم راعنا، وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾، يعني بسبهم النبي ﷺ، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] والمقصود أنهم لا يؤمنون إيمانا نافعا.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾\nيقول تعالى آمرا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهددا لهم إن لم يفعلوا بقوله:\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها﴾ قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوها، فطمسها هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، ويحتمل أن يكون المراد:\nمن قبل أن نطمس وجوها فلا نبقي لها سمعا ولا بصرا ولا أثرا، ومع ذلك نردها إلى ناحية الأدبار.\nقال العوفي عن ابن عباس في الآية وهي ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وطمسها أن تعمى","vol":"2","page":285},{"text":"﴿فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه، وكذا قال قتادة وعطية العوفي، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهو مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة، يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٨]: إن هذا مثل ضربه الله لهم في ضلالهم، ومنعهم عن الهدى. قال مجاهد: من قبل أن نطمس وجوها، يقول: عن صراط الحق فنردها على أدبارها، أي في الضلال. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا. قال السدي: فنردها على أدبارها، فنمنعها عن الحق، قال: نرجعها كفارا ونردهم قردة، وقال ابن زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز.\nوقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية. قال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب حدثنا جابر بن نوح عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر فقال:\nيا كعب، أسلم. فقال: ألستم تقرأون في كتابكم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ -إلى- ﴿أَسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وأنا قد حملت التوراة، قال: فتركه عمر ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلا من أهلها حزينا وهو يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها﴾ الآية، قال كعب: يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين.\nوقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر من وجه آخر فقال: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله ﷺ، قال: فبعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها﴾ فبادرت الماء فاغتسلت، وإني لأمس وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت.\nوقوله ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ﴾ يعني الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف.\nوقوله ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ أي إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع. ثم أخبر تعالى أنه ﴿لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾، أي من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٢٧.","vol":"2","page":286},{"text":"الذنوب ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾، أي من عباده، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر:\nالحديث الأول: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، وقال ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة» تفرد به أحمد.\nالحديث الثاني: قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرّقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال «الظلم ثلاثة:\nفظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض».\nالحديث الثالث: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا» ورواه النسائي عن محمد بن مثنى عن صفوان بن عيسى به.\nالحديث الرابع: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا ابن غنم أن أبا ذر حدثه عن رسول الله ﷺ، قال «إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني، فإني غافر لك على ما كان فيك، يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها مغفرة» تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nالحديث الخامس: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا حسين عن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٢٤٠.\n(^٢) مسند أحمد ٦/ ٩٩.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ١٥٤.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ١٦٦.","vol":"2","page":287},{"text":"ابن بريدة أن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا الأسود الدئلي حدثه أن أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال «ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة، قلت:\nوإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر»، قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر يحدث بهذا ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر.\nأخرجاه من حديث حسين به.\nطريق أخرى: لحديث أبي ذر. قال أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أحد، فقال «يا أبا ذر» قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «ما أحب أن لي أحدا ذاك عندي ذهبا أمسي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينارا أرصده يعني لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا»، وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال «يا أبا ذر، إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا»، فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال «يا أبا ذر كما أنت حتى آتيك» قال: فانطلق حتى توارى عني، قال:\nفسمعت لغطا، فقلت: لعل رسول الله ﷺ عرض له، قال: فهممت أن أتبعه، ثم ذكرت قوله:\nلا تبرح حتى آتيك، فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال «ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال:\n«وإن زنى وإن سرق»، أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به، وقد رواه البخاري ومسلم أيضا، كلاهما عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت قرآني، فقال «من هذا؟» فقلت: أبو ذر، جعلني الله فداك. قال «يا أبا ذر تعال». قال:\nفمشيت معه ساعة، فقال «إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه عن يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا» قال فمشيت معه ساعة، فقال لي «اجلس هاهنا»، فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي «اجلس هاهنا حتى أرجع إليك».\nقال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول «وإن زنى وإن سرق» قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله، جعلني الله فداك من تكلم في جانب الحرة، ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا، قال «ذاك جبريل عرض لي من جانب الحرة، فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة: قلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى، قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى، قال: نعم: قلت: وإن سرق وإن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ١٥٢.","vol":"2","page":288},{"text":"زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر».\nالحديث السادس: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير، عن جابر، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان، قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا وجبت له النار»، وذكر تمام الحديث تفرد به من هذا الوجه.\nطريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني، حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدثنا موسى بن عبيدة الرّبذي، أخبرني عبد الله بن عبيدة عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلا حلت لها المغفرة، إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾، ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر: أن النبي ﷺ قال «لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب» قيل:\nيا نبي الله وما الحجاب؟ قال «الإشراك بالله-قال-ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئا إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى، إن يشأ أن يعذبها وإن يشأ أن يغفر لها غفر لها» ثم قرأ نبي الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾.\nالحديث السابع: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» تفرد به من هذا الوجه.\nالحديث الثامن: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل عن عبد الله بن ناشر من بني سريع، قال: سمعت أبا رهم قاصّ أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله ﷺ، خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: إن ربكم ﷿ خيرني بين سبعين ألفا يدخلون الجنة عفوا بغير حساب وبين الخبيئة عنده لأمتي، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله ﷺ ثم خرج وهو يكبر فقال «إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفا والخبيئة عنده» قال أبو رهم: يا أبا أيوب: وما تظن خبيئة رسول الله ﷺ، فأكله الناس بأفواههم، فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله ﷺ؟ فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم أخبركم عن خبيئة رسول الله ﷺ كما أظن، بل كالمستيقن إن خبيئة رسول الله ﷺ أن يقول «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله مصدقا لسانه قلبه أدخله الجنة».\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٧٩.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٤١٣.","vol":"2","page":289},{"text":"الحديث التاسع: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى بن يونس (ح) وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إليّ، قال: حدثنا عيسى بن يونس نفسه عن واصل بن السائب الرقاضي، عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب الأنصاري، عن أبي أيوب، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال «وما دينه؟» قال: يصلي ويوحد الله تعالى. قال «استوهب منه دينه، فإن أبي فابتعه منه» فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال «وجدته شحيحا في دينه» قال: فنزلت ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾.\nالحديث العاشر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك حدثنا أبي، حدثنا مستور أبو همام الهنائي، حدثنا ثابت عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:\nيا رسول الله، ما تركت حاجة ولا ذا حاجة إلا قد أتيت، قال «أليس تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟» ثلاث مرات؟ قال: نعم، قال «فإن ذلك يأتي على ذلك كله».\nالحديث الحادي عشر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عامر، حدثنا عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوش اليمامي، قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي لا تقولون لرجل: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة أبدا. قلت: يا أبا هريرة، إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب قال: لا تقلها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «كان في بني إسرائيل رجلان: كان أحدهما مجتهدا في العبادة، وكان الآخر مسرفا على نفسه، وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت عليّ رقيبا قال: إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك، أقصر! قال: خلني وربي، أبعثت عليّ رقيبا؟ فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة أبدا، قال: فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما، واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أكنت عالما، أكنت على ما في يدي قادرا؟ اذهبوا به إلى النار: قال: «فوالذي نفس أبي القاسم بيده إنه لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته»، ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار، حدثني ضمضم بن جوش به.\nالحديث الثاني عشر: قال الطبراني: حدثنا أبو الشيخ عن محمد بن الحسن بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: قال الله ﷿: «من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئا».\nالحديث الثالث عشر: قال الحافظ أبو بكر البزار والحافظ أبو يعلي: حدثنا هدبة بن خالد،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٣٢٣.","vol":"2","page":290},{"text":"حدثنا سهل بن أبي حازم عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجزه له، ومن توعده على عمل عقابا، فهو فيه بالخيار» تفردا به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني، حدثنا خالد يعني ابن عبد الرحمن الخراساني، حدثنا الهيثم بن حماد عن سلام بن أبي مطيع عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال:\nكنا أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وقاذف المحصنات، وشاهد الزور، حتى نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة، ورواه ابن جرير (^١) من حديث الهيثم بن جمّاز به.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا عبد الله بن عاصم، حدثنا صالح يعني المري، حدثنا أبو بشر عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب، حتى نزلت علينا هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله ﷿.\nوقال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا شيبان بن أبي شيبة، حدثنا حرب بن سريج عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا ﷺ يقول ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ وقال: «أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة».\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع، أخبرني مجبّر عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣] إلى آخر الآية، قام رجل فقال: والشرك بالله يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله ﷺ فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ رواه ابن جرير، وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر.\nوهذه الآية (^٢) التي في سورة تنزيل مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه، تاب الله عليه، ولهذا قال ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] أي بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك لأنه تعالى قد حكم هاهنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ كقوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٢٩.\n(^٢) أي الآية ٥٣ من سورة الزمر: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ....","vol":"2","page":291},{"text":"١٣] وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (^١) وذكر تمام الحديث، وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال «أخبركم بأكبر الكبائر الشرك بالله» ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وعقوق الوالدين. ثم قرأ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-339>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾\nقال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية وهي قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في اليهود والنصارى حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي قولهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنب لهم، وكذا قال عكرمة وأبو مالك، وروى ذلك ابن جرير، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، رواه ابن جرير (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير عن ابن لهيعة، عن بشير بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان اليهود يقومون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، وأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ثم قال: وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك، نحو ذلك، وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيهم.\nوقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية، وقد جاء في الحديث الصحيح عند مسلم عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب، وفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة البقرة باب ٣) وصحيح مسلم (إيمان حديث ١٤١ - ١٤٢)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ١٣٠.","vol":"2","page":292},{"text":"عن أبيه: أن رسول الله ﷺ، سمع رجلا يثني على رجل، فقال «ويحك قطعت عنق صاحبك»، ثم قال: «إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل أحسبه كذا، ولا يزكي على الله أحدا».\nوقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر بن الخطاب:\nمن قال: أنا مؤمن فهو كافر ومن قال هو عالم فهو جاهل ومن قال هو في الجنة فهو في النار، ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عمر أنه قال:\nإن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه فمن قال إنه مؤمن فهو كافر، ومن قال: هو عالم فهو جاهل، ومن قال: إنه في الجنة فهو في النار.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن معبد الجهني، قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي ﷺ قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي ﷺ يقول «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح» وروى ابن ماجة منه «إياكم والتمادح فإنه الذبح» عن أبي بكر بن أبي شيبة عن غندر عن شعبة به، ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عويم البصري القدري.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعا ولا ضرا، فيقول له:\nإنك والله كيت وكيت، فلعله أن يرجع ولم يحل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله، ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.\nوسيأتي الكلام على ذلك مطولا عند قوله تعالى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ أي المرجع في ذلك إلى الله ﷿ لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها.\nثم قال تعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة. وعن ابن عباس أيضا: هو ما فتلت بين أصابعك، وكلا القولين متقارب.\nوقوله ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ أي في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، وقولهم\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٩٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ١٣١.","vol":"2","page":293},{"text":"﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأنباء شيئا في قوله ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، ثم قال ﴿وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي وكفى بصنيعهم هذا كذبا وافتراء ظاهرا.\nوقوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ أما الجبت، فقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب أنه قال: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي، وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن وعطية: الجبت الشيطان، وزاد ابن عباس:\nبالحبشية وعن ابن عباس أيضا: الجبت الشرك. وعنه: الجبت الأصنام. وعن الشعبي: الجبت الكاهن، وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب، وعن مجاهد: الجبت كعب بن الأشرف، وقال العلامة أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث «الطيرة والعيافة والطّرق من الجبت».\nقال: وليس هذا من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذو لقيّ (^١).\nوهذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد (^٢) في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان أبي العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه وهو قبيصة بن مخارق أنه سمع النبي ﷺ قال «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» وقال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط في الأرض، والجبت، قال الحسن: إنه الشيطان. وهكذا رواه أبو داود (^٣) في سننه، والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي به. وقد تقدم الكلام على الطاغوت في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن الطواغيت، فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين. وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم. وقال الإمام مالك: الطاغوت هو كل ما يعبد من دون الله ﷿.\nوقوله ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي يفضلون الكفار على\n_________\n(^١) أي الحرف الذي يخرج من ذلق اللسان، وهو طرفه.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٦٠.\n(^٣) سنن أبي داود (طب باب ٢٣)","vol":"2","page":294},{"text":"المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله بأيديهم. وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد، فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء (^١)، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور (^٢) قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ الآية، وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير، قال فنزلت ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] ونزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ﴾ -إلى- ﴿نَصِيرًا﴾.\nوقال ابن إسحاق (^٣): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان الذين حزّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وأبو عمار ووحوح بن عامر وهوذة بن قيس، فأما وحوح وأبو عامر وهوذة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله ﷿ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] إلى قوله ﷿ ﴿وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] وهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك، ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].\n_________\n(^١) الكوماء: الناقة العالية السنام.\n(^٢) الصنبور: الذي لا عقب له. وأصل الصنبور النخلة المنفردة التي يدق أسفلها.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦١.","vol":"2","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٥]</span>\n﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾\nيقول تعالى: أم لهم نصيب من الملك، وهذا استفهام إنكاري، أي ليس لهم نصيب من الملك ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾، أي لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدا من الناس ولا سيما محمدا ﷺ شيئا، ولا ما يملأ النقير وهو النقطة التي في النواة في قول ابن عباس والأكثرين. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ [لإسراء: ١٠٠] أي خوف أن يذهب ما بأيديكم مع أنه لا يتصور نفاده وإنما هو من بخلكم وشحكم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي بخيلا، ثم قال ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني بذلك حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له، لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ الآية، قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل، الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة وأنزلنا عليهم الكتب وحكموا فيهم بالسنن، وهي الحكمة، وجعلنا منهم الملوك ومع هذا ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾، أي بهذا الإيتاء وهذا الإنعام، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم أي من بني إسرائيل. فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ وقال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾، أي بمحمد ﷺ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾، فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين، ولهذا قال متوعدا لهم ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.\n\n<span data-type='title' id=toc-341>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا (٥٧)﴾\nيخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله، فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ الآية، أي ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، فقال ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ قال الأعمش عن ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودا غيرها بيضاء أمثال القراطيس،","vol":"2","page":296},{"text":"رواه ابن أبي حاتم، وقال يحيى بن يزيد الحضرمي أنه بلغه في الآية، قال: يجعل للكافر مائة جلد، بين كل جلدين لون من العذاب، ورواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قوله: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآية، قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل عن هشام عن الحسن ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم قيل لهم عودوا فعادوا. وقال أيضا: ذكر عن هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن يحيى-يعني سعدان-حدثنا نافع مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها﴾ فقال عمر: أعدها علي، فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ، وقد رواه ابن مردويه عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار به. ورواه من وجه آخر بلفظ آخر، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع عن ابن عمر، قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآية، قال: فقال عمر: أعدها علي، وثم كعب، فقال أنا عندي تفسير هذه الآية قرأتها قبل الإسلام قال: فقال هاتها يا كعب فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك، وإلا لم ننظر إليها، فقال: إني قرأتها قبل الإسلام:\nكلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. فقال عمر:\nهكذا سمعت من رسول الله ﷺ. وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأول: أن جلد أحدهم أربعون ذراعا، وسنه سبعون ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها.\nوقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال «يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذرعا، وإن ضرسه مثل أحد» تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقيل المراد بقوله: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي سرابيلهم، حكاه ابن جرير (^٢)، وهو ضعيف لأنه خلاف الظاهر.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٢٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ١٤٦.","vol":"2","page":297},{"text":"هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا وهم خالدون فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي. وقال مجاهد: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمآثم، ولا حيض ولا كلف. وقوله ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ أي ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا. قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى، حدثنا ابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها: شجرة الخلد».\n\n<span data-type='title' id=toc-342>[سورة النساء (٤): آية ٥٨]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾\nيخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها. وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله ﷿ على عباده من الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء» (^٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه فيهوي على أثرها أبد الآبدين.\nقال زاذان: فأتيت البراء فحدثته، فقال: صدق أخي: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾.\nوقال سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى، عن رجل عن ابن عباس في الآية، قال: هي مبهمة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٤٧.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٢٣٥. والشاة الجماء: التي ذهب قرناها.","vol":"2","page":298},{"text":"للبر والفاجر، وقال محمد بن الحنفية: هي مسجلة (^١) للبر والفاجر وقال أبو العالية الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه. وقال ابن أبي حاتم. حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها. وقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾، قال: قال يدخل فيه وعظ السلطان النساء يعني يوم العيد.\nوقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية، وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين يوم أحد، وقتل يومئذ كافرا، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه.\nوقال محمد بن إسحاق (^٢) في غزوة الفتح: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة: أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن (^٣) في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكفّ (^٤) له الناس في المسجد، قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول ﷺ قام على باب الكعبة، فقال «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعي فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج» وذكر بقية الحديث في خطبة النبي ﷺ يومئذ إلى أن قال: ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ «أين عثمان بن طلحة؟» فدعي له، فقال له «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر».\n_________\n(^١) مسجلة: مطلقة لكل إنسان برا كان أو فاجرا.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٤١١.\n(^٣) المحجن: عود معوج الطرف يمسكه الراكب للبعير في يده.\n(^٤) استكف: استجمع. من الكافة وهي الجماعة.","vol":"2","page":299},{"text":"قال ابن جرير (^١): حدثني القاسم، حدثنا الحسين عن حجاج، عن ابن جريج في الآية، قال: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ الآية، فدعا عثمان إليه فدفع إليه المفتاح، قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك. حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الزنجي بن خالد عن الزهري قال:\nدفعه إليه وقال: أعينوه.\nوروى ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ﷿ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه قال «أرني المفتاح» فأتاه به، فلما بسط يده إليه قام إليه العباس، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ «أرني المفتاح يا عثمان» فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده. ثم قال رسول الله ﷺ «يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح» فقال: هاك بأمانة الله، قال فقام رسول الله ﷺ ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم ﵊ معه قداح يستقسم بها، فقال رسول الله ﷺ «ما للمشركين قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القداح» ثم دعا بجفنة فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم وكان في الكعبة، فألزقه في حائط الكعبة، ثم قال: «يا أيها الناس هذه القبلة»، قال: ثم خرج رسول الله ﷺ فطاف في البيت شوطا أو شوطين ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح ثم قال رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ حتى فرغ من الآية.\nوهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا، فحكمها عام، ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر، أي هي أمر لكل أحد.\nوقوله: ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب: إن هذه الآية إنما نزلت في الأمراء، يعني الحكام بين الناس، وفي الحديث «إن الله مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله الله إلى نفسه»، وفي الأثر «عدل يوم كعبادة أربعين سنة».\nوقوله: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٤٨.","vol":"2","page":300},{"text":"وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي سميعا لأقوالكم، بصيرا بأفعالكم، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرئ هذه الآية ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يقول: بكل شيء بصير، وقد قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني، أنبأنا المقرئ يعني أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، حدثنا حرملة يعني ابن عمران التجيبي المصري، حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله يقرؤها ويضع إصبعيه. قال أبو زكريا: وصفه لنا المقري، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا فقال: هكذا وهكذا. رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده نحوه، وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة واسمه سليم بن جبير.\n\n<span data-type='title' id=toc-343>[سورة النساء (٤): آية ٥٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾\nقال البخاري (^١): حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه رسول الله ﷺ في سرية، وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث حجاج بن محمد الأعور به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهمّ القوم أن يدخلوها قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنما\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١٠)\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٨٢.","vol":"2","page":301},{"text":"الطاعة في المعروف»، أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.\nوقال أبو داود (^١): حدثنا مسدّد، حدثنا يحيى عن عبيد الله، حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ، قال «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» وأخرجاه من حديث يحيى القطان.\nوعن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا. وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان»، أخرجاه (^٢)، وفي الحديث الآخر عن أنس أن رسول الله ﷺ قال:\n«اسمعوا وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة»، رواه البخاري.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا حبشيا مجدّع الأطراف، رواه مسلم. وعن أم الحصين أنها سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا» رواه مسلم، وفي لفظ له «عبدا حبشيا مجدوعا».\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة عن هشام بن عروة عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البرّ ببره والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم».\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون» قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال «أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم»، أخرجاه.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية»، أخرجاه.\nوعن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ: يقول «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. وروى مسلم أيضا عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص\n_________\n(^١) سنن أبي داود (جهاد باب ٨٧)\n(^٢) صحيح البخاري (فتن باب ٢) وصحيح مسلم (إمارة حديث ٤٢)\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ١٥٣.","vol":"2","page":302},{"text":"جالس في ظل الكعبة والناس حوله مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل (^١)، ومنا من هو في جشره (^٢)، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال:\n«إنه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرفق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن با لله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر، قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك بالله، آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله (^٣).\nوالأحاديث في هذا كثيرة. وقال ابن جرير (^٤): حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن مفضل، حدثنا أسباط عن السدي في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية عليها خالد بن الوليد وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبا منهم عرّسوا وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا غير رجل فأمر أهله فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غدا، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفع فأقم، فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارا الخبر، فأتى خالدا فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني، فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي ﷺ فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبا عند رسول الله ﷺ فقال خالد: أتترك هذا العبد\n_________\n(^١) انتضل القوم وتناضلوا: تراموا بالسهام.\n(^٢) الجشر: الدواب.\n(^٣) صحيح مسلم (إمارة حديث ٤٦)\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ١٥١.","vol":"2","page":303},{"text":"الأجدع يسبني، فقال رسول الله ﷺ «يا خالد لا تسب عمارا فإنه من يسب عمارا يسبه الله، ومن يبغضه يبفضه الله، ومن يلعن عمارا يلعنه الله» فغضب عمار فقام فتبعه خالد فأخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي عنه فأنزل الله ﷿ قوله ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدي مرسلا، ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس فذكره بنحوه والله أعلم.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني أهل الفقه والدين، وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني العلماء والظاهر والله أعلم أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم. وقد قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣] وقال تعالى ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (^١)، فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾ أي اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي خذوا بسنته ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله كما تقدم في الحديث الصحيح «إنما الطاعة في المعروف»، وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرحمن حدثنا همام حدثنا قتادة عن أبي مراية عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال «لا طاعة في معصية الله». وقوله ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [الشورى: ١٠] فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد.\nوقال مجاهد: وأحسن جزاء وهو قريب.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أحكام باب ١) وصحيح مسلم (إمارة حديث ٣٢) وسنن النسائي (بيعة باب ٢٧)\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٤٢٦.","vol":"2","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٠ إلى ٦٣]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾\nهذا إنكار من الله ﷿ على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخصاما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة. وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا، ولهذا قال ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ﴾ إلى آخرها. وقوله ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [لقمان: ٢١] وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ [النور:٥١].\nثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة والمصانعة لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى﴾ -إلى قوله- ﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢].\nوقد قال الطبراني: حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمر عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله ﷿ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا﴾.\nثم قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ هذا الضرب من الناس هم","vol":"2","page":305},{"text":"المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم. ولهذا قال له ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي وأنصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ﴾ أي فرضت طاعته على من أرسله إليهم.\nوقوله ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال مجاهد: أي لا يطيع أحد إلا بإذني، يعني لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك، كقوله ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم. وقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ، فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي، قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﷺ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول: [البسيط] يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم\nنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم\nثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له».\nوقوله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا، ولهذا قال ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون","vol":"2","page":306},{"text":"هواه تبعا لم جئت به».\nوقال البخاري (^١): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر عن الزهري، عن عروة، قال: خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة، فقال النبي ﷺ «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» فقال الأنصاري: يا رسول الله إن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك». واستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. هكذا رواه البخاري هاهنا، أعني في كتاب التفسير من صحيحه من حديث معمر، وفي كتاب الشرب من حديث ابن جريج ومعمر أيضا، وفي كتاب الصلح من حديث شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة، فذكره، وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٢) من هذا الوجه فصرح بالإرسال، فقال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة، كانا يسقيان بها كلاهما، فقال النبي ﷺ للزبير «اسق ثم أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» فاستوعى (^٣) النبي ﷺ للزبير حقه، وكان النبي ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، هكذا رواه الإمام أحمد، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير، فإنه لم يسمع منه.\nوالذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رواه كذلك في تفسيره، فقال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني الليث ويونس عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ، في شراج (^٤) الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١١)\n(^٢) مسند أحمد ١/ ١٦٥ - ١٦٦.\n(^٣) استوعى الشيء: أخذه كله. والجدد: الحائط.\n(^٤) شراج: جمع شريج، وهو مسيل الماء. والحرة: موضع بالمدينة.","vol":"2","page":307},{"text":"الزبير، فقال رسول الله ﷺ: «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري وقال:\nيا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصار، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ، استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به. وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير. وكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم.\nوالعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، فذكره، ثم قال:\nصحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحدا قام بهذا الإسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه وهو عنه ضعيف.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي أبو دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من آل أبي سلمة، قال: خاصم الزبير رجلا إلى النبي ﷺ فقضى للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في قوله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء، فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل، هذا مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري.\nذكر سبب آخر غريب جدا: -قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، وأخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فقضى بينهما، فقال المقضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ «نعم»، انطلقا إليه، فلما أتيا إليه، فقال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله ﷺ على هذا.\nفقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فردنا إليك: فقال: أكذاك؟ قال: نعم. فقال عمر:\nمكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليها مشتملا على سيفه فضرب الذي قال:\nردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فأتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قتل عمر والله صاحبي، ولولا أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله ﷺ: «ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن» فأنزل الله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية، فهدر دم ذلك الرجل","vol":"2","page":308},{"text":"وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فأنزل ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف والله أعلم.\nطريق أخرى: -قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره: حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة، حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ، فقضى لي، فقال أبو بكر: أنتما على ما قضى به رسول الله ﷺ، فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ، فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب فقال كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-346>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٦ إلى ٧٠]</span>\n﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه، لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه ﵎ بما لم يكن أو كان، فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا أبو زهير عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي».\nورواه ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير، حدثنا روح، حدثنا هشام عن الحسن بإسناده عن الأعمش، قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال أناس من أصحاب النبي ﷺ: لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي ﷺ، فقال: «للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي».\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٦٣.","vol":"2","page":309},{"text":"وقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب علينا ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لفعلنا؛ فأنزل الله هذه الآية.\nورواه ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: «لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم».\nوحدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، قال: لما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، أشار رسول الله ﷺ بيده إلى عبد الله بن رواحة، فقال: «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» يعني ابن رواحة.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما ينهون عنه ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، قال السدي: أي وأشد تصديقا ﴿وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا﴾ أي من عندنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني الجنة ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾. أي من عمل بما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه ورسوله فإن الله ﷿ يسكنه دار كرامته ويجعله مرافقا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء والصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم ثم أثنى عليهم تعالى فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾.\nوقال البخاري (^١): حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة» وكان في شكواه التي قبض فيها أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين» فعلمت أنه خيّر، وكذا رواه مسلم من حديث شعبة عن سعد بن إبراهيم به. وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر «اللهم الرفيق الأعلى» ثلاثا ثم قضى، عليه أفضل الصلاة والتسليم.\n\n<span data-type='title' id=toc-347>ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة:</span>\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١٢)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ١٦٦.","vol":"2","page":310},{"text":"سعيد بن جبير، قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: «يا فلان ما لي أراك محزونا؟» فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه، فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد النبي ﷺ شيئا، فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية، فبعث النبي ﷺ فبشره.\nوقد روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق، وعن عكرمة، وعامر الشعبي وقتادة، وعن الربيع بن أنس وهو من أحسنها سندا، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية، وقال: إن أصحاب النبي ﷺ قالوا: قد علمنا أن النبي ﷺ له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا. فأنزل الله في ذلك، يعني هذه الآية، فقال: يعني رسول الله «إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياض فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه».\nوقد روي مرفوعا من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:\nيا رسول الله، إنك لأحب إليّ من نفسي، وأحب إليّ من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾. وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه في صفة الجنة من طريق الطبراني عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأسا، والله أعلم.\nوقال ابن مردويه أيضا: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أبو بكر بن ثابت بن عباس المصري، حدثنا خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأحبك حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك علي، وأحب أن أكون معك في الدرجة، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية. وقد رواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن عطاء، عن الشعبي مرسلا.\nوثبت في صحيح مسلم من حديث هقل بن زياد عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن","vol":"2","page":311},{"text":"أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي «سل»، فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:\nيا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي. وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ: «من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة وهكذا-ونصب إصبعيه-ما لم يعق والديه» تفرد به أحمد (^٢). قال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم، حدثنا ابن لهيعة عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا إن شاء الله».\nوروى الترمذي من طريق سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن الحسن البصري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» ثم قال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر شيخ بصري.\nوأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال:\n«المرء مع من أحب»، قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله ﷺ، وأحب أبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن الله يبعثني معهم وإن لم أعمل كعملهم، قال الإمام مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال «بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»، أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك واللفظ لمسلم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (صلاة حديث ٢٢٥) وسنن أبي داود (تطوع باب ٢٢) وسنن النسائي (تطبيق باب ٧٩)\n(^٢) لم نقع عليه في مسند أحمد. والمثبت فيه حديث واحد لعمرو بن مرة الجهني ٤/ ٢٣١.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٤٤٧. وفي إسناده بين ابن لهيعة وزبان: يحيى بن غيلان ورشدين بن سعد.","vol":"2","page":312},{"text":"ورواه الإمام أحمد (^١)، حدثنا فزارة، أخبرني فليح عن هلال يعني ابن علي، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون-أو ترون- الكوكب الدري الغابر في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات». قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» قال الحافظ الضياء المقدسي: هذا الحديث على شرط البخاري، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عفيف بن سالم عن أيوب، عن عتبة، عن عطاء عن ابن عمر، قال: أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ يسأله فقال له رسول الله ﷺ: «سل واستفهم» فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، ثم قال: أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت به، إني لكائن معك في الجنة، قال رسول الله ﷺ: «نعم، والذي نفسي بيده، إنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام» ثم قال رسول الله ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله، كان له بها عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة» فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ «إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله، فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتغمده الله برحمته» ونزلت هذه الآيات ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ -إلى قوله- ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ١] فقال الحبشي: وإن عينيّ لتريان ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم» فاستبكى حتى فاضت نفسه، قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيديه.\nفيه غرابة ونكارة وسنده ضعيف.\nولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ أي من عند الله برحمته وهو الذي أهلهم لذلك لا بأعمالهم ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ أي هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ إلى ٧٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٣٣٩.","vol":"2","page":313},{"text":"يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في سبيل الله ﴿ثُباتٍ﴾ أي جماعة بعد جماعة وفرقة بعد فرقة وسرية بعد سرية، والثبات جمع ثبة، وقد تجمع الثبة على ثبين، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ أي عصبا، يعني سرايا متفرقين ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني كلكم، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخصيف الجزري.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين، وقال مقاتل بن حيان: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أي ليتخلفن عن الجهاد، ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد كما كان عبد الله بن أبي بن سلول-قبحه الله-يفعل، يتأخر عن الجهاد ويثبط الناس عن الخروج فيه. وهذا قول ابن جريج وابن جرير، ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق أنه يقول: إذا تأخر عن الجهاد ﴿فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي إذ لم أحضر معهم وقعة القتال يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.\n﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ أي نصر وظفر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي كأنه ليس من أهل دينكم ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده.\nثم قال تعالى: ﴿فَلْيُقاتِلْ﴾ أي المؤمن النافر ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ أي يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي كل من قاتل في سبيل الله سواء قتل أو غلب عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين:\nوتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-349>[سورة النساء (٤): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]</span>\n﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾\nيحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ","vol":"2","page":314},{"text":"المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها، ولهذا قال تعالى:\n﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني مكة، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، ثم وصفها بقوله: ﴿الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أي سخر لنا من عندك وليا وناصرا، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان عن عبيد الله، قال: سمعت ابن عباس قال:\nكنت أنا وأمي من المستضعفين. حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن ابن مليكة أن ابن عباس تلا ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ [النساء: ٩٨] قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله ﷿.\nثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أي المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان، ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-350>[سورة النساء (٤): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾\nكان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها:\nكونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، أشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه، جزع بعضهم منه، وخافوا مواجهة الناس خوفا شديدا ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي لولا أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيم النساء، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ﴾ [محمد: ٢٠].","vol":"2","page":315},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن زنجة، قالا: حدثنا علي بن الحسن عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، وعن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا:\nيا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم»، فلما حوله الله إلى المدينة، أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية، ورواه النسائي والحاكم وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به.\nوقال أسباط، عن السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾.\nوقال مجاهد: إن هذه الآية نزلت في اليهود، رواه ابن جرير (^١).\nوقوله: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ أي آخرة المتقي خير من دنياه.\n﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء، وهذه تسلية لهم عن الدنيا وترغيب لهم في الآخرة وتحريض لهم على الجهاد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد عن هشام، قال: قرأ الحسن ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ قال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه. وقال ابن معين كان أبو مسهر ينشد: [الطويل] ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له … من الله في دار المقام نصيب\nفإن تعجب الدنيا رجالا فإنها … متاع قليل والزوال قريب\nوقوله تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى:\n﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد، فإن له أجلا محتوما، ومقاما مقسوما، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٧٤.","vol":"2","page":316},{"text":"نامت أعين الجبناء.\nوقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي حصينة منيعة عالية رفيعة، وقيل، هي بروج في السماء قال السدي، وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة، أي لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال زهير بن أبي سلمى: [الطويل] ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو رام أسباب السماء بسلم\nثم قيل: المشيدة هي المشيدة كما قال: وقصر مشيد وقيل: بل بينهما فرق، وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطولة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد وهو الجص وقد ذكر ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم-هاهنا-حكاية مطولة عن مجاهد، أنه ذكر أن امرأة فيمن كان قبلنا أخذها الطلق، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال:\nما ولدت المرأة؟ فقال: جارية، فقال: أما إنها ستزني بمائة رجل ثم يتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فكر راجعا، فبعج بطن الجارية بسكين فشقه ثم ذهب هاربا، وظن أنها قد ماتت، فخاطت أمها بطنها فبرئت وشبت وترعرعت ونشأت أحسن امرأة ببلدتها، فذهب ذاك الأجير ما ذهب ودخل البحور فاقتنى أموالا جزيلة، ثم رجع إلى بلده وأراد التزوج، فقال لعجوز: أريد أن أتزوج بأحسن امرأة بهذه البلدة، فقالت ليس هاهنا أحسن من فلانة، فقال: اخطبيها علي، فذهبت إليها فأجابت، فدخل بها فأعجبته إعجابا شديدا، فسألته عن أمره ومن أين مقدمه، فأخبرها خبره وما كان من أمره في الجارية، فقالت: أنا هي وأرته مكان السكين، فتحقق ذلك، فقال: لئن كنت إياها فلقد أخبرني باثنتين لا بد منهما إحداهما أنك قد زنيت بمائة رجل، فقالت: لقد كان شيء من ذلك ولكن لا أدري ما عددهم فقال: هم مائة: والثاني أنك تموتين بالعنكبوت فاتخذ لها قصرا منيعا شاهقا ليحرزها من ذلك، فبينما هم يوما فإذا بالعنكبوت في السقف فأراها، فقالت: أهذه هي التي تحذرها علي، والله لا يقتلها إلا أنا، فأنزلوها من السقف، فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها، فطار من سمها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها واسودت رجلها، فكان في ذلك أجلها، فماتت.\nونذكر هاهنا قصة صاحب الحضر وهو الساطرون (^٢) لما احتال عليه سابور حتى حصره فيه وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب (^٣) في ذلك أشعارا منها: [الخفيف] وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة … تجبى إليه والخابور\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ١٧٥.\n(^٢) الساطرون معناه بالسريانية: الملك. وقال ابن هشام (سيرة ١/ ٧١): النعمان بن المنذر من ولد ساطرون ملك الحضر. والحضر: حصن عظيم كالمدينة على شاطئ الفرات.\n(^٣) الشعر لعدي بن زيد كما ذكر ابن هشام في السيرة النبوية.","vol":"2","page":317},{"text":"شاده مرمرا وجلّله كلسا … فللطير في ذراه وكور\nلم تهبه أيدي المنون فباد … الملك عنه فبابه مهجور\nولما دخل على عثمان جعل يقول: اللهم اجمع أمة محمد ثم تمثل بقول الشاعر: [الطويل] أرى الموت لا يبقي عزيزا ولم يدع … لعاد ملاذا في البلاد ومربعا\nيبيت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال في شماريخها معا\nقال ابن هشام (^١): وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر، وقال ابن هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، وأذل ملوك الطوائف، ورد الملك إلى الأكاسرة، فأما سابور ذو الأكتاف فهو من بعد ذلك بزمن طويل، والله أعلم، ذكره السهيلي، قال ابن هشام: فحصره سنتين وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته وهو في العراق، وأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، فدست إليه أن تتزوجيني إن فتحت لك باب الحصن (^٢)، فقال: نعم، فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب، ويقال: دلتهم على طلسم كان في الحصن لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء فتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك ففتح الباب، ففعل ذلك، فدخل سابور، فقتل ساطرون واستباح الحصن وخربه، وسار بها معه وتزوجها، فبينما هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد فيه ورقة آس، فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر، قال الطبري: كان يطعمني المخ والزبد، وشهد أبكار النحل، وصفو الخمر! وذكر أنه كان يرى مخ ساقها، قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به؟! أنت إلي بذاك أسرع، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس، فركض الفرس حتى قتلها، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة: [الخفيف] أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور\nأم لديك العهد الوثيق من الأيام … بل أنت جاهل مغرور\nمن رأيت المنون خلد أم من … ذا عليه من أن يضام خفير\nأين كسرى كسرى الملوك أنوشر وأين … أم أين قبله سابور\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٧١.\n(^٢) في السيرة: «أتتزوجيني إن فتحت لك باب الحضر».","vol":"2","page":318},{"text":"وبنو الأصفر الكرام ملوك … الروم لم يبق منهم مذكور\nوأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة … تجبى إليه والخابور\nشاده مرمرا وجلله كلسا … فللطير في ذراه وكور\nلم يهبه ريب المنون فباد … الملك عنه فبابه مهجور\nوتذكر رب الخورنق إذ شرف … يوما وللهدى تفكير\nسره ماله وكثرة ما يملك … والبحر معرضا والسدير\nفارعوى قلبه وقال فما غبطة … حي إلى الممات يصير\nثم أضحوا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور\nثم بعد الفلاح والملك والأمة … وارتهم هناك القبور\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي ﴿يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو إنتاج أو غير ذلك كما يقوله أبو العالية والسدي ﴿يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي من قبلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١]، وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا وهم كارهون له في نفس الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى أتباعهم النبي ﷺ. وقال السدي: وإن تصبهم حسنة، قال: والحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وخيولهم، ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا ﴿هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ والسيئة الجدب والضرر في أموالهم، تشاءموا بمحمد ﷺ وقالوا ﴿هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدا أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله ﷿ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فقوله: قل كل من عند الله، أي الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قل كل من عند الله، أي الحسنة والسيئة. وكذا قال الحسن البصري. ثم قال تعالى منكرا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم وكثرة جهل وظلم ﴿فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.\nذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾.\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا السكن بن سعيد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا إسماعيل بن حماد عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر وعمر في قبيلتين من الناس وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قريبا من النبي ﷺ، وجلس عمر قريبا من أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ: «لم","vol":"2","page":319},{"text":"ارتفعت أصواتكما؟» فقال رجل: يا رسول الله، قال أبو بكر: يا رسول الله الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا؛ فقال رسول الله ﷺ: «فما قلت يا عمر؟» فقال: قلت الحسنات والسيئات من الله؛ فقال رسول الله ﷺ: «إن أول من تكلم فيه جبريل وميكائيل؛ فقال ميكائيل مقالتك يا أبا بكر؛ وقال جبريل مقالتك يا عمر» فقال: «نختلف فيختلف أهل السماء وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض، فتحاكما إلى إسرافيل فقضى بينهم أن الحسنات والسيئات من الله». ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال: «احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله أن لا يعصى لما خلق إبليس».\nقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية: هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة.\nثم قال تعالى مخاطبا لرسوله ﷺ والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ أي من فضل الله ومنه ولطفه ورحمته ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي فمن قبلك، ومن عملك أنت، كما قال تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي بذنبك. وقال قتادة في الآية ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك. قال:\nوذكر لنا أن النبي ﷺ قال: «لا يصيب رجلا خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفوالله أكثر» وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلا في الصحيح (^١) «والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا حزن، ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه».\nوقال أبو صالح ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي بذنبك وأنا الذي قدرتها عليك، رواه ابن جرير (^٢)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمار، حدثنا سهل يعني ابن بكار، حدثنا الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف عن مطرف بن عبد الله، قال:\nما تريدون من القدر أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾؟ أي من نفسك والله ما وكلوا إلى القدر وقد أمروا وإليه يصيرون.\nوهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضا. ولبسطه موضع آخر. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ أي تبلغهم شرائع الله وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ أي على أنه أرسلك وهو شهيد أيضا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم\n_________\n(^١) صحيح البخاري (مرض باب ١) وصحيح مسلم (بر حديث ٥٠ و٥١ و٥٢)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ١٧٩.","vol":"2","page":320},{"text":"إياه وبما يردون عليك من الحق كفرا وعنادا.\n\n<span data-type='title' id=toc-351>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٠ إلى ٨١]</span>\n﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٨١)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش به. وقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي ما عليك منه إن عليك إلا البلاغ فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه».\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة ﴿فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي خرجوا وتواروا عنك ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي استسروا ليلا فيما بينهم بغير ما أظهروه لك، فقال تعالى: ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أي يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الذين هم موكلون بالعباد، والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول ﷺ وعصيانه وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال تعالى:\n﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا﴾ [النور: ٤٧]، وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضا ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي كفى به وليا وناصرا ومعينا لمن توكل عليه وأناب إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-352>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]</span>\n﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا (٨٣)﴾\nيقول تعالى آمرا لهم بتدبر القرآن وناهيا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾","vol":"2","page":321},{"text":"[محمد: ٢٤]، ثم قال: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ﴾ أي لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقول من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافا، أي اضطرابا وتضادا كثيرا، أي وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبرا عن الراسخين في العلم حيث قالوا ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ [آل عمران: ٧] أي محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ على باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة (^٢) إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضبا حتى احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: «مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، إنما نزل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» وهكذا رواه (^٣) أيضا عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: «مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم» قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده، ورواه ابن ماجة من حديث داود بن أبي هند به نحوه.\nوقال أحمد (^٤): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني، قال: كتب إلى عبد الله بن رباح يحدث عن عبد الله بن عمرو، قال: هجرت (^٥) إلى رسول الله ﷺ يوما، فإنا لجلوس إذا اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: «إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب». ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن زيد به.\nوقوله: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وقد قال\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ١٨١.\n(^٢) أي منفردين.\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ١٧٨.\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ١٩٢.\n(^٥) هجرت: بادرت فذهبت مبكرا.","vol":"2","page":322},{"text":"مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» وكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن محمد بن الحسين بن أشكاب، عن علي بن حفص عن شعبة مسندا، ورواه مسلم أيضا من حديث معاذ بن هشام العنبري وعبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه أبو داود أيضا من حديث حفص بن عمرو النمري، ثلاثتهم عن شعبة، عن خبيب، عن حفص بن عاصم به مرسلا، وفي الصحيحين، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ، نهى عن قيل وقال (^١)، أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين. وفي سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: «بئس مطية الرجل زعموا» (^٢). وفي الصحيح «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين».\nويذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله ﷺ، طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي ﷺ، فاستفهمه أطلقت نساءك فقال «لا» فقلت: الله أكبر وذكر الحديث بطوله.\nوعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال «لا» فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.\nومعنى يستنبطونه أي يستخرجونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها. وقوله: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني المؤمنين. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ يعني كلكم، واستشهد من نصر هذا القول بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب: [المتقارب] أشم نديّ كثير النوادي (^٣) … قليل المثالب والقادحة\nيعني لا مثالب له ولا قادحة فيه.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (أقضية حديث ١٢ - ١٤)\n(^٢) سنن أبي داود (أدب باب ٧٢)\n(^٣) رواية الطبري (٤/ ١٨٦): «أشمّ كثير يديّ النّوال».","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-353>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٤ إلى ٨٧]</span>\n﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾\nيأمر تعالى عبده ورسوله محمدا ﷺ بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه، ولهذا قال ﴿لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن نبيح، حدثنا حكام، حدثنا الجراح الكندي عن أبي إسحاق، قال: سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدو فيقاتل فيكون ممن قال الله فيه: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nورواه الإمام أحمد عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال:\nقلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، إن الله بعث رسول الله ﷺ وقال: ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ إنما ذلك في النفقة.\nوكذا رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش وعلي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء به. ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا محمد بن حمير، حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت على النبي ﷺ ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، قال لأصحابه: «وقد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا» حديث غريب.\nوقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه، كما قال لهم ﷺ يوم بدر وهو يسوي الصفوف: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها». قالوا:\nيا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» وروي من حديث عبادة ومعاذ وأبي الدرداء، نحو ذلك.\nوعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا، بمحمد ﷺ رسولا ونبيا، وجبت له الجنة»، قال: فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جهاد باب ٤)","vol":"2","page":324},{"text":"عليّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله ﷺ: «وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض». قال: وما هي يا رسول الله؟ قال:\n«الجهاد في سبيل الله»، رواه مسلم (^١).\nوقوله: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء. ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أي هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤].\nوقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها﴾ أي من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ اي يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ، أنه قال:\n«اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء»، وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل من يشفّع، وقوله: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال ابن عباس وعطاء وعطية وقتادة ومطر الوراق ﴿مُقِيتًا﴾ أي حفيظا. وقال مجاهد: شهيدا، وفي رواية عنه: حسيبا. وقال سعيد بن جبير والسدي وابن زيد: قديرا. وقال عبد الله بن كثير: المقيت الواصب، وقال الضحاك المقيت الرزاق، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدثنا عيسى بن يونس عن إسماعيل عن رجل. عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال: مقيت لكل إنسان بقدر عمله.\nوقوله: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة، قال ابن جرير (^٢): حدثنا موسى بن سهل الرملي، حدثنا عبد الله بن السري الأنطاكي، حدثنا هشام بن لاحق عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله؛ فقال له رسول الله ﷺ: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته»؛ ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: «وعليك»، فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ فقال: «إنك لم تدع لنا شيئا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ﴾\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إمارة حديث ١١٦)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ١٩٢)","vol":"2","page":325},{"text":"﴿بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ فرددناها عليك»، وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقا، فقال:\nذكر عن أحمد بن الحسن الترمذي حدثنا عبد الله بن السري أبو محمد الأنطاكي، قال أبو الحسن، وكان رجلا صالحا: حدثنا هشام بن لاحق فذكره بإسناده مثله، ورواه أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان فذكره مثله، ولم أره في المسند، والله أعلم.\nوفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله ﷺ. وقال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا محمد بن كثير أخو سليمان عن كثير، حدثنا جعفر بن سليمان بن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: السلام عليكم يا رسول الله فرد عليه ثم جلس فقال: «عشر»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: «عشرون»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ثم جلس فقال: «ثلاثون»، وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف، وقال البزار: قد روي هذا عن النبي ﷺ من وجوه هذا أحسنها إسنادا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا، ذلك بأن الله يقول: فحيوا بأحسن منها أو ردوها، وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها، يعني للمسلمين، أو ردوها يعني لأهل الذمة.\nوهذا التنزيل فيه نظر كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يبدءون بالسلام ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليك» (^٢) في صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» (^٣). وقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري، قال: السلام تطوع والرد فريضة، وهذا الذي قال هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل، لأنه خالف أمر الله في قوله: فحيوا بأحسن منها أو ردوها\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٤٣٩.\n(^٢) صحيح البخاري (استئذان باب ٢٢) وصحيح مسلم (سلام حديث ٩)\n(^٣) صحيح مسلم (سلام حديث ١٤)","vol":"2","page":326},{"text":"وقد جاء في الحديث الذي رواه [أبو داود بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»] (^١).\nوقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات وتضمن قسما لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله الله لا إله إلا هو خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ أي لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-354>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٨ إلى ٩١]</span>\n﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)﴾\nيقول تعالى منكرا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين. واختلف في سبب ذلك فقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا بهز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت، أخبرني عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم المؤمنون، فأنزل الله ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فقال رسول الله ﷺ: «إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد» (^٣) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة، وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت\n_________\n(^١) ما بين معقوفين زيادة من سنن أبي داود (أدب باب ١٣١) ومكانه في الأصل بياض.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ١٨٤.\n(^٣) هذا لفظ مسلم (حج حديث ٤٨٨) من طريق أبي هريرة. أما لفظ أحمد (٥/ ١٨٤) ومسلم (حج ٤٩٠ ومنافقين ٦) والبخاري (تفسير سورة النساء باب ١٢) جميعا من طريق زيد بن ثابت فهو: «كما تنفي النار خبث الفضة».","vol":"2","page":327},{"text":"في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أو كما قالوا: أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء، فنزلت ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا، وقال زيد بن أسلم عن ابن لسعد بن معاذ: أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي، حين استعذر من رسول الله ﷺ على المنبر في قضية الإفك، وهذا غريب، وقيل غير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أي ردهم وأوقعهم في الخطأ، قال ابن عباس ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي أوقعهم، وقال قتادة: أهلكهم وقال السدي: أضلهم، وقوله: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أي بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه، وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ أي هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم ولهذا قال: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس، وقال السدي: أظهروا كفرهم ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ أي لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك، ثم استثنى الله من هؤلاء، فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي إلا الذين لجئوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير.\nوقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي ﷺ على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه، فقال النبي ﷺ: «دعوه، ما تريد؟» قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد بن الوليد فقال: «اذهب معه فافعل ما يريد» فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله ﷺ وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما﴾","vol":"2","page":328},{"text":"﴿كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ﴾.\nورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال: فأنزل الله ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم، وهذا أنسب لسياق الكلام، وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد ﷺ وأصحابه وعهدهم، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوقوله: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ الآية، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من الأمر بقتالهم وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حصرة صدورهم أي ضيقة صدورهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ أي من لطفه بكم أن كفهم عنكم ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي المسالمة ﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره.\nوقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ الآية، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن تعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وقال هاهنا ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ أي انهمكوا فيها، وقال السدي: الفتنة-هاهنا-الشرك، وحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ المهادنة والصلح، ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي عن القتال، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أسراء، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي أين لقيتموهم، ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أي بينا واضحا.","vol":"2","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]</span>\n﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾\nيقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^١) ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه، وقوله: ﴿إِلاّ خَطَأً﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر: [الطويل] من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ … على الأرض إلا ريط برد مرحّل (^٢)\nولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وهي أسماء بنت مخرمة، وذلك أنه قتل رجلا يعذبه مع أخيه على الإسلام وهو الحارث بن يزيد الغامدي، فأضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف، فأهوى به إليه فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ، قال: إنما قالها متعوذا فقال له: هل شققت عن قلبه؟ وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء (^٣).\nوقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكافرة، وحكى ابن جرير عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدا للإيمان، وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، قال: في حرف، فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزئ فيها صبي، واختار ابن جرير (^٤) أنه إن كان مولودا بين أبوين مسلمين أجزأ وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلما صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرا أو كبيرا.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (ديات باب ٦) وصحيح مسلم (قسامة حديث ٢٥ - ٢٦) وسنن الترمذي (حدود باب ١٥) وسنن أبي داود (حدود باب ١)\n(^٢) البيت لجرير في ديوانه ص ٤٥٧ وتفسير الطبري ٤/ ٢٠٥. والريط: الملاءة. والمرحّل: الموشّى. قال ابن جرير الطبري: ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس ذيل البرد من الأرض.\n(^٣) وردت هذه القصة بشأن المقداد بن الأسود في رواية مسند أحمد ٤/ ٤٣٨.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٢٠٧.","vol":"2","page":330},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): أنبأنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله: إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله: «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم.\nقال: «أتشهدين أني رسول الله؟» قالت: نعم. قال: «أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟» قالت:\nنعم. قال: «أعتقها». وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره، وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله ﷺ: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: «من أنا» قالت: رسول الله ﷺ، قال:\n«أعتقها، فإنها مؤمنة» (^٢).\nوقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم، وهذه الدية إنما تجب أخماسا، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الحجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود، قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة (^٣)، لفظ النسائي قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفا، كما روي عن علي وطائفة، وقيل: تجب أرباعا وهذه الدية على العاقلة لا في ماله.\nقال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة (^٤) وهو أكثر من حديث الخاصة، وهذا الذي أشار إليه ﵀ قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة (^٥) عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثا لشبهة العمد.\nوفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فجعل\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٤٥١.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٤٤٧.\n(^٣) الحقة: هي الداخلة في السنة الرابعة. وابن اللبون: ما دخل في الثالثة. وابن المخاض ما دخل في الثانية. والجذعة: ما تمّ له أربع سنوات.\n(^٤) عاقلة الرجل: عصبته، وهم القرابة من جهة الأب الذين يشتركون في دفع ديته.\n(^٥) الغرة من القوم: شريفهم وسيدهم. ومن المتاع: خياره ورأسه.","vol":"2","page":331},{"text":"خالد يقتلهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فرفع يديه وقال «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» (^١) وبعث عليا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة (^٢) الكلب، وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال.\nوقوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب، وقوله: ﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي إذا كان القتيل مؤمنا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، وقوله: ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ الآية، أي فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم وقيل: ثلثها كما هو مفصل في كتاب الأحكام ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ أي لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا، على قولين، وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام، هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظهار، على قولين أحدهما: نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر هاهنا، لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص، والقول الثاني لا يعدل إلى الطعام، لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قد تقدم تفسيره غير مرة.\nثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (^٣)، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أحكام باب ٣٥ ومغازي باب ٥٨ ودعوات باب ٢٢)\n(^٢) الميلغة: الإناء الذي يشرب منه الكلب.\n(^٣) صحيح البخاري (ديات باب ١) وصحيح مسلم (قسامة حديث ٢٨)","vol":"2","page":332},{"text":"أصاب دما حراما بلح» (^١) وفي حديث آخر «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم»، وفي الحديث الآخر «ومن أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله».\nوقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا، وقال البخاري (^٢): حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء، وكذا رواه هو أيضا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة به. ورواه أبو داود (^٣) عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﴿مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فقال: ما نسخها شيء. وقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عون، حدثنا شعبة عن سعيد بن جبير، قال: قال عبد الرحمن بن أبزا سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية، قال: لم ينسخها شيء، وقال في هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى آخرها، قال: نزلت في أهل الشرك.\nوقال ابن جرير (^٥) أيضا حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن منصور، حدثني سعيد بن جبير أو حدثني الحكم عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم ولا توبة له، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم. حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا: حدثنا جرير عن يحيى الجابر عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما. قال:\nأفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: «ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدا جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني» وايم الذي نفس عبد الله بيده، لقد أنزلت هذه الآية\n_________\n(^١) سنن أبي داود (فتن باب ٦). والمعنق: خفيف الظهر سريع السير. والمراد: المسرع في طاعته. وبلّح (بتضعيف اللام وآخره حاء مهملة): أعيا وانقطع.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١٤)\n(^٣) سنن أبي داود (فتن باب ٦)\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٢٢١.\n(^٥) تفسير الطبري ٤/ ٢٢٠.","vol":"2","page":333},{"text":"فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم ﷺ، وما نزل بعدها من برهان.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت يحيى بن المجبر يحدث عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس أن رجلا أتى إليه فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا عمدا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدا فيها، الآية، قال: لقد نزلت من آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثكلته أمه رجل قتل رجلا متعمدا يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره-أو آخذا رأسه بيمينه أو بشماله-تشخب أوداجه دما من قبل العرش، يقول: يا رب، سل عبدك فيم قتلني».\nوقد رواه النسائي عن قتيبة وابن ماجة عن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني ويحيى الجابر وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس فذكره، وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة.\nوممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم نقله ابن أبي حاتم.\nوفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي (ح) (^٢)، وحدثنا عبد الله بن جعفر، وحدثنا إبراهيم بن فهد، قالا: حدثنا عبيد بن عبيدة حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شرحبيل بإسناده عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال:\n«يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة آخذا رأسه بيده الأخرى فيقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟ قال، فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، قال ويجيء آخر متعلقا بقاتله فيقول: رب سل هذا فيم قتلني. قال فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار سبعين خريفا» وقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر العوفي، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا» وكذا رواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن صفوان بن عيسى به، وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٤٠.\n(^٢) انتقال من إسناد إلى إسناد. وهو مأخوذ من كلمة التحول.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٩٩.","vol":"2","page":334},{"text":"جعفر، حدثنا سمويه، حدثنا عبد الأعلى بن مسهر، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا خالد بن دهقان، حدثنا ابن أبي زكريا، قال سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو من قتل مؤمنا متعمدا» وهذا غريب جدا من هذا الوجه، والمحفوظ حديث معاوية المتقدم، فالله أعلم، ثم روى ابن مردويه من طريق بقية بن الوليد عن نافع بن يزيد: حدثني ابن جبير الأنصاري عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من قتل مؤمنا متعمدا فقد كفر بالله ﷿» وهذا حديث منكر أيضا، فإسناده متكلم فيه جدا.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد، قال: أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا: هلما فأنتما أشب سنا مني، وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء بحديثك، فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأغارت على قوم، فشد مع القوم رجل فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه، فقال الشاد من القوم: إني مسلم فلم ينظر فيما قال، قال:\nفضربه فقتله، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ، فقال فيه قولا شديدا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله ﷺ يخطب إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، قال: فأعرض رسول الله ﷺ عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته، ثم قال أيضا: يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأقبل عليه رسول الله ﷺ تعرف المساءة في وجهه، فقال: «إن الله أبى على من قتل مؤمنا ثلاثا» ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة.\nوالذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله ﷿، فإن تاب وأناب، وخشع وخضع وعمل عملا صالحا بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، والله أعلم. وقال تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب أي من أي ذلك تاب الله عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦] فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء، والله\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩.","vol":"2","page":335},{"text":"أعلم، وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس ثم سأل عالما هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة كما ذكرناه غير مرة، وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار، والأغلال التي كانت عليهم وبعث نبينا بالحنيفية المسحة.\nفأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعا من طريق محمد بن جامع العطار عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قولي أصحاب الموازنة والإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب، وبتقدير دخول القاتل في النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به فليس بمخلد فيها أبدا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ «أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان»، وأما حديث معاوية «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا» فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا تنفي وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل لما ذكرنا من الأدلة، وأما من مات كافرا فالنص أن الله لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بد من ردها إليهم ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك والله أعلم.\nثم لقاتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة، فأما في الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثا، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة (^١)، كما هو مقرر في كتاب الأحكام، واختلف الأئمة هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام، على أحد القولين كما تقدم في كفارة الخطأ، على\n_________\n(^١) الخلفة: الحامل من النوق. وقد تقدم شرح معنى الحقة والجذعة.","vol":"2","page":336},{"text":"قولين فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون نعم، يجب عليه، لأنه إذا وجبت عليه الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس واعتذروا بقضاء الصلاة المتروكة عمدا كما أجمعوا على ذلك في الخطأ، وقال أصحابه، الإمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدا، فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا تركت عندا.\nوقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد (^١) حيث قال:\nحدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش عن واثلة بن الأسقع، قال: أتى النبي ﷺ نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب (^٢)، قال: «فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار» وقال أحمد (^٣):\nحدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا له حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال: «أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار» وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة به، ولفظ أبي داود (^٤) عن الغريف الديلمي (^٥) قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان فغضب فقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، يعني النار، بالقتل فقال: «أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار».\n\n<span data-type='title' id=toc-356>[سورة النساء (٤): آية ٩٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾\nقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا يحيى بن أبي بكير وخلف بن الوليد وحسين بن محمد قالوا:\nحدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رجل من بني سليم بنفر من\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٠٧.\n(^٢) أي فعل فعلا استوجب به النار.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٤٩١.\n(^٤) سنن أبي داود (عتق باب ١٣)\n(^٥) في أبي داود: «الغريف بن الديلمي».\n(^٦) مسند أحمد ١/ ٢٢٩، ٢٧٢.","vol":"2","page":337},{"text":"أصحاب النبي ﷺ يرعى غنما له فسلم عليهم، فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرها.\nورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن إسرائيل به، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أسامة بن زيد، ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل به، وقال في بعض كتبه غير التفسير، وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط، وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما لعلل منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا الوجه، ومنها أن عكرمة في روايته عندهم نظر، ومنها أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه فقال بعضهم: نزلت في محلم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير ذلك.\nقلت: وهذا كلام غريب وهو مردود من وجوه: أحدها أنه ثابت عن سماك حدث به عنه غير واحد من الأئمة الكبار، الثاني أن عكرمة محتج به في الصحيح، الثالث أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس، كما قال البخاري (^١): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: قال ابن عباس كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: عرض الدنيا تلك الغنيمة، وقرأ ابن عباس ﴿السَّلامَ﴾، وقال سعيد بن منصور: حدثنا منصور عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: لحق المسلمون رجلا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. وقد رواه ابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة به، وقد (^٣) في ترجمة: أن أخاه فزارا، هاجر إلى رسول الله ﷺ، عن أمر أبيه بإسلامهم وإسلام قومهم، فلقيته سرية لرسول الله ﷺ، في عماية الليل، وكان قد قال لهم إنه مسلم، فلم يقبلوا منه فقتلوه فقال أبوه: فقدمت على رسول الله ﷺ، فأعطاني ألف دينار ودية أخرى وسيرني، فنزل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية.\nوأما قصة محلم بن جثامة، فقال الإمام أحمد (^٤) ﵀: حدثنا يعقوب: حدثني أبي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ٥)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٢٦.\n(^٣) بياض في الأصل بعد هذا اللفظ.\n(^٤) مسند أحمد ٦/ ١١.","vol":"2","page":338},{"text":"عن محمد (^١) بن إسحاق، حدثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدود ﵁، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود (^٢) له، معه متيع له ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿خَبِيرًا﴾ تفرد به أحمد.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بعث رسول الله ﷺ محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلم فيه عيينة والأقرع: فقال الأقرع يا رسول الله، سر اليوم وغر غدا، فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال رسول الله ﷺ «لا غفر الله لك»، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: «إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم» ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية.\nوقال البخاري (^٤): قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ للمقداد: «إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته، فكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل» هكذا ذكره البخاري معلقا مختصرا، وقد روي مطولا موصولا، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حماد بن علي البغدادي، حدثنا جعفر بن سلمة، حدثنا أبو بكر بن علي بن مقدم، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى عليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرن ذلك للنبي ﷺ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال:\n_________\n(^١) في المسند: «عن إسحاق».\n(^٢) القعود: البعير.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٢٢٤.\n(^٤) صحيح البخاري (ديات باب ١)","vol":"2","page":339},{"text":"«ادعوا لي المقداد، يا مقداد: أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدا؟» قال: فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾، فقال رسول الله ﷺ للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل».\nوقوله: ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي خير مما رغبتم فيه عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر لكم الإيمان فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا.\nوقوله: ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وهذا مذهب سعيد بن جبير لما رواه الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن أبي حاتم، وذكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير:\nقوله ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لم تكونوا مؤمنين ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم فحلف أسامة لا يقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه، وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تأكيد لما تقدم، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-357>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]</span>\n﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾\nقال البخاري (^١): حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء، قال لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، حدثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، قال: لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ ادع فلانا، فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال اكتب ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١٦)","vol":"2","page":340},{"text":"﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ﴾ وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم، فقال يا رسول الله، أنا ضرير، فنزلت مكانها ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ قال البخاري أيضا: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال:\nفأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملى علي ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﷺ، وكان فخذه على فخذي فثقلت علي خفت أن ترض فخدي، ثم سري عنه، فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ -تفرد به البخاري دون مسلم.\nوقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد (^١) عن زيد فقال: حدثنا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب النبي ﷺ إذ أوحي إليه وغشيته السكينة، قال: فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة، قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سري عنه، فقال: اكتب يا زيد، فأخذت كتفا، فقال: اكتب ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … ﴿وَالْمُجاهِدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجلا أعمى، فقام حين سمع فضيلة المجاهدين، وقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد: فوالله ما قضى كلامه-أو ما هو إلا أن قضى كلامه- غشيت النبي ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: اقرأ فقرأت عليه ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … ﴿وَالْمُجاهِدُونَ﴾ فقال النبي ﷺ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، قال زيد: فألحقتها، فوالله كأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف، ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به نحوه.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، أنبأنا الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فقال: «اكتب ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فجاء عبد الله ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري، قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه، ثم قال: اكتب ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢) وقال\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ١٩١.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٣١.","vol":"2","page":341},{"text":"عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبد الكريم هو ابن مالك الجزري، أن مقسما مولى عبد الله بن الحارث أخبره أن ابن عباس أخبره ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر، انفرد به البخاري (^١) دون مسلم، وقد رواه الترمذي من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؟ فنزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجاتٍ مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، هذا لفظ الترمذي. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nفقوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مطلقا، فلما نزل بوحي سريع ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، صار ذلك مخرجا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، وكذا ينبغي أن يكون، كما ثبت في صحيح البخاري من طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر» (^٢)، وهكذا رواه أحمد (^٣) عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس به، وعلقه البخاري مجزوما، ورواه أبو داود (^٤) عن حماد بن سلمة عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه»، قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول الله؟ قال: «نعم حبسهم العذر» لفظ أبي داود، وفي هذا المعنى قال الشاعر: [البسيط] يا راحلين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا\nإنا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر فقد راحا\nوقوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أي الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية. قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى﴾\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١٦)\n(^٢) صحيح البخاري (جهاد باب ٣٥)\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ١٠٣.\n(^٤) سنن أبي داود (جهاد باب ١٩)","vol":"2","page":342},{"text":"﴿الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحسانا منه وتكريما، ولهذا قال: ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nوقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء الأرض» (^١). وقال الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من رمى بسهم فله أجره درجة» فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: «أما إنها ليست بعتبة أمك. ما بين الدرجتين مائة عام» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-358>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٧ إلى ١٠٠]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾\nقال البخاري (^٣): حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله ﷺ، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم، فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، رواه الليث عن أبي الأسود.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري، حدثنا محمد بن شريك المكي، حدثنا عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض. قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.\nقال عكرمة: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية لا عذر لهم. قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم التقية، فنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إمارة حديث ١١٦)\n(^٢) سنن النسائي (جهاد باب ٢٦) ومسند أحمد ٤/ ٢٣٥.\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١٧)","vol":"2","page":343},{"text":"[البقرة: ٨] الآية. قال عكرمة: نزلت هذه الآية في شباب من قريش كانوا تكلموا بالإسلام بمكة منهم علي بن أمية بن خلف وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو العاص بن منبّه بن الحجاج والحارث بن زمعة، قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي بترك الهجرة ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي لم مكثتم ها هنا وتركتم الهجرة ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ﴿قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾ الآية.\nوقال أبو داود (^١): حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أما بعد، قال رسول الله ﷺ: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»، وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله ﷺ للعباس: «افد نفسك وابن أخيك» فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك، قال «يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم»، ثم تلا عليه هذه الآية ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾ الآية، ورواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ إلى آخر الآية، هذه عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال مجاهد وعكرمة والسدي:\nيعني طريقا.\nوقوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي يتجاوز من الله عنهم بترك الهجرة، عسى من الله موجبة، ﴿وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، قال البخاري (^٢): حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد «اللهم نجّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجّ سلمة بن هشام، اللهم نجّ الوليد بن الوليد، اللهم نجّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المقري، حدثني عبد الوارث، حدثنا\n_________\n(^١) سنن أبي داود (جهاد باب ١٧٠)\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١٨)","vol":"2","page":344},{"text":"علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ رفع يده بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة، فقال: «اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار».\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد عن علي بن زيد عن عبد الله أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دبر صلاة الظهر «اللهم خلص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا».\nولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان. وقال البخاري (^٢): أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله ﷿.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، والمراغم مصدر تقول العرب: راغم فلان قومه مراغما ومراغمة، قال النابغة بن جعدة: [المتقارب] كطود يلاذ بأركانه … عزيز المراغم والمهرب (^٣)\nوقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى أرض. وكذا روي عن الضحاك والربيع بن أنس والثوري. وقال مجاهد: ﴿مُراغَمًا كَثِيرًا﴾ يعني متزحزحا عما يكره. وقال سفيان بن عيينة: مراغما كثيرا يعني بروجا، والظاهر-والله أعلم-أنه المنع الذي يتحصّن به ويراغم به الأعداء. قوله ﴿وَسَعَةً﴾ يعني الرزق، قاله غير واحد منهم قتادة حيث قال: في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ أي من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي ومن يخرج من منزله بنية الهجرة فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٢٣٨.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ١٧)\n(^٣) البيت في ديوانه ص ٢٣٣ ولسان العرب (رغم) ومقاييس اللغة ٢/ ٤٠٤ ومجمل اللغة ٢/ ٣٩٧ وكتاب العين ٤/ ٤١٨ وتفسير الطبري ٤/ ٢٣٩.","vol":"2","page":345},{"text":"عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^١). وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أكمل بذلك العابد المائة ثم سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال له، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الآخر أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبا، وقال هؤلاء إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من هذه، وهذه أن تبعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية أنه لما جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله، ثم قال (^٣): -وأين المجاهدون في سبيل الله-فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله» -يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله ﷺ-ومن قتل قعصا (^٤) فقد استوجب الجنة».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الخزامي، عن المنذر بن عبد الله عن هشام بن عروة عن أبيه، أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قال الزبير، فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني، لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا ومعه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (إيمان باب ٤١) وصحيح مسلم (إمارة حديث ١٥٥) ومسند أحمد ١/ ٢٥) من طريق عمر بن الخطاب.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٣٦.\n(^٣) في المسند: «ثم قال بأصابعه هؤلاء الثلاث الوسطى والسبابة والإبهام فجمعهن وقال: وابن المجاهدون …» إلخ.\n(^٤) في المسند: «ومن مات قصعا». وقعصه قعصا: طعنه بالرمح طعنا سريعا. وقتله مكانه.","vol":"2","page":346},{"text":"بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.\nوهذا الأثر غريب جدا، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدينة، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، حدثنا أشعث هو ابن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: خرج ضمرة بن جندب إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ، فنزلت ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة، فلما نزلت ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النبي ﷺ فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ الآية.\nوقال الطبراني: حدثنا الحسن بن عروبة البصري، حدثنا حيوة بن شريح الحمصي حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان عن أبيه، حدثنا مكحول عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أنبأنا أبو مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قال: من انتدب خارجا في سبيلي غازيا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانا برسلي فهو في ضمان على الله، إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة، وإما أن يرجع في ضمان الله، وإن طالب عبدا فنغصه حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر، أو غنيمة، ونال من فضل الله فمات، أو قتل، أو رفصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله، فهو شهيد». وروى أبو داود من حديث بقية من فضل الله إلى آخره، وزاد بعد قوله: فهو شهيد، وإن له الجنة.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن إسحاق عن حميد بن أبي حميد، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من خرج حاجا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة». وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-359>[سورة النساء (٤): آية ١٠١]</span>\n﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠].","vol":"2","page":347},{"text":"وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ أي تخففوا فيها إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن قائل: لا بد أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء ويحيى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار بشرط أن لا يكون عاصيا بسفره، وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة.\nوقد قال أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين، وهذا مرسل، ومن قائل: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحا أو محظورا حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل ترخص لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة والثوري وداود لعموم الآية وخالفهم الجمهور.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة. وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جريج عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال: سألت عمر بن الخطاب قلت له: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن الله الناس؟ فقال لي عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه ورجاله معروفون.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة الحذاء، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٥ - ٢٦.","vol":"2","page":348},{"text":"ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله ﷺ.\nوقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا علي بن محمد بن سعيد:\nحدثنا منجاب، حدثنا شريك عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر فقال: هي رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عون عن ابن سيرين، عن ابن عباس، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف بينهما ركعتين ركعتين. وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون به. قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ مثله قلت وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور، عن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين، ثم قال الترمذي: صحيح، وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنسا يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا.\nوهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي به.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر بمنى-أكثر ما كان الناس وآمنه-ركعتين.\nورواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عنه به، ولفظ البخاري:\nحدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ آمن ما كان بمنى ركعتين، وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين، وأبي بكر وعمر ومع عثمان صدرا من إمارته، ثم أتمها، وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به. وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد عن الأعمش، حدثنا إبراهيم سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁ فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان. ورواه البخاري أيضا من حديث الثوري عن الأعمش به وأخرجه مسلم من طرق عنه منها عن قتيبة كما تقدم.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٣٠٦.","vol":"2","page":349},{"text":"فهذه الأحاديث دالة صريحا على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف، ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية، وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضا بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (^١)، وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، أربعتهم عن مالك به (^٢)، قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمية، لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ وأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع وسفيان وعبد الرحمن عن زبيد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ﵁، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، على لسان محمد ﷺ، وهكذا رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم.\nوقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر، وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا، إنه لم يسمع منه، وعلى هذا أيضا فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق الثوري عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة، عن عمر، فذكره، وعند ابن ماجة من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة، عن عمر، فالله أعلم. وقد روى مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائد، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، فكما يصلي في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلى في السفر. ورواه ابن ماجة من حديث أسامة بن زيد عن طاوس نفسه، فهذا ثابت عن ابن عباس ﵄، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة ﵂، لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك، صح أن\n_________\n(^١) موطأ مالك (قصر الصلاة في السفر حديث ٨)\n(^٢) صحيح البخاري (صلاة باب ١) وصحيح مسلم (مسافرين حديث ١ و٣) وسنن أبي داود (سفر باب ١) وسنن النسائي (صلاة باب ٣)\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٣٧.","vol":"2","page":350},{"text":"يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس-والله أعلم-لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر ﵁، وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ قصر الكيفية كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، فبين المقصود من القصر هاهنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدره بقوله تعالى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]، وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.\nوقال أسباط عن السدي في قوله: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية، إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر، فهي تمام التقصير لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة فالتقصير ركعة. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ يوم كان النبي ﷺ وأصحابه بعسفان، والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم، وسجودهم، وقيامهم معا جميعا فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير (^١) عن مجاهد والسدي وعن جابر وابن عمر، واختار ذلك أيضا فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لعبد الله بن عمر:\nإنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملا عملنا به.\nفقد سمى صلاة الخوف مقصورة وحمل الآية عليها لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن، وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير (^٣) أيضا: حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٢٤٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٤٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٢٤٨.","vol":"2","page":351},{"text":"ثم يجيء هؤلاء مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]</span>\n﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾\nصلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة تكون ثلاثية كالمغرب، وتارة تكون ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ورجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري في الحواشي: وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد وإليه ذهب طاوس والضحاك، وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي: أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف، وإليه ذهب ابن حزم أيضا. وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة لأنها ذكر الله، وقال آخرون: تكفي تكبيرة واحدة، فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وبه قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي، ورواه ابن جرير، ولكن الذي حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق ابن راهويه وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي حتى قال: فإن لم يقدر على التكبيرة فلا يتركها في نفسه يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب بن دينار عنه، فالله أعلم.\nومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي ﷺ يوم الأحزاب الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة، فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله ﷺ أحدا من","vol":"2","page":352},{"text":"الفريقين، وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة وبينا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذورين أيضا، والحجة هاهنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود.\nوأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بين في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي ﵀ وأهل السنن، ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري في صحيحه حيث قال:\n[باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو] قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء، أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك:\nحضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس:\nوما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك، والله أعلم.\nولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر غالبا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة، والله أعلم، قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول الجمهور علماء السير والمغازي، وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق (^١) وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم. وقال البخاري (^٢) وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر، والله أعلم.\nوالعجب كل العجب أن المزني وأبا يوسف القاضي وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره ﵊ الصلاة يوم الخندق وهذا غريب جدا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم. فقوله تعالى: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أي إذا صليت بهم إماما في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٠٣ والمغازي للواقدي ١/ ٣٩٥.\n(^٢) صحيح البخاري (مغازي باب ٣٣)","vol":"2","page":353},{"text":"إلى ركعة كما دل عليه الحديث-فرادى ورجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد، وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي ﷺ لقوله:\n﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده ﷺ إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، ولا ندفعها إلا إلى من صلاته أي دعاؤه سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة، وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة وقتلوا من منعها منهم.\nولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولا قبل ذكر صفتها. قال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي ﵁، قال: سأل قوم من بني النجار (^٢) رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول، غزا النبي ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، قال: فأنزل الله ﷿ بين الصلاتين ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] الآيتين، فنزلت صلاة الخوف.\nوهذا سياق غريب جدا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت ﵁ عند الإمام أحمد وأهل السنن، فقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، قال: فصفنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٢٤٥.\n(^٢) في الطبري: «سأل قوم من التجار».\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٥٩ - ٦٠.","vol":"2","page":354},{"text":"مصاف هؤلاء ثم ركع فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم.\nثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن منصور به نحوه، وهكذا رواه أبو داود (^١) عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة، وعبد العزيز بن عبد الصمد، كلهم عن منصور به، وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة، فمن ذلك ما رواه البخاري (^٢) حيث قال: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، قال: قام النبي ﷺ وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضا. وقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن سليمان بن قيس اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل؟ أو أي يوم هو؟، فقال جابر: انطلقنا نتلقى عيرا لقريش آتية من الشام حتى إذا كنا بنخلة، جاء رجل من القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد هل تخافني؟ قال: «لا» قال فمن يمنعك مني؟ قال: «الله يمنعني منك» قال: فسل السيف، ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالترحل وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم، ثم سلم فكانت للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذ أنزل الله في إقصار الصلاة وأمر المؤمنين بأخذ السلاح.\nورواه الإمام أحمد (^٤) فقال: حدثنا سريج، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس اليشكري، عن جابر بن عبد الله، قال: قاتل رسول الله ﷺ محارب خصفة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: «الله»، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ، فقال: «ومن يمنعك مني؟» قال: كن خير آخذ. قال: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»؟ قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى قومه فقال: جئتكم من عند خير\n_________\n(^١) سنن أبي داود (صلاة باب ١٢)\n(^٢) صحيح البخاري (صلاة الخوف باب ٣)\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٢٤٧.\n(^٤) مسند أحمد ٣/ ٣٦٥.","vol":"2","page":355},{"text":"الناس، فلما حضرت الصلاة، صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو، وطائفة صلوا مع رسول الله ﷺ، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا، فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو فصلوا مع رسول الله ﷺ ركعتين، فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، تفرد به من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حدثنا المسعودي عن يزيد الفقير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ فقال: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله ﷺ في قتال، إذ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصف طائفة، وطائفة وجهها قبل العدو، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله ﷺ فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ جلس وسلم، وسلم الذين خلفه، وسلم أولئك، فكانت لرسول الله ﷺ ركعتين، وللقوم ركعة ركعة، ثم قرأ ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ، صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه وصف خلفه، فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا في مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين ثم سلم، فكانت للنبي ﷺ ركعتين، ولهم ركعة، ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر بلفظ آخر، وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ قال: هي صلاة الخوف، صلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة أخرى ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة، وهذا الحديث رواه الجماعة في كتبهم من طريق معمر به، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن الجماعة من الصحابة، وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه، وكذا ابن جرير، ولنحرره في كتاب الأحكام الكبير، إن شاء الله وبه الثقة.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٢٩٨.","vol":"2","page":356},{"text":"وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية، وهو أحد قولي الشافعي، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة ﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-361>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]</span>\n﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾\nيأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف وإن كان مشروعا مرغبا فيه أيضا بعد غيرها، ولكن هاهنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وإن كان هذا منهيا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمتها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أي في سائر أحوالكم، ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي فأتموها وأقيموها كما أمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها، وجميع شؤونها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن عباس: أي مفروضا، وقال أيضا: إن للصلاة وقتا كوقت الحج، وكذا روي عن مجاهد وسالم بن عبد الله وعلي بن الحسين ومحمد بن علي والحسن ومقاتل والسدي وعطية العوفي. قال عبد الرزاق:\nعن معمر عن قتادة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتا كوقت الحج وقال زيد بن أسلم ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قال:\nمنجما كلما مضى نجم جاء نجم، يعني كلما مضى وقت جاء وقت.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ أي لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ أي كما يصيبكم الجراح والقتل كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ثم قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ أي أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم، وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه، وفي إقامة كلمة الله وإعلائها، ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه","vol":"2","page":357},{"text":"من أحكامه الكونية والشرعية وهو المحمود على كل حال.\n\n<span data-type='title' id=toc-362>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٩]</span>\n﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاِسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾\nيقول تعالى: مخاطبا لرسوله محمد ﷺ ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ أي هو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﷺ له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ، سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله ﷺ: «إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما (^٣) في عنقه يوم القيامة» فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ «أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما (^٤)، ثم ليحلل كل منكما صاحبه» وقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد به، وزاد «إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه» (^٥).\nوقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس: أن نفرا من الأنصار غزوا مع\n_________\n(^١) صحيح البخاري (شهادات باب ٢٧ وحيل باب ١٠ وأحكام باب ٢٠) وصحيح مسلم (أقضية حديث ٤) وسنن أبي داود (أقضية باب ٧) وسنن ابن ماجة (أحكام باب ٥) وموطأ مالك (أقضية حديث ١)\n(^٢) مسند أحمد ٦/ ٣٢.\n(^٣) السطام والإسطام: المسعار، وهو حديدة عريضة الرأس تحرك بها النار. والمراد أنه يقضي له بما يمكن أن يسعر عليه النار يوم الحساب إذا لم تكن حجته صحيحة.\n(^٤) استهما: اقترعا.\n(^٥) سنن أبي داود (أقضية باب ٧)","vol":"2","page":358},{"text":"رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجلا من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله ﷺ ليلا فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علما، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله ﷺ، فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.\nثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ الآيتين، يعني الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠]، يعني الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] يعني السارق والذين جادلوا عن السارق، وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية: إنها نزلت في سارق بني أبريق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة.\nوقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه، وابن جرير (^١) في تفسيره: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان ﵁، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ، ثم ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا وقال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث أو كما قال: الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة (^٢) من الشام من الدرمك (^٣) ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٢٦٥.\n(^٢) الضافطة: العير تحمل المتاع. أو التجار يحملون الطعام وغيره.\n(^٣) الدرمك: الدقيق النقي الأبيض.","vol":"2","page":359},{"text":"فجعله في مشربة (^١) له، وفي المشربة سلاح ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، وقال: وكان بنو أبيرق قالوا-ونحن نسأل في الدار-: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلا منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟! والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام، فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي ﷺ: «سآمر في ذلك»، فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عمرو فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه، عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النبي ﷺ فكلمته، فقال:\n«عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت، قال:\nفرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يعني بني أبيرق، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ أي مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿رَحِيمًا﴾ أي لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١١] قولهم للبيد ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ -إلى قوله- ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٨٣] فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا قد عسا (^٢) أو عشا-الشك من أبي عيسى-في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولا (^٣) لما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾،\n_________\n(^١) المشربة: الغرفة والعلية.\n(^٢) عسا: كبر وأسنّ.\n(^٣) أي فيه فساد ونفاق.","vol":"2","page":360},{"text":"﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٥ - ١١٦] فلما نزل على سلافة بنت سعد، هجاها حسان بن ثابت بأبيات من شعر فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به، فرمته في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير، لفظ الترمذي ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني.\nورواه يونس بن بكير وغير واحد عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده، ورواه ابن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني عن محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن إسماعيل يعني الصائغ، حدثنا الحسن بن أحمد بن شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، فذكره بطوله.\nورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني عن محمد بن سلمة به، ثم قال في آخره:\nقال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إسرائيل، وقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المستدرك عن ابن عباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه وفيه الشعر، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ الآية، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم ويجاهرون الله بها، لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ تهديد لهم ووعيد. ثم قال تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية، أي هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدي لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر وهم متعبدون بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ يوم القيامة في ترويج دعواهم؟ أي لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلا، ولهذا قال: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-363>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٠ إلى ١١٣]</span>\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾\nيخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه، تاب عليه من أي ذنب كان. فقال تعالى:","vol":"2","page":361},{"text":"﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال، رواه ابن جرير (^١)، وقال ابن جرير أيضا: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا شعبة عن عاصم عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئا قرضه بالمقراض فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرا، فقال عبد الله ﵁: ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل الماء لكم طهورا، وقال تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وقال أيضا: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم عن ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها، قال عبد الله بن مغفل: ما لها؟ لها النار. فانصرفت وهي تبكي فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال:\nفمسحت عينها ثم مضت.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة عن عثمان بن المغيرة، قال: سمعت علي بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء أو ابن أسماء من بني فزارة، قال:\nقال علي ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ شيئا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني أبو بكر-وصدق أبو بكر-قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يذنب ذنبا، ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب، إلا غفر له» وقرأ هاتين الآيتين ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية، ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]. وقد تكلمنا على هذا الحديث وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق ﵁، وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضا.\nوقد رواه ابن مردويه في تفسيره من وجه آخر عن علي فقال: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحراني، حدثنا داود بن مهران الدباغ حدثنا عمر بن يزيد عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي، قال: سمعت أبا بكر-هو الصديق-يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قام فصلى واستغفر\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٢٧٣.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٨.","vol":"2","page":362},{"text":"من ذنبه، إلا كان حقا على الله أن يغفر له» لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية، ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، عن الصديق، بنحوه، وهذا إسناد لا يصح. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا موسى بن مروان الرقي حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن تمام بن نجيح حدثني كعب بن ذهل الأزدي قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه، وإنه قام فترك نعليه، قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته، فقال: «إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فأردت أن أبشر أصحابي».\nقال أبو الدرداء: وكانت قد شقت على الناس الآية التي قبلها ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فقلت: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق، ثم استغفر ربه غفر له؟ قال «نعم».\nثم قلت الثانية، قال «نعم». قلت الثالثة، قال «نعم» وإن زنى وإن سرق ثم استغفر الله، غفر الله له على رغم أنف أبي الدرداء». قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بإصبعه، هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه بهذا السياق، وفي إسناده ضعف.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، يعني أنه لا يغني أحد عن أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ الآية، يعني كما اتهم بنو أبيرق بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الآخرون، وقد كان بريئا وهم الظلمة الخونة، كما أطلع الله على ذلك رسوله ﷺ، ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم فارتكب مثل خطيئتهم، فعليه مثل عقوبتهم.\nوقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال الإمام ابن أبي حاتم: أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إلي، حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، وذكر قصة بني أبيرق، فأنزل الله ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني أسيد بن عروة وأصحابه، يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله ﷺ، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله ﷺ ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل","vol":"2","page":363},{"text":"عليه من الكتاب وهو القرآن والحكمة، وهي السنة ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أي قبل نزول ذلك عليك، كقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ﴾ [الشورى: ٥٢] إلى آخر السورة، وقال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] ولهذا قال: ﴿وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-364>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]</span>\n﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ﴾ يعني كلام الناس ﴿إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ أي إلا نجوى من قال ذلك، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس، قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، فدخل علينا سعيد بن حسان المخزومي، فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح، ردّده علي، فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ذكر الله ﷿، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر» فقال سفيان:\nأو ما سمعت الله في كتابه يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] إلخ؟ فهو هذا بعينه (^١)، وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن سعيد بن حسان به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخرها، ثم قال الترمذي: حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث ابن خنيس.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا صالح بن كيسان، حدثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ: يقول «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا، أو يقول خيرا»، وقالت لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث:\nفي الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، قال:\nوكانت أم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله ﷺ، وقد رواه الجماعة سوى\n_________\n(^١) قارن بالدر المنثور ٢/ ٣٨٨.\n(^٢) مسند أحمد ٤٠٣.","vol":"2","page":364},{"text":"ابن ماجة من طرق عن الزهري به نحوه.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين»، قال: «وفساد ذات البين هي الحالقة» (^٢). ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر حدثنا أبي عن حميد، عن أنس أن النبي ﷺ قال لأبي أيوب «ألا أدلك على تجارة؟» قال: بلى يا رسول الله. قال «تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا» ثم قال البزار: وعبد الرحمن بن عبد الله العمري لين، وقد حدث بأحاديث لم يتابع عليها.\nولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ أي مخلصا في ذلك محتسبا ثواب ذلك عند الله ﷿، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ثوابا جزيلا كثيرا واسعا.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى﴾ أي ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ، فصار في شق، والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له.\nوقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفا لهم وتعظيما لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك، قد ذكرنا منها طرفا صالحا في كتاب أحاديث الأصول، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي ﵀ في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك، ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ أي إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجا له، كما قال تعالى:\n﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٤٤٤.\n(^٢) الحالقة: التي تستأصل الدين فتحلقه كما يحلق الشعر.","vol":"2","page":365},{"text":"إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-365>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٦ إلى ١٢٢]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا (١٢٢)﴾\nقد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ الآية، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة، وقد روى الترمذي حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة عن أبيه، عن علي ﵁ أنه قال:\nما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، ثم قال: هذا حسن غريب. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ أي فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسن بن واقد عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: مع كل صنم جنية، وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سلمة الباهلي عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام يعني ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا﴾ قالت: أوثانا. وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومجاهد وأبي مالك والسدي ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. وقال جويبر عن الضحاك في الآية، قال المشركون إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال: فاتخذوهن أربابا، وصوروهن جواري فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة، وهذا التفسير شبيه بقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى﴾ [النجم: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وقال: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وقال علي بن أبي طلحة والضحاك عن ابن عباس ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا﴾ قال: يعني موتى. وقال مبارك، يعني ابن فضالة، عن الحسن: ﴿إِنْ","vol":"2","page":366},{"text":"يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا﴾. قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإما حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهو غريب.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ أي هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠]. وقال تعالى إخبارا عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذين ادعوا عبادتهم في الدنيا ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١].\nوقوله: ﴿لَعَنَهُ اللهُ﴾ أي طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره، وقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي معينا مقدرا معلوما. قال مقاتل بن حيان: من كل ألف، تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي عن الحق، ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم، وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ﴾. قال قتادة والسدي وغيرهما:\nيعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة، ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾، قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب، وقد روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض وقتادة وأبي صالح والثوري، وقد ورد في حديث النهي عن ذلك (^١).\nوقال الحسن بن أبي الحسن البصري: يعني بذلك الوشم، وفي صحيح مسلم، النهي عن الوشم في الوجه، وفي لفظ: لعن الله من فعل ذلك، وفي الصحيح (^٢) عن ابن مسعود أنه قال:\nلعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ﷿، ثم قال: ألا ألعن (^٣) من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله ﷿، يعني قوله: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nوقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخراساني في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ يعني دين الله عز\n_________\n(^١) انظر مسند أحمد ٣/ ٣٧٨، ٣٨٢، ٣٨٣.\n(^٢) صحيح مسلم (لباس حديث ١٢٠)\n(^٣) في صحيح مسلم: «وما لي لا ألعن من لعن رسول الله». وذلك أن امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن أتت ابن مسعود فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات … إلخ. فأجابها بذلك. والواشمة: فاعلة الوشم. والمفعول بها ذلك هي الموشومة. فإن طلبت فعل ذلك فهي مستوشمة. والنامصة هي التي تزيل الشعر من الوجه. والمتنمصة هي التي تطلب فعل ذلك بها. والمتفلجات للحسن: مفلجات الأسنان، بأن تبرد الواحدة ما بين أسنانها، الثنايا والرباعيات. وتفعل ذلك العجوز إظهارا للصغر، لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغار.","vol":"2","page":367},{"text":"وجل، هذا كقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] على قول من جعل ذلك أمرا، أي لا تبدلوا فطرة الله ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تجدون بها من جدعاء» (^١) وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» (^٢).\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ أي فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها. وقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ وهذا إخبار عن الواقع، فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك، ولهذا قال الله تعالى:\n﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾، كما قال تعالى مخبرا عن إبليس يوم المعاد ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ -إلى قوله- ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nوقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ أي المستحسنون له فيما وعدهم ومناهم ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أي ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص، ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء ومالهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي يصرفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ أي بلا زوال ولا انتقال ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ أي هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله حقا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ أي لا أحد أصدق منه قولا، أي خبرا لا إله إلا هو ولا رب سواه، وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: «إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جنائز باب ٨٠ و٩٣) وصحيح مسلم (قدر حديث ٢٢ - ٢٥)\n(^٢) صحيح مسلم (جنة حديث ٦٣). واجتالتهم عن دينهم: استخفتهم فجالوا معها في الضلالة.\n(^٣) صحيح البخاري (اعتصام باب ٢) وصحيح مسلم (جمعة حديث ٤٣) وسنن ابن ماجة (مقدمة باب ٧) وسنن الدارمي (مقدمة باب ٢٣) ومسند أحمد ٣/ ٣١٩.","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]</span>\n﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾\nقال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان، وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم، وكذا روى العوفي عن ابن عباس ﵁ أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا فقضى الله بينهم، وقال: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية.\nوخير بين الأديان فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إلى قوله:\n﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾. وقال مجاهد: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [آل عمران: ٨٠] والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، ولهذا قال بعده ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: أخبرت أن أبا بكر ﵁ قال: يا رسول الله كيف الفلاح بعد هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فكل سوء عملناه جزينا به؟ فقال\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ١١.","vol":"2","page":369},{"text":"النبي ﷺ: «غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء (^١)؟» قال: بلى. قال: «فهو مما تجزون به». ورواه سعيد بن منصور عن خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، ورواه الحاكم من طريق سفيان الثوري عن إسماعيل به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله ﷺ: «من يعمل سوءا يجز به في الدنيا».\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن هشيم بن جهيمة، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا زياد الجصاص عن علي بن زيد، عن مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر: انظروا المكان الذي فيه عبد الله بن الزبير مصلوبا فلا تمرن عليه، قال: فسها الغلام فإذا عبد الله بن عمر ينظر إلى ابن الزبير فقال: يغفر الله لك ثلاثا، أما والله ما علمتك إلا ضوّاما قواما وصالا للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوي ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها، قال: ثم التفت إلي فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله ﷺ: «من يعمل سوءا في الدنيا يجز به» ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصرا، وقال في مسند ابن الزبير: حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي، حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان، حدثني أبي عن جدي حيان بن بسطام، قال: كنت مع ابن عمر فمر بعبد الله بن الزبير وهو مصلوب، فقال: رحمة الله عليك أبا خبيب، سمعت أباك يعني الزبير، يقول: قال رسول الله ﷺ: «من يعمل سوءا يجز به في الدنيا والآخرة» ثم قال:\nلا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني مولى بن سباع، قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: فاقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد وجدت انفصاما في ظهري حتى تمطيت لها. فقال رسول الله ﷺ: «مالك يا أبا بكر؟» قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون، فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم\n_________\n(^١) اللأواء: المشقة والشدة.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٦.","vol":"2","page":370},{"text":"ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة»، وكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد بن حميد عن روح بن عبادة به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى بن سباع مجهول. وقال ابن جرير (^١): حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر:\nجاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله ﷺ: «إنما هي المصيبات في الدنيا».\nطريق أخرى عن الصديق: قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا محمد بن عامر السعدي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا فضيل بن عياض عن سلمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ؟﴾ فقال رسول الله ﷺ: «المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء».\nطريق أخرى: قال ابن جرير (^٢): حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور، قالا:\nأنبأنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الملك بن الحسن المحاربي، حدثنا محمد بن زيد بن قنفذ عن عائشة، عن أبي بكر قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال: «يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا، فهو كفارة».\nحديث آخر: قال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه أن يزيد بن أبي يزيد حدثه عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رجلا تلا هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: إنا لنجزي بكل ما عملناه، هلكنا إذا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «نعم يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه».\nطريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن بشير، حدثنا هشيم عن أبي عامر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: «ما هي يا عائشة؟» قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقال: «هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها» ورواه ابن جرير من حديث هشيم به. ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم الخزاز به (^٣).\nطريق أخرى: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقالت: ما سألني أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله ﷺ، سألت رسول الله ﷺ، فقال: «يا عائشة هذه مبايعة الله للعبد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٢٩٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٩٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٢٩١ وسنن أبي داود (جنائز باب ١)","vol":"2","page":371},{"text":"مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمه، فيفزع لها، فيجدها في جيبه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه، كما أن الذهب يخرج من الكير».\nطريق أخرى: قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو القاسم، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: «إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في القبض عند الموت» وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة قالت: قال: رسول الله: إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه.\nحديث آخر: قال سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، سمع محمد بن قيس بن مخرمة يخبر أن أبا هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله ﷺ: «سددوا وقاربوا، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها»، هكذا رواه أحمد (^٢) عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، ورواه ابن مردويه من حديث روح ومعتمر، كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الله بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بكينا وحزنا، وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء، قال: «أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها من خطيئته حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه» وقال عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وأبي هريرة: أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله من سيئاته» أخرجاه.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى عن سعد بن إسحاق، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: كفارات. قال أبي: وإن قلت قال: حتى الشوكة فما فوقها، قال: فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعك حتى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات ﵁، تفرد به أحمد.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ١٥٧.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٢٤٨.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٢٣.","vol":"2","page":372},{"text":"حديث أخر: روى ابن مردويه من طريق حسين بن واقد عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: قيل: يا رسول الله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: «نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشرا» فهلك من غلب واحدته عشراته. وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال:\nالكافر، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]، وهكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما فسرا السوء هاهنا بالشرك أيضا.\nوقوله: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:\nإلا أن يتوب فيتوب الله عليه، رواه ابن أبي حاتم، والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية، لما ذكر الجزاء على السيئات وأنه لا بد أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا وهو الأجود له، وإما في الآخرة والعياذ بالله من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة وقد تقدم الكلام على الفتيل وهو الخيط في شق النواة، وهذا النقير وهما في نواة التمرة، وكذا القطمير وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أخلص العمل لربه ﷿ فعمل إيمانا واحتسابا، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعا للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقا وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالا جاهلا، ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين الذين يتقبل ﴿عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ ويتجاوز ﴿عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] والحنيف هو المائل عن الشرك قصدا، أي تاركا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٢٩١.","vol":"2","page":373},{"text":"وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ وهذا من باب الترغيب في اتباعه، لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم: ٣٧]، قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أمر به في كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، والآية بعدها، وقال البخاري (^١): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم.\nوقد ذكر ابن جرير (^٢) في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما سماه الله خليلا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقال بعضهم من أهل مصر، ليمتار طعاما لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله قرّ بمفازة ذات رمل، فقال:\nلو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي الله، فسماه الله خليلا.\nوفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرا إسرائيليا لا يصدق ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه ﷿ له لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال: «أما بعد، أيها الناس فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود عن النبي قال: «إن الله اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا» وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة أبو صالح عن سلمة بن وهران، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلس\n_________\n(^١) صحيح البخاري (مغازي باب ٦٠)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٩٧.","vol":"2","page":374},{"text":"ناس من أصحاب رسول الله ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجب، إن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله، وقال آخر:\nماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما، وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر:\nآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم، وقال: «قد سمعت كلامكم وتعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، وكذلك محمد ﷺ قال: ألا وإني حبيب الله، ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع، ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر» وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها، وقال قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وكذا روي عن أنس بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا محمد يعني سعيد بن سابق، حدثنا عمرو يعني ابن أبي قيس عن عاصم عن أبي راشد، عن عبيد بن عمير، قال: كان إبراهيم ﵇ يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس أحدا يضيفه فلم يجد أحدا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما، فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها، قال: ومن أنت؟ قال:\nأنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلا، قال: من هو؟ فوالله إن أخبرتني به، ثم كان بأقصى البلاد لاتينه، ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم، قال فيم اتخذني ربي خليلا؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم.\nوحدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد السلمي، حدثنا الوليد عن إسحاق بن يسار، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى أن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء.\nوهكذا جاء في صفة رسول الله ﷺ أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل إذا اشتد غليانها من البكاء (^١).\nوقوله: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي الجميع ملكه وعبيده وخلقه وهو\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند ٤/ ٢٥، من حديث مطرف بن عبد الله عن أبيه أنه رأى رسول الله على الهيئة المذكورة.","vol":"2","page":375},{"text":"المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقّب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته. وقوله: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى.\n\n<span data-type='title' id=toc-367>[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]</span>\n﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾\nقال البخاري (^١): حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ -إلى قوله- ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها (^٢)، فنزلت هذه الآية، وكذلك رواه مسلم (^٣) عن أبي كريب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أسامة، وقال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ الآية، قال: والذي ذكر الله أنه يتلى عليه في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: وقول الله ﷿:\n﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن.\nوأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي به والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة بأمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله ﷿، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة لدمامتها عنده أو في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ٢٠)\n(^٢) أي يمنعها الزواج.\n(^٣) صحيح مسلم (تفسير حديث ٧)","vol":"2","page":376},{"text":"نفس الأمر، فنهاه الله ﷿ أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، وهي قوله: ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ﴾ الآية، كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا فإن كانت جميلة وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه. وقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ﴾ كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١ و١٧٦] صغيرا أو كبيرا، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ﴾ كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فانكحها واستأثر بها. وقوله: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييجا على فعل الخيرات وامتثالا للأوامر، وإن الله ﷿ عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-368>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٨ إلى ١٣٠]</span>\n﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا ومشرعا من حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾، ثم قال:\n﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي من الفراق، وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله ﷺ على فراقها فصالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك.\nذكر الرواية بذلك: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت:\nيا رسول الله، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ الآية. قال ابن عباس فما اصطلحا عليه من شيء فهو","vol":"2","page":377},{"text":"جائز. ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي به، وقال: حسن غريب.\nقال الشافعي: أخبرنا مسلم عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ توفي عن تسع نسوة وكان يقسم لثمان. وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي ﷺ يقسم لها بيوم سودة. وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة عن عائشة نحوه (^١).\nوقال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام، عن أبيه عروة، قال:\nأنزل الله في سودة وأشباهها ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا﴾ وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت، ففزعت أن يفارقها رسول الله ﷺ وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله ﷺ عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ. قال البيهقي وقد رواه أحمد بن يونس عن الحسن بن أبي الزناد موصولا، وهذه الطريقة رواها الحاكم في مستدركة فقال: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن على بن زياد، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفزعت أن يفارقها رسول الله ﷺ يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ، قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا﴾ وكذلك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس به، والحاكم في مستدركه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقد رواه ابن مردويه من طريق أبي بلال الأشعري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به نحوه ومن رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام بن عروة بنحو مختصرا، والله أعلم.\nوقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي (^٢) في أول معجمه: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا مسلم بن إبراهيم. حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة، قال:\nبعث النبي ﷺ إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة، فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كلامه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال، لكن أريد أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فراجعها فقالت:\nفإني جعلت يومي وليلتي لحبة (^٣) رسول الله ﷺ، وهذا غريب مرسل. وقال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبد الله، أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (نكاح باب ٩٨)\n(^٢) توفي سنة ٣٢٥. له معجم في الحديث ورجاله.\n(^٣) الحبة: المحبوبة.","vol":"2","page":378},{"text":"﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا﴾ قال: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله لا يكون بمستكثر منها، ولا يكون لها ولد ويكون لها صحبة فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني. حدثني (^٢) المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة عن هشام، عن عروة، عن عائشة، في قوله:\n﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا﴾ قالت: هو الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد كبرت، أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير وجه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة (^٣)، بنحو ما تقدم، ولله الحمد والمنة.\nقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: حدثنا جرير عن أشعث عن ابن سيرين قال: جاء رجل الى عمر بن الخطاب فسأله عن آية، فكره ذلك فضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا﴾ فقال عن مثل هذا فاسألوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني، حدثنا مسدد، حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فسأله عن قول الله ﷿ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾، قال علي:\nيكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج.\nوكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن حماد بن سلمة وأبي الأحوص، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل، أربعتهم عن سماك به. وكذا فسرها ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد بن جبير والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم في ذلك خلافا أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٠٦.\n(^٢) إسناد آخر من رواية ابن جرير ٤/ ٣٠٦.\n(^٣) صحيح مسلم (تفسير حديث ١٤)\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٣٠٥.","vol":"2","page":379},{"text":"وقال الشافعي: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري، عن ابن المسيب أن بنت محمد بن مسلم كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرا إما كبرا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا﴾ الآية، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنبأنا علي بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا﴾ إلى تمام الآيتين، أن المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه صلح له ذلك وكان صلحها عليه. كذلك ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح الذي قال الله ﷿ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري وكان من أصحاب النبي ﷺ كانت عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوج عليها فتاتة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر عليها الشابة فناشدته الطلاق، فقال لها: ما شئت، إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت فارقتك، فقالت: لا بل أستقر على الأثرة فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما ولم ير رافع عليه إثما حين رضيت أن تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها، وهكذا رواه بتمامة عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار فذكره بطوله، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها، والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي ﷺ سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة ﵂ ولم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه وفعله ذلك للتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه ﵊، ولما كان الوفاق أحب الى الله من الفراق. قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بل الطلاق بغيض إليه ﷾، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة، جميعا عن كثير بن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معروف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «أبغض الحلال إلى الله","vol":"2","page":380},{"text":"الطلاق» (^١). ثم رواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن معروف عن محارب، قال: قال رسول الله ﷺ فذكر معناه مرسلا.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع كما قاله ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا حسين الجعفي عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال:\nنزلت هذه الآية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ في عائشة، يعني أن النبي ﷺ كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت:\nكان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب، هذا لفظ أبي داود (^٢)، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا، قال: وهذا أصح.\nوقوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية ﴿فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي فتبقى هذه الأخرى معلقة. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان: معناها لا ذات زوج ولا مطلقة. وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا همام عن قتادة، عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هرير، قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط»، وهكذا رواه الإمام أحمد (^٣) وأهل السنن من حديث همام بن يحيى عن قتادة به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام ورواه هشام الدستوائي عن قتادة، قال: كان يقال: ولا يعرف هذا الحديث مرفوعا إلا من حديث همام.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى\n_________\n(^١) سنن أبي داود (طلاق باب ٣) وسنن ابن ماجة (طلاق باب ١)\n(^٢) سنن أبي داود (نكاح باب ٣٨)\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٣٤٧.","vol":"2","page":381},{"text":"بعض النساء دون بعض، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ وهذه هي الحالة الثالثة، وهي حالة الفراق وقد أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه بأن يعوضه الله من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، ﴿وَكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ أي واسع الفضل عظيم المن حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-369>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣١ إلى ١٣٤]</span>\n﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ﴾ أي وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله ﷿ بعبادته وحده لا شريك له. ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ الآية كما قال تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لقومه ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. وقال: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] أي غني عن عباده، (حميد) أي محمود في جميع ما يقدره ويشرعه.\nقوله: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء. وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا﴾ أي هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، وكما قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠] أي وما هو عليه بممتنع.\nوقوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي يا من ليس له همة إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه أغناك وأعطاك وأقناك، كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ* وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ* أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ -إلى قوله- ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١] الآية، وقد زعم ابن جرير (^١)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣١٨.","vol":"2","page":382},{"text":"أن المعنى في هذه الآية ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ أي من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك ﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا﴾ وهو ما حصل من المغانم وغيرها مع المسلمين، وقوله:\n﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي وعند الله ثواب الآخرة وهو ما ادخره لهم من العقوبة في نار جهنم وجعلها كقوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ -إلى قوله- ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسير الآية الأولى بهذا ففيه نظر، فإن قوله:\n﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة أي بيده هذا وهذا، فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-370>[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾\nيأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وقوله: ﴿شُهَداءَ لِلّهِ﴾ كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ﴾ [الطلاق: ٢] أي ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال ﴿وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا من كل أمر يضيق عليه. وقوله: ﴿أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد.\nوقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِما﴾ أي لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة","vol":"2","page":383},{"text":"والخنازير وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وسيأتي الحديث مسندا في سورة المائدة إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: تلووا، أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللي هو التحريف وتعمد الكذب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، والإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقال النبي ﷺ «خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» (^١) ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي وسيجازيكم بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-371>[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أي بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. وقوله: ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ يعني القرآن، ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن:\nنزل لأنه نزل مفرقا منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة، فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ أي فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٧ إلى ١٤٠]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾\nيخبر تعالى عمن دخل في الإيمان، ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾. قال\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند ٤/ ١١٨ و٥/ ١٩٢ من حديث زيد بن خالد الجهني بلفظ: «خير الشهادة ما شهد بها صاحبها قبل أن يسألها».","vol":"2","page":384},{"text":"ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ قال: تمموا على كفرهم حتى ماتوا، وكذا قال مجاهد. وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى عن عامر الشعبي، عن علي ﵁، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثا، ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، ثم قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ يعني أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون، أي بالمؤمنين، في إظهارنا لهم الموافقة.\nقال الله تعالى منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾، ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها له، كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله والإقبال على عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عياش بن حميد الكندي، عن عبادة بن نسيء، عن أبي ريحانه أن النبي ﷺ قال: «من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وفخرا، فهو عاشرهم في النار» تفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال أنصاري، واسمه شمعون، بالمعجمة، فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ في المأثم، كما جاء في الحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:٦٨]، قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في سورة الأنعام، يعني نسخ قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ لقوله- ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩].\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٣٣.","vol":"2","page":385},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أي كما أشركوهم في الكفر كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدا ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين لا الزلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-373>[سورة النساء (٤): آية ١٤١]</span>\n﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾\nيخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء بمعنى ينتظرون زوال دولتهم وظهور الكفر عليهم وذهاب ملتهم، ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ﴾ أي نصر وتأييد وظفر وغنيمة ﴿قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة ﴿قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم خبالا وتخذيلا حتى انتصرتم عليهم، وقال السدي: نستحوذ عليكم نغلب عليكم، كقوله: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ [المجادلة: ١٩] وهذا أيضا تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة إيقانهم، قال تعالى: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي بما يعلمه منكم أيها المنافقون من البواطن الرديئة فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرا في الحياة الدنيا، لما له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور.\nوقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن الأعمش، عن ذر، عن سبيع الكندي، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف هذه الآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ فقال علي ﵁: ادنه ادنه، ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، وكذا روى ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، قال: ذاك يوم القيامة، وكذا روى السدي عن أبي مالك الأشجعي، يعني يوم القيامة. وقال السدي: سبيلا أي حجة، ويحتمل أن يكون المعنى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، أي في الدنيا بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [غافر: ٥١]، وعلى هذا يكون ردا على المنافقين فيما أملوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين خوفا","vol":"2","page":386},{"text":"على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] وقد استدل كثير من العلماء بهذا الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر، لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة، يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]</span>\n﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾\nقد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، وقال هاهنا: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ ولا شك أن الله لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة وأن أمرهم يروج عنده كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨]، وقوله: ﴿هُوَ خادِعُهُمْ﴾ أي هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، وكذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٣] وقد ورد في الحديث «من سمّع سمّع الله به، ومن رأيا رأيا الله به» (^١). وفي حديث آخر «إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس ويعدل به إلى النار».\nعياذا بالله من ذلك.\nوقوله: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ الآية، هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة إذا قاموا إليها، قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى ابن مردويه من طريق عبيد الله بن زحر عن خالد بن أبي عمران عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله وإن الله تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو هذه الآية ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ وروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس نحوه، فقوله تعالى: ﴿وَإِذا قامُوا﴾\n_________\n(^١) سمّع: تباهي بعمله وأظهره. وسمّع الله به: فضحه يوم القيامة. وراءى الله به: عرّف خلقه أن هذا مراء مزوّر.","vol":"2","page":387},{"text":"﴿إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ هذه صفة ظواهرهم كما قال: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى﴾ [التوبة: ٥٤] ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ أي لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (^١). وفي رواية «والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم».\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا محمد بن دينار عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿».\nوقوله: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون، وقد روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» (^٢)، وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر المدني عن العلاء بن عبد الرحمن به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ يعني المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا ولا مع الكافرين ظاهرا وباطنا، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]، وقال مجاهد ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ﴾ يعني أصحاب محمد ﷺ ﴿وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ يعني اليهود. وقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله عن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (مواقيت الصلاة باب ٢٠ وأذان باب ٤٧) وسنن أبي داود (صلاة باب ٤٧) وسنن النسائي (إمامة باب ٤٥) وسنن ابن ماجة (مساجد باب ١٨)\n(^٢) موطأ مالك (كتاب القرآن حديث ٤٦)\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٣٣٤.","vol":"2","page":388},{"text":"نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تدري أيتهما تتبع»، تفرد به مسلم، وقد رواه (^١) عن محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب فوقف به على ابن عمر ولم يرفعه، قال: حدثنا به عبد الوهاب مرتين. كذلك قلت: وقد رواه الإمام أحمد (^٢) عن إسحاق بن يوسف عن عبيد الله، وكذا رواه إسماعيل بن عياش وعلي بن عاصم عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة عن عبدة، عن عبد الله بن مرفوعا، ورواه حماد بن سلمة عن عبيد الله أو عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. ورواه أيضا صخر بن جويرية عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله. وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا الهذيل بن بلال عن ابن عبيد أنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه، فقال أبي: قال رسول الله ﷺ: «إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين من الغنم، إن أتت هؤلاء نطحتها، وإن أتت هؤلاء نطحتها» فقال له ابن عمر: كذبت، فأثنى القوم على أبي خيرا أو معروفا، فقال ابن عمر: ما أظن صاحبكم إلا كما تقولون، ولكني شاهدي الله إذ قال: كالشاة بين الغنمين، فقال: هو سواء، فقال: هكذا سمعته.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي عن أبي جعفر محمد بن علي، قال:\nبينما عبيد بن عمير يقص وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير: قال رسول الله ﷺ:\n«مثل المنافق كالشاة بين ربيضين، إذا أتت هؤلاء نطحتها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها»، فقال ابن عمير: ليس كذلك، إنما قال رسول الله ﷺ «كشاة بين غنمين»، قال: فاختطف الشيخ وغضب، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردد ذلك عليك.\nطريقة أخرى عن ابن عمر: قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن عثمان بن بودويه، عن يعفر بن زودي، قال: سمعت عبيد بن عمير وهو يقص يقول: قال رسول الله ﷺ: «مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين»، فقال ابن عمر: ويلكم لا تكذبوا على رسول الله ﷺ، إنما قال رسول الله ﷺ، «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين»، ورواه أحمد أيضا من طرق عن عبيد بن عمير، عن ابن عمر، ورواه ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله هو ابن مسعود، قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد،\n_________\n(^١) أي ابن جرير الطبري.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٤٧.\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ٦٨.\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ٣٢.\n(^٥) مسند أحمد ٢/ ٨٨.","vol":"2","page":389},{"text":"فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخر حتى إذا أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي:\nويلك أين تذهب إلى الهلكة، ارجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم إلى النجاة، فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاءه سيل فأغرقه، فالذي عبر هو المؤمن، والذي غرق المنافق ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ والذي مكث الكافر.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا شعبة (^٢) عن قتادة ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك، قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يضرب مثلا للمؤمن وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر، أن هلم إلي فإني أخشى عليك، وناداه المؤمن: أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه آذيّ (^٣) فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك، قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين، رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف، ثم رأت غنما على نشز فأتتها فشامتها فلم تعرف».\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي ومن صرفه عن طريق الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.\n\n<span data-type='title' id=toc-375>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٧]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾\nينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين يعني مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه، ولهذا قال هاهنا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أي حجة عليكم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٣٤.\n(^٢) في الطبري: «حدثنا سعيد عن قتادة».\n(^٣) الآذيّ: الموج الشديد.","vol":"2","page":390},{"text":"في عقوبته إياكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿سُلْطانًا مُبِينًا﴾ قال كل سلطان في القرآن حجة، وهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي والنضر بن عربي.\nثم أخبرنا تعالى ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أي يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ. قال الوالبي عن ابن عباس ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أي في أسفل النار، وقال غيره: النار دركات كما أن الجنة درجات، وقال سفيان الثوري عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قال في توابيت ترتج عليهم: كذا رواه ابن جرير (^١) عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري به. ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم. قال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله يعني ابن مسعود ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قال: في توابيت من نار تطبق عليهم أي مغلقة مقفلة، ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم، ومعنى قوله: مبهمة، أي مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها.\nوروى ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب، ثم أخبر تعالى أن من تاب منهم في الدنيا، تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ أي بدلوا الرياء بالإخلاص فينفعهم العمل الصالح وإن قل، قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عمران عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: «أخلص دينك يكفك القليل من العمل». ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي في زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثم قال تعالى مخبرا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم فقال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٣٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٣٧.","vol":"2","page":391},{"text":"تعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ أي من شكر شكر له، ومن آمن قلبه به علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ إلى ١٤٩]</span>\n﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾\nقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه وذلك قوله: ﴿إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ وإن صبر فهو خير له وقال أبو داود حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة، قالت: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال النبي ﷺ «لا تسبخي عنه» (^١) وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه، وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه.\nوقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه، لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]. وقال أبو داود (^٢): حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «المستبّان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم» وقال عبد الرزاق: أنبأنا المثنى بن الصباح عن مجاهد في قوله ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: ضاف رجل رجلا فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلانا فلم يؤد إلي حق ضيافتي، قال: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم حتى يؤدي الآخر إليه حق ضيافته. وقال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن، وفي رواية: هو الضيف المحول رحله، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول، وكذا روي عن غير واحد عن مجاهد نحو هذا، وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي من طريق الليث بن سعد، والترمذي من حديث ابن لهيعة، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر، قال:\nقلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟ فقال: «إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم».\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أدب باب ٤٢). لا تسبخي عنه: لا تضيعي إثم السرقة عن السارق بدعائك عليه.\n(^٢) سنن أبي داود (أدب باب ٣٩)","vol":"2","page":392},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت أبا الجودي يحدث عن سعيد بن مهاجر عن المقدام بن أبي كريمة، عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما، فإن حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله» تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي، عن المقدام بن أبي كريمة، سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه، فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه». ثم رواه أيضا عن غندر عن شعبة. وعن زيادة بن عبد الله البكائي عن وكيع وأبي نعيم، عن سفيان الثوري، ثلاثتهم عن منصور به، وكذا رواه أبو داود (^٣) من حديث أبي عوانة عن منصور به.\nومن هذه الأحاديث وأمثالها، ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا محمد بن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ﷺ، فقال: إن لي جارا يؤذيني، فقال له «أخرج متاعك فضعه على الطريق»، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: مالك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه، قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، والله لا أوذيك أبدا، وقد رواه أبو داود (^٤) في كتاب الأدب عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر عن محمد بن عجلان به، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله عن النبي ﷺ، ويوسف بن عبد الله بن سلام عن النبي ﷺ.\nوقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي إن تظهروا أيها الناس خيرا أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال:\n﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم:\nسبحانك على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك، وفي الحديث الصحيح «ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه» (^٥).\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٣٣.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٣٠.\n(^٣) سنن أبي داود (أطعمة باب ٥)\n(^٤) سنن أبي داود (أدب باب ١٢٣)\n(^٥) مسند أحمد ٢/ ٢٣٥ من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-377>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ إلى ١٥٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾\nيتوعد ﵎ الكافرين به وبرسله، من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود -عليهم لعائن الله-آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ، والسامرة لا يؤمنون بنبيّ بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له زرادشت، ثم كفروا بشرعه فرفع من بين أظهرهم، والله أعلم، والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي، تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ بالله ورسله فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله أي في الإيمان، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ أي طريقا ومسلكا، ثم أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ أي كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به، لأنه ليس شرعيا إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته.\nوقوله: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ أي كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله ﷺ حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [البقرة: ٦١] في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بذلك أمة محمد ﷺ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال:\n﴿أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي","vol":"2","page":394},{"text":"لذنوبهم، أي إن كان لبعضهم ذنوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-378>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]</span>\n﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾\nقال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة، قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به، وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة سبحان ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] أي بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ [النساء: ١٥٣] أي من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى ﵇ في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدوهم فرعون وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرا، حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف، وفي سورة طه، بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله ﷿، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه، أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضا، ثم أحياهم الله ﷿، وقال الله تعالى: ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٥٣] ثم قال: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤] وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جبلا، ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم، خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١]، ﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ أي فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس سجدا وهم يقولون حطة، أي اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون","vol":"2","page":395},{"text":"على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة ﴿وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم، ما دام مشروعا لهم ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أي شديدا، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم الله ﷿، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت.\n\n<span data-type='title' id=toc-379>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٩]</span>\n﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾\nوهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء ﵈، قوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمعا غفيرا من الأنبياء ﵈. وقولهم: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي في غطاء، وهذا كقول المشركين ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]، وقيل معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم، أي أوعية للعلم قد حوته وحصلته، رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد تقدم نظيره في سورة البقرة.\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول، لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة.\n﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] أي تمرنت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\nيعني أنهم رموها بالزنا، وكذلك قال السدي وجويبر ومحمد بن إسحاق وغير واحد، وهو ظاهر من الآية، أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم: وهي حائض فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.\nوقولهم: ﴿إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ أي هذا الذي يدعي لنفسه هذا","vol":"2","page":396},{"text":"المنصب قتلناه، وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى بن مريم بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرا، ثم ينفخ فيه، فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن الله ﷿، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم حتى جعل نبي الله عيسى ﵇، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه ﵉، ثم لم يقنعهم ذلك، حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه عن الناس، فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى ﵇، وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر، وقيل سبعة عشر نفرا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت روزنة (^١) من سقف البيت، وأخذت عيسى ﵇ سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب، ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه، وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى، ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود، أن المصلوب هو المسيح بن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال إنه خاطبها، والله أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده، لما له في ذلك من الحكمة البالغة.\nوقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه، وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض،\n_________\n(^١) الروزنة: كوّة في سقف البيت.","vol":"2","page":397},{"text":"العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي رأوا شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ يعني بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود، ومن سلمه إليهم من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر، ولهذا قال: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا﴾ أي منيع الجناب، لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه، ﴿حَكِيمًا﴾ أي في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن بي، قال: ثم قال:\nأيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا، فقال: هو أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة، كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية بنحوه، وكذا ذكره غير واحد من السلف، أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، وهو رفيقي في الجنة.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليه، صورهم الله ﷿ كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى، أو لنقتلنكم جميعا، فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج إليهم وقال: أنا عيسى وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك، وهذا سياق غريب جدا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٥١.","vol":"2","page":398},{"text":"قال ابن جرير (^١): وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول:\nإن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم، ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك، وتكارهوه فقال: ألا من رد عليّ الليلة شيئا مما أصنع، فليس مني، ولا أنا منه، فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك، قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها، فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله، أما تصبرون لي ليلة واحدة، تعينوني فيها؟ فقالوا: والله ما ندري مالنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمرا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال:\nيذهب الراعي وتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه. ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني.\nفخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجدون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقدونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعا، ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى ﵇، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: ما تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خيرا، وإن هذا شبه لهم، فأمرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقدوا الذي باعه ودل عليه اليهود، فسأله عن أصحابه، فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه، فقال:\nلو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام تبعهم يقال له يحيى، فقال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه فلينذرهم وليدعهم، سياق غريب جدا.\n_________\n(^١) المصدر السابق نفسه.","vol":"2","page":399},{"text":"ثم قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلا منهم يقال له داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من خلقك، فاصرفها عني. وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دما، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى ﵇. فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريين، وكانوا اثني عشر رجلا، فطرس، ويعقوب بن زبدي ويحنس أخو يعقوب، واندراييس، وفيلبس، وأبرثلما، ومنتا، وطوماس، ويعقوب بن حلفيا، وتداوسيس، وقثانيا، ويودس زكريا يوطا، قال ابن حميد: قال سلمة:\nقال ابن إسحاق: وكان فيما ذكر لي رجل اسمه سرجس، وكانوا ثلاثة عشر رجلا سوى عيسى ﵇، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى، قال: فلا أدري هو من هؤلاء الاثني عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به محمد ﷺ من الخبر عنه، فإن كانوا ثلاثة عشر، فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا، وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر.\nقال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيا فأسلم، أن عيسى حين جاءه من الله إني رافعك إلي، قال: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حتى يشبّه للقوم في صورتي فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال: فاجلس في مجلسي، فجلس فيه، ورفع عيسى ﵇، فدخلوا عليه، فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه، وشبه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، وقد رأوهم فأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى وأصحابه فيما يرون، وفقدوا رجلا من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهما على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبله، وهو الذي أقبل فخذوه، فلما دخلوا، وقد رفع عيسى ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشك أنه هو، فأكب عليه يقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوحنا ندم على ما صنع فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أنه يودس زكريا يوحنا، وهو الذي شبه لهم، فصلبوه وهو يقول: إني لست بصاحبكم، أنا الذي دللتكم عليه، والله أعلم أي ذلك كان. وقال ابن جرير (^٢) عن مجاهد: صلبوا رجلا شبه بعيسى ورفع الله ﷿ عيسى إلى السماء حيا، واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٥٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٥٤.","vol":"2","page":400},{"text":"جميع أصحابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال ابن جرير (^١): اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني قبل موت عيسى يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: قبل موت عيسى ابن مريم ﵇. وقال العوفي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال أبو مالك في قوله: ﴿إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: ذلك عند نزول عيسى، وقبل موت عيسى ابن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: يعني اليهود خاصة. وقال الحسن البصري: يعني النجاشي وأصحابه، رواهما ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا أبو رجاء (^٢) عن الحسن ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى والله إنه لحي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشير، قال: سمعت رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاما يؤمن به البر والفاجر. وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.\nقال ابن جرير (^٣): وقال آخرون: يعني بذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ بعيسى قبل موت صاحب الكتاب، ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه علم الحق من الباطل لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في الآية، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى. حدثني ابن المثنى، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته قبل موت صاحب الكتاب. وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى. حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو نميلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٥٦.\n(^٢) في الطبري: «حدثنا ابن علية عن أبي رجاء».\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٣٥٨.","vol":"2","page":401},{"text":"عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح، حدثني إسحاق بن إبراهيم وحبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: هي في قراءة أبي قبل موتهم، ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهويّ، قيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم؟ قال: يلجلج بها لسانه، وكذا روى سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال:\nلا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ﵇ وإن ضرب بالسيف تكلم به، قال: وإن هوى تكلم به وهو يهوي، وكذا روى أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد وعكرمة ومحمد بن سيرين، وبه يقول الضحاك وجويبر. وقال السدي وحكاه عن ابن عباس، ونقل قراءة أبي بن كعب: قبل موتهم، وقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: ﴿إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت، وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء.\nقال ابن جرير (^١)، وقال آخرون: معنى ذلك وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت صاحب الكتاب (^٢).\nذكر من قال ذلك: (^٣) حدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد عن حميد، قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد ﷺ [يعني في] (^٤) قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبّه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبا، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٦٠.\n(^٢) في الطبري: «قبل موت الكتابي».\n(^٣) العبارة للطبري.\n(^٤) زيادة من الطبري.","vol":"2","page":402},{"text":"لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي قبل موت عيسى ﵇ الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض. فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره وينجلي له ما كان جاهلا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤]، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد ﷺ أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه، لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه أنه يصير بذلك مسلما، ألا ترى قول ابن عباس:\nولو تردى من شاهق أو ضرب بالسيف أو افترسه سبع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى، فالإيمان في هذه الحال ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه، والله أعلم.\nومن تأمل جيدا وأمعن النظر، اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها الذي ذكرناه من تقرير وجود عيسى ﵇ وبقاء حياته في السماء وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه، وتصادمت وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء اليهود، وأفرط هؤلاء النصارى تنقصة اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه ما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوا كبيرا، وتنزه وتقدس لا إله إلا هو.\n\n<span data-type='title' id=toc-380>ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان\nقبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له</span>\nقال البخاري (^١) ﵀ في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: نزول عيسى ابن مريم ﵇، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبي صالح عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أنبياء باب ٤٩)","vol":"2","page":403},{"text":"نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيرا لهم من الدنيا وما فيها»، ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، وكذا رواه مسلم (^١) عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد كلاهما عن يعقوب به، وأخرجه البخاري (^٢) ومسلم أيضا من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري به.\nوأخرجاه من طريق الليث عن الزهري (^٣) به، ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين» قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.\nطريق أخرى: عن أبي هريرة: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا روح بن أبي حفصة عن الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ليهلنّ عيسى بفج الروحاء بالحج أو العمرة، أو ليثنينهما جميعا»، وكذا رواه مسلم منفردا به من حديث ابن عيينة، والليث بن سعد ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به. وقال أحمد (^٥): حدثنا يزيد، حدثنا سفيان هو ابن حسين عن الزهري، عن حنظلة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطى المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما» قال: وتلا أبو هريرة ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة، وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين عن الزهري به.\nطريق أخرى: قال البخاري (^٦): حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث عن يونس، عن ابن شهاب عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف بكم إذا نزل\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٤٢ و٢٤٣)\n(^٢) صحيح البخاري (فظالم باب ٣١)\n(^٣) صحيح البخاري (بيوع باب ١٠٢) وصحيح مسلم (إيمان حديث ٢٤٢ و٢٤٣)\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ٥١٣.\n(^٥) مسند أحمد ٢/ ٢٦٠.\n(^٦) صحيح البخاري (أنبياء باب ٤٩)","vol":"2","page":404},{"text":"فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم منكم» تابعه عقيل والأوزاعي، وهكذا رواه الأمام أحمد (^١) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهري به.\nوأخرجه مسلم (^٢) من رواية يونس والأوزاعي وابن ذئب به.\nطريق أخرى: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا قتادة عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران (^٤)، وكأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» وكذا رواه أبو داود (^٥) عن هدبة بن خالد، عن همام بن يحيى ورواه ابن جرير (^٦) ولم يورد عند هذه الآية سواه، عن بشر بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم وهو مولى أم برثن صاحب السقاية، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكر نحوه، وقال: يقاتل الناس على الإسلام، وقد روى البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي»، ثم رواه محمد بن سنان عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد». وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن بشار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ\nحديث آخر: قال مسلم (^٧) في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا يعلى بن منصور، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٢٧٢.\n(^٢) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٤٤ - ٢٤٦)\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ٤٠٦.\n(^٤) الثوب الممصر: الذي فيه صفرة خفيفة.\n(^٥) سنن أبي داود (ملاحم باب ١٤)\n(^٦) تفسير الطبري ٤/ ٣٦١.\n(^٧) صحيح مسلم (فتن حديث ٣٤)","vol":"2","page":405},{"text":"الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتله، فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدا، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم، فيؤمهم، فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته».\nحديث آخر: قال أحمد (^١): حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن غفارة، عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي، إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليّ ربي ﷿ أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى (^٢) الأرض من نتن ريحهم، وينزل المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليّ ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم (^٣)، لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا»، رواه ابن ماجة عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، به نحوه.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض عليه مصحفا لنا على مصحفه، فلما حضرت الجمعة، أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد فجلسنا إلى رجل فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص، فقمنا إليه\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٧٥.\n(^٢) تجوى: تنتن.\n(^٣) الحامل المتمّ: التي اتمّت حملها وشارفت على الوضع.\n(^٤) مسند أحمد ٤/ ٢١٦ - ٢١٧.","vol":"2","page":406},{"text":"فجلسنا، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تقول نقيم (^١) نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان (^٢)، وأكثر من معه اليهود والنساء، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق (^٣)، فيبعثون سرحا لهم، فيصاب سرحهم فيشتد ذلك عليهم، ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السحر: يا أيها الناس أتاكم الغوث «ثلاثا» فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روح الله، تقدم صل، فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدم أميرهم فيصلي، حتى إذا قضى صلاته أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته (^٤) فيقتله، ويهزم أصحابه، فليس يومئذ شيء يواري منهم أحدا، حتى إن الشجرة تقول: يا مؤمن هذا كافر، ويقول الحجر:\nيا مؤمن هذا كافر» تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nحديث آخر: قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (^٥) في سننه: حدثنا علي بن محمد، حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: «لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم، فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، وإن الله خليفتي في كل مسلم، وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق فيعيث يمينا ويعيث شمالا، ألا يا عباد الله: أيها الناس فاثبتوا، وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول: أنا نبي فلا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور وإن ربكم ﷿ ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة\n_________\n(^١) في المسند: «فرقة تقول: نشامه» وشام الشيء: اختبره.\n(^٢) السيجان: جمع ساج، وهو الطيلسان الأخضر.\n(^٣) أفيق: موضع في حوران.\n(^٤) الثندوة من الرجل كالثدي من المرأة.\n(^٥) سنن ابن ماجة (فتن باب ٣٣)","vol":"2","page":407},{"text":"ونارا، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردا وسلاما، كما كانت النار بردا وسلاما على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول للأعرابي:\nأرأيت إن بعثت أمك وأباك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين، ثم يقول: انظر إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم» قال أبو حسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب، حتى مضى لسبيله.\nثم قال المحاربي: رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، فيأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت، وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة حتى ينزل عند الظريب (^١) الأحمر عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فينفى الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص. فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله، فأين العرب يومئذ؟ قال: «هم قليل وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى ابن مريم ﵇، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى ﵇، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربا، فيقول عيسى: إن لي فيك ضربة لم تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله، ويهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة-إلا الغرقدة (^٢)، فإنها من شجرهم لا تنطق-إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله. قال رسول الله ﷺ: «وإن أيامه أربعون سنة\n_________\n(^١) الظريب: تصغير ظرب، وهو الجبل الصغير.\n(^٢) الغرقدة: شجرة الشوك.","vol":"2","page":408},{"text":"السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي» فقيل له: كيف نصلي يا نبي الله في تلك الأيام القصار؟ قال: «تقدرون الصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا» قال رسول الله ﷺ: «فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكما عدلا، وإماما مقسطا، يدق الصليب ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترتفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة (^١) كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر (^٢) الوليدة الأسد فلا يضلها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض لها نور الفضة وتنبت نباتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات» قيل: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: «لا تركب لحرب أبدا» قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: يحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، ويأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثانية، فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله ﷿ السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله» قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: «التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام». قال ابن ماجة: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب.\nهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث أخر، من ذلك ما رواه مسلم، وحديث نافع وسالم عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله ﷺ: «لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله» وله من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله-إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود».\nولنذكر حديث النواس بن سمعان هاهنا لشبهه بهذا الحديث. قال مسلم بن الحجاج في\n_________\n(^١) الحمة: إبرة العقرب.\n(^٢) تفرّه: تحمله على الفرار.","vol":"2","page":409},{"text":"صحيحه (^١): حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) (^٢) وحدثنا محمد بن مهران الرازي (^٣)، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير عن النواس بن سمعان، قال:\nذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فقال: «ما شأنكم؟» قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه، ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: «غير الدجال أخوفني (^٤) عليكم. إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط (^٥)، عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا» قلنا: يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم» قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح فيأتي على قوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (^٦) أطول ما كانت ذرى، وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعوا رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض (^٧)، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (^٨)، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب اللد،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (فتن وأشراط الساعة حديث ١١٠)\n(^٢) انتقال إلى إسناد آخر.\n(^٣) أضاف مسلم هنا: «واللفظ له».\n(^٤) أضاف أفعل التفضيل: «أخوف» إلى ياء المتكلم مقرونة بنون الوقاية. وهذا الاستعمال صحيح ولكنه متروك.\n(^٥) قطط: شديد جعودة الشعر.\n(^٦) سارحتهم: ماشيتهم التي تسرح.\n(^٧) جزلتين: قطعتين. ورمية الغرض: أن يجعل بين القطعتين مقدار رمية.\n(^٨) أي لابسا مهرودتين. وهما ثوبان مصبوغان بورس ثم بزعفران.","vol":"2","page":410},{"text":"فيقتله، ثم يأتي عيسى ﵇ قوما قد عصمهم الله منه، فيمسح على وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز (^١) عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبريا فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (^٢) في رقابهم فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأ زهمهم (^٣) ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله، طيرا كأعناق البخت (^٤)، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر (^٥)، ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (^٦)، ثم يقال للأرض:\nأخرجي ثمرك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتى إن اللقحة (^٧) من الإبل لتكفي الفئام (^٨)، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فيقبض الله روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» ورواه الإمام أحمد (^٩) وأهل السنن من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به. وسنذكره أيضا من طريق أحمد عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] الآية.\nحديث آخر: قال مسلم (^١٠) في صحيحه أيضا: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به، تقول إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله، أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما: يحرق\n_________\n(^١) أي ضمهم إلى الطور واجعله لهم حرزا.\n(^٢) النغف: الدود يكون في أنوف الإبل والغنم.\n(^٣) الزهم: الدسم.\n(^٤) البخت: الإبل الخراسانية.\n(^٥) المدر: الطين الصلب.\n(^٦) أي كالمرآة.\n(^٧) اللقحة: القريبة العهد من الولادة.\n(^٨) الفئام: الجماعة من الناس.\n(^٩) مسند أحمد ٤/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(^١٠) صحيح مسلم (فتن وأشراط الساعة حديث ١١٦)","vol":"2","page":411},{"text":"البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير-أو إيمان-إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه» قال:\nسمعتها من رسول الله ﷺ «فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا (^١)، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط (^٢) حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله-أو قال-ينزل الله مطرا كأنه الطل-أو قال الظل -نعمان الشاك-فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال:\nأيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال:\nمن كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق» ثم رواه مسلم والنسائي في تفسيره جميعا عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن نعمان بن سالم به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، عن مجمع بن جارية، قال: سمعت رسول الله ﷺ: يقول «يقتل ابن مريم المسيح الدجال بباب لد-أو إلى جانب لد-» ورواه أحمد أيضا عن سفيان بن عيينة من حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزهري، عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية، عن رسول الله ﷺ قال: «يقتل ابن مريم الدجال باب لد» وكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الليث به، وقال: هذا حديث صحيح، وقال: وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة، وأبي برزة وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة وكيسان وعثمان بن أبي العاص وجابر، وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان ﵃، ومراده برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدجال وقتل عيسى ابن مريم ﵇ له، فأما أحاديث ذكر الدجال فقط فكثيرة جدا، وهي أكثر من أن تحصى لانتشارها وكثرة روايتها في الصحاح والحسان والمسانيد وغير ذلك.\n_________\n(^١) الليث: جانب العنق أو صفحته.\n(^٢) أي يطينه ويصلحه.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٤٢٠.","vol":"2","page":412},{"text":"حديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان عن فرات، عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من عرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق-أو تحشر-الناس تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث فرات القزاز به. ورواه مسلم أيضا من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري موقوفا، والله أعلم، فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وأبي سريحة وحذيفة بن أسيد ﵃، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح، وقد بنيت في هذه الأعصار في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة منارة للجامع الأموي بيضاء من حجارة منحوتة عوضا عن المنارة التي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى-عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-وكان أكثر عمارتها من أموالهم، وقويت الظنون أنها هي التي ينزل عليها المسيح عيسى ابن مريم ﵇، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي ﷺ بذلك وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى ﵇ وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية، وهذه الآية كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] وقرئ (لعلم) بالتحريك أي أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه، كما ثبت في الصحيح أن الله لم يخلق داء إلا أنزل له شفاء، ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله تعالى ببركة دعائه، وقد قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-381>صفة عيسى ﵇</span>\nقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة «فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل»، وفي حديث\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٧.","vol":"2","page":413},{"text":"النواس بن سمعان «فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ، لا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث انتهى طرفه»، وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليلة أسري بي لقيت موسى قال فنعته فإذا رجل أحسبه، قال: «مضطرب رجل (^١) الرأس كأنه من رجال شنوءة» قال «ولقيت عيسى» فنعته النبي ﷺ فقال: «ربعة أحمر كأنه خرج من ديماس» يعني الحمام، «ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به» الحديث، وروى البخاري من حديث مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت موسى وعيسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط»، وله ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر، ذكر النبي ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: «إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية»، ولمسلم عنه مرفوعا «وأراني الله عند الكعبة في المنام، وإذا رجل آدم كأحسن ما ترى من آدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيح ابن مريم، ثم رأيت وراءه رجلا جعدا قططا، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضعا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال» تابعه عبيد الله عن نافع.\nثم رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله ما قال النبي ﷺ لعيسى أحمر، ولكن قال: «بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يتهادى بين رجلين ينطف رأسه ماء-أو يهراق رأسه ماء- فقلت: من هذا؟ فقالوا ابن مريم، فذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم، جعد الراس، أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبها ابن قطن» قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، هذه كلها ألفاظ البخاري (^٢) ﵀، وقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن عيسى ﵇ يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون وفي حديث عبد الله بن عمر عند مسلم أنه يمكث سبع سنين فيحتمل-والله أعلم-أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه، وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة، في الصحيح، وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنة أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهم أنه رفع وله مائة وخمسون سنة فشاذ غريب بعيد.\n_________\n(^١) رجل الرأس: شعره بين الجعودة والسبوطة.\n(^٢) صحيح البخاري (أنبياء باب ٤٨)","vol":"2","page":414},{"text":"وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف أنه يدفن مع النبي ﷺ في حجرته، فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله وأقر بعبودية الله ﷿، وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ -إلى قوله- ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-382>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٢]</span>\n﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦١) لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾\nيخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة، حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، قال: قرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم، وهذا التحريم قد يكون قدريا بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فحرموها على أنفسهم تشديدا منهم على أنفسهم وتضييقا وتنطعا، ويحتمل أن يكون شرعيا بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقد قدمنا الكلام على الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالا لهم من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] أي إنما حرمنا عليهم ذلك، لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ أي صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل وقتلوا خلقا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما.\nوقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال تعالى:\n﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾، ثم قال تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي","vol":"2","page":415},{"text":"الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الراسخين وخبره ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال ابن عباس: أنزلت في عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسد وزيد بن سعية وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمدا ﷺ.\nوقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب، وذكر ابن جرير (^١) أنها في مصحف ابن مسعود والمقيمون الصلاة، قال:\nوالصحيح قراءة الجميع ثم رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب، ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو منصوب على المدح، كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قالوا: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر: [الكامل] لا يبعدن قومي الذين همو … سمّ العداة وآفة الجزر\nالنازلين بكل معترك … والطيبون معاقد الأزر (^٢)\nوقال آخرون: هو مخفوض عطفا على قوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة أي يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة وهذا اختيار ابن جرير، يعني يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة، وفي هذا نظر، والله أعلم. وقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها. وقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ هو الخبر عما تقدم ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-383>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٣ إلى ١٦٥]</span>\n﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٦٤.\n(^٢) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفاف في ديوانها ص ٤٣، وأمالي المرتضى ١/ ٢٥ والإنصاف ٢/ ٤٦٨ وأوضح المسالك ٣/ ٣١٤ وخزانة الأدب ٥/ ٤١ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦ ولسان العرب (نضر) والكتاب ١/ ٢٠٢ وأساس البلاغة (أزر)","vol":"2","page":416},{"text":"قال محمد بن إسحاق (^١)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال سكين وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى آخر الآيات. وقال ابن جرير (^٢): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي، قال: أنزل الله ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النبأ: ١٥٣] إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] قال:\nفلما تلاها عليهم يعني على اليهود، وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة، جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، ولا على موسى ولا على عيسى ولا على نبي من شيء، قال: فحل حبوته، وقال: ولا على أحد، فأنزل الله ﷿ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر، فإن هذه الآية التي في سورة الأنعام مكية، وهذه الآية التي في سورة النساء مدنية، وهي رد عليهم لما سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء، قال الله تعالى:\n﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣] ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء، ثم ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد ﷺ، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين، فقال: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ والزبور اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود ﵇ وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام، عند قصصهم من سورة الأنبياء إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي من قبل هذه الآية، يعني في السور المكية وغيرها وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله على أسمائهم في القرآن وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وهارون ويونس وداود وسليمان وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين وسيدهم محمد ﷺ.\nوقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي خلقا آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه ﵀ في تفسيره حيث قال: حدثنا إبراهيم بن محمد حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن والحسين بن عبد الله بن يزيد، قالا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، قال: يا رسول الله، كم\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٢ وتفسير الطبري ٤/ ٣٦٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٦٧.","vol":"2","page":417},{"text":"الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا». قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال:\n«ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير». قلت يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: «آدم» قلت:\nيا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: «نعم خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلا» ثم قال: «يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم، وآخرهم نبيك» وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه الأنواع والتقاسيم، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث في كتابه الموضوعات واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث والله أعلم.\nوقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا» معان بن رفاعة السلامي ضعيف، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضا. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس» وهذا أيضا إسناد ضعيف، فيه الربذي ضعيف وشيخه الرقاشي أضعف منه والله أعلم.\nقال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، حدثنا محمد بن خالد الأنصاري عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا» وقد رويناه عن أنس من وجه آخر، فأخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي، أخبرنا أبو الفضل بن عساكر، أنبأنا الإمام أبو بكر بن القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرتنا عمة أبي عائشة بنت أحمد بن منصور بن الصفار، أخبرنا الشريف أبو السنابك هبة الله بن أبي الصهباء محمد بن حيدر القرشي، حدثنا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني، قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسلم بن خالد، حدثنا زياد بن سعد عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي، منهم أربعة آلاف نبي من بني إسرائيل» وهذا غريب من هذا الوجه، وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معرفون إلا أحمد بن طارق هذا، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، والله أعلم.","vol":"2","page":418},{"text":"حديث أبي ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء ﵈: قال محمد بن حسين الآجري: حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفريابي إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثنا أبي عن جده، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، قال: دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده، فجلست إليه، فقلت: يا رسول الله، إنك أمرتني بالصلاة. قال: «الصلاة خير موضوع، فاستكثر أو استقل» قال: قلت: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله».\nقلت: يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقا». قلت: يا رسول الله، فأي المسلمين أسلم؟ قال: «من سلم الناس من لسانه ويده». قلت: يا رسول الله، فأي الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر السيئات» قلت: يا رسول الله أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» فقلت: يا رسول الله، فأي الصيام أفضل؟ قال: «فرض مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة» قلت: يا رسول الله فأي الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه». قلت:\nيا رسول الله، فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها». قلت: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد من مقل وسر إلى فقير». قلت: يا رسول الله، فأي آية ما أنزل عليك أعظم؟ قال «آية الكرسي»، ثم قال: يا أبا ذر، وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة» قال: قلت:\nيا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا». قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير كثير طيب». قلت: فمن كان أولهم؟ قال: «آدم» قلت: أنبي مرسل؟ قال: «نعم، خلقه الله» بيده، ونفخ فيه من روحه، سواه قبيلا»، ثم قال: «يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيث وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم، ونوح، وأربعة من العرب: هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول الرسل آدم وآخرهم محمد» قال: قلت: يا رسول الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشرة صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان» قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال «كانت كلها: يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وكان فيها أمثال، وعلى العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ضاغنا (^١) إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو\n_________\n(^١) ضاغنا: مائلا.","vol":"2","page":419},{"text":"مرمة (^١) لمعاش، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه». قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال «كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل». قال: قلت: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى، وما أنزل الله عليك؟ قال «نعم اقرأ يا أبا ذر ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى* إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى* صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾، [الأعلى: ١٤ - ١٩]. قال: قلت: يا رسول الله، أوصني قال: أوصيك بتقوى الله فإنه رأس أمرك قال: قلت يا رسول الله زدني قال «عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض» قال: قلت: يا رسول الله زدني.\nقال «إياك وكثرة الضحاك، فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه»، قال: قلت: يا رسول الله زدني، قال: «عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي». قلت: زدني. قال «عليك بالصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دينك». قلت: زدني قال: «انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر لك أن لا تزدري نعمة الله عليك». قلت:\nزدني. قال: «أحبب المساكين وجالسهم، فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك». قلت:\nزدني قال: «صل قرابتك وإن قطعوك». قلت: زدني. قال: «قل الحق وإن كان مرا» قلت:\nزدني. قال «لا تخف في الله لومة لائم». قلت: زدني. قال «يردك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تحب، وكفى بك عيبا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك، أو تجد عليهم فيما تحب»، ثم ضرب بيده صدري فقال: «يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق».\nوروى الإمام أحمد (^٢) عن أبي المغيرة، عن معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل النبي ﷺ، فذكر أمر الصلاة والصيام والصدقة، وفضل آية الكرسي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الشهداء، وأفضل الرقاب، ونبوة آدم وأنه مكلم، وعدد الأنبياء، والمرسلين كنحو ما تقدم.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^٣): وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مجالد عن أبي الوداك، قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا، فقال: قال رسول الله ﷺ: «إني خاتم\n_________\n(^١) أي إصلاح لمعاش.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٢٦٥.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٧٩.","vol":"2","page":420},{"text":"ألف نبي أو أكثر، وما بعث نبي يتبع إلا وقد حذر أمته منه، وإني قد بين لي فيه ما لم يبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن»، وقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي عن يحيى بن معين: حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أختم ألف ألف نبي أو أكثر، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذرهم الدجال»، وذكر تمام الحديث، هذا لفظه بزيادة ألف وقد تكون مقحمة، والله أعلم.\nوسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم، وقد روي هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله ﵁، قال الحافظ أبو بكر البزار:\nحدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد عن الشعبي، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإني قد بين لي ما لم يبين لأحد منهم، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريف لموسى ﵇ بهذه الصفة، ولهذا يقال له: الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حدثنا مسيح بن حاتم، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلا يقرأ «وكلم الله موسى تكليما» (^١)، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش ﵀ على من قرأ كذلك، لأنه حرف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى ﵇ أو يكلم أحدا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ «وكلم الله موسى تكليما» فقال له: يا ابن اللخناء، كيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟ يعني أن هذا لا يحتمل التحريف، ولا التأويل، وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا أحمد بن الحسين بن بهرام، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا هانئ بن يحيى عن الحسن بن أبي جعفر، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لما كلم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء» وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفا كان جيدا، وقد روى الحاكم في مستدركه\n_________\n(^١) أي على نصب كلمة «الله» والفاعل هو موسى.","vol":"2","page":421},{"text":"وابن مردويه من حديث حميد بن قيس الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي» (^١).\nوقال ابن مردويه بإسناده، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن الله ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب ﷿، وهذا أيضا إسناد ضعيف، فإن جويبر أضعف، والضحاك لم يدرك ابن عباس ﵄. فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهما من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما كلم الله موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به، قال: لا يا موسى، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسنة كلها، وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن. قال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه لنا. قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق فإنه قريب منه وليس به. وهذا إسناد ضعيف، فإن الفضل الرقاشي هذا ضعيف بمرة.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن جزء بن جابر الخيثمي، عن كعب، قال: إن الله لما كلم موسى بالألسنة كلها، سوى كلامه فقال له موسى: يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال:\nيا رب، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأشد خلقي شبها بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق، فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين.\nوقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب، وقوله: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه، لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى:\n﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ [طه: ١٣٤]، وكذا قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص: ٤٧]. وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح\n_________\n(^١) أي غير مذبوح ذبحا.","vol":"2","page":422},{"text":"من الله ﷿، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين» (^١)، وفي لفظ آخر «من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه».\n\n<span data-type='title' id=toc-384>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٦ إلى ١٧٠]</span>\n﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٦٩) يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾\nلما تضمن قوله تعالى: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى آخر السياق، إثبات نبوته ﷺ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ أي وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسول الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ولهذا قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي في علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن بن سهيل الجعفري عبد الله بن المبارك، قالا: حدثنا عمران بن عيينة، حدثنا عطاء بن السائب، قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾، قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أي بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنزل عليك مع شهادة الله تعالى بذلك ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، فقال لهم: «إني لأعلم والله إنكم لتعلمون أني رسول الله» فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله ﷿ ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآية (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ أي كفروا في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة الأنعام باب ٧) وصحيح مسلم (توبة حديث ٣٢ - ٣٦)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٧٠.","vol":"2","page":423},{"text":"أنفسهم، فلم يتبعوا الحق، وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبعدوا منه بعدا عظيما شاسعا، ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه بأنه لا يغفر لهم ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أي سبيلا إلى الخير ﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهذا استثناء منقطع ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ الآية، ثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله ﷿، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه، يكن خيرا لكم. ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] وقال هاهنا: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ أي بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه، ﴿حَكِيمًا﴾ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>[سورة النساء (٤): آية ١٧١]</span>\n﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾\nينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صحيحا أو كذبا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هشيم قال: زعم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله». ثم رواه هو وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة، عن الزهري كذلك، ولفظه «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري (^٢) عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه «فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله».\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٣.\n(^٢) صحيح البخاري (أنبياء باب ٤٨)","vol":"2","page":424},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رجلا قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا؛ فقال رسول الله ﷺ: «أيها الناس عليكم بقولكم (^٢) ولا يستهويكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» تفرد به من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ أي لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوا كبيرا، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ﷿، فكان عيسى بإذنه ﷿، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ﷿، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التحريم: ١٢] إلى آخر السورة، وقال تعالى إخبارا عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩].\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ هو قوله: كن فيكون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت شاذان بن يحيى يقول في قول الله ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى، وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير (^٣) في قوله: ﴿أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ أي أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٣ - ٤٥] أي يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ١٥٣.\n(^٢) في المسند: «بتقواكم».\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٣٧٤.","vol":"2","page":425},{"text":"إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى ﵇. وقال البخاري (^١): حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثنا جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». وقال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير بن هانئ، عن جنادة زاد «من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء».\nوكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن ابن جابر به، ومن وجه آخر عن الأوزاعي به، فقوله في الآية والحديث «وروح منه» كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي من خلقه ومن عنده وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة-بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي ورسوله منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] وفي قوله: ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وكما روي في الحديث الصحيح: «فأدخل على ربي في داره» أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد.\nوقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] أي فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذه الآية كالتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال في أولها ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، -فالنصارى عليهم لعائن الله-من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلها، ومنهم من يعتقده شريكا، ومنهم من يعتقده ولدا، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة. ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أنبياء باب ١)","vol":"2","page":426},{"text":"ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو سعيد بن بطريق بترك (^١) الإسكندرية في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمامة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفا، فكانوا أحزابا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص. فلما رأى منهم عصابة قد زادوا على الثلثمائة بثمانية عشر نفر، وقد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها، وكان فيلسوفا داهية، ومحق ما عداها من الأقوال، وانتظم دست أولئك الثلثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبا وقوانين، وأحدثوا فهيا الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار ليعتقدوها ويعمدونهم عليها وأتباع هؤلاء هم الملكانية. ثم إنهم اجتمعوا مجمعا ثانيا، فحدث فيهم اليعقوبية، ثم مجمعا ثالثا فحدث فيهم النسطورية، وكل هذه الفرق تثبت الأقاليم الثلاثة في المسيح ويختلفون في كيفية ذلك، وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا، أو ما اتحدا، أو امتزجا، أو حل فيه على ثلاث مقالات وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة، ولهذا قال تعالى: ﴿اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي يكن خيرا لكم ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد، كما قال في الآية الأخرى:\n﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ -إلى قوله- ﴿فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٩ - ٩٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-386>[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٣]</span>\n﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧٣)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ لن يستكبر. وقال قتادة: لن يحتشم ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وليس له في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح،\n_________\n(^١) البطرك والبطريرك والبترك بمعنى.","vol":"2","page":427},{"text":"فلهذا قال: ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل: إنما ذكروا لأنهم اتخذوا آلهة مع الله كما اتخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده وخلق من خلقه، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أي فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجوز فيه، ولا يحيف، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن سفيان، عن عبد الله مرفوعا، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: أجورهم: «أدخلهم الجنة» ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال «الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم وهذا إسناد لا يثبت (^١).\nوإذا روي عن ابن مسعود موقوفا، فهو جيد ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي صاغرين حقيرين ذليلين كما كانوا ممتنعين مستكبرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-387>[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٥]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾\nيقول تعالى مخاطبا جميع الناس ومخبرا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة، ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أي ضياء واضحا على الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو القرآن ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أي جمعوا بين مقامي العبادة، والتوكل على الله في جميع أمورهم، وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير (^٢) ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ أي يرحمهم فيدخلهم الجنة، ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنان. وفي حديث\n_________\n(^١) قال في الدر المنثور (٢/ ٤٤٠): وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والإسماعيلي بسند ضعيف عن ابن مسعود مرفوعا.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٧٨.","vol":"2","page":428},{"text":"الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين» (^١) وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-388>[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]</span>\n﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾\nقال البخاري (^٢): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آي نزلت يستفتونك.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر، قال:\nسمعت جابر بن عبد الله قال: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب علي، أو قال: صبوا عليه، فعقلت فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض.\nأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وفي بعض الألفاظ فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان وقال أبو الزبير قال: يعني جابرا نزلت في ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وكأن معنى الكلام-والله أعلم-يستفتونك عن الكلالة ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ﴾ فيها، فدل المذكور على المتروك. وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه ولهذا فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا والد ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وقد أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ، كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد والكلالة وباب من أبواب الربا (^٤). وقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إسماعيل عن سعيد بن أبي\n_________\n(^١) سنن الترمذي (ثواب القرآن باب ١٤)\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة النساء باب ٢٢)\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٢٩٨.\n(^٤) صحيح البخاري (أشربة باب ٥) وصحيح مسلم (تفسير حديث ٣٢ و٣٣) وسنن أبي داود (أشربة باب ١)\n(^٥) مسند أحمد ١/ ٢٦.","vol":"2","page":429},{"text":"عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، قال: قال عمر بن الخطاب: ما سألت رسول الله ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: «يكفيك آية الصيف (^١) التي في آخر سورة النساء» هكذا رواه مختصرا، وأخرجه مسلم مطولا أكثر من هذا.\nطريق أخرى: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك يعني ابن مغول يقول سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر قال: سألت رسول الله ﷺ عن الكلالة، فقال: «يكفيك آية الصيف»، فقال: لأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم، وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعا بين إبراهيم وبين عمر، فإنه لم يدركه. وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الكلالة، فقال: «يكفيك آية الصيف».\nوهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش به، وكأن المراد بآية الصيف أنها نزلت في فصل الصيف، والله أعلم، ولما أرشده النبي ﷺ إلى تفهمها، فإنّ فيها كفاية نسي أن يسأل النبي ﷺ عن معناها، ولهذا قال: فلأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم. وقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير [عن] (^٥) الشيباني عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، قال: سأل عمر بن الخطاب النبي ﷺ عن الكلالة، فقال: «أليس قد بين الله ذلك» فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ قال قتادة: وذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة، رواه ابن جرير.\n\n<span data-type='title' id=toc-389>ذكر الكلام على معناها</span>\nوبالله المستعان وعليه التكلان.\n_________\n(^١) قيل: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٣٨.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٢٩٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٣٧٩.\n(^٥) زيادة من الطبري.","vol":"2","page":430},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي مات، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله ﷿، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].\nقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه، ولكن الذي يرجع إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق أنه الذي لا ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئا لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن ولا والد بالنص عند التأمل أيضا، لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله عن مكحول وعطية وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم، فأعطى الزوج النصف والأخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت رسول الله ﷺ قضى بذلك، تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقد نقل ابن جرير (^٢) وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت: ترك بنتا وأختا إنه لا شيء للأخت لقوله ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ قال:\nفإذا ترك بنتا فقد ترك ولدا فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور فقالوا في هذه المسألة للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب بدليل غير هذه الآية، وهذه الآية نصت أن يفرض لها في هذه الصورة وأما وراثتها بالتعصيب فلما رواه البخاري من طريق سليمان عن إبراهيم عن الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ، النصف للبنت والنصف للأخت، ثم قال سليمان: قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول الله ﷺ، وفي صحيح البخاري أيضا عن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ النصف للبنت، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (^٣).\nوقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ﴾ أي والأخ يرث جميع مالها إذا ماتت كلالة، وليس\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ١٨٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٨٢.\n(^٣) انظر صحيح البخاري (فرائض باب ٨) وموطأ مالك (رضاع حديث ١٥)","vol":"2","page":431},{"text":"لها ولد أي ولا والد، لأنها لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئا، فإن فرض أن معه من له فرض صرف إليه فرضه كزوج أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر» (^١). وقوله: ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ أي فإن كان لمن يموت كلالة أختان، فرض لهما الثلثان وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما، ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد حكم الأخوات من البنات في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١١].\nوقوله: ﴿وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين والإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وقوله ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ﴾ أي يفرض لكم فرائضه، ويحد لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه. وقوله:\n﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى.\nوقد قال أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنبأنا ابن عون عن محمد بن سيرين قال: كانوا في مسير، ورأس راحلة حذيفة عند ردف راحلة رسول الله ﷺ، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة، قال ونزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ فلقاها رسول الله ﷺ حذيفة فلقاها حذيفة عمر، فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقانيها رسول الله ﷺ، فلقيتكها كما لقانيها رسول الله ﷺ، والله لا أزيدك عليها شيئا أبدا، قال: فكان عمر يقول: اللهم إن كنت بينتها له، فإنها لم تبين لي، كذا رواه ابن جرير، ورواه أيضا عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه، وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة.\nوقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده: حدثنا يوسف بن حماد المعني ومحمد بن مرزوق قالا: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة عن أبيه قال: نزلت آية الكلالة على النبي ﷺ وهو في مسير له فوقف النبي ﷺ، وإذا هو بحذيفة وإذا رأس ناقة حذيفة عند ردف راحلة النبي ﷺ فلقاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر ﵁ فلقاها إياه فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة، فدعا حذيفة فسأله عنها فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله ﷺ، فلقيتكها كما لقاني\n_________\n(^١) صحيح البخاري (فرائض باب ٥ و٧ و٩ و١٥) وصحيح مسلم (فرائض حديث ٢ و٣) وسنن الترمذي (فرائض باب ٨)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٨٠.","vol":"2","page":432},{"text":"رسول الله ﷺ، والله إني لصادق والله لا أزيدك شيئا أبدا. ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقا عن حذيفة إلا هذا الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى، وكذا رواه ابن مردويه من حديث عبد الأعلى. وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير عن الشيباني عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب أن عمر سأل رسول الله ﷺ كيف تورث الكلالة؟ قال فأنزل الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية، قال: فكأن عمر لم يفهم، فقال لحفصة:\nإذا رأيت من رسول الله ﷺ طيب نفس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال:\n«أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها»، قال: فكان عمر يقول ما أراني أعلمها. وقد قال رسول الله ما قال، رواه ابن مردويه، ثم رواه من طريق ابن عيينة، وعن عمرو عن طاوس أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي ﷺ عن الكلالة فأملاها عليها في كتف، فقال: «من أمرك بهذا أعمر؟ ما أراه يقيمها أوما تكفيه آية الصيف» وآية الصيف التي في النساء ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ فلما سألوا رسول الله ﷺ نزلت الآية التي هي خاتمة النساء، فألقى عمر الكتف، كذا قال في هذا الحديث وهو مرسل.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا عثام عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: أخذ عمر كتفا وجمع أصحاب رسول الله ﷺ ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن، فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا، فقال: لو أراد الله ﷿ أن يتم هذا الأمر لأتمه، وهذا إسناد صحيح. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: حدثنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، حدثنا الهيثم بن خالد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، سمعت محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب، قال: لأن أكون سألت رسول الله ﷺ عن ثلاث أحب إلي من حمر النعم: من الخليفة بعده؟ وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك، أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة. ثم قال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ثم روى بهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مرة عن مرة، عن عمر، قال: ثلاث لأن يكون النبي ﷺ بينهن لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها: الخلافة، والكلالة، والربا، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وبهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة قال: سمعت سليمان الأحول يحدث عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت، قلت: وما قلت؟ قال: قلت: الكلالة من لا ولد له، ثم قال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه وهكذا رواه ابن مردويه من طريق زمعة بن صالح عن عمرو بن دينار، وسليمان الأحوال عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، قال: اختلفت أنا وأبو بكر في الكلالة والقول ما قلت، قال: وذكر أن عمر شرك بين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٨١.","vol":"2","page":433},{"text":"الإخوة للأم والأب وبين الإخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا، وخالفه أبو بكر ﵄.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع حدثنا محمد بن حميد العمري، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر كتب في الجد والكلالة كتابا، فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت فيه خيرا فأمضه، حتى إذا طعن، دعا بكتاب فمحي، ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت كتابا في الجد والكلالة، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه. قال ابن جرير: وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر، وكان أبو بكر ﵁ يقول: هو ما عدا الولد والوالد. وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بين ذلك ووضحه في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، والله أعلم.\n\nتم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث: وأوله سورة المائدة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٨١.","vol":"2","page":434},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-390>سورة المائدة</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية شيبان عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ، إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة.\nوروى ابن مردويه من حديث صباح بن سهل، عن عاصم الأحول، قال: حدثتني أم عمرو عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله ﷺ، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها.\nوقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها، تفرد به أحمد.\nوقد روى الترمذي عن قتيبة، عن عبد الله بن وهب، عن حيي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾.\nوقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الحاكم أيضا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من جلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ورواه الإمام أحمد (^٣) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، وزاد: وسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: القرآن. ورواه النسائي من حديث ابن مهدي.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٤٥٥.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ١٧٦.\n(^٣) مسند أحمد ٦/ ١٨٨.","vol":"3","page":3},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-391>[سورة المائدة (٥): الآيات ١ إلى ٢]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، حدثني معن وعوف، أو أحدهما، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي عن الزهري، قال: إذا قال الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افعلوا، فالنبي ﷺ منهم، وحدثنا أحمد بن سنان، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو في التوراة يا أيها المساكين. فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية يعني ابن هشام، عن عيسى بن راشد، عن علي بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا أن عليا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتب في شيء منه، فهو أثر غريب، ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر.\nوقال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر، قلت: وعلي بن بذيمة وإن كان ثقة إلا أنه شيعي غال، وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل، وقوله: فلم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليا، إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي، ونزل قوله ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية، وفي كون هذا عتابا نظر، فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم يصدر من أحد منهم خلافه، وقوله عن علي أنه لم يعاتب في شيء من القرآن فيه نظر أيضا، فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء، عمت جميع من أشار بأخذه ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب ﵁، فعلم بهذا وبما تقدم ضعف هذا الأثر، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٧٨.","vol":"3","page":4},{"text":"قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه «هذا بيان من الله ورسوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فكتب الآيات منها حتى بلغ ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [المائدة: ٤]».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ عهد من محمد رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» (^١).\nقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك، قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يعني العهود، يعني ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله ﴿سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] وقال الضحاك: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: ما أحل الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. وقال زيد بن أسلم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: هي ستة (^٢): عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح وعقد اليمين.\nوقال محمد بن كعب (^٣): هي خمسة منها حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة (^٤).\nوقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: فهذه تدل على لزوم العقد وثبوته فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين (^٥) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» وفي لفظ آخر للبخاري «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» وهذا صريح في إثبات خيار\n_________\n(^١) ينظر النص كاملا في «الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدي» لمحمد حميد الله، ص ٢٠٧ - ٢٠٩.\n(^٢) هي خمسة في تفسير الطبري ٤/ ٣٨٧ من حديث زيد بن أسلم.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٣٨٧.\n(^٤) شركة المفاوضة: أن يجعل الشريكان جميع ما يملكانه بينهما.\n(^٥) صحيح البخاري (بيوع باب ١٩) وصحيح مسلم (بيوع حديث ٤٣)","vol":"3","page":5},{"text":"المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود.\nوقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، قاله أبو الحسن وقتادة وغير واحد، قال ابن جرير (^١): وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طريق مجالد عن أبي الوداك جبير بن نوفل، عن أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال «كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه» (^٢) وقال الترمذي: حديث حسن، قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عتاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ، قال «ذكاة الجنين ذكاة أمه» تفرد به أبو داود.\nوقوله ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير، وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه والظاهر-والله أعلم- أن المراد بذلك قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ (^٣) فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني منها فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قال بعضهم: هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام، وقيل:\nالمراد أحللنا لكم الأنعام، إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد، وهو حرام لقوله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد، وهكذا هنا أي كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٣٨٩.\n(^٢) هذا الحديث والذي بعده أخرجهما أبو داود في سننه (أضاحي باب ١٧)\n(^٣) أي ما يأتي بيانه في الآية الثالثة من هذه السورة.","vol":"3","page":6},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج. وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر الله، وقيل: شعائر الله محارمه، أي لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]، وفي صحيح البخاري (^١) عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو العقدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر (^٢) الذي بين جمادى وشعبان» وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ يعني لا تستحلوا القتال فيه، وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن جرير (^٣) أيضا، وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] والمراد أشهر التسيير الأربعة، قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان، ولهذه المسألة بحث آخر له موضع أبسط من هذا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول الله ﷺ، بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعا، ثم اغتسل وتطيب وصلّى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل للحج والعمرة، وكان هديه إبلا كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وقال بعض السلف إعظامها استحسانها واستسمانها، قال علي بن أبي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة براءة باب ٩)\n(^٢) رجب مضر: شهر كانت مضر تحرم القتال فيه.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٣٩٤.","vol":"3","page":7},{"text":"طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، رواه أهل السنن (^١).\nوقال مقاتل بن حيان: وقوله ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ فلا تستحلّوا وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم، قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر وتقلد مشركوا الحرم من لحاء شجره فيأمنون به، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وحدثنا المنذر بن شاذان حدثنا زكريا بن عدي حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا، وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون فنهى الله عن قطع شجره وكذا قال مطرف بن عبد الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا﴾ أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنا وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه. قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغير واحد في قوله ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني بذلك التجارة، وهذا كما تقدم في قوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقوله ﴿وَرِضْوانًا﴾ قال ابن عباس:\nيترضون الله بحبهم وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جرير (^٢) أن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري كان قد أغار على سرح المدينة فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله ﷿ ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا﴾.\nوقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم-فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨] ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع لما أمّر الصديق على الحجيج عليا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.\nوقال ابن أبي طلحة (^٣): عن ابن عباس قوله ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ يعني من توجه قبل البيت\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أضاحي باب ٥) ومسند أحمد ١/ ٩٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٩٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٠٠.","vol":"3","page":8},{"text":"الحرام فكان المؤمنون والمشركون يحجون فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا من مؤمن أو كافر (^١) ثم أنزل الله بعدها ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقال ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام.\nوقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة في قوله ﴿وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ قال:\nمنسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر (^٢) فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر (^٣) الحرام ولا عند البيت فنسخها قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ يعني إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمّنوهم، قال ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر: [الطويل] ألم تقتلا الحرجين إذ أعورا لكم … يمران بالأيدي اللحاء المضفّرا (^٤)\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد وهذا أمر بعد الحظر والصحيح الذي يثبت على السير، أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبا رده واجبا وإن كان مستحبا فمستحب أو مباحا فمباح، ومن قال إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ من القراء من قرأ أن صدوكم بفتح الألف من أن، ومعناها ظاهر أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة:\n_________\n(^١) عبارة الطبري: «فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا أن يحج البيت أو يعرضوا له، من مؤمن أو كافر» إلخ.\n(^٢) في الطبري: «تقلد من السمر» وهو نوع من الشجر، واحدته سمرة.\n(^٣) في الطبري: «في الأشهر الحرم». وحديث عبد الرزاق رواه الطبري في تفسيره ٤/ ٤٠.\n(^٤) البيت لحذيفة بن أنس في شرح أشعار الهذليين ص ٥٥٥، وللهذلي في لسان العرب (حرج) وتاج العروس (حرج) وديوان الهذليين ٣/ ١٩. والرواية المشهورة: «ألم تقتلوا». والحرجان: مثنى حرج (بكسر الحاء وسكون الراء) وهي الودعة البيضاء. سمى الرجلين بالحرجين لبياضهما. وأعورا لكم: أظهرها لكم عورتيهما.","vol":"3","page":9},{"text":"٨] أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال، وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. والعدل به قامت السموات والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عفان، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب النبي ﷺ: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم فأنزل الله هذه الآية، والشنآن هو البغض قاله ابن عباس وغيره وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآنا بالتحريك، مثل قولهم جمزان ودرجان ورقلان من جمز ودرج ورقل، وقال ابن جرير (^١): من العرب من يسقط التحريك في شنآن فيقول شنان ولم أعلم أحدا قرأ بها. ومنه قول الشاعر: [الطويل] وما العيش إلا ما تحب وتشتهي … وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا (^٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير (^٣): الإثم ترك ما أمر الله بفعله والعدوان مجاوزة ما حد الله لكم في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم، وقد قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قيل:\nيا رسول الله هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال «تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره» انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه، وأخرجاه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال «تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه».\nوقال أحمد (^٥): حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٠٤.\n(^٢) البيت للأحوص في ديوانه ص ٩٩، ولسان العرب (شنأ وشنن) ومجمل اللغة ٣/ ١٥٠ وطبقات فحول الشعراء ص ٦٦٤ والشعر والشعراء ص ٥٢٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٠٥.\n(^٤) مسند أحمد ٣/ ٩٩.\n(^٥) مسند أحمد ٣/ ٣٦٥.","vol":"3","page":10},{"text":"من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» وقد رواه أحمد (^١) أيضا في مسند عبد الله بن عمر، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة وابن ماجة من طريق إسحاق بن يوسف كلاهما عن الأعمش به.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى، عن فضيل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «الدال على الخير كفاعله» ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد.\nقلت: وله شاهد في الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن زريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال عباس بن يونس: إن أبا الحسن نمران بن صخر، حدثه أن رسول الله ﷺ قال «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام».\n\n<span data-type='title' id=toc-392>[سورة المائدة (٥): آية ٣]</span>\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾\nيخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة لما فيها من الدم المحتقن فهي ضارة للدين وللبدن، فلهذا حرمها الله ﷿، ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (^٢)، وهكذا الجراد، لما سيأتي من الحديث وقوله: ﴿وَالدَّمُ﴾ يعني به المسفوح، كقوله\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٣٢.\n(^٢) موطأ مالك (طهارة حديث ١٢) وسنن أبي داود (طهارة باب ٤١) ومسند أحمد ٢/ ٢٣٧. وذلك أن رجلا جاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ به؟ فقال رسول الله … الحديث.","vol":"3","page":11},{"text":"﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب المذحجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو يعني ابن قيس عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم، فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح، وكذا رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: إنما نهى عن الدم السافح، وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعا، قال قال رسول الله ﷺ «أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان. فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال»، وكذا رواه أحمد بن حنبل (^١) وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة، وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا، قلت: وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه، قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بشير بن شريح عن أبي غالب، عن أبي أمامة وهو صدي بن عجلان، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم فبينما نحن كذلك، إذ جاءوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها فقالوا: هلم يا صدي فكل، قال: قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية، ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناده مثله، وزاد بعد هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون عليّ، فقلت: ويحكم اسقوني شربة من ماء، فإني شديد العطش، قال: وعليّ عباءتي، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشا، قال: فاغتممت وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال:\nفأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه، فأمكنني منه فشربته، فلما فرغت من شرابي استيقظت فلا والله ما عطشت، ولا عريت بعد تيك الشربة. ورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حماد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرم عن أبي غالب، عن أبي أمامة وذكر نحوه، وزاد بعد قوله: بعد تيك الشربة، فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة (^٢)، فأتوني بمذقة فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم، وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٩٧.\n(^٢) مجع مجعا: أكل التمر باللبن معا، أو أن يأكل التمر ويشرب عليه اللبن. والمذقة: الشربة من اللبن.","vol":"3","page":12},{"text":"ذكرها ابن إسحاق: [الطويل] وإياك والميتات لا تقربنها … ولا تأخذن عظما حديدا فتفصدا (^١)\nأي لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئا محددا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى:\nوذا النصب المنصوب لا تأتينه (^٢) … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا (^٣)\nوقوله: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد، وفي صحيح مسلم (^٤) عن بريدة بن الخصيب الأسلمي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه» فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به، وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره؟ وفي الصحيحين (^٥) أن رسول الله ﷺ قال «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال «لا، هو حرام». وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن الميتة والدم.\nوقوله ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية إما عمدا أو نسيانا كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام.\n_________\n(^١) رواها ابن هشام في السيرة ١/ ٣٨٦ - ٣٨٨ في ثلاثة وعشرين بيتا. وفيها: «فإياك … لتفصدا».\n(^٢) في السيرة: «لا تنسكنّه».\n(^٣) الأصل: فاعبدن، بنون خفيفة. وقد استعاض عنها بألف. وقيل إنه لم يرد النون الخفيفة وإنما خاطب الواحد بخطاب الاثنين.\n(^٤) صحيح مسلم (شعر حديث ١٠)\n(^٥) صحيح البخاري (بيوع باب ١٠٥) وصحيح مسلم (بيوع حديث ٩٣)","vol":"3","page":13},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن السنجاني حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال: نزل آدم بتحريم أربع ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم ﵇ نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه وعصوه، وهذا أثر غريب، وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي عن عبد الله، قال: سمعت الجارود بن أبي سبرة، قال:\nهو جدي، قال: كان رجل من بني رباح يقال له ابن وثيل، وكان شاعرا، نافر غالبا أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من إبله وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بسيفيهما فجعلا يكسفان (^١) عراقيبها، قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم، قال: وعلي بالكوفة، قال: فخرج علي على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء وهو ينادي: يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله، هذا أثر غريب، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود (^٢): حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا ابن حماد بن مسعدة عن عوف، عن أبي ريحانة، عن ابن عباس، قال:\nنهى رسول الله ﷺ عن معاقرة (^٣) الأعراب، ثم قال أبو داود محمد بن جعفر هو غندر:\nأوقفه على ابن عباس، تفرد به أبو داود، وقال أبو داود (^٤) أيضا: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، حدثنا أبي، حدثنا جرير بن حازم عن الزبير بن حريث، قال: سمعت عكرمة يقول: إن رسول الله ﷺ نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل، ثم قال أبو داود: أكثر من رواه غير ابن جرير لا يذكر فيه ابن عباس، تفرد به أيضا.\nقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي تموت بالخنق، إما قصدا وإما اتفاقا بأن تتخبل في وثاقتها، فتموت به فهي حرام، وأما ﴿الْمَوْقُوذَةُ﴾ فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت، قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها. وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال:\nقلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال «إذا رميت بالمعراض فخزق\n_________\n(^١) يكسفان عراقيبها (بالسين المهملة): يقطعانها بالسيف.\n(^٢) سنن أبي داود (أضاحي باب ١٣)\n(^٣) معاقرة الأعراب: هو عقرهم الإبل. كان يتبارى الرجلان في الجود والسخاء فيعقر هذا إبلا ويعقر هذا إبلا حتى يعجز أحدهما الآخر. وكانوا يفعلونه رياء وتفاخرا وسمعة ولا يقصدون به وجه الله، فشبه به ما ذبح لغير الله.\n(^٤) سنن أبي داود (أطعمة باب ٧)","vol":"3","page":14},{"text":"فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله» (^١) ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق (^٢) ونحوه بحده، فأحله، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذا لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء، واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله، ولم يجرحه على قولين، هما قولان للشافعي ﵀ [أحدهما] لا يحل كما في السهم والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ. [والثاني] إنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه، لأنه قد دخل في العموم، وقد قررت لهذه المسألة فصلا فليكتب هاهنا.\n[فصل]-اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا أرسل كلبا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه: هل يحل أم لا؟ على قولين [أحدهما] أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى:\n﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي ﵀، وصححه بعض المتأخرين منهم كالنووي والرافعي. قلت:\nوليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كلا منهما فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إلا أنه في بحثه للقول بالحل رشحه قليلا، ولم يصرح بواحد منهما، ولا جزم به، والقول بذلك-أعني الحل-نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك. وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جدا، وليس يوجد ذلك مصرحا به عنهم، إلا أنه من تصرفه ﵀ ورضي عنه.\nوالقول الثاني-أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي ﵀ واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم، لأنه أجرى على القواعد الأصولية، وأمس بالأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إنا ملاقو العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه» الحديث بتمامه، وهو في الصحيحين (^٣). وهذا وإن كان واردا على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل ﵇ عن البتع، وهو نبيذ العسل فقال «كل شراب أسكر فهو حرام»، أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل؟ وهكذا هذا، كما سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلاما عاما يشمل ذاك المسؤول عنه وغيره لأنه عليه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (توحيد باب ١٣) وصحيح مسلم (صيد حديث ١)\n(^٢) المزراق: رمح قصير.\n(^٣) صحيح البخاري (شركة باب ٣ و١٦ ذبائح باب ١٥ و١٨) وصحيح مسلم (أضاحي حديث ٢٠)","vol":"3","page":15},{"text":"السلام كان قد أوتي جوامع الكلم، إذا تقرر هذا، فما صدمه الكلب أو غمه بثقله ليس مما أنهر دمه، فلا يحل لمفهوم هذا الحديث، فإن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء، لأنهم إنما سألوه عن الآلة التي يذكى بها، ولم يسألوه عن الشيء الذي يذكى، ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر حيث قال: «ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدي (^١) الحبشة» والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه، وإلا لم يكن متصلا، فدل على أن المسؤول عنه هو الآلة، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم، فالجواب عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضا، حيث يقول «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه»، ولم يقل:\nفاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها، وحكم المذكى وأنه لا بد من انهار دمه بآلة ليست سنا ولا ظفرا، هذا مسلك.\nوالمسلك الثاني: طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل، وإن خزق فكل، والكلب جاء مطلقا، فيحمل على ما قيد هناك من الخزق لأنهما اشتركا في الموجب وهو الصيد فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له على من يسلم له أصل هذه القاعدة من حيث هي، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة، فلا بد لهم من جواب عن هذا، وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل قياسا على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية، لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضا.\nمسلك آخر-وهو أن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إما أن يكون نطيحا أو في حكمه، أو منخنقا أو في حكمه، وأيا ما كان، فيجب تقديم هذه الآية على تلك لوجوه: أحدها أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد حيث يقول لعدي بن حاتم: وإن أصابه بعرضه، فإنما هو وقيذ فلا تأكله، ولم نعلم أحدا من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال: إن الوقيذ معتبر حالة الصيد، والنطيح ليس معتبرا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقا للإجماع لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء. الثاني أن تلك الآية ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ليست على عمومها بالإجماع بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ.\nالمسلك الآخر-أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء، لأنه قد احتقن فيه الدماء\n_________\n(^١) جمع مدية، وهي الشفرة الكبيرة.","vol":"3","page":16},{"text":"وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسا على الميتة.\nالمسلك الآخر-أن آية التحريم، أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى آخرها، محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى:\n﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤]، فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلا، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خزقه (^١) المزراق فيكون حلالا، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل، لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء إن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله، فهو نطيح أو في حكمه، فلا يكون حلالا.\nفإن قيل: فلم لا فصل في حكم الكلب، فقال: ما ذكرتم إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه فهو حرام. فالجواب أن ذلك نادر، لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة.\nوأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه، أو للهو أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته، فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلا، والله أعلم، ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال «إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» وهذا صحيح ثابت في الصحيحين (^٢)، وهو أيضا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي، وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه، وروى ابن جرير في تفسيره عن علي وسعيد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس: إن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعيد وسلمان وأبو هريرة وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، قال ذلك الإمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه.\nوقد روى أبو داود (^٣) بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله ﷺ أنه قال في\n_________\n(^١) في بعض النسخ: «إذا خزقه المعراض». وقد تقدم أن المزراق هو الرمح القصير. والمعراض خشبة ثقيلة أو عصا في طرفيها حديدة. وقد تكون بغير حديدة. والمراد بقوله: «خزقه»: إذا نفذ فيه.\n(^٢) صحيح البخاري (ذبائح باب ٨) وصحيح مسلم (صيد حديث ٣)\n(^٣) سنن أبي داود (صيد باب ٢٢)","vol":"3","page":17},{"text":"صيد الكلب «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك» ورواه أيضا النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، فذكر نحوه، وقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى هو اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار هو الطاحي عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال «إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فيأكل ما بقي» ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب، عن سلمان موقوفا.\nوأما الجمهور فقدّموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه فطال عليه الفصل ولم يجيء، فأكل منه لجوعه ونحوه فإنه لا بأس بذلك، لأنه والحالة هذه لا يخشى أنه أمسك على نفسه بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم.\nفأما الجوارح من الطيور فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد فيعفى عن ذلك، وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير. وقال الشيخ أبو علي في «الإفصاح»: إذا قلنا: يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب لنص الشافعي ﵀، على التسوية بينهما، والله ﷾ أعلم.\nوأما المتردّية: فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المتردّية التي تسقط من جبل. وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر. وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر (^١).\nوأما النطيحة: فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، أي منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث، لأنها أجريت مجرى الأسماء كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إنما أتي بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة بخلاف عين «كحيل وكف خضيب لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام (^٢).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٤/ ٤٠٩.\n(^٢) قال بعض نحويي الكوفة: أدخلت الهاء في «النطيحة» لأنها صفة المؤنث لموصوف محذوف. فلو أسقطت منها لم يعرف أهي صفة مؤنث أو مذكر. قال أبو جعفر الطبري: وهذا القول هو أولى بالصواب. (تفسير الطبري ٤/ ٤١٠)","vol":"3","page":18},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين.\nوقوله ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه، فهو ذكي، وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي في الآية قال: إن مصعت (^١) بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها، فكل. وقال ابن جرير (^٢): حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها.\nوهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد: أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. قال ابن وهب: سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكى، أي شيء يذكى منها؟ وقال أشهب: سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السّحرة (^٣) فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسا، قيل له: وثب عليه فدق ظهره؟ فقال: لا يعجبني هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء؟ فقال: إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل، هذا مذهب مالك ﵀. وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك ﵀ من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها فيحتاج إلى دليل مخصص للآية، والله أعلم.\nوفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن\n_________\n(^١) مصعت بذنبها: حركته.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤١١.\n(^٣) السحرة: القلب.","vol":"3","page":19},{"text":"والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» (^١). وفي الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعا، وفيه نظر، وروي عن عمر موقوفا وهو أصح «ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق». وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال «لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك» (^٢)، وهو حديث صحيح، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة (^٣).\nوقوله: ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبا، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب (^٤)، وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا، لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ أي حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها زلم وقد تفتح الزاي، فيقال: زلم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، والثالث غفل ليس عليه شيء، ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ قال: والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور، وكذا روي عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان. وقال ابن عباس: هي قداح كانوا يستقسمون بها الأمور. وذكر محمد بن إسحاق وغيره: إن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له هبل منصوب على بئر داخل الكعبة، فيها توضع الهدايا، وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم\n_________\n(^١) صحيح البخاري (ذبائح باب ١٥ و١٨) وصحيح مسلم (أضاحي حديث ٢٠)\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٣٣٤ وسنن أبي داود (أضاحي باب ١٥)\n(^٣) قال أبو داود: وهذا لا يصلح إلا في المتردية والمتوحش.\n(^٤) عند مجاهد وابن جريج انظر تفسير الطبري ٤/ ٤١٥.","vol":"3","page":20},{"text":"يعدلوا عنه.\nوثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال «قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا» (^١).\nوفي الصحيح: أن سراقة بن مالك بن جعشم، لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا يضرهم. قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره لا يضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك (^٢).\nوروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد عن رقية، عن عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ «لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرا» (^٣).\nوقال مجاهد في قوله ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها (^٤). وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه قد قرن بينها وبين القمار وهو الميسر فقال في آخر السورة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾ -إلى قوله- ﴿مُنْتَهُونَ﴾. وهكذا قال هاهنا ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك.\nوقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما روى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر-ويسميه باسمه-خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري-أو قال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (حج باب ٥٤ ومغازي باب ٤٨)\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(^٣) في الدر المنثور للسيوطي ٢/ ٤٥٥: «لن يلج الدرجات العلى من تكهّن أو استقسم أو رجع من سفر تطيرا». قال: وأخرجه الطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٤١٦.","vol":"3","page":21},{"text":"«عاجل أمري وآجله-فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» لفظ أحمد (^١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي.\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني يئسوا أن يراجعوا دينهم (^٢)، وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان، وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم» (^٣)، ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحدا إلا الله، فقال ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أي لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم، وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين، تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ أي فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٤) قوله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام، أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٣٤٤.\n(^٢) في تفسير الطبري ٤/ ٤١٨ من حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «يعني يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبدا».\n(^٣) صحيح مسلم (منافقين حديث ٥). وقوله: «ولكن بالتحريش بينهم» يريد أن الشيطان لم ييأس من إغوائهم وحملهم على الفتن.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٤١٩.","vol":"3","page":22},{"text":"أتمه الله فلا ينقصه أبدا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا. وقال أسباط عن السدي (^١): نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﷺ فمات قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله ﷺ تلك الحجة فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل، فمال رسول الله ﷺ على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجيت عليه بردا كان علي.\nوقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما، رواهما ابن جرير، ثم قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن فضيل عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: لما نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ «ما يبكيك؟» قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال «صدقت» (^٢).\nويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء».\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال: قوله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ: عشية عرفة في يوم جمعة.\nورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به. ورواه أيضا مسلم والترمذي والنسائي أيضا من طرق عن قيس بن مسلم به. ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: والله إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت: يوم عرفة، وأنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة أم لا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (^٤).\nوشك سفيان ﵀ إن كان في الرواية، فهو تورع حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) المصدر نفسه.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٢٨.\n(^٤) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ١)","vol":"3","page":23},{"text":"لا، وإن كان شكا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري ﵀، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهاء وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها، والله أعلم، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نسي، أخبرنا أميرنا إسحاق، قال أبو جعفر بن جرير وهو إسحاق بن حرشة عن قبيصة يعني ابن أبي ذئب، قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه، فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه: نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو بكر، حدثنا قبيصة، حدثنا حماد بن سلمة عن عمار هو مولى بني هاشم: أن ابن عباس قرأ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس:\nفإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة.\nوقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن الحماني، حدثنا قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سليمان، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنيفة، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو قائم عشية عرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش حدثنا عمرو بن قيس السكوني، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع (^٤) بهذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة.\nوروى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن موسى بن دحية، عن قتادة عن الحسن، عن سمرة قال: نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ يوم عرفة، ورسول الله ﷺ واقف على الموقف.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٢٢.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٢٣.\n(^٤) انتزع بالآية: تمثّل بها.","vol":"3","page":24},{"text":"فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن حنش بن عبد الله الصغاني، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح بدرا يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين- ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ورفع الذكر يوم الاثنين. فإنه أثر غريب، وإسناده ضعيف، وقد رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصغاني، عن ابن عباس قال: ولد النبي ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ووضع الحجر الأسود يوم الاثنين، هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الاثنين، فالله أعلم، ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين، كما تقدم فاشتبه على الراوي، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٢): وقد قيل: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، ثم روي من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، قال: وقد قيل: إنها نزلت على رسول الله ﷺ في مسيره إلى حجة الوداع، ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.\nقلت: وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت على رسول الله ﷺ يوم غدير خم حين قال لعلي «من كنت مولاه فعلي مولاه». ثم رواه عن أبي هريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يعني مرجعه ﵇ من حجة الوداع، ولا يصح هذا ولا هذا بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب ﵃، وأرسله الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير الطبري ﵀.\nوقوله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله، والله غفور رحيم له لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه، ويغفر له، وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته» لفظ ابن حبان، وفي لفظ لأحمد «من لم يقبل\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٧٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٢٣ - ٤٢٤.","vol":"3","page":25},{"text":"رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة» (^١) ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا بحسب الأحوال، واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن يشبع أو يشبع ويتزود؟ على أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير أو صيدا وهو محرم، هل يتناول الميتة أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء أو ذلك الطعام ويضمن بدله، على قولين هما قولان للشافعي ﵀. وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له.\nوقد قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال «إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بها بقلا فشأنكم بها» (^٣) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين، وكذا رواه ابن جرير عن عبد الأعلى بن واصل عن محمد بن القاسم الأسدي عن الأوزاعي به، لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد به. ومنهم من رواه عن الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد به. ورواه ابن جرير عن هناد بن السري، عن عيسى بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له فذكره، ورواه أيضا عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان مرسلا، وقال ابن جرير (^٤): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن ابن عون، قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه، فكان فيه: ويجزئ من الاضطرار غبوق أو صبوح.\nحدثنا (^٥) أبو كريب، حدثنا هشيم عن الخصيب بن زيد التميمي، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: متى (^٦) يحل الحرام؟ قال: فقال «إلى متى يروى أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم». حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير، عن جدته (^٧): أن رجلا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٧١.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٢١٨.\n(^٣) الاصطباح: أكل الصباح وهو الغداء. والاغتباق: أكل الغبوق وهو العشاء. واحتفأ البقل: اقتلعه ورمى به.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٤٢٧.\n(^٥) الرواية للطبري في تفسيره ٤/ ٤٢٦.\n(^٦) في الطبري: «إلى متى يحلّ لي الحرام؟».\n(^٧) في الطبري: «عمن حدثه».","vol":"3","page":26},{"text":"الذي حرم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ «يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لك، فتأكل منه حتى تستغني عنه». فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ «إذا كنت ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئا فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه» فقال الأعرابي: ما غنائي الذي أدعه إذا وجدته، فقال ﷺ «إذا أرويت أهلك غبوقا من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام مالك، فإنه ميسور كله فليس فيه حرام».\nومعنى قوله «ما لم تصطبحوا» يعني به الغداء «وما لم تغتبقوا» يعني به العشاء «أو تحتفئوا بقلا فشأنكم بها» فكلوا منها. وقال ابن جرير (^١): يروى هذا الحرف، يعني قوله «أو تحتفئوا» على أربعة أوجه: تحتفئوا بالهمزة، وتحتفيوا: بتخفيف الياء والحاء، وتحتفوا بتشديد الفاء، وتحتفوا بالحاء وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا رواه في التفسير.\nحديث آخر-قال أبو داود (^٢): حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا وهب بن عقبة العامري، سمعت أبي يحدث عن النجيع العامري أنه أتى رسول الله ﷺ فقال:\nما يحل لنا من الميتة؟ قال «ما طعامكم»؟ قلنا: نصطبح ونغتبق. قال أبو نعيم: فسره لي عقبة، قدح غدوة وقدح عشية، قال: ذاك وأبى الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال.\nتفرد به أبو داود. وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق، والله أعلم.\nحديث آخر-قال أبو داود (^٣): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك عن جابر عن سمرة: أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقتي ضلت، فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: أنحرها فأبى، فنفقت فقالت له امرأته: اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله، قال: لا حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال «هل عندك غنى يغنيك؟» قال: لا، قال «فكلوها» قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال استحييت منك، تفرد به، وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها والله أعلم.\nوقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي متعاط لمعصية الله، فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر، كما قال في سورة البقرة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٢٧.\n(^٢) سنن أبي داود (أطعمة باب ٣٦)\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":27},{"text":"[المائدة: ١٧٣] وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-393>[سورة المائدة (٥): آية ٤]</span>\n﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)﴾\nلما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] قال بعدها ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ كما في سورة الأعراف في صفة محمد ﷺ أنه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين، سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم.\nوقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق، وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطير الذي يأكله الناس، فقال: ليس هو من الطيبات.\nوقوله تعالى: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح، وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباهها، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد والجوارح، يعني الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها (^١). رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير نحو ذلك، وروي عن الحسن أنه قال: الباز والصقر من الجوارح، وروي عن علي بن الحسين مثله، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي، ثم قال (^٢): حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جريج عن نافع، عن ابن عمر، قال: أما ما صاد من الطير البزاة وغيرها من الطير، فما أدركت فهو لك وإلا فلا تطعمه.\nقلت: والمحكي عن الجمهور إن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنها تكلب الصيد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٢٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٣٠.","vol":"3","page":28},{"text":"بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم واختاره ابن جرير، واحتج في ذلك بما رواه عن هناد (^١)، حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: «ما أمسك عليك فكل» واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود، لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال «يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود» فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: «الكلب الأسود شيطان» (^٢).\nوفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم قال «ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بهيم» (^٣) وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح من الجرح، وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرا، أي كسبهم خيرا، ويقولون: فلان لا جارح له أي لا كاسب له، وقال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي ما كسبتم من خير وشر.\nوقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا زيد بن حباب، حدثني يونس بن عبيدة، حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، فقلت: فجاء الناس فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت، فأنزل الله ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ إذا أرسل الرجل كلبه وسمى، فأمسك عليه، فيأكل ما لم يأكل» وهكذا رواه ابن جرير (^٤) عن أبي كريب عن زيد بن الحباب بإسناده عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ليستأذن عليه، فأذن له، فقال: «قد أذنّا لك يا رسول الله، قال:\nأجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب» قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، قال: فأنزل الله ﷿ ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.\nورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به، وقال:\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) صحيح مسلم (صلاة حديث ٢٦٥)\n(^٣) سنن أبي داود (أضاحي باب ٢١) وصحيح مسلم (مساقاة حديث ٤٧) ومسند أحمد ٣/ ٣٣٣ وسنن الترمذي (صيد باب ١٦ و١٧)\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٤٢٨.","vol":"3","page":29},{"text":"صحيح، ولم يخرجاه، وقال ابن جرير (^١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن عكرمة أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع في قتل الكلاب حتى بلغ العوالي، فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية، ورواه الحاكم من طريق سماك عن عكرمة، وكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزول هذه الآية: أنه في قتل الكلاب.\nوقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يحتمل أن يكون حالا من الفاعل ويحتمل أن يكون حالا من المفعول، وهو الجوارح، أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته لا بمخلابه وظفره، أنه لا يحل له، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى (^٢)، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال تعالى:\n﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع.\nوقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله! فقال «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك». قلت: وإن قتلن؟ قال «وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره فأصيب» قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله» وفي لفظ لهما «وإذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا، فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته» وفي رواية لهما «فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» (^٣) فهذا دليل للجمهور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يحرم مطلقا.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>ذكر الآثار بذلك</span>\nقال ابن جرير (^٤): حدثنا هناد، حدثنا وكيع عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب،\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أي إذا استدعاه إليه تداعى.\n(^٣) صحيح مسلم (صيد حديث ١ و٥) وصحيح البخاري (ذبائح باب ٢ و٩٠)\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٤٣٤.","vol":"3","page":30},{"text":"قال: قال سلمان الفارسي: كل وإن أكل ثلثيه-يعني الصيد-إذا أكل منه الكلب، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر عن قتادة، وكذا رواه محمد بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان، ورواه ابن جرير أيضا عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني، والقاسم بن سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل، وإن أكل ثلثيه، وقال ابن جرير (^١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه، عن حميد بن مالك بن خيثم الدؤلي أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كل وإن لم يبق منه إلا حذية، يعني بضعة، ورواه شعبة عن عبد ربه بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: كل وإن أكل ثلثيه.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن عامر، عن أبي هريرة، قال: إذا أرسلت كلبك فأكل منه، فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه فكله. وقال ابن جرير (^٣):\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر قال: سمعت عبد الله، وحدثنا هناد، حدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل، وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد عن نافع، فهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عمر، وهو محكي عن علي وابن عباس، واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري، وهو قول الزهري وربيعة ومالك، وإليه ذهب الشافعي في القديم وأومأ إليه في الجديد.\nوقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعا، فقال ابن جرير (^٤): حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاجوني، حدثنا محمد بن دينار وهو الطاجي عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال «إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه فليأكل ما بقي» ثم قال ابن جرير: وفي إسناد هذا الحديث نظر، وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان، والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع.\nوهذا الذي قاله ابن جرير صحيح، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعا من وجوه أخر، فقال أبو داود: حدثنا محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال النبي ﷺ «إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٣٥.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المصدر نفسه.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٤٣٦.","vol":"3","page":31},{"text":"عليك» فقال: ذكيا وغير ذكي، وإن أكل منه؟ قال «نعم وإن أكل منه» فقال: يا رسول الله أفتني في قوسي، قال «كل ما ردت عليك قوسك» قال: ذكيا وغير ذكي؟ «وإن تغيب عنك ما لم يضلّ أو تجد فيه أثر غير سهمك» قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها، قال «اغسلها وكل فيها» هكذا رواه أبو داود (^١)، وقد أخرجه النسائي، وكذا رواه أبو داود من طريق يونس (^٢) بن سيف، عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك» وهذان إسنادان جيدان.\nوقد روى الثوري عن سماك بن حرب، عن عدي قال: قال رسول الله ﷺ «ما كان من كلب ضار أمسك عليك فكل» قلت: وإن أكل؟ قال «نعم». وروى عبد الملك بن حبيب: حدثنا أسد بن موسى عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عدي بمثله، فهذه آثار دالة على أنه يغتفر، وإن أكل منه الكلب، وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه، كما تقدم عمن حكيناه عنهم، وقد توسط آخرون فقالوا: إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التي أشار إليها النبي ﷺ «فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» وأما إن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه وجاع فأكل منه لجوعه، فإنه لا يؤثر في التحريم وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني. وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح.\nوقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه «النهاية» أن لو فصل مفصل هذا التفصيل وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم. وقال آخرون قولا رابعا في المسألة وهو التفرقة بين أكل الكلب فيحرم لحديث عدي، وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم لأنه لا يقبل التعليم إلا بالأكل، وقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس أنه قال في الطير: إذا أرسلته فقتل فكل، فإن الكلب إذا ضربته لم يعد وإن تعلم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب، فإذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل، وكذا قال إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان.\nوقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم، حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا مجالد عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما\n_________\n(^١) سنن أبي داود (صيد باب ٢٢)\n(^٢) ما يأتي رواه أبو داود من طريق بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني. وفي نفس الباب رواية من طريق يونس بن سيف.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٣٣.","vol":"3","page":32},{"text":"يحل لنا منها؟ قال «يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه» ثم قال «ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك» قلت: وإن قتل؟ قال «وإن قتل ما لم يأكل» قلت: يا رسول الله، وإن خالطت كلابنا كلابا غيرها؟ قال «فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك». قال: قلت:\nإنا قوم نرمي فما يحل لنا؟ قال «ما ذكرت اسم الله عليه وخزقت فكل». فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة، فدل على التفرقة بينهما في الحكم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ أي عند إرساله له كما قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك» وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله» ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإمام أحمد ﵀ في المشهور عنه، التسمية عند إرسال الكلب، والرمي بالسهم، لهذه الآية وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال كما قال السدي وغيره، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ يقول: إذا أرسلت جارحك فقل: باسم الله، وإن نسيت فلا حرج (^١)، وقال بعض الناس:\nالمراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال «سمّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك» (^٢). وفي صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال «سموا الله أنتم وكلوا» (^٣).\nحديث آخر-وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد، حدثنا هشام عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ «أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله، فليقل: بسم الله أوله وآخره»، وهكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون به، وهذا منقطع بين عبد الله بن عبيد بن عمير وعائشة فإنه لم يسمع منها هذا الحديث بدليل ما رواه الإمام\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٣٩.\n(^٢) صحيح البخاري (أطعمة باب ٢) وصحيح مسلم (أشربة حديث ١٠٨)\n(^٣) صحيح البخاري (توحيد باب ١٣)\n(^٤) مسند أحمد ٦/ ١٤٣.","vol":"3","page":33},{"text":"أحمد (^١): حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام يعني ابن أبي عبد الله الدستوائي، عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير: أن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم حدثته عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعاما في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين، فقال «أما إنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي اسم الله في أوله، فليقل بسم الله أوله وآخره» رواه أحمد أيضا وأبو داود والترمذي والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nحديث آخر-وقال أحمد (^٢): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح، حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي وصحبته إلى واسط، فكان يسمي في أول طعامه، وفي آخر لقمة يقول: بسم الله أوله وآخره، فقلت له: إنك تسمي في أول ما تأكل، أرأيت قولك في آخر ما تأكل بسم الله أوله وآخره، فقال: أخبرك أن جدي أمية بن مخشي وكان من أصحاب النبي ﷺ سمعته يقول: إن رجلا كان يأكل والنبي ينظر فلم يسم حتى كان آخر طعامه لقمة، قال: بسم الله أوله وآخره، فقال النبي ﷺ «والله ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه» وهكذا رواه أبو داود (^٣) والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري، ووثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي:\nلا تقوم به حجة.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن خيثمة عن أبي حذيفة-قال أبو عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب-من أصحاب ابن مسعود، عن حذيفة، قال: كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعاما، فجاءت جارية كأنما تدفع فذهبت تضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده، فقال رسول الله ﷺ «إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما» يعني الشيطان، وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث الأعمش به.\nحديث آخر-روى مسلم وأهل السنن، إلا الترمذي من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٢٦٥.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٣٣٦.\n(^٣) سنن أبي داود (أطعمة باب ١٥)\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣.","vol":"3","page":34},{"text":"طعامه، قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء» لفظ أبي داود (^١).\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وحشي بن حرب عن أبيه، عن جده، أن رجلا قال للنبي ﷺ: إنا نأكل ولا نشبع. قال «فلعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه» ورواه أبو داود، وابن ماجة، من طريق الوليد بن مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-395>[سورة المائدة (٥): آية ٥]</span>\n﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)﴾\nلما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين، من الخبائث وما أحله لهم من الطيبات. قال بعده ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين، من اليهود والنصارى فقال ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير، وعكرمة وعطاء والحسن، ومكحول وإبراهيم النخعي، والسدي ومقاتل بن حيان: يعني ذبائحهم، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه، تعالى وتقدس.\nوقد ثبت في الصحيح: عن عبد الله بن مغفل، قال: أدلي بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحدا، والتفت فإذا النبي ﷺ يبتسم (^٣)، فاستدل به الفقهاء، على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة، قبل القسمة، وهذا ظاهر، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم، كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم، فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله، لقوله تعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالوا: وهذا ليس من طعامهم، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر، لأنه قضية عين، ويحتمل أن يكون شحما، يعتقدون حله كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم، وأجود منه في الدلالة، ما ثبت في الصحيح، أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أطعمة باب ١٥)\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٥٠١.\n(^٣) سنن أبي داود (جهاد باب ١٢٧) ولفظه: «أدلي بجراب … يبتسم إليّ».","vol":"3","page":35},{"text":"مصلية (^١)، وقد سموا ذراعها وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه، وأثر ذلك في ثنايا رسول الله ﷺ وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء (^٢).\nووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا. وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ، أضافه يهودي، على خبز شعير وإهالة سنخة، يعني ودكا (^٣) زنخا.\nوقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن مكحول قال: أنزل الله ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ثم نسخه الرب ﷿، ورحم المسلمين فقال ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب، وفي هذا الذي قاله مكحول ﵀ نظر، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب، إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك، ومن شابههم، لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء ونصارى العرب، كبني تغلب وتنوخ وبهرا وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٤): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن عبيدة، قال: قال علي: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب، لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.\nوكذا قال غير واحد من الخلف والسلف. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن، أنهما كانا لا يريان بأسا، بذبيحة نصارى بني تغلب. وأما المجوس، فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب، فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل. ولما قال ذلك واشتهر عنه، أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا\n_________\n(^١) أي مشوبة.\n(^٢) سنن أبي داود (ديات باب ٦) وسنن الدارمي (مقدمة باب ١١) وصحيح مسلم (سلام حديث ٤٥)\n(^٣) الودك: دسم الدهن. والإهالة: كل شيء يؤتدم به. والسنخة: المتغيّرة الريح.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٤٤١.","vol":"3","page":36},{"text":"عن النبي ﷺ أنه قال «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (^١) ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما الذي في صحيح البخاري، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ، أخذ الجزية من مجوس هجر، ولو سلّم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان، لا يحل.\nوقوله تعالى: ﴿وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم، اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به، من الأكل من كل طعام، ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها، والأول أظهر في المعنى، أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي ﷺ ثوبه لعبد الله بن أبي ابن سلول، حين مات ودفنه فيه، قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي ﷺ ذلك بذلك، فأما الحديث الذي فيه «لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (^٢) فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فقيل أراد بالمحصنات الحرائر، دون الإماء، حكاه ابن جرير (^٣) عن مجاهد، وإنما قال مجاهد: المحصنات الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة، كما قال في الرواية الأخرى عنه، وهو قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: «حشفا وسوء كيلة» (^٤) والظاهر من الآية أن المراد من المحصنات العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ [النساء: ٢٥].\nثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هل يعم كل كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة، حكاه ابن جرير (^٥) عن طائفة من السلف، ممن فسر المحصنة بالعفيفة، وقيل: المراد بأهل الكتاب هاهنا الإسرائيليات، وهو\n_________\n(^١) موطأ مالك (زكاة حديث ٤٢)\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٣٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٤٤.\n(^٤) الحشف: التمر الرديء. والمثل يقال في من تجتمع فيه سيئتان، كمن يبيعك حشفا وينتقص الكيل.\n(^٥) تفسير الطبري ٤/ ٤٤٤ - ٤٤٥.","vol":"3","page":37},{"text":"مذهب الشافعي. وقيل: المراد بذلك الذميات دون الحربيات، لقوله: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى:\n﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك يعني المزني، حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي مالك الغفاري، قال نزلت هذه الآية ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ قال فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية الكريمة ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها، لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] وكقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران:٢٠].\nوقوله: ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن، أي كما هن محصنات عفائف فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس، وقد أفتى جابر بن عبد الله وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري، بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينهما، وترد عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير (^١) عنهم.\nوقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ فكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنا، كذلك شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا، ولهذا قال: غير مسافحين، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، ولا متخذي أخدان، أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذه الآية وللحديث «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧.\n(^٢) رواه أحمد في المسند ٢/ ٣٢٤ من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":38},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة، فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٦]، ولهذا قال تعالى هاهنا ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-396>[سورة المائدة (٥): آية ٦]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾\nقال كثيرون من السلف في قوله: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾: يعني وأنتم محدثون، وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب. وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب، وقد قيل: إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ، وقال الإمام أحمد بن حنبل (^٢): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلّى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله. قال «إني عمدا فعلته يا عمر»، وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، ووقع في سنن ابن ماجة عن سفيان، عن محارب بن دثار بدل علقمة بن مرثد، كلاهما عن سليمان بن بريدة به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن عباد بن موسى، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي، حدثنا الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث، توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت: أبا عبد الله، أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي ﷺ يصنعه، فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه، وكذا رواه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٤٥.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٣٥٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٥٢.","vol":"3","page":39},{"text":"ابن ماجة عن إسماعيل بن توبة، عن زياد البكائي به.\nوقال أحمد (^١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل، حدثها أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك كان يفعله حتى مات.\nوهكذا رواه أبو داود (^٢) عن محمد بن عوف الحمصي (^٣) عن أحمد بن خالد الذهني، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ثم قال أبو داود: ورواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق، فقال عبيد الله بن عمر: يعني كما تقدم في رواية الإمام أحمد.\nوأيا ما كان، فهو إسناد صحيح، وقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان، فزال محذور التدليس، لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان به، والله اعلم، وفي فعل ابن عمر هذا ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا أزهر عن ابن عون، عن ابن سيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت مسعود بن علي الشيباني، سمعت عكرمة يقول:\nكان علي ﵁ يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية، وحدثنا ابن المثنى، حدثني وهب بن جرير، أخبرنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: رأيت عليا صلّى الظهر ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتى بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم: أن عليا اكتال من حب، فتوضأ وضوءا فيه تجوز، فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذه طرق جيدة عن علي يقوي بعضها بعضا.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٢٢٥.\n(^٢) سنن أبي داود (طهارة باب ٢٥)\n(^٣) في أبي داود: «الطائي».\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٤٥٣.","vol":"3","page":40},{"text":"وقال ابن جرير (^١) أيضا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن حميد، عن أنس، قال:\nتوضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تجوز خفيفا، فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إسناد صحيح. وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة، وأما ما رواه أبو داود الطيالسي عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء، فهو غريب عن سعيد بن المسيب، ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك. وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن عمرو بن عامر الأنصاري، سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث، وقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو بن عامر به.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور عن هريم، عن عبد الرحمن بن زياد، هو الأفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات» ورواه أيضا من حديث عيسى بن يونس عن الأفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، فذكره، وفيه قصة. وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من حديث الأفريقي به نحوه. وقال الترمذي: وهو إسناد ضعيف.\nوقال ابن جرير (^٤): وقد قال قوم: إن هذه الآية نزلت إعلاما من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه ﵇ كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ. حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه، قال:\nكان رسول الله ﷺ إذا أراق البول» نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية، ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم عن أبي كريب به نحوه، وهو حديث غريب جدا، وجابر هذا هو ابن زيد الجعفي ضعفوه.\nوقال أبو داود (^٥): حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٥٣.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ١٣٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٥٥.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) سنن أبي داود (أطعمة باب ١١)","vol":"3","page":41},{"text":"بوضوء؟ فقال «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن زياد بن أيوب عن إسماعيل وهو ابن علية به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس قال: كنا عند النبي ﷺ فأتى الخلاء ثم إنه رجع فأتي بطعام، فقيل: يا رسول الله ألا تتوضأ؟ فقال «لم؟ أأصلي فأتوضأ».\nوقوله ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ على وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لها كما تقول العرب: إذا رأيت الأمير فقم، أي له. وقد ثبت في الصحيحين حديث «الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١)، ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (^٢)، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء ويتأكد ذلك عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» (^٣).\nوحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم (^٤) إلى منتهى اللحيين والذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا وفي النزعتين والتحذيف (^٥) خلاف:\nهل هما من الرأس أو الوجه؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان [أحدهما] أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة.\nوروي في حديث أن النبي ﷺ رأى رجلا مغطيا لحيته فقال «اكشفها فإن اللحية من الوجه» وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إذا نبتت لحيته: طلع وجهه، ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل عن عامر بن حمزة، عن شقيق قال: رأيت عثمان يتوضأ، فذكر الحديث، قال: وخلل اللحية ثلاثا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل الذي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (بدء الوحي باب ١ وإيمان باب ٤١) وصحيح مسلم (إمارة حديث ١٥٥)\n(^٢) سنن أبي داود (طهارة باب ٤٨) ومسند أحمد ٢/ ٤١٨، جميعا عن أبي هريرة.\n(^٣) صحيح البخاري (وضوء باب ٢٦) وموطأ مالك (طهارة حديث ٩) ومسند أحمد ٢/ ٤٦٥.\n(^٤) الغمم: أن يسيل الشعر من الرأس في الوجه والقفا، فتضيق الجبهة ويصغر القفا. والأنزع: الذي انحر الشعر على جانبي ناصيتيه.\n(^٥) التحذيف من الرأس: ما تنحّي النساء الشعر عنه، ويقع في جانب الوجه.","vol":"3","page":42},{"text":"رأيتموني فعلت، رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البخاري.\nوقال أبو داود (^١): حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المليح، حدثنا الوليد بن زوران، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ، أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال «هكذا أمرني به ربي ﷿» تفرد به أبو داود.\nوقد روي هذا من غير وجه عن أنس، قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة، عن النبي ﷺ، ثم عن علي وغيره، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، ثم عن النخعي وجماعة من التابعين.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل ﵀، أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك، لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه ابن خزيمة عن رفاعة بن رافع الزرقي أن النبي ﷺ قال للمسيء صلاته «توضأ كما أمرك الله»، أو يجبان في الغسل دون الوضوء كما هو مذهب أبي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال «من توضأ فليستنشق»، وفي رواية «إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر» (^٢) والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يعني يتوضأ. ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به.\nوقوله ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ أي مع المرافق كما قال تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي من\n_________\n(^١) سنن أبي داود (طهارة باب ٥٧)\n(^٢) صحيح البخاري (وضوء باب ٢٦) أما الحديث الذي قبل هذا فقد وجدناه في صحيح البخاري (صوم باب ٢٨) وصحيح مسلم (طهارة حديث ٢١) بلفظ: «إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء».\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٢٦٨.","vol":"3","page":43},{"text":"طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد الله قال:\nكان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه، ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف، والله أعلم.\nويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» (^١) وفي صحيح مسلم عن قتادة عن خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال:\nسمعت خليلي ﷺ يقول «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (^٢).\nوقوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ اختلفوا في هذه الباء: هل هي للإلصاق؟ وهو الأظهر، أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة، وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ﷺ: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه (^٣). وفي حديث عبد خير عن علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ نحو هذا، وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معديكرب في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله، ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن.\nوقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية، وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح ولا يقدر ذلك بحد، بل لو مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه، واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة قال: تخلف النبي ﷺ فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: هل معك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى خفيه، وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم (^٤)\n_________\n(^١) صحيح البخاري (وضوء باب ٣) وصحيح مسلم (طهارة حديث ٣٤ - ٣٥)\n(^٢) صحيح مسلم (طهارة حديث ٤٠) وسنن النسائي (طهارة باب ١٠٩)\n(^٣) موطأ مالك (طهارة حديث ١) وفيه: «أنه قال لعبد الله بن زيد» في موضع «أن رجلا قال …».\n(^٤) صحيح مسلم (طهارة حديث ٨١) وسنن النسائي (طهارة باب ٨٦)","vol":"3","page":44},{"text":"وغيره، فقال لهم أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك وأنه يقع عن الموقع، كما وردت بذلك أحاديث كثيرة وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة، والله أعلم.\nثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثا، كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه على قولين، فقال عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، قال:\nرأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا، فغسلهما ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا، ثم اليسرى ثلاثا مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) من طريق الزهري به نحو هذا. وفي سنن أبي داود (^٢) من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عثمان في صفة الوضوء: ومسح برأسه مرة واحدة، وكذا من رواية عبد خير عن علي مثله. واحتج من استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان ﵁: أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا.\nوقال أبو داود (^٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن وردان، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه: ثم مسح رأسه ثلاثا، ثم غسل رجليه ثلاثا ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال «من توضأ هكذا (^٤) كفاه» تفرد به أبو داود. ثم قال: وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة.\nقوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ وأرجلكم بالنصب عطفا على ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها وأرجلكم، يقول: رجعت إلى الغسل، وروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد وإبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان\n_________\n(^١) صحيح البخاري (وضوء باب ٢٤ و٢٨) وصحيح مسلم (طهارة حديث ٣ و٤ و٨)\n(^٢) سنن أبي داود (طهارة باب ٥١)\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) في أبي داود: «من توضأ دون هذا كفاه». وأضاف: ولم يذكر أمر الصلاة.","vol":"3","page":45},{"text":"والزهري وإبراهيم التيمي نحو ذلك، وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف، ومن هاهنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهب الجمهور خلافا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه، ثم مسح رأسه، وغسل يديه، ثم وجهه، أجزأه ذلك، لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب، وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقا، فمنهم من قال: الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إلى الصلاة، لأنه مأمور به بفاء التعقيب وهي مقتضية للترتيب، ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولا، ثم لا يجب الترتيب بعده، بل القائل اثنان: أحدهما بوجوب الترتيب كما هو واقع في الآية، والآخر يقول: لا يجب الترتيب مطلقا، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء، فوجب الترتيب فيما بعده بالإجماع حيث لا فارق.\nومنهم من قال: لا نسلم أن الواو لا تدل على الترتيب بل هي دالة كما هو مذهب طائفة من النحاة وأهل اللغة وبعض الفقهاء، ثم نقول بتقدير تسليم كونها لا تدل على الترتيب اللغوي هي دالة على الترتيب شرعا فيما من شأنه أن يرتب، والدليل على ذلك أنه ﷺ لما طاف بالبيت خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ثم قال «أبدأ بما بدأ الله به» لفظ مسلم، ولفظ النسائي «ابدءوا بما بدأ الله به» وهذا لفظ أمر، وإسناده صحيح، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعا، والله أعلم.\nومنهم من قال لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين، دل ذلك على إرادة الترتيب، ومنهم من قال:\nلا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» قالوا: فلا يخلو إما أن يكون توضأ مرتبا فيجب الترتيب، أو يكون توضأ غير مرتب فيجب عدم الترتيب، ولا قائل به، فوجب ما ذكرناه.\nوأما القراءة الأخرى وهي قراءة من قرأ: وأرجلكم بالخفض، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين، لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح فقال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا حميد قال: قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة، إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ و﴿اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وإنه ليس شيء من بني آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٦٩.","vol":"3","page":46},{"text":"وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما، إسناد صحيح إليه، وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الأحول عن أنس قال:\nنزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل (^١)، وهذا أيضا إسناد صحيح. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن قيس الخراساني عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان (^٢)، وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قال: هو المسح، ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن علي والحسن في إحدى الروايات، وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات، ونحوه.\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه، قال: وكان يقوله. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا. وحدثنا ابن أبي زياد، أخبرنا إسماعيل قلت لعامر:\nإن ناسا يقولون: إن جبريل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبريل بالمسح، فهذه آثار غريبة جدا، وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام كما في قول العرب: جحر ضب خرب، وكقوله تعالى: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١] وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ.\nومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي ﵀. ومنهم من قال، هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنة، وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضا لا بد منه للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروزبادي، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب أنه صلّى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) المصدر نفسه.","vol":"3","page":47},{"text":"قائم، ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما، وأن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، وقال «هذا وضوء من لم يحدث» (^١)، رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه. ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضل وأضل، وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضا، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء، لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور، فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم، ثم تأملت كلامه أيضا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفضا على المسح وهو الدلك، ونصبا على الغسل، فأوجبهما أخذا بالجمع بين هذه وهذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-397>ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه</span>\nقد تقدم حديث أمير المؤمنين عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب، أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثا، على اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ توضأ فغسل قدميه، ثم قال «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به».\nوفي الصحيحين من رواية أبي عوانة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته «أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار» وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة. وفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال «أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار» (^٢) وروى الليث بن سعد عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم عن عبد الله بن الحارث بن حرز أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» رواه البيهقي والحاكم، وهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند (ج ١ ص ١٠٢) والنسائي في سننه (طهارة باب ٩٩)\n(^٢) صحيح البخاري (أيمان باب ١٥ واستئذان باب ١٨ ووضوء باب ٢٩) وصحيح مسلم (طهارة حديث ٢٥ و٢٦ و٢٩) وصلاة حديث ٤٦) وسنن أبي داود (طهارة باب ٤٦ و٥٦ وصلاة باب ١٤٤) وسنن الترمذي (صوم باب ٦٨) وسنن النسائي (طهارة باب ٥٥ و٧٠)","vol":"3","page":48},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرب أو شعيب بن أبي كرب قال: سمعت جابر بن عبد الله وهو على جبل يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ويل للعراقيب من النار» وحدثنا (^٢) أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي ﷺ في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال «ويل للأعقاب من النار» ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد به نحوه.\nوكذا رواه ابن جرير (^٣) من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغير واحد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر عن النبي ﷺ مثله. ثم قال: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ رأى قوما يتوضؤون لم يصب أعقابهم الماء، فقال «ويل للعراقيب من النار».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عقبة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب، قال: قال رسول الله ﷺ «ويل للأعقاب من النار» تفرد به أحمد.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثني علي بن عبد الأعلى، حدثنا المحاربي عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ «ويل للأعقاب من النار». قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه، ينظر إليهما. وحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين عن زائدة عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة أو عن أخي أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ أبصر قوما يصلون، وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم، مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال «ويل للأعقاب من النار». قال: فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئا لم يصبه الماء، أعاد وضوءه.\nووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٣٦٩.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٣٩٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٧٤.\n(^٤) مسند أحمد ٣/ ٤٢٦.\n(^٥) تفسير الطبري ٤/ ٤٧٥.","vol":"3","page":49},{"text":"رحمه الله تعالى، وقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر، عن عمر بن الخطاب: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ وقال «ارجع فأحسن وضوءك» (^١). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثنا جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة، قال: حدثنا أنس بن مالك أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ قد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ «ارجع فأحسن وضوءك» وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف وابن ماجة عن حرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به. وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب (^٢). وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا يونس وحميد عن الحسن: أن رسول الله ﷺ، بمعنى حديث قتادة.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني يحيى بن سعد عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ: رأى رجلا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء. ورواه أبو داود من حديث بقية، وزاد: والصلاة. وهذا إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم.\nوفي حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ أنه خلل بين أصابعه. وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه قال: قلت:\nيا رسول الله أخبرني عن الوضوء. فقال «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» (^٤).\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال: قال أبو أمامة: حدثنا عمرو بن عبسة قال:\nقلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال «ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرجت خطاياه من فمه وخياشيمه، مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا\n_________\n(^١) صحيح مسلم (طهارة حديث ٣١)\n(^٢) سنن أبي داود (طهارة باب ٦٦). وفيه أن هذا الحديث «ليس بمعروف عن جرير بن حازم ولم يروه إلا ابن وهب» قال: وقد روي عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر عن النبي بنحوه.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٤٢٤.\n(^٤) سنن أبي داود (طهارة باب ٥٦) من حديث طويل.\n(^٥) مسند أحمد ٤/ ١١٢ من حديث طويل.","vol":"3","page":50},{"text":"خرّت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرّت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». قال أبو أمامة: يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله ﷺ أيعطى هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله ﷺ لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا، لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك.\nوهذا إسناد صحيح. وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: ثم يغسل قدميه كما أمره الله، فدل على أن القرآن يأمر بالغسل. وهكذا روى أبو إسحاق السبيعي عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم»، ومن هاهنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير عن علي أن رسول الله ﷺ رش على قدميه الماء وهما في النعلين، فدلكهما، إنما أراد غسلا خفيفا، وهما في النعلين، ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها، ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين.\nوهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير (^١) على نفسه، وهو من روايته عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: «أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم، فبال [عليها] (^٢) قائما ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه» وهو حديث صحيح وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: فبال قائما ثم توضأ ومسح على خفيه، قلت: ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان وعليهما نعلان، وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل (^٣): حدثنا يحيى عن شعبة، حدثني يعلى عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه، ثم قام إلى الصلاة. وقد رواه أبو داود (^٤) عن مسدد وعباد بن موسى، كلاهما عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة (^٥) قوم، فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.\nوقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم، ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية ومتعارضة،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٧٥.\n(^٢) الزيادة من الطبري. والسباطة: الموضع الذي ترمى فيه الكناسة والتراب.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٨.\n(^٤) سنن أبي داود (طهارة باب ٦٢)\n(^٥) في سنن أبي داود: «أتى كظامة قوم-يعني الميضأة».","vol":"3","page":51},{"text":"وقد صح عنه ﷺ الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه، ولما كان القرآن آمرا بغسل الرجلين كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليه، توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعد ما أسلمت، تفرد به أحمد. وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل:\nتفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه، قال الأعمش:\nقال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، لفظ مسلم (^٢). وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولا منه وفعلا، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير مع ما يحتاج إلى ذكره هناك من تأقيت المسح أو عدمه، أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه.\nوقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي ﷺ النهي عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت هذه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، هذا لفظه، فعند الأئمة ﵏: في كل قدم كعبان، كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين من طريق حمران عن عثمان أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك.\nوروى البخاري (^٣) تعليقا مجزوما به وأبو داود (^٤) وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٦٣.\n(^٢) صحيح مسلم (طهارة حديث ٧٢)\n(^٣) صحيح البخاري (أذان باب ٧١)\n(^٤) سنن أبي داود (صلاة باب ٩٣)","vol":"3","page":52},{"text":"القاسم الحسيني بن الحارث الجدلي، عن النعمان بن بشير قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال «أقيموا صفوفكم-ثلاثا-والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم» قال:\nفرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه، لفظ ابن خزيمة، فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه، إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم كما هو مذهب أهل السنة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك عن يحيى بن الحارث التيمي يعني الخابر، قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد، فوجدت الكعب فوق ظهر القدم، وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، تنكيلا بهم في مخالفتهم الحق وإصرارهم عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام، وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك، لكن البخاري روى هاهنا حديثا خاصا بهذه الآية الكريمة فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل، فثنى رأسه في حجري راقدا، فأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبست الناس في قلادة، فتمنيت الموت لمكان رسول الله ﷺ مني، وقد أوجعني، ثم إن النبي ﷺ استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال أسيد بن الحضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم (^١).\nوقوله تعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم، ورحمة بكم وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير، وقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال:\nكانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ٢)","vol":"3","page":53},{"text":"الناس، فأدركت من قوله «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» قال: قلت: ما أجود هذا، فإذا قائل بين يدي يقول:\nالتي قبلها أجود منها، فنظرت فإذا عمر ﵁ فقال: إني قد رأيتك جئت آنفا قال «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» لفظ مسلم (^١).\nوقال مالك (^٢) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب» ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك به، وقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو ذراعيه، إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه» هذا لفظه. وقد رواه الإمام أحمد (^٤) عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن منصور، عن سالم، عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي ﷺ قال «وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه، وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، وإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه» قال شعبة: ولم يذكر مسح الرأس، وهذا إسناد صحيح.\nوروى ابن جرير (^٥) من طريق شمر بن عطية عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه» وروى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم جنة، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو\n_________\n(^١) صحيح مسلم (طهارة حديث ١٧)\n(^٢) موطأ مالك (طهارة حديث ٣١)\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٧٩.\n(^٤) مسند أحمد ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(^٥) تفسير الطبري ٤/ ٤٧٩.","vol":"3","page":54},{"text":"موبقها» (^١). وفي صحيح مسلم من رواية سماك بن حرب عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور» (^٢). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن قتادة، سمعت أبا المليح الهذلي يحدث عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بيت فسمعته يقول «إن الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول» وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث شعبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-398>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧ إلى ١١]</span>\n﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾\nيقول تعالى مذكرا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم. وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه، وقبوله منه، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون عليها رسول الله ﷺ عند إسلامهم كما قالوا: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وقال الله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨]، وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد ﷺ والانقياد لشرعه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\nوقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قاله مجاهد ومقاتل بن حيان، والقول الأول أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس والسدي واختاره ابن جرير (^٣).\nثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال، ثم أعلمهم\n_________\n(^١) صحيح مسلم (طهارة حديث ١)\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٤٨١.","vol":"3","page":55},{"text":"أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر من الأسرار والخواطر، فقال ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ﴾ أي كونوا قوامين بالحق لله ﷿، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا ﴿شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل لا بالجور، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة:\nلا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله ﷺ، فجاءه ليشهده على صدقتي، فقال «أكل ولدك، نحلت مثله؟» قال: لا، فقال «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». وقال «إني لا أشهد على جور» قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقا كان أو عدوا، ولهذا قال ﴿اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨].\nوقوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ، ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولهذا قال بعده ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهو الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه فالكل منه وله، فله الحمد والمنة.\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ وهذا من عدله تعالى، وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير. وقوله تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر: أن النبي ﷺ نزل منزلا، وتفرق الناس في العضاه (^٢) يستظلون تحتها، وعلق النبي ﷺ سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله ﷺ، فأخذه فسله، ثم أقبل على النبي ﷺ فقال: من\n_________\n(^١) صحيح البخاري (هبة باب ١٢) وصحيح مسلم (هبات حديث ٩ و١٠ و١٧)، وسنن الترمذي (أحكام باب ٣٠)\n(^٢) العضاه: كل شجر له شوك، صغر أو كبر. واحدته: عضاهة.","vol":"3","page":56},{"text":"يمنعك مني؟ قال: «الله ﷿». قال الأعرابي، مرتين أو ثلاثا: من يمنعك مني؟ والنبي ﷺ يقول «الله». قال: فشام (^١) الأعرابي السيف، فدعا النبي ﷺ أصحابه، فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالس إلى جنبه، ولم يعاقبه، وقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأول ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية (^٢)، وقصة هذا الأعرابي وهو غورث بن الحارث ثابتة في الصحيح.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وذلك أن قوما من اليهود صنعوا لرسول الله ﷺ ولأصحابه طعاما ليقتلوهم، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأت الطعام وأمر أصحابه فأتوه (^٣)، رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو مالك: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا أن يغدروا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف، رواه ابن أبي حاتم. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار ومجاهد وعكرمة وغير واحد، أنها نزلت في شأن بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله ﷺ الرحى، لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا عمرو بن جحاش بن كعب بذلك، وأمروه إن جلس النبي ﷺ تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي ﷺ على ما تمالئوا عليه، فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك هذه الآية (^٤). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس وعصمه، ثم أمر رسول الله ﷺ أن يغدو إليهم، فحاصرهم حتى أنزلهم فأجلاهم.\n_________\n(^١) شام سيفه: أغمده.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٨٧.\n(^٣) في الدر المنثور للسيوطي: «فلم يأتوه» وهو الصواب.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠.","vol":"3","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-399>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٢ إلى ١٤]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾\nلما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ، وأمرهم بالقيام بالحق، والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنا منه لهم، وطردا عن بابه وجنابه، وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع، والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعني عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى ﵇ لقتال الجبابرة، فأمر بأن يقيم نقباء من كل سبط نقيب، قال محمد بن إسحاق: فكان من سبط روبيل شامون بن زكّور، ومن سبط شمعون شافاط بن حرى، ومن سبط يهوذا كالب بن يوفنا، ومن سبط أبين ميخائيل بن يوسف، ومن سبط يوسف وهو سبط إفرايم يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين فلطمى بن رفون ومن سبط زبولون جدي بن سودى ومن سبط منشا بن يوسف جدي بن موسى ومن سبط دان حملائيل بن حمل ومن سبط أسير ساطور بن ملكيل، ومن سبط نفثالي نحر بن وفسي، ومن سبط جاد جولايل بن ميكى.\nوقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة لم ذكره ابن إسحاق، والله أعلم، قال فيها: فعلى بني روبيل اليصور بن سادون، وعلى بني شمعون شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا يحشون بن عمياذاب، وعلى بني يساخر شال بن صاعون، وعلى بني زبولون الياب بن حالوب، وعلى بني إفرايم منشا بن عمنهود، وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين أبيدن بن جدعون، وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أسير نحايل بن عجران، وعلى بني حاز السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي أجزع بن عمينان.\nوهكذا لما بايع رسول الله ﷺ الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيبا: ثلاثة من الأوس: وهم أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، ويقال بدله أبو الهيثم بن التيهان ﵁، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمر بن حنيش ﵃، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إسحاق ﵀، والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي ﷺ لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة","vol":"3","page":58},{"text":"والمبايعة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة (^١).\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله:\nما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال «اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل» هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول «لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا» ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت علي، فسألت أي ماذا قال النبي ﷺ؟ قال «كلهم من قريش» وهذا لفظ مسلم (^٣). ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل وقد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ﵃، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشر من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم.\nوفي التوراة البشارة بإسماعيل ﵇، وأن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيما، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة، وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر، فيتشيع كثير منهم جهلا وسفها لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ.\nوقوله تعالى: ﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي بحفظي وكلاءتي ونصري ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أي صدّقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي نصرتموهم ووازرتموهم على الحق ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ أي ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها، ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود.\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٤٤٣ - ٤٤٥.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٣٩٨.\n(^٣) صحيح مسلم (إمارة حديث ٦)","vol":"3","page":59},{"text":"وقوله ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشده وجحده، وعامله معاملة من لا يعرفه، فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضلال، ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، فقال ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ أي فسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم، أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى، ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ أي فلا يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أي فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، عياذا بالله من ذلك، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي وتركوا العمل به رغبة عنه. وقال الحسن: تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها (^١)، وقال غيره: تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة، ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك. وقال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله ﷺ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني به الصفح عمن أساء إليك. وقال قتادة (^٢): هذه الآية ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ منسوخة بقوله ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ أي ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى متابعون المسيح ابن مريم ﵇ وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ﷺ، ومناصرته، ومؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، فكل فرقة تحرم الأخرى، ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ثم قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب ﷿ وتعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا، من جعلهم له صاحبة وولدا، تعالى الواحد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٩٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٩٨.","vol":"3","page":60},{"text":"الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-400>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٥ إلى ١٦]</span>\n﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض: عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قال تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ﴾ قال: فكان الرجم مما أخفوه (^١)، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-401>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٧ إلى ١٨]</span>\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، ثم قال مخبرا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي لو أراد ذلك، فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا\n_________\n(^١) الدر المنثور ٢/ ٤٧٥.","vol":"3","page":61},{"text":"الذي يقدر على صرفه عن ذلك، ثم قال ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.\nثم قال تعالى رادا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من النبوة ما ادعوها في عيسى ﵇ وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قال الله تعالى رادا عليهم ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه، فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في المسند للإمام أحمد (^١) حيث قال: حدثنا ابن أبي عدي عن حميد، عن أنس، قال: مر النبي ﷺ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، وسعت فأخذته فقال القوم:\nيا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار. قال: فحفظهم النبي ﷺ فقال «لا والله ما يلقي حبيبه في النار» تفرد به أحمد.\n﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي هو فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور.\nوروى محمد بن إسحاق (^٢) عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله ﷺ نعمان بن آصا (^٣) وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ١٠٤.\n(^٢) أورده الطبري في تفسيره ٤/ ٥٠٥.\n(^٣) في الطبري وسيرة ابن هشام ١/ ٥١٤: «أضاء».","vol":"3","page":62},{"text":"وكلمهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله فيهم ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ورويا أيضا من طريق أسباط عن السدي في قول الله ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ أما قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ﴾ [آل عمران: ٢٤]، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد، فيدخلهم النار (^١)، فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجوهم فذلك قولهم لن ﴿تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-402>[سورة المائدة (٥): آية ١٩]</span>\n﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾\nيقول تعالى مخاطبا أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا ﷺ خاتم النبيين، الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال:\nعلى فترة من الرسل، أي بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة.\nورواه البخاري عن سلمان الفارسي، وعن قتادة: خمسمائة وستون سنة. وقال معمر، عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة. وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى ﵇ عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة، والمشهور هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة.\nومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين، ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] أي قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب، وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن أولى الناس بابن مريم لأنا ليس بيني وبينه نبي» (^٢) وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له خالد (^٣) بن سنان، كما حكاه القضاعي وغيره، والمقصود أن الله بعث محمدا ﷺ على فترة\n_________\n(^١) عبارة الطبري: «أن ولدا من ولدك أدخلهم النار.\n(^٢) صحيح البخاري (أنبياء باب ٤٨)\n(^٣) هو خالد بن سنان العبسي. كان في أرض بني عبس يدعو الناس إلى دين عيسى. قال ابن الأثير: من معجزاته أن نارا ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها وكادوا يدينون بالمجوسية، فأخذ خالد عصاه ودخلها ففرقها وهو يقول: «بدّا بدّا، كل هدي مؤدّى، لأدخلنها وهي تلظّى، ولأخرجن منها وثيابي تندّى» وطفئت وهو في وسطها. قال الزركلي: هي النفط لا ريب. وهناك روايات بأن النار كانت تخرج من بئر. فتأمّل. (الأعلام ٢/ ٢٩٦)","vol":"3","page":63},{"text":"من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين. كما قال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف، عن عياض بن حماد المجاشعي ﵁ أن النبي ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته «وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله ﷿ نظر إلى أهل الأرض فمقتهم:\nعربهم وعجمهم، إلا بقايا من بني إسرائيل، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت: يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة (^٢)، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسا أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير ذو عيال متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دين له، والذين هم فيكم تبع أو تبعا-شك يحيى-لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخيل أو الكذاب، والشنظير الفاحش.\nثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، وفي رواية شعبة عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف، وقد ذكر الإمام أحمد (^٣) في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة عنه، ثم رواه هو عن روح، عن عوف، عن حكيم الأثرم، عن الحسن قال: حدثني مطرف عن عياض بن حماد فذكره. ورواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به. والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله «وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل» وفي لفظ مسلم: من أهل الكتاب فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٦٢.\n(^٢) أي يشدخوا رأسي فيجعلوه مكسورا كالخبزة.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٢٦٦.","vol":"3","page":64},{"text":"محمدا ﷺ، فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ أي لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمدا ﷺ، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن جرير:\nمعناه إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-403>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٠ إلى ٢٦]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ فيما ذكر به قومه من نعم الله عليهم وآلائه لديهم في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة: لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ﴾ أي كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته حتى ختموا بعيسى ابن مريم ﵇، ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم ﷺ.\nوقوله ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، قال: الخادم والمرأة والبيت (^٢). وروى الحاكم في مستدركه من حديث الثوري أيضا عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس قال: المرأة والخادم ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار، سمي ملكا. وقال ابن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٠٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥١٠ وفيه «الزوجة» مكان «المرأة».","vol":"3","page":65},{"text":"جرير (^١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحنبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادما. قال: فأنت من الملوك.\nوقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار، رواه ابن جرير (^٢)، ثم روي عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحوا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران. وقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم واستؤذن عليه، فهو ملك وقال قتادة: كانوا أول من اتخذ الخدم.\nوقال السدي في قوله ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: يملك الرجل منكم نفسه وماله وأهله، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كتب ملكا، وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال ابن جرير (^٣): حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، سمعت زيد بن أسلم يقول: وجعلكم ملوكا فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله ﷺ من كان له بيت وخادم فهو ملك، وهذا مرسل غريب، وقال مالك:\nبيت وخادم وزوجة. وقد ورد في الحديث «من أصبح منكم معافى في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».\nوقوله ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ يعني عالمي زمانكم، فإنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦] وقال تعالى إخبارا عن موسى لما قالوا ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٠] والمقصود أنهم كانوا أفضل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجا، وأكرم نبيا، وأعظم ملكا، وأغزر أرزاقا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع مملكة، وأدوم عزا. قال الله تعالى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها عند الله عند قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] من سورة آل عمران.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥١٠.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":66},{"text":"وروى ابن جرير (^١) عن ابن عباس وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾: يعني أمة محمد ﷺ، فكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ مع هذه الأمة، والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه، وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا، وقيل: المراد وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين:\nيعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، ويظللهم به من الغمام وغير ذلك مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم.\nثم قال تعالى مخبرا عن تحريض موسى ﵇ لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف ﵇، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى ﵇ بالدخول إليها وبقتال أعدائهم وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد، مدة أربعين سنة عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى. فقال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال: يا قومي ادخلوا الأرض المقدسة أي المطهرة. وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ادخلوا الأرض المقدسة، قال: هي الطور وما حوله، وكذا قال مجاهد وغير واحد. وروى سفيان الثوري عن أبي سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: هي أريحاء، وكذا ذكر عن غير واحد من المفسرين، وفي هذا نظر، لأن أريحاء ليست هي المقصودة بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوهم فرعون، إلا أن يكون المراد بأريحاء أرض بيت المقدس، كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير (^٢) عنه، لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الطور شرقي بيت المقدس.\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أي التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل أنه وراثة من آمن منكم، ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ﴾ أي ولا تنكلوا عن الجهاد ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ أي اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها قوما جبارين أي ذوي خلق هائلة وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلا فلا طاقة لنا بهم. وقد قال ابن جرير (^٣): حدثني\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥١١.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥١٣ وبذلك رواه عن ابن زيد وابن عباس.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٥١٥.","vol":"3","page":67},{"text":"عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان قال: قال أبو سعيد: قال عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينا من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، قال: فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطا (^١) لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، فتبعهم فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب بهم إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال لهم الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.\nوفي هذا الإسناد نظر وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا، وهم النقباء الذين ذكرهم الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم هذا قدر فاكهتهم، فرجعوا إلى موسى فأخبروه، بما رأوا، فلما أمرهم موسى ﵇، بالدخول عليهم وقتالهم، قالوا: يا موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يزيد بن الهادي، حدثني يحيى بن عبد الرحمن، قال: رأيت أنس بن مالك، أخذ عصاه فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق.\nوقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق، ابن بنت آدم ﵇، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ قال «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن» (^٢) ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩] وقال تعالى: ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]\n_________\n(^١) الحائط: البستان المسوّر.\n(^٢) صحيح البخاري (أنبياء باب ١)","vol":"3","page":68},{"text":"وإذا كان ابن نوح الكافر، غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى ﷺ، حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه، وقرأ بعضهم ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ (^١) أي ممن لهم مهابة وموضع من الناس، ويقال إنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وعطية والسدي، والربيع بن أنس، وغير واحد من السلف والخلف ﵏ فقالا ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم، فلم ينفع ذاك فيهم شيئا ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال: إنهم لما نكلوا عن الجهاد، وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر، سجد موسى وهارون ﵉، قدام ملأ من بني إسرائيل، إعظاما لما هموا به، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوقنا ثيابهما، ولا ما قومهما على ذلك، فيقال إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم، وخطر جليل، وما أحسن ما أجاب به الصحابة ﵃ يوم بدر رسول الله ﷺ حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العير، الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة، والبيض واليلب (^٢)، فتكلم أبو بكر ﵁ فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين، ورسول الله ﷺ يقول «أشيروا علي أيها المسلمون» وما يقول ذلك، إلا ليستعلم ما عند الأنصار، لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسّر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله ﷺ قالوا: إذا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾\n_________\n(^١) أي بضم أوله.\n(^٢) البيض: الخوذ. واليلب: الدروع.","vol":"3","page":69},{"text":"والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك، ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد الطويل، عن أنس به، ورواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد به، ورواه ابن حبان عن أبي يعلى عن عبد الأعلى بن حماد، عن معمر بن سليمان، عن حميد به.\nوقال ابن مردويه: أنبأنا عبد الله بن جعفر، أنبأنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا محمد بن شعيب عن الحكم بن أيوب، عن عبد الله بن ناسخ، عن عتبة بن عبيد السلمي، قال: قال النبي ﷺ لأصحابه «ألا تقاتلون»؟ قالوا نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، وكان ممن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي ﵁، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثني سفيان عن مخارق بن عبد الله الأحمسي، عن طارق هو ابن شهاب، أن المقداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، هكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى فقال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إليّ مما عدل به، أتى رسول الله ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك وسر بذلك (^١).\nوهكذا رواه البخاري في المغازي وفي التفسير من طرق عن مخارق به، ولفظه في كتاب التفسير عن عبد الله، قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن امض ونحن معك. فكأنه سرّي عن رسول الله ﷺ ثم قال البخاري: رواه وكيع عن سفيان، عن مخارق، عن طارق، أن المقداد قال ذلك للنبي ﷺ (^٢).\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم «إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت» فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠ و٤/ ٣١٤.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ٣)\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٥٢١.","vol":"3","page":70},{"text":"كالملإ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا على ذلك.\nوهذا إن كان محفوظا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بدر.\nوقوله: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ يعني لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى ﵇، وقال داعيا عليهم ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ أي ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أمر الله ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: يعني اقض بيني وبينهم، وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، وقال غيره: افرق افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر:\n[الرجز] يا رب فافرق بينه وبيني … أشد ما فرقت بين اثنين (^١)\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، لما دعا عليهم موسى ﵇ حين نكلوا عن الجهاد حكم الله بتحريم دخولها عليهم مدة أربعين سنة فوقعوا في التيه يسيرون دائما لا يهتدون للخروج منه وفيه كانت أمور عجيبة وخوارق كثيرة من تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك نزلت التوراة وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد ويقال لها: قبة الزمان، قال يزيد بن هارون عن أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وهذا قطعة من حديث الفتون، ثم كانت وفاة هارون ﵇، ثم بعده بمدة ثلاث سنين وفاة موسى الكليم ﵇، وأقام لله فيهم يوشع بن نون ﵇، نبيا خليفة عن موسى بن عمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهم أحد سوى يوشع وكالب، ومن هاهنا قال بعض المفسرين في قوله ﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هذا وقف تام، وقوله ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلما انقضت المدة، خرج بهم يوشع بن نون ﵇، أو بمن بقي منهم، وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في تفسير الطبري ٤/ ٥٢٢ ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٠.","vol":"3","page":71},{"text":"بعد العصر، فلما تضيفت (^١) الشمس للغروب وخشي دخول السبت عليهم، قال: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي. فحبسها الله تعالى حتى فتحها، وأمر الله يوشع بن نون، أن يأمر بني إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس، أن يدخلوا بابها سجدا، وهم يقولون:\nحطة أي حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا يزحفون على أستاههم وهو يقولون: حبة في شعرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العبدي، حدثنا سفيان عن أبي سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، ﵁، قوله ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: فتاهوا أربعين سنة، قال: فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة، ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له: اليوم يوم الجمعة، فهموا بافتتاحها ودنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور، وإنك مأمورة، فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأته، فقال: فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده فقال: الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع القربان، فأتت النار فأكلته (^٢)، وهذا السياق له شاهد في الصحيح.\nوقد اختار ابن جرير (^٣) أن قوله: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هو العامل في أربعين سنة وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، قال: ثم خرجوا مع موسى ﵇، ففتح بهم بيت المقدس، ثم احتج على ذلك من قال بإجماع علماء أخبار الأولين، أن عوج بن عنق قتله موسى ﵇، قال: فلو كان قتله إياه قبل التيه، لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق فدل على أنه كان بعد التيه، قال: وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على موسى، قال: وما ذاك إلا بعد التيه، لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه، هذا استدلاله، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس عن ابن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرا لأهل النيل سنة (^٤)، وروي أيضا عن محمد بن بشار: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن نوف هو البكالي قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة\n_________\n(^١) تضيّفت للغروب: مالت إليه ودنت منه.\n(^٢) رواه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٨١.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٥.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٦.","vol":"3","page":72},{"text":"أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجا فأصاب كعبه فسقط ميتا وكان جسرا للناس يمرون عليه (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ تسلية لموسى ﵇ عنهم، أي لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به، فإنهم مستحقون ذلك، وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله ﷺ وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون لتقر به أعينهم، وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يتردّدون، وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه ويقولون مع ذلك: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأييد الخلود، وقد فعل وله الحمد في جميع الوجود.\n\n<span data-type='title' id=toc-404>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٧ إلى ٣١]</span>\n﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ (٣١)﴾\nيقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه في قول الجمهور، وهما قابيل وهابيل كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله، بغيا عليه وحسدا له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله ﷿، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾، أي اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم، وهما هابيل وقابيل، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف.\nوقوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل،\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"3","page":73},{"text":"ولا زيادة ولا نقصان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] وقال ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]، وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى: شرع لآدم ﵇، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا أن يقربا قربانا، فمن تقبل منه فهي له، فتقبّل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-405>ذكر أقوال المفسرين هاهنا</span>\nقال السدي فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: هابيل وقابيل وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى، وأنهما قربا قربانا إلى الله ﷿ أيهما أحق بالجارية، وكان آدم ﵇ قد غاب عنهما، أتى مكة ينظر إليها، قال الله ﷿: هل تعلم أن لي بيتا في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: إن لي بيتا في مكة، فأته، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم قربا قربانا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي، فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها وأكلها فنزلت النار، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين، رواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن خيثم قال: أقبلت مع سعيد بن جبير، فحدثني عن ابن عباس، قال: نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٩.","vol":"3","page":74},{"text":"فبينما هم كذلك إذ ولد له امرأة وضيئة وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة:\nأنكحني أختك وأنكحك أختي، فقال لا، أنا أحق بأختي، فقربا قربانا فتقبل من صاحب الكبش ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله، إسناد جيد، وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله ﴿إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ فقربا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعامه، فقبل الله الكبش فخزنة في الجنة أربعين خريفا، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم ﵇، إسناد جيد.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عمرو، قال: إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قربانا، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكودن والزوان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله ﷿، تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه.\nوقال إسماعيل بن رافع المدني القاص: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان، كان أحدهما صاحب غنم وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، فلما أمر بالقربان قربه لله ﷿ فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم ﵇، رواه ابن جرير (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن علي بن الحسين، قال: قال آدم ﵇ لهابيل وقابيل: إن ربي عهد إلي أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان، فقربا قربانا حتى تقر عيني، إذا تقبل قربانكما فقربا وكان هابيل صاحب غنم فقرب أكولة غنم خير ماله، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب مشاقة من زرعه، فانطلق آدم معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل، فوضعا قربانهما ثم جلسوا ثلاثتهم آدم وهما ينظران إلى القربان، فبعث الله نارا حتى إذا كانت فوقهما دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل، فانصرفوا، وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل رد عليك قربانك، فقال قابيل أحببته فصليت على قربانه ودعوت له فتقبل قربانه ورد علي قرباني، فقال قابيل لهابيل لأقتلنك وأستريح منك، دعا لك أبوك فصلى على قربانك فتقبل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٧.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"3","page":75},{"text":"منك، وكان يتواعده بالقتل إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم: يا قابيل، أين أخوك؟ قال: وبعثتني له راعيا لا أدري، فقال آدم: ويلك يا قابيل، انطلق فاطلب أخاك، فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله، وأخذ معه حديدة فاستقبله وهو منقلب، فقال: يا هابيل تقبل قربانك ورد علي قرباني لأقتلنك، فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك وإن الله لا يقبل إلا الطيب إنما يتقبل الله من المتقين، فلما قالها غضب قابيل، فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من الله كيف يجزيك بعملك؟ فقتله، فطرحه في حوبة من الأرض، وحثى عليه شيئا من التراب.\nوروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح توأمة قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قابيل وكره تكرما عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي، ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه والله أعلم أي ذلك كان فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرّب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة، فأرسل الله نارا بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله، رواه ابن جرير (^١).\nوروى العوفي عن ابن عباس قال: من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا لو قربنا قربانا، وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله أرسل إليه نارا فتأكله، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار، فقربا قربانا، وكان أحدهما راعيا وكان الآخر حراثا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي، فلا والله لا ينظر الناس إليّ وأنت خير مني فقال: لأقتلنك، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير (^٢).\nفهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارؤ (^٣) في امرأة كما تقدم عن جماعة ممن تقدم ذكرهم وهو ظاهر القرآن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٨.\n(^٣) التدارؤ: التدافع في الخصومة.","vol":"3","page":76},{"text":"﴿إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده بقبول قربانه دونه، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل وأن الذي قرب الطعام هو قابيل وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب، والله أعلم، ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضا، ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال الذي قرب الزرع قابيل وهو المتقبل منه، وهذا خلاف المشهور ولعله لم يحفظ عنه جيدا، والله أعلم.\nومعنى قوله ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي ممن اتقى الله في فعله ذلك، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثني صفوان بن عمرو عن تميم يعني ابن مالك المقري، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها إن الله يقول ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عمران حدثنا إسحاق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون بن أبي حمزة، قال: كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة.\nوقوله ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب، قال عبد الله بن عمرو:\nوأيم الله إن كان (^١) لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع، ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا:\nيا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد عن عياش بن عباس، عن بكير بن عبد الله، عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن\n_________\n(^١) أي المقتول، كما في تفسير الطبري ٤/ ٥٣٢.\n(^٢) صحيح البخاري (فتن باب ١٠) وصحيح مسلم (فتن حديث ١٤ و١٥) وسنن النسائي (تحريم باب ٢٩)\n(^٣) مسند أحمد ١/ ١٨٥.","vol":"3","page":77},{"text":"رسول الله ﷺ قال «إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي» قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليّ ليقتلني فقال «كن كابن آدم».\nوكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد وقال: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة ورواه بعضهم عن الليث بن سعد وزاد في الإسناد رجلا، قال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو حسين الأشجعي، قلت: وقد رواه أبو داود (^١) من طريقه فقال: حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا الفضل عن عياش بن عباس، عن بكير عن بشر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ في هذا الحديث قال: فقلت: يا رسول الله أرأيت إن دخل بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ «كن كابن (^٢) آدم» وتلا يزيد ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾.\nقال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ لعثمان بن عفان ﵁، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا ابن حزم، حدثني أبو عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: ركب النبي ﷺ حمارا وأردفني خلفه وقال «يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع؟» قال: قال: الله ورسوله أعلم، قال «تعفف» قال «يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد يعني القبر كيف تصنع؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «اصبر» قال «يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا، يعني حتى تغرق حجارة الزيت (^٤) من الدماء كيف تصنع؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال «اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك» قال: فإن لم أترك، قال «فائت من أنت منهم فكن منهم» قال: فآخذ سلاحي، قال «فإذا تشاركهم فيما هم فيه ولكن إذا خشيت أن يردعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك»، ورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي، من طرق عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت به، ورواه أبو داود وابن ماجة من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر بنحوه، قال أبو داود: ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير\n_________\n(^١) سنن أبي داود (فتن باب ٢)\n(^٢) في أبي داود: «كابني آدم».\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ١٤٩.\n(^٤) حجارة الزيت: موضع كان بالمدينة.","vol":"3","page":78},{"text":"حماد بن زيد.\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حذيفة فسمعت رجلا يقول:\nسمعت هذا يقول في ناس، مما سمعت من رسول الله ﷺ «لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري فلألجنه فلئن دخل علي فلان لأقولن ها، بؤ بإثمي وإثمك فأكون كخير ابني آدم».\nوقوله ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، قاله ابن جرير (^١). وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي، وهذا قول وجدته عن مجاهد وأخشى أن يكون غلطا لأن الصحيح من الرواية عنه خلافه، يعني ما رواه سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ قال: بقتلك إياي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قال: بما كان منك قبل ذلك، وكذا رواه عيسى بن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله، وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يقول إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي فتبوء بهما جميعا.\n(قلت) وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له «ما ترك القاتل على المقتول من ذنب» وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا يشبه هذا ولكن ليس به فقال: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة بن سعيد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ «قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه» وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه فأما أن تحمل على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته فإن نفدت ولم يستوف حقه، أخذ من سيئات المقتول، فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم.\nوأما ابن جرير فقال: والصواب من القول في ذلك أن يقال إن تأويله إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي وذلك هو معنى قوله ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ وأما معنى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ فهو إثمه يعني قتله (^٢) وذلك معصيته الله ﷿ في أعمال سواه وإنما قلنا ذلك هو الصواب\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٣٤.\n(^٢) في تفسير الطبري: «فهو إثمه بغير قتله».","vol":"3","page":79},{"text":"لإجماع أهل التأويل عليه وأن الله ﷿ أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه وإذا كان هذا حكمه في خلقه فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله، هذا لفظه، ثم أورد على هذا سؤالا حاصله كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه مع أن قتله له محرم؟ وأجاب بما حاصله أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف عنه يده طالبا إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه (^١).\nقلت: وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرا له لو انزجر، ولهذا قال ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي تتحمل إثمي وإثمك ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ وقال ابن عباس: خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر.\nوقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي فحسنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي بعد هذه الموعظة وهذا الزجر، وقد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر وهو محمد بن علي بن الحسين أنه قتله بحديدة في يده، وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة بن عبد الله، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ، فطوعت له نفسه قتل أخيه، فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء، رواه ابن جرير (^٢). وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقا وعضا كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر، ثم أخذ حجرا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك، رواه ابن أبي حاتم، وقال عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعا فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت. قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلمه، فرجع إليها مرتين فلم تكلمه الله، فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبنيّ منها برآء، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه؟ وقد\n_________\n(^١) لمزيد من الإيضاح راجع تفسير الطبري ٤/ ٥٣٤ - ٥٣٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٣٦.","vol":"3","page":80},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل» وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق عن الأعمش به، وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج قال:\nقال ابن جريج: قال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. قال: وقال عبد الله بن عمرو: إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم أنه حدث عن عبد الله بن عمرو أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلا لابن آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شر، وذلك أنه أول من سن القتل، وقال إبراهيم النخعي: ما من مقتول يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه، ورواه ابن جرير أيضا.\nوقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ قال السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة ﵃: لما مات الغلام تركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه، فلما رآه قال ﴿يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ (^٢) وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: جاء غراب إلى غراب ميت، فحثى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه ﴿يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ (^٣). وقال الضحاك، عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ﴾ فدفن أخاه (^٤)، وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتا لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال ﴿يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ رواه ابن جرير (^٥) وابن أبي حاتم، وقال عطية العوفي:\nلما قتله ندم فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطيور والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله،\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٨٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٣٨.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المصدر نفسه.\n(^٥) المصدر السابق ص ٥٣٩.","vol":"3","page":81},{"text":"رواه ابن جرير.\nوروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: لما قتله سقط في يده، أي ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل في بني آدم، وأول ميت ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾. قال: وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل، قال له الله ﷿: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيبا، فقال الله: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن، أنت ملعون في الأرض التي فتحت فاها فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض (^١). وقوله ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران.\nفهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله «إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل» وهذا ظاهر جلي، ولكن قال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو، عن الحسن هو البصري، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن اللذان قال الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان من بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات.\nوهذا غريب جدا، وفي إسناده نظر، وقد قال عبد الرزاق، عن معمر عن الحسن، قال:\nقال رسول الله ﷺ «إن ابني آدم ﵇ ضربا لهذه الأمة مثلا، فخذوا بالخير منهما» ورواه ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا، فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم»، وكذا أرسل هذا الحديث بكير بن عبد الله المزني، روى ذلك كله ابن جرير (^٣). وقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل ابن آدم أخاه مكث آدم مائة سنة حزينا لا يضحك، ثم أتى فقيل له: حياك الله وبياك، أي أضحكك، رواه ابن جرير (^٤)، ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال: قال علي بن أبي طالب لما قتل ابن آدم أخاه بكاه آدم فقال: [الوافر] تغيرت البلاد ومن عليها … فلون الأرض مغبر قبيح\nتغير كل ذي لون وطعم … وقل بشاشة الوجه المليح\n_________\n(^١) رواه الطبري ٤/ ٥٣٩ من طريق محمد بن إسحاق بأطول مما هنا.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٣٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٥٣٠.","vol":"3","page":82},{"text":"فأجيب آدم ﵊:\nأبا هابيل قد قتلا جميعا … وصار الحي كالميت الذبيح\nوجاء بشرّة قد كان منها … على خوف فجاء بها يصيح\nوالظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد وابن جبير أنه علقت ساقه بفخذه إلى يوم القيامة، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلا به، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\n\n<span data-type='title' id=toc-406>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]</span>\n﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾\nيقول تعالى: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانا ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي شرعنا لهم وأعلمناهم ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا﴾ أي من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعا، لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن أحياها، أي حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلّم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال ﴿فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا﴾ وقال الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين، فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم؟ قلت: لا، قال: فإنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا فانصرف مأذونا لك مأجورا غير مأزور، قال: فانصرفت ولم أقاتل، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا﴾ وإحياؤها ألا يقتل نفسا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعا يعني أنه من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه، وهكذا قال مجاهد: ومن أحياها، أي كف عن قتلها (^١).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٣.","vol":"3","page":83},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، يقول: من قتل نفسا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعا، وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعا، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعا، هذا قول وهو الأظهر، وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس: من قتل نبيا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا، رواه ابن جرير.\nوقال مجاهد في رواية أخرى عنه: من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا، وذلك لأن من قتل النفس فله النار فهو كما لو قتل الناس كلهم، قال ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد في قوله: ﴿فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ من قتل النفس المؤمنة متعمدا، جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما، يقول: لو قتل الناس جميعا لم يزد على مثل ذلك العذاب، قال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: من لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفسا فكأنما قتل الناس، يعني فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة، ومن أحياها أي عفا عن قاتل وليه فكأنما أحيا الناس جميعا، وحكي ذلك عن أبيه، رواه ابن جرير (^١).\nوقال مجاهد في رواية: ومن أحياها، أي أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة، وقال الحسن وقتادة في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها: وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكي، عن سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل، فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا، وقال الحسن البصري: ﴿فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: وزرا، ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: أجرا (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله ﷺ «يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟» قال: بل نفس أحييها. قال «عليك بنفسك».\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٣.\n(^٢) الآثار السابقة رواها الطبري في تفسيره ٤/ ٥٤٣.\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ١٧٥.","vol":"3","page":84},{"text":"﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع ممن حول المدينة من اليهود الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها. فدوا من أسروه وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث يقول ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:\n٨٤ - ٨٥].\nوقوله ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، المحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة والحسن البصري، قالا ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ -إلى- ﴿أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب.\nورواه أبو داود (^٢) والنسائي من طريق عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾، نزلت في المشركين من تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾ الآية، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٧.\n(^٢) سنن أبي داود (حدود باب ٣)","vol":"3","page":85},{"text":"وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، رواه ابن جرير (^١).\nوروى شعبة عن منصور عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية (^٢) ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾ رواه ابن مردويه.\nوالصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات؛ كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة واسمه عبد الله بن زيد الجرمي البصري عن أنس بن مالك أن نفرا من عكل ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا (^٣) المدينة، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك، فقال «ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها» فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا، لفظ مسلم، وفي لفظ لهما: من عكل أو عرينة، وفي لفظ: وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون، فلا يسقون. وفي لفظ لمسلم: ولم يحسمهم، وعند البخاري قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله، ورواه مسلم من طريق هشيم عن عبد العزيز بن صهيب، وحميد عن أنس، فذكر نحوه وعنده فارتدوا، وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس بنحوه، وقال سعيد عن قتادة: من عكل وعرينة، وراه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال: إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك، لأنهم سملوا أعين الرعاء، ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة الدم وهو البرسام، ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: عنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فارسا فأرسلهم وبعث معهم قائفا يقفو أثرهم وهذه كلها ألفاظ مسلم ﵀ (^٤).\nوقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة وثابت البناني وحميد الطويل عن أنس بن مالك أن ناسا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٧.\n(^٢) هم الخوارج.\n(^٣) أي لم يوافق مناخها أبدانهم وأمزجتهم.\n(^٤) انظر صحيح البخاري (ديات باب ٢٢) وصحيح مسلم (قسامة حديث ١٠)","vol":"3","page":86},{"text":"وألقاهم في الحرة قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا، ونزلت ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه وهذا لفظه، وقال الترمذي: حسن صحيح (^١).\nوقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة عن أنس بن مالك، منها ما رواه من طريقين عن سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: ما ندمت على حديث، ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج، قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ. قال:\nقلت قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضمرت بطونهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم، عمدوا إلى الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا. فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قد قطع أيدي قوم وأرجلهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا بحال ذود من الإبل، فكان الحجاج يحتج بهذا الحديث على الناس.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد يعني ابن مسلم، حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عكل، فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم يلتقمون الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود يعني عبد الرحمن بن الحسن الزجاج، حدثنا أبو سعيد يعني البقال، عن أنس بن مالك قال: كان رهط من عرينة أتوا رسول الله ﷺ وبهم جهد، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصفت ألوانهم، وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في طلبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسمر أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا يزيد بن لهيعة عن ابن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه\n_________\n(^١) سنن أبي داود (حدود باب ٢) وسنن الترمذي (طهارة باب ٥٥)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٩.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":87},{"text":"أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام.\nوقال حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر أو عمرو-شك يونس-عن رسول الله ﷺ بذلك، يعني بقصة العرنيين، ونزلت فيهم آية المحاربة، ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه عن ابن عمر من غير شك (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن حماد عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير، قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة حفاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله ﷺ فلما صحوا واشتدوا، قتلوا رعاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم، قال جرير فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله ﷺ يقول: النار حتى هلكوا، قال: وكره الله ﷿ سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية، هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي وهو ضعيف، وفي إسناده فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي، وتقدم في صحيح مسلم أن هذه السرية كانوا عشرين فارسا من الأنصار، وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية، فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصا، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال قدم على رسول الله ﷺ رجال من بني فزارة قد ماتوا هزلا، فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربوا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطلبوا فأتي بهم النبي ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر (^٣) أعينهم. قال أبو هريرة ففيهم نزلت هذه الآية ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾، فترك النبي ﷺ سمر الأعين بعد، وروي من وجه آخر عن أبي هريرة.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة عن\n_________\n(^١) سنن أبي داود (حدود باب ٣)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٨.\n(^٣) قال في اللسان (سمر): سمر عينه: كسملها. ومن روى الحديث باللام فمعناه فقأها بشوك أو غيره، وقوله سمر أعينهم أي أحمى لا مسامير الحديث ثم كحلها بها.","vol":"3","page":88},{"text":"موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي ﷺ غلام يقال له يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة فكان بها، قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاءوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم قال: فبعث بهم النبي ﷺ إلى يسار، فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينيه، ثم طردوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في آثارهم خيلا من المسلمين، كبيرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم فجاء بهم إليه فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، غريب جدا، وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة منهم جابر وعائشة وغير واحد، وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدا فرحمه الله وأثابه.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا حمزة عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال: كان أناس أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: نبايعك على الإسلام، فبايعوه وهم كذبة، وليس الإسلام يريدون، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي ﷺ هذه اللقاح تغدوا عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها، قال: فبينما هم كذلك إذ جاء الصريخ، فصرخ إلى رسول الله ﷺ فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم، فأمر النبي ﷺ فنودي في الناس «أن يا خيل الله اركبي» قال: فركبوا لا ينتظر فارس فارسا، قال: وركب رسول الله ﷺ على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ﷺ فأنزل الله ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، قال فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبي الله ﷺ منهم وصلب، وقطع وسمر الأعين، قال: فما مثل رسول الله ﷺ قبل ولا بعد، قال: ونهى عن المثلة، وقال «ولا تمثلوا بشيء» قال: وكان أنس يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم، قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة، وناس من بجيلة.\nوقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين: هل هو منسوخ، أو محكم؟ فقال بعضهم:\nهو منسوخ بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتابا للنبي ﷺ كما في قوله ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة، وهذا القول فيه نظر، ثم قائله مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ، وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، وفيه نظر، فإن قصته متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة، ومنهم من قال لم يسمل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٨.","vol":"3","page":89},{"text":"النبي ﷺ أعينهم، وإنما عزم على ذلك حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول أيضا فيه نظر، فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي رواية سمر أعينهم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي ﷺ أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك، وعلمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو يعني الأوزاعي، فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل.\nثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور من العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾ وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله، ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه.\nوقوله تعالى ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: من شهر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير (^٢) وحكى مثله عن مالك بن أنس ﵀ ومستند هذا القول أن ظاهر أو للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله في جزاء الصيد ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وكقوله في كفارة الفدية ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكقوله في كفارة اليمين ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذه كلها على التخيير فكذلك فلتكن هذه الآية.\nوقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد الله الشافعي: أنبأنا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٥٢ - ٥٥٣.","vol":"3","page":90},{"text":"إبراهيم بن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق، إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض، وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية عن ابن عباس بنحوه، وعن أبي مخلد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء الخراساني نحو ذلك، وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة، واختلفوا: هل يصلب حيا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين، وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة وعليه التكلان.\nويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير (^١) في تفسيره إن صح سنده فقال: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان، كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبرائيل ﵇ عن القضاء فيمن حارب فقال: من سرق مالا وأخاف السبيل، فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه.\nوأما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام، رواه ابن جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك وسعيد بن جبير والضحاك والربيع بن أنس والزهري والليث بن سعد ومالك بن أنس وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية وقال الشعبي: ينفيه -كما قال ابن هبيرة-من عمله كله. وقال عطاء الخراساني ينفى من جند إلى جند سنين، ولا يخرج من دار الإسلام، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء والحسن والزهري والضحاك ومقاتل بن حيان إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام، وقال آخرون: المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير أن المراد بالنفي هاهنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي هذا الذي ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم، خزي لهم بين الناس\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٤٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٥٧ - ٥٥٨.","vol":"3","page":91},{"text":"في هذه الحياة الدنيا مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد قول من قال: إنها نزلت في المشركين فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه (^١) بعضنا بعضا، فمن وفي منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله: إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه (^٢)، وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ «من أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه». ورواه الإمام أحمد (^٣) والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب. وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعا وموقوفا، قال ورفعه صحيح.\nوقال ابن جرير (^٤) في قوله: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا﴾ يعني شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا لهم في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني عذاب جهنم، وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش منهم الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر، فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره، ثم أتى عليا، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادا، فقرأ حتى بلغ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قال: فكتب له أمانا، قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة بن بدر، وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد عن الشعبي به، وزاد فقال حارثة بن بدر: [الطويل] ألا بلغن همدان أما لقيتها … على النأي لا يسلم عدو يعيبها\n_________\n(^١) أي لا يقذفه بالباطل.\n(^٢) صحيح مسلم (حدود حديث ٤٣)\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٩٩.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٥٦٠.","vol":"3","page":92},{"text":"لعمر أبيها إن همدان تتقي الإله … ويقضي بالكتاب خطيبها (^١)\nوروى ابن جرير (^٢) من طريق سفيان الثوري عن السدي، ومن طريق أشعث، كلاهما عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة عثمان ﵁ بعد ما صلّى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان ابن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادا، وإني تبت من قبل أن تقدروا عليّ، فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، وإنه تاب من قبل أن نقدر عليه فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله، ثم قال ابن جرير (^٣): حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم قال:\nقال الليث: وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الأمير عندنا، أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يقدروا عليه حتى جاء تائبا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فوقف عليه فقال:\nيا عبد الله أعد قراءتها فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ فصلى الصبح ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس فقاموا إليه فقال: لا سبيل لكم علي جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي، فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة في زمن معاوية فقال: هذا علي جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل، فترك من ذلك كله، قال وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا منه إلى شقها الآخر (^٤)، فمالت به وبهم فغرقوا جميعا.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾\n_________\n(^١) البيتان في تفسير الطبري ٤/ ٥٦٢ وفيه «أبلغن» مكان «بلغن».\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٦٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٥٦٤.\n(^٤) عبارة الطبري: «فهزموا منه إلى سفينتهم الأخرى».","vol":"3","page":93},{"text":"يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال سفيان الثوري، عن طلحة عن عطاء، عن ابن عباس: أي القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد. وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. وأنشد عليه ابن جرير قول الشاعر:\n[الطويل] إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا … وعاد التصافي بيننا والوسائل (^١)\nوالوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضا علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة» (^٢).\nحديث آخر-في صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلّى علي صلاة صلّى الله عليه عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» (^٣).\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة». قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال «أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو».\nورواه الترمذي عن بندار، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب قال: حدثني أبو هريرة، ثم قال: غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحدا روى عنه غير ليث بن أبي سليم.\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة أيضا في تفسير الطبري ٤/ ٥٦٧ وتفسير القرطبي ٦/ ١٥٩.\n(^٢) صحيح البخاري (أذان باب ٨)\n(^٣) صحيح مسلم (صلاة حديث ١١)\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ٢٦٥.","vol":"3","page":94},{"text":"حديث آخر-عن أبي هريرة ﵁، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا محمد بن نصر الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا ابن شهاب عن ليث، عن المعلى، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة رفعه، قال «صلوا علي صلاتكم وسلوا الله لي الوسيلة» فسألوه، أو أخبرهم أن الوسيلة درجة في الجنة ليس ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا.\nحديث آخر-قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: أخبرنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة»، ثم قال الطبراني لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين، كذا قال. وقد رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر بإسناده نحوه.\nحديث آخر-روى ابن مردويه بإسناده عن عمارة بن غزية، عن موسى بن وردان أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله ﷺ «إن الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه».\nحديث آخر-روى ابن مردويه أيضا من طريقين عن عبد الحميد بن بحر، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن علي، عن النبي ﷺ قال «في الجنة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة» قالوا: يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: «علي وفاطمة والحسن والحسين» هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن الدشتكي، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعيد بن طريف عن علي بن الحسين الأزدي مولى سالم بن ثوبان، قال: سمعت علي بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة: يا أيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين: إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء، أما البيضاء فإنها إلى بطنان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق واحد، واسمها الوسيلة، هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك هي لإبراهيم ﵇ وأهل بيته، وهذا أثر غريب أيضا.\nوقوله ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح، والسعادة","vol":"3","page":95},{"text":"العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة، الآمنة الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا يبأس، ويحيى لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه.\nثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبا وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص، ولهذا قال ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي موجع ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] الآية، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه ولا سبيل لهم إلى ذلك، وكلما رفعهم اللهب فصاروا في أعلى جهنم ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد فيردوهم إلى أسفلها ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها، وقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ «يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له: يا ابن آدم، كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبا؟ قال: فيقول: نعم يا رب، فيقول الله: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل، فيؤمر به إلى النار»، رواه مسلم والنسائي من طريق حماد بن سلمة بنحوه، وكذا رواه البخاري ومسلم من طريق معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن قتادة عن أنس به، وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني واسمه عبد الملك بن حبيب عن أنس بن مالك به، ورواه مطر الوراق عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه عنه.\nثم روى ابن مردويه من طريق المسعودي عن يزيد بن صهيب الفقير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال «يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة» قال: فقلت لجابر بن عبد الله:\nيقول الله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ قال: اتل أول الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية، ألا إنهم الذين كفروا. وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث: من وجه آخر عن يزيد الفقير، عن جابر، وهذا أبسط سياقا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن أبي شيبة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير قال: جلست إلى جابر بن عبد الله وهو يحدث، فحدث أن ناسا يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك، فغضبت وقلت:\nما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد تزعمون أن الله يخرج ناسا من","vol":"3","page":96},{"text":"النار، والله يقول ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ الآية، فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم، فقال: دعوا الرجل إنما ذلك للكفار، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قد جمعته، قال، أليس الله يقول ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقواما بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم، قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به.\nثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا عمرو بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن عليّ، أخبرنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المهلب، حدثني طلق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيبا بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها، يذكر الله فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا فعذبوا، ثم أخرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال: صمّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول «يخرجون من النار بعد ما دخلوا» ونحن نقرأ كما قرأت.\n\n<span data-type='title' id=toc-408>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾\nيقول تعالى حاكما وآمرا بقطع يد السارق والسارقة، وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن مسعود كان يقرؤها «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما» وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقا لها لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر، وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية، فقرر في الإسلام، وزيدت شروط أخر كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح ويقال: إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش، قطعوا رجلا يقال له: دويك مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه عنده، وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت يده به، سواء كان قليلا أو كثيرا لعموم هذه الآية ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ فلم يعتبروا نصابا ولا حرزا، بل أخذوا بمجرد السرقة.","vol":"3","page":97},{"text":"وقد روى ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن عن نجدة الحنفي، قال:\nسألت ابن عباس عن قوله ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ أخاص أم عام؟ فقال: بل عام، وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك، فالله أعلم. وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» (^٢) وأما الجمهور، فاعتبروا النصاب في السرقة وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة، فعند الإمام مالك بن أنس ﵀ النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه، وجب القطع، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم»، أخرجاه في الصحيحين (^٣)، قال مالك ﵀: وقطع عثمان ﵁ في أترجة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك، وهذا الأثر عن عثمان ﵁ قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقا سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما، فقطع عثمان يده. قال أصحاب مالك:\nومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكي الإجماع السكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافا للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، والله أعلم.\nوذهب الشافعي ﵀ إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من طريق الزهري عن عمرة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» (^٤) ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا:\nوحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق، ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵃، وبه يقول عمر بن عبد العزيز\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٧٠.\n(^٢) صحيح مسلم (حدود حديث ٧) وسنن ابن ماجة (حدود باب ٢٢) وسنن النسائي (سارق باب ١)\n(^٣) صحيح مسلم (حدود حديث ٦) وسنن أبي داود (حدود باب ١٢) وسنن الترمذي (حدود باب ١٦) وسنن النسائي (سارق باب ٨) وموطأ مالك (حدود حديث ٢١)\n(^٤) صحيح البخاري (حدود باب ١٣) وصحيح مسلم (حدود حديث ٢) وسنن النسائي (سارق باب ٨)","vol":"3","page":98},{"text":"والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأصحابه، وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، ﵏.\nوذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحدا منهما أو ما يساويه، قطع عملا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة ﵂، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال «اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك» (^١) وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما. وفي لفظ للنسائي «لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن». قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار، فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم.\nوأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر، وكذا سفيان الثوري، ﵏، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله ﷺ كان ثمنه عشرة دراهم. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى، حدثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد النبي ﷺ عشرة دراهم، ثم قال:\nحدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن» وكان ثمن المجن عشرة دراهم، قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر، لأن الحدود تدرأ بالشبهات.\nوذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما يبلغ قيمته واحدا منهما، يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر رحمهم الله تعالى. وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس، أي في خمسة دنانير أو خمسين درهما، وينقل هذا عن سعيد بن جبير ﵀. وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة «يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» بأجوبة [أحدها] أنه منسوخ بحديث عائشة، وفي هذا نظر، لأنه لا بد من بيان التاريخ. [والثاني] أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن، قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه. [والثالث] أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة، وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٨٠.","vol":"3","page":99},{"text":"بغداد، اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرا دل على جهله وقلة عقله، فقال: [البسيط] يد بخمس مئين عسجد وديت … ما بالها قطعت في ربع دينار\nتناقض ما لنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار\nولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ أن قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت هانت. ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها. وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار، لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب ولهذا قال: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك نكالا من الله، أي تنكيلا من الله بهما على ارتكاب ذلك، ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ أي في انتقامه، ﴿حَكِيمٌ﴾ أي في أمره ونهيه وشرعه وقدره.\nثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله فإن الله يتوب عليه فما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها، وقد روى الحافظ أبو الحسن الدارقطني من حديث … عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله. قال «اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به» فقطع فأتي به فقال «تب إلى الله» فقال: تبت إلى الله، فقال «تاب الله عليك». وقد روي من وجه آخر مرسلا، ورجح إرساله علي بن المديني وابن خزيمة رحمهما الله.\nوروى ابن ماجة (^١) من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه أن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، جاء إلى النبي ﷺ فقال:\nيا رسول الله، إني سرقت جملا لبني فلان، فطهرني فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا، فأمر به فقطعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة (حدود باب ٢٤)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٧١.","vol":"3","page":100},{"text":"عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سرقت امرأة حليا فجاء الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله، سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول الله ﷺ «اقطعوا يدها اليمنى» فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول الله ﷺ «أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك»، قال: فأنزل الله ﷿ ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقد رواه الإمام أحمد (^١) بأبسط من هذا فقال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ، فجاء بها إلى الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول الله ﷺ «اقطعوا يدها»، فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال «اقطعوا يدها» فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال «نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك»، فأنزل الله في سورة المائدة ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين من رواية الزهري عن عروة، عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت، في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ، فأتى بها رسول الله ﷺ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال «أتشفع في حد من حدود الله ﷿؟» فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال «أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها»، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ، وهذا لفظ مسلم (^٢). وفي لفظ له عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.\nوعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعا على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها، رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وهذا لفظه (^٣)، وفي لفظ له أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله ﷺ «لتتب هذه المرأة إلى الله وإلى رسوله، وترد ما تأخذ على القوم»، ثم قال رسول الله ﷺ «قم يا بلال فخذ بيدها\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(^٢) صحيح مسلم (حدود حديث ٩) وصحيح البخاري (حدود باب ١٢)\n(^٣) سنن النسائي (سارق باب ٥) وسنن أبي داود (حدود باب ٤ و١٦) وصحيح مسلم (حدود حديث ١٠)","vol":"3","page":101},{"text":"فاقطعها». وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة، ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه، الذي ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾، وهو الفعال لما يريد يغفر ﴿لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-409>[سورة المائدة (٥): الآيات ٤١ إلى ٤٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)﴾\nنزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله ﷿ ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي مستجيبون له، منفعلون عنه، ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أي يتأوّلونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون، ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ قيل: نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلا، وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن حكم بالدية فاقبلوه، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه، والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم (^١) والإركاب على حمارين مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه\n_________\n(^١) التحميم: تسويد الوجه بالحمم وهو الفحم.","vol":"3","page":102},{"text":"واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.\nوقد وردت الأحاديث في ذلك فقال مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم؛ فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (^١)، أخرجاه، وهذا لفظ البخاري وفي لفظ له: فقال لليهود «ما تصنعون بهما؟» قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما، قال ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] فجاؤوا فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه فقال: ارفع يدك فرفع، فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما.\nوعند مسلم أن رسول الله ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاء يهود فقال «ما تجدون في التوراة على من زنى؟» قالوا: نسود وجوههما ونحممهما، ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] قال: فجاؤوا بها فقرؤوها حتى إذا مروا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ: مره فليرفع يده فرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه (^٢).\nوقال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب، حدثنا هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف، فأتاهم في بيت المدارس، فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم. قال:\nووضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها، ثم قال «ائتوني بالتوراة» فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها، وقال «آمنت بك وبمن أنزلك» ثم قال «ائتوني بأعلمكم» فأتي بفتى شاب ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع (^٣).\nوقال الزهري: سمعت رجلا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيب، عن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (توحيد باب ٥١ وتفسير سورة آل عمران باب ٣ و٦) وموطأ مالك (حدود حديث ١)\n(^٢) صحيح مسلم (حدود حديث ٢٦)\n(^٣) سنن أبي داود (حدود باب ٢٥)","vol":"3","page":103},{"text":"أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدارسهم، فقام على الباب فقال «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟» قالوا: يحمم ويجبه ويجلد، والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما، قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله ﷺ سكت، ألظ به رسول الله ﷺ النشدة (^١)، فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي ﷺ «فما أول ما ارتخصتم أمر الله» قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثرة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: لا نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ﷺ «فإني أحكم بما في التوراة» فأمر بهما فرجما، قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فكان النبي ﷺ منهم، رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه، وابن جرير (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، قال: مرّ على رسول الله ﷺ يهودي محمم مجلود، فدعاهم، فقال «أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي ﷺ «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله ﷿ ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ أي يقولون: ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ قال في اليهود، إلى قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] قال في اليهود ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] قال: في الكفار كلها، انفرد بإخراجه مسلم (^٤) دون البخاري وأبو\n_________\n(^١) ألظ به النشدة: ألحّ في سؤاله.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٨٩ وسنن أبي داود (حدود باب ٢٥)\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٢٨٦.\n(^٤) صحيح مسلم (حدود حديث ٢٨)","vol":"3","page":104},{"text":"داود والنسائي وابن ماجة من غير وجه عن الأعمش به.\nوقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة، أن سلوا محمدا عن ذلك، فإذا أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك، فقال «أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم» فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا، وآخر، فقال لهما النبي ﷺ «أنتما أعلم من قبلكما» فقالا: قد دعانا قومنا لذلك، فقال النبي ﷺ لهما «أليس عندكما التوراة فيها حكم الله» قالا: بلى، فقال النبي ﷺ «أنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والتقبيل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد، كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرجم، فقال النبي ﷺ «هو ذاك» فأمر به فرجم، فنزلت ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nورواه أبو داود وابن ماجة من حديث مجالد به نحوه (^١). ولفظ أبي داود عن جابر، قال:\nجاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال «ائتوني بأعلم رجلين منكم» فأتوه بابني صوريا، فنشدهما «كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟» قالا: نجد إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، رجما، قال «فما يمنعكم أن ترجموهما؟» قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله ﷺ برجمهما، ثم رواه أبو داود عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلا، ولم يذكر فيه: فدعا بالشهود فشهدوا.\nفهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ، حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله ﷿ إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك، ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤوا على كتمانه وجحده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به مع علمهم على خلافه بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم رسول الله ﷺ إنما كان عن هوى منهم، وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا﴾ أي: الجلد والتحميم، فخذوه،\n_________\n(^١) سنن أبي داود (حدود باب ٢٥) وسنن ابن ماجة (حدود باب ١٠)","vol":"3","page":105},{"text":"أي اقبلوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي من قبوله واتباعه.\nوقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي الباطل ﴿أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي الحرام، وهو الرشوة، كما قاله ابن مسعود وغير واحد، أي ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه وأنى يستجيب له، ثم قال لنبيه ﴿فَإِنْ جاؤُكَ﴾ أي يتحاكمون إليك ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أي فلا عليك أن لا تحكم بينهم، لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والحسن وغير واحد: هي منسوخة (^١) بقوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nثم قال تعالى منكرا عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا، ثم خرجوا عن حكمه، وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، فقال ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ أي لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها، ﴿وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ أي وكذلك الربانيون منهم، وهم العلماء العباد، والأحبار وهم العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ﴾ أي بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به، ﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أي لا تخافوا منهم وخافوا مني، ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ فيه قولان سيأتي بيانهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-410>سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إبراهيم بن العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: إن الله أنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ … ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ … ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾، قال قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٢٤٦.","vol":"3","page":106},{"text":"حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض، إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله ﷺ ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله ﷺ، فلما جاءوا رسول الله ﷺ، أخبر الله رسوله ﷺ بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله ﴿الْفاسِقُونَ﴾ ففيهم والله أنزل، وإياهم عنى الله ﷿، ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه بنحوه.\nوقال أبو جعفر (^١) بن جرير حدثنا هناد بن السري وأبو كريب، قالا: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس: أن الآيات التي في المائدة قوله ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ -إلى ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، تؤدى لهم الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، والله أعلم أي ذلك كان، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق بنحوه.\nثم قال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القرظي رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل النضيري رجلا من قريظة، ودي بمائة وسق من تمر، فلما بعث رسول الله ﷺ قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوا إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله ﷺ، فنزلت ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث عبيد الله بن موسى بنحوه، وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حبان وابن زيد وغير واحد.\nوقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٨٣.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"3","page":107},{"text":"اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم، ولهذا قال بعد ذلك ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، والله ﷾ أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب، زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة، وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن منصور عن إبراهيم، قال نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها، رواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم أخبر عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة. فقال: من السحت، قال فقالا: وفي الحكم، قال: ذاك الكفر، ثم تلا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ وقال السدي ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق، رواه ابن جرير، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب، وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبي: ومن لم يحكم بما أنزل الله، قال للمسلمين.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة عن ابن أبي السفر، عن الشعبي ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ قال: هذا في المسلمين ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قال: هذا في اليهود ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ قال: هذا في النصارى، وكذا رواه هشيم والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي وقال عبد الرزاق (^٤) أيضا: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾ الآية، قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: كفر دون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٩٦ - ٥٩٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٤٩٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٥٩٥.\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٥٩٦.","vol":"3","page":108},{"text":"كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، رواه ابن جرير (^١)، وقال وكيع، عن سعيد المكي، عن طاوس ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ قال: ليس بكفر ينقل عن الملة (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-411>[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]</span>\n﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٤٥)﴾\nوهذا أيضا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك عمدا وعنادا، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار ولهذا قال هناك ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا، وقال هاهنا ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا على بعضهم بعضا.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد، عن علي بن يزيد أخي يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قرأها ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ نصب النفس ورفع العين.\nوكذا رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن المبارك، وقال الترمذي حسن غريب وقال البخاري تفرّد ابن المبارك بهذا الحديث، وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي، وأكثر الأصحاب بهذه الآية حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة. وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة، رواه ابن أبي حاتم: وقد حكى الشيخ أبو زكريا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٩٥.\n(^٢) رواه ابن جرير، المصدر السابق.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٢١٥.","vol":"3","page":109},{"text":"النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها أن شرع إبراهيم حجة دون غيره: وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالا عن الشافعي، وأكثر الأصحاب ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم.\nوقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ ﵀ في كتابه «الشامل»، إجماع العلماء، على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم «أن الرجل يقتل بالمرأة» (^١)، وفي الحديث الآخر «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (^٢)، وهذا قول جمهور العلماء، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية، لأن ديتها على النصف من دية الرجل، وإليه ذهب أحمد في رواية، وحكي عن الحسن وعطاء وعثمان البستي، ورواية عن أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها بل تجب ديتها.\nوهكذا احتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يقتل مسلم بكافر» (^٣) وأما العبد ففيه عن السلف آثار متعددة أنهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحر، ولا يقتلون حرا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة.\nويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك، كما قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا حميد عن أنس بن مالك أن الربيع عمة أنس، كسرت ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فقال «القصاص»، فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله، تكسر ثنية فلانة؟! فقال رسول الله ﷺ «يا أنس كتاب الله القصاص» قال فقال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة، قال: فرضي القوم فعفوا وتركوا القصاص، فقال رسول الله ﷺ «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» أخرجاه في الصحيحين.\nوقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه، عن حميد، عن أنس بن مالك أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ثنيتها، فعرضوا عليهم\n_________\n(^١) سنن النسائي (قسامة باب ٤٦)\n(^٢) سنن النسائي (قسامة باب ١٠ و١٣) وسنن أبي داود (جهاد باب ١٤٧ وديات باب ١١)\n(^٣) صحيح البخاري (علم باب ٣٩ وديات باب ٢٤ و٣١) وسنن أبي داود (ديات باب ١١ و١٤٧)\n(^٤) مسند أحمد ٣/ ١٢٨.","vol":"3","page":110},{"text":"الأرش (^١) فأبوا، فطلبوا الأرش والعفو فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله ﷺ، أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ «يا أنس كتاب الله القصاص» فعفا القوم، فقال رسول الله ﷺ «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» رواه البخاري عن الأنصاري بنحوه.\nوروى أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين أن غلاما لأناس فقراء، قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا أناس فقراء، فلم يجعل عليه شيئا.\nوكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة به. وهذا إسناد قوي، رجاله كلهم ثقات، وهو حديث مشكل، اللهم إلا أن يقال: إن الجاني كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو استعفاهم عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم، إذا كان عمدا في النفس وما دون النفس، رواه ابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-412>قاعدة مهمة:</span>\nالجراح تارة تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع، كقطع اليد والرجل والكف والقدم ونحو ذلك، وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم، فقال مالك ﵀: فيه القصاص إلا في الفخذ وشبهها، لأنه مخوف خطر. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن. وقال الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وبه يقول عطاء والشعبي والحسن البصري والزهري وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري والليث بن سعد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بحديث الربيع بنت النضر على مذهبه أنه لا قصاص في عظم إلا في السن، وحديث الربيع لا حجة فيه لأنه ورد بلفظ كسرت ثنية جارية، وجائز أن تكون سقطت من غير كسر، فيجب القصاص والحالة\n_________\n(^١) الأرش: دية الجراحة.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٩٩.","vol":"3","page":111},{"text":"هذه بالإجماع، وتمموا الدلالة مما رواه ابن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهشم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي: أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي ﷺ فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله، أريد القصاص، فقال: خذ الدية، بارك الله لك فيها، ولم يقض له بالقصاص (^١).\nوقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهشم بن قران العكلي ضعيف، أعرابي ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف، أعرابي أيضا، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة.\nثم قالوا: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال ثم زاد جرحه، فلا شيء له، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد (^٢) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، فقال «حتى تبرأ»، ثم جاء إليه فقال: أقدني، فأقاده فقال: يا رسول الله عرجت، فقال «قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك» ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه، تفرد به أحمد.\n[مسألة] فلو اقتص المجني عليه من الجاني فمات من القصاص، فلا شيء عليه عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص. وقال عامر الشعبي وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار والحارث العكلي وابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان، والزهري والثوري تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وعثمان البستي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\n﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ يقول: فمن عفا وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب. وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: فمن تصدق به فهو كفارة للجارح وأجر المجروح على الله ﷿، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة بن عبد الرحمن ومجاهد وإبراهيم في أحد قوليه وعامر الشعبي وجابر بن زيد نحو ذلك.\n[الوجه الثاني] ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن زاذان، حدثنا حرمي يعني ابن عمارة، حدثنا شعبة عن عمارة يعني ابن أبي حفصة، عن رجل، عن جابر بن عبد الله في\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة (ديات حديث ٢٦٣٦)\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٢١٧.","vol":"3","page":112},{"text":"قول الله ﷿ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قال: للمجروح، وروي عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي في أحد قوليه وأبي إسحاق الهمداني نحو ذلك، وروى ابن جرير عن عامر الشعبي وقتادة مثله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة عن قيس يعني ابن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب يحدث عن الهيثم بن العريان النخعي، قال: رأيت عبد الله بن عمرو عند معاوية أحمر شبيها بالموالي، فسألته عن قول الله ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به، وهكذا رواه سفيان الثوري عن قيس بن مسلم، وكذا رواه ابن جرير (^١) من طريق سفيان وشعبة.\nوقال ابن مردويه: حدثني محمد بن علي، حدثنا عبد الرحيم بن محمد المجاشعي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج المهري، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنا معلى يعني ابن هلال أنه سمع أبان بن ثعلب عن العريان بن الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو، عن أبان بن ثعلب، عن الشعبي، عن رجل من الأنصار، عن النبي ﷺ في قوله ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قال: «هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده أو يقطع الشيء منه أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك» -قال-فيحط عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك».\nثم قال ابن جرير (^٢): حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا ابن فضيل عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار، فاندقت ثنيته، فرفعه الأنصاري إلى معاوية فلما ألح عليه الرجل، قال: شأنك وصاحبك، قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه، إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة» فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فخلى سبيل القرشي، فقال معاوية: مروا له بمال، هكذا رواه ابن جرير.\nورواه الإمام أحمد (^٣) فقال: حدثنا وكيع، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية: إنا سنرضيه، فألح الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به، إلا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٠٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٦٠٠.\n(^٣) مسند أحمد ٦/ ٤٤٨.","vol":"3","page":113},{"text":"رفعه الله به درجة وحط به عنه خطيئة» فقال الأنصاري: فإني قد عفوت وهكذا رواه الترمذي من حديث ابن المبارك، وابن ماجة من حديث وكيع، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق به، ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء.\nوقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان عن عمران بن ظبيان، عن عدي بن ثابت أن رجلا أهتم (^١) فمه رجل على عهد معاوية ﵁، فأعطي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى، فأعطي ثلاثا فأبى، فحدث رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «من تصدق بدم فما دونه، فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم عن المغيرة، عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من رجل يجرح من جسده جراحة فيتصدق بها، إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به» ورواه النسائي عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، ورواه ابن جرير عن محمود بن خداش، عن هشيم، كلاهما عن المغيرة به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن مجالد، عن عامر، عن المحرر بن أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال «من أصيب بشيء من جسده فتركه لله كان كفارة له».\nوقوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما قالا: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.\n\n<span data-type='title' id=toc-413>[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَقَفَّيْنا﴾ أي أتبعنا ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾، يعني أنبياء بني إسرائيل ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أي مؤمنا بها حاكما بما فيها، ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ أي هدى إلى الحق ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات، ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أي متبعا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ولهذا كان المشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ\n_________\n(^١) أهتم وهتم فمه: نزع مقدم أسنانه.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٣١٦.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ٤١٢.","vol":"3","page":114},{"text":"بعض أحكام التوراة. وقوله تعالى: ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي وجعلنا الإنجيل هدى يهتدى به، وموعظة أي زاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم، للمتقين، أي لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ قرئ وليحكم أهل الإنجيل بالنصب على أن اللام لام كي، أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرئ وليحكم بالجزم على أن اللام لام الأمر، أي ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾ إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولهذا قال هاهنا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق، وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر من السياق.\n\n<span data-type='title' id=toc-414>[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]</span>\n﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾\nلما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه، كما تقدم بيانه، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد ﷺ، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] أي إن كان ما وعدنا الله على ألسنة رسله المتقدمة من مجيء محمد ﵇ لمفعولا، أي لكائنا لا محالة ولا بد.\nقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي،","vol":"3","page":115},{"text":"عن ابن عباس: أي مؤتمنا عليه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المهيمن الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله. ورواه عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك، وقال ابن جرير (^١): القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، وعن الوالبي عن ابن عباس ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أي شهيدا، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أي حاكما على ما قبله من الكتب، وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات، ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nفأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وابن أبي نجيح عن مجاهد، أنهم قالوا في قوله ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني محمدا ﷺ أمين على القرآن فإنه صحيح في المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضا نظر، وبالجملة فالصحيح الأول.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٢) بعد حكايته له عن مجاهد: وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا صفة لما كان المصدق صفة له، قال: ولو كان الأمر كما قال مجاهد لقيل: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، يعني من غير عطف (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي فاحكم يا محمد بين الناس، عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك، هكذا وجهه ابن جرير (^٤) بمعناه، قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٠٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٦٠٨.\n(^٣) أضاف ابن جرير موضحا: لأنه لم يتقدم من صفة (الكاف) التي في (إليك) بعدها شيء يكون (مهيمنا عليه) عطفا عليه، وإنما عطف به على (المصدق) لأنه من صفة (الكتاب) الذي من صفته (المصدق)\n(^٤) تفسير الطبري ٤/ ٦٠٩.","vol":"3","page":116},{"text":"فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا.\nوقوله ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ أي آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء. وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عباس ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ قال: سبيلا. وحدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس ﴿وَمِنْهاجًا﴾ قال: وسنة، كذا روى العوفي عن ابن عباس ﴿شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ سبيلا وسنة، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي، أنهم قالوا في قوله ﴿شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ أي سبيلا وسنة، وعن ابن عباس أيضا ومجاهد، أي وعطاء الخراساني عكسه ﴿شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ أي سنة وسبيلا، والأول أنسب، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضا هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع في كذا، أي ابتدأ فيه، وكذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء. أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق.\nفتفسير قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم. ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد» (^١) يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله، كما قال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] الآية، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.\nقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ يقول: سبيلا وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره، التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أنبياء باب ٤٨)","vol":"3","page":117},{"text":"وقيل: المخاطب بهذه الآية هذه الأمة ومعناه لكل جعلنا القرآن منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجا، أي هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ﴾ أي جعلناه، يعني القرآن، شرعة ومنهاجا، أي سبيلا إلى المقاصد الصحيحة، وسنة أي طريقا ومسلكا واضحا بينا، هذا مضمون ما حكاه ابن جرير (^١) عن مجاهد ﵀، والصحيح القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى بعده ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ فلو كان هذا خطابا لهذه الأمة، لما صح أن يقول ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ وهم أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة، التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدا ﷺ، الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ أي أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله. وقال عبد الله بن كثير ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ يعني من الكتاب.\nثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ وهي طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثم قال تعالى: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة والأدلة الدامغة. وقال الضحاك ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ يعني أمة محمد ﷺ، والأول أظهر. وقوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك النهي عن خلافه.\nثم قال ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ أي واحذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من أمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كذبة كفرة خونة، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي فاعلم أن ذلك كائن عن قدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ أي إن أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦١٠.","vol":"3","page":118},{"text":"[الأنعام: ١١٦] الآية.\nوقال محمد بن إسحاق (^١) حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة. عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد الله بن صوريا (^٢) وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود، وأشرافهم، وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ فيهم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق (^٣)، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بينه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٧ وتفسير الطبري ٤/ ٦١٤.\n(^٢) سقط من في رواية الطبري.\n(^٣) وتسمى أيضا «الياسة». وهي كلمة مفعولية تعني السياسة. قال القلقشندي: وهي قوانين خمنها جنكرخان من عقله وقررها من ذهنه، رتب فيها أحكاما وحدد فيها حدودا بما وافق القليل منها الشريعة المحمدية وأكثرها فحالف لذلك سماها الياسة الكبرى. وقد اكتتبها وأمر أن تجعل في خزانته تتوارت عنه في أعقابه وأن يتعلمها صغار أهل بيته (صبح الأعشى ٤/ ٣١٤). وذكر القلقشندي شيئا في أحكام الياسة. ويشار إلى أن هولاكو وخلفاءه كانوا يميلون في بداية الأمر إلى البوذية، ولكن هؤلاء الخلفاء بعد ولاية غازان سنة ٦٩٠ هـ دخلوا في الإسلام وتراوح المذهب الذي يجاهرون به بين السنية والشيعية (انظر دائرة المعارف الإسلامية ١٢/ ٣٩٨)","vol":"3","page":119},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي قال: سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أبغض الناس إلى الله ﷿، من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه». وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-415>[سورة المائدة (٥): الآيات ٥١ إلى ٥٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)﴾\nينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله-قاتلهم الله-ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد يعني ابن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب، عن عياض أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآية، ثم قال:\nحدثنا محمد بن الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآية، وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال: كل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وروي عن أبي الزناد نحو ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي شك وريب ونفاق، يسارعون فيهم، أي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (ديات باب ٩)","vol":"3","page":120},{"text":"يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك. عند ذلك قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قال السدي: يعني فتح مكة. وقال غيره: يعني القضاء والفصل، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾.\nقال السدي: يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى، ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يعني الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الموالاة، ﴿نادِمِينَ﴾ أي على ما كان منهم مما لم يجد عنهم شيئا، ولا دفع عنهم محذورا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فضحوا وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين بعد أن كانوا مستورين، لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾.\nوقد اختلف القرّاء في هذا الحرف فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله ﴿وَيَقُولُ﴾، ثم منهم من رفع ويقول على الابتداء، ومنهم من نصب عطفا على قوله ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فتقديره أن يأتي وأن يقول وقرأ أهل المدينة ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير (^١). قال ابن جرير عن مجاهد ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تقديره حينئذ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾.\nواختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه وأتهوّد معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآيات، وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه أي أنه الذبح، رواه ابن جرير (^٢).\nوقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، كما قال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٢١.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٦١٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٦١٥.","vol":"3","page":121},{"text":"الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي:\nإني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي، فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبي «يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه» قال: قد قبلت، فأنزل الله ﷿ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآيتين.\nثم قال ابن جرير (^١): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري: قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن الصيف: أغركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أمررنا (^٢) العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا، فقال عبادة بن الصامت: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم كثيرا سلاحهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود إني رجل لا بد لي منهم، فقال رسول الله ﷺ «يا أبا الحباب، أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه» فقال: إذا أقبل، قال: فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾.\nوقال: محمد بن إسحاق (^٣): فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله ﷺ بنو قينقاع، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد أحسن في موالي، قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ «أرسلني»، وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال «ويحك أرسلني» قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر (^٤)، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدني (^٥) في غداة واحدة إني امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله ﷺ «هم لك».\nقال محمد بن إسحاق: فحدثني أبو إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن\n_________\n(^١) المصدر نفسه.\n(^٢) أي أجمعنا العزيمة.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٧.\n(^٤) الحاسر: الذي لا درع له، بعكس الدارع.\n(^٥) في سيرة ابن هشام: «تحصدهم» وهي أوضح.","vol":"3","page":122},{"text":"الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فجعلهم إلى رسول الله ﷺ، وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار، وولايتهم، ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زيادة عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي ﷺ «قد كنت أنهاك عن حب يهود» فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات، وكذا رواه أبو داود (^٣) من حديث محمد بن إسحاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-416>[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشدّ منعة، وأقوم سبيلا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠]. أي بممتنع ولا صعب. وقال تعالى هاهنا ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي يرجع عن الحق إلى الباطل. قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش. وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: في قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هم أهل القادسية. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩ - ٥٠ وتفسير الطبري ٤/ ٦١٦.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٢٠١.\n(^٣) سنن أبي داود (جنائز باب ١ في العيادة)","vol":"3","page":123},{"text":"قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السّكون (^١).\nوحدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية يعني ابن حفص، عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال «هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب»، وهذا حديث غريب جدا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عبد الصمد يعني ابن عبد الوارث، حدثنا شعبة عن سماك، سمعت عياضا يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: لما نزلت ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول الله ﷺ «هم قوم هذا». ورواه ابن جرير (^٢) من حديث شعبة بنحوه.\nوقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ وفي صفة رسول الله ﷺ أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.\nوقوله ﷿ ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش.\nوقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن أبي المثنى، أن أبا ذر ﵁، قال: بايعني رسول الله ﷺ خمسا، وواثقني سبعا، وأشهد الله علي سبعا-أني\n_________\n(^١) هو بنو السّكون بن أشرس بن ثور. بطن من كندة من القحطانية. (معجم قبائل العرب القديمة والحديثة ٢/ ٥٢٨)\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٦٢٤.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ١٥٩.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ١٧٢.","vol":"3","page":124},{"text":"لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ، فقال «هل لك إلى بيعة، ولك الجنة؟» قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط علي «أن لا تسأل الناس شيئا» قلت: نعم. قال «ولا سوطك وإن سقط منك». يعني تنزل إليه فتأخذه.\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر عن المعلى الفردوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم» تفرد به أحمد.\nوقال أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن زبيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف». ورواه ابن ماجة (^٣) من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به.\nوروى أحمد (^٤) وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة، عن نهار بن عبد الله العبدي المدني، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ، قال «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أي عبدي أرأيت منكرا فلم تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: أي رب وثقت بك، وخفت الناس».\nوثبت في الصحيح «ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال «يتحمل من البلاء ما لا يطيق».\n﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي من اتصف بهذه الصفات فإنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له، ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين. وقوله ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين والمساكين.\nوأما قوله ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٥٠.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٧٣.\n(^٣) سنن ابن ماجة (فتن باب ٢٠)\n(^٤) مسند أحمد ٣/ ٧٧.","vol":"3","page":125},{"text":"﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره، لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سويد عن عتبة بن أبي حكيم في قوله ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب، وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن عبيد الله، سمعت مجاهدا يقول في قوله ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية. نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع، وقال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، نزلت في علي بن أبي طالب، عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به.\nوروى ابن مردويه من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان علي بن أبي طالب قائما يصلي، فمر سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، الضحاك لم يلق ابن عباس. وروى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن السائب الكلبي، وهو متروك، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول الله ﷺ، فقال: «أعطاك أحد شيئا؟» قال: نعم. قال «من؟» قال: ذلك الرجل القائم. قال «على أي حال أعطاكه؟» قال: وهو راكع، قال «وذلك علي بن أبي طالب». قال:\nفكبر رسول الله ﷺ عند ذلك وهو يقول ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ وهذا إسناد لا يفرح به.\nثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ نفسه، وعمار بن ياسر وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، ثم روى بإسناده عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ نزلت في المؤمنين وعلي بن أبي طالب أولهم، وقال ابن جرير (^٢): حدثنا هناد، حدثنا عبدة عن عبد الملك، عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٢٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٦٢٨.","vol":"3","page":126},{"text":"أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال: علي من الذين آمنوا، وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه (^١). وقال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا، رواه ابن جرير.\nوقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁ حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢١ - ٢٢] فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-417>[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾\nهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون: وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزوا يستهزئون بها، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل: [الوافر] وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم (^٢)\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ﴾ من هاهنا لبيان الجنس كقوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ وقرأ بعضهم: والكفار بالخفض عطفا، وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول، ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تقديره ولا ﴿الْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾ أي لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء، والمراد بالكفار\n_________\n(^١) رواه أيضا ابن جرير ٤/ ٦٢٨.\n(^٢) البيت بلا نسبة في تاج العروس (كفر)","vol":"3","page":127},{"text":"هاهنا المشركون، وكذلك وقع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير «لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا» (^١).\nوقوله ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء إن كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ولعبا، كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].\nوقوله: ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أي وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ﴿اِتَّخَذُوها﴾ أيضا ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي «إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص، أي ضراط، حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين، أقبل فإذا ثوب للصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام» (^٢) متفق عليه، وقال الزهري: قد ذكر الله التأذين في كتابه فقال ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوقال أسباط عن السدي في قوله ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير (^٣) وابن أبي حاتم.\nوذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد، لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال «قد علمت الذي قلتم» ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول:\nأخبرك (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٣٠.\n(^٢) رواه مسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة: صحيح مسلم (صلاة حديث ٢٠) وسنن أبي داود (صلاة باب ٣١). وفيهما «إن يدري كم صلى». إن هنا بمعنى ما.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٦٣١.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٤١٣.","vol":"3","page":128},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره وكان يتيما في حجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: يا عم إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر وكنا في بعض طريق حنين مقفل (^٢) رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به فسمع رسول الله ﷺ، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه فقال رسول الله ﷺ «أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع»؟ فأشار القوم كلهم إليّ وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال «قم فأذن» فقمت ولا شيء أكره إليّ من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ، فألقى عليّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه، قال «قل الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده، حتى بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ «بارك الله فيك وبارك عليك» فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال «قد أمرتك به»، وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ [بمكة] (^٣) فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة من طريق عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة واسمه سمرة بن معير بن لوذان، أحد مؤذني رسول الله ﷺ الأربعة، وهو مؤذن أهل مكة، وامتدت أيامه ﵁ وأرضاه.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩.\n(^٢) في المسند «فقفل».\n(^٣) زيادة من المسند.","vol":"3","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-418>[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٩ إلى ٦٣]</span>\n﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعا، كما في قوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وكقوله: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله» (^١)، وقوله ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ معطوف على ﴿أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي خارجون عن الطريق المستقيم.\nثم قال ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ﴾ أي هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ﴾ أي أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي غضبا لا يرضى بعده أبدا ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ كما تقدم بيانه في سورة البقرة (^٢)، وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف (^٣)، وقد قال سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سويد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ الله؟ فقال «إن الله لم يهلك قوما، أو لم يمسخ قوما فيجعل لهم نسلا ولا عقبا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك» وقد رواه مسلم (^٤) من حديث سفيان الثوري ومسعر، كلاهما عن مغيرة بن عبد الله اليشكري به.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير:\nأهي من نسل اليهود؟ فقال «لا إن الله لم يلعن قوما قط فيمسخهم، فكان لهم نسل ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم»، ورواه أحمد (^٥) من حديث داود بن أبي الفرات به.\nوقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال\n_________\n(^١) صحيح البخاري (زكاة باب ٤٩) وصحيح مسلم (زكاة حديث ١١) وسنن أبي داود (زكاة باب ٢٢)\n(^٢) الآية ٦٥.\n(^٣) الآية ١٦٦.\n(^٤) صحيح مسلم (قدر حديث ٣٢)\n(^٥) مسند أحمد ١/ ٣٩٥.","vol":"3","page":130},{"text":"رسول الله ﷺ «الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير» هذا حديث غريب جدا.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ قرئ: وعبد الطاغوت على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرئ: وعبد الطاغوت بالإضافة على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت، أي خدامه وعبيده، وقرئ: وعبد الطاغوت على أنه جمع الجمع عبد وعبيد وعبد مثل ثمار وثمر، حكاها ابن جرير (^١) عن الأعمش، وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها وعابد الطاغوت، وعن أبي وابن مسعود: وعبدوا، وحكى ابن جرير عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: وعبد الطاغوت على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها، والظاهر أنه لا بعد في ذلك، لأن هذا من باب التعريض بهم، أي وقد عبد الطاغوت فيكم وأنتم الذين فعلتموه، وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا، وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال ﴿أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أي مما تظنون بنا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله ﷿: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ أي عندك يا محمد ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أي مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر ولهذا قال ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فخصهم به دون غيرهم، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء وقوله ﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل، ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني من تركهم ذلك، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين عملوا، قال: وذلك الأمر كان، قال: ويعملون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٣٤.","vol":"3","page":131},{"text":"ويصنعون واحد، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية «لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون» قال: كذا قرأ وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنا لا ننهى، رواه ابن جرير (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم، ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، حدثنا ثابت أبو سعيد الهمداني قال لقيته بالري فحدث عن يحيى بن يعمر قال:\nخطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك عن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ «ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب» تفرد به أحمد من هذا الوجه، ورواه أبو داود (^٤) عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا» وقد رواه ابن ماجة عن علي بن محمد، عن وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه به، قال الحافظ المزي: وهكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق به.\n\n<span data-type='title' id=toc-419>[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]</span>\n﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٣٨.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٣٦٣.\n(^٤) سنن أبي داود (ملاحم باب ١٧)","vol":"3","page":132},{"text":"يخبر تعالى عن اليهود-عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-بأنهم وصفوا الله ﷿ وتعالى عن قولهم علوا كبيرا بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء وعبروا عن البخل بأن قالوا ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أي بخيلة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قال:\nلا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون: بخيل يعني أمسك ما عنده بخلا تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي والضحاك، وقرأ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ يعني أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو زيادة الإنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله، وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنحاص اليهودي، عليه لعنة الله، وقد تقدم أنه الذي قال ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] فضربه أبو بكر الصديق ﵁.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ وقد ردّ الله ﷿ عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٣ - ٥٤]، وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١ وآل عمران: ١١٢].\nثم قال تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء (^٢) الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه-قال: وعرشه على الماء وفي يده الأخرى\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٣١٣ - ٣١٤.\n(^٢) السحّاء: الدائمة الصب والعطاء. لا يغيضها: لا ينقصها.","vol":"3","page":133},{"text":"القبض يرفع ويخفض. وقال: يقول الله تعالى: «أنفق، أنفق عليك» أخرجاه في الصحيحين، البخاري في التوحيد عن علي بن المديني، ومسلم فيه عن محمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق به.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ أي يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا، وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، وكفرا أي تكذيبا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ يعني أنه لا تجتمع قلوبهم بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائما، لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك، وقال إبراهيم النخعي: ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾، قال: الخصومات والجدال في الدين، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ أي كلما عقدوا أسبابا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورا يحاربونك بها، أبطلها الله ورد كيدهم عليهم، وحاق مكرهم السيئ بهم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته، ثم قال جلا وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي لو أنهم آمنوا بالله ورسوله واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس وغيره:\nهو القرآن، ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدا ﷺ، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتما لا محالة.\nوقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني لأرسل السماء عليهم مدرارا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني يخرج من الأرض بركاتها، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال تعالى:\n﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال بعضهم معناه ﴿لَأَكَلُوا","vol":"3","page":134},{"text":"مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء. وقال ابن جرير:\nقال بعضهم: معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل: هو في الخير من قرنه إلى قدمه، ثم رد هذا القول لمخالفته أقوال السلف (^١).\nوقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ حديث علقمة عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال «يوشك أن يرفع العلم» فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال «ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة.\nوالإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله» ثم قرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ هكذا أورده ابن أبي حاتم معلقا من أول إسناده مرسلا في آخره.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٢) بن حنبل متصلا موصولا، فقال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد أنه قال ذكر النبي ﷺ شيئا، فقال «وذاك عند ذهاب العلم» قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال «ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء» هكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده نحوه، وهذا إسناد صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ كقوله ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وكقوله من أتباع عيسى ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [فاطر: ٣٢، ٣٣]، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة، وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا عاصم بن عدي حدثنا أبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فقال «تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة:\nسبعون منها في النار، وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة: واحدة في الجنة، وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعا واحدة في الجنة،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٤٥.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٦٠.","vol":"3","page":135},{"text":"وثنتان وسبعون في النار» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال «الجماعات الجماعات». قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ تلا فيه قرآنا، قال ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وتلا أيضا قوله تعالى:\n﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعني أمة محمد ﷺ وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-420>[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا ﷺ باسم الرسالة، وآمرا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام، قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن إسماعيل، عن الشعبي عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية (^١)، هكذا رواه هاهنا مختصرا وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولا، وكذا رواه مسلم في كتابي الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طرق عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها ﵂، وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: لو كان محمدا ﷺ كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنا عند ابن عباس، فجاء رجل فقال له: إن ناسا يأتونا فيخبروننا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله ﷺ للناس فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والله ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء، وهذا إسناد جيد، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة آل عمران باب ٦)\n(^٢) صحيح البخاري (توحيد باب ٢٢) وصحيح مسلم (إيمان حديث ٢٨٨)\n(^٣) صحيح البخاري (جهاد باب ١٧١ وجزية باب ١٠ و١١ واعتصام باب ٥ وعلم باب ٣٩ وفرائض باب ٢١ وديات باب ٢٤)","vol":"3","page":136},{"text":"وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم، وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ «أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول «اللهم هل بلغت» (^١)؟.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا ابن نمير، حدثنا فضيل يعني ابن غزوان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع. «يا أيها الناس» أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال «فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» ثم أعادها مرارا، ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال «اللهم هل بلغت؟» مرارا. قال: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه ﷿، ثم قال «ألا فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ يعني وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، فما بلغت رسالته، أي وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: يا رب، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ؟ فنزلت ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ورواه ابن جرير (^٣) من طريق سفيان وهو الثوري به.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ أي بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك، وقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يحرس، كما قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد، حدثنا يحيى قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث أن عائشة ﵂ كانت\n_________\n(^١) صحيح مسلم (حج حديث ١٤٧)\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٢٣٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٤/ ٦٤٧.\n(^٤) مسند أحمد ٦/ ١٤٠ - ١٤١.","vol":"3","page":137},{"text":"تحدث أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت ما شأنك يا رسول الله؟ قال «ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة» قالت: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السلاح، فقال «من هذا؟» فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: «ما جاء بك؟» قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه، أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به، وفي لفظ: سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة مقدمه المدينة يعني على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة ﵂، وكان ذلك في سنة ثنتين منها.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري، نزيل مصر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد يعني أبا قدامة عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ قالت:\nفأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة وقال «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ﷿» وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب، وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه من طريق مسلم بن إبراهيم به، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الحارث بن عبيد أبي قدامة عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به، ثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري عن ابن شقيق، قال: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية، ولم يذكر عائشة. قلت: هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل ابن علية، وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري عن عبد الله بن شقيق مرسلا، وقد روي هذا مرسلا عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير، والربيع بن أنس، رواه ابن مردويه، ثم قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل بن المختار عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل. حتى نزلت ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فترك الحرس، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حدثنا كردوس بن محمد الواسطي، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن عن فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ ترك رسول الله ﷺ الحرس. حدثنا علي بن أبي حامد المديني، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن مفضل بن إبراهيم الأشعري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار، حدثنا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكي يحدث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فذهب ليبعث معه، فقال «يا عم إن الله قد","vol":"3","page":138},{"text":"عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث» وهذا حديث غريب وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية، ثم قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني عن النضر، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال:\n«إن الله قد عصمني من الجن والإنس»، ورواه الطبراني عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به.\nوهذا أيضا حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم، ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلا ونهارا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب، نال منه المشركون أذى يسيرا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها، منعوه من الأحمر والأسود، وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة:\nفقال أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي، وغيره، قالوا: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال «الله ﷿» فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله ﷺ بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٦٤٨.","vol":"3","page":139},{"text":"بئر قد دلى رجليه، فقال غورث بن الحارث من بني النجار: لأقتلن محمدا، فقال له أصحابه:\nكيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه، قتلته به، قال: فأتاه. فقال:\nيا محمد، أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله ﷺ «حال الله بينك وبين ما تريد»، فأنزل الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح (^١).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أبو عمرو بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله ﷺ في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ «الله يمنعني منك ضع السيف» فوضعه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسرائيل، يعني الجشمي، سمعت جعدة هو ابن خالد بن الصمة الجشمي ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ ورأى رجلا سمينا، فجعل النبي ﷺ يومئ إلى بطنه بيده ويقول «لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرا لك» قال: وأتي النبي ﷺ برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي ﷺ: «لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي».\nوقوله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي بلغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-421>[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]</span>\n﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي من الدين حتى تقيموا التوراة والإنجيل، أي حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء،\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤٧١.","vol":"3","page":140},{"text":"وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد ﷺ والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: في قوله ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: يعني القرآن العظيم، وقوله ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ تقدم تفسيره، ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي فلا تحزن عليهم، ولا يهيدنّك ذلك منهم، ثم قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ وهم حملة التوراة، ﴿وَالصّابِئُونَ﴾ لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون طائفة بين النصارى والمجوس ليس لهم دين، قاله مجاهد، وعنه: بين اليهود والمجوس، وقال سعيد بن جبير: بين اليهود والنصارى، وعن الحسن والحكم: إنهم كالمجوس، وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرءون الزبور.\nوقال وهب بن منبه: هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثو كفرا، وقال ابن وهب: أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: الصابئون هم قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يوما، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات، وقيل غير ذلك، وأما النصارى فمعروفون وهم حملة الإنجيل، والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله واليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملا صالحا، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ولا هم يحزنون، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-422>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٠ إلى ٧١]</span>\n﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)﴾\nيذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه، ثم تاب الله عليهم، أي مما كانوا فيه، ثم ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ أي بعد ذلك، ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم","vol":"3","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-423>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٢ إلى ٧٥]</span>\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾\nيقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوا كبيرا، هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق وهو صغير في المهد أن قال: إني عبد الله، ولم يقل أنا الله ولا ابن الله، بل قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٦] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرا لهم بعبادة ربه وربهم، وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ أي فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ﴾ أي فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وفي الصحيح أن النبي ﷺ بعث مناديا ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وفي لفظ: مؤمنة، وتقدم في أول سورة النساء عند قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منه ديوانا لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، والحديث في مسند أحمد، ولهذا قال تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ أي وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه.\nوقوله ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قال: هو قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة، وهذا قول غريب في تفسير الآية أن المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى، والصحيح أنها أنزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة: وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوا","vol":"3","page":142},{"text":"كبيرا، قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافا متباينا ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة (^١).\nوقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] (^٢)، وهذا القول هو الأظهر-والله أعلم-قال الله تعالى: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي ليس متعددا بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعدا لهم ومتهددا ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ أي من هذا الافتراء والكذب ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه.\nوقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي له سوية أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]. وقوله ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال، قال الله تعالى:\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ الإجماع على ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ أي يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ﴾ أي نوضحها ونظهرها ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون.\n_________\n(^١) قال ابن جرير: وهذا (أي قولهم: إن الله ثالث ثلاثة) قول كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنسطورية. كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعمّ ثلاثة أقانيم: أبا والدا غير مولود، وابنا مولودا غير والد، وزوجا متتبّعة بينهما. (تفسير الطبري ٤/ ٦٥٢)\n(^٢) الأثر عن السدي في تفسير الطبري ٤/ ٦٥٣.","vol":"3","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-424>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]</span>\n﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾\nيقول تعالى منكرا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من الإلهية، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، ﴿وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا ولا يملك ضرا ولا نفعا لغيره ولا لنفسه؟ ثم قال ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أي وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة زمانا، فأتاه الشيطان فقال: إنما تركب أثرا أو أمرا قد عمل قبلك، فلا تحمد عليه، ولكن ابتدع أمرا من قبل نفسك، وادع إليه وأجبر الناس عليه، ففعل ثم ادّكر بعد فعله زمانا، فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أياما، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سببك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم فلا توبة لك أبدا، ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (^١).\n_________\n(^١) رواه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٣٣.","vol":"3","page":144},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٨ إلى ٨١]</span>\n﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)﴾\nيخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه. قال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان، ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي كان لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا يزيد. حدثنا شريك بن عبد الله عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا: فجالسوهم في مجالسهم» قال يزيد: وأحسبه قال: «وأسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وكان رسول الله ﷺ متكئا، فجلس فقال «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا» (^٢).\nوقال أبو داود (^٣): حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض-ثم قال-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله ﴿فاسِقُونَ﴾ -ثم قال-: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو تقصرنه على الحق قصرا»، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من طريق علي بن بذيمة به، وقال الترمذي: حسن غريب، ثم رواه هو وابن ماجة عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، وهارون بن إسحاق الهمداني، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن ابن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إن الرجل\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٩١.\n(^٢) أصل الأطر العطف والتثنّي: أي لتردوهم إلى الحق وتعطفوهم عليه.\n(^٣) سنن أبي داود (ملاحم باب ١٧)","vol":"3","page":145},{"text":"من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه، أن يكون أكيله وخليطه وشريكه» وفي حديث هارون «وشريبه»، ثم اتفقا في المتن «فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» ثم قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم» والسياق لأبي سعيد، كذا قال في رواية هذا الحديث.\nوقد رواه أبو داود أيضا عن خلف بن هشام، عن أبي شهاب الخياط، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم وهو ابن عجلان الأفطس، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي ﷺ بنحوه، ثم قال أبو داود: كذا رواه خالد عن العلاء، عن عمرو بن مرة به، ورواه المحاربي عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة عن أبي موسى.\nوالأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام، قد تقدم حديث جابر عند قوله ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ [المائدة: ٦٣] وسيأتي عند قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] حديث أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم»، ورواه الترمذي عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر به، وقال: هذا حديث حسن.\nوقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (^٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم» تفرد به، وعاصم هذا مجهول.\nوفي الصحيح من طريق الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٣٨٨.\n(^٢) سنن ابن ماجة (فتن حديث ٤٠٠٤)","vol":"3","page":146},{"text":"قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا ابن نمير، حدثنا سيف هو ابن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يعني عدي بن عميرة ﵁، يقول: سمعت النبي ﷺ يقول «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله الخاصة والعامة»، ثم رواه أحمد عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عيسى بن عدي الكندي، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره، هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين.\nقال أبو داود (^٣): حدثنا أبو العلاء (^٤)، حدثنا أبو بكر، حدثنا المغيرة بن زياد الموصلي عن عدي بن عدي، عن العرس يعني ابن عميرة، عن النبي ﷺ قال «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، -وقال مرة فأنكرها-كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» تفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن ابن شهاب، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي مرسلا. وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حدثنا شعبة وهذا لفظه، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ، وقال سليمان، حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال «لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم».\nوقال ابن ماجة (^٥): حدثنا عمران بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام خطيبا، فكان فيما قال «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه». قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا.\nوفي حديث إسرائيل عن عطية (^٦) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ٧٨)\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٩٢.\n(^٣) سنن أبي داود (ملاحم باب ١٧)\n(^٤) في سنن أبي داود: «حدثنا محمد بن العلاء».\n(^٥) سنن ابن ماجة (فتن حديث ٤٠٠٧)\n(^٦) في سنن أبي داود: «إسرائيل عن محمد بن جحادة عن عطية .. إلخ».","vol":"3","page":147},{"text":"من هذا الوجه. وقال ابن ماجة: حدثنا راشد بن سعيد الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي غالب، عن أبي أمامة: قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب فقال «أين السائل؟» قال:\nأنا يا رسول الله. قال «كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر» تفرد به. وقال ابن ماجة: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحقر أحدكم نفسه» قالوا يا رسول الله:\nكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال «يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة:\nما منعك أن تقول في كذا وكذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى» تفرد به، وقال أيضا: حدثنا علي بن محمد، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، حدثنا نهار العبدي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت الناس» تفرد به أيضا ابن ماجة، وإسناده لا بأس به.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عمرو بن عاصم عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال «لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه» قيل:\nوكيف يذل نفسه؟ قال «يتعرض من البلاء لما لا يطيق»، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعا عن محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوقال ابن ماجة (^٢): حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال «الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم» قال زيد: تفسير معنى قول النبي ﷺ والعلم في رذالكم إذا كان العلم في الفساق، تفرد به ابن ماجة، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ شاهد لهذا، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nوقوله تعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٤٠٥.\n(^٢) سنن ابن ماجة (فتن حديث ٤٠١٥)","vol":"3","page":148},{"text":"وقوله ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطا مستمرا إلى يوم معادهم، ولهذا قال ﴿أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ وفسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم أنهم ﴿وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ يعني يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مسلم بن علي عن الأعمش بإسناد ذكره، قال «يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاثا في الدنيا، وثلاثا في الآخرة، فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار»، ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ هكذا ذكره ابن أبي حاتم.\nوقد رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عمار عن مسلمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي ﷺ فذكره، وساقه أيضا من طريق سعيد بن غفير عن مسلمة، عن أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي ﷺ فذكر مثله، وهذا حديث ضعيف على كل حال، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ﴾ أي لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه، ﴿وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٢ إلى ٨٦]</span>\n﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضلوا لحاهم (^١)، وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدي:\n_________\n(^١) الأثر في الطبري ٥/ ٤.","vol":"3","page":149},{"text":"فهاجر النجاشي فمات بالطريق (^١). وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلّى عليه النبي ﷺ يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة.\nثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر: سبعة قساوسة وخمسة رهابين. وقيل:\nبالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلا، فالله أعلم وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين، وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء كانوا من الحبشة أو غيرها (^٢).\nفقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول الله ﷺ غير مرة، وسموه وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.\nقال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن محمد بن السري، حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حدثنا علي بن سعيد العلاف، حدثنا أبو النضر عن الأشجعي، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله»، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، حدثنا فرج بن عبيد، حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما خلا يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله»، وهذا حديث غريب جدا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً﴾ وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعا في ملتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب، وهو العابد، مشتق من الرهبة، وهي الخوف، كراكب وركبان، وفرسان.\n_________\n(^١) الأثر في الطبري ٥/ ٤ والدر المنثور ٢/ ٥٣٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٦.","vol":"3","page":150},{"text":"قال ابن جرير (^١): وقد يكون الرهبان واحدا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان (^٢) وجرادين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحدا قول الشاعر: [الرجز] لو عاينت رهبان دير في القلل … لا نحدر الرهبان يمشي ونزل (^٣)\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم. حدثنا نصير بن أبي الأشعث، حدثني الصلت الدهان عن جاثمة بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا﴾ فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله ﷺ «ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا»، وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الخاني عن نضير بن زياد الطائي، عن صلت الدهان، عن جاثمة بن رئاب، عن سلمان به.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الخاني، حدثنا نضير بن زياد الطائي، حدثنا صلت الدهان عن جاثمة بن رئاب قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا﴾ فقال هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النبي ﷺ ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ فأقرأني «ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا» فقوله ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به.\nوقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر بن علي بن مقدم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي مع محمد ﷺ وأمته هم الشاهدون، يشهدون لنبيهم ﷺ أنه قد بلغ، وللرسل أنهم قد بلغوا، ثم قال الحاكم:\nصحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٥.\n(^٢) الجردان: الغضيب من ذوات الحافر، أو هو عام.\n(^٣) ويروى: «لو كلمت … يسعى». والرجز بلا نسبة في لسان العرب (رهب) وتهذيب اللغة ٦/ ٢٩٠ وتاج العروس (رهب) وتفسير الطبري ٥/ ٥.","vol":"3","page":151},{"text":"وقال الطبراني، حدثنا أبو شبيل عبد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة، وجعفر بن إياس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال: إنهم كانوا كرابين يعني فلاحين، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم القرآن، آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله ﷺ «لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم» فقالوا: لن ننتقل عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه، من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: مع محمد ﷺ، وأمته هم الشاهدون، يشهدون لنبيهم أنه قد بلّغ وللرسل أنهم قد بلغوا. ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، وهم الذين قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي جحدوا بها وخالفوها، ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي هم أهلها والداخلون فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-427>[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي ﷺ، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي ﷺ «لكني أصوم وأفطر، وأصلي، وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني» رواه ابن أبي حاتم (^١)، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحو ذلك، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر فقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا أنام\n_________\n(^١) ورواه الطبري في تفسيره ٥/ ١١.","vol":"3","page":152},{"text":"على الفراش فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عثمان يعني ابن سعد، أخبرني عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال:\nيا رسول الله، إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾. وكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعا عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي عاصم النبيل به. وقال، حسن غريب. وقد روي من وجه آخر مرسلا، وروي موقوفا على ابن عباس، فالله أعلم.\nوقال سفيان الثوري ووكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية، أخرجاه من حديث إسماعيل، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم.\nوقال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، قال: جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني حرمت فراشي، فتلا هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية. وقال الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له عبد الله:\nادن، فقال: إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله: ادن فاطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية: رواهن ابن أبي حاتم، وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه من طريق إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن منصور به؛ ثم قال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيف من أهله، وهو عند النبي ﷺ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارا له، فقال لامرأته حبست ضيفي من أجلي هو علي حرام، فقالت امرأته: هو علي حرام. وقال الضيف: هو علي حرام، فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا باسم الله، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ وهذا أثر منقطع.\nوفي صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه شبيه بهذا، وفيه وفي هذه القصة دلالة\n_________\n(^١) الحديث في صحيح البخاري (نكاح باب ١) وصحيح مسلم (نكاح حديث ٥) عن أنس بن مالك.","vol":"3","page":153},{"text":"لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلا أو ملبسا أو شيئا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضا، ولقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ ولأن الذي حرم اللحم على نفسه كما في الحديث المتقدم لم يأمره النبي ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل إلى أن من حرم مأكلا أو مشربا أو ملبسا أو شيئا من الأشياء، فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١]، ثم قال ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وكذلك هاهنا لما ذكر هذا الحكم، عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد قال:\nأراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يؤكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقول لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله ﷺ فقال «إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت.\nوقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين كما تقدم ذلك، ولله الحمد والمنة.\nوقال أسباط عن السدي في قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يوما فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي ﷺ، كانوا عشرة منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لم نحدث عملا، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٢.","vol":"3","page":154},{"text":"فنحن نحرم، فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك (^١)، وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء فكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة ﵂ وكان يقال لها الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النبي ﷺ: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطيبين؟ فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع علي زوجي، وما رفع عني ثوبا منذ كذا وكذا. قال:\nفجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال «ما يضحككن؟» قالت: يا رسول الله إن الحولاء سألتها عن أمرها. فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال «ما لك يا عثمان؟» قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه، فقال رسول الله ﷺ «أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك». فقال: يا رسول الله إني صائم. فقال «أفطر» فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. فقال رسول الله ﷺ «ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني» فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ يقول لعثمان: لا تجب نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، أمرهم أن يكفروا عن أيمانهم فقال ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾، رواه ابن جرير (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه: كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] الآية، وقال ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط، ولهذا قال ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ثم قال ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ أي في حال كونه حلالا طيبا ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته وعصيانه ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.\n_________\n(^١) الودك: دسم اللحم ودهنه.\n(^٢) الأثر عن السدي في تفسير الطبري ٥/ ١١ والدر المنثور ٢/ ٥٤٥.","vol":"3","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-428>[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]</span>\n﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾\nوقد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة، وإنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله وبلى والله. وهذا مذهب الشافعي.\nوقيل هو في الهزل. وقيل: في المعصية. وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ أي بما صممتم عليه منها وقصدتموها، ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه.\nوقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم. وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: خبز ولبن، وخبز وسمن. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة عن سليمان يعني ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي من الخبز والزيت، وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: من عسرهم ويسرهم وحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي، حدثنا محمد بن شعيب يعني ابن شابور، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن التميمي عن ليث بن أبي سليم عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له عبد الرحمن التميمي، عن ابن عمر ﵁ أنه قال ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، قال: الخبز واللحم، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل.\nوحدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر في قوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم، ورواه ابن جرير (^١) عن هناد وابن وكيع، كلاهما عن أبي معاوية، ثم روى ابن جرير عن عبيدة والأسود وشريح القاضي ومحمد بن سيرين والحسن والضحاك وأبي رزين، أنهم قالوا نحو ذلك، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٩.","vol":"3","page":156},{"text":"واختار ابن جرير أن المراد بقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي في القلة والكثرة (^١)، ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج، عن حصين الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي ﵁ في قوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: يغديهم ويعشيهم. وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما، زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا، حتى يشبعوا. وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما، فهذا قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر وصاع مما عداه.\nوقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حدثنا عبيد بن الحسن بن يوسف، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن سخبرة ابن أخي عائشة لأمه، حدثنا عمر بن يعلى عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كفّر رسول الله ﷺ بصاع من تمر، وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر. ورواه ابن ماجة عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكاء، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن المنهال بن عمرو به، لا يصح هذا الحديث لحال عمر بن عبد الله هذا، فإنه مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس عن داود يعني ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: مدا من بر يعني لكل مسكين ومعه إدامه، ثم قال: وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين والزهري، نحو ذلك.\nوقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي ﷺ لكل مسكين ولم يتعرض للأدم.\nواحتج بأمر النبي ﷺ للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكينا من مكتل يسع خمسة عشر صاعا، لكل واحد منهم مد. وقد ورد حديث آخر صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه:\nحدثنا أحمد بن علي بن الحسن المقري، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا النضر بن زرارة الكوفي عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يقيم كفارة اليمين مدا من حنطة بالمد الأول، إسناده ضعيف لحال النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو مجهول مع أنه قد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٣.","vol":"3","page":157},{"text":"مستقيمة، فالله أعلم، ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضا. وقال أحمد بن حنبل: الواجب مد من بر أو مدان من غيره، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال الشافعي ﵀: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة، أجزأه ذلك، واختلف أصحابه في القلنسوة: هل تجزئ أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز احتجاجا بما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي: قالا:\nحدثنا القاسم بن مالك عن محمد بن الزبير، عن أبيه، قال: سألت عمران بن الحصين عن قوله ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: لو أن وفدا قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة، قلنسوة قلتم قد كسوا، ولكن هذا إسناد ضعيف لحال محمد بن الزبير هذا، والله أعلم. وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني: في الخف وجهين أيضا، والصحيح عدم الإجزاء وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلا أو امرأة كل بحسبه، والله أعلم.\nوقال العوفي عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة، وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت. وقال ليث عن مجاهد: يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان (^١). وقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو مالك. ثوب ثوب. وعن إبراهيم النخعي أيضا: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعا، وقال الأنصاري عن أشعث عن ابن سيرين والحسن: ثوبان ثوبان.\nوقال الثوري عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها. وقال ابن جرير (^٢): حدثنا هناد، حدثنا ابن المبارك عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى أنه حلف على يمين، فكسا ثوبين من معقدة البحرين. وقال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن المعلى، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ في قوله ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال «عباءة لكل مسكين»، حديث غريب.\nوقوله ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب. ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك (^٣) ومسند الشافعي وصحيح مسلم أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، وجاء معه بجارية\n_________\n(^١) التبّان: سراويل صغيرة، يستر العورة فقط.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٢٦.\n(^٣) موطأ مالك (عتق حديث ٨). والحديث فيه عن عمر بن الحكم.","vol":"3","page":158},{"text":"سوداء فقال لها رسول الله ﷺ «أين الله؟». قالت: في السماء. قال «من أنا؟» قالت:\nرسول الله. قال «أعتقها فإنها مؤمنة» الحديث بطوله. فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين، أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل، فالأسهل فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾.\nوروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري، أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام وإلا صام، وقال ابن جرير حاكيا عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف فيه لمعاشه، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه، ثم اختار ابن جرير أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين (^١).\nواختلف العلماء: هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب، ويجزئ التفريق؟ قولان:\nأحدهما لا يجب وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك لإطلاق قوله ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء رمضان لقوله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة، لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرءونها «فصيام ثلاثة أيام متتابعات». قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود، وقال إبراهيم في قراءة أصحاب عبد الله بن مسعود «فصيام ثلاثة أيام متتابعات». وقال الأعمش كان أصحاب ابن مسعود يقرءونها كذلك، وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا، فلا أقل أن يكون خبرا واحدا أو تفسيرا من الصحابة وهو في حكم المرفوع.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن جعفر الأشعري، حدثنا الهيثم بن خالد القرشي، حدثنا يزيد بن قيس عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن جريج، عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله نحن بالخيار؟ قال «أنت بالخيار إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وهذا حديث غريب جدا.\nوقوله ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ أي هذه كفارة اليمين الشرعية ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾. قال ابن جرير (^٢): معناه لا تتركوها بغير تكفير ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ أي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٠ - ٣٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٢ - ٣٣.","vol":"3","page":159},{"text":"يوضحها ويفسرها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-429>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٠ إلى ٩٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾\nيقوله تعالى: ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو القمار، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الشطرنج من الميسر، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عيسى بن مرحوم، عن حاتم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن سفيان، عن ليث، عن عطاء ومجاهد وطاوس-قال سفيان: أو اثنين منهم-قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز. وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله، وقالا:\nحتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان. وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الميسر هو القمار. وقال الضحاك، عن ابن عباس، قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة. وقال مالك، عن داود بن الحصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين.\nوقال الزهري، عن الأعرج، قال: الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار. وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر، رواهن ابن أبي حاتم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال «اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا، فإنها من الميسر» حديث غريب، وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ «من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» (^١) وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجة، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» (^٢) وروي موقوفا عن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (شعر حديث ١٠)\n(^٢) سنن أبي داود (أدب باب ٥٦) وسنن ابن ماجة (أدب باب ٤٣) وموطأ مالك (رؤيا حديث ٦) ومسند أحمد ٤/ ٣٩٤.","vol":"3","page":160},{"text":"أبي موسى من قوله، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا علي (^٢) بن إبراهيم، حدثنا الجعيد عن موسى بن عبد الرحمن الخطمي أنه سمع محمد بن كعب وهو يسأل عبد الرحمن يقول: أخبرني ما سمعت أباك يقول عن رسول الله ﷺ، فقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي».\nوأما الشطرنج فقد قال عبد الله بن عمر إنه شر من النرد، وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي، رحمهم الله تعالى، وأما الأنصاب، فقال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأما الأزلام فقالوا أيضا: هي قداح كانوا يستقسمون بها، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي سخط من عمل الشيطان. وقال سعيد بن جبير: إثم. وقال زيد بن أسلم: أي شر من عمل الشيطان ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضمير عائد إلى الرجس، أي اتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهذا ترغيب، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهذا تهديد وترهيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-430>ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر</span>\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا شريح، حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرما علينا إنما قال ﴿فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوما من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أم أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله أغلظ منها ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ فكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغبق (^٤)، ثم أنزلت آية أغلظ منها\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٣٧٠.\n(^٢) في المسند: «مكي بن إبراهيم».\n(^٣) مسند أحمد ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(^٤) أي قد شرب بالعشي.","vol":"3","page":161},{"text":"﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قالوا: انتهينا ربنا. وقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ إلى آخر الآية، فقال النبي ﷺ «لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم» انفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب أنه قال لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في البقرة ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في سورة النساء ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قال: حي على الصلاة، نادى: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال عمر: انتهينا. وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عمر بن عبد الله السبيعي، وعن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني، عن عمر به، وليس له عنه سواه، قال أبو زرعة: ولم يسمع منه.\nوصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي. وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ: أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل (^٢). وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني نافع عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب (^٣).\nحديث آخر قال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن أبي حميد، عن المصري يعني أبا طعمة قارئ مصر، قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، دعنا ننتفع بها كما قال الله تعالى، قال: فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت\n_________\n(^١) راجع تفسير الآية ٢١٩ من سورة البقرة.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ١٠ وأشربة باب ٣) وصحيح مسلم (تفسير حديث ٣٢ و٣٣)\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ١٠)","vol":"3","page":162},{"text":"عنهم، ثم نزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآيتين، فقال رسول الله ﷺ «حرمت الخمر».\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق عن القعقاع بن حكيم أن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ «يا فلان أما علمت أن الله حرمها؟» فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها، فقال رسول الله ﷺ «يا فلان بماذا أمرته؟» فقال: أمرته أن يبيعها. قال «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» فأمر بها فأفرغت في البطحاء، ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، ومن طريق ابن وهب أيضا عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس به، ورواه النسائي عن قتيبة عن مالك به.\nحديث آخر قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن شهر بن حوشب، عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك وقال «إنها قد حرمت بعدك» قال: يا رسول الله فأبيعها وأنتفع بثمنها، فقال رسول الله ﷺ «لعن الله اليهود، حرمت عليهم شحوم البقر والغنم، فأذابوه وباعوه، والله حرم الخمر وثمنها» وقد رواه أيضا الإمام أحمد (^٢) فقال: حدثنا روح، حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال: سمعت شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت، جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك، فقال «أشعرت أنها قد حرمت بعدك» فقال: يا رسول الله، ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ «لعن الله اليهود انطلقوا إلى ما حرم عليهم من شحم البقر والغنم، فأذابوه، فباعوا به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام».\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن سليمان بن عبد الرحمن، عن نافع بن كيسان أن أباه أخبره أنه كأنه يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال:\nيا رسول الله، إني جئتك بشراب طيب، فقال رسول الله ﷺ «يا كيسان إنها قد حرمت بعدك» قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ «إنها قد حرمت وحرم ثمنها»، فانطلق كيسان\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٣٠.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٢٢٧.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٣٣٧.","vol":"3","page":163},{"text":"إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم هراقها.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن سعيد عن حميد، عن أنس قال:\nكنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسهيل ابن بيضاء ونفرا من أصحابه عند أبي طلحة حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: حتى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس اسكب ما بقي في إنائك فوالله ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن أنس، وفي رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ (^٢) البسر والتمر، فإذا مناد ينادي قال: اخرج فانظر، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فجرت في سكك المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها فقالوا أو قال بعضهم: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل ابن بيضاء حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعت مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ يقرأ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال رجل:\nيا رسول الله، فما ترى فيمن مات وهو يشربها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآية، فقال رجل لقتادة: أنت سمعته من أنس بن مالك قال: نعم، وقال رجل لأنس بن مالك، أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، أو حدثني من لم يكذب، [والله] (^٤) ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا يحيى بن إسحاق أخبرني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر، عن بكر بن سوادة، عن قيس بن سعيد بن عبادة أن رسول الله ﷺ قال «إن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ١٨١ - ١٨٢.\n(^٢) الفضيخ: شراب يتخذ من البسر المفضوح، أي المشدوخ.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٣٨.\n(^٤) زيادة من الطبري.\n(^٥) مسند أحمد ٤/ ٤٢٢.","vol":"3","page":164},{"text":"ربي ﵎، حرم الخمر والكوبة (^١) والقنين، وإياكم والغبيراء فإنها ثلث خمر العالم».\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد، حدثنا فرج بن فضالة عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو. قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة والقنين، وزادني صلاة الوتر» قال يزيد: القنين البرابط (^٣)، تفرد به أحمد.\nوقال أحمد (^٤) أيضا: حدثنا أبو عاصم وهو النبيل، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال «من قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم» قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام» تفرد به أحمد أيضا.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا وكيع، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي طعمة مولاهم، وعن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ «لعنت الخمر على عشرة أوجه: لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها»، ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث وكيع به.\nوقال أحمد (^٦): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو طعمة، سمعت ابن عمر يقول:\nخرج رسول الله ﷺ إلى المربد فخرجت معه، فكنت معه، فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه، فكان عن يمينه وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله ﷺ المربد فإذا بزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية (^٧)، قال ابن عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذ، فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال «لعنت الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها ومعتصرها، وآكل ثمنها»، وقال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن عمر: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمدية وهي الشفرة،\n_________\n(^١) الكوبة: النرد، وقيل: الطبل. والقنين: لعبة للروم يقامرون بها. والغبيراء: شراب يتخذه أهل الحبشة من الذرة، وهو مسكر.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ١٦٣.\n(^٣) البرابط: آلة تشبه العود.\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ١٧١.\n(^٥) مسند أحمد ٢/ ٢٥.\n(^٦) مسند أحمد ٢/ ٧١.\n(^٧) أي طلب إليه أن يأتي بالمدية، وهي السكين والشفرة.","vol":"3","page":165},{"text":"فأتيته بها، فأرسل بها، فأرهفت ثم أعطانيها، وقال «اغد عليّ بها» ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته.\nحديث آخر-قال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن سعد، عن خالد بن زيد، عن ثابت أن يزيد الخولاني أخبره أنه كان له عم يبيع الخمر، وكان يتصدق، قال: فنهيته عنها فلم ينته، فقدمت المدينة فلقيت ابن عباس فسألته عن الخمر وثمنها، فقال: هي حرام، وثمنها حرام، ثم قال ابن عباس ﵁: يا معشر أمة محمد، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم، ونبي بعد نبيكم، لأنزل فيكم كما أنزل فيمن قبلكم، ولكن أخر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة ولعمري لهو أشد عليكم، قال ثابت: فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر فقال: سأخبرك عن الخمر، إني كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد فبينما هو محتب (^١) على حبوته، ثم قال «من كان عنده من هذه الخمر شيء فليأتنا بها» فجعلوا يأتونه فيقول أحدهم: عندي راوية، ويقول الآخر: عندي زق، أو ما شاء الله أن يكون عنده، فقال رسول الله ﷺ «اجمعوه ببقيع كذا وكذا، ثم آذنوني» ففعلوا، ثم آذنوه، فقام وقمت معه ومشيت عن يمينه وهو متكئ عليّ، فلحقنا أبو بكر ﵁، فأخرني رسول الله ﷺ، فجعلني عن شماله وجعل أبا بكر في مكاني، ثم لحقنا عمر بن الخطاب ﵁، فأخرني وجعله عن يساره، فمشى بينهما حتى إذا وقف على الخمر قال للناس «أتعرفون هذه؟» قالوا نعم يا رسول الله، هذه الخمر، قال «صدقتم»، ثم قال «فإن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها» ثم دعا بسكين فقال «اشحذوها» ففعلوا، ثم أخذها رسول الله ﷺ يخرق بها الزقاق، قال: فقال الناس: في هذه الزقاق منفعة، فقال «أجل ولكني إنما أفعل ذلك غضبا لله ﷿ لما فيها من سخطه» فقال عمر: انا أكفيك يا رسول الله، قال «لا» قال ابن وهب:\nوبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث، رواه البيهقي.\nحديث آخر قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة عن سماك، عن مصعب بن سعد. عن سعد قال: أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث قال:\nوصنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا، فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتى انتشينا فتفاخرنا،\n_________\n(^١) احتبى: ضمّ رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره.","vol":"3","page":166},{"text":"فقالت الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب به أنف سعد ففزره، وكانت أنف سعد مفزورة، فنزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أخرجه مسلم من حديث شعبة.\nحديث آخر-قال البيهقي: وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو علي الرفاء، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثني أبي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلما أن ثمل القوم، عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته، فيقول صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله لو كان بي رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال أناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أحد: فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ إلى آخر الآية، ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حجاج بن منهال.\nحديث آخر-قال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن خلف، حدثنا سعيد بن محمد الحرمي عن أبي تميلة، عن سلام مولى حفص أبي القاسم، عن أبي بريدة، عن أبيه قال بينا نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية لنا ونحن نشرب الخمر حلا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخر الآيتين، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء فقال: بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا:\nانتهينا ربنا.\nحديث آخر-قال البخاري (^٢): حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، عن جابر قال صبح أناس غداة أحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعا شهداء، وذلك قبل تحريمها، هكذا رواه البخاري في تفسيره من صحيحه. وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي ﷺ، ثم قتلوا شهداء يوم أحد فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٦.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ٩)","vol":"3","page":167},{"text":"قتلوا وهي في بطونهم، فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ ثم قال: وهذا إسناد صحيح، وهو كما قال، ولكن في سياقه غرابة.\nحديث آخر-قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآية، ورواه الترمذي عن بندار غندر عن شعبة به نحوه، وقال: حسن صحيح.\nحديث آخر-قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا جعفر بن حميد الكوفي، حدثنا يعقوب القمي عن عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فحمل منها بمال فقدم بها المدينة فلقيه رجل من المسلمين فقال يا فلان، إن الخمر قد حرمت فوضعها حيث انتهى على تل، وسجى عليها بأكسية، ثم أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله، بلغني أن الخمر قد حرمت؟ قال «أجل» قال لي أن أردها على من ابتعتها منه؟ قال لا يصلح ردها». قال: لي أن أهديها إلى من يكافئني منها؟ قال «لا». قال: فإن فيها مالا ليتامى في حجري، قال «إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوض أيتامك من مالهم» ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله، الأوعية ننتفع بها؟ قال «فحلوا أوكيتها» فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي، هذا حديث غريب.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن السدي، عن أبي هبيرة وهو يحيى بن عباد الأنصاري، عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام في حجره ورثوا خمرا فقال «أهرقها». قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال «لا». ورواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث الثوري به نحوه.\nحديث آخر قال ابن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا عبد العزيز بن سلمة حدثنا هلال بن أبي هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال: إن هذه الآية التي في القرآن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: هي في التوراة إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل، ويبطل به اللعب والمزامير، والزفن والكبارات، يعني البرابط والزمارات، يعني به الدف والطنابير والشعر والخمر مرة لمن طعمها، أقسم الله بيمينه وعزته من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس، وهذا إسناد صحيح.\nحديث آخر-قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن شعيب حدثهم عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ قال «من ترك الصلاة سكرا مرة\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ١١٩.","vol":"3","page":168},{"text":"واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصلاة سكرا أربع مرات، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» قيل: وما طينة الخبال؟ قال «عصارة أهل جهنم» ورواه أحمد من طريق عمرو بن شعيب.\nحديث آخر-قال أبو داود (^١): حدثنا محمد بن رافع، حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني قال: سمعت النعمان هو ابن أبي شيبة الجندي يقول عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال «كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال «صديد أهل النار. ومن سقاه صغيرا لا يعرف حلاله من حرامه، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» تفرد به أبو داود.\nحديث آخر-قال الشافعي ﵀: أنبأنا مالك عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة» أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك به. وروى مسلم عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها، لم يشربها في الآخرة».\nحديث آخر-قال ابن وهب: أخبرني عمر بن محمد عن عبد الله بن يسار أنه سمع سالم بن عبد الله يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة:\nالعاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى». ورواه النسائي عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري به. وروى أحمد (^٢) عن غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال «لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر». ورواه أحمد أيضا عن عبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد به (^٣). وعن مروان بن شجاع، عن حصيف، عن مجاهد به.\nورواه النسائي عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زيادة، عن سالم بن أبي الجعد ومجاهد، كلاهما عن أبي سعيد به.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابان عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال «لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا منان، ولا ولد زنية» وكذا رواه عن يزيد، عن همام، عن منصور،\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أشربة باب ٥)\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٤٤.\n(^٣) مسند أحمد ٣/ ٢٨.\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ٢٠٣.","vol":"3","page":169},{"text":"عن سالم، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو به (^١)، وقد رواه أيضا عن غندر وغيره، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن نبيط بن شريط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال «لا يدخل الجنة منان، ولا عاق والديه، ولا مدمن خمر» (^٢). ورواه النسائي من حديث شعبة كذلك، ثم قال: ولا نعلم أحدا تابع شعبة عن نبيط بن شريط. وقال البخاري:\nلا يعرف لجابان سماع عن عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط، وقد روي هذا الحديث من طريق مجاهد عن ابن عباس، ومن طريقه أيضا عن أبي هريرة، فالله أعلم.\nوقال الزهري: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه قال: سمعت عثمان بن عفان يقول اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت إنّا ندعوك لشهادة فدخل معها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت إني والله ما دعوتك لشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تقتل هذا الغلام أو تشرب هذا الخمر فسقته كأسا فقال زيدوني فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أو شك أحدهما أن يخرج صاحبه. رواه البيهقي وهذا إسناد صحيح وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه ذم المسكر عن محمد بن عبد الله بن بزيع عن الفضيل بن سليمان النميري عن عمر بن سعيد عن الزهري به مرفوعا والموقوف أصح والله أعلم وله شاهد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن».\nوقال أحمد بن حنبل (^٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما حرمت الخمر قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها، فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ إلى آخر الآية، ولما حولت القبلة قال ناس: يا رسول الله، إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا داود يعني العطار عن أبي خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت النبي ﷺ يقول «من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة، إن مات مات كافرا، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» قالت: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال «صديد\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ١٦٤.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٢٠١.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٢٩٥.\n(^٤) مسند أحمد ٦/ ٤٦٠.","vol":"3","page":170},{"text":"أهل النار» وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال لما نزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فقال النبي ﷺ «قيل لي: أنت منهم» وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريقه. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^١): قرأت على أبي، حدثنا علي بن عاصم، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إياكم وهاتان الكعبتان (^٢) الموسومتان اللتان تزجران زجرا فإنهما ميسر العجم».\n\n<span data-type='title' id=toc-431>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ (٩٥)﴾\nقال الوالبي (^٣) عن ابن عباس قوله ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ﴾ قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتى لو شاؤوا لتناولوه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه. وقال مجاهد (^٤) ﴿تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني صغار الصيد وفراخه، ﴿وَرِماحُكُمْ﴾ يعني كباره. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ يعني أنه تعالى يبتليهم بالصيد، يغشاهم في رحالهم يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرا وجهرا، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] وقوله هاهنا ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ﴾ قال السدي وغيره: يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لمخالفته أمر الله وشرعه.\nثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال «خمس فواسق يقتلن في\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٤٤٦.\n(^٢) هما حجرا النرد الذي يلعب به.\n(^٣) هو علي بن أبي طلحة. والأثر في تفسير الطبري ٥/ ٤٠.\n(^٤) الأثر عن مجاهد في تفسير الطبري ٥/ ٤٠.","vol":"3","page":171},{"text":"الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» (^١).\nوقال مالك (^٢)، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» أخرجاه، ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله. قال أيوب: فقلت لنافع: فالحية؟ قال الحية لا شك فيها. ولا يختلف في قتلها. ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد، لأنها أشد ضررا منه، فالله أعلم.\nوقال زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة: الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها، واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله ﷺ لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال «اللهم سلط عليه كلبك بالشام» فأكله السبع بالزرقاء، قالوا: فإن قتل ما عداهن فداه، كالضبع والثعلب وهرّ البر ونحو ذلك، قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي. وقال الشافعي: يجوز للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره، وجعل العلة الجامعة كونها لا تؤكل. وقال أبو حنيفة: يقتل المحرم الكلب العقور والذئب، لأنه كلب بري، فإن قتل غيرهما فداه إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيي.\nوقال زفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه.\nوقال بعض الناس: المراد بالغراب هاهنا الأبقع، وهو الذي في بطنه وظهره بياض دون الأدرع وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض، لما رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال «خمس يقتلهن المحرم: الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور» والجمهور على أن المراد به أعم من ذلك، لما ثبت في الصحيحين من إطلاق لفظه. وقال مالك ﵀: لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه. وقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه، ويروى مثله عن علي. وقد روى هشيم: حدثنا يزيد بن أبي زياد:\nعن عبد الرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه سئل عما يقتل المحرم؟ فقال «الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي» رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، والترمذي عن أحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم وابن ماجة، عن أبي كريم وعن محمد بن فضيل، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (صيد باب ٧) وصحيح مسلم (حج حديث ٧٦)\n(^٢) موطأ مالك (حج حديث ٨٨)","vol":"3","page":172},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن علية عن أيوب قال: نبئت عن طاوس أنه قال: لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمدا، وهذا مذهب غريب عن طاوس وهو متمسك بظاهر الآية، وقال مجاهد بن جبر: المراد بالمتعمد هنا القاصد إلى قتل الصيد، الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه، فذاك أمره أعظم من أن يكفر، وقد بطل إحرامه، ورواه ابن جرير (^١) عنه من طريق ابن أبي نجيح، وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه، وهو قول غريب أيضا، والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهري: دل الكتاب على العامد، وجرت السنة على الناسي، ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله ﴿لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ وجاءت السنة من أحكام النبي ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دل الكتاب عليه في العمد، وأيضا فإن قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرأ بعضهم بالإضافة، وقرأ آخرون بعطفها ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وحكى ابن جرير (^٢)، أن ابن مسعود قرأها «فجزاؤه مثل ما قتل من النعم». وفي قوله ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور، من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي خلافا لأبي حنيفة ﵀، حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلي، قال: وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هديا، والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز، وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة، رواه البيهقي.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني أنه يحكم بالجزاء في المثل أو بالقيمة في غير المثل عدلان من المسلمين، واختلف العلماء في القاتل: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين [أحدهما] لا، لأنه قد يتهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك.\n[والثاني] نعم، لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، واحتج الأولون بأن الحاكم لا يكون محكوما عليه في صورة واحدة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤١ - ٤٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٤٤.","vol":"3","page":173},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا جعفر هو ابن برقان عن ميمون بن مهران أن أعرابيا أتى أبا بكر، فقال: قتلت صيدا وأنا محرم، فما ترى علي من الجزاء؟ فقال أبو بكر ﵁ لأبي بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله ﷺ أسألك، فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر:\nوما تنكر؟ يقول الله تعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به.\nوهذا إسناد جيد، لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق، ومثله يحتمل هاهنا، فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابيا جاهلا، وإنما دواء الجهل التعليم.\nفأما إذا كان المعترض منسوبا إلى العلم، فقد قال ابن جرير (^١): حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي، قالا: حدثنا وكيع بن الجراح عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجا، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا، فنتماشى نتحدث. قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح (^٢)، فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ خشّاءه (^٣)، فركب ردعه (^٤) ميتا. قال: فعظّمنا عليه، فلما قدمنا مكة، خرجت معه حتى أتينا عمر بن الخطاب ﵁، فقص عليه القصة فقال: وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة، يعني عبد الرحمن بن عوف، فالتفت عمر إلى صاحبه فكلمه، قال: ثم أقبل على الرجل فقال: أعمدا قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله، فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها، واستبق إهابها، قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، عظم شعائر الله، فما دري أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها. فلعل ذلك يعني أن يجزئ عنك، قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدرة، قال: فعلا صاحبي ضربا بالدرة، أقتلت في الحرم وسفهت في الحكم. قال: ثم أقبل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني، فقال: يا قبيصة بن جابر، إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٩.\n(^٢) سنح الظبي: أتاك عن يسارك فهو سانح. وبرح: أتاك عن يمينك فهو بارح. والعرب تتشاءم بالبارح وتتفاءل بالسانح.\n(^٣) الخشّاء: العظم الناتئ خلف الأذن، يكون عاريا خاليا من الشعر.\n(^٤) يقال للقتيل: ركب ردعه، إذا خر لوجهه على دمه.","vol":"3","page":174},{"text":"وروى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بنحوه. ورواها أيضا عن حصين، عن الشعبي، عن قبيصة بنحوه. وذكرها مرسلة عن عمر بن بكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين بنحوه.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن منصور، عن أبي وائل، أخبرني ابن جرير البجلي، قال أصبت ظبيا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال:\nائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعدا فحكما علي بتيس أعفر.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة عن مخارق، عن طارق، قال: أوطأ أربد ظبيا فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وفي هذا دلالة على جواز كون القاتل احد الحكمين، كما قاله الشافعي وأحمد رحمهما الله.\nواختلفوا: هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة أو يكتفي بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين، فقال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعا مقررا لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين. وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي واصلا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. وقوله ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾ أي إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأحد قولي الشافعي، والمشهور عن أحمد، ﵏، لظاهر «أو» بأنها للتخيير، والقول الآخر أنها على الترتيب، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجودا، ثم يشترى به طعام فيتصدق به فيصرف لكل مسكين مد منه، عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين مدين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مد من حنطة أو مدان من غيره، فإن لم يجد أو قلنا بالتخيير، صام عن إطعام كل مسكين يوما. وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يوما كما في جزاء المترفه بالحلق ونحوه، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يقسم فرقا بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٥٠.","vol":"3","page":175},{"text":"والفرق ثلاثة آصع، واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: مكانه الحرم، وهو قول عطاء. وقال مالك يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه. وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-432>ذكر أقوال السلف في هذا المقام</span>\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله الله تعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾ قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد، نظر كم ثمنه، ثم قوم ثمنه طعاما، قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾، قال: إنما أريد بالطعام والصيام، أنه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه، ورواه ابن جرير من طريق جرير (^١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾، فإذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلا أو نحوه، فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وزاد: الطعام مدّ مدّ يشبعهم (^٢)، وقال جابر الجعفي، عن عامر الشعبي وعطاء ومجاهد ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾ قالوا إنما الطعام لمن لا يبلغ الهدي رواه ابن جرير وكذا روى ابن جريج عن مجاهد وأسباط عن السدي أنها على الترتيب. وقال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية الضحاك وإبراهيم النخعي: هي على الخيار، وهي رواية الليث عن مجاهد، عن ابن عباس، واختار ذلك ابن جرير ﵀.\nوقوله ﴿لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ﴾ أي أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ أي في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله، ولم يرتكب المعصية، ثم قال ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ أي ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾. قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾؟ قال: عما كان في الجاهلية. قال: قلت: وما ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾؟ قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة. قال:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٥٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٥٨. وفيه «شبعهم» في موضع «يشبعهم».","vol":"3","page":176},{"text":"قلت: فهل في العهود من حد تعلمه؟ قال: لا، قال قلت: فترى حقا على الإمام أن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ﷿، ولكن يفتدي» رواه ابن جرير (^١). وقيل:\nمعناه فينتقم الله منه بالكفارة، قاله سعيد بن جبير وعطاء، ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم، يحكم عليه فيه كلما قتله، فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك، كما قال الله ﷿. وقال ابن جرير (^٢): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي، جميعا عن هشام هو ابن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، فيمن أصاب صيدا يحكم عليه ثم عاد قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه. وهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي، رواهن ابن جرير، ثم اختار القول الأول.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العبدي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن زيد بن أبي المعلى، عن الحسن البصري أن رجلا أصاب صيدا فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيدا آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾.\nوقال ابن جرير (^٣) في قوله ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ يقول، عز ذكره: والله منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع، لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ يعني أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه.\n\n<span data-type='title' id=toc-433>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٦ إلى ٩٩]</span>\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾\nقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وغيرهم، في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني ما يصطاد منه طريا ﴿وَطَعامُهُ﴾ ما يتزود منه مليحا يابسا، وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حيا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٥٩ - ٦٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٦٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٦٤.","vol":"3","page":177},{"text":"﴿وَطَعامُهُ﴾ ما لفظه ميتا، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري ﵃، وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري، قال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي بكر الصديق أنه قال ﴿طَعامُهُ﴾ كل ما فيه، رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن مغيرة، عن سماك قال: حدثت عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس، فقال ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ﴾ وطعامه ما قذف. قال: وحدثنا يعقوب حدثنا ابن علية عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ﴾ قال ﴿طَعامُهُ﴾ ما قذف (^٢).\nوقال عكرمة عن ابن عباس، قال: طعامه ما لفظ من ميتة، ورواه ابن جرير (^٣) أيضا. وقال سعيد بن المسيب: طعامه ما لفظه حيا أو حسر عنه فمات، رواه ابن أبي حاتم وقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر، فقال: إن البحر قد قذف حيتانا كثيرة ميتة، أفنأكلها؟ فقال: لا تأكلوها، فلما رجع عبد الله إلى أهله، أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى هذه الآية ﴿وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ﴾ فقال: اذهب فقل له: فليأكله فإنه طعامه، وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. وقد روي في ذلك خبر، وإن بعضهم يرويه موقوفا، حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ﴾ قال «طعامه ما لفظه ميتا» ثم قال:\nوقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة. حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ﴾ قال: طعامه ما لفظه ميتا (^٥).\nوقوله ﴿مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ﴾ أي منفعة وقوتا لكم أيها المخاطبون ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ وهم جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر والسفر وقال غيره: الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح وقدد، زادا للمسافرين والنائين عن البحر وقد روي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. وقد استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك بن أنس عن ابن وهب وابن كيسان، عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٦٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٦٦.\n(^٣) المصدر نفسه.\n(^٤) تفسير الطبري ٥/ ٦٧.\n(^٥) تفسير الطبري ٥/ ٧٠.","vol":"3","page":178},{"text":"جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم، قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال: فقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب (^١)، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت ومرت تحتهما، فلم تصبهما، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله طرق عن جابر (^٢).\nوفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر، فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله ﷺ، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه الفدر كالثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال «هو رزق أخرجه الله لكم هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟» قال فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه، فأكله.\nوفي بعض روايات مسلم أنهم كانوا مع النبي ﷺ حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم:\nهي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولا مع النبي ﷺ، ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة، والله أعلم. وقال مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار، أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال، يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربع، وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ بنحوه (^٣).\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق عن حماد بن سلمة، حدثنا\n_________\n(^١) الظرب: الجبل الصغير.\n(^٢) موطأ مالك (كتاب صفة النبي حديث ٢٤) وصحيح البخاري (شركة باب ١) وصحيح مسلم (صيد حديث ١٧ - ٢١)\n(^٣) سنن أبي داود (طهارة باب ٤١) وسنن الترمذي (طهارة باب ٥٢). وسنن النسائي (طهارة باب ٤٦ ومياه باب ٤) وسنن ابن ماجة (طهارة باب ٣٨ وصيد باب ١٨) ومسند أحمد ٢/ ٣٦١.","vol":"3","page":179},{"text":"أبو المهزم هو يزيد بن سفيان سمعت أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلنا جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا، فنقتلهن، فسقط في أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله ﷺ فقال «لا بأس بصيد البحر» أبو المهزم ضعيف، والله أعلم. وقال ابن ماجة: حدثنا هارون بن عبد الله الجمال، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله عن علام، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابر وأنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا دعا على الجراد قال «اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء»، فقال خالد:\nيا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال «إن الجراد نثرة الحوت في البحر» قال هاشم: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره، تفرد به ابن ماجة.\nوقد روى الشافعي عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس أنه أنكر على من يصيد الجراد في الحرم، وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئا، وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه. وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح. وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما، فقيل: يؤكل سائر ذلك. وقيل: لا يؤكل. وقيل:\nما أكل شبهه من البر، أكل مثله في البحر. وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.\nوقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما مات في البحر، كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وقد ورد حديث بنحو ذلك، فقال ابن مردويه:\nحدثنا عبد الباقي هو ابن قانع، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن موسى بن أبي عثمان، قالا: حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه، وما ألقى البحر ميتا طافيا فلا تأكلوه»، ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية ويحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر به، وهو منكر، وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقد تقدم أيضا.\nوروى الإمام أبو عبد الله الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» ورواه أحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وله شواهد، وروي","vol":"3","page":180},{"text":"موقوفا، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدا، أثم وغرم، أو مخطئا، غرم وحرم عليه أكله، لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين، عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، فإن أكله أو شيئا منه فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه قولان للعلماء [أحدهما] نعم، قال: عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن ذبحه ثم أكله فكفارتان، وإليه ذهب طائفة. [والثاني] لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ، ثم وطئ، ثم وطئ قبل أن يحد، فإنما عليه حد واحد، وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل.\nوقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه وحلال أكل ذلك الصيد، إلا أنني أكرهه للذي قتله للخبر عن رسول الله ﷺ «صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أن يصد لكم» وهذا الحديث سيأتي بيانه، وقوله بإباحته للقاتل غريب. وأما لغيره ففيه خلاف قد ذكرنا المنع عمن تقدم، وقال آخرون بإباحته لغير القاتل سواء المحرمون والمحلون لهذا الحديث، والله أعلم.\nوأما إذا صاد حلال صيدا، فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البر، عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية، وسعيد بن جبير، وبه قال الكوفيون. قال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن الفضل، حدثنا سعيد عن قتادة أن سعيد بن المسيب حدثه عن أبي هريرة أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك. وقال آخرون:\nلا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقا لعموم هذه الآية الكريمة.\nوقال عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، وعبد الكريم عن ابن أبي آسية عن طاوس، عن ابن عباس أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة يعني قوله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ قال: وأخبرني معمر عن الزهري، عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. قال معمر: وأخبرني أيوب عن نافع، عن ابن عمر مثله، قال ابن عبد البر: وبه قال طاوس وجابر بن زيد، وإليه ذهب الثوري وإسحاق بن راهويه في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٧٣.","vol":"3","page":181},{"text":"رواية، وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن عليا كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال.\nوقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله لحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودّان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، قالوا: فوجهه أن النبي ﷺ ظن أن هذا إنما صاده من أجله، فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش، وكان حلالا لم يحرم، وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله ثم سألوا رسول الله ﷺ فقال «هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها؟» قالوا: لا. قال «فكلوا» وأكل منها رسول الله ﷺ، وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين بألفاظ كثيرة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ، وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول الله ﷺ يقول «صيد البر لكم حلال» قال سعيد- «وأنتم حرم-ما لم تصيدوه أو يصد لكم»، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي، جميعا عن قتيبة. وقال الترمذي: لا نعرف للمطلب سماعا من جابر، ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر، ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. وقال مالك (^٢) ﵁، عن عبد الله بن أبي بكر. عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أو لا تأكل أنت؟ فقال: إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-434>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٢]</span>\n﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٣٦٢.\n(^٢) موطأ مالك (حج حديث ٨٤)\n(^٣) لم يكمل الحافظ ابن كثير تفسير الآيات ٩٧، ٩٨، ٩٩. فانظر تفسير الطبري ٥/ ٧٣ - ٨٠.","vol":"3","page":182},{"text":"يقول تعالى لرسوله ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ أي يا أيها الإنسان ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يعني أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» وقال أبو القاسم البغوي في معجمه:\nحدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الحوطي، حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا معان بن رفاعة عن أبي عبد الملك علي بن يزيد عن القاسم، عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال:\nيا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال النبي ﷺ «قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه» ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه واقنعوا بالحلال واكتفوا به، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي في الدنيا والآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال «لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» (^١).\nوقال البخاري (^٢): حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها «لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا». قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم حنين (^٣)، فقال رجل: من أبي؟ قال «فلان» فنزلت هذه الآية ﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ﴾ رواه النضر وروح بن عبادة عن شعبة، وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع، ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج به.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة في قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر، فقال «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلا لافا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال «أبوك حذافة». قال:\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٩٦ وسنن أبي داود (أدب باب ٢٨)\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ١١)\n(^٣) في البخاري: «خنين» بالخاء المعجمة. والخنين: نوع من البكاء دون الانتحاب. وهو خروج الصوت من الأنف.\n(^٤) تفسير الطبري ٥/ ٨٢.","vol":"3","page":183},{"text":"ثم قام عمر-أو قال: فأنشأ عمر-فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا عائذا بالله-أو قال: أعوذ بالله من شر الفتن-قال: وقال رسول الله ﷺ «لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط»، أخرجاه من طريق سعيد، ورواه معمر عن الزهري، عن أنس بنحو ذلك، أو قريبا منه. قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدا أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.\nوقال ابن جرير (^١) أيضا: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا قيس عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان، محمار وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: «في النار»، فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال «أبوك حذافة»، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، إسناده جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم أسباط عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: غضب رسول الله ﷺ يوما من الأيام، فقام خطيبا فقال «سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به» فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة، وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فقال: أبوك فلان، فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر بن الخطاب، فقبل رجله وقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبك نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي فيومئذ قال «الولد للفراش، وللعاهر الحجر».\nثم قال البخاري (^٢): حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو الجويرية عن ابن عباس ﵄، قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، تفرد به البخاري.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا منصور بن وردان الأسدي، حدثنا علي بن عبد الأعلى عن أبيه، عن أبي البختري وهو سعيد بن فيروز، عن علي قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٨٣.\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ١١)\n(^٣) مسند أحمد ١/ ١١٣.","vol":"3","page":184},{"text":"أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال «لا»، ولو قلت: نعم لوجبت ولو وجبت لم استطعتم فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من طريق منصور بن وردان به، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك عليا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله كتب عليكم الحج» فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال «من السائل؟» فقال: فلان، فقال «والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم»، فأنزل الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى ختم الآية، ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة وقال: فقام محصن الأسدي، وفي رواية من هذه الطريق عكاشة بن محصن، وهو أشبه، وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف.\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر، حدثنا ابن مطيع معاوية بن يحيى عن صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قام رسول الله ﷺ في الناس، فقال «كتب عليكم الحج» فقام رجل من الأعراب فقال: أفي كل عام؟ قال: فغلق كلام رسول الله ﷺ، وأسكت، وأغضب واستغضب، ومكث طويلا، ثم تكلم فقال «من السائل؟» فقال الأعرابي:\nأنا ذا، فقال «ويحك ماذا يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج، والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض وحرمت عليكم منها موضع خف، لوقعتم فيه» قال: فأنزل الله عند ذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية.\nفي إسناده ضعف، وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٣) حيث قال: حدثنا حجاج قال: سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه «لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، فإني أحب أي أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» الحديث، وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل، قال أبو داود عن الوليد، وقال الترمذي عن إسرائيل عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٨٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٨٤.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦.","vol":"3","page":185},{"text":"السدي، عن الوليد بن أبي هاشم به، ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول الله ﷺ تبين لكم ﴿وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾، ثم قال ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ أي عما كان منكم قبل ذلك ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. وقيل:\nالمراد بقوله ﴿وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها، تبيت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها، ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ أي ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها، وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» (^١) وفي الحديث الصحيح أيضا «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها».\nثم قال تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ أي قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين أي بسببها، أي بيّنت لهم فلم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد بل على وجه الاستهزاء والعناد.\nوقال العوفي: عن ابن عباس في الآية: أن رسول الله ﷺ أذن في الناس فقال «يا قوم كتب عليكم الحج» فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فأغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا، فقال «والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذا لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه» فأنزل هذه الآية، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه، رواه ابن جرير (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قال: لما نزلت آية الحج، نادى النبي ﷺ في الناس فقال «يا أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا» فقالوا: يا رسول الله، أعاما\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٢٤٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٨٤.","vol":"3","page":186},{"text":"واحدا، أم كل عام؟ فقال «لا بل عاما واحدا، ولو قلت: كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم». ثم قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ رواه ابن جرير (^١). وقال خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ﴾ قال: هي البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ألا ترى أنه قال بعدها ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ ولا كذا ولا كذا، قال: وأما عكرمة فقال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ رواه ابن جرير (^٢)، يعني عكرمة ﵀ أن المراد من هذا النهي عن سؤال وقوع الآيات كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارا، وأن يجعل لهم الصفا ذهبا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابا من السماء. وقد قال الله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وقال تعالى:\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠ - ١١١].\n\n<span data-type='title' id=toc-435>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]</span>\n﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾\nقال البخاري (^٣): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال: وقال أبو هريرة:\nقال رسول الله ﷺ «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب» والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج إبل، بل تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينها ذكر، والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي، وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث إبراهيم بن سعد به، ثم قال البخاري:\nقال لي أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: سمعت سعيدا يخبر بهذا. قال: وقال أبو\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٨٥.\n(^٣) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ١٢)","vol":"3","page":187},{"text":"هريرة، عن النبي ﷺ نحوه. ورواه ابن الهاد عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ. قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت، عن الزهري، كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف، وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإمام أحمد وأبو جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن الزهري نفسه، والله أعلم.\nثم قال البخاري (^١): حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس عن الزهري، عن عروة أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب» تفرد به البخاري.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك». فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غير دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي»، ثم رواه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله، ليس هذان الطريقان في الكتب.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عمرو بن مجمع، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال «إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار»، تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ «إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم ﵇» قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال «عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، تؤذي رائحته أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر» قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال «رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما، ويطآنه بأخفافهما». فعمروا هذا هو ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ١٢)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٨٧.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٤٤٦.","vol":"3","page":188},{"text":"ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر الآيات في ذلك.\nفأما البحيرة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة. وذكر السدي وغيره قريبا من هذا، وأما السائبة فقال مجاهد هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد، كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرا أو ذكرين ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم وقال محمد بن إسحاق. السائبة هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يحلب لبنها إلا الضيف. وقال أبو روق: السائبة كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته، سيب من ماله ناقة أو غيرها، فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها. وقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته، أو عوفي من مرض، أو كثر ماله، سيب شيئا من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا.\nوأما الوصيلة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع، فإن كان ذكرا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرا وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا، رواه ابن أبي حاتم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن سعيد بن المسيب ﴿وَلا وَصِيلَةٍ﴾، قال: فالوصيلة من الإبل كانت الناقة تبتكر بالأنثى، ثم ثنت بأنثى فسموها الوصيلة، ويقولون: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم، وكذا روي عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها.\nوأما الحامي: فقال العوفي عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا لقح فحله عشرا قيل: حام فاتركوه، وكذا قال أبو روق وقتادة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وأما الحام فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا: حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئا ولا يجزون له وبرا، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه.\nوقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: أما الحام فمن الإبل، كان يضرب في الإبل فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه، وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية.\nوقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص الجشمي، عن أبيه مالك بن نضلة، قال: أتيت النبي ﷺ في خلقان من الثياب، فقال","vol":"3","page":189},{"text":"لي «هل لك من مال؟» فقلت: نعم. قال «من أي المال؟» قال: فقلت: من كل المال: من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق، قال «فإذا آتاك الله مالا فكثر عليك»، ثم قال «تنتج إبلك وافية آذانها؟» قال: قلت: نعم، وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال «فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بحيرة، تشق آذان طائفة منها وتقول: هذه حرم» قلت: نعم. قال «فلا تفعل إن كل ما آتاك الله لك حل»، ثم قال ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾. أما البحيرة، فهي التي يجدعون آذانها فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها.\nوأما السائبة، فهي التي يسيبون لآلهتهم ويذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها، وأما الوصيلة، فالشاة تلد ستة أبطن، فإذا ولدت السابع جدعت وقطع قرنها، فيقولون: قد وصلت فلا يذبحونها، ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على حوض، هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجا في الحديث.\nوقد روي وجه آخر عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عوف بن مالك، من قوله، وهو أشبه، وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه به، وليس فيه تفسير هذه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾، أي ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعا لهم، وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبال عليهم ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه، وترك ما حرمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي لا يفهمون حقا ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه، لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-436>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبا منه أو بعيدا.\nقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال، ونهيته عنه من الحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته","vol":"3","page":190},{"text":"به (^١)، كذا روى الوالبي عنه، وهكذا قال مقاتل بن حيان، فقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نصب على الإغراء، ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي فيجازي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكنا.\nوقد قال الإمام أحمد (^٢) ﵀: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير يعني ابن معاوية، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس قال: قام أبو بكر الصديق ﵁، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله ﷿ أن يعمهم بعقابه». قال: وسمعت أبا بكر يقول: يا أيها الناس إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان، وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، متصلا مرفوعا، ومنهم من رواه عنه به موقوفا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولا في مسند الصديق ﵁.\nوقال أبو عيسى الترمذي (^٣): حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي عن أبي أمية الشعباني قال:\nأتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياما، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم» قال عبد الله بن المبارك: وزاد غير عتبة، قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال «بل أجر خمسين منكم». ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح، وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك، ورواه ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي حكيم.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحسن أن ابن مسعود ﵁، سأله رجل عن قول الله ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال: إن هذا ليس بزمانها، إنها\n_________\n(^١) الأثر في تفسير الطبري ٥/ ٩٧.\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٥.\n(^٣) سنن الترمذي (تفسير سورة المائدة باب ١٨)","vol":"3","page":191},{"text":"اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل. ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية، عن ابن مسعود في قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ الآية، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف، وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله يقول ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: فسمعها ابن مسعود، فقال: مه لم يجيء تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية، ورواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن سفيان بن عقال قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام، فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال «ألا فليبلغ الشاهد الغائب» فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. وقال أيضا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم، قالا: حدثنا عوف عن سوار بن شبيب قال: كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد العين شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك؟ فقال رجل: إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ، فأعاد على عبد الله الحديث فقال عبد الله: لعلك ترى-لا أبا لك-إني سآمرك أن تذهب فتقتلهم، عظهم وانههم، وإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله ﷿ يقول ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.\nوقال أيضا: حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٩٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٩٥.","vol":"3","page":192},{"text":"قتادة عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ فقال أكثرهم: لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم. وقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا ابن فضالة عن معاوية بن صالح، عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فأقبلوا عليّ بلسان واحد، وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ فتمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت آية ولا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا علي بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال: تلا الحسن هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله. وقال سعيد بن المسيب: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت، رواه ابن جرير (^٢). وكذا روي من طريق سفيان الثوري، عن أبي العميس، عن أبي البختري، عن حذيفة مثله. وكذا قال غير واحد من السلف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد الدمشقي، حدثنا الوليد، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن كعب في قوله ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: إذا هدمت كنيسة دمشق فجعلت مسجدا، وظهر لبس العصب، فحينئذ تأويل هذه الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-437>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز قيل إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس.\nوقال حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم: أنها منسوخة. وقال آخرون: وهم الأكثرون فيما قاله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٩٨.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"3","page":193},{"text":"ابن جرير، بل هو محكم، ومن ادعى نسخه فعليه البيان، فقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله شهادة بينكم، فقيل: تقديره شهادة اثنين حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان. وقوله تعالى: ﴿ذَوا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين. وقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ أي من المسلمين. قاله الجمهور. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في قوله ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم نحو ذلك. قال ابن جرير (^١): وقال آخرون: غير ذلك ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي من أهل الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما.\nوقوله ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عون، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير المسلمين، يعني أهل الكتاب، ثم قال وروي عن عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نحو ذلك. وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله منكم، أن المراد من قبيلة الموصي يكون المراد هاهنا ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير قبيلة الموصي. وروى ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما الله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي سافرتم ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي. قال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية، ثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شريح فذكر مثله. وقد روي نحوه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا يجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضا.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر، إنما هي في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٠٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ١٠٧.","vol":"3","page":194},{"text":"المسلمين. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض وعمل الناس بها، رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم. وقال ابن جرير: اختلف في قوله ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل المراد به أن يوصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين [أحدهما] أن يوصي إليهما، كما قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: سئل ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية. قال: هذا رجل سافر ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع. [والقول الثاني] أنهما يكونان شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة فإن لم يكن وصي ثالث معهما، اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء، كما سيأتي ذكرهما آنفا إن شاء الله وبه التوفيق.\nوقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين قال: لأنا لا نعلم حكما يحلف فيه الشاهد، وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه لا يلزم أن يكون جاريا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص، بشهادة خاصة، في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرينة الريبة، حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة.\nوقوله تعالى ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس، يعني صلاة العصر، وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين. وقال السدي، عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما. وروي عن عبد الرزاق، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة. وكذا قال إبراهيم وقتادة وغير واحد.\nوالمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ أي فيحلفان بالله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا، فيحلفان حينئذ بالله ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي بأيماننا، قاله مقاتل بن حيان ﴿ثَمَنًا﴾ أي لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي ولو كان المشهود عليه قريبا لنا لا نحابيه ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفا لها وتعظيما لأمرها، وقرأ بعضهم ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ مجرورا على القسم رواها ابن جرير، عن عامر الشعبي، وحكي عن بعضهم أنه قرأها ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ والقراءة الأولى هي المشهورة ﴿إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي إن فعلنا شيئا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية.\nثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْمًا﴾ أي فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا أو غلا شيئا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك","vol":"3","page":195},{"text":"﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ هذه قراءة الجمهور (^١) ﴿اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ وروي عن علي وأبي الحسن البصري أنهم قرءوها ﴿اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ (^٢) وروى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قرأ ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس «من الذين استحق عليهم الأولين». وقرأ الحسن «من الذين استحق عليهم الأولان» حكاه ابن جرير (^٣)، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما﴾ أي لقولنا أنهما خانا، أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنا﴾ أي فيما قلنا فيهما من الخيانة، ﴿إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث (^٤) في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام.\nوقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان يعني أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب، عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة، معه جام (^٥) من فضة يريد به الملك، وهو أعظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم:\nفلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمناه أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه، قلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة، تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم\n_________\n(^١) أي: «استحق» بالبناء للمفعول، بضمّ التاء. قال الطبري: فقرأ ذلك قراء الحجاز والعراق والشام.\n(^٢) أي بفتح التاء من «استحق». قال الطبري ورويت عن علي وأبيّ بن كعب والحسن البصري.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ١١٩. أي بفتح التاء من «استحقّ».\n(^٤) اللوث: أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلانا قتلني، أو يشهد شاهدان على ذلك على عوادة بينهما.\n(^٥) الجام: إناء.","vol":"3","page":196},{"text":"الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بدّاء، وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير (^١)، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به، فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء، ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث، هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لأبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ.\nوقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاما من فضة مخوّصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجد الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية (^٢)، وكذا رواه أبو داود (^٣) عن الحسن بن علي عن يحيى بن آدم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة، ومحمد بن أبي القاسم كوفي، قيل: إنه صالح الحديث.\nوقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها، ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم قال: أخبرنا زكريا عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١١٦.\n(^٢) رواه الطبري في تفسيره ٥/ ١١٥ - ١١٦.\n(^٣) سنن أبي داود (أقضية باب ١٩)","vol":"3","page":197},{"text":"من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري يعني أبا موسى الأشعري ﵁، فأخبراه، وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته. قال:\nفأمضى شهادتها، ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقا، وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري، فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ الظاهر-والله أعلم-أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري ﵁، كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.\nوقال أسباط عن السدي في الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وما عليه، قال: هذا في الحضر ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا ما لصاحبهم، تركوهما، وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قال عبد الله بن عباس ﵁: كأني أنظر إلى العلجين حتى انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوفوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين، أن صاحبهم بهذا أوصى، وأن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك ف ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها﴾ رواه ابن جرير.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١١١.","vol":"3","page":198},{"text":"فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة قبل قولهما، وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة العصر، بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد العصر: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا: بالله إن شهادة الكافرين باطلة وإنا لم نعتد، فذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْمًا﴾ يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ يقول:\nمن الأولياء فحلفا بالله إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير، وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف ﵃، وهو مذهب الإمام أحمد ﵀.\nوقوله ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها﴾ أي شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين، واستريب بهما أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. وقوله ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إن ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾، ثم قال ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي في جميع أموركم، ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي وأطيعوا، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ أي الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-438>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]</span>\n﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾\nهذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وقول الرسل ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾، قال مجاهد والحسن البصري والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم.\nقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ فيفزعون فيقولون ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال ابن جرير:\nحدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة قال: سمعت شيخا يقول: سمعت الحسن يقول في قوله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ﴾ الآية، قال: من هول ذلك اليوم (^١).\nوقال أسباط عن السدي ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ ذلك أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول فلما سئلوا قالوا ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ ثم نزلوا منزلا آخر، فشهدوا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٢٦.","vol":"3","page":199},{"text":"على قومهم، رواه ابن جرير (^١)، ثم قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قوله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أي ماذا عملوا بعدكم وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ يقولون للرب ﷿: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، رواه ابن جرير (^٢)، ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة، ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب ﷻ، أي لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا أجبنا وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، فإنك ﴿أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-439>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٠ إلى ١١١]</span>\n﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾\nيذكر تعالى ما امتنّ به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ مما أجراه على يديه من المعجزات الباهرات وخوارق العادات، فقال ﴿اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء، ﴿وَعَلى والِدَتِكَ﴾ حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة، ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل ﵇، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرا، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوت إلى عبادتي، ولهذا قال ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك وضمّن تكلم تدعو، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب.\nوقوله ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم ﴿وَالتَّوْراةَ﴾ وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث، ويراد به ما هو أعم من ذلك.\nوقوله ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٢٥.\n(^٢) هذا الأثر والذي قبله رواهما ابن جرير ٥/ ١٢٦.","vol":"3","page":200},{"text":"في ذلك، فتكون طيرا بإذني أي فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك فتكون طيرا ذا روح تطير بإذن الله وخلقه.\nوقوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ قد تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي﴾ أي تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا محمد بن طلحة يعني ابن مصرف، عن أبي بشر، عن أبي الهذيل، قال: كان عيسى ابن مريم ﵇ إذا أراد أن يحيي الموتى صلّى ركعتين، يقرأ في الأولى ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وفي الثانية ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] السجدة، فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد، وكان إذا أصابته شديدة دعا بسبعة أخر: يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم، يا رب، وهذا أثر عجيب جدا.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك فنجيتك منهم، ورفعتك إلي، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم، وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه محمدا ﷺ.\nوقوله ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ وهذا أيضا من الامتنان عليه، ﵇، بأن جعل له أصحابا وأنصارا، ثم قيل: إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] الآية، وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل: ٦٨] الآية، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ أي ألهموا ذلك، فامتثلوا ما ألهموا. قال الحسن البصري: ألهمهم الله ﷿ ذلك. وقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك (^١)، ويحتمل أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٢٩.","vol":"3","page":201},{"text":"﴿آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-440>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٢ إلى ١١٥]</span>\n﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)﴾\nهذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة، فيقال سورة المائدة، وهي مما امتنّ الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية باهرة وحجة قاطعة، وقد ذكر بعض الأئمة أن قصتها ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم، فقوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى ﵇ ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون «هل تستطيع ربك» أي هل تستطيع أن تسأل ربك ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ والمائدة هي الخوان عليه الطعام، وذكر بعضهم:\nأنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم، فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها ويتقوون بها على العبادة ﴿قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي فأجابهم المسيح ﵇ قائلا لهم: اتقوا الله ولا تسألوا هذا فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين، ﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها﴾ أي نحن محتاجون إلى الأكل منها، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ أي ونزداد إيمانا بك وعلما برسالتك ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي ونشهد أنها الآية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به. ﴿قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا﴾ قال السدي: أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري: يعني يوما نصلي فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا. وقيل: كافية لأولنا وآخرنا ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك، ﴿وَارْزُقْنا﴾ أي من عندك رزقا هنيئا بلا كلفة ولا تعب ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أي فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي من عالمي زمانكم، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وكقوله ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقد روى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي المغيرة القواس، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-441>ذكر أخبار رويت عن السلف\nفي نزول المائدة على الحواريين</span>\nقال أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثني حجاج عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا:\nيا معلم الخير، قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى ﴿اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم، كذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال:\nكان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زرعة وهبة الله بن راشد، حدثنا عقيل بن خالد أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس أن عيسى ابن مريم قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ قال: نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير، وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن قزعة، ثم رواه ابن جرير عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن جلاس، عن عمار قال:\nنزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا أن لا يخونوا ولا يخبأوا ولا يدخروا، قال:\nفخان القوم وخبأوا وادخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن سماك بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٣١.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ١٣٤.","vol":"3","page":203},{"text":"حرب، عن رجل من بني عجل، قال: صليت إلى جانب عمار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: قلت: لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبأوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. قال: فما مضى يومهم حتى خبأوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابا لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم يا معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكنزوا الذهب والفضة، وأيم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم الله عذابا أليما.\nوقال (^١): حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله أن المائدة، نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال: لعلها لا تنزل غدا، فرفعت.\nوقال العوفي عن ابن عباس: نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا. وقال خصيف، عن عكرمة ومقسم، عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأرغفة، وقال مجاهد: هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا.\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي: نزلت المائدة خبزا وسمكا. وقال عطية العوفي: المائدة سمك فيه طعم كل شيء. وقال وهب بن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة آلاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا على ذلك ما شاء الله ﷿. وقال وهب بن منبه: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم وأفضلوا.\nوقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير: أنزل عليها كل شيء إلا اللحم. وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة وجرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال:\nكانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليها الأيدي بكل طعام إلا اللحم وعن عكرمة:\nكان خبز المائدة من الأرز، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن علي فيما كتب إلي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن أبي عبيد الله بن مرداس العبدري مولى بني عبد الدار، عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"3","page":204},{"text":"الخير، أنه قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدا، فقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها، فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك ﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ الآية، فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته، قام قائما مستقبل القبلة، وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها، وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضّة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفا من أجل الشروط التي أخذها الله عليهم فيها، أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين، وهو يدعو الله في مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة لهم، ولا تجعلها عذابا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شاكرين، اللهم إني أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبا ورجزا، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة. فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريين وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخر عيسى والحواريون لله سجدا شكرا له لما رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون، فرأوا أمرا عجيبا أورثهم كمدا وغما، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى فقال عيسى: من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه. فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بالكشف عنها، فقام عيسى ﵇ واستأنف وضوءا جديدا، ثم دخل مصلاه، فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلا، ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقا، ثم انصرف وجلس إلى السفرة وتناول المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها بسمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، ليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلا، قد نضّد بها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله","vol":"3","page":205},{"text":"وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية؟ فقال له شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصديقة، فقال عيسى ﵇: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقال له: كن فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله واحمدوا عليه ربكم، يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر، فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب ان يرينا الله آية في هذه الآية، فقال عيسى: سبحان الله أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى؟ ثم أقبل عيسى ﵇ على السمكة، فقال:\nيا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت، فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها، لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها وانحازوا، فلما رأى عيسى منهم ذلك قال: ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون، يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت، فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول، فقالوا: يا عيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد، فقال عيسى: معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل من طلبها، فلما رأى الحواريون وأصحابه امتناع عيسى منها، خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة، فتحاموها، فلما رأى ذلك عيسى منهم دعا لها الفقراء والزمنى وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم فيكون مهنؤها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله واختتموه بحمد الله، ففعلوا فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زمن أكل منها، فلم يزالوا أغنياء أصحاء حتى خرجوا من الدنيا، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات، قال: وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبل بنو إسرائيل إليها يسعون من كل مكان يزاحم بعضهم بعضا، الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضا، فلما رأى ذلك جعلها نوبا بينهم تنزل يوما ولا تنزل يوما، فلبثوا على ذلك أربعين يوما تنزل عليهم غبا عند ارتفاع الضحى، فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قاموا، ارتفعت عنهم إلى جو السماء بإذن الله، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى تتوارى عنهم. قال: فأوحى الله إلى نبيه عيسى ﵇: أن اجعل رزقي في المائدة للفقراء واليتامى، والزمنى دون الأغنياء من الناس، وغمطوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان","vol":"3","page":206},{"text":"منهم حاجته وقذف وسواسه في قلوب الربانيين حتى قالوا لعيسى، أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء أحق، فإنه قد ارتاب بها منا بشر كثير؟ فقال عيسى ﵇: هلكتم وإله المسيح، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة لكم ورزقا، وأراكم فيها الآيات والعبر، كذبتم بها، وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله، فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. قال: فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل، مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات، هذا أثر غريب جدا، قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم وأكمل، والله ﷾ أعلم.\nوكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، كما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ الآية.\nوقد قال قائلون: إنها لم تنزل، فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله: أنزل علينا مائدة من السماء، قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١)، ثم قال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم هو ابن سلام، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل عليهم، وقال أيضا: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور بن زاذان عن الحسن أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل، وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول لما قيل لهم ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل، وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا يعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم، ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال:\nلأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى ﴿إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول هو-والله أعلم-الصواب كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.\nوقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن\n_________\n(^١) هذا الأثر والآثار بعده رواها ابن جرير في تفسيره ٥/ ١٣٥.","vol":"3","page":207},{"text":"عبد الملك باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس فتعجبوا منها كثيرا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة، ويقال: إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود ﵉، فالله أعلم.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك. قال «وتفعلون؟» قالوا نعم. قال فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال «بل باب التوبة والرحمة» ثم رواه أحمد وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري به.\n\n<span data-type='title' id=toc-442>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٦ إلى ١١٨]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾\nهذا أيضا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا، وقال ابن جرير: وكان ذلك حين رفعه إلى سماء الدنيا واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين [أحدهما] أن الكلام بلفظ المضي. [والثاني] قوله:\n﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ و﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (^٢).\nوهذان الدليلان فيهما نظر، لأن كثيرا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ الآية، التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه كما في نظائر ذلك من الآيات، والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر، والله أعلم، أن ذلك كائن يوم القيامة ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.\nوقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٤٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ١٣٨ وفيه شرح للمعنيين المشار إليهما بأوضح مما هنا.","vol":"3","page":208},{"text":"عمر بن عبد العزيز، وكان ثقة، قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «إذا كان يوم القيامة، دعي بالأنبياء وأممهم، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقرّ بها، فيقول ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ﴾ الآية، ثم يقول ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك. قال: فيطول شعر عيسى ﵇ فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله ﷿ مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار» وهذا حديث غريب عزيز.\nوقوله ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: يلقّى عيسى حجته، ولقاه الله تعالى في قوله ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ: فلقاه الله ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ إلى آخر الآية، وقد رواه الثوري عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس بنحوه.\nوقوله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب، فإنه لا يخفى عليك شيء، فما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته، ولهذا قال ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ بإبلاغه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي هذا هو الذي قلت لهم. وقوله ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة قال: انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان، فأملى على سفيان وأنا معه، فلما قام انتسخت من سفيان فحدثنا قال:\nسمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال «يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله ﷿ حفاة، عراة، غرلا (^١) ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيقال: إن\n_________\n(^١) غرل: جمع أغرل، وهو الذي لم يختن.","vol":"3","page":209},{"text":"هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» ورواه البخاري (^١) عند هذه الآية عن أبي الوليد، عن شعبة، وعن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، كلاهما عن المغيرة بن النعمان به.\nوقوله ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله ﷿، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث: أن النبي ﷺ قام بها ليلة حتى الصباح يرددها.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، عن جسرة العامرية، عن أبي ذر ﵁، قال: صلى النبي ﷺ ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فلما أصبح، قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية، حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال «إني سألت ربي ﷿ الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا».\n[طريق أخرى وسياق آخر]-قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا قدامة بن عبد الله، حدثتني جسرة بنت دجاجة أنها انطلقت معتمرة، فانتهت إلى الربذة، فسمعت أبا ذر يقول: قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالي في صلاة العشاء، فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون، فلما رأى قيامهم وتخلفهم، انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان، رجع إلى مكانه يصلي، فجئت فقمت خلفه، فأومأ إليّ بيمينه، فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا. يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو، وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلّى الغداة، فلما أصبحنا اومأت إلى عبد الله بن مسعود، أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة، فقال ابن مسعود بيده (^٣):\nلا أسأله عن شيء، حتى يحدث إليّ، فقلت: بأبي وأمي، قمت بآية من القرآن ومعك القرآن، لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه، قال «دعوت لأمتي»، قلت: فماذا أجبت أو ماذا رد عليك؟ قال «أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة» قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال «بلى» فانطلقت معنقا، قريبا من قذفة بحجر، فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادات، فناداه أن «ارجع» فرجع، وتلك الآية ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة المائدة باب ١٣)\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ١٤٩.\n(^٣) قال بيده: أشار.","vol":"3","page":210},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ تلا قول عيسى ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فرفع يديه، فقال «اللهم أمتي» وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد-وربك أعلم-فاسأله ما يبكيه، فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين قال: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ابن هبيرة، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: حدثني سعيد بن المسيب، سمعت حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنا رسول الله ﷺ يوما، فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال «إن ربي ﷿ استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب، هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فقال لي:\nلا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب. ثم أرسل إليّ فقال: ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله: أو معطيّ ربي سؤلي؟ فقال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حيا صحيحا، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج».\n\n<span data-type='title' id=toc-443>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٩ إلى ١٢٠]</span>\n﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾\nيقول تعالى مجيبا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇، فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى الملحدين الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه ﷿، فعند ذلك يقول تعالى: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس يقول: يوم ينفع الموحدين توحيدهم، ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ أي ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون، رضي الله عنهم ورضوا عنه كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث، وروى ابن أبي حاتم ها هنا حديثا عن أنس فقال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا المحاربي عن ليث عن عثمان، يعني ابن عمير، أخبرنا اليقظان عن أنس مرفوعا، قال: قال رسول الله ﷺ «ثم يتجلى لهم الرب جل\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٣٩٣.","vol":"3","page":211},{"text":"جلاله، فيقول: سلوني سلوني أعطكم-قال-فيسألونه الرضا فيقول رضاي فيقول رضاي أحلكم داري، وأنا لكم كرامتي فسلوني أعطكم، فيسألونه الرضا-قال-فيشهدهم أنه قد رضي عنهم ﷾».\nوقوله ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي هذا الفوز الكبير الذي لا أعظم منه، كما قال تعالى:\n﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] وكما قال ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وقوله ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته، وفي مشيئته، فلا نظير له، ولا وزير، ولا عديل، ولا والد، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه، قال ابن وهب: سمعت حيي بن عبد الله يحدث عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال آخر سورة أنزلت سورة المائدة.\n[تمّت سورة المائدة]","vol":"3","page":212},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-444>تفسير سورة الأنعام</span>\nقال العوفي وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، أنزلت سورة الأنعام بمكة. وقال الطبراني:\nحدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح. وقال سفيان الثوري، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ جملة، وأنا آخذة بزمام ناقة النبي ﷺ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة. وقال شريك، عن ليث، عن شهر، عن أسماء قالت: نزلت سورة الأنعام على رسول الله ﷺ وهو في مسير في زجل (^١) من الملائكة، وقد طبقوا ما بين السماء والأرض. وقال السدي، عن مرة عن عبد الله، قال:\nنزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة، وروي نحوه من وجه آخر، عن ابن مسعود. وقال الحاكم في مستدركه. حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، قالا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أخبرنا جعفر بن عون، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: لما نزلت سورة الأنعام، سبح رسول الله ﷺ ثم قال «لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق» ثم قال صحيح على شرط مسلم. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي، عن نافع بن مالك بن أبي سهيل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ «نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة، سد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض بهم ترتج» ورسول الله يقول «سبحان الله العظيم سبحان الله العظيم» ثم روى ابن مردويه، عن الطبراني، عن ابراهيم بن نائلة، عن إسماعيل بن عمر، عن يوسف بن عطية، عن ابن عون، عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد» (^٢).\n_________\n(^١) الزجل: صوت مرتفع.\n(^٢) هذا الحديث والآثار السابقة رواها السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣.","vol":"3","page":213},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-445>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)﴾\nيقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده.\nوجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ الظلمات، ووحد لفظ النور، لكونه أشرف، كقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] وكما قال في آخر هذه السورة ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا له شريكا وعدلا، واتخذوا له صاحبة وولدا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوا كبيرا.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ يعني أباهم آدم، الذي هو أصلهم، ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب! وقوله ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلًا﴾ يعني الموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني الآخرة، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة والضحاك، وزيد بن أسلم وعطية والسدي، ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقول الحسن في رواية عنه ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلًا﴾ وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث، هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة، وعن ابن عباس ومجاهد: ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلًا﴾ يعني مدة الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] الآية، وقال عطية: عن ابن عباس ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلًا﴾ يعني النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني أجل موت الإنسان، وهذا قول غريب، ومعنى قوله ﴿عِنْدَهُ﴾ أي لا يعلمه إلا هو، كقوله ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكقوله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ قال السدي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة.","vol":"3","page":214},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين، تعالى عن قولهم علوا كبيرا، بأنه في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك، فالأصح من الأقوال: إنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي يعبده ويوحده ويقرّ له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله ويدعونه رغبا ورهبا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ خبرا أو حالا [والقول الثاني] أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر، فيكون قوله يعلم، متعلقا بقوله ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ تقديره، وهو الله يعلم سركم وجهركم، في السموات وفي الأرض، ويعلم ما تكسبون، [والقول الثالث] أن قوله ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ﴾ وقف تام، ثم استأنف الخبر، فقال ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ وهذا اختيار ابن جرير، وقوله ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ أي جميع أعمالكم خيرها وشرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-446>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤ إلى ٦]</span>\n﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين، أنهم مهما أتتهم من آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات، على وحدانية الله وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ وهذا تهديد لهم، ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدن غبه وليذوقن وباله.\nثم قال تعالى واعظا لهم ومحذرا لهم، أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم، من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة، وأكثر جمعا وأكثر أموالا وأولادا واستغلالا للأرض، وعمارة لها، فقال ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ أي من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض والسعة والجنود، ولهذا قال ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ أي شيئا بعد شيء ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أي أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي استدراجا وإملاء لهم ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي بخطاياهم، وسيئاتهم التي اجترحوها ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي فذهب الأولون كأمس الذاهب، وجعلناهم أحاديث، ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا","vol":"3","page":215},{"text":"آخَرِينَ﴾ أي جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم، فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب، ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-447>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧ إلى ١١]</span>\n﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق، ومباهتتهم ومنازعتهم فيه، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي عاينوه ورأوا نزوله، وباشروا ذلك، ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤].\n﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي ليكون معه نذيرا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أي لو نزلت الملائكة على ما هم عليه، لجاءهم من الله العذاب، كما قال الله تعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] وقوله ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أي ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا، أي لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا، لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] فمن رحمته تعالى بخلقه، أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض، في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية.\nقال الضحاك عن ابن عباس في الآية يقول: لو أتاهم ملك، ما أتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور، ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أي ولخلطنا","vol":"3","page":216},{"text":"عليهم ما يخلطون، وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم (^١).\nوقوله ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ هذه تسلية للنبي ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة، في الدنيا والآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية، الذين كذبوا رسله، وعاندوهم، من العذاب والنكال والعقوبة في الدنيا، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم، في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-448>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢ إلى ١٦]</span>\n﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهما، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعمش: عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ «إن الله لما خلق الخلق، كتب كتابا عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي» (^٢).\nوقوله ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة، ليجمعن عباده ﴿إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه، أي لا شك فيه عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون، فهم في ريبهم يترددون، وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عتبة اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال والذي نفسي بيده إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك، في أيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء»، هذا حديث غريب، وفي الترمذي «إن لكل نبي حوضا، وأرجو أن أكون\n_________\n(^١) الأثر في تفسير الطبري ٥/ ١٥٣.\n(^٢) صحيح البخاري (توحيد باب ١٥ و٢٢ و٢٨ و٥٥ وبدء الخلق باب ١) وصحيح مسلم (توبة حديث ١٤ - ١٦)","vol":"3","page":217},{"text":"أكثرهم واردا» (^١).\nوقوله ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم، ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي كل دابة في السموات والأرض الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم، ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ كقوله ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] والمعنى لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي خالقهما ومبدعهما، على غير مثال سبق ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ أي وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] الآية، وقرأ بعضهم هاهنا ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ (^٢) أي لا يأكل.\nوفي حديث سهيل بن صالح: عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: دعا رجل من الأنصار، من أهل قباء النبي ﷺ على طعام، فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه، قال «الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، ومن علينا فهدانا وأطعمنا، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافئ ولا مكفور، ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين» ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي من هذه الأمة ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي العذاب ﴿يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ يعني ﵀ ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ كقوله ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والفوز حصول الربح، ونفي الخسارة.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (قيامة باب ١٤) وفيه: «واردة» مكان «واردا».\n(^٢) أي «ولا يطعم» بفتح الياء والعين. وهي قراءة سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش. (تفسير الطبري ٦/ ٣٩٧)","vol":"3","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-449>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٧ إلى ٢١]</span>\n﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢١)﴾\nيقول تعالى مخبرا: أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] الآية، وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يقول «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (^١) ولهذا قال تعالى:\n﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ أي وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له لوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه، وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي في جميع أفعاله ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا من يستحق، ولا يمنح إلا من يستحق.\nثم قال ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً﴾ أي من أعظم الأشياء شهادة ﴿قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وأبو أسامة، وأبو خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، في قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي ﷺ، زاد أبو خالد وكلمه.\nورواه ابن جرير (^٢) من طريق أبي معشر: عن محمد بن كعب، قال: من بلغه القرآن، فقد أبلغه محمد ﷺ، وقال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ إن رسول الله ﷺ قال «بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله» وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله ﷺ، أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ، وأن ينذر بالذي أنذر.\nوقوله ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ كقوله ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ﴿قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾.\nثم قال تعالى مخبرا عن أهل الكتاب: أنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به، كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من الأخبار والأنباء، عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أذان باب ١٥٥ واعتصام باب ٣ ودعوات باب ١٧) وصحيح مسلم (صلاة حديث ١٩٤ ومساجد حديث ١٣٧ - ١٣٨)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ١٦٢.","vol":"3","page":219},{"text":"بشروا بوجود محمد ﷺ ونعته وصفته، وبلده ومهاجره وصفة أمته، ولهذا قال بعده ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي خسروا كل الخسارة ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ونوهت به في قديم الزمان وحديثه ثم قال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أي لا أظلم ممن تقوّل على الله، فادعى أن الله أرسله، ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله، وحججه وبراهينه ودلالاته، ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أي لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.\n\n<span data-type='title' id=toc-450>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٦]</span>\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ (٢٣) اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، فيسألهم عن الأصنام والأنداد، التي كانوا يعبدونها من دونه، قائلا لهم ﴿أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كقوله تعالى في سورة القصص ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي حجتهم وقال عطاء الخراساني عنه: أي معذرتهم، وكذا قال قتادة. وقال ابن جريج، عن ابن عباس: أي قيلهم وكذا قال الضحاك وقال عطاء الخراساني، ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ بليتهم حين ابتلوا ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾.\nوقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارا عما سلف منهم من الشرك بالله، ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال:\nيا ابن عباس، سمعت الله يقول ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ قال أما قوله ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة، إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد فيجحدون، فيختم الله على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثا، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن إلا ونزل فيه شيء ولكن لا تعلمون وجهه.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: هذه في المنافقين، وفيه نظر، فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا","vol":"3","page":220},{"text":"فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ [المجادلة: ١٨] الآية، وهكذا قال في حق هؤلاء ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ كقوله ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ [غافر: ٧٣ - ٧٤] الآية.\nوقوله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أي يجيئون ليستمعوا قراءتك، ولا تجزي عنهم شيئا لأن الله جعل على قلوبهم أكنة أي أغطية، لئلا يفقهوا القرآن ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي صمما عن السماع النافع لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] الآية، وقوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أي مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين، لا يؤمنوا بها فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أي يحاجونك ويناظرونك، في الحق بالباطل، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي ما هذا الذي جئت به، إلا مأخوذا من كتب الأوائل، ومنقول عنهم.\nوقوله ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ في معنى ينهون عنه قولان، [أحدهما]: أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول والانقياد للقرآن، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي ويبعدونهم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين، لا ينتفعون ولا يدعون أحدا ينتفع، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يردون الناس عن محمد ﷺ، أن يؤمنوا به. وقال محمد ابن الحنفية: كان كفار قريش لا يأتون النبي ﷺ وينهون عنه، وكذا قال قتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد، وهذا القول أظهر، والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير [والقول الثاني] رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن النبي ﷺ أن يؤذى، وكذا قال القاسم بن مخيمرة، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار، وغيره، أنها نزلت في أبي طالب وقال سعيد بن أبي هلال: نزلت في عمومة النبي ﷺ وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشد الناس عليه في السر، رواه ابن أبي حاتم، وقال محمد بن كعب القرظي ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي ينهون الناس عن قتله، وقوله ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي يتباعدون منه ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي وما يهلكون بهذا الصنيع، ولا يعود وباله إلا عليهم، وهم لا يشعرون.","vol":"3","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-451>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]</span>\n﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾\nيذكر تعالى حال الكفار، إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك، قالوا ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا، ليعملوا عملا صالحا، ولا يكذبوا بآيات ربهم، ويكونوا من المؤمنين.\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبله بيسير ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم، من صدق ما جاءتهم به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، كقوله مخبرا عن موسى، أنه قال لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] الآية، وقوله تعالى مخبرا عن فرعون وقومه ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين، الذين كانوا يظهرون الإيمان للناس ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم القيامة، من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية، وهي العنكبوت، فقال ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] وعلى هذا فيكون إخبارا عن قول المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب، فظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والنفاق والشقاق، والله أعلم.\nوأما معنى الإضراب، في قوله ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ فإنهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه، جزاء على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليتخلصوا مما شاهدوا من النار، ولهذا قال ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي في طلبهم الرجعة، رغبة ومحبة في الإيمان.\nثم قال مخبرا عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، من الكفر والمخالفة ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي في قولهم: ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا﴾، ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، أي لعادوا لما نهوا عنه، ولقالوا ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا﴾ أي ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم لا معاد بعدها، ولهذا قال وما نحن بمبعوثين ثم قال ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ أي أوقفوا بين يديه قال ﴿أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ أي أليس هذا المعاد بحق، وليس بباطل كما كنتم تظنون، ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾","vol":"3","page":222},{"text":"أي بما كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-452>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣١ إلى ٣٢]</span>\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقائه، وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعل، ولهذا قال ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة، وعلى الأعمال وعلى الدار الآخرة، أي في أمرها.\nوقوله ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أي يحملون، وقال قتادة يعملون، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن أبي مرزوق، قال: يستقبل الكافر أو الفاجر عند خروجه من قبره، كأقبح صورة رأيتها، وأنتنه ريحا، فيقول من أنت؟ فيقول أو ما تعرفني، فيقول: لا والله، إلا أن الله قبح وجهك، وأنتن ريحك، فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا هلم أركبك، فهو قوله ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ الآية.\nوقال أسباط عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، وعليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال:\nما أقبح وجهك؟ قال: كذلك كان عملك قبيحا، قال: ما أنتن ريحك؟ قال: كذلك كان عملك منتنا، قال: ما أدنس ثيابك؟ قال: فيقول: إن عملك كان دنسا، قال له: من أنت؟ قال: عملك، قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، قال: فيركب على ظهره، فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (^١).\nوقوله ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي إنما غالبها كذلك ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٧٨ - ١٧٩.","vol":"3","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-453>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٦]</span>\n﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾\nيقول تعالى مسليا لنبيه ﷺ، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ أي قد أحطنا علما بتكذيبهم لك، وحزنك وتأسفك عليهم، كقوله ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٧] وقوله ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ﴿وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي ولكنهم يعاندون الحق، ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي، قال: قال أبو جهل للنبي ﷺ: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ ورواه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي، عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني، أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فصافحه، فقال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابئ؟ فقال: والله إني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟ وتلا أبو يزيد ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وقال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون، وذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل، حين جاء يستمع قراءة النبي ﷺ من الليل، هو وأبو سفيان صخر بن حرب، والأخنس بن شريق، ولا يشعر أحد منهم بالآخر، فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء به، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا بمجيئهم، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم، ظنا أن صاحبيه لا يجيئان، لما سبق من العهود، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق، فتلاوموا ثم تعاهدوا أن لا يعودوا، فلما كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضا، فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال:\nماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا،","vol":"3","page":224},{"text":"وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه.\nوروى ابن جرير من طريق أسباط عن السدي في قوله ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ لما كان يوم بدر، قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته، فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غلب محمد رجعتم سالمين، وإن غلب محمد، فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا-فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبيّ-فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا؟ فقال أبو جهل:\nويحك والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ فآيات الله محمد ﷺ.\nوقوله ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا﴾ هذه تسلية للنبي ﷺ وتعزية له، فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخرة، ولهذا قال ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٢ - ١٧٣] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقوله ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي من خبرهم، كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ﴾ أي إن كان شق عليك إعراضهم عنك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النفق السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك سلما في السماء، فتصعد فيه فتأتيهم بآية، أفضل مما آتيتهم به فافعل (^١).\nوكذا قال قتادة والسدي وغيرهما. وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]\n_________\n(^١) الأثر في تفسير الطبري ٥/ ١٨٣.","vol":"3","page":225},{"text":"الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ قال:\nإن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول (^١).\nوقوله تعالى ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه، كقوله ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠].\nوقوله ﴿وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يعني بذلك الكفار، لأنهم موتى القلوب، فشبههم الله بأموات الأجساد، فقال ﴿وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وهذا من باب التهكم بهم والازدراء عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-454>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]</span>\n﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين، أنهم كانوا يقولون ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، أي خارق على مقتضى ما كانوا يريدون، ومما يتعنتون كقولهم ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي هو تعالى قادر على ذلك، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك، لأنه لو أنزل وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا، لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة، كما قال تعالى:\n﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٩٥] وقال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤].\nوقوله ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. وقال قتادة: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة، وقال السدي ﴿إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ أي خلق أمثالكم (^٢).\nوقوله ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره، سواء كان بريا أو بحريا، كقوله\n_________\n(^١) في تفسير الطبري ٥/ ١٨٤ من حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «يقول الله سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين».\n(^٢) الآثار عن مجاهد وقتادة والسدي في تفسير الطبري ٥/ ١٨٦.","vol":"3","page":226},{"text":"﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] أي مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] وقد قال الحافظ أبو يعلى، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قل الجراد في سنة من سني عمر ﵁ التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبا إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رؤي من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر ثلاثا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «خلق الله ﷿ ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه».\nوقوله ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال:\nحشرها الموت، وكذا رواه ابن جرير (^١) من طريق إسرائيل، عن سعيد عن مسروق، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: موت البهائم حشرها، وكذا رواه العوفي عنه، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك مثله: (والقول الثاني) إن حشرها بعثها يوم القيامة، لقوله ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سليمان، عن منذر الثوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان، فقال «يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان؟» قال: لا، قال «لكن الله يدري وسيقضي بينهما».\nورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ، إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله ﷺ: «أتدرون فيم انتطحتا؟» قالوا:\nلا ندري، قال «لكن الله يدري وسيقضي بينهما» رواه ابن جرير (^٣)، ثم رواه من طريق منذر الثوري، عن أبي ذر، فذكره، وزاد: قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء، إلا ذكر لنا منه علما.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند (^٤) أبيه: حدثني عباس بن محمد، وأبو يحيى البزار، قالا: حدثنا حجاج بن نصير، حدثنا شعبة، عن العوام بن مراجم من بني قيس بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ١٨٧.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ١٦٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ١٨٧.\n(^٤) مسند أحمد ١/ ٧٢.","vol":"3","page":227},{"text":"ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال «إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة».\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، في قوله ﴿إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال:\nيحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ، أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول كوني ترابا، فلذلك يقول الكافر ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وقد روي هذا مرفوعا في حديث الصور.\nوقوله ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ﴾ أي مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم. كمثل أصم، وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق، أو يخرج مما هو فيه، كقوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨] وكما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] ولهذا قال ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي هو المتصرف في خلقه بما يشاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-455>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٠ إلى ٤٥]</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)﴾\nيخبر تعالى أنه الفعّال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ أي أتاكم هذا أو هذا ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي في اتخاذكم آلهة معه ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ أي في وقت الضرورة، لا تدعون أحدا سواه، وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم، كقوله ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] الآية.","vol":"3","page":228},{"text":"وقوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ﴾ يعني الفقر والضيق في العيش، ﴿وَالضَّرّاءِ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون.\nقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ أي فهلا إذ ابتليناهم بذلك، تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا، ولكن ﴿قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ما رقت ولا خشعت ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي من الشرك والمعاندة والمعاصي، ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي أعرضوا عنه وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم، ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذا بالله من مكره، ولهذا قال ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ أي من الأموال والأولاد والأرزاق، ﴿أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ أي على غفلة، ﴿فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي آيسون من كل خير.\nقال الوالبي عن ابن عباس: المبلس الآيس، وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ قال: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا، رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوما قط، إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون، رواه ابن أبي حاتم أيضا.\nوقال مالك عن الزهري ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: رخاء الدنيا ويسرها، وقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين-يعني ابن سعد أبا الحجاج المهري-عن حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ورواه ابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد، حدثني أبي عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ كان يقول: إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعا، فتح لهم-أو فتح عليهم-باب خيانة، ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ كما قال\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٤٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ١٩٣.","vol":"3","page":229},{"text":"﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ورواه أحمد وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-456>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٦ إلى ٤٩]</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾\nيقول الله تعالى لرسوله ﷺ قل لهؤلاء المكذبين المعاندين ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ﴾ أي سلبكم إياها كما أعطاكموها. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ [الملك: ٣٣] الآية، ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما، الانتفاع الشرعي، ولهذا قال ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ كما قال ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] وقال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقوله ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم، إذا سلبه الله منكم لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ أي نبينها ونوضحها ونفسرها، دالة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي ثم هم مع هذا البيان، يصدفون أي يعرضون عن الحق، ويصدون الناس عن اتباعه، قال العوفي عن ابن عباس: يصدفون أي يعدلون، وقال مجاهد وقتادة: يعرضون، وقال السدي:\nيصدون (^١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً﴾ أي وأنتم لا تشعرون به، حتى بغتكم وفجأكم، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ أي ظاهرا عيانا، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ أي إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله، وينجوا الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، كقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية، وقوله ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات، ولهذا قال ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ أي فمن آمن قلبه بما جاءوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم، ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي بالنسبة لما يستقبلونه ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خلفوه، وحافظهم فيما تركوه، ثم قال ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي ينالهم العذاب، بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته.\n_________\n(^١) الآثار عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في تفسير الطبري ٥/ ١٩٥.","vol":"3","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-457>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٠ إلى ٥٤]</span>\n﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾\nيقول الله تعالى لرسوله ﷺ ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ أي لست أملكها ولا أتصرف فيها ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله ﷿، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر، يوحى إليّ من الله ﷿، شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.\n﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم ينقد له، ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] وقوله ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] الذين ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ [الرعد: ٢١] ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي يومئذ ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم، من عذابه إن أراده بهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه، إلا الله ﷿، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار، عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك كقوله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] وقوله ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي يعبدونه ويسألونه ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة: المراد به الصلاة المكتوبة، وهذا كقوله ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] أي أتقبل منكم. وقوله ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم، وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات.","vol":"3","page":231},{"text":"وقوله ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كقول نوح ﵇: في جواب الذين قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون، قال ﴿وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ١١٣]، أي إنما حسابهم على الله ﷿، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء، وقوله ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي إن فعلت هذا والحالة هذه.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أسباط هو ابن محمد، حدثني أشعث عن كردوس، عن ابن مسعود: قال: مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء فنزل فيهم القرآن ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾.\nورواه ابن جرير من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال: مرّ الملأ من قريش برسول الله ﷺ، وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم، من ضعفاء المسلمين، فقالوا:\nيا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إلى آخر الآية (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي عن أبي سعيد الأزدي-وكان قارئ الأزد-عن أبي الكنود، عن خباب، في قول الله ﷿: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ، مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: «نعم»، قالوا:\nفاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية، فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه.\nورواه ابن جرير (^٣) من حديث أسباط به، وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية،\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٤٢٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ١٩٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ١٩٩ والحديث فيه أطول مما هو هنا.","vol":"3","page":232},{"text":"والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر.\nوقال سفيان الثوري عن المقدام بن شريح عن أبيه، قال: قال سعد: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي ﷺ، منهم ابن مسعود، قال: كنا نستبق إلى رسول الله ﷺ وندنو منه، فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا، فنزلت ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان، وقال: على شرط الشيخين، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح به.\nوقوله ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض، ﴿لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ، كان غالب من اتبعه في أول بعثته، ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشرف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل، فقال له: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ أي ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير، لو كان ما صاروا إليه خيرا ويدعنا، كقولهم ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [الأحقاف: ١١] قال الله تعالى في جواب ذلك ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا﴾ [مريم: ٧٣] وقال في جوابهم حين قالوا: ﴿أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أي أليس هو أعلم بالشاكرين له، بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] وفي الحديث الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف، من أهل الكفر، إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٢٨٥ من حديث أبي هريرة. وفيه «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم …».\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٢٠٠ - ٢٠١.","vol":"3","page":233},{"text":"أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا (^١)، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، وتصديقنا له، قال: فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم، فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ قال: وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القارئ، وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء، فنزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء، ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ الآية، فلما نزلت، أقبل عمر ﵁، فأتى النبي ﷺ فاعتذر من مقالته، فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ الآية.\nوقوله ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي فأكرمهم بردّ السلام عليهم، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلا منه وإحسانا وامتنانا، ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقال معتمر بن سليمان؛ عن الحكم بن أبان عن عكرمة، في قوله ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ قال: الدنيا كلها جهالة، رواه ابن أبي حاتم ﴿ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أي رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي».\nأخرجاه في الصحيحين (^٣)، وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه موسى عن عقبة: عن الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواه الليث وغيره، عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بذلك.\nوقد روى ابن مردويه من طريق الحكم بن أبان: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتابا من تحت العرش، إن رحمتي\n_________\n(^١) في الطبري «وعسفاؤنا»: جمع عسيف، وهو العبد والأجير.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٣١٣.\n(^٣) صحيح البخاري (توحيد باب ١٥ وبدء الخلق باب ١) وصحيح مسلم (توبة حديث ١٤ - ١٦)","vol":"3","page":234},{"text":"سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقا لم يعملوا خيرا، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله».\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: إنا نجد في التوراة عطفتين، أن الله خلق السموات والأرض، وخلق مائة رحمة، أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تبح البقرة، وبها تثغو الشاة، وبها تتتابع الطير، وبها تتتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع.\nوقد روي هذا مرفوعا من وجه آخر، وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضا، قوله ﷺ لمعاذ بن جبل: «أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» ثم قال: «أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم» وقد رواه الإمام أحمد (^١): من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-458>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٥ إلى ٥٩]</span>\n﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾\nيقول تعالى: وكما بيّنا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل، على طريق الهداية والرشاد وذم المجادلة والعناد، ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي ولتستبين يا محمد، أو يا مخاطب سبيل المجرمين.\nوقوله ﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ (^٢) أي على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إلي ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي بالحق الذي جاءني من الله ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٣٠٩.\n(^٢) سقط من تفسير ابن كثير تفسير الآية ٥٦ من هذه السورة، فلينظر في تفسير الطبري ٥/ ٢٠٨ أو في غيره.","vol":"3","page":235},{"text":"شاء أنظركم وأجلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ أي وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين في الحكم بين عباده.\nوقوله ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي لو كان مرجع ذلك إلي، لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك، والله أعلم بالظالمين.\nفإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين، من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب (^١)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلّم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك، لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (^٢)، فقال رسول الله ﷺ «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم، من يعبد الله لا يشرك به شيئا» وهذا لفظ مسلم (^٣)، فقد عرض عليهم عذابهم واستئصالهم، فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ فالجواب والله أعلم، أن هذه الآية دلت، على أنه لو كان إليه وقوع العذاب، الذي يطلبونه حال طلبهم له، لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ قال البخاري (^٤): حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله» ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا، وَما تَدْرِي﴾\n_________\n(^١) موضع يقال له أيضا قرن المنازل، بينه وبين مكة يوم وليلة. وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير.\n(^٢) الأخشبان هما جبلا مكة: أبو قبيس والجبل الذي يقابله.\n(^٣) صحيح مسلم (جهاد حديث ١١١) وصحيح البخاري (بدء الخلق باب ٧)\n(^٤) صحيح البخاري (تفسير سورة الأنعام باب ٢)","vol":"3","page":236},{"text":"﴿نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\nوفي حديث عمر: أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي، فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقال له النبي ﷺ فيما قاله له: «خمس لا يعلمهن إلا الله» ثم قرأ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآية.\nوقوله ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي محيط علمه الكريم بجميع الموجودات، بريها وبحريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما أحسن ما قال الصرصري: [الوافر] فلا يخفى عليه الذر إما … تراءى للنواظر أو توارى\nوقوله ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ أي ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، حدثنا حسان النمري، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ قال: ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها، يكتب ما يسقط منها، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، حدثنا مالك بن سعير، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة، إلا وعليها ملك موكل، يأتي الله بعلمها، رطوبتها إذا رطبت، ويبوستها إذا يبست، وكذا رواه ابن جرير (^١) عن أبي الخطاب زياد بن عبد الله الحساني، عن مالك بن سعير به. ثم قال ابن أبي حاتم: ذكر عن أبي حذيفة، حدثنا سفيان عن عمرو بن قيس، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خلق الله النون وهي الدواة، وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا، حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ إلى آخر الآية.\nقال محمد بن إسحاق: عن يحيى بن النضر، عن أبيه، سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن، ما لو أنهم ظهروا، يعني لكم، لم تروا معهم نورا على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله ﷿، على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله ﷿ إليه في كل يوم ملكا من عنده أن احتفظ بما عندك.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢١١.","vol":"3","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-459>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٠ إلى ٦٢]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)﴾\nيقول تعالى إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى:\n﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام، حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، فقال ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أي ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] أي في النهار كما قال ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] ولهذا قال تعالى هاهنا ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أي ما كسبتم من الأعمال فيه ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي في النهار، قاله مجاهد وقتادة والسدي (^١).\nوقال ابن جريج: عن عبد الله بن كثير، أي في المنام والأول أظهر، وقد روى ابن مردويه بسنده عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه» فذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ (^٢).\nوقوله ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني به أجل كل واحد من الناس، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾ أي فيخبركم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وقوله ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ أي وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان، كقوله ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١ وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] الآية وكقوله ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقوله ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢١٣.\n(^٢) الدر المنثور ٣/ ٢٩.","vol":"3","page":238},{"text":"﴿الْمُتَلَقِّيانِ﴾ الآية وقوله ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي احتضر وحان أجله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أي ملائكة موكلون بذلك، قال ابن عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة، يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة.\nوقوله ﴿وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ أي في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله ﷿، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذا بالله من ذلك.\nوقوله ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ قال ابن جرير (^١): ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ يعني الملائكة ﴿إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾.\nونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح، قالوا:\nاخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقال فلان، فيقال مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ﷿، وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول» (^٢).\nهذا حديث غريب، ويحتمل أن يكون المراد بقوله ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ يعني الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] وقال ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلى قوله ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢١٦.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥.","vol":"3","page":239},{"text":"[الكهف: ٤٩] ولهذا قال ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-460>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٥]</span>\n﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾\nيقول تعالى ممتنا على عباده، في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر، أي الحائرين الواقعين في المهامة البرية، وفي اللجج البحرية، إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، كقوله ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] الآية، وقوله ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] الآية، وقوله ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣].\nوقال في هذه الآية الكريمة ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي جهرا وسرا ﴿لَئِنْ أَنْجانا﴾ أي من هذه الضائقة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي بعدها قال الله ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ أي تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى.\nوقوله ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لما قال ثم أنتم تشركون، عقبه بقوله ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا﴾ أي بعد إنجائه إياكم، كقوله في سورة سبحان ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٦ - ٦٩].\nقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا هارون الأعور، عن جعفر بن سليمان، عن الحسن في قوله ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: هذه للمشركين. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لأمة محمد ﷺ وعفا عنهم.\nونذكر هنا الأحاديث، الواردة في ذلك والآثار، وبالله المستعان وعليه التكلان وبه الثقة.","vol":"3","page":240},{"text":"قال البخاري (^١) رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ يلبسكم يخلطكم من الالتباس، يلبسوا يخلطوا شيعا فرقا، حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ «أعوذ بوجهك» ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال «أعوذ بوجهك» ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ «هذه أهون-أو أيسر».\nوهكذا رواه أيضا في كتاب التوحيد، عن قتيبة عن حماد به، ورواه النسائي أيضا في التفسير عن قتيبة، ومحمد بن النضر بن مساور، ويحيى بن حبيب بن عدي، أربعتهم عن حماد بن زيد به، وقد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابرا عن النبي ﷺ به. ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن أبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة به، ورواه ابن جرير في تفسيره، عن أحمد بن الوليد القرشي، وسعيد بن الربيع، وسفيان بن وكيع، كلهم عن سفيان بن عيينة به، ورواه أبو بكر بن مردويه، من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد، وعاصم بن علي، عن سفيان بن عيينة به، ورواه سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، كلاهما عن عمرو بن دينار به.\nطريق آخر-قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا مقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ «أعوذ بالله من ذلك» ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ «أعوذ بالله من ذلك» ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ قال «هذا أيسر» ولو استعاذه لأعاذه.\nويتعلق بهذه الآية، أحاديث كثيرة (أحدها) قال الإمام أحمد بن حنبل (^٢) في مسنده، حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي مريم، عن راشد هو ابن سعد المقرائي، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال «أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» وأخرجه الترمذي عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم به، ثم قال هذا حديث غريب.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة الأنعام باب ٣)\n(^٢) مسند أحمد ١/ ١٧٠ - ١٧١.","vol":"3","page":241},{"text":"حديث آخر-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعلى هو ابن عبيد، حدثنا عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعيد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه ﷿ طويلا ثم قال «سألت ربي ثلاثا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة (^٢) فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن عبد الله بن نمير، وعن محمد بن يحيى بن أبي عمرو، عن مروان بن معاوية، كلاهما عن عثمان بن حكيم به.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٣): قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن جابر بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في حرة بني معاوية-قرية من قرى الأنصار-فقال لي: هل تدري أين صلّى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم، فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه؟ فقلت: نعم، فقال: أخبرني بهن، فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما: ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، قال: صدقت فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة. ليس هو في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنة.\nحديث آخر-قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم بن عباد، عن خصيف، عن عبادة بن حنيف، عن علي بن عبد الرحمن، أخبرني حذيفة بن اليمان، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى حرة بني معاوية، قال: فصلى ثماني ركعات فأطال فيهن، ثم التفت إلي فقال «حبستك يا حذيفة» قلت الله ورسوله أعلم، قال «إني سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني»، رواه ابن مردويه من حديث محمد بن إسحاق.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني سليمان بن الأعمش، عن رجاء الأنصاري، عن عبد الله بن شداد، عن معاذ بن جبل ﵁، قال أتيت رسول الله ﷺ فقيل لي: خرج قبل، قال: فجعلت لا أمر بأحد إلا قال: مر قبل، حتى مررت\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ١٧٥.\n(^٢) أي بالجدب والقحط.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ٤٤٥.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ٢٤٠.","vol":"3","page":242},{"text":"فوجدته قائما يصلي، قال: فجئت حتى قمت خلفه، قال: فأطال الصلاة، فلما قضى صلاته قلت: يا رسول الله، قد صليت صلاة طويلة، فقال رسول الله ﷺ «إني صليت صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله ﷿ ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي غرقا فأعطاني، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي» ورواه ابن ماجة في الفتن عن محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش به، ورواه ابن مردويه: من حديث أبي عوانة، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه، عن أنس بن مالك، أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر، صلى سبحة (^٢) الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف، قال «إني صليت صلاة رغبة ورهبة، وسألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي»، ورواه النسائي في الصلاة عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب به.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، قال:\nقال الزهري، حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب، عن أبيه، خباب بن الأرت مولى بني زهرة، وكان قد شهد بدرا مع رسول الله ﷺ، أنه قال: وافيت رسول الله ﷺ في ليلة صلاها كلها، حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، فقلت: يا رسول الله لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها، فقال رسول الله ﷺ «أجل إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي ﷿ فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ﷿ أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها» ورواه النسائي: من حديث شعيب بن أبي حمزة به. ومن وجه آخر وابن حبان في صحيحه بإسناديهما، عن صالح بن كيسان والترمذي، في الفتن، من حديث النعمان بن راشد، كلاهما عن الزهري به، وقال: حسن صحيح.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ١٤٦.\n(^٢) السبحة: صلاة النفل.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ١٠٨ - ١٠٩.","vol":"3","page":243},{"text":"حديث آخر-قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره (^١): حدثني زياد بن عبد الله المزني، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا أبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه، أن النبي ﷺ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال «قد كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله ﷿ فيها ثلاثا أعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها» قال أبو مالك:\nفقلت له أبوك سمع هذا من في رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم، أنه سمعها من في رسول الله ﷺ.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق قال: قال معمر: أخبرني أيوب عن أبي قلابة، عن الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس، أن رسول الله ﷺ قال «إن الله زوى (^٣) لي الأرض، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي ﷿ أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم، فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضا، قال: وقال النبي ﷺ «إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة».\nليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد، وعباد بن منصور، وقتادة، ثلاثتهم عن أيوب عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ بنحوه والله أعلم.\nحديث آخر-قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي، قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه، قال: وكان أبوه من أصحاب رسول الله ﷺ، وكان من أصحاب الشجرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، قال فجلس يوما فأطال الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه، فلما فرغ، قال له بعض القوم:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٢٠.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٢٣.\n(^٣) أي جمعها وضمّها.","vol":"3","page":244},{"text":"يا رسول الله لقد أطلت الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنه ينزل عليك، قال «لا ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوا يستبيحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعا وأن لا يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها» قال: قلت له: أبوك سمعها من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله ﷺ عدد أصابعي هذه عشر أصابع.\nحديث آخر-قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يونس هو ابن محمد المؤدب، حدثنا ليث هو ابن سعد، عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال «سألت ربي ﷿ أربعا فأعطاني ثلاثا، ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله ﷿ أن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها» لم يخرجه أحد من أصحاب الكتاب الستة.\nحديث آخر-قال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السوائي، عن علي أن رسول الله ﷺ قال: «سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، فقلت:\nيا رب لا تهلك أمتي جوعا فقال هذه لك قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم يعني أهل الشرك فيجتاحهم قال: ذلك لك، قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم-قال-فمنعني هذه».\nحديث آخر قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال «دعوت ربي ﷿ أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع الله عنهم اثنتين، وأبى عليّ أن يرفع عنهم اثنتين دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين القتل والهرج» (^٢).\nطريق أخرى عن ابن عباس أيضا، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ٣٩٦.\n(^٢) الدر المنثور ٣/ ٣٣.","vol":"3","page":245},{"text":"حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن منير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا عمرو بن قيس، عن رجل عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فقام النبي ﷺ فتوضأ ثم قال «اللهم لا ترسل على أمتي عذابا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعا ولا تذق بعضهم بأس بعض» قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله قد أجار أمتك، أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم (^١).\nحديث آخر-قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزاز، حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدثنا أسباط عن السدي، عن أبي المنهال، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «سألت ربي لأمتي أربع خصال، فأعطاني ثلاثا، ومنعني واحدة، سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (^٢) ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، عن عمرو بن محمد العنقزي به نحوه.\nطريق أخرى-وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني، حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب، سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ «سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني» ثم رواه ابن مردويه بإسناده، عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، ورواه البزار من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه.\nأثر آخر قال سفيان الثوري، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال:\nأربعة في هذه الأمة، قد مضت اثنتان وبقيت اثنتان، ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الخسف ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال سفيان: يعني الرجم والخسف.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ﴾\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) الدر المنثور ٣/ ٣٦.","vol":"3","page":246},{"text":"﴿بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فهي أربع خلال، منها اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعا وذاق بعضهم بأس بعض. وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان، الرجم والخسف.\nورواه أحمد عن وكيع، عن أبي جعفر. وقال ابن أبي حاتم: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو الأشهب عن الحسن في قوله ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ﴾ الآية، قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.\nوهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي، وابن زيد وغير واحد في قوله ﴿عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني الخسف وهذا هو اختيار ابن جرير.\nوروى ابن جرير (^١): عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: كان عبد الله بن مسعود يصيح وهو في المسجد أو على المنبر، يقول: ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن الله يقول ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ لو جاءكم عذاب السماء لم يبق منكم أحدا، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لو خسف بكم الأرض أهلككم، ولم يبق منكم أحدا، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث.\nقول ثان-قال ابن جرير وابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، سمعت خلاد بن سليمان يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول:\nفي هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ فأئمة السوء ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فخدم السوء (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني أمراءكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني عبيدكم وسفلتكم (^٣).\nوحكى ابن أبي حاتم عن أبي سنان وعمرو بن هانئ، نحو ذلك. قال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح، لكن الأول أظهر وأقوى، وهو كما قال ابن جرير ﵀، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ أَمْ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٢١٨.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":247},{"text":"﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] وفي الحديث «ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ» وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها، وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى.\nوقوله ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ يعني يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين. قال الوالبي عن ابن عباس: يعني الأهواء، وكذا قال مجاهد وغير واحد، وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه ﷺ أنه قال «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة».\nوقوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل. وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ أي نبينها ونوضحها مرة ونفسرها، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه.\nقال زيد بن أسلم: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف» قالوا ونحن ونشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال «نعم» فقال بعضهم: لا يكون هذا أبدا أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون، فنزلت ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\n\n<span data-type='title' id=toc-461>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٦ إلى ٦٩]</span>\n﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي بالقرآن الذي جئتهم به، والهدى والبيان، ﴿قَوْمُكَ﴾ يعني قريشا ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي الذي ليس وراءه حق ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم، كقوله ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] أي إنما عليّ البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة، ولهذا قال ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: أي لكل نبأ حقيقة، أي لكل خبر وقوع، ولو بعد حين، كما قال ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] وقال ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٧] وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.","vol":"3","page":248},{"text":"وقوله ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ أي بالتكذيب والاستهزاء، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب، ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ والمراد بذلك كل فرد، فرد من آحاد الأمة، أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسيا، ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ بعد التذكر ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ولهذا ورد في الحديث «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».\nوقال السدي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ قال: إن نسيت فذكرت ﴿فَلا تَقْعُدْ﴾ معهم، وكذا قال مقاتل بن حيان (^١).\nوهذه الآية هي المشار إليها في قوله ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] أي إنكم إذا جلستم معهم، وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم فيما هم فيه.\nوقوله ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي إذا تجنبوهم، فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن سعيد بن جبير، قوله ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم، وقال آخرون: بل معناه وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء.\nوزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم. وعلى قولهم يكون قوله ﴿وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم، حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-462>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]</span>\n﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم، ولهذا قال وذكر به، أي ذكر\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٢٦.","vol":"3","page":249},{"text":"الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم، يوم القيامة.\nوقوله تعالى ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ أي لئلا تبسل، قال الضحاك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والحسن والسدي: تبسل تسلم، وقال الوالبي عن ابن عباس: تفتضح.\nوقال قتادة: تحبس، وقال مرة وابن زيد: تؤاخذ، وقال الكلبي: تجزى، وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب، كقوله ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩] وقوله ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ أي لا قريب ولا أحد يشفع فيها كقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥].\nوقوله ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ أي ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها، كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١]، وكذا قال هاهنا ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-463>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧١ إلى ٧٣]</span>\n﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاِتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾\nقال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل الله ﷿ ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا﴾ أي في الكفر ﴿بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ﴾ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم، كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد ﷺ، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام، رواه ابن جرير (^١).\nوقال قتادة ﴿اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ أضلته في الأرض، يعني استهوته سيرته، كقوله ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا﴾ الآية، هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٣٢.","vol":"3","page":250},{"text":"إلى هدى الله ﷿، كمثل رجل ضل عن طريق تائها، إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى، اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء، حتى يأتيه الموت فيستقبل الندامة والهلكة، وقوله ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ هم الغيلان ﴿يَدْعُونَهُ﴾ باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء فيصبح وقد رمته في هلكة، وربما أكلته، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ﷿، رواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ﴾ قال:\nرجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي (^٢).\nوقال العوفي عن ابن عباس قوله ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ﴾ هو الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق، وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس، ﴿إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ﴾ والضلال ما يدعو إليه الجن، رواه ابن جرير (^٣)، ثم قال: وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى، قال وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن الله أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالا، وقد أخبر الله أنه هدى.\nوهو كما قال ابن جرير؛ فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال، أي في حال حيرته وضلاله وجهله، وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى، وتقدير الكلام فيأبى عليهم، ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق، ولهذا قال ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ كما قال ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] وقال ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].\nوقوله ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي نخلص له العبادة، وحده لا شريك له، ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي يوم القيامة ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل فهو\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٢٣٣.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":251},{"text":"خالقهما ومالكهما، والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني يوم القيامة، الذي يقول الله كن فيكون، عن أمره كلمح البصر، أو هو أقرب، ويوم منصوب إما على العطف على قوله واتقوه، وتقديره واتقوا يوم يقول كن فيكون، وإما على قوله ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي وخلق يوم يقول كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهذا مناسب وإما على إضمار فعل تقديره واذكر يوم يقول كن فيكون.\nوقوله ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين، وقوله ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون بدلا من قوله ويوم يقول كن فيكون يوم ينفخ في الصور ويحتمل أن يكون ظرفا لقوله ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ كقوله ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] كقوله ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] وما أشبه ذلك.\nواختلف المفسرون في قوله ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فقال بعضهم: المراد بالصور هنا، جمع صورة، أي يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير: كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة، والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، قال ابن جرير:\nوالصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار، عن رسول الله ﷺ، أنه قال «إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل (^٣)، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي يا رسول الله ما الصور؟ قال «قرن ينفخ فيه».\nوقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني، في كتابه «الطوالات»، قال: حدثنا أحمد بن الحسن المصري الأيلي، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه، فقال «إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه، شاخصا بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر» قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: «القرن» قلت: كيف هو؟ قال: «عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٣٧.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ١٩٢.\n(^٣) في المسند «حدثنا يحيى بن سعيد».","vol":"3","page":252},{"text":"يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر، وهي كقول الله ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] فيسير الله الجبال، فتمر مرّ السحاب فتكون سرابا، ثم ترتج الأرض بأهلها رجا، فتكون كالسفينة المرمية في البحر، تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق في العرش ترجرجه الرياح، وهو الذي يقول ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٧ - ٨] فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع ويولي الناس مدبرين، ما لهم من أمن الله من عاصم، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض، من قطر إلى قطر، فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء، فانتثرت نجومها وانخسفت شمسها وقمرها» قال رسول الله ﷺ «الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك» قال أبو هريرة: يا رسول الله من استثنى الله ﷿ حين يقول ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال «أولئك الشهداء» وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه-قال-وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] فيكونون في ذلك العذاب ما شاء الله إلا أنه يطول، ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات والأرض، إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء ملك الموت إلى الجبار ﷿، فيقول: يا رب قد مات أهل السموات والأرض، إلا من شئت، فيقول الله وهو أعلم، بمن بقي فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، وبقيت أنا، فيقول الله ﷿: ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش، فيقول يا رب يموت جبريل وميكائيل، فيقول اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار، فيقول يا رب: قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، بقيت حملة عرشك، وبقيت أنا، فيقول الله: لتمت حملة العرش فتموت، ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك، فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت فمت،","vol":"3","page":253},{"text":"فيموت، فإذا لم يبق إلا الله، الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، كان آخرا كما كان أولا، طوى السموات والأرض، طي السجل للكتب، ثم دحاهما ثم يلقفهما ثلاث مرات، ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ثلاثا، ثم هتف بصوته ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثلاث مرات، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ يقول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ فيبسطهما ويسطحهما، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة، مثل ما كانوا فيها من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما، حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعا ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث (^١)، أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله ﷿: ليحي حملة عرشي فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحي جبريل وميكائيل، فيحييان ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعا، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد، كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعا إلى ربكم تنسلون، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] حفاة عراة غلفا غرلا، فتقفون موقفا واحدا مقداره سبعون عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دما وتعرقون، حتى يلجمكم العرق أو يبلغ الذقان، وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا، فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى، ويقول ما أنا بصاحب ذلك فيستقرءون الأنبياء نبيا نبيا، كلما جاءوا نبيا أبى عليهم-قال رسول الله ﷺ حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص، فأخرّ ساجدا. قال أبو هريرة يا رسول الله وما الفحص؟ قال-قدام العرش، حتى يبعث الله إليّ ملكا فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول لي: يا محمد، فأقول: نعم يا رب، فيقول الله ﷿: ما شأنك؟ وهو أعلم-فأقول يا رب وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم-قال رسول الله ﷺ-فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذ سمعنا من السماء حسا شديدا، فهالنا فينزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت\n_________\n(^١) الطرثيث: نبات رملي طويل مستدق، يضرب لونه إلى الحمرة.","vol":"3","page":254},{"text":"الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا وهو آت، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم. وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا.\nوهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، فيحمل عرشه يومئذ، ثمانية-وهم اليوم أربعة-أقدامهم في تخوم الأرض السفلى، والأرض والسموات إلى حجزهم (^١)، والعرش على مناكبهم، ولهم زجل في تسبيحهم يقولون: سبحان ذي العرش والجبروت، وسبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق، ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس، إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر الله جهنم. فيخرج منها عنق ساطع، ثم يقول ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أو-بها تكذبون- شك أبو عاصم، ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٤] فيميّز الله الناس وتجثو الأمم. يقول الله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] فيقضي الله ﷿ بين خلقه إلا الثقلين الجن والإنس، فيقضي بين الوحوش والبهائم، حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى، قال الله لها: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ: ٤٠] ثم يقضي الله بين العباد، فكان أول ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله ﷿ كل من قتل، فيحمل رأسه تشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول-وهو أعلم-فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله له: صدقت فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول-وهو أعلم-لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب قتلتهم لتكون العزة لي، فيقول: تعست، ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلفه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء،\n_________\n(^١) الحجز: معقد الإزار.","vol":"3","page":255},{"text":"فإذا فرغ الله من ذلك، نادى مناد يسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحد عبد من دون الله، إلا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم. ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم إلى النار، وهو الذي يقول ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩] فإذا لم يبق إلا المؤمنون، فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فينصرف عنهم، وهو الله الذي يأتيهم، فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يأتيهم، فيقول: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته، ما يعرفون أنه ربهم فيخرون للأذقان سجدا على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي (^١) البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم، كحد الشفرة أو كحد السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان (^٢)، دونه جسر دحض (^٣) مزلة، فيمرون كطرف العين أو كلمح البرق، أو كمر الريح أو كجياد الخيل، أو كجياد الركاب، أو كجياد الرجال، فناج سالم، وناج مخدوش ومكردس (^٤) على وجهه في جهنم، فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم ﵇، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا، فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلا، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ويقول: عليكم بموسى فإن الله قربه نجيا وكلمه وأنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول:\nلست بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم، فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه، فيقول: «ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد» قال رسول الله ﷺ «فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب فأستفتح، فيفتح لي فأحيا ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا، فيأذن الله لي من تحميده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد واشفع\n_________\n(^١) صياصي البقر: قرونها.\n(^٢) السعدان: نبات شوكي.\n(^٣) دحض: زلق.\n(^٤) المكردس: الذي جمعت يداه ورجلاه وألقي في موضع.","vol":"3","page":256},{"text":"تشفع، وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي يقول الله-وهو أعلم-: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة، فيقول الله: قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة» وكان رسول الله ﷺ يقول «والذي نفسي بيده، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم، من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة، سبعين مما ينشئ الله ﷿، وثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما الله في الدنيا فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليها سبعون زوجا من سندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبدها له مرآة وكبده لها مرآة. فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره وما تشتكي قبلها، فبينا هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل، إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن لك أزواجا غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما أتى واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، ولا في الجنة شيء أحب إلي منك. وإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك، أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذه النار قدميه لا تجاوز ذلك، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه، حرم الله صورته عليها» قال رسول الله ﷺ «فأقول يا رب شفعني فيمن وقع في النار من أمتي، فيقول: أخرجوا من عرفتم، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيمانا فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد. ثم يشفع الله فيقول: أخرجوا من في قلبه إيمانا ثلثي دينار، ثم يقول: ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراطا، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرا قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس يتطاول مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له. ثم يقول: بقيت وأنا أرحم الراحمين، فيدخل يده في جهنم، فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، كأنهم حمم فيلقون على نهر، يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فما يلي الشمس منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث، حتى يكونوا أمثال الذر مكتوب في رقابهم الجهنميون، عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب وما عملوا خيرا لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: ربنا امح عنا هذا الكتاب فيمحوه الله ﷿ عنهم».\nثم ذكره بطوله، ثم قال: هذا حديث مشهور، وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاصّ أهل المدينة،","vol":"3","page":257},{"text":"وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء، قلت:\nوقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقا واحدا فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمعه، كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٤ إلى ٧٩]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (٧٧) فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾\nقال الضحاك عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما كان اسمه تارح، رواه ابن أبي حاتم وقال أيضا: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي حدثنا أبو عاصم شبيب، حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ يعني بآزر الصنم، وأبو إبراهيم اسمه تارح، وأمه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر، وهي سرية إبراهيم، وهكذا قال غير واحد من علماء النسب أن اسمه تارح، وقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم، قلت: كأنه غلب عليه آزر، لخدمته ذلك الصنم فالله أعلم، وقال ابن جرير وقال آخرون: هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه معوج، ولم يسنده ولا حكاه عن أحد. وقد قال ابن أبي حاتم: ذكر عن معتمر بن سليمان، سمعت أبي يقرأ ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ قال: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم ﵇، ثم قال ابن جرير (^١): والصواب أن اسم أبيه آزر، ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح، ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان، كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبا، وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم.\nواختلف القراء في أداء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ فحكى ابن جرير عن الحسن البصري، وأبي يزيد المدني، أنهما كانا يقرآن ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً﴾ معناه يا آزر أتتخذ أصناما آلهة، وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٣٩.","vol":"3","page":258},{"text":"لا ينصرف وهو بدل من قوله لأبيه أو عطف بيان وهو أشبه وعلى قول من جعله نعتا لا ينصرف أيضا، كأحمر وأسود، فأما من زعم أنه منصوب، لكونه معمولا لقوله ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا﴾ تقديره يا أبت أتتخذ آزر أصناما آلهة، فإنه قول بعيد في اللغة، فإن ما بعد حرف الاستفهام، لا يعمل فيما قبله لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير (^١) وغيره، وهو مشهور في قواعد العربية، والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها ونهاه فلم ينته، كما قال ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً﴾ أي أتتأله لصنم تعبده من دون الله ﴿إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ﴾ أي السالكين مسلكك ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم. وقال تعالى:\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨] فكان إبراهيم ﵇، يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك، رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وثبت في الصحيح أن إبراهيم، يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم أي رب ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقال يا إبراهيم، انظر ما وراءك فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار.\nقوله ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما، على وحدانية الله ﷿، في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] وقوله ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقال. ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩].\nوأما ما حكاه ابن جرير وغيره عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم، قالوا:\nواللفظ لمجاهد: فرجت له السموات، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٤٠.","vol":"3","page":259},{"text":"وفرجت له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن، وزاد غيره فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي، ويدعو عليهم، فقال الله له إني أرحم بعبادي منك، لعلهم أن يتوبوا أو يرجعوا.\nوروى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين، عن معاذ وعلي، ولكن لا يصح إسنادهما، والله أعلم.\nوروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ فإنه تعالى جلا له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله إنك لا تستطيع هذا فرده كما كان قبل ذلك، فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته، حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة، والدلالات القاطعة كما رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه عن معاذ بن جبل في حديث المنام «أتاني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت لا أدري يا رب، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت ذلك» (^١) وذكر الحديث.\nقوله ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل الواو زائدة تقديره وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض، ليكون من الموقنين، كقوله ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n[الأنعام: ٥٥] وقيل بل هي على بابها، أي نريه ذلك ليكون عالما وموقنا، وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي تغشاه وستره ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أي نجما ﴿قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ﴾ أي غاب، قال محمد بن إسحاق بن يسار: الأفول الذهاب، وقال ابن جرير: يقال: أفل النجم يأفل ويأفل أفولا وأفلا، إذا غاب ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] مصابيح ليست باللواتي تقودها … دياج ولا بالآفلات الزوائل (^٢)\nويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا، قال ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول، ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا﴾ أي طالعا ﴿قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي﴾ أي هذا المنير الطالع ربي ﴿هذا أَكْبَرُ﴾ أي جرما من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة ﴿فَلَمّا أَفَلَتْ﴾ أي غابت ﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٢٤٣.\n(^٢) ويروى عجزه: «نجوم ولا بالآفلات الدوالك». والبيت لذي الرمة في تتمة ديوانه ص ١٧٣٤؛ وتفسير الطبري ٥/ ٢٤٧؛ ولسان العرب (ذلك)؛ وبلا نسبة في تاج العروس (صبح، ذلك)","vol":"3","page":260},{"text":"أي أخلصت ديني، وأفردت عبادتي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ أي في حال كوني حنيفا، أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nوقد اختلف المفسرون في هذا المقام: هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير: من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ الآية (^١).\nوقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب (^٢) الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد فولدت فيه إبراهيم، وتركته هناك، وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف.\nوالحق أن إبراهيم ﵊، كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل، وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس، ثم القمر ثم الزهرة، فبين أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا، ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، ﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أي أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(^٢) في الأثر عن ابن إسحاق (تفسير الطبري ٥/ ٢٤٥) أن أم إبراهيم ولدته في مغارة.","vol":"3","page":261},{"text":"ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء، وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرا في هذا المقام. وهو الذي قال الله في حقه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٢] الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١].\nوقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة» (^١) وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حماد، أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله إني خلقت عبادي حنفاء» (^٢) وقال الله في كتابه العزيز ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ومعناه على أحد القولين كقوله ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ كما سيأتي بيانه. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، ناظرا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة، بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب، ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-465>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٠ إلى ٨٣]</span>\n﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم، حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد وناظروه بشبه من القول، أنه قال ﴿أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ﴾ أي تجادلونني في أمر الله، وأنه لا إله\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جنائز باب ٩٢) وصحيح مسلم (قدر حديث ٢٥)\n(^٢) صحيح مسلم (جنة حديث ٦٣)","vol":"3","page":262},{"text":"إلا هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة.\nوقوله ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه، أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئا، وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها، ولا تنظرون بل عاجلوني بذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع، أي لا يضر ولا ينفع إلا الله ﷿ ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي أحاط علمه بجميع الأشياء فلا يخفى عليه خافية ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي فيما بينته لكم أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها، وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي الله هود ﵇ على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه، حيث يقول ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٣ - ٥٦] الآية.\nوقوله ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ﴾ أي كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا﴾ قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي حجة وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١] وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣].\nوقوله ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي فأي طائفتين أصوب، الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع، بلا دليل أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئا، هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.\nقال البخاري (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة الأنعام باب ٤)\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٣٧٨.","vol":"3","page":263},{"text":"الناس، فقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال «إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وابن إدريس، عن الأعمش، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ «ليس كما تظنون، إنما قال لابنه ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وحدثنا عمر بن شبّة النمري، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نزلت هذه الآية، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فنزلت ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ رواه البخاري، وفي لفظ قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ «ليس بالذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك» ولابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعا، قال ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال «بشرك» قال وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغير واحد نحو ذلك.\nوقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا محمد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال رسول الله ﷺ «قيل لي أنت منهم».\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ، فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع (^٢) نحونا، فقال رسول الله ﷺ «كأن هذا الراكب إياكم يريد» فانتهى إلينا الرجل، فسلم فرددنا عليه، فقال له النبي ﷺ «من أين أقبلت؟» قال من أهلي وولدي وعشيرتي، قال: «فأين تريد؟» قال: أريد رسول الله ﷺ قال «فقد أصبته» قال: يا رسول الله علمني ما الإيمان؟ قال:\n«أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت» قال: قد أقررت، قال ثم إن بعيره دخلت يده في جحر جرذان، فهوى بعيره وهوى الرجل، فوقع على هامته فمات، فقال رسول الله ﷺ «علي بالرجل» فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه فقالا: يا رسول الله قبض الرجل قال فأعرض عنهما رسول الله ﷺ، ثم قال لهما رسول الله ﷺ «أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٣٥٩.\n(^٢) أوضع يوضع: حمل بعيره على سرعة السير.","vol":"3","page":264},{"text":"يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعا» ثم قال رسول الله ﷺ «هذا من الذين قال الله ﷿ فيهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية، ثم قال «دونكم أخاكم» فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه وحنطناه وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على شفير القبر، فقال «ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا».\nثم رواه أحمد عن أسود بن عامر، عن عبد الحميد بن جعفر الفراء، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، فذكر نحوه وقال فيه: هذا ممن عمل قليلا وأجر كثيرا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا مهران بن أبي عمر، حدثنا علي بن عبد الله، عن أبيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق، لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، فاعرض علي، فعرض عليه رسول الله ﷺ فقبل، فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه، فقال رسول الله ﷺ «صدق والذي بعثني بالحق لقد خرج من بلاده وتلاده وماله، ليهتدي بهداي ويأخذ من قولي وما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض، أسمعتم بالذي عمل قليلا وأجر كثيرا؟ هذا منهم.\nأسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟ فإن هذا منهم» وفي لفظ قال «هذا عمل قليلا وأجر كثيرا» وروى ابن مردويه من حديث محمد بن يعلى الكوفي، وكان نزل الري، حدثنا زياد بن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، قال:\nقال رسول الله ﷺ «من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظلم فاستغفر، وظلم فغفر» وسكت، قال: فقالوا يا رسول الله ما له؟ قال ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\nوقوله ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ أي وجهنا حجته عليهم، قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الآية، وقد صدقه الله وحكم له بالأمن والهداية فقال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ثم قال بعد ذلك كله ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ قرئ بالإضافة وبلا إضافة (^١)، كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى.\nوقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي حكيم في أقواله وأفعاله، عليم أي بمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال\n_________\n(^١) قرأ الكوفيون «درجات» بالتنوين، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو بغير تنوين على الإضافة. (تفسير الطبري ٧/ ٣٠)","vol":"3","page":265},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] ولهذا قال هاهنا ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-466>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٤ إلى ٩٠]</span>\n﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)﴾\nيذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢ - ٧٣] فبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلا وعقبا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به، كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم ﵇، حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله ﷿ عن قومه وعشيرته، بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] وقال هاهنا ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا﴾.\nوقوله ﴿وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبله هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح ﵇، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم ﵇، فلم يبعث الله ﷿ بعده نبيا، إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآية، وقال تعالى، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [الحديد: ٢٦] وقال تعالى:","vol":"3","page":266},{"text":"﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].\nوقوله في هذه الآية الكريمة ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي وهدينا من ذريته ﴿داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ الآية، وعود الضمير إلى نوح، لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير (^١).\nوعوده إلى إبراهيم، لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط، فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه ماران بن آزر، اللهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبا، وكما قال في قوله ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبا، وكما قال في قوله ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذم على المخالفة لأنه كان في تشبه بهم، فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار، والملائكة من النور.\nوفي ذكر عيسى ﵇ في ذرية إبراهيم أو نوح، على القول الآخر، دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن عيسى ﵇ إنما ينسب إلى إبراهيم ﵇، بأمه مريم ﵍، فإنه لا أب له.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا سهل بن يحيى العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا علي بن عابس، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ، تجده في كتاب الله-وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟ قال أليس تقرأ سورة الأنعام ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ حتى بلغ ﴿وَيَحْيى وَعِيسى﴾ قال بلى. قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال صدقت.\nفلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته، أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه، دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي: [الطويل] بنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأجانب (^٢)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٥٦.\n(^٢) ويروى «الأباعد» في موضع «الأجانب». والبيت للفرزدق في خزانة الأدب ١/ ٤٤٤؛ وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٦٦؛ وأوضح المسالك ١/ ١٠٦؛ والحيوان ١/ ٣٤٦؛ وشرح ابن عقيل ص ١١٩؛ ومغني اللبيب ٢/ ٤٥٢؛ وهمع الهوامع ١/ ١٠٢.","vol":"3","page":267},{"text":"وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضا، لما ثبت في صحيح البخاري، أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن علي «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (^١) فسماه ابنا، فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز، وقوله ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ﴾ ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم قال تعالى:\n﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] الآية، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وكقوله ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] وكقوله ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الزمر: ٤]. وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ أي أنعمنا عليه-بذلك، رحمة للعباد بهم ولطفا منا بالخليقة، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أي بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على هذه الأشياء الثلاثة، الكتاب والحكم والنبوة.\nوقوله ﴿هؤُلاءِ﴾ يعني أهل مكة، قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ أي إن يكفر بهذه النعم، من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، وملّيين وكتابيين، فقد وكلنا بها قوما آخرين أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ أي لا يجحدون منها شيئا، ولا يردون منها حرفا واحدا، بل يؤمنون بجميعها، محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه وإحسانه، ثم قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا ﷺ ﴿أُولئِكَ﴾ يعني الأنبياء المذكورين، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان، وهم الأشباه، ﴿الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ أي هم أهل الهدى لا غيرهم ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾، أي اقتد واتبع، وإذا كان هذا أمرا للرسول ﷺ، فأمته تبع له، فيما يشرعه ويأمرهم به.\nقال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول أن مجاهدا أخبره، أنه سأل ابن عباس أفي (ص) سجدة؟ فقال نعم، ثم تلا ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قوله ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثم قال هو منهم، زاد يزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، وسهل بن يوسف، عن العوام عن مجاهد، قلت لابن عباس فقال نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم (^٢). وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾\n_________\n(^١) صحيح البخاري (فتن باب ٢٠ وصلح باب ٩)\n(^٢) صحيح البخاري (تفسير سورة الأنعام باب ٦)","vol":"3","page":268},{"text":"أي لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجرا أي أجرة، ولا أريد منكم شيئا، ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ أي يتذكرون به، فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-467>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩١ إلى ٩٢]</span>\n﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)﴾\nيقول الله تعالى وما عظموا الله حق تعظيمه، إذ كذبوا رسله إليهم، قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش، واختاره ابن جرير (^١)، وقيل نزلت في طائفة من اليهود، وقيل في فنحاص رجل منهم، وقيل في مالك بن الصيف ﴿قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والأول أصح، لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد ﷺ لأنه من البشر، كما قال ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] وكقوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥] وقال هاهنا ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام، بإثبات قضية جزئية موجبة، ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ وهو التوراة التي قد علمتم، وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران، نورا وهدى للناس، أي ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدي بها من ظلم الشبهات.\nوقوله ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي تجعلون جملتها قراطيس، أي قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي، الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون، وتقولون هذا من عند الله، أي في كتابه المنزل، وما هو من عند الله، ولهذا قال ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ أي ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه، من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك، لا أنتم ولا آباؤكم، وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب وقال مجاهد هذه للمسلمين.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٦٤.","vol":"3","page":269},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، أي قل الله أنزله، وهذا الذي قاله ابن عباس، هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض المتأخرين، من أن معنى ﴿قُلِ اللهُ﴾ أي لا يكون خطابك لهم، إلا هذه الكلمة، كلمة «الله» وهذا الذي قاله هذا القائل، يكون أمرا بكلمة مفردة، من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها.\nوقوله ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟ وقوله ﴿وَهذا كِتابٌ﴾ يعني القرآن ﴿أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ يعني مكة ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم، ومن عرب وعجم، كما قال في الآية الأخرى ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وقال ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقال ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي» وذكر منهن «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» ولهذا قال ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي كل من آمن بالله واليوم الآخر، يؤمن بهذا الكتاب المبارك، الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن ﴿وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أي يقيمون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-468>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]</span>\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي لا أحد أظلم، ممن كذب على الله، فجعل له شركاء أو ولدا، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يرسله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب.\n﴿وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي، مما يفتريه من القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال: ٣١] الآية، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾","vol":"3","page":270},{"text":"أي في سكراته، وغمراته، وكرباته، ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ أي بالضرب، كقوله ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨] الآية، وقوله ﴿يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة: ٢] الآية، وقال الضحاك وأبو صالح باسطو أيديهم أي بالعذاب، كقوله ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] ولهذا قال ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ أي بالضرب لهم، حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ وذلك أن الكافر إذا احتضر، بشرته الملائكة بالعذاب، والنكال، والأغلال، والسلاسل، والجحيم، والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة، حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الآية، أي اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله.\nوقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت وهي مقررة عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] وقد ذكر ابن مردويه هاهنا حديثا مطولا جدا من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا، فالله أعلم.\nوقوله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي يقال لهم يوم معادهم هذا كما قال ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.\nوقوله ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي من النعم والأموال التي اقتنيتموها، في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح، أن رسول الله ﷺ قال «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» (^١).\nوقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ، فيقول الله ﷿: أين ما جمعت؟ فيقول يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول له: يا ابن آدم أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئا، وتلا هذه الآية ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ الآية (^٢)، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٣٦٨ و٤/ ٢٤ - ٢٦.\n(^٢) سنن الترمذي (قيامة باب ٦). والبذج: ولد الضأن. والمقصود بيان ضعفه.","vol":"3","page":271},{"text":"ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم، إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون ويناديهم الرب ﷻ على رؤوس الخلائق ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢ - ٧٤] ويقال لهم ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٦٣] ولهذا قال هاهنا ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ أي في العبادة لهم، فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم.\nثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع أي شملكم، وبالنصب أي لقد تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل؛ ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي ذهب عنكم ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من رجاء الأصنام والأنداد، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧] وقال تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص: ٦٤] الآية، وقال ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى قوله ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤] والآيات في هذا كثيرة جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-469>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٥ إلى ٩٧]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾\nيخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي يشقه في الثرى، فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها، من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى، ولهذا فسر قوله ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ بقوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي يخرج النبات الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت، كقوله ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦] وقوله ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ معطوف على ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ ثم فسره ثم عطف عليه قوله ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه، ومن قائل: يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها.","vol":"3","page":272},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ أي فاعل هذا، هو الله وحده لا شريك له ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره. وقوله ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ أي فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، كقوله ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة، الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح، وقابل ذلك بقوله ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي ساجيا مظلما، لتسكن فيه الأشياء، كما قال ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ [الضحى: ١ - ٢] وقال ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١ - ٢] وقال ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٣ - ٤] وقال صهيب الرومي ﵁ لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب، إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا﴾ أي يجريان بحساب مقنن مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا، كما قال ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ الآية، وكما قال ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وقال ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شيء، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر، يختم الكلام بالعزة والعلم، كما ذكر في هذه الآية، وكما في قوله ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٧ - ٣٨].\nولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن، في أول سورة حم السجدة، قال ﴿وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه، أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في الظلمات البر والبحر.\nوقوله ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ أي قد بيناها ووضحناها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يعقلون ويعرفون الحق، ويتجنبون الباطل.","vol":"3","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-470>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﵇، كما قال ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ [النساء: ١] وقوله ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ اختلفوا في معنى ذلك، فعن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي عبد الرحمن السلمي، وقيس بن أبي حازم، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغيرهم ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أي في الأرحام، قالوا أو أكثرهم ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي في الأصلاب، وعن ابن مسعود وطائفة عكسه، وعن ابن مسعود أيضا وطائفة: فمستقر في الدنيا، ومستودع حيث يموت، وقال سعيد بن جبير: فمستقر في الأرحام، وعلى ظهر الأرض، وحيث يموت، وقال الحسن البصري:\nالمستقر الذي قد مات، فاستقر به عمله، وعن ابن مسعود: ومستودع في الدار الآخرة، والقول الأول أظهر، والله أعلم (^١).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ أي يفهمون ويعون كلام الله ومعناه، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي بقدر مباركا ورزقا للعباد وإحياء وغياثا للخلائق، رحمة من الله بخلقه ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كقوله ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا﴾ أي زرعا وشجرا أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر، ولهذا قال تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ أي يركب بعضه بعضا كالسنابل ونحوها، ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ﴾ أي جمع قنو، وهي عذوق الرطب ﴿دانِيَةٌ﴾ أي قريبة من المتناول، كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ يعني بالقنوان الدانية قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض، رواه ابن جرير (^٢). قال ابن جرير: وأهل الحجاز يقولون قنوان، وقيس يقول قنوان (^٣)، قال امرؤ القيس: [الطويل] فأثّت أعاليه وآدت أصوله … ومال بقنوان من البسر أحمرا (^٤)\n_________\n(^١) في الآثار المذكورة بنظر تفسير الطبري ٥/ ٢٨١ - ٢٨٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٢٨٨.\n(^٣) لغة قيس بضم القاف، ولغة الحجاز بكسرها (الطبري ٥/ ٢٨٧) وفي لغة تميم وضبّة: قنيان، بالياء وضم أوله (لسان العرب ١٥/ ٢٠٥)\n(^٤) كذا في رواية الطبري ٥/ ٢٨٧ وفي لسان العرب (قنو، أثث) بلفظ «فنيان». والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص ٥٧؛ وتهذيب اللغة ٩/ ٣١٥؛ وأساس البلاغة (أيد)؛ وتاج العروس (أيد)","vol":"3","page":274},{"text":"قال: وتميم يقولون قنيان بالياء قال: وهي جمع قنو، كما أن صنوان جمع صنو.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ﴾ أي ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز، وربما كانا خيار الثمار في الدنيا كما امتن الله بهما على عباده، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] وكان ذلك قبل تحريم الخمر، وقال ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ [يس: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ قال قتادة وغيره: متشابه في الورق والشكل، قريب بعضه من بعض، ومتخالف في الثمار شكلا وطعما وطبعا.\nوقوله تعالى: ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي، وقتادة، وغيرهم، أي فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطبا، صار عنبا ورطبا، وغير ذلك مما خلق ﷾، من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] الآية، ولهذا قال هاهنا ﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ﴾ أيها الناس ﴿لَآياتٍ﴾ أي دلالات، على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصدقون به ويتبعون رسله.\n\n<span data-type='title' id=toc-471>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]</span>\n﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾\nهذا رد على المشركين، الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته، أن عبدوا الجن، فجعلوهم شركاء له في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم. فإن قيل: فكيف عبدت الجن، مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها، إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك، كقوله ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢٠] وكقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] الآية.\nوقال إبراهيم لأبيه ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكقوله ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١] وتقول الملائكة يوم القيامة ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ﴾","vol":"3","page":275},{"text":"﴿كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١] ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ أي وخلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، كقول إبراهيم ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] ومعنى الآية، أنه ﷾ هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة، وحده لا شريك له.\nوقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ينبه به تعالى عن ضلال من ضل، في وصفه تعالى بأن له ولدا كما يزعم من قاله من اليهود في عزير، ومن قال من النصارى في عيسى، ومن قال من مشركي العرب في الملائكة، إنها بنات الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ومعنى وخرقوا أي اختلقوا وائتفكوا وتخرصوا وكذبوا، كما قاله علماء السلف: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وخرقوا يعني تخرصوا (^١)، وقال العوفي عنه ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال كذبوا وكذا قال الحسن، وقال الضحاك، وضعوا، وقال السدي قطعوا، قال ابن جرير (^٢): وتأويله إذا وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياهم، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [يقول:\nوتخرصوا لله كذبا فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم] (^٣) بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلا بالله وبعظمته، فإنه لا ينبغي لمن كان إلها، أن يكون له بنون وبنات، ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك.\nولهذا قال ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تقدس وتنزه وتعاظم، عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون، من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-472>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]</span>\n﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾\n﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعهما، وخالقهما، ومنشئهما، ومحدثهما، على غير مثال سبق، كما قال مجاهد والسدي: ومنه سميت البدعة بدعة، لأنه لا نظير لها فيما سلف، ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي كيف يكون ولد، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾، أي والولد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه، لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ إلى قوله ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه، وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٢٩٢.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) الزيادة بين معقوفين من الطبري.","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-473>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]</span>\n﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أي الذي خلق كل شيء، ولا ولد له ولا صاحبة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي فاعبدوه وحده، لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له، ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي حفيظ ورقيب، يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.\nوقوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ فيه أقوال للأئمة من السلف [أحدها] لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار، عن رسول الله ﷺ، من غير ما طريق ثابت، في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب، وفي رواية على الله، فإن الله تعالى قال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ رواه ابن أبي حاتم: من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق، ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه، وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين، قال: سمعت إسماعيل ابن علية يقول في قول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ قال هذا في الدنيا، وذكر أبي عن هشام بن عبد الله، أنه قال نحو ذلك.\nوقال آخرون ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ أي جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة.\nوقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من هذه الآية، أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل، بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال الإمام الشافعي: فدل هذا، على أن المؤمنين لا يحجبون عنه ﵎.\nأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجريج، وصهيب، وبلال وغير واحد من الصحابة، عن النبي ﷺ، أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العرصات وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.\nوقيل المراد بقوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ أي العقول، رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي حصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة،","vol":"3","page":277},{"text":"أنه قال ذلك، وهذا غريب جدا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله أعلم.\nوقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلاّ هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى. قال ابن علية في الآية: هذا في الدنيا رواه ابن أبي حاتم.\nوقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية، وهو الإحاطة، ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وفي صحيح مسلم «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (^١) ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا.\nقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ قال لا يحيط بصر أحد بالملك، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ قال ألست ترى السماء؟ قال بلى، قال فكلها ترى، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في الآية ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به، من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾.\nوورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم هاهنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ قال «لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله أبدا» غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.\nوقال آخرون في الآية بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب السنة له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (صلاة حديث ٢٢)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٢٩٤.","vol":"3","page":278},{"text":"أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎، فقلت: أليس الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ الآية، فقال لي: لا أم لك، ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي رواية لا يقوم له شيء، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوفي معنى هذا الأثر، ما ثبت في الصحيحين، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعا «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور-أو النار-لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^١).\nوفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، أي تدعثر، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده. المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه، تعالى وتقدس وتنزه، فلا تدركه الأبصار.\nولهذا كانت أم المؤمنين عائشة ﵂، تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ فالذي نفته الإدراك، الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال، على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة، ولا لشيء.\nوقوله ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ أي يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه، لأنه خلقها، كما قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] وقد يكون عبر بالإبصار عن المبصرين، كما قال السدي: في قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق، وقال أبو العالية في قوله تعالى ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال اللطيف لاستخراجها، الخبير بمكانها (^٢)، والله أعلم، وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان، فيما وعظ به ابنه ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-474>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]</span>\n﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾\nالبصائر هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٩٣) وسنن ابن ماجة (مقدمة باب ١٣) ومسند أحمد ٤/ ٤٠١.\n(^٢) أثر أبي العالية في تفسير الطبري ٥/ ٢٩٩.","vol":"3","page":279},{"text":"﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ كقوله ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الإسراء:١٥] ولهذا قال ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ لما ذكر البصائر، قال ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ أي إنما يعود وباله عليه، كقوله ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.\nوقوله ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ أي وكما فصلنا الآيات في هذه السورة، من بيان التوحيد، وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون، دارست يا محمد من قبلك، من أهل الكتاب وقارأتهم، وتعلمت منهم، هكذا قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم (^١)، وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، قال سمعت ابن عباس يقول:\nدارست: تلوت، خاصمت، جادلت.\nوهذا كقوله تعالى إخبارا عن كذبهم وعنادهم، ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٤ - ٥] الآية، وقال تعالى إخبارا عن زعيمهم وكاذبهم ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٥].\nوقوله ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك وبيان الحق لهؤلاء كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] الآية، وكقوله ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة، على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين، وأنه\n_________\n(^١) تنظر هذه الآثار في تفسير الطبري ٥/ ٣٠٠.","vol":"3","page":280},{"text":"يضل به من يشاء، ويهدي من يشاء. ولهذا قال هاهنا «وكذلك نصرف الآيات وليقولوا دارست ولنبينه لقوم يعلمون» وقرأ بعضهم ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾.\nقال التميمي عن ابن عباس: درست أي قرئت وتعلمت، وكذا قال مجاهد، والسدي، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال عبد الرزاق: عن معمر، قال الحسن ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ يقول تقادمت وانمحت، وقال عبد الرزاق أيضا: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانا يقرءون ها هنا دارست، وإنما هي درست (^١)، وقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: هي في قراءة ابن مسعود درست، يعني بغير ألف، بنصب السين ووقف على التاء، قال ابن جرير: ومعناه انمحت وتقادمت، أي إن هذا الذي تتلوه علينا، قد مر بنا قديما وتطاولت مدته، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، أنه قرأها درست، أي قرئت وتعلمت، وقال معمر عن قتادة: درست قرئت، وفي حرف ابن مسعود: درس، وقال عبيد (^٢) القاسم بن سلام: حدثنا حجاج، عن هارون، قال: هي في حرف أبي بن كعب، وابن مسعود وليقولوا درس، قال يعنون النبي ﷺ أنه قرأ، وهذا غريب، فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن ليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال: أقرأني رسول الله ﷺ ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ ورواه الحاكم في مستدركه من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني بجزم السين ونصب التاء، ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-475>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]</span>\n﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾\nيقول تعالى آمرا لرسوله ﷺ ولمن اتبع طريقته ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ اي اقتد به واقتف أثره، واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق، الذي لا مرية فيه، لأنه لا إله إلا هو ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك، وينصرك ويظفرك عليهم، واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعا، ولو شاء لجمعهم على الهدى ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا﴾ أي بل له المشيئة والحكمة، فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظا، تحفظ أقوالهم وأعمالهم ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي موكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاغ كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ﴾\n_________\n(^١) الأثر في الطبري ٥/ ٣٠٢.\n(^٢) في الطبري: «أبو عبيدة».","vol":"3","page":281},{"text":"﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] وقال ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]\n\n<span data-type='title' id=toc-476>﴿[سورة الأنعام (٦)﴾: آية ١٠٨]</span>\n﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾\nيقول الله تعالى ناهيا لرسوله ﷺ والمؤمنين عن سبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ﴿فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^١).\nوقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوا بغير علم، فأنزل الله ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (^٢).\nوروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أنه قال في تفسيره هذه الآية لما حضر أبا طالب الموت: قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه، فلما مات قتلوه.\nفانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب، قالوا:\nاستأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك، يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه، فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي ﷺ، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله ﷺ «ما تريدون؟» قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، ولندعك وإلهك، فقال النبي ﷺ «أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة، إن تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج» قال أبو جهل:\nوأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها قالوا: فما هي؟ قال قولوا «لا إله إلا الله» فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب: يا ابن أخي قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها، قال «يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي، ما قلت غيرها» إرادة أن يؤيسهم فغضبوا، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك، فذلك قوله ﴿فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٠٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٠٥.\n(^٣) الأثر عن السدي في تفسير الطبري ٥/ ٣٠٤ - ٣٠٥.","vol":"3","page":282},{"text":"ومن هذا القبيل، وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها، ما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «ملعون من سب والديه» قالوا: يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال «يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه» (^١) أو كما قال ﷺ.\nوقوله ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم، والمحاماة لها والانتصار، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة، والحكمة التامة، فيما يشاؤه ويختاره ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ أي معادهم ومصيرهم ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي يجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-477>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]</span>\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن المشركين، أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي حلفوا أيمانا مؤكدة ﴿لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ أي معجزة وخارقة ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ أي ليصدقنها ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي قل: يا محمد هؤلاء الذين يسألونك الآيات، تعنتا وكفرا وعنادا، لا على سبيل الهدى والاسترشاد، إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء جاءكم بها، وإن شاء ترككم.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كلم رسول الله ﷺ قريش، فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فآتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله ﷺ «أي شيء تحبون أن آتيكم به»، قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا، فقال لهم «فإن فعلت تصدقوني؟» قالوا:\nنعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل ﵇، فقال له: ما شئت إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله ﷺ «بل يتوب تائبهم» فأنزل الله تعالى:\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.\nوهذا مرسل، وله شواهد من وجوه أخر. وقال الله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قيل المخاطب بما يشعركم\n_________\n(^١) صحيح مسلم (إيمان حديث ١٤٥) ومسند أحمد ٢/ ١٦٤، ١٩٥، ٢١٤، ٢١٦ وسنن الترمذي (برّ باب ٤)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٠٦.","vol":"3","page":283},{"text":"المشركون وإليه ذهب مجاهد وكأنه يقول لهم، وما يدريكم بصدقكم، في هذه الأيمان التي تقسمون بها، وعلى هذا فالقراءة ﴿أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بكسر أنها على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عن مجيء الآيات التي طلبوها، وقرأ بعضهم «أنها إذا جاءت لا تؤمنون» بالتاء المثناة من فوق وقيل المخاطب بقوله وما يشعركم المؤمنون، يقول وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في قوله ﴿أَنَّها﴾ الكسر كالأول والفتح على أنه معمول يشعركم، وعلى هذا فتكون لا في قوله ﴿أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة كقوله ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقوله ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أي ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، وحرام أنهم يرجعون، وتقديره في هذه الآية، وما يدريكم أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك، حرصا على إيمانهم، أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون، قال بعضهم أنها بمعنى لعلها. قال ابن جرير (^١): وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب، قال: وقد ذكر عن العرب سماعا اذهب إلى السوق، أنك تشتري لنا شيئا، بمعنى لعلك تشتري، قال وقد قيل إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا: [الطويل] أعاذل ما يدريك أن منيتي … إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد (^٢)\nوقد اختار هذا القول ابن جرير، وذكر عليه من شواهد من أشعار من العرب والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، وردّت عن كل أمر، وقال مجاهد في قوله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ ونحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة، وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁، أنه قال:\nأخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، وقال ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ جل وعلا وقال ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ إلى قوله ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبر الله سبحانه، أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقال: ولو ردوا إلى الدنيا، لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا، وقوله ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ أي نتركهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة: في ضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال الأعمش: يلعبون، وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٠٨.\n(^٢) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ص ١٠٣؛ ولسان العرب (أنن) وتاج العروس (أنن)؛ ومعاهد التنصيص ١/ ٣١٦؛ وتفسير الطبري ٥/ ٣٠٨.","vol":"3","page":284},{"text":"مالك، وغيره: في كفرهم يترددون.\n\n<span data-type='title' id=toc-478>[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]</span>\n﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾\nيقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء، الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم، لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فنزلنا عليهم الملائكة تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] و﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ أي فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قرأ بعضهم، قبلا بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة والمعاينة، وقرأ آخرون بضمهما، قيل معناه من المقابلة والمعاينة أيضا، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال مجاهد قبلا أي أفواجا، قبيلا قبيلا، أي تعرض عليهم كل أمة بعد أمة، فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي أن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-479>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]</span>\n﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾\nيقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤] الآية، وقال تعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١] الآية، وقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ:\nإنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (^١).\nوقوله ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عَدُوًّا﴾ أي لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم، قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله\n_________\n(^١) صحيح البخاري (بدء الوحي باب ٣) وصحيح مسلم (إيمان حديث ٢٥٢) ومسند أحمد ٦/ ٢٢٣.","vol":"3","page":285},{"text":"﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر، كان يوما يصلي، فقال النبي ﷺ «تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن» فقال: أو إن من الإنس شياطين؟ فقال رسول الله ﷺ «نعم» (^١).\nوهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر. وقد روي من وجه آخر، عن أبي ذر ﵁، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب، وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس، قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال «يا أبا ذر هل صليت» قلت: لا يا رسول الله، قال «قم فاركع ركعتين» قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال «يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شياطين الإنس والجن» قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال «نعم هم شر من شياطين الجن» (^٢).\nوهذا أيضا فيه انقطاع، وروي متصلا.\nكما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأنا أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، فجلست فقال «يا أبا ذر هل صليت؟» قلت: لا، قال «قم فصلّ» قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن» قال: قلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال «نعم» وذكر تمام الحديث بطوله. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي به.\nطريق أخرى عن أبي ذر: قال ابن جرير (^٤): حدثنا المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال «يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن» قال: قلت:\nيا رسول الله هل للإنس من شياطين؟ قال «نعم».\nطريق أخرى للحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ «يا أبا ذر تعوذت من شياطين الإنس والجن» قال: قلت يا رسول وهل للإنس شياطين؟ قال «نعم» ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣١٤ - ٣١٥ في حديثين بإسنادين مختلفين.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣١٥.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ١٧٨.\n(^٤) تفسير الطبري ٥/ ٣١٤ - ٣١٥.","vol":"3","page":286},{"text":"فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: ليس من الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن، قال: وحدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن عكرمة، في قوله ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قال: للإنسي شيطان، وللجني شيطان، فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض، زخرف القول غرورا، وقال أسباط عن السدي عن عكرمة في قوله ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾: أما شياطين الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس، وشياطين الجن التي تضل الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضا.\nففهم ابن جرير من هذا، أن المراد بشياطين الإنس، عند عكرمة والسدي، الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم، ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا عن ابن عباس، من رواية الضحاك عنه، قال: إن للجن شياطين يضلونهم، مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا أضلله بكذا، فهو قوله ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ وعلى كل حال، فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر، إن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال «الكلب الأسود شيطان» (^٢) ومعناه والله أعلم -شيطان في الكلاب.\nوقال ابن جريج: قال مجاهد: في تفسير هذه الآية، كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورا.\nوروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني، حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس فحدثهم، قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي، فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: ﴿بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ﴾ وقال تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قال فهمّوا بي أن يأخذوني، فقلت لهم: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم فتركوني وإنما عرض عكرمة بالمختار، وهو ابن أبي عبيد قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣١٤.\n(^٢) صحيح مسلم (صلاة حديث ٢٦٥)","vol":"3","page":287},{"text":"وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر، وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره.\n﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ أي وذلك كله بقدر الله وقضائه، وإرادته ومشيئته، أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي فدعهم، ﴿وَما يَفْتَرُونَ﴾ أي يكذبون. أي دع أذاهم، وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم، وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ﴾ أي ولتميل إليه. قاله ابن عباس (^١) ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي قلوبهم وعقولهم وأسماعهم، وقال السدي: قلوب الكافرين ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ أي يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب ذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨ - ٩].\nوقوله ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وليكتسبوا ما هم مكتسبون، وقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-480>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]</span>\n﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ قل لهؤلاء المشركين بالله، الذين يعبدون غيره ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ أي مبينا ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ أي من اليهود والنصارى، ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، أي بما عندهم من البشارات بك، من الأنبياء المتقدمين ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ كقوله ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال «لا أشك ولا أسأل».\nوقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ قال قتادة: صدقا فيما قال وعدلا فيما حكم (^٣)، يقول صدقا في الأخبار، وعدلا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه\n_________\n(^١) أثر ابن عباس في تفسير الطبري ٥/ ٣١٧.\n(^٢) الآثار عن السدي وابن زيد وعلي بن طلحة في تفسير الطبري ٥/ ٣١٧ - ٣١٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٣١٩.","vol":"3","page":288},{"text":"ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] إلى آخر الآية ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أي ليس أحد يعقب حكمه تعالى، لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-481>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]</span>\n﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾\nيخبر تعالى: عن حال أكثر أهل الأرض، من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] وقال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ فإن الخرص هو الحزر، ومنه خرص النخل، وهو حزر ما عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته ﴿هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فييسره لذلك ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]</span>\n﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾\nهذا إباحة من الله، لعباده المؤمنين، أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه، قرأ بعضهم فصل بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح.\n﴿إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم، ثم بين تعالى جهالة المشركين، في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ أي هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-483>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٠]</span>\n﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾\nقال مجاهد ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ معصية الله في السر والعلانية، وفي رواية عنه، هو ما ينوي مما هو عامل، وقال قتادة ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ أي سره وعلانيته قليله وكثيره،","vol":"3","page":289},{"text":"وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان، وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم (^١).\nوالصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي سواء كان ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن الإثم، فقال «الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه».\n\n<span data-type='title' id=toc-484>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]</span>\n﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾\nاستدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلما، وقد اختلف الأئمة ﵏ في هذه المسألة، على ثلاثة أقوال:\nفمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا، وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، من متأخري الشافعية، في كتابه «الأربعين»، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ثم قد أكد في هذه الآية بقوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والضمير قيل عائد على الأكل، وقيل عائد على الذبح، لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك» (^٢) وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه» (^٣) وهو في الصحيحين أيضا، وحديث ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال للجن «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه» (^٤) رواه مسلم، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ «من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح، حتى صلينا فليذبح باسم\n_________\n(^١) ينظر تفسير الطبري ٥/ ٣٢٣ - ٣٢٤.\n(^٢) صحيح البخاري (وضوء باب ٣٣) وصحيح مسلم (صيد حديث ١)\n(^٣) صحيح البخاري (ذبائح باب ١٥) وصحيح مسلم (أضاحي حديث ٢٠)\n(^٤) صحيح مسلم (صلاة حديث ١٥)","vol":"3","page":290},{"text":"الله» (^١) أخرجاه، وعن عائشة ﵂: أن ناسا قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال «سموا عليه أنتم وكلوا» قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر (^٢) رواه البخاري.\nووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله أعلم.\nوالمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدا أو نسيانا لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعي ﵀، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.\nوحمل الشافعي الآية الكريمة ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nوقال ابن جريج عن عطاء ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي: ﴿لا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ في حال كونه فسقا، ولا يكون فسقا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة، لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية وهذا ينتقض عليه بقوله ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في الآية ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة.\nثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن لهيعة، عن عطاء وهو ابن السائب به، وقد استدل لهذا المذهب، بما رواه أبو داود في المراسيل: من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي مولى سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات، قال: قال رسول الله ﷺ «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (أضاحي باب ١٢ وذبائح باب ١٢ و١٧) وصحيح مسلم (أضاحي ١ - ٣)\n(^٢) صحيح البخاري (ذبائح باب ١)","vol":"3","page":291},{"text":"ذكر لم يذكر إلا اسم الله» وهذا مرسل، يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: «إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله» واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة ﵂ المتقدم، أن ناسا قالوا: يا رسول الله، إن قوما حديثي عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال «سموا أنتم وكلوا» قال: فلو كان وجود التسمية شرطا، لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.\nالمذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر، وإن تركها عمدا لم تحل، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه: وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني، في كتابه «الهداية» الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ لمخالفة الإجماع، وهذا الذي قاله غريب جدا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) ﵀: من حرم ذبيحة الناس فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخير الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك، يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله».\nوهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري، فإنه وإن كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه: عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله فزادا في إسناده أبا الشعثاء ووثقاه، وهذا أصح، نص عليه البيهقي وغيره من الحفاظ، ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرا، والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفا لقول الجمهور، فيعده إجماعا، فليعلم هذا، والله الموفق.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جهير بن يزيد، قال: سئل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٣٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٢٩.","vol":"3","page":292},{"text":"الحسن، سأله رجل: أتيت بطير كرى (^١)، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن كله كله، قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾.\nواحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذر، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وفيه نظر، والله أعلم.\nوقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي ﷺ «اسم الله على كل مسلم».\nولكن هذا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم. وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومأخذهم وأدلتهم ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم.\nقال ابن جرير (^٢): وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به، وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم، وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال الله ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك، فقال ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان، يعني ابن المنذر، عن مكحول، قال: أنزل الله في القرآن ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب.\nثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض، بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله ﷾ أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا\n_________\n(^١) كرى: جمع كروان، وهو طائر بين الدجاجة والحمامة حسن الصوت.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٣٠ - ٣٣١.","vol":"3","page":293},{"text":"أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لابن عمر، إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، قال: صدق، وتلا هذه الآية ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾.\nوحدثنا أبي: حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: كنت قاعدا عند ابن عباس، وحج المختار بن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة، فقال ابن عباس: صدق، فنفرت، وقلت يقول ابن عباس: صدق؟ فقال ابن عباس: هما وحيان: وحي الله ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد ﷺ ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ وقد تقدم عن عكرمة في قوله ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ نحو هذا.\nوقوله ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: خاصمت اليهود النبي ﷺ فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ هكذا رواه مرسلا.\nورواه أبو داود (^١) متصلا، فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا:\nنأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ الآية، وكذا رواه ابن جرير: عن محمد بن عبد الأعلى، وسفيان بن وكيع، كلاهما عن عمران بن عيينة به.\nورواه البزار عن محمد بن موسى الحرشي، عن عمران بن عيينة به، وهذا فيه نظر، من وجوه ثلاثة: [أحدها] أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا [الثاني] أن الآية من الأنعام وهي مكية [الثالث] أن هذا الحديث رواه الترمذي عن محمد بن موسى الحرشي، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ أتى ناس النبي ﷺ، فذكره، وقال حسن غريب، وروي عن سعيد بن جبير مرسلا، وقال الطبراني: حدثنا علي بن المبارك حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزيز، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ أرسلت فارس إلى قريش، أن خاصموا محمدا وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله ﷿ بشمشير من ذهب، يعني الميتة، فهو حرام؟ فنزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي وإن\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أضاحي باب ١٢)","vol":"3","page":294},{"text":"الشياطين من فارس، ليوحون إلى أوليائهم من قريش.\nوقال أبو داود (^١): حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ ورواه ابن ماجة وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن إسرائيل به، وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن جرير، من طرق متعددة، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ، لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ قال: يوحي الشياطين إلى أوليائهم تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون مما قتل الله؟ وفي بعض ألفاظه، عن ابن عباس، أن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه، وأن الذي قد مات، لم يذكر اسم الله عليه.\nوقال ابن جريج (^٣): قال عمرو بن دينار عن عكرمة إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت فارس إليهم: إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكلونه وما ذبحوه هم يأكلونه، فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله ﷺ، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ونزلت ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.\nوقال السدي: في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم تأكلونه؟ فقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ فأكلتم الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (^٤) وهكذا قاله مجاهد، والضحاك، وغير واحد من علماء السلف.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي حيث عدلتم، عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآية، وقد روى الترمذي: في تفسيرها عن عدي بن حاتم، أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال «بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أضاحي باب ١٢)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٢٨.\n(^٣) الأثر في تفسير الطبري ٥/ ٣٢٦.\n(^٤) تفسير الطبري ٥/ ٣٢٧.","vol":"3","page":295},{"text":"فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم»\n\n<span data-type='title' id=toc-485>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]</span>\n﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾\nهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا، أي في الضلالة هالكا حائرا، فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله، ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾ أي يهتدي كيف يسلك وكيف يتصرف به، والنور هو القرآن كما رواه العوفي، وابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقال السدي، الإسلام، والكل صحيح ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾ أي الجهالات، والأهواء والضلالات المتفرقة، ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه.\nوفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال «إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» (^١) كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٣]، والآيات في هذا كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين هاهنا بالنور والظلمات ما تقدم في أول السورة ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾، وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل عمر بن الخطاب، هو الذي كان ميتا فأحياه الله، وجعل له نورا يمشي به في الناس، وقيل عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله، والصحيح أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر.\nوقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي حسنا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة، قدرا من الله وحكمة بالغة لا إله إلا هو وحده لا شريك له.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ١٩٧ من حديث عبد الله بن عمرو باختلاف في اللفظ غير يسير عما هنا، ولعل ابن كثير ينقل الحديث بالمعنى؛ فلينظر.","vol":"3","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-486>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٤]</span>\n﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾\nيقول تعالى، وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر، والصد عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك، ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١] الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ [الإسراء: ١٦] الآية، قيل معناه: أمرناهم بالطاعة فخالفوا، فدمرناهم، قيل: أمرناهم أمرا قدريا، كما قال هاهنا ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ وقوله تعالى: ﴿أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ قال: سلطنا شرارهم فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب.\nوقال مجاهد وقتادة ﴿أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ عظماؤها (^١)، قلت: وهكذا قوله تعالى:\n﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٤ - ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] والمراد بالمكر هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نوح: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا﴾ [سبأ: ٣١ - ٢١] الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، قال: كل مكر في القرآن فهو عمل.\nوقوله تعالى: ﴿وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ أي إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، قالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ أي حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل، كقوله جل وعلا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٣٤.","vol":"3","page":297},{"text":"﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] الآية.\nوقوله ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أي هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢] الآية، يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل مبجل في أعينهم ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي من مكة والطائف، وذلك أنهم قبحهم الله كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه بغيا وحسدا، وعنادا واستكبارا كقوله تعالى مخبرا عنه: ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا﴾ …، ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وقال تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا﴾ … ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الأنعام: ١٠] هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه صلّى الله وملائكته والمؤمنون عليه، حتى إنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه «الأمين» وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان حين سأله هرقل ملك الروم: وكيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا-الحديث بطوله، الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته ﵇ على صدق نبوته وصحة ما جاء به.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسقع ﵁، أن رسول الله ﷺ قال «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» انفرد بإخراجه مسلم (^٢)، من حديث الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه، وفي صحيح البخاري (^٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، فصعد المنبر فقال «من أنا؟» قالوا أنت رسول الله، فقال «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين فجعلني في خير\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٠٧.\n(^٢) صحيح مسلم (فضائل حديث ١)\n(^٣) صحيح البخاري (مناقب باب ٢٣)\n(^٤) مسند أحمد ١/ ٢١٠.","vol":"3","page":298},{"text":"فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا» صدق صلوات الله وسلامه عليه. وفي الحديث أيضا، المروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «قال لي جبريل قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم» رواه الحاكم والبيهقي.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ. وقال أحمد (^٢): حدثنا شجاع بن الوليد، قال: ذكر قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان، قال: قال لي رسول الله ﷺ «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك» قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال «تبغض العرب فتبغضني» وذكر ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية: ذكر عن محمد بن منصور الجواز، حدثنا سفيان عن أبي حسين قال: أبصر رجل ابن عباس وهو داخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه فقال: من هذا؟ قالوا ابن عباس ابن عم رسول الله ﷺ فقال «الله أعلم حيث يجعل رسالته» (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ الآية، هذا وعيد شديد من الله، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاءوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله صغار وهو الذلة الدائمة، لما أنهم استكبروا فأعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي صاغرين ذليلين حقيرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ لما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا، وهو التلطف في التحيل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة، جزاء وفاقا، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر.\nوجاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ، أنه قال «ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٣٧٩.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٤٤٠.\n(^٣) الدر المنثور ٣/ ٨٢.","vol":"3","page":299},{"text":"القيامة، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان» (^١) والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل.\n\n<span data-type='title' id=toc-487>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]</span>\n﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ أي ييسره له وينشطه ويسهله، لذلك فهذه علامات على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] وقال ابن عباس ﵄: في قوله ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به، وكذا قال أبو مالك وغير واحد وهو ظاهر.\nوقال عبد الرزاق، أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال، سئل رسول الله ﷺ أي المؤمنين أكيس؟ قال «أكثرهم ذكرا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادا» قال: وسئل النبي ﷺ عن هذه الآية ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال «نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح» قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» (^٢) وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة عن سفيان يعني الثوري، عن عمرو بن مرة، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي ﷺ، عن قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ فذكر نحو ما تقدم (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ قال رسول الله ﷺ «إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح» قالوا: يا رسول الله هل لذلك من أمارة؟ قال «نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت» وقد رواه ابن جرير: عن سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة، عن أبي جعفر\n_________\n(^١) صحيح مسلم (جهاد حديث ٨، ١٠ - ١٧) وصحيح البخاري (جزية باب ٢٢ وأدب باب ٩٩ وحيل باب ٩ وفتن باب ٢١)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٣٦.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":300},{"text":"فذكره (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن المسوّر، قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ قالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ قال «نور يقذف به في القلب» قالوا: يا رسول الله فهل لذلك من أمارة تعرف؟ قال «نعم» قالوا: وما هي؟ قال «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت».\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال «الإنابة إلى دار الخلود والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» وقد رواه من وجه آخر عن ابن مسعود متصلا مرفوعا فقال: حدثني ابن سنان القزاز، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ قالوا: يا رسول الله وكيف يشرح صدره؟ قال «يدخل فيه النور فينفسح» قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول الله؟ قال «التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت» (^٣) فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضا، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء، والأكثرون ضيقا بتشديد الياء وكسرها، وهما لغتان كهين وهين، وقرأ بعضهم حرجا بفتح الحاء وكسر الراء قيل بمعنى آثم، قاله السدي، وقيل: بمعنى القراءة الأخرى حرجا بفتح الحاء والراء، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان، ولا ينفذ فيه.\nوقد سأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلا من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة، فقال: هي الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر ﵁: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. وقال العوفي: عن ابن عباس، يجعل الله عليه الإسلام ضيقا، والإسلام واسع، وذلك حين يقول ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٣٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٣٦.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":301},{"text":"يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق، وقال مجاهد والسدي:\nضيقا حرجا شاكا، وقال عطاء الخراساني: ضيقا حرجا أي ليس للخير فيه منفذ، وقال ابن المبارك عن ابن جريج: ضيقا حرجا بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه، ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ من شدة ذلك عليه. وقال سعيد بن جبير: يجعل صدره ضيقا حرجا، قال:\nلا يجد فيه مسلكا إلا صعدا. وقال السدي ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ من ضيق صدره.\nوقال عطاء الخراساني ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ يقول مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء، وقال الحكم بن أبان: عن عكرمة عن ابن عباس ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه، وقال الأوزاعي ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا أن يكون مسلما.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه، لأنه ليس في وسعه وطاقته، وقال: في قوله ﴿كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله، ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله، وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الرجس الشيطان، وقال مجاهد:\nالرجس: كل ما لا خير فيه، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس العذاب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-488>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٧]</span>\n﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾\nلما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادين عنها، نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ منصوب على الحال، أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط الله المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث عن علي في نعت القرآن: هو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، رواه أحمد والترمذي بطوله.\n﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ أي وضحناها وبيناها وفسرناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ﴾ وهي الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يوم القيامة، وإنما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام، لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم المقتفي أثر\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٣٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٤٠ - ٣٤١.","vol":"3","page":302},{"text":"الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي حافظهم وناصرهم ومؤيدهم ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي جزاء على أعمالهم الصالحة، تولاهم وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-489>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]</span>\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾\nيقول تعالى واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني الجن وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي ثم يقول: يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف، ومعنى قوله ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي من إغوائهم، وإضلالهم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ يعني أضللتم منهم كثيرا (^١)، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة، ﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ يعني أن أولياء الجن من الإنس قالوا:\nمجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف عن الحسن في هذه الآية، قال استكثرتم من أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، قال الحسن وما كان استمتاع بعضهم ببعض، إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس.\nوقال محمد بن كعب في قوله ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ قال الصحابة: في الدنيا.\nوقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٤٢.\n(^٢) في تفسير الطبري ٥/ ٣٤٣: «قد سدنا الجنّ والحن» بجيم منقوطة في الأول وحاء مهملة في الثاني. وعبارة «وأما استمتاع الجن بالإنس … إلخ» هي لابن جرير مفصوله عن أثر ابن جريج الذي ينتهي عند قوله «يوم القيامة».","vol":"3","page":303},{"text":"﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا﴾ قال السدي: يعني الموت، ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أي مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها مكثا مخلدا إلا ما شاء الله، قال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ، وقال بعضهم: هذا رد إلى مد الدنيا، وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها، عند قوله تعالى في سورة هود، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [الأنعام:١٠٧].\nوقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيره هذه الآية، من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي حاتم بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-490>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٩]</span>\n﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾\nقال سعيد عن قتادة في تفسيرها: إنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن وليّ المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر وليّ الكافر أينما كان وحيثما كان، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي واختاره ابن جرير (^٢)، وقال معمر عن قتادة في تفسير الآية: يولي الله بعض الظالمين بعضا في النار، يتبع بعضهم بعضا (^٣). وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور، إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعا، وذلك في كتاب الله قول الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في قوله ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ قال: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] قال: ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس (^٤)، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد، من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن ذر، عن ابن مسعود، مرفوعا «من أعان ظالما سلطه الله عليه» وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء: [الطويل] وما من يد إلا يد الله فوقها … ولا ظالم إلا سيبلى بظالم\nومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض ونهلك بعضهم ببعض وننتقم من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٤٤.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"3","page":304},{"text":"بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٠]</span>\n﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)﴾\nوهذا أيضا مما يقرع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم وهو أعلم هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ وهذا استفهام تقرير ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي من جملتكم، والرسل من الإنس فقط وليس من الجن رسل، كما قد نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف، وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم ومن الجن نذر. وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلا واحتج بهذه الآية الكريمة، وفيه نظر، لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي-والله أعلم-كقوله ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] إلى أن قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان من الملح لا من الحلو، وهذا واضح ولله الحمد، وقد ذكر هذا الجواب بعينه ابن جرير (^١)، والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس، قوله تعالى: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥].\nوقوله تعالى: عن إبراهيم ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته، وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارا عنهم ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: أن رسول الله ﷺ تلا عليهم سورة الرحمن وفيها قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nوقال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ﴾\n_________\n(^١) جواب ابن جرير وأثر الضحاك بن مزاحم في تفسير الطبري ٥/ ٣٤٥.","vol":"3","page":305},{"text":"﴿عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ أي أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة، وقال تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم للمعجزات، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ أي في الدنيا، بما جاءتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-492>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣١ إلى ١٣٢]</span>\n﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ أي إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدا إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] كقوله ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾ [الملك: ٨ - ٩] والآيات في هذا كثيرة.\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير: ويحتمل قوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ وجهين [أحدهما] ﴿ذلِكَ﴾ من أجل ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ﴾ أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون، ويقول: إن لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولا ينبههم على حجج الله عليهم، ينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا: ﴿ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] [والوجه الثاني] ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ﴾ يقول:\nلم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده، ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى، والله أعلم.\nقال: وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أي ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله إياها ويثيبه بها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، (قلت) ويحتمل أن يعود قوله ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أي من كافري الجن والإنس، أي ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن جرير: أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك، يحصيها ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه.","vol":"3","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-493>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٥]</span>\n﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (١٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿الْغَنِيُّ﴾ أي عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي وهو مع ذلك رحيم بهم، كما قال تعالى:\n﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي إذا خالفتم أمره ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾ أي قوما آخرين، أي يعملون بطاعته ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه، كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٧].\nوقال تعالى: ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الذرية الأصل والذرية النسل (^١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي أخبرهم يا محمد، أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة، ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما، هو قادر لا يعجزه شيء.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثني أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حمير عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين».\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد شديد ووعيد أكيد أي استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي كقوله ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢١ - ١٢٢] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ ناحيتكم (^٢).\n_________\n(^١) الدر المنثور ٣/ ٨٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٤٨.","vol":"3","page":307},{"text":"﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أي أتكون لي أو لكم وقد أنجز الله موعده لرسوله صلوات الله عليه أي فإنه تعالى مكنه في البلاد وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد وفتح له مكة وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه واستقر أمره على سائر جزيرة العرب وكذلك اليمن والبحرين وكل ذلك في حياته ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه ﵃ أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].\nوقال تعالى إخبارا عن رسله ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤] وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] الآية وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية وله الحمد والمنة أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-494>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]</span>\n﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾\nهذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعا وكفرا وشركا، وجعلوا لله شركاء وجزءا من خلقه وهو خالق كل شيء ﷾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ﴾ أي مما خلق وبرأ ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي من الزرع والثمار ﴿وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا﴾ أي جزءا وقسما ﴿فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ وقوله ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءا وللوثن جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان، حفظوه وأحصوه وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمر الذي جعلوه لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا هذا فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقى ما سمي","vol":"3","page":308},{"text":"للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله، فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا﴾ الآية (^١).\nوهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية: كل شيء يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (^٢).\nأي ساء ما يقسمون، فإنهم أخطئوا أولا في القسم، لأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وله الملك وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره ولا رب سواه، ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يحفظوها بل جاروا فيها، كقوله جل وعلا:\n﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥] وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وقوله ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-495>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]</span>\n﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾\nيقول تعالى: وكما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم، شركاؤهم زينوا لهم قتل أولادهم (^٣)، وقال مجاهد: شركاؤهم شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة، وقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا عليهم دينهم، أي فيخلطوا عليهم دينهم ونحو ذلك (^٤).\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] الآية، وكقوله ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩] وقد كانوا أيضا يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف المال وقد نهاهم عن قتل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٥١.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٣٥٢.\n(^٤) الأثران عن مجاهد والسدي في تفسير الطبري ٥/ ٣٥٢ - ٣٥٣.","vol":"3","page":309},{"text":"أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من تزيين الشياطين وشرعهم ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أي كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كونا وله الحكمة التامة في ذلك فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ أي فدعهم واجتنبهم وما هم فيه فسيحكم الله بينك وبينهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-496>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٨]</span>\n﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الحجر الحرام مما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا، وكذلك قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما وقال قتادة ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم وتغليظ وتشديد ولم يكن من الله تعالى، وقال ابن زيد بن أسلم ﴿حِجْرٌ﴾ إنما احتجروها لآلهتهم، وقال السدي ﴿لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ يقولون حرام أن يطعم إلا من شئنا (^١).\nوهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يوسف: ٥٩] وكقوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] وقال السدي أما الأنعام التي حرمت ظهورها فهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها لا إذا ولدوها ولا إن نحروها.\nوقال أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود: قال لي أبو وائل أتدري ما في قوله ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ قلت لا، قال هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها (^٢)، وقال مجاهد كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا إن حلبوا ولا إن حملوا ولا إن نتجوا ولا إن عملوا شيئا (^٣).\n﴿اِفْتِراءً عَلَيْهِ﴾ أي على الله وكذبا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي عليه ويسندون إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-497>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٩]</span>\n﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾\n_________\n(^١) الآثار المذكورة وردت في تفسير الطبري ٥/ ٣٥٤ - ٣٥٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٥٦.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":310},{"text":"قال أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ الآية قال اللبن (^١). وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ فهو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه وكان للرجال دون النساء وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء فنهى الله عن ذلك (^٢) وكذا قال السدي.\nوقال الشعبي البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال مجاهد في قوله ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ قال هي السائبة والبحيرة (^٣).\nوقال أبو العالية ومجاهد وقتادة في قول الله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي قولهم الكذب في ذلك يعني كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧] الآية، ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ أي في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمال عباده من خير وشر وسيجزيهم عليها أتم الجزاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-498>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]</span>\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾\nيقول تعالى قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على الله وافترائهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠].\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٥٧.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":311},{"text":"وهكذا رواه البخاري منفردا في كتاب مناقب قريش من صحيحه، عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن أبي عوانة واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر واسمه جعفر بن أبي وحشية، بن إياس به.\n\n<span data-type='title' id=toc-499>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤١ إلى ١٤٢]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾\nيقول تعالى مبينا أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزءوها فجعلوا منها حراما وحلالا، فقال ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: معروشات مسموكات، وفي رواية فالمعروشات ما عرش الناس، وغير معروشات ما خرج في البر والجبال من الثمرات (^١).\nوقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: معروشات ما عرش من الكرم وغير معروشات ما لم يعرش من الكرم، وكذا قال السدي (^٢).\nوقال ابن جريج متشابها وغير متشابه، قال: متشابها في المنظر وغير متشابه في المطعم (^٣).\nوقال محمد بن كعب ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ قال: من رطبه وعنبه (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قال ابن جرير: قال بعضهم هي الزكاة المفروضة، حدثنا عمرو، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قال: الزكاة المفروضة (^٥).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله، وكذا قال سعيد بن المسيب (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٦١.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٣٦٢.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) تفسير الطبري ٥/ ٣٦٣.","vol":"3","page":312},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وذلك أن الرجل كان إذا زرع، فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئا فقال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وذلك أن يعلم ما كيله وحقه فيخرج من كل عشرة واحدا، وما يلقط الناس من سنبله (^١).\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ أمر من كل جادّ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين (^٢).\nوهذا إسناد جيد قوي، وقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج:\nهي الزكاة، وقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب والثمار، وكذا قال ابن زيد بن أسلم، وقال آخرون: وهو حق آخر سوى الزكاة، وقال أشعث: عن محمد بن سيرين ونافع عن ابن عمر في قوله ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قال: كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة رواه ابن مردويه وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح في قوله ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قال: يعطي من حضره يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة، وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه، وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قال: عند الزرع يعطي القبضة وعند الصرام يعطي القبضة، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام، وقال الثوري: عن حماد عن إبراهيم النخعي قال:\nيعطي مثل الضغث، وقال ابن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة والضغث لعلف دابته، وفي حديث ابن لهيعة: عن دراج عن أبي الهيثم عن سعيد مرفوعا، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قال ما سقط من السنبل رواه ابن مردويه.\nوقال آخرون: هذا شيء كان واجبا ثم نسخه الله بالعشر أو نصف العشر، حكاه ابن جرير عن ابن عباس ومحمد ابن الحنفية وإبراهيم النخعي والحسن والسدي وعطية العوفي وغيرهم، واختاره ابن جرير (^٣) ﵀، قلت: وفي تسمية هذا نسخا نظر، لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم.\nوقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة «ن» ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠، وسنن أبي داود (زكاة باب ٣٢)\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٣٦٨. وقد بسط ابن جرير رأيه في أسباب هذا الاختيار، فلينظر.","vol":"3","page":313},{"text":"أي كالليل المدلهم سوداء محترقة ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أي قوة وجلد وهمة ﴿قادِرِينَ فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [ن: ١٧ - ٣٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ قيل معناه لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا فوق المعروف، وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ وقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، جد نخلا له فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى:\n﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ رواه ابن جرير (^١) عنه، وقال ابن جريج عن عطاء: نهوا عن السرف في كل شيء، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف، وقال السدي في قوله ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ قال: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء، وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم، ثم اختار ابن جرير (^٢) قول عطاء، أنه نهي عن الإسراف في كل شيء ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر والله أعلم من سياق الآية، حيث قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا﴾ أن يكون عائدا على الأكل، أي لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] الآية.\nوفي صحيح البخاري تعليقا «كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا من غير إسراف ولا مخيلة» (^٣) وهذا من هذا، والله أعلم.\nوقوله ﷿ ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أي وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها، كما قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: حمولة ما حمل عليه من الإبل وفرشا الصغار من الإبل، رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوقال ابن عباس: الحمولة هي الكبار والفرش الصغار من الإبل، وكذا قال مجاهد، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أما الحمولة فالإبل والخيل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٧٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٧١.\n(^٣) صحيح البخاري (لباس باب ١)","vol":"3","page":314},{"text":"والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم، واختاره ابن جرير قال: وأحسبه إنما سمي فرشا لدنوه من الأرض، وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيره:\nالحمولة الإبل والبقر والفرش الغنم، وقال السدي: أما الحمولة فالإبل وأما الفرش فالفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة ما تركبون والفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا (^١).\nوهذا الذي قاله عبد الرحمن: في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ إلى أن قال ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ [النحل: ٦٦ - ٨٠].\nوقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨١] وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ أي من الثمار والزروع والأنعام فكلها خلقها الله وجعلها رزقا لكم ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أي طريقه وأوامره كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله، أي من الثمار والزروع افتراء على الله، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾ أي أن الشيطان أيها الناس لكم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي بين ظاهر العداوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وقال تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ [الأعراف: ٢٧] الآية، وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] والآيات في هذا كثيرة في القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-500>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٣ إلى ١٤٤]</span>\n﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٤٤)﴾\nهذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام، فيما كانوا حرموا من الأنعام وجعلوها أجزاء وأنواعا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاما، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع\n_________\n(^١) اختيار ابن جرير والآثار في تأويل «حمولة وفرشا» في تفسير الطبري ٥/ ٣٧٢ - ٣٧٤.","vol":"3","page":315},{"text":"والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا، ثم بين أصناف الأنعام إلى غنم وهو بياض وهو الضأن، وسواد وهو المعز ذكره وأنثاه، وإلى إبل ذكورها وإناثها وبقر كذلك وأنه تعالى لم يحرم شيئا من ذلك ولا شيئا من أولادها، بل كلها مخلوقة لبني آدم أكلا وركوبا وحمولة وحلبا وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] الآية. وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ رد عليهم في قولهم ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي أخبروني عن يقين، كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك.\nوقال العوفي عن ابن عباس: قوله ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ فهذه أربعة أزواج ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يقول لم أحرم شيئا من ذلك ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضا وتحلون بعضا؟ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يقول تعالى كله حلال.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا﴾ تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي لا أحد أظلم منهم ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة، لأنه أول من غير دين الأنبياء وأول من سيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-501>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]</span>\n﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾\nيقول تعالى آمرا عبده ورسوله محمدا ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، ﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي آكل يأكله قيل معناه لا أجد شيئا مما حرمتم حراما سوى هذه، وقيل معناه لا أجد من الحيوانات شيئا حراما سوى هذه، فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة المائدة وفي الأحاديث الواردة رافعا لمفهوم هذه الآية، ومن الناس من يسمي هذا نسخا والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخا لأنه من باب رفع مباح الأصل والله أعلم.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ يعني المهراق. وقال عكرمة في قوله ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود، وقال حماد عن عمران بن حدير قال: سألت أبا مجلز عن الدم، وما يتلطخ من الذبيح من الرأس وعن القدر","vol":"3","page":316},{"text":"يرى فيها الحمرة؟ فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح، وقال قتادة: حرم من الدماء ما كان مسفوحا، فأما اللحم خالطه الدم فلا بأس به، وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد عن يحيى بن سعيد، عن القاسم عن عائشة ﵂، أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسا، والحمرة والدم يكونان على القدر بأسا، وقرأت هذه الآية (^١)، صحيح غريب.\nوقال الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن عبد الله: إنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله ﷺ، ولكن أبى ذلك البحر، يعني ابن عباس وقرأ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، وكذا رواه البخاري (^٢) عن علي بن المديني عن سفيان به، وأخرجه أبو داود (^٣) من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار، ورواه الحاكم في مستدركه مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت.\nوقال أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، وقرأ هذه الآية ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية.\nوهذا لفظ ابن مردويه، ورواه أبو داود منفردا به، عن محمد بن داود بن صبيح عن أبي نعيم به، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة، قال «فلم لا أخذتم مسكها؟» قالت نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال رسول الله ﷺ «إنما قال الله ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ وإنكم لا تطعمونه أن تدبغوه فتنتفعوا به» فأرسلت فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها، رواه أحمد ورواه البخاري والنسائي، من حديث الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس عن سودة بنت زمعة بذلك أو نحوه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٧٩.\n(^٢) صحيح البخاري (ذبائح باب ٢٨)\n(^٣) سنن أبي داود (أطعمة باب ٣٣)\n(^٤) مسند أحمد ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨.","vol":"3","page":317},{"text":"وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن أكل القنفذ فقرأ عليه ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي ﷺ فقال «خبيثة من الخبائث» فقال ابن عمر: إن كان النبي ﷺ قاله فهو كما قال، ورواه أبو داود (^١) عن أبي ثور عن سعيد بن منصور به.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ أي فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله في هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي غفور له رحيم به.\nوقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية، والغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم، بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حرم ما ذكر في هذه الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك فلم يحرم وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير على المشهور من مذاهب العلماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-502>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٦]</span>\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ (١٤٦)﴾\nقال ابن جرير (^٢)، يقول تعالى وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنعام والإوز والبط.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو البعير والنعامة، وكذا قال مجاهد والسدي في رواية، وقال سعيد بن جبير: هو الذي ليس منفرج الأصابع، وفي رواية عنه كل شيء متفرق الأصابع ومنه الديك، وقال قتادة في قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وكان يقال للبعير والنعامة وأشياء من الطير والحيتان وفي رواية البعير والنعامة، وحرم عليهم من الطير البط وشبهه وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع، وقال ابن جريج عن مجاهد: كل ذي ظفر، قال: النعامة والبعير شقاشقا، قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثته ما شقاشقا؟ قال: كل ما لا ينفرج من قوائم البهائم، قال وما انفرج أكلته؟ قال\n_________\n(^١) سنن أبي داود (أطعمة باب ٢٩)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٨١.","vol":"3","page":318},{"text":"انفرجت قوائم البهائم والعصافير قال: فيهود تأكله، قال: ولم تنفرج قائمة البعير-خفه-ولا خف النعامة ولا قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعامة ولا الوز ولا كل شيء لم تنفرج قائمته ولا تأكل حمار الوحش (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ قال السدي: يعني الثرب (^٢) وشحم الكليتين وكانت اليهود تقول إنه حرمه إسرائيل فنحن نحرمه، وكذا قال ابن زيد، وقال قتادة: الثرب وكل شحم كان كذلك ليس في عظم (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يعني ما علق بالظهر من الشحوم، وقال السدي وأبو صالح: الألية مما حملت ظهورهما (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوايا﴾ قال الإمام أبو جعفر بن جرير الحوايا جمع واحدها حاوياء وحاوية وحوية وهو ما تحوّى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن وهي المباعر وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء، قال: ومعنى الكلام ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو ما حملت الحوايا (^٥).\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أو الحوايا وهي المبعر، وقال مجاهد: الحوايا المبعر والمربض، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وقتادة وأبو مالك والسدي، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: الحوايا المرابض التي تكون فيها الأمعاء تكون وسطها وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ يعني إلا ما اختلط من الشحوم بعظم فقد أحللناه لهم، وقال ابن جريج: شحم الألية ما اختلط بالعصعص فهو حلال وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين وما اختلط بعظم فهو حلال ونحوه، قاله السدي.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم به مجازاة على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ وقوله ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ أي وإنا لعادلون فيما جازيناهم به، وقال ابن جرير، وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٨٢.\n(^٢) الثرب: شحم رقيق يغشي الكرش والأمعاء.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٣٨٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٥/ ٣٨٤.\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) الآثار أعلاه في تفسير الطبري ٥/ ٣٨٤ - ٣٨٥.","vol":"3","page":319},{"text":"عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب ﵁، أن سمرة باع خمرا فقال:\nقاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها (^١) فباعوها» أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس عن عمر به.\nوقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام الفتح «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس فقال «لا هو حرام» ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه» ورواه الجماعة من طرق عن يزيد بن أبي حبيب به.\nوقال الزهري: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنه» ورواه البخاري ومسلم جميعا، عن عبدان عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري به.\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا وهب، حدثنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان قاعدا خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء فقال «لعن الله اليهود-ثلاثا- إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا علي بن عاصم، أنبأنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد، أنبأنا ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ قاعدا في المسجد مستقبلا الحجر فنظر إلى السماء فضحك فقال «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» ورواه أبو داود (^٣) من حديث خالد الحذاء.\nوقال الأعمش: عن جامع بن شداد عن كلثوم عن أسامة بن زيد، قال: دخلنا على رسول الله ﷺ وهو مريض نعوده، فوجدناه نائما قد غطى وجهه ببرد عدني فكشف عن وجهه\n_________\n(^١) جملوها: أذابوها. والحديث رواه مسلم (مساقاة حديث ٧٢). والبخاري (أنبياء باب ٥٠ وبيوع باب ١٠٣)\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٢٤٧.\n(^٣) سنن أبي داود (بيوع باب ٦٤)","vol":"3","page":320},{"text":"وقال: «لعن الله اليهود يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها» وفي رواية «حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» وفي لفظ لأبي داود عن ابن عباس مرفوعا «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم عليهم ثمنه».\n\n<span data-type='title' id=toc-503>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٧]</span>\n﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾\nيقول تعالى: فإن كذبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله، ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين، وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السورة ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الرعد: ٦] وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] وقال تعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ [غافر: ٣] وقال ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٤] والآيات في هذا كثيرة جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-504>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٨ إلى ١٥٠]</span>\n﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾\nهذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان ويحول بيننا وبين الكفر فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك، ولهذا قالوا ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ كما في قوله تعالى، ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] الآية، وكذلك الآية التي في النحل مثل هذه سواء.\nقال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء وهي حجة داحضة باطلة، لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام وأذاق المشركين من أليم الانتقام، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أي فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ أي","vol":"3","page":321},{"text":"الوهم والخيال، والمراد بالظن هاهنا الاعتقاد الفاسد ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ تكذبون على الله فيما ادعيتموه.\nقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ وقال ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ثم قال ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] فإنهم قالوا: عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، فقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا﴾ يقول تعالى لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين (^١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾ أي له الحكمة التامة والحجة البالغة في هداية من هدى وإضلال من ضل، ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٩٩] وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] قال الضحاك:\nلا حجة لأحد عصى الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أي أحضروا شهداءكم ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا﴾ أي هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي يشركون به ويجعلون له عديلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥١]</span>\n﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾\nقال داود الأودي عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود ﵁ قال: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ -إلى قوله- ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة، قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٨٧.","vol":"3","page":322},{"text":"ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: ورواه زهير وقيس بن الربيع، كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس به، والله أعلم.\nوروى الحاكم أيضا في مسنده، من حديث يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي إدريس عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ «أيكم يبايعني على ثلاث» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآيات «فمن وفي فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه» (^١) ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإنما اتفقا على حديث الزهري عن أبي إدريس عن عبادة، «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا» الحديث.\nوقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم.\nوأما تفسيرها فيقول تعالى: لنبيه ورسوله محمد ﷺ قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿تَعالَوْا﴾ أي هلموا وأقبلوا ﴿أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقا لا تخرصا ولا ظنا بل وحيا منه وأمرا من عنده ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وكأن في الكلام محذوفا دل عليه السياق، وتقديره وأوصاكم ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ولهذا قال في آخر الآية ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وكما قال الشاعر: [الرجز] حجّ وأوصى بسليمى الأعبدا … أن لا ترى ولا تكلم أحدا\nولا يزل شرابها مبرّدا (^٢)\nوتقول العرب: أمرتك أن لا تقوم. وفي الصحيحين من حديث أبي ذر ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ «أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا من أمتك دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر» وفي بعض الروايات: أن قائل ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ وأنه ﵊ قال في الثالثة «وإن رغم أنف أبي ذر» فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث «وإن رغم أنف أبي ذر» (^٣).\n_________\n(^١) الدر المنثور ٣/ ١٠٣.\n(^٢) الرجز بلا نسبة أيضا في تفسير الطبري ٥/ ٣٩١. قال الطبري: فجعل قوله: «أن لا ترى» خبرا، ثم عطف بالنهي فقال: «ولا تكلم» «ولا يزل».\n(^٣) صحيح البخاري (لباس باب ٢٤) وصحيح مسلم (إيمان حديث ١٥٣، ١٥٤) ومسند أحمد ٥/ ١٦٦.","vol":"3","page":323},{"text":"وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ يقول تعالى: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك» (^١).\nولهذا شاهد في القرآن قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا، وروى ابن مردويه: من حديث عبادة وأبي الدرداء «لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثني سيار بن عبد الرحمن عن يزيد بن قوذر عن سلمة بن شريح عن عبادة بن الصامت، قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال «ألا تشركوا بالله شيئا وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم».\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ أي وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا أي أن تحسنوا إليهم كما قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقرأ بعضهم: ووصى ربك: ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، أي أحسنوا إليهم، والله تعالى كثيرا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين كما قال ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤ - ١٥] فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] الآية، والآيات في هذا كثيرة.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال «الصلاة على وقتها» قلت ثم أي؟ قال «بر الوالدين» قلت ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل الله»، قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني (^٢).\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت كل منهما يقول أوصاني خليلي رسول الله ﷺ «أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل» ولكن في إسناديهما ضعف، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ لما أوصى تعالى\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ١٥٤.\n(^٢) صحيح البخاري (مواقيت باب ٥) وصحيح مسلم (إيمان حديث ٣٩) وسنن أبي داود (طهارة باب ٦١)","vol":"3","page":324},{"text":"بالوالدين والأجداد عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أنه سأل رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قلت: ثم أي؟ قال «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية (^١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلاقٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره: هو الفقر (^٢)، أي ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإسراء ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أي لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ﴾ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله، وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلا قال ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ لأنه الأهم هاهنا، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى:\n﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠].\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (^٣) وقال عبد الملك بن عمير عن ورّاد عن مولاه المغيرة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (^٤) أخرجاه، وقال كامل أبو العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله إنا نغار قال «والله إني لأغار والله أغير مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش» رواه ابن مردويه ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (تفسير سورة ٢ باب ٣ وأدب باب ٢٠) وصحيح مسلم (إيمان حديث ١٤١، ١٤٢)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٩١.\n(^٣) صحيح البخاري (توحيد باب ١٥ و٢٠ ونكاح باب ١٠٧ وتفسير سورة الأنعام باب ٧ وتفسير سورة الأعراف باب ١) وصحيح مسلم (توبة حديث ٣٢ - ٣٦)\n(^٤) صحيح البخاري (نكاح باب ١٠٧ وحدود باب ٤٠ وتوحيد باب ٢٠) وصحيح مسلم (لعان حديث ١٦ و١٧)","vol":"3","page":325},{"text":"الستة (^١)، وهو على شرط الترمذي فقد روي بهذا السند «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين».\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ وهذا مما نص ﵎ على النهي عنه تأكيدا وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن فقد جاء في الصحيحين: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^٢)، وفي لفظ لمسلم «والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم» وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود عن عائشة بمثله.\nوروى أبو داود والنسائي: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ، قال «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض» وهذا لفظ النسائي.\nوعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس» فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام. ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلونني؟» رواه الإمام أحمد (^٣) والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري: عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ مرفوعا «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» (^٤) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا» رواه ابن ماجة والترمذي (^٥)، وقال: حسن صحيح، وقوله ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أمره ونهيه.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٣٢٦.\n(^٢) صحيح البخاري (ديات باب ٦) وصحيح مسلم (قسامة حديث ٢٥، ٢٦)\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٦٣.\n(^٤) صحيح البخاري (جزية باب ٥ وديات باب ٣٠)\n(^٥) سنن ابن ماجة (ديات باب ٣٢) وسنن الترمذي (ديات باب ١١)","vol":"3","page":326},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٢]</span>\n﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾\nقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما أنزل الله ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا﴾ الآية، فانطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله، ويفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم رواه أبو داود (^١).\nوقوله تعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال الشعبي ومالك وغير واحد من السلف: يعني حتى يحتلم، وقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة، وقيل أربعون سنة، وقيل ستون سنة، قال: وهذا كله بعيد ها هنا والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعد على تركه في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦] وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان.\nوفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي: من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرحبي، عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان «إنكم وليتم أمرا (^٢) هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم» ثم قال: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسين وهو ضعيف في الحديث. وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفا (^٣).\nقلت وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بهما هلكت القرون المتقدمة: المكيال والميزان».\nوقوله تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ\n_________\n(^١) سنن أبي داود (وصايا باب ٧)\n(^٢) عبارة الترمذي «إنكم قد وليتم أمرين …».\n(^٣) سنن الترمذي (بيوع باب ٩)","vol":"3","page":327},{"text":"بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه، وقد روى ابن مردويه من حديث بقية عن ميسرة بن عبيد عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ في الآية ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ فقال «من أوفى على يده في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ وذلك تأويل وسعها» هذا مرسل غريب.\nوقوله ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ كقوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] الآية، وكذا التي تشبهها في سورة النساء، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال.\nوقوله ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ قال ابن جرير (^١): يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله.\n﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى: هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه قبل هذا، وقرأ بعضهم بتشديد الذال وآخرون بتخفيفها.\n\n<span data-type='title' id=toc-507>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٣]</span>\n﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفي قوله ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله (^٢) ونحو هذا، قاله مجاهد وغير واحد.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل (^٣): حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر هو ابن عياش، عن عاصم هو ابن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁: قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده، ثم قال «هذا سبيل الله مستقيما» وخط عن يمينه وشماله ثم قال «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٩٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٩٧.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٤٦٥.","vol":"3","page":328},{"text":"وكذا رواه الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن أبي بكر بن عياش به، وقال:\nصحيح ولم يخرجاه، وهكذا رواه أبو جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم عن أبي وائل شقيق سلمة عن ابن مسعود مرفوعا به نحوه، وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد والنسائي، عن يحيى بن حبيب بن عربي وابن حبان من حديث ابن وهب، أربعتهم عن حماد بن زيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود به، وكذا رواه ابن جرير عن المثنى عن الحماني عن حماد بن زيد به، ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق عن إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد به كذلك، وقال: صحيح ولم يخرجاه. وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود به مرفوعا، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث يحيى الحماني عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر به، فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عن عاصم بن أبي النجود عن زر وعن أبي وائل شقيق بن سلمة، كلاهما عن ابن مسعود به والله أعلم.\nوقال الحاكم: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي، عن جابر من وجه غير معتمد، يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد وعبد بن حميد واللفظ لأحمد: حدثنا عبد الله بن محمد وهو أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا أبو خالد الأحمر عن مجاهد عن الشعبي عن جابر، قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فخط خطاّ هكذا أمامه فقال «هذا سبيل الله» وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال «هذه سبل الشيطان» ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١) ورواه أحمد وابن ماجة: في كتاب السنة من سننه، والبزار عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد عن أبي خالد الأحمر به، قلت: ورواه الحافظ ابن مردويه من طريقين عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد عن مجالد عن الشعبي عن جابر، قال: خط رسول الله ﷺ خطا، وخط عن يمينه خطا وخط عن يساره خطا، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ولكن العمدة على حديث ابن مسعود مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرا، وقد روي موقوفا عليه.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان عن عثمان، أن رجلا قال لابن مسعود ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٣٩٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٩٧.","vol":"3","page":329},{"text":"تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية.\nوقال ابن مردويه: حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا أبان بن عياش عن مسلم بن عمران عن عبد الله بن عمر، سأل عبد الله عن الصراط المستقيم فقال ابن مسعود: تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة، وذكر تمام الحديث كما تقدم والله أعلم.\nوقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه، قال الإمام أحمد: حدثني الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا ليث يعني ابن سعد عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله ﷺ قال «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعن جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يدعو: يا أيها الناس هلموا ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» (^١) ورواه الترمذي والنسائي عن علي بن حجر، زاد النسائي وعمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد عن يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به، وقال الترمذي: حسن غريب (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ إنما وحد سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟» ثم تلا ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من ثلاث آيات ثم قال «ومن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه».\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(^٢) سنن الترمذي (أدب باب ٧٦)","vol":"3","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-508>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٤ إلى ١٥٥]</span>\n﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾\nقال ابن جرير: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ تقديره ثم قل يا محمد مخبرا عنا بأنا آتينا موسى الكتاب، بدلالة قوله ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ قلت: وفي هذا نظر، وثم هاهنا إنما هي لعطف الخبر بعد الخبر لا للترتيب هاهنا كما قال الشاعر: [الخفيف] قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم قد ساد قبل ذلك جده (^١)\nوهاهنا لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عطف بمدح التوراة ورسولها، فقال: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾، وكثيرا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢] وقوله أول هذه السورة ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] الآية، وبعدها ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ الآية.\nوقال تعالى مخبرا عن المشركين ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] وقال تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا ﴿يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [القصص: ٤٨] الآية، وقوله تعالى:\n﴿تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا﴾ أي آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تماما كاملا جامعا، لما يحتاج إليه في شريعته كقوله ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي جزاء على إحسانه في العمل وقيامه بأوامرنا وطاعتنا كقوله ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وكقوله ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وكقوله ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يقول أحسن فيما أعطاه الله. وقال قتادة من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة، واختار ابن جرير أن تقديره ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا﴾ على إحسانه فكأنه جعل الذي مصدرية كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أي كخوضهم وقال ابن رواحة:\n_________\n(^١) الرواية المشهورة: «إنّ من ساد … إلخ». والبيت لأبي نواس في ديوانه ١/ ٣٥٥، وخزانة الأدب ١١/ ٣٧، والدرر ٦/ ٩٣، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ٣٦٤، ورصف المباني ص ١٧٤، ومغني اللبيب ١/ ١١٧.","vol":"3","page":331},{"text":"[البسيط] وثبت الله ما آتاك من حسن … في المرسلين ونصرا كالذي نصروا\nوقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين، قال ابن جرير: وذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها تماما على الذين أحسنوا (^١)، وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد تماما على الذي أحسن، قال على المؤمنين والمحسنين، وكذا قال أبو عبيدة وقال البغوي المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني أظهرنا فضله عليهم قلت: كقوله تعالى ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ولا يلزم اصطفاؤه على محمد ﷺ خاتم الأنبياء والخليل ﵉ لأدلة أخرى.\nقال ابن جرير وروى أبو عمرو بن العلاء عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها تماما على الذي أحسن رفعا بتأويل على الذي هو أحسن ثم قال وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية وجه صحيح (^٢)، وقيل: معناه تماما على إحسان الله إليه زيادة على ما أحسن إليه حكاه ابن جرير والبغوي ولا منافاة بينه وبين القول الأول، وبه جمع ابن جرير كما بيناه، ولله الحمد.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيه الدعوة إلى اتباع القرآن يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٧]</span>\n﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾\nقال ابن جرير: معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا ﴿إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ (^٣) يعني لينقطع عذركم كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ [القصص: ٤٧] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هم اليهود\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٣٩٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٤٠٠. قال: «لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قراءة الأمصار».\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٤٠٢.","vol":"3","page":332},{"text":"والنصارى (^١) وكذا قال مجاهد والسدي وقتادة وغير واحد.\nوقوله ﴿وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ أي وما كنا نفهم ما يقولون لأنهم ليسوا بلساننا ونحن في غفلة وشغل مع ذلك عما هم فيه.\nوقوله ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ﴾ أي وقطعنا تعللكم أن تقولوا لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم لكنا أهدى منهم فيما أوتوه كقوله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] الآية، وهكذا قال هاهنا ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد ﷺ النبي العربي قرآن عظيم فيه بيان للحلال والحرام وهدى لما في القلوب ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها﴾ أي لم ينتفع بما جاء به الرسول ولا اتبع ما أرسل به ولا ترك غيره بل صدف عن اتباع آيات الله أي صدف الناس وصدهم عن ذلك قاله السدي، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة وصدف عنها أعرض عنها وقول السدي هاهنا فيه قوة لأنه قال ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها﴾ كما تقدم في أول السورة ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦] وقال تعالى:\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] وقال في هذه الآية الكريمة ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ وقد يكون المراد فيما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها﴾ أي لا آمن بها ولا عمل بها كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢] وغير ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه وترك العمل بجوارحه ولكن كلام السدي أقوى وأظهر، والله أعلم، لأن الله قال ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها﴾ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-510>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]</span>\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾\nيقول تعالى متوعدا للكافرين به والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته والصادين عن سبيله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ وذلك كائن يوم القيامة ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها﴾ وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"3","page":333},{"text":"الساعة وأشراطها كما قال البخاري في تفسير هذه الآية حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا عمارة حدثنا أبو زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها» فذلك حين ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾.\nحدثنا إسحاق حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها» وفي لفظ «فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» ثم قرأ هذه الآية (^١). هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة في كتبهم إلا الترمذي من طرق عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة عن أبي زرعة بن جرير عن أبي هريرة به.\nوأمّا الطريق الثاني فرواه عن إسحاق غير منسوب وقيل هو ابن منصور الكوسج وقيل إسحاق بن نصر والله أعلم، وقد رواه مسلم (^٢) عن محمد بن رافع الجنديسابوري كلاهما عن عبد الرزاق به، وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة كما انفرد مسلم بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة به.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا ابن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض» (^٣) ورواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم سلمان عن أبي هريرة به وعنده والدخان (^٤)، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب عن وكيع ورواه هو أيضا والترمذي من غير وجه عن فضيل بن غزوان به، ورواه إسحاق بن عبد الله الفروي عن مالك بن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه لضعف الفروي-والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٥) حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا شعيب بن الليث عن أبيه عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت آمن الناس كلهم وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم\n_________\n(^١) رواه البخاري من الوجهين في صحيحه (تفسير سورة الأنعام باب ١٠)\n(^٢) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٤٨)\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٤١١.\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦.\n(^٥) تفسير الطبري ٥/ ٤٠٨.","vol":"3","page":334},{"text":"تكن آمنت من قبل» الآية، ورواه ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة به ورواه وكيع عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة به، أخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره.\nوقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قبل منه» (^١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\nحديث آخر عن أبي ذر الغفاري في الصحيحين وغيرهما من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبيه عن أبي ذر جندب بن جنادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟» قلت: لا أدري قال: «إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها ارجعي من حيث جئت وذلك حين ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٢).\nحديث آخر عن حذيفة بن أسيد بن أبي شريحة الغفاري ﵁، قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن فرات عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج الدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا» (^٣) وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث فرات القزاز عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد به وقال الترمذي: حسن صحيح.\nحديث آخر عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال الثوري عن منصور عن ربعي عن حذيفة قال سألت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال النبي ﷺ «تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين فينتبه الذين كانوا يصلون فيها فيعملون كما كانوا يعملون قبلها والنجوم لا ترى قد غابت مكانها ثم يرقدون ثم يقومون فيصلون ثم يرقدون ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس ولا يصبحون فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم» رواه ابن مردويه، وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه-والله أعلم-.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٠٨.\n(^٢) صحيح مسلم (إيمان حديث ٢٥٠) وصحيح البخاري (تفسير سورة يس باب ١) ومسند أحمد ٥/ ١٦٥.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٧.","vol":"3","page":335},{"text":"حديث آخر عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك بن سنان ﵁ وأرضاه.\nقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا ابن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها﴾ قال: «طلوع الشمس من مغربها» (^١) ورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع عن أبيه به وقال غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه.\nوفي حديث طالوت بن عباد عن فضال بن جبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها».\nوفي حديث عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» رواه الترمذي وصححه النسائي وابن ماجة في حديث طويل.\nحديث آخر عن عبد الله بن أبي أوفى قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا ابن فضيل عن سليمان بن يزيد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليالي من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام فبينما هم كذلك إذ صاح الناس بعضهم في بعض فقالوا ما هذا فيفزعون إلى المساجد فإذا هم بالشمس قد طلعت حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها-قال حينئذ-لا ينفع نفسا إيمانها» هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من الكتب الستة.\nحديث آخر عن عبد الله بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة فسمعوه وهو يحدث عن الآيات يقول إن أولها خروج الدجال قال فانصرفوا إلى عبد الله بن عمرو فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات فقال: لم يقل مروان شيئا حفظت من رسول الله ﷺ يقول «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ضحى فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها» ثم قال عبد الله وكان يقرأ الكتب وأظن أولها خروجا طلوع الشمس من مغربها وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش وسجدت واستأذنت في الرجوع فأذن لها في الرجوع حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شيء ثم تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب وعرفت أنه إذا أذن لها في الرجوع لم\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٣١.","vol":"3","page":336},{"text":"تدرك المشرق قالت: رب ما أبعد المشرق من لي بالناس، حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع فيقال لها: من مكانك فاطلعي فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبد الله هذه الآية ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (^١)، وأخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجة في سننيهما من حديث أبي حيان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير به.\nحديث آخر عنه قال الطبراني حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زريق الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال النبي ﷺ «إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي ويجهر إلهي مرني أن أسجد لمن شئت-قال-فيجتمع إليه زبانيته فيقولون كلهم ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم وهذا الوقت المعلوم-قال-ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا-قال-فأول خطوة تضعها بأنطاكيا فتأتي إبليس فتلطمه» (^٢) هذا حديث غريب جدا وسنده ضعيف ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك فأما رفعه فمنكر، والله أعلم.\nحديث آخر عن عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ أجمعين. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر عن ابن السعدي أن رسول الله ﷺ قال «لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل» فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص إن رسول الله ﷺ قال «إن الهجرة خصلتان إحداهما تهجر السيئات والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله ولا تنقطع ما تقبلت التوبة ولا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل» هذا الحديث حسن الإسناد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.\nحديث آخر عن ابن مسعود ﵁. قال عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين حدثني أبو عبيدة عن ابن مسعود أنه كان يقول ما ذكر من الآيات فقد مضى غير أربع. طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، وخروج يأجوج ومأجوج. قال وكان يقول الآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها ألم تر أن الله يقول ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ٢/ ٢٠١.\n(^٢) رواه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٦ وفيه: «فتخطمه».\n(^٣) مسند أحمد ١/ ١٩٢.","vol":"3","page":337},{"text":"الآية كلها يعني طلوع الشمس من مغربها (^١). حديث ابن عباس ﵄ رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه عن ابن عباس مرفوعا فذكر حديثا طويلا غريبا منكرا رفعه، وفيه أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ من المغرب مقرونين وإذا انتصفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه وهو حديث غريب جدا بل منكر بل موضوع إن ادعي أنه مرفوع، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه وهو الأشبه فغير مدفوع، والله أعلم.\nوقال سفيان عن منصور عن عامر عن عائشة ﵂ قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت [الأقلام] (^٢) وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال رواه ابن جرير (^٣) رحمه الله تعالى.\nفقوله تعالى: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه فأما من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم وإن لم يكن مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾ أي ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تهديد شديد للكافرين ووعيد أكيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها لاقتراب الساعة وظهور أشراطها كما قال ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ [محمد: ١٨] وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-511>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٩]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾\nقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى وقال العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا﴾ وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد ﷺ فتفرقوا فلما بعث محمد ﷺ أنزل الله عليه ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٠٩.\n(^٢) الزيادة من الطبري.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٤١١.","vol":"3","page":338},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني سعيد بن عمر السكوني حدثنا بقية بن الوليد كتب إلي عباد بن كثير حدثنا ليث عن طاوس عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة. لكن هذا إسناد لا يصح فإن عباد بن كثير متروك الحديث ولم يختلق هذا الحديث ولكنه وهم في رفعه فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث وهو ابن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة في الآية أنه قال: نزلت في هذه الأمة.\nوقال أبو غالب عن أبي أمامة في قوله ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ قال هم الخوارج وروي عنه مرفوعا ولا يصح. وقال شعبة عن مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا﴾ -قال-هم أصحاب البدع» وهذا رواه ابن مردويه وهو غريب أيضا ولا يصح رفعه، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله ﷺ مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣] الآية.\nوفي الحديث «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» (^٢) فهذا هو الصراط المستقيم وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال الله تعالى ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] الآية ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-512>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٠]</span>\n﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾\nوهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى وهي قوله ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية كما قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀:\nحدثنا عفان حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد أبو عثمان عن أبي رجاء العطاردي عن ابن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤١٤.\n(^٢) صحيح البخاري (أنبياء باب ٤٨) وصحيح مسلم (فضائل حديث ١٤٣ و١٤٤) وسنن أبي داود (سنة باب ١٣)","vol":"3","page":339},{"text":"عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال فيما يروي عن ربه ﵎ «إن ربكم ﷿ رحيم من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ﷿ ولا يهلك على الله إلا هالك» (^١) ورواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث الجعد أبي عثمان به.\nوقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله ﷿: من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا ومن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ورواه مسلم (^٣) عن أبي كريب عن أبي معاوية به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش به، ورواه ابن ماجة عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة» واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام تارة يتركها لله فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى وهذا عمل ونية ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح فإنما تركها من جرائي أي من أجلي، وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم ينو خيرا ولا فعل شرا، وتارة يتركها عجزا وكسلا عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (^٤).\nوقال الإمام أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا علي وحدثنا الحسن بن الصباح وابن خيثمة، قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما عن موسى بن عبيدة عن أبي\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٧٩.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ١٥٣.\n(^٣) صحيح مسلم (توبة حديث ١ وذكر حديث ١) وسنن الترمذي (دعاء باب ١٣١) وابن ماجة (أدب باب ٥٨)\n(^٤) صحيح البخاري (إيمان باب ٢٢ وفتن باب ١٠) وصحيح مسلم (فتن حديث ١٤ و١٥) وسنن ابن ماجة (فتن باب ١١)","vol":"3","page":340},{"text":"بكر بن عبيد الله بن أنس عن جده أنس، قال: قال رسول الله ﷺ «من هم بحسنة كتب الله له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبت عليه سيئة، فإن تركها كتبت له حسنة يقول الله تعالى إنما تركها من مخافتي»، هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع عن أبيه عن عمه فلان بن عميلة، عن خريم بن فاتك الأسدي، أن النبي ﷺ قال «إن الناس أربعة والأعمال ستة، فالناس موسع له في الدنيا والآخرة وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان ومثل بمثل وعشرة أضعاف وسبعمائة ضعف، فالموجبتان من مات مسلما مؤمنا لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة، ومن مات كافرا وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله ﷿ كانت بسبعمائة ضعف» ورواه الترمذي والنسائي من حديث الركين بن الربيع عن أبيه عن بشير بن عميلة عن خريم بن فاتك به ببعضه، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب بن المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ، قال:\n«يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام»، وذلك لأن الله ﷿ يقول ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾».\nوعن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله» رواه الإمام أحمد (^٢) وهذا لفظه والنسائي وابن ماجة والترمذي، وزاد «فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ اليوم بعشرة أيام» ثم قال\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤/ ٣٤٥.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ١٤٥.","vol":"3","page":341},{"text":"هذا حديث حسن (^١).\nوقال ابن مسعود ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ من جاء بلا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة يقول بالشرك (^٢)، وهكذا جاء عن جماعة من السلف ﵃ أجمعين، وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته، لكني لم أروه من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه الثقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-513>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٦١ إلى ١٦٣]</span>\n﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾\nيقول تعالى آمرا نبيه ﷺ سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أي قائما ثابتا ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كقوله ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقوله ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣] وليس يلزم من كونه ﷺ أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية، أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه ﵇ قام بها قياما عظيما وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل ﵇.\nوقد قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة أنبأنا سلمة بن كهيل، سمعت ذر بن عبد الله الهمداني يحدث عن ابن أبزى عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال «أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين».\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قيل لرسول الله ﷺ أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال «الحنيفية السمحة».\n_________\n(^١) سنن الترمذي (صوم باب ٤٠)\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٤١٦.\n(^٣) مسند أحمد ١/ ٢٣٦.","vol":"3","page":342},{"text":"وقال أحمد (^١) أيضا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبه، لأنظر إلى زفن (^٢) الحبشة حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه. قال عبد الرحمن عن أبيه قال:\nقال لي عروة إن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة».\nأصل الحديث مخرج في الصحيحين والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، قال مجاهد في قوله ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ النسك الذبح في الحج والعمرة، وقال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير ﴿وَنُسُكِي﴾ قال ذبحي، وكذا قال السدي والضحاك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أحمد بن خالد الذهبي، حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال: ضحّى رسول الله ﷺ في يوم عيد النحر بكبشين وقال حين ذبحهما ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ … ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.\nوقوله ﷿ ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال قتادة: أي من هذه الأمة، وهو كما قال فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له كما قال ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه قال لقومه ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ١١٦.\n(^٢) زفن الحبشة: لعبهم، كما جاء في المسند.","vol":"3","page":343},{"text":"[البقرة: ١٣٠ - ١٣٢] وقال يوسف ﵇ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقال موسى ﴿يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٦] وقال تعالى ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ [المائدة: ٤٤] الآية، وقال تعالى ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﵇ «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة. والله أعلم.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ الآية، «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (^٢) ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد وقد رواه مسلم في صحيحه.\n\n<span data-type='title' id=toc-514>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٤]</span>\n﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾\nيقول تعالى ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي أطلب ربا سواه، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يربيني ويحفظني ويكلؤني\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٩٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٢٠١.","vol":"3","page":344},{"text":"ويدبر أمري، أي لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق والأمر. ففي هذه الآية الأمر بإخلاص التوكل كما تضمنت التي قبلها إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرا في القرآن كقوله تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا له ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩] وقوله ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وأشباه ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد وهذا من عدله تعالى كما قال ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨] وقوله تعالى ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].\nقال علماء التفسير: أي فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته وقال تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩] معناه كل نفس مرتهنة بعملها السيئ، إلا أصحاب اليمين فإنه قد يعود بركة أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم كما قال في سورة الطور ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، وما ألتناهم أي أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئا حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي من شر.\nوقوله ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كقوله ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٥ - ٢٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-515>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾\nيقول تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي جعلكم تعمرونها جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن وخلفا بعد سلف. قاله ابن زيد وغيره، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] وكقوله تعالى ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾","vol":"3","page":345},{"text":"[النمل: ٦٢] وقوله ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] وقوله ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وقوله ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].\nوقوله تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (^١).\nوقوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع، فيمن عصاه وخالف رسله ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب. وقال محمد بن إسحاق: ليرحم العباد على ما فيهم، رواه ابن أبي حاتم، وكثيرا ما يقرن الله تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الرعد: ٦] وقوله ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩] إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء جواد كريم وهاب.\nوقد قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زهير عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا، أن رسول الله ﷺ قال «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها وعند الله تسعة وتسعون» (^٣) ورواه الترمذي عن قتيبة عن عبد العزيز الدراوردي عن العلاء به، وقال: حسن، ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٩٩.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٨٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في التوبة حديث ٢٣، والترمذي في الدعوات باب ٩٩.","vol":"3","page":346},{"text":"وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي» (^١) وعنه أيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية من أن تصيبه» (^٢) رواه مسلم.\nآخر تفسير سورة الأنعام، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في التوبة حديث ١٤، ١٦.\n(^٢) أخرجه مسلم في التوبة حديث ٧، ٢٠.","vol":"3","page":347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-516>سورة الأعراف</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-517>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣)﴾\nقد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه، قال ابن جرير (^١): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي عن شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس ﴿المص﴾ أنا الله أفصل، وكذا قال سعيد بن جبير ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي هذا كتاب أنزل إليك أي من ربك ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قال مجاهد وقتادة والسدي: شك منه (^٢)، وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ولهذا قال ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين ﴿وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nثم قال تعالى مخاطبا للعالم ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقوله ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية وقوله ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-518>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ إلى ٧]</span>\n﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ (٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ أي بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الأنعام: ١٠] وكقوله ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٢٤.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٢٥.","vol":"3","page":348},{"text":"[القصص: ٥٨] وقوله ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ أي فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بياتا أي ليلا، أو هم قائلون من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨] وقال ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧].\nوقوله ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي فما كان قولهم عند مجيء العذاب، إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ -إلى قوله- ﴿خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥].\nقال ابن جرير (^١): في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» (^٢)، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الملك بن ميسرة الزراد، قال: قال عبد الله بن مسعود، قال رسول الله ﷺ «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم»، قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾.\nوقوله ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. كقوله ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] وقوله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال عما بلغوا.\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا المحاربي عن ليث عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام يسأل عن رعيته والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده» (^٣) قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله، ثم قرأ ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٢٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الملاحم باب ١٧، وأحمد في المسند ٤/ ٢٦٠، ٥/ ٢٩٣، والطبري في تفسيره ٥/ ٤٢٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأحكام باب ١، ومسلم في الإمارة حديث ٢٠.","vol":"3","page":349},{"text":"وقال ابن عباس في قوله ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ يعني أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يغفل عن شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-519>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ إلى ٩]</span>\n﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي للأعمال يوم القيامة ﴿الْحَقُّ﴾ أي لا يظلم تعالى أحدا كقوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وقال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] وقال تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣].\n[فصل] والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما، قال البغوي: يروى نحو هذا عن ابن عباس، كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف (^١). ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون فيقول: من أنت؟ فيقول أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك (^٢). وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر «فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح» (^٣)، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق.\nوقيل يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله فيقول يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله ﷺ «فطاشت السجلات وثقلت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٢٥٢، وأحمد في المسند ٥/ ٢٤٩، ٢٥١، ٢٥٥، ٢٥٧.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الأدب باب ٥٢، وأحمد في المسند ٥/ ٣٤٨، ٣٥٢.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٨٧.","vol":"3","page":350},{"text":"البطاقة» (^١) رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه.\nوقيل يوزن صاحب العمل كما في الحديث «يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة» (^٢) ثم قرأ ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾، وفي مناقب عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال «أتعجبون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهم في الميزان أثقل من أحد» (^٣) وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال وتارة توزن محالها وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-520>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾\nيقول تعالى: ممتنا على عبيده فيما مكن لهم، من أنه جعل الأرض قرارا وجعل فيها رواسي وأنهارا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتا وأباح لهم منافعها، وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش أي مكاسب وأسبابا يكسبون بها ويتجرون فيها ويتسببون أنواع الأسباب وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك كقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].\nوقد قرأ الجميع معايش بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها (^٤) والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز، لأن معايش جمع معيشة من عاش يعيش عيشا ومعيشة أصلها معيشة، فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى العين فصارت معيشة، فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال فقيل معايش ووزنه مفاعل، لأن الياء أصلية في الكلمة بخلاف مدائن وصحائف وبصائر، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة من مدن وصحف وأبصر، فإن الياء فيها زائدة، ولهذا تجمع على فعائل وتهمز لذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-521>[سورة الأعراف (٧): آية ١١]</span>\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١)﴾\nينبه تعالى بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عداوة عدوهم إبليس، وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ وهذا كقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الإيمان باب ١٧، وابن ماجة في الزهد باب ٣٥، وأحمد في المسند ٢/ ٢١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٨، باب ٦، ومسلم في المنافقين حديث ١٨، والترمذي في الزهد باب ١٣، وابن ماجة في الزهد باب ٣، وأحمد في المسند ٥/ ١٥٤، ١٧٧.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤٢٠، ٤٢١.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٣٥.","vol":"3","page":351},{"text":"﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٨ - ٢٩] وذلك أنه تعالى لما خلق آدم ﵇ بيده من طين لازب وصوره بشرا سويا ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له تعظيما لشأن الله تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، وقد تقدم الكلام على إبليس في أول تفسير سورة البقرة، وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير (^١)، أن المراد بذلك كله آدم ﵇.\nوقال سفيان الثوري عن الأعمش عن منهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ قال خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، ونقل ابن جرير (^٢): عن بعض السلف أيضا أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم الذرية.\nوقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أي خلقنا آدم ثم صورنا الذرية، وهذا فيه نظر، لأنه قال بعد ذلك ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فدل على أن المراد بذلك آدم وإنما قيل ذلك بالجمع، لأنه أبو البشر، كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] والمراد آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل، صار كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية، فإن المراد من آدم المخلوق من السلالة، وذريته مخلوقون من نطفة، وصح هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معينا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-522>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]</span>\n﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾\nقال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ لا هنا زائدة، وقال بعضهم زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر: [مجزوء الكامل] ما إن رأيت ولا سمعت بمثله (^٣) فأدخل «إن» وهي للنفي على ما النافية لتأكيد النفي، قالوا: وكذا هاهنا ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ مع تقدم قوله ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ حكاهما ابن جرير وردهما، واختار أن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٣٧، ٤٣٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٤٣٦، ٤٣٧.\n(^٣) يروى البيت بتمامه: ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهم في العالمينا والبيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٣٢٣، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٤/ ١١٠.","vol":"3","page":352},{"text":"منعك مضمن معنى فعل آخر، تقديره ما أحرجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك ونحو هذا، وهذا القول قوي حسن، والله أعلم.\nوقول إبليس لعنه الله ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ فشذ من بين الملائكة لترك السجود فهذا أبلس من الرحمة أي وأيس من الرحمة فأخطأ، قبحه الله في قياسه، ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم» هكذا رواه مسلم (^١)، وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ «خلق الله الملائكة من نور العرش وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم» قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح «وخلقت الحور العين من الزعفران».\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا القاسم حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن الحسن في قوله ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ، وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ قال: قاس إبليس وهو أول من قاس، إسناده صحيح، وقال (^٣): حدثني عمرو بن مالك، حدثني يحيى بن سليم الطائفي عن هشام عن ابن سيرين، قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس إسناد صحيح أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-523>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣ إلى ١٥]</span>\n﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾\n_________\n(^١) كتاب الزهد حديث ٦٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٤٤١.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٤٤١.","vol":"3","page":353},{"text":"يقول تعالى مخاطبا لإبليس بأمر قدري كوني ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ أي بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبر فيها، قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أي الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]</span>\n﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)﴾\nيخبر تعالى أنه لما أنذر إبليس ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي كما أغويتني، قال ابن عباس: كما أضللتني (^١)، وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على ﴿صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي طريق الحق وسبيل النجاة، ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي، وقال بعض النحاة: الباء هنا قسمية كأنه يقول فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم (^٢)، قال مجاهد: صراطك المستقيم يعني الحق (^٣)، وقال محمد بن سوقة عن عون بن عبد الله: يعني طريق مكة، قال ابن جرير:\nالصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك.\n(قلت) لما روى الإمام أحمد (^٤): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل يعني الثقفي عبد الله بن عقيل، حدثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك قال فعصاه وأسلم» قال «وقعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال فعصاه وجاهد».\nوقال رسول الله ﷺ فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٤.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٤.\n(^٤) المسند ٣/ ٤٨٣.","vol":"3","page":354},{"text":"قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة».\nوقوله ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أشككهم في آخرتهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أرغبهم في دنياهم ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ﴾ أشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أشهي لهم المعاصي (^١)، وقال ابن أبي طلحة في رواية والعوفي كلاهما عن ابن عباس: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم (^٢)، وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا بن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله (^٣)، وكذا روي عن إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة والسدي وابن جريج، إلا أنهم قالوا: من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة (^٤).\nوقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون (^٥)، واختار ابن جرير (^٦): أن المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ولم يقل من فوقهم، لأن الرحمة تنزل من فوقهم (^٧)، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ قال:\nموحدين (^٨)، وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢٠ - ٢١].\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٥، ٤٤٦.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٦.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٦.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٦، ٤٤٧.\n(^٦) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٧.\n(^٧) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٧.\n(^٨) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٧.","vol":"3","page":355},{"text":"ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها، كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عمرو بن مجمع، عن يونس بن خباب عن ابن جبير بن مطعم يعني نافع بن جبير، عن ابن عباس، وحدثنا عمر بن الخطاب يعني السجستاني، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب عن ابن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يدعو «اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي» تفرد به البزار وحسنه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري، حدثني جرير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر يقول: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» (^٢)، قال وكيع: من تحتي يعني الخسف، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n\n<span data-type='title' id=toc-525>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]</span>\n﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾\nأكد تعالى عليه اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى، بقوله ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا﴾ قال ابن جرير (^٣): أما المذؤوم فهو المعيب، والذأم غير مشدد العيب يقال ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم، ويتركون الهمزة فيقول ذمته أذيمه ذيما وذاما، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم، قال: والمدحور المقصي، هو المبعد المطرود، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحدا (^٤)، وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس: ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا﴾ قال مقيتا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صغيرا مقيتا وقال السدي: مقيتا مطرودا، وقال قتادة: لعينا مقيتا، وقال مجاهد: منفيا مطرودا وقال الربيع بن أنس: مذءوما منفيا والمدحور المصغر (^٥). وقوله\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٠١، والنسائي في الاستعاذة باب ٦٠، وابن ماجة في الدعاء باب ١٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٤٤٨.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٨.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٤٨.","vol":"3","page":356},{"text":"تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كقوله ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٣ - ٦٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-526>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩ إلى ٢١]</span>\n﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١)﴾\nيذكر تعالى أنه أباح لآدم ﵇ ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة، فعند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن ﴿وَقالَ﴾ كذبا وافتراء ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ أي لئلا تكونا ملكين أو خالدين ها هنا، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما، كقوله ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] أي لئلا تكونا ملكين، كقوله ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي لئلا تضلوا ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي لئلا تميد بكم، وكان ابن عباس ويحيى بن أبي كثير يقرآن ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ بكسر اللام، وقرأه الجمهور بفتحها، ﴿وَقاسَمَهُما﴾ أي حلف لهما بالله ﴿إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فإني من قبلكما ها هنا وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين، كما قال خالد بن زهير ابن عم أبي ذؤيب: [الطويل] وقاسمها بالله جهدا لأنتم … ألذّ من السلوى إذ ما نشورها (^١)\nأي حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله، وقال قتادة في الآية:\nحلف بالله إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكم فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول من خدعنا بالله انخدعنا له.\n\n<span data-type='title' id=toc-527>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]</span>\n﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾\n_________\n(^١) البيت لخالد بن زهير في شرح أشعار الهذليين ص ٢١٥، ولسان العرب (سلا)، وتاج العروس (شور)، (سلا)، وتهذيب اللغة ١٣/ ٦٩. والمخصص ٥/ ١٥، ١٣/ ١٠، ١٤/ ٢٤١، وتفسير الطبري ٥/ ٤٥٠، وبلا نسبة في كتاب العين ٧/ ٢٩٨.","vol":"3","page":357},{"text":"قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب ﵁، قال: كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع به من الخطيئة، بدت له عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هاربا في الجنة فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة، فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه ﷿: يا آدم أمني تفر؟ قال يا رب إني استحيتك، وقد رواه ابن جرير (^١) وابن مردويه من طرق، عن الحسن عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا.\nوقال عبد الرزاق: عن سفيان بن عيينة وابن المبارك، أنبأنا الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما، ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم ﵇ موليا في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله يا آدم أمني تفر؟ قال لا ولكني استحيتك يا رب، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك، قال: بلى يا رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا، قال: وهو قول الله ﷿ ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا، قال: فأهبط من الجنة وكانا يأكلان منها رغدا، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد، ثم داسه ثم ذرّاه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ (^٢).\nوقال الثوري: عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ورق التين (^٣). صحيح إليه. وقال مجاهد:\nجعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة، قال: كهيئة الثوب (^٤)، وقال وهب بن منبه في قوله ينزع عنهما لباسهما، قال: كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما، رواه ابن جرير (^٥) بسند صحيح إليه، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: قال آدم أي رب أرأيت إن تبت واستغفرت، قال: إذا أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٥١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٥١، ٤٥٢.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٥٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٥٢.\n(^٥) تفسير الطبري ٥/ ٤٥٢، ٤٥٣.","vol":"3","page":358},{"text":"الذي سأله.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن الحسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: لما أكل آدم من الشجرة، قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها، قال: فرنت عند ذلك حواء، فقيل لها الرنة عليك وعلى ولدك، وقال الضحاك بن مزاحم في قوله ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-528>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]</span>\n﴿قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾\nقيل المراد بالخطاب في ﴿اِهْبِطُوا﴾ آدم وحواء وإبليس والحية، ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم، والعمدة في العداوة آدم وإبليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه قال ﴿اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] الآية، وحواء تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحا فهي تبع لإبليس.\nوقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله ﷺ، وقوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ أي قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم وأحصاها القدر وسطرت في الكتاب الأول، وقال ابن عباس ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ القبور، وعنه قال ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ فوق الأرض وتحتها، رواهما ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] يخبر تعالى، أنه جعل الأرض دارا لبني آدم مدة الحياة الدنيا، فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم ومنها نشورهم ليوم القيامة، الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويجازي كلا بعمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-529>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]</span>\n﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾\nيمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرا، فالأول من الضروريات والريش من التكملات\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٥٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٥٤.","vol":"3","page":359},{"text":"والزيادات، قال ابن جرير (^١): الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وحكاه البخاري عنه: الرياش المال (^٢) وهكذا قال مجاهد وعروة بن الزبير والسدي والضحاك وغير واحد، وقال العوفي عن ابن عباس: الرياش اللباس والعيش والنعيم (^٣)، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش الجمال (^٤).\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا إصبع عن أبي العلاء الشامي، قال:\nلبس أبو أمامة ثوبا جديدا فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ «من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيا وميتا» (^٦) ورواه الترمذي وابن ماجة من رواية يزيد بن هارون عن إصبع هو ابن زيد الجهني، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وشيخه أبو العلاء الشامي لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولكن لم يخرجه أحد، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٧) أيضا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار بن نافع التمار عن أبي مطر، أنه رأى عليا ﵁ أتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول حين لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي، فقيل هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النبي ﷺ، قال: هذا شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقول عند الكسوة: «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي» ورواه الإمام أحمد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ بعضهم ولباس التقوى بالنصب، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء، و﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ خبره، واختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة: يقال هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، رواه ابن أبي حاتم، وقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ولباس التقوى الإيمان، وقال العوفي عن ابن عباس: العمل الصالح، قال زياد بن عمرو عن ابن عباس: هو السمت الحسن في الوجه، وعن عروة بن الزبير: لباس\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٥٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٥٧.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٥٧.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٥٨.\n(^٥) المسند ١/ ٤٤.\n(^٦) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ١٠٧، وابن ماجة في اللباس باب ٢.\n(^٧) المسند ١/ ١٥٧، ١٥٨.","vol":"3","page":360},{"text":"التقوى خشية الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ولباس التقوى يتقي الله فيواري عورته فذاك لباس التقوى، وكلها متقاربة.\nويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير (^١) حيث قال: حدثني المثنى حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثني إسحاق بن إسماعيل عن سليمان بن أرقم عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ على منبر رسول الله ﷺ عليه قميص فوهي محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «والذي نفس محمد بيده ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيرا فخير وإن شرا فشر» ثم قرأ هذه الآية ﴿وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ قال: السمت الحسن، هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه ضعف.\nوقد روى الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة عن الحسن البصري، أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر (^٢)، وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهدا من وجه آخر حيث قال حدثنا (^٣) (....).\n\n<span data-type='title' id=toc-530>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]</span>\n﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾\nيحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله، مبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى:\n﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]\n\n<span data-type='title' id=toc-531>﴿[سورة الأعراف (٧)﴾: الآيات ٢٨ إلى ٣٠]</span>\n﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾\nقال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٥٩.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٧٢.\n(^٣) بياض بالأصل.","vol":"3","page":361},{"text":"المرأة على قبلها النسعة (^١) أو الشيء وتقول: [رجز] اليوم يبدو بعضه أو كلّه … وما بدا منه فلا أحلّه (^٢)\nفأنزل الله ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها﴾ الآية، قلت: كانت العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبا جديدا، ولا أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر فتقول: [رجز] اليوم يبدو بعضه أو كلّه … وما بدا منه فلا أحلّه\nوأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها﴾ فقال تعالى ردا عليهم ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد لمن ادعى ذلك ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات، فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين، أن يكون صوابا موافقا للشريعة وأن يكون خالصا من الشرك.\nوقوله تعالى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ إلى قوله ﴿الضَّلالَةُ﴾ اختلف في معنى قوله ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ يحييكم بعد موتكم (^٣)، وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء، وقال قتادة ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئا ثم ذهبوا ثم يعيدهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا، واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن\n_________\n(^١) النسعة: قصعة من جلد، توضع على صدر البعير.\n(^٢) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (حرم)، وتاج العروس (ضبع)، وتهذيب اللغة ٥/ ٤٨، وتفسير الطبري ٥/ ٤٦٣.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٦٧.","vol":"3","page":362},{"text":"المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال «يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين» (^١).\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة، وفي صحيح البخاري أيضا من حديث الثوري به، وقال ورقاء بن إياس أبو يزيد عن مجاهد ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا وقال أبو العالية ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ردّوا إلى علمه فيهم وقال سعيد بن جبير كما بدأكم تعودون كما كتب عليكم تكونون، وفي رواية كما كنتم عليه تكونون، وقال محمد بن كعب القرظي: في قوله تعالى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدءوا عليه، وقال السدي ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ يقول ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا، كما قال ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنا وكافرا (^٣): قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري «فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة» (^٤).\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ «إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم» (^٥) هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٦٨.\n(^٢) انظر هذه الآثار في تفسير الطبري ٥/ ٤٦٦، ٤٦٧.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٦٥.\n(^٤) أخرجه البخاري في القدر باب ١.\n(^٥) أخرجه البخاري في القدر باب ٥، والرقاق باب ٣٣.","vol":"3","page":363},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال «تبعث كل نفس على ما كانت عليه» وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه «يبعث كل عبد على ما مات عليه» (^٢) وعن ابن عباس مثله، قلت: ويتأيد بحديث ابن مسعود، قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية، وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (^٣).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى «إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» (^٤) الحديث، ووجه الجمع على هذا، أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾.\nوفي الحديث «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (^٥) وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو ﴿الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] و﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وفي الصحيحين «فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة» (^٦) ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ثم علل ذلك فقال ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية.\nقال ابن جرير (^٧): وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربه فيها، لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد، وفريق الهدى فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٦٦.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٨٣، وابن ماجة في الزهد باب ٢٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٨٠، وتفسير سورة ٣٠، باب ١، ومسلم في القدر حديث ٢٢، ٢٣، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٣، ٣٩٣.\n(^٤) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣.\n(^٥) أخرجه مسلم في الطهارة حديث ١.\n(^٦) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٨٢، ومسلم في القدر حديث ٦.\n(^٧) تفسير الطبري ٥/ ٤٦٩.","vol":"3","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-532>[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]</span>\n﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾\nهذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه، من الطواف بالبيت عراة كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير، واللفظ له من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول: [رجز] اليوم يبدو بعضه أو كلّه … وما بدا منه فلا أحلّه (^١)\nفقال الله تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقال العوفي: عن ابن عباس في قوله ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة. والزينة اللباس وهو ما يواري السوأة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد، وهكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك، عن الزهري وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة، وقد روى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعا، أنها نزلت في الصلاة في النعال، ولكن في صحته نظر، والله أعلم، ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك.\nومن أفضل اللباس البياض كما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير وصححه عن ابن عباس مرفوعا، قال: قال رسول الله ﷺ «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم وإن خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» (^٣) هذا حديث جيد الإسناد، رجاله على شرط مسلم ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوللإمام أحمد أيضا وأهل السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ «عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم» (^٤) وروى الطبراني بسند\n_________\n(^١) تقدم الرجز مع تخريجه قبل قليل في تفسير الآية ٢٨ من هذه السورة.\n(^٢) المسند ١/ ٢٤٧.\n(^٣) أخرجه أبو داود في اللباس باب ١٣، والطب باب ١٤، والترمذي في اللباس باب ٢٢، والطب باب ٩، وابن ماجة في الطب باب ٢٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الطب باب ١٤، واللباس باب ١٣، والترمذي في الجنائز باب ١٨، والأدب باب ٤٦، والنسائي في الجنائز باب ٣٨، والزينة باب ٩٧، وابن ماجة في الجنائز باب ١٢، واللباس باب ٥، وأحمد في المسند ٥/ ١٠، ١٢، ١٣، ١٧، ١٨، ١٩، ٢١.","vol":"3","page":365},{"text":"صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميما الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه، وقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، قال بعض السلف جمع الله الطب كله في نصف آية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ١ وَلا تُسْرِفُوا﴾ وقال البخاري قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة، إسناده صحيح، وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا بهز، حدثنا همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» ورواه النسائي وابن ماجة من حديث قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال «كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة» (^٤).\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سليمان بن سليم الكناني، حدثنا يحيى بن جابر الطائي سمعت المقدام بن معديكرب الكندي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلا لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» (^٦) ورواه النسائي والترمذي من طرق عن يحيى بن جابر به، وقال الترمذي: حسن وفي نسخة حسن صحيح.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا بقية عن يوسف بن أبي كثير عن نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» ورواه الدارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديث غريب تفرد به بقية، وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم، فقال الله تعالى لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، يقول لا تسرفوا في التحريم (^٧)، وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في اللباس باب ١.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٤٧١.\n(^٣) المسند ٢/ ١٨١، ١٨٢.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في اللباس باب ٢٣، والبخاري في اللباس باب ١، والنسائي في الزكاة باب ٦٦.\n(^٥) المسند ٤/ ١٣٢.\n(^٦) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٤٧.\n(^٧) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٧٢.","vol":"3","page":366},{"text":"﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ يقول: ولا تأكلوا حراما ذلك الإسراف، وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الطعام والشراب، وقال ابن جرير (^١): وقوله ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدين حده في حلال أو حرام الغالين فيما أحل بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم وذلك العدل الذي أمر به.\n\n<span data-type='title' id=toc-533>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]</span>\n﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾\nيقول تعالى ردا على من حرم شيئا من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ الآية، أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حبا في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة، ولا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين.\nقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين القاضي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ فأمروا بالثياب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-534>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]</span>\n﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله» (^٣) أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن شقيق عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، وتقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن في سورة الأنعام.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٧٢.\n(^٢) انظر الدر المنثور للسيوطي ٣/ ١٥٠، وفيه: فأمروا بالثياب أن يلبسوها.\n(^٣) أخرجه البخاري في النكاح باب ١٠٧، والتوحيد باب ١٥، وتفسير سورة ٦، باب ٧، وسورة ٧، باب ١، ومسلم في التوبة حديث ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، والترمذي في الدعوات باب ٩٥، والدارمي في النكاح باب ٣٧، وأحمد في المسند ١/ ٣٨١، ٤٢٦، ٤٣٦.","vol":"3","page":367},{"text":"وقوله ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال السدي: أما الإثم فالمعصية والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق، وقال مجاهد، الإثم المعاصي كلها وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه، وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس فحرم الله هذا وهذا، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أي تجعلوا له شركاء في عبادته ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدا ونحو ذلك مما لا علم لكم به، كقوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-535>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]</span>\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي قرن وجيل ﴿أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي ميقاتهم المقدر لهم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ثم أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلا يقصون عليهم آياته وبشر وحذر، فقال ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ أي ترك المحرمات وفعل الطاعات ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ أي كذبت بها قلوبهم واستكبروا عن العمل بها ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي ماكثون فيها مكثا مخلدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-536>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]</span>\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)﴾\nيقول ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أي لا أحد أظلم، ممن افترى الكذب على الله أو كذب بآياته المنزلة ﴿أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾ اختلف المفسرون في معناه، فقال العوفي عن ابن عباس: ينالهم ما كتب عليهم وكتب لمن كذب على الله أن وجهه مسودّ (^١)، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال من عمل خيرا جزي به، ومن عمل شرا جزي به (^٢)، وقال مجاهد: ما وعدوا به من خير وشر (^٣)، وكذا قال قتادة والضحاك وغير واحد. واختاره ابن جرير (^٤).\nوقال محمد بن كعب القرظي ﴿أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾ قال: عمله ورزقه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٨١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٧٩.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٨٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٥/ ٤٨٩.","vol":"3","page":368},{"text":"وعمره (^١)، وكذا قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه وهو قوله ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ ونظير المعنى في هذه الآية كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠] وقوله ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ [لقمان: ٢٣ - ٢٤] الآية.\nوقوله ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ الآية، يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله، ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه قالوا ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أي ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي أقروا واعترفوا على أنفسهم ﴿أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-537>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]</span>\n﴿قالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما يقوله لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه المكذبين بآياته ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي من أمثالكم وعلى صفاتكم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي من الأمم السالفة الكافرة ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ﴾ يحتمل أن يكون بدلا من قوله في أمم ويحتمل أن يكون في أمم أي مع أمم، وقوله ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ كما قال الخليل ﵇ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧].\nوقوله ﴿حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أي اجتمعوا فيها كلهم ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ أي أخراهم دخولا، وهم الأتباع لأولاهم وهم المتبوعون، لأنهم أشد جرما من أتباعهم فدخلوا قبلهم فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل فيقولون ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ أي أضعف عليهم العقوبة كما قال تعالى:\n﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٨١.","vol":"3","page":369},{"text":"﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨] الآية، وقوله ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أي قد فعلنا ذلك وجازينا كلا بحسبه، كقوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا﴾ [النحل: ٨٨] الآية.\nوقوله ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقوله ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] الآية، ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ﴾ أي قال المتبوعون للأتباع ﴿فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهذه الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله تعالى:\n﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-538>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٠ إلى ٤١]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٤١)﴾\nقوله ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ قيل المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، قاله مجاهد وسعيد بن جبير ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه الثوري عن ليث عن عطاء عن ابن عباس، وقيل المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقاله السدي وغير واحد، ويؤيده ما قاله ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن المنهال هو ابن عمرو، عن زاذان عن البراء أن رسول الله ﷺ ذكر قبض روح الفاجر، وأنه يصعد بها إلى السماء فيصعدون بها، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون بابها له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ الآية، هكذا رواه وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن المنهال بن عمرو به.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٢) بطوله فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن زاذان عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٨٦.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨.","vol":"3","page":370},{"text":"الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال «استعيذوا بالله من عذاب القبر -مرتين أو ثلاثة ثم قال-إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.\nقال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿ اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.\nقال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول:\nهو رسول الله ﷺ، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر.\nقال: ويأتيه رجل حسن الوجه وحسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.\nقال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له.","vol":"3","page":371},{"text":"ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا-ثم قرأ- ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان: ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة».\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة فذكر نحوه وفيه حتى إذا خرج روحه صلّى عليه كل ملك السماء والأرض وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ﷿ أن يعرج بروحه من قبلهم، وفي آخره ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله ﷿ كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، قال البراء: ثم يفتح له باب من النار ويمهد له فرش من النار.\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير واللفظ له من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقولون فلان فيقال مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان.\nفيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿، وإذا كان الرجل السوء قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقولون فلان فيقولون لا مرحبا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لم يفتح لك أبواب السماء فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٩٥، ٢٩٦.","vol":"3","page":372},{"text":"القبر» (^١).\nوقد قال ابن جريج في قوله ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم (^٢) وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم.\nوقوله تعالى ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ هكذا قرأه الجمهور وفسروه بأنه البعير قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة، وفي رواية زوج الناقة (^٣) وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خرم الإبرة (^٤) وكذا قال أبو العالية والضحاك وكذا روى علي بن أبي طلحة العوفي عن ابن عباس، وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها ﴿يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ بضم الجيم وتشديد الميم يعني الحبل الغليظ في خرم الإبرة، وهذا اختيار سعيد بن جبير، وفي رواية أنه قرأ حتى يلج الجمل يعني قلوس السفن وهي الحبال الغلاظ.\nوقوله ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ قال محمد بن كعب القرظي ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ قال الفرش ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ قال اللحف (^٥) وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-539>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]</span>\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء فقال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله واستكبروا عنها، وينبه تعالى على أنه الإيمان والعمل به سهل لأنه تعالى قال ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي من حسد وبغض كما جاء في صحيح البخاري (^٦) من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣١، وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٤، ٦/ ١٤٠، والطبري في تفسيره ٥/ ٤٨٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٨٦.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٨٨.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٨٨، وفيه: في خرت الإبرة، بدل: في خرم الإبرة.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٩٢.\n(^٦) كتاب المظالم باب ١، والرقاق باب ٤٨.","vol":"3","page":373},{"text":"الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا».\nوقال السدي في قوله ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ الآية، إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدا (^١)، وقد روى أبو إسحاق عن عاصم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوا من هذا كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقال قتادة: قال علي ﵁ إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ رواه ابن جرير (^٢). وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن إسرائيل قال سمعت الحسن يقول قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾.\nوروى النسائي وابن مردويه واللفظ له من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أن الله هداني فيكون له شكرا وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لو أن الله هداني فيكون له حسرة» ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، أي بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم.\nوإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال «واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة» قالوا ولا أنت يا رسول الله قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-540>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]</span>\n﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥)﴾\nيخبر تعالى بما يخاطب به أهل النار على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ أن هاهنا مفسرة للقول المحذوف وقد للتحقيق أي قالوا لهم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٩٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٤٩٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٨، والمرضى باب ١٩، ومسلم في المنافقين حديث ٧١، ٧٣، ٧٥، ٧٦، ٧٨.","vol":"3","page":374},{"text":"﴿قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٤ - ٥٩] أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم: ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٤ - ١٦].\nوكذلك قرّع رسول الله ﷺ قتلى القليب يوم بدر فنادى «يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة-وسمى رؤوسهم-هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا، وقال عمر: يا رسول الله تخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي أعلم معلم ونادى مناد ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أي مستقرة عليهم ثم وصفهم بقوله ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أي يصدون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون أي جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل لأنهم لا يخافون حسابا عليه ولا عقابا فهم شر الناس أقوالا وأعمالا.\n\n<span data-type='title' id=toc-541>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٧)﴾\nلما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبه أن بين الجنة والنار حجابا وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير (^٢): وهو السور الذي قال الله تعالى فيه:\n﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ [الحديد: ١٣] وهو الأعراف. الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ﴾ ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ وهو السور وهو الأعراف وقال مجاهد الأعراف حجاب بين الجنة والنار سور له باب، قال ابن جرير (^٣): والأعراف جمع عرف وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفا، وإنما قيل لعرف الديك عرفا لارتفاعه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٧٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٤٩٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٤٩٧.","vol":"3","page":375},{"text":"وحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول:\nالأعراف هو الشيء المشرف (^١). وقال الثوري عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال:\nالأعراف سور كعرف الديك (^٢). وفي رواية عن ابن عباس: الأعراف جمع تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار، وفي رواية عنه هو سور بين الجنة والنار (^٣).\nوكذا قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير. وقال السدي: إنما سمي الأعراف أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس.\nواختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف ﵏، وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل حدثنا عبيد بن الحسين حدثنا سليمان بن داود حدثنا النعمان بن عبد السلام حدثنا شيخ لنا يقال له أبو عباد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته فقال «أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون» وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nورواه من وجه آخر عن سعيد بن سلمة عن أبي الحسام عن محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة قال سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته فقال «إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله» وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معشر حدثنا يحيى بن شبل عن يحيى بن عبد الرحمن المزني عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف قال «هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله» ورواه ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به، وكذا رواه ابن ماجة مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس، والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة وفيه دلالة على ما ذكر.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن الشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف قال فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وخلفت بهم حسناتهم عن النار، قال فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم.\nوقد رواه (^٥) من وجه آخر أبسط من هذا فقال حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٩٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٩٧.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٤٩٨.\n(^٤) تفسير الطبري ٥/ ٤٩٩.\n(^٥) تفسير الطبري ٥/ ٤٩٨.","vol":"3","page":376},{"text":"يونس بن أبي إسحاق قال: قال الشعبي أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرحمن وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش فإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرا ليس كما ذكرا فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة فقالا هات فقلت إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم.\nوقال عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قول الله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ الآيتين، ثم قال: الميزان يخف بمثقال حبة، ويرجح قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أهل النار ﴿قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تعوذوا بالله من منازلهم قال: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورا وكل أمة نورا فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا ﴿رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان بأيديهم فلم ينزع فهنالك يقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فكان الطمع دخولا.\nقال: فقال ابن مسعود: إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة ثم يقول: هلك من غلبت واحدته أعشاره. رواه ابن جرير (^١) وقال أيضا (^٢): حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا: حدثنا جرير عن منصور عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار وأصحاب الأعراف بذلك المكان حتى إذا بدا الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قصب الذهب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم وتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن ﵎ فقال: تمنوا ما شئتم، فيتمنون حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفا، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين أهل الجنة، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن يحيى بن المغيرة عن جرير به، وقد رواه سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت عن مجاهد وعن عبد الله بن الحارث من قوله وهذا أصح والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٤٩٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٥٠٠.","vol":"3","page":377},{"text":"وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد وقال سعيد بن داود: حدثني جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير قال سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف قال «هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم» وهذا مرسل حسن، وقيل هم أولاد الزنى حكاه القرطبي وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الوليد بن موسى عن شيبة بن عثمان عن عروة بن رويم عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم وعن مؤمنيهم فقال على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد ﷺ فسألناه وما الأعراف؟ فقال حائط الجنة تجري فيه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار وراه البيهقي عن ابن بشران عن علي بن محمد المصري عن يوسف بن يزيد عن الوليد بن موسى به.\nوقال سفيان الثوري: عن خصيف عن مجاهد قال أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء، وقال ابن جرير (^١)، حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن سليمان التيمي عن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ﴾ قال هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار قال ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال فيقال حين يدخل أهل الجنة الجنة ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين وهو غريب من قوله وخلاف الظاهر من السياق وقول الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه، وكذا قول مجاهد إنهم قوم صالحون علماء فقهاء فيه غرابة أيضا، والله أعلم.\nوقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولا منها: أنهم شهدوا أنهم صلحاء تهرعوا من فزع الآخرة وخلق يطلعون على أخبار الناس وقيل هم أنبياء وقيل هم ملائكة. وقوله تعالى:\n﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه وأهل النار بسواد الوجوه وكذا روى الضحاك عنه، وقال العوفي عن ابن عباس أنزلهم الله تلك المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه. ويتعوذوا بالله أن يجعلوهم مع القوم الظالمين وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها وهم داخلوها إن شاء الله، وكذا قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٥٠١، ٥٠٢.","vol":"3","page":378},{"text":"وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.\nوقال معمر عن الحسن إنه تلا هذه الآية ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ قال والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم وقال قتادة، قد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع، وقوله ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم ﴿قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾.\nوقال السدي وإذا مروا بهم يعني بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار ﴿قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾. وقال عكرمة تحدد وجوههم للنار فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ﴾ فرأوا وجوههم مسودة وأعينهم مزرقة ﴿قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-542>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]</span>\n﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾\nيقول الله تعالى إخبارا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم يعرفونهم في النار بسيماهم ﴿ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي كثرتكم ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني أصحاب الأعراف ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وقال ابن جرير (^١):\nحدثني محمد بن سعد حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس ﴿قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ الآية، قال فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا يعني أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار قال الله لأهل التكبر والأموال ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\nوقال حذيفة إن أصحاب الأعراف قوم تكاثفت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة وقصرت بهم سيئاتهم عن النار فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم فلما قضى الله بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة فأتوا آدم فقالوا: يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك فقال هل تعلمون أن أحدا خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمته إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا ابني\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٥٠٦.","vol":"3","page":379},{"text":"إبراهيم فيأتون إبراهيم ﷺ فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم فيقول تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا هل تعلمون أن أحدا أحرقه قومه بالنار في الله غيري؟ فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا ابني موسى فيأتون موسى ﵇.\nفيقول هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا عيسى فيأتونه ﵇ فيقولون له اشفع لنا عند ربك فيقول هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب فيقولون لا فيقول هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون لا، فيقول: أنا حجيج نفسي ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا محمدا ﷺ فيأتوني فأضرب بيدي على صدري.\nثم أقول أنا لها ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فآتي ربي ﷿ فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط ثم أسجد فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي ثم أثني على ربي ﷿ ثم أخر ساجدا فيقال لي ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول ربي أمتي فيقول هم لك فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني بذلك المقام وهو المقام المحمود فآتي بهم الجنة فأستفتح فيفتح لي ولهم فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحيوان حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك وحصباؤه الياقوت فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها يقال مساكين أهل الجنة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-543>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٠ إلى ٥١]</span>\n﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾\nيخبر تعالى عن ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم لا يجابون إلى ذلك قال السدي ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ يعني الطعام (^٢) وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يستطعمونهم ويستسقونهم (^٣)، وقال الثوري عن عثمان الثقفي عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال، ينادي الرجل أباه أو أخاه فيقول له قد احترقت فأفض علي من الماء فيقال لهم أجيبوهم فيقولون\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥٠٧، ٥٠٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥٠٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٥٠٩.","vol":"3","page":380},{"text":"﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (^١) وروي من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس مثله سواء وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ يعني طعام الجنة وشرابها (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي أخبرنا موسى بن المغيرة حدثنا أبو موسى الصفار في دار عمرو بن مسلم قال: سألت ابن عباس أو سئل أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الصدقة الماء ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله» وقال أيضا: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال لما مرض أبو طالب قالوا له لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا فيرسل إليك بعنقود من الجنة لعله أن يشفيك به، فجاءه الرسول وأبو بكر عند النبي ﷺ فقال أبو بكر ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾.\nثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهوا ولعبا واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للآخرة، وقوله ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ أي يعاملهم معاملة من نسيهم، لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه كما قال تعالى: ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وقال ﴿كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ [الجاثية: ٣٤] وقال العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ قال نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا، وقال مجاهد نتركهم في النار، وقال السدي نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا، وفي الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول بلى فيقول أظننت أنك ملاقي؟ فيقول لا فيقول الله تعالى فاليوم أنساك كما نسيتني (^٣)؟\n\n<span data-type='title' id=toc-544>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي جاء به\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٥٠٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٥٠٩.\n(^٣) أخرجه مسلم في الزهد حديث ١٦، والترمذي في القيامة باب ٦.","vol":"3","page":381},{"text":"الرسول وأنه كتاب مفصل مبين كقوله ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] الآية، وقوله ﴿فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ للعالمين أي على علم منا بما فصلناه به كقوله ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] قال ابن جرير وهذه الآية مردودة على قوله ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ٢] الآية، ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ﴾ الآية، وهذا الذي قاله فيه نظر فإنه قد طال الفصل ولا دليل عليه وإنما الأمر أنه لما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة في الآخرة ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب كقوله ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولهذا قال ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ أي ما وعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار قاله مجاهد وغير واحد، وقال مالك: ثوابه.\nوقال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ وقوله ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي يوم القيامة قاله ابن عباس ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ أي في خلاصنا مما صرنا إليه مما نحن فيه ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدار الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ كقوله ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] كما قال هاهنا ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا يشفعون فيهم ولا ينصرونهم ولا ينقذونهم مما هم فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-545>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]</span>\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)﴾\nيخبر تعالى أنه خلق العالم سمواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة الأيام هي: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة وفيه اجتمع الخلق كله وفيه خلق آدم ﵇ واختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان أو كل يوم كألف سنة كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق لأنه اليوم السابع ومنه سمي السبت وهو القطع.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١) في مسنده حيث قال: حدثنا حجاج حدثنا ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٢٧.","vol":"3","page":382},{"text":"هريرة قال أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال «خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» (^١) فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه عن حجاج وهو ابن محمد الأعور عن ابن جريج به وفيه استيعاب الأيام السبعة والله تعالى قد قال في ستة أيام ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعا والله أعلم.\nوأما قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى.\nوقوله تعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي يذهب ظلام هذا بضياء هذا وضياء هذا بظلام هذا وكل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا أي سريعا لا يتأخر عنه بل إذا ذهب هذا جاء هذا وعكسه كقوله ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠] فقوله ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أي لا يفوته بوقت يتأخر عنه بل هو في أثره بلا واسطة بينهما ولهذا قال ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾ منهم من نصب ومنهم من رفع وكلاهما قريب المعنى أي الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته ولهذا قال منبها ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي له الملك والتصرف ﴿تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ كقوله ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] الآية.\nقال ابن جرير (^٢): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق حدثنا هشام أبو عبد الرحمن، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المنافقين حديث ٢٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٥١٤.","vol":"3","page":383},{"text":"بقية بن الوليد، حدثنا عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ «من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه» لقوله ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾.\nوفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعا «اللهم لك الملك كله ولك الحمد كله وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله».\n\n<span data-type='title' id=toc-546>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]</span>\n﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَاُدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾\nأرشد ﵎ عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم فقال ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ قيل معناه تذللا واستكانة، وخفية كقوله ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] الآية وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله ﷺ «أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعون سميع قريب» (^١) الحديث.\nوقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ قال السر وقال ابن جرير (^٢) تضرعا تذللا واستكانة لطاعته وخفية يقول بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهرا مراءاة وقال عبد الله بن المبارك عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ (^٣) [مريم: ٣] وقال ابن جريج يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانة (^٤).\nثم روي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء ولا في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٨، والجهاد باب ١٣١، والدعوات باب ٥١، والقدر باب ٧، والتوحيد باب ٩، ومسلم في الذكر حديث ٤٤، ٤٥، وأبو داود في الوتر باب ٢٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٥١٤.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥١٤.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥١٥.","vol":"3","page":384},{"text":"غيره وقال أبو مجلز ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا يسأل منازل الأنبياء (^١).\nوقال أحمد (^٢) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن زياد بن مخراق سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت به من شر كثير وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء -وفي لفظ-يعتدون في الطهور والدعاء-وقرأ هذه الآية ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ الآية-وإن بحسبك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل» (^٣) ورواه أبو داود من حديث شعبة عن زياد بن مخراق عن أبي نعامة عن مولى لسعد عن سعد فذكره والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا الحريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بني سل الله الجنة وعُذ به من النار فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور» (^٥) وهكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نعامة واسمه قيس بن عباية الحنفي البصري وهو إسناد حسن لا بأس به والله أعلم.\nوقوله تعالى ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه فقال ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي خوفا مما عنده من وبيل العقاب وطمعا فيما عنده من جزيل الثواب ثم قال ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره كما قال تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآية وقال قريب ولم يقل قريبة لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب أو لأنها مضافة إلى الله فلهذا قال قريب من المحسنين وقال مطر الوراق تنجزوا موعود الله بطاعته فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥١٥.\n(^٢) المسند ١/ ١٧٢.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٣.\n(^٤) المسند ٥/ ٥٥.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ٤٥، وابن ماجة في الدعاء باب ١٢.","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-547>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾\nلما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر نبه تعالى على أنه الرزاق وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال «وهو الذي يرسل الرياح نشرا» أي منتشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر ومنهم من قرأ ﴿بُشْرًا﴾ كقوله ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾.\nوقوله ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي بين المطر كما قال ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] وقال ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] وقوله ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ أي حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة كما قال زيد بن عمرو بن نفيل ﵀: [المتقارب] وأسلمت وجهي لمن أسلمت … له المزن تحمل عذبا زلالا (^١)\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت … له الأرض تحمل صخرا ثقالا\nوقوله ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها كقوله ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾ الآية ولهذا قال ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة ينزل الله ﷾ ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها ولهذا قال ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\nوقوله ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعا حسنا كقوله ﴿وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِدًا﴾ قال مجاهد وغيره كالسباخ ونحوها وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر (^٢).\nوقال البخاري حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي\n_________\n(^١) البيتان في سيرة ابن هشام ١/ ٢٣١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥٢٠.","vol":"3","page":386},{"text":"بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ «مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (^١) رواه مسلم والنسائي من طرق عن أبي أسامة حماد بن أسامة به.\n\n<span data-type='title' id=toc-548>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]</span>\n﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾\nلما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ منه شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء ﵈ الأول فالأول فابتدأ بذكر نوح ﵇ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم ﵇ وهو نوح بن لامك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس النبي ﵇ فيما يزعمون وهو أول من خط بالقلم ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم ﵈ هكذا نسبه محمد بن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب.\nقال محمد بن إسحاق ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل وقال يزيد الرقاشي إنما سمي نوح لكثرة ما ناح على نفسه وقد كان بين آدم إلى زمن نوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الإسلام قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صورة أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا.\nفلما تفاقم الأمر بعث الله ﷾ وله الحمد والمنة رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له فقال ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة كقوله ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] إلى غير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العلم باب ٢٠، ومسلم في الفضائل حديث ١٥، وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٩.","vol":"3","page":387},{"text":"ذلك من الآيات.\n﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي ما أنا ضال ولكن أنا رسول من رب العالمين رب كل شيء ومليكه ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا «أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول «اللهم اشهد اللهم اشهد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-549>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]</span>\n﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن نوح أنه قال لقومه ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الآية، أي لا تعجبوا من هذا فإن هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم لينذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال الله تعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي تمادوا على تكذيبه ومخالفته وما آمن معه منهم إلا قليل كما نص عليه في موضع آخر ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ أي السفينة كما قال: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كما قال ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصارًا﴾ [نوح: ٢٥] وقوله ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ أي عن الحق لا يبصرونه ولا يهتدون له فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه وأنجى رسوله والمؤمنين وأهلك أعداءهم من الكافرين كقوله ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] الآية.\nوهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة أن العاقبة فيها للمتقين والظفر والغلب لهم كما أهلك قوم نوح بالغرق ونجى نوحا وأصحابه المؤمنين وقال مالك عن زيد بن أسلم كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز وقال ابن وهب بلغني عن ابن عباس أنه نجا مع نوح في السفينة ثمانون رجلا أحدهم جرهم وكان لسانه عربيا رواه ابن أبي حاتم وروي متصلا من وجه آخر عن ابن عباس ﵄.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الحج حديث ١٤٧، وأبو داود في المناسك باب ٥٦، وابن ماجة في المناسك باب ٨٤، والدارمي في المناسك باب ٣٤.","vol":"3","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-550>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ إلى ٦٩]</span>\n﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾\nيقول تعالى وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحا كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا قال محمد بن إسحاق هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح قلت هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨] وذلك لشدة بأسهم وقوتهم كما قال تعالى ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهي جبال الرمل.\nقال محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة سمعت عليا يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة (^١) حمراء ذا أراك وسدر (^٢) كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت. هل رأيته؟ قال نعم يا أمير المؤمنين؟ والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه، قال لا ولكني قد حدثت عنه فقال الحضرمي وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال فيه قبر هود ﵇ رواه ابن جرير (^٣). وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن فإن هودا ﵇ دفن هناك وقد كان من أشرف قومه نسبا لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم وكانوا من أشد الأمم تكذيبا للحق ولهذا دعاهم هود ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه.\n﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة الله وحده كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد فقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] الآية. ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي لست كما تزعمون بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ﴾ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة.\n_________\n(^١) المدرة: الطين رمل فيه.\n(^٢) الأراك والسدر: نبتتان.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٥٢٣.","vol":"3","page":389},{"text":"﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ أي لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم لينذركم ايام الله ولقاءه بل احمدوا الله على ذاكم ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه ﴿وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ أي زاد طولكم على الناس بسطة أي جعلكم أطول من أبناء جنسكم كقوله في قصة طالوت ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ أي نعمة ومننه عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والآلاء جمع أل وقيل ألى.\n\n<span data-type='title' id=toc-551>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٠ إلى ٧٢]</span>\n﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾\nيخبر تعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود ﵇ ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ﴾ الآية كقول الكفار من قريش ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره أنهم كانوا يعبدون أصناما فصنم يقال له صدا وآخر يقال صمود وآخر يقال له الهباء ولهذا قال هود ﵇ ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ أي قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس قيل هو مقلوب من رجز وعن ابن عباس معناه سخط وغضب.\n﴿أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ أي أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم الهة وهي لا تضر ولا تنفع ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلا ولهذا قال ﴿ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه ولهذا عقبه بقوله ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\nوقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم كما قال في الآية الأخرى ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨] لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتثلغ رأسه حتى تبينه من بين جثته ولهذا قال ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت وكانوا مع ذلك قد","vol":"3","page":390},{"text":"فشوا في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله فبعث الله إليهم هودا ﵇ وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلها غيره وأن يكفوا عن ظلم الناس فأبوا عليه وكذبوه وقالوا من أشد منا قوة واتبعه منهم ناس وهم يسير يكتمون إيمانهم فلما عتت عاد على الله وكذبوا نبيه وأكثروا في الأرض الفساد وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثا بغير نفع كلمهم هود فقال ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣١] ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أي بجنون ﴿قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٣ - ٥٦].\nقال محمد بن إسحاق: فلما أبوا إلا الكفر به أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين فيما يزعمون حتى جهدهم ذلك قال: وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان وطلبوا من الله الفرج فيه إنما يطلبونه بحرمة ومكان بيته وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان وبه العماليق مقيمون وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال هل معاوية بن بكر وكانت له أم من قوم عاد واسمها كلهدة ابنة الخيبري قال فبعثت عاد وفدا قريبا من سبعين رجلا إلى الحرم ليستسقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان: قينتان لمعاوية وكانوا قد وصلوا إليه في شهر فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرا يعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنياهم به فقال: [الوافر] ألا يا قيل ويحك قم فهينم … لعلّ الله يصبحنا غماما (^١)\nفيسقي أرض عاد إن عادا … قد أمسوا لا يبينون الكلاما\nمن العطش الشديد وليس نرجو … به الشيخ الكبير ولا الغلاما\nوقد كانت نساؤهم بخير … فقد أمست نساؤهم عيامى\nوإن الوحش تأتيهم جهارا … ولا تخشى لعادي سهاما\nوأنتم هاهنا فيما اشتهيتم … نهاركم وليلكم التماما\nفقبح وفدكم من وفد قوم … ولا لقّوا التحية والسلاما\nقال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له فنهضوا على الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو فيل بن عنز فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وسوداء وحمراء ثم ناداه مناد من السماء اختر لنفسك\n_________\n(^١) الأبيات في تفسير الطبري ٥/ ٥٢٥، ٥٢٦، والبيت الأول في كتاب العين ٤/ ٦٠.","vol":"3","page":391},{"text":"أو لقومك من هذا السحاب فقال: اخترت هذه السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد اخترت رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بني اللوذية المهندا، قال وبنو اللوذية بطن من عاد يقيمون بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة.\nقال: وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] أي تهلك كل شيء مرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها مميد فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا ما رأيت يا مميد؟ قالت ريحا فيها شبه النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما كما قال الله تعالى. والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك، واعتزل هود ﵇ فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الأنفس وإنها لتمر على عاد بالظعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة (^١).\nوذكر تمام القصة بطولها وهو سياق غريب فيه فوائد كثيرة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨].\nوقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق بن يسار ﵀.\nقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فمررت بالربذة فإذا بعجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي:\nيا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة هل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وإذا بلال متقلد سيفا بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها قال فجلست فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت وسلمت فقال: هل بينكم وبين تميم شيء قلت:\nنعم وكانت لنا الدائرة عليهم.\nومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب فأذن لها\n_________\n(^١) الحديث بتمامه في تفسير الطبري ٥/ ٥٢٤، ٥٢٥، ٥٢٦، ٥٢٧.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٨٢.","vol":"3","page":392},{"text":"فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك قال قلت: إن مثلي مثل ما قال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد قال لي «وما وافد عاد؟» وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه قلت إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه. اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا قال: فما بلغني أنه بعث الله عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل وصدق قال: وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا لا تكن كوافد عاد (^١).\nهكذا رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن زيد بن الحباب به نحوه، ورواه النسائي من حديث سلام بن أبي المنذر عن عاصم وهو ابن بهدلة ومن طريقه رواه ابن ماجة أيضا عن أبي وائل عن الحارث بن حسان البكري به ورواه ابن جرير (^٢) عن أبي كريب عن زيد بن حباب به ووقع عنده عن الحارث بن يزيد البكري فذكره ورواه أيضا عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث بن حسان البكري فذكره ولم أر في النسخة أبا وائل والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-552>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٣ إلى ٧٨]</span>\n﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨)﴾\nقال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥١، باب ١.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٥٢٧، ٥٢٨.","vol":"3","page":393},{"text":"وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ﵇ وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مر رسول الله ﷺ على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال:\nلما نزل رسول الله ﷺ بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور فأمرهم النبي ﷺ فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال «إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم».\nوقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا عفان حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ وهو بالحجر «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» (^٣) وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه.\nوقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا يزيد بن هارون المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنادى في الناس «الصلاة جامعة» قال فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعنزة وهو يقول «ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم» فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله؟ قال «أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك. رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا» لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٥) حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال «لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت-يعني الناقة-ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١١٧.\n(^٢) المسند ٢/ ٧٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٥٣، ومسلم في الزهد حديث ٣٨، ٣٩.\n(^٤) المسند ٤/ ٢٣١.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٩٦.","vol":"3","page":394},{"text":"منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله» فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال «أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِلى ثَمُودَ﴾ أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض (^١) فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه.\nفلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح ﵇ إلى صلاته ودعا الله ﷿ فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلهس وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل ﵀: [الوافر] وكانت عصبة من آل عمرو … إلى دين النبي دعوا شهابا (^٢)\nعزيز ثمود كلهم جميعا … فهمّ بأن يجيب فلو أجابا\nلأصبح صالح فينا عزيزا … وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا\nولكن الغواة من آل حجر … تولوا بعد رشدهم ذئابا\nوأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملئون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] وقال تعالى:\n﴿هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية\n_________\n(^١) تمخض: أي يأخذها الطلق.\n(^٢) الأبيات في تفسير الطبري ٥/ ٥٣٢. وفيه: مهوس بن عثمة بن الدميل.","vol":"3","page":395},{"text":"ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم ذلك واشتد تكذيبهم لصالح النبي ﵇ عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها، قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] وقال ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ وقال ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم.\nوذكر الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم غنم كانت عجوزا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ﵇، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة، فدعت صدوف رجلا يقال له الحباب، فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف، وإنما هو من رجل يقال له صهياد ولكن ولد على فراش سالف.\nوقالت له: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف، ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء، وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها.\nوخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وذمّرته وشد على الناقة بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا، فروى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال: يا رب أين أمي؟ ويقال إنه رغا ثلاث مرات وإنه دخل في صخرة فغاب فيها، ويقال بل اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم، فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا ﵇، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٥/ ٥٣٣.","vol":"3","page":396},{"text":"رأى الناقة بكى وقال ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾ [هود: ٦٥] الآية.\nوكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا: إن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ الآية.\nفلما عزموا على ذلك وتواطؤوا عليه وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله، فأرسل الله ﷾ وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم، وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ﵇، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة.\nفلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب، وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي صرعى لا أرواح فيهم ولم يفلت منهم أحد لا صغير ولا كبير لا ذكر ولا أنثى، قالوا: إلا جارية كانت مقعدة واسمها كلبة ابنة السلق، ويقال لها الزريقة، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح ﵇، فلما رأت ما رأت من العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء فأتت حيا من الأحياء فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها ثم استسقتهم من الماء، فلما شربت ماتت.\nقال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح ﵇ ومن تبعه ﵃، إلا أن رجلا يقال له أبو رغال كان لما وقعت النقمة بقومه مقيما إذ ذاك في الحرم فلم يصبه شيء فلما خرج في بعض الأيام إلى الحل جاءه حجر من السماء فقتله، وقد تقدم في أول القصة حديث جابر بن عبد الله في ذلك وذكروا أن أبا رغال هذا هو والد ثقيف الذين كانوا يسكنون الطائف.\nقال عبد الرزاق عن معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي ﷺ مر بقبر أبي رغال فقال «أتدرون من هذا؟» قالوا الله ورسوله أعلم، قال «هذا قبر أبي رغال رجل من ثمود كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن» وقال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف هذا مرسل من هذا الوجه.\nوقد روي متصلا من وجه آخر كما قال محمد بن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية عن","vol":"3","page":397},{"text":"بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال «هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم فدفع عنه. فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه، فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن» وهكذا رواه أبو داود (^١)، عن يحيى بن معين عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن ابن إسحاق به، قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز.\n(قلت) تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث، قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحدا روى عنه غير إسماعيل بن أمية، (قلت) وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث. وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين، قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك وهذا محتمل والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-553>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٩]</span>\n﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ (٧٩)﴾\nهذا تقريع من صالح ﵇ لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم، تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل بدر أقام هناك ثلاثا، ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها ثم سار حتى وقف على القليب قليب بدر، فجعل يقول «يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة ويا فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» فقال له عمر:\nيا رسول الله ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون» (^٢).\nوفي السيرة أنه ﵇ قال لهم «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم».\nوهكذا صالح ﵇ قال لقومه ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي فلم تنتفعوا بذلك لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحا، ولهذا قال ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وقد ذكر بعض المفسرين: أن كل نبي هلكت أمته كان يذهب فيقيم في الحرم حرم مكة، والله أعلم.\n_________\n(^١) كتاب الإمارة باب ٤١.\n(^٢) تقدم الحديث مع تخريجه في تفسير الآية ٤٤ من هذه السورة.","vol":"3","page":398},{"text":"وقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما مر رسول الله ﷺ بوادي عسفان حين حج قال «يا أبا بكر أي راد هذا؟» قال هذا وادي عسفان، قال «لقد مر به هود وصالح ﵉ على بكرات خطمهن الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق» هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجه أحد منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-554>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ إلى ٨١]</span>\n﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾\nيقول تعالى ﴿وَ﴾ لقد أرسلنا ﴿لُوطًا﴾ أو تقديره واذكر لوطا ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولوط هو ابن هاران بن آزر وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵉، وكان قد آمن مع إبراهيم ﵇ وهاجر معه إلى أرض الشام فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله ﷿ ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله.\nقال عمرو بن دينار في قوله ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ قال: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط (^٢)، وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي باني جامع دمشق: لولا أن الله ﷿ قص علينا خبر قوم ولوط ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا، ولهذا قال لهم لوط ﵇ ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ﴾ أي عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال وهذا إسراف منكم وجهل لأنه وضع الشيء في غير محله، ولهذا قال لهم في الآية الأخرى ﴿هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] فأرشدهم إلى نسائهم فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] أي لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك، وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض وكذلك نساؤهم كن قد استغنين بعضهن ببعض أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-555>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٢]</span>\n﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٣٤.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥٤٠.","vol":"3","page":399},{"text":"أي ما أجابوا لوطا إلا أن هموا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، فأخرجه الله تعالى سالما وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال قتادة:\nعابوهم بغير عيب (^١)، وقال مجاهد: إنهم أناس يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء.\nوروي مثله عن ابن عباس أيضا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-556>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]</span>\n﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾\nيقول تعالى فأنجينا لوطا وأهله ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط ﵇ ليسري بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول: بل اتبعتهم فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال هاهنا ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي الباقين، وقيل من الهالكين وهو تفسير باللازم.\nوقوله ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ مفسر بقوله ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣] ولهذا قال ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة من يجترئ على معاصي الله ﷿ ويكذب رسله.\nوقد ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط، وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم سواء كان محصنا أو غير محصن وهو أحد قولي الشافعي ﵀ والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو بن أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (^٣) وقال آخرون هو كالزاني فإن كان محصنا رجم، وإن لم يكن محصنا جلد مائة جلدة، وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء إلا قولا شاذا لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ وقد تقدم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥٤١.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ٥٤١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الحدود باب ٢٤، وابن ماجة في الحدود باب ١٢.","vol":"3","page":400},{"text":"الكلام عليها في سورة البقرة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-557>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]</span>\n﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾\nقال محمد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن إبراهيم وشعيب وهو ابن ميكيل بن يشجر قال واسمه بالسريانية يثرون (قلت) مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة وهي التي بقرب معان من طريق الحجاز قال الله تعالى: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه دعوة الرسل كلهم قد جاءتكم بينة من ربكم، أي قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم الناس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي لا يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس وهو نقص المكيال والميزان وتدليسا كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد نسأل الله العافية منه، ثم قال تعالى إخبارا عن شعيب الذي يقال له خطيب الأنبياء لفصاحة عبارته وجزالة موعظته.\n\n<span data-type='title' id=toc-558>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]</span>\n﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)﴾\nينهاهم شعيب ﵇ عن قطع الطريق الحسي والمعنوي بقوله ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم قال السدي وغيره: كانوا عشارين (^٢)، وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه (^٣) والأول أظهر لأنه قال ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ وهو الطريق وهذا الثاني هو قوله ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أي وتودون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة.\n_________\n(^١) في تفسير الآية ٢٢٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٥٤٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٥٤٤.","vol":"3","page":401},{"text":"﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ أي كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عددكم فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي من الأمم الخالية والقرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله.\nوقوله ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي قد اختلفتم علي ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي انتظروا ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا﴾ وبينكم أي يفصل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-559>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]</span>\n﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)﴾\nهذا خبر من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه شعيبا ومن معه من المؤمنين في توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة.\nوقوله ﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ يقول أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادا وهذا تعبير منه عن اتباعهم ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ وهذا رد إلى المشيئة فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علما ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ أي خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجوز أبدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-560>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]</span>\n﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢)﴾\nيخبر تعالى عن شدة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق ولهذا أقسموا وقالوا ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ فلهذا عقبه بقوله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة وذلك كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود فقال ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤] والمناسبة هناك والله أعلم أنهم لما تهكموا به في","vol":"3","page":402},{"text":"قولهم ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] الآية فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى إخبارا عنهم في سورة الشعراء ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٨٩] وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الشعراء:١٨٧] الآية.\nفأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله أصابهم ﴿عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها ثم قال تعالى مقابلا لقيلهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-561>[سورة الأعراف (٧): آية ٩٣]</span>\n﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)﴾\nأي فتولى عنهم شعيب ﵇ بعد ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرعا لهم وموبخا ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي قد أديت إليكم ما أرسلت به فلا آسف عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به فلهذا قال ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾؟\n\n<span data-type='title' id=toc-562>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء، يعني بالبأساء ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾، أي يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم، وتقدير الكلام أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا فما فعلوا شيئا من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه، ولهذا قال ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي حولنا الحالة من شدة إلى رخاء ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ومن فقر إلى غنى ليشكروا على ذلك فما فعلوا، وقوله ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال عفا الشيء إذا كثر.\n﴿وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى:","vol":"3","page":403},{"text":"ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ولا انتهوا بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، بل لم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين.\nوهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ويصبرون على الضراء كما ثبت في الصحيحين «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له» (^١) فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيم أرسلوه» (^٢) أو كما قال، ولهذا عقب هذه الصفة بقوله ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي على بغتة، وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة كما في الحديث «موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-563>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٦ إلى ٩٩]</span>\n﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)﴾\nيخبر تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] أي ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس، فإنهم آمنوا وذلك بعد ما عاينوا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨] وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٣٤] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل وصدقت به واتبعوه، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي قطر السماء ونبات الأرض، قال تعالى: ﴿وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الطهارة حديث ٣٢، والترمذي في الطهارة باب ٢، ومالك في الطهارة حديث ٣١، وأحمد في المسند ٢/ ٣٠٣.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجنائز باب ١٠، وأحمد في المسند ٣/ ٤٢٤، ٤/ ٢١٩.","vol":"3","page":404},{"text":"أي ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم.\nثم قال تعالى مخوفا ومحذرا من مخالفة أوامره والتجرؤ على زواجره: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ أي الكافرة ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا﴾ أي عذابنا ونكالنا ﴿بَياتًا﴾ أي ليلا ﴿وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي في حال شغلهم وغفلتهم ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ أي بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ ولهذا قال الحسن البصري ﵀: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.\n\n<span data-type='title' id=toc-564>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾\nقال ابن عباس ﵄ في قوله ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها﴾ أو لم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، وكذا قال مجاهد وغيره، وقال أبو جعفر بن جرير (^١) في تفسيرها: يقول تعالى أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم وعتوا على ربهم ﴿أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ يقول: إن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يقول ونختم على قلوبهم ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ موعظة ولا تذكيرا (قلت) وهكذا قال تعالى:\n﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ١٢٨] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] وقال ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٤ - ٤٥] الآية، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] أي هل ترى لهم شخصا أو تسمع لهم صوتا؟.\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٥ - ٢٧].\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١١.","vol":"3","page":405},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٥ - ٤٦] وقال تعالى ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الأنعام: ١٠] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه وحصول نعمه لأوليائه ولهذا عقب بقوله وهو أصدق القائلين ورب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-565>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]</span>\n﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)﴾\nلما قص تعالى على نبيه ﷺ خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي يا محمد ﴿مِنْ أَنْبائِها﴾ أي من أخبارها ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١ - ١٠٢].\nوقوله تعالى: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ الباء سببية، أي فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم حكاه ابن عطية ﵀ وهو متجه حسن كقوله ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠ - ١١١] الآية، ولهذا قال هنا ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أى لأكثر الأمم الماضية.\n﴿مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ أي ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو فأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به، وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا شرع، وفي الفطرة السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم، يقول الله تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن","vol":"3","page":406},{"text":"دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» (^١) وفي الصحيحين «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (^٢) الحديث.\nوقال تعالى في كتابه العزيز ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ما روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قال كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق (^٣)، أي فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك، وكذا قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن أنس، واختاره ابن جرير (^٤)، وقال السدي ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها (^٥)، وقال مجاهد في قوله ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ هذا كقوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] الآية (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-566>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٣]</span>\n﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ أي بحججنا ودلائلنا البينة إلى فرعون، وهو ملك مصر في زمن موسى ﴿وَمَلائِهِ﴾ أي قومه ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أي جحدوا وكفروا بها ظلما منهم وعنادا، وكقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] أي الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي انظر يا محمد كيف فعلنا بهم وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه وأشفى لقلوب أولياء الله موسى وقومه من المؤمنين به.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٨٠، ومسلم في القدر حديث ٢٢، ٢٣، ٢٤.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٢.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٣.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٢.\n(^٦) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٢، ١٣.","vol":"3","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-567>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٦]</span>\n﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٠٦)﴾\nيخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة وإظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه، ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ فقال بعضهم: معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي جدير بذلك وحري به، قالوا: والباء وعلى يتعاقبان يقال رميت بالقوس وعلى القوس، وجاء على حال حسنة وبحال حسنة.\nوقال بعض المفسرين: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق، وقرأ آخرون من أهل المدينة: حقيق عليّ بمعنى واجب وحق علي ذلك أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من عز جلاله وعظيم شأنه ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقي فيما جئتكم به ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي قال فرعون لست بمصدقك فيما قلت ولا بمطيعك فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقا فيما ادعيت.\n\n<span data-type='title' id=toc-568>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]</span>\n﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (١٠٨)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ الحية الذكر (^١)، وكذا قال السدي والضحاك، وفي حديث الفتون من رواية يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ﴿فَأَلْقى عَصاهُ﴾ فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره (^٢) واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل (^٣)، وقال قتادة: تحولت حية عظيمة مثل المدينة (^٤).\nوقال السدي في قوله ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ الثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٦.\n(^٢) اقتحم عن سريره: أي رمى بنفسه عن سريره.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٦.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٥.","vol":"3","page":408},{"text":"لحيها الأسفل في الأرض والأخر على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فلما رآها ذعر منها ووثب وأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، وصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى ﵇ فعادت عصا (^١)، وروي عن عكرمة عن ابن عباس نحو هذا، وقال وهب بن منبه: لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون: أعرفك قال نعم قال ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] قال: فرد إليه موسى الذي رد، فقال فرعون: خذوه فبادر موسى ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا، وقام فرعون منهزما حتى دخل البيت، رواه ابن جرير والإمام أحمد، في كتابه الزهد، وابن أبي حاتم وفيه غرابة في سياقه والله أعلم.\nوقوله ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أي أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢] الآية، وقال ابن عباس في حديث الفتون: من غير سوء يعني من غير برص ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول (^٢)، وكذا قال مجاهد وغير واحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-569>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]</span>\n﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾\nأي قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه بعد ما رجع إليه روعه واستقر على سرير مملكته بعد ذلك قال للملأ حوله ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فوافقوا وقالوا كمقالته وتشاوروا في أمره كيف يصنعون في أمره وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته وظهور كذبه وافترائه وتخوفوا أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون فيكون ذلك سببا لظهوره عليهم وإخراجه إياهم من أرضهم والذي خافوا منه وقعوا فيه كما قال تعالى:\n﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا بما فيه اتفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-570>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١١ إلى ١١٢]</span>\n﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾\nقال ابن عباس ﴿أَرْجِهْ﴾ أخره وقال قتادة احبسه ﴿وَأَرْسِلْ﴾ أي ابعث ﴿فِي الْمَدائِنِ﴾ أي في الأقاليم ومدائن ملكك ﴿حاشِرِينَ﴾ أي من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم وقت كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا واعتقد من اعتقد منهم وأوهم من أوهم منهم أن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٧.","vol":"3","page":409},{"text":"ما جاء به موسى ﵇ من قبيل ما تشعبذه سحرتهم فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال ﴿أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ [طه:\n٥٧ - ٦٠] وقال تعالى هاهنا:\n\n<span data-type='title' id=toc-571>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]</span>\n﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾\nيخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى ﵇ إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلا فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده فلما توثقوا من فرعون لعنه الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-572>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٥ إلى ١١٦]</span>\n﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾\nهذه مبارزة من السحرة لموسى ﵇ في قولهم ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي قبلك كما قال في الآية الأخرى ﴿وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ [طه: ٦٥] فقال لهم موسى ﵇ ألقوا أي أنتم أولا، قيل الحكمة في هذا والله أعلم ليرى الناس صنيعهم ويتأملوا فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلب له والانتظار منهم لمجيئه فيكون أوقع في النفوس وكذا كان ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوا له حقيقة في الخارج ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال كما قال تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه: ٦٦ - ٦٩].\nقال سفيان بن عيينة حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس: ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، قال فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (^١) وقال محمد بن إسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه وخرج موسى ﵇ معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته ثم قال السحرة ﴿يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ [طه: ٦٥ - ٦٧] فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى كل رجل\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢١.","vol":"3","page":410},{"text":"منهم ما في يده من الحبال والعصي فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا (^١).\nوقال السدي كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل وليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يقول فرقوهم أي من الفرق وقال ابن جرير (^٢): حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن هشام الدستوائي حدثنا القاسم بن أبي بزة قال جمع فرعون سبعين ألف ساحر فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولهذا قال تعالى: ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-573>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ إلى ١٢٢]</span>\n﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)﴾\nيخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى ﵇ في ذلك الموقف العظيم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي تأكل ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أي ما يلقونه ويوهمون أنه حق وهو باطل قال ابن عباس فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء ليس هذا بسحر فخروا سجدا وقالوا ﴿آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق جعلت تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت ووقع السحرة سجدا ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ لو كان هذا ساحرا ما غلبنا. وقال القاسم بن أبي بزة أوحى الله إليه أن ألق عصاك فألقي عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه يبتلع حبالهم وعصيهم فألقي السحرة عند ذلك سجدا فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-574>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]</span>\n﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾\nيخبر تعالى عما توعد به فرعون لعنه الله السحرة لما آمنوا بموسى ﵇ وما أظهره\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٢.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٤.","vol":"3","page":411},{"text":"للناس من كيده ومكره في قوله ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾ أي إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك كقوله في الآية الأخرى ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٢٣٨] وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل فإن موسى ﵇ بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به.\nفعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطنته فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر ممن اختار هو والملأ من قومه وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون.\nوموسى ﵇ لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به وفرعون يعلم ذلك وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] فإن قوما صدقوه في قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] من أجهل خلق الله وأضلهم.\nوقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال: التقى موسى ﵇ وأمير السحرة فقال له موسى أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق. قال الساحر لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهما قالوا فلهذا قال ما قال (^١).\nوقوله ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾ أي تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء وتكون الدولة والتصرف لكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما أصنع بكم ثم فسر هذا الوعيد بقوله ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ يعني يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على الجذوع.\nقال ابن عباس وكان أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون وقول السحرة ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي قد تحققنا أنا إليه راجعون وعذابه أشد من عذابك ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك فلنصبرن اليوم على عذابك لنخلص عن عذاب الله ولهذا قالوا ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أي عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أي متابعين لنبيك موسى ﵇ وقالوا لفرعون ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٤.","vol":"3","page":412},{"text":"﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ [طه: ٧٢ - ٧٥] فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة، قال ابن عباس وعبيد بن عمير وقتادة وابن جريج كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-575>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٩]</span>\n﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾\nيخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه وما أضمروه لموسى ﵇ وقومه من الأذى والبغضة ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي لفرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ﴾ أي أتدعهم ليفسدوا في الأرض أي يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك يا لله العجب صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لا يشعرون ولهذا قالوا ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قال بعضهم الواو هاهنا حالية أي أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك؟ وقرأ ذلك أبي بن كعب وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك حكاه ابن جرير (^٢).\nوقال آخرون: هي عاطفة أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك، وقرأ بعضهم إلا هتك أي عبادتك وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره وعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده قال الحسن البصري كان لفرعون إله يعبده في السر وقال في رواية أخرى كان له حنانة في عنقه معلقة يسجد لها (^٣).\nوقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وآلهته فيما زعم ابن عباس كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها فلذلك أخرج لهم السامري عجلا جسدا له خوار.\nفأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وهذا أمر ثان بهذا الصنيع وقد كان نكل بهم قبل ولادة موسى ﵇ حذرا من وجوده فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون.\nوهكذا عومل في صنيعه أيضا لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم فجاء الأمر على خلاف ما أراد: أعزهم الله وأذله وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده. ولما صمم فرعون على ما ذكره من\n_________\n(^١) انظر الآثار في تفسير الطبري ٦/ ٢٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٦.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٦.","vol":"3","page":413},{"text":"المساءة لبني إسرائيل ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا﴾ ووعدهم بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم في قوله ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ أي قد فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك فقال منبها لهم على حالهم الحاضر وما يصيرون إليه في ثاني الحال ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ الآية، وهذا تخصيص لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم.\n\n<span data-type='title' id=toc-576>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٠ إلى ١٣١]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم ﴿بِالسِّنِينَ﴾ وهي سني الجوع بسبب قلة الزروع ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قال مجاهد وهو دون ذلك وقال أبو إسحاق عن رجاء بن حيوة كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي من الخصب والرزق ﴿قالُوا لَنا هذِهِ﴾ أي هذا لنا بما نستحقه ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي جدب وقحط ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي هذا بسببهم وما جاءوا به.\n﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ يقول مصائبهم عند الله ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (^١) وقال ابن جريج عن ابن عباس قال ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي إلا من قبل الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-577>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٢ إلى ١٣٥]</span>\n﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ عن تمرد قوم فرعون وعتوهم وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل في قولهم ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقولون أي آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها رددناها فلا نقبلها منك ولا نؤمن بك ولا بما جئت به قال الله تعالى:\n﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ اختلفوا في معناه فعن ابن عباس في رواية كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار وبه قال الضحاك بن مزاحم، وعن ابن عباس في رواية أخرى هو كثرة الموت وكذا قال عطاء، وقال مجاهد: الطوفان الماء والطاعون على كل حال.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣١.","vol":"3","page":414},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان حدثنا المنهال بن خليفة عن الحجاج عن الحكم بن ميناء عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «الطوفان الموت» وكذا رواه ابن مردويه من حديث يحيى بن يمان به، وهو حديث غريب، وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم ثم قرأ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ﴾ وأما الجراد فمعروف مشهور وهو مأكول لما ثبت في الصحيحين عن أبي يعفور قال سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد فقال غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد (^٢).\nوروى الشافعي وأحمد بن حنبل وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد والكبد والطحال» (^٣) ورواه أبو القاسم البغوي عن داود بن رشيد عن سويد بن عبد العزيز عن أبي تمام الأيلي عن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا مثله.\nوروى أبو داود (^٤) عن محمد بن الفرج عن محمد بن زبرقان الأهوازي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: سئل رسول الله ﷺ عن الجراد فقال «أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه» وإنما تركه ﵇ لأنه كان يعافه كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب وأذن فيه.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد من حديث أبي سعيد الحسن بن علي العدوي حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد، حدثنا يحيى بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ لا يأكل الجراد ولا الكلوتين ولا الضب من غير أن يحرمها أما الجراد فرجز وعذاب، وأما الكلوتان فلقربهما من البول، وأما الضب فقال «أتخوف أن يكون مسخا» ثم قال غريب لم أكتبه إلا من هذا الوجه، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يشتهيه ويحبه، فروى عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن عمر سئل عن الجراد فقال: ليت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين نأكله (^٥).\nوروى ابن ماجة (^٦): حدثنا أحمد بن منيع عن سفيان بن عيينة عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال سمع أنس بن مالك يقول كان أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد على الأطباق،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في الذبائح باب ١٣، ومسلم في الصيد حديث ٥٢.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة باب ٣١، وأحمد في المسند ٢/ ٩٧.\n(^٤) كتاب الأطعمة باب ٣٤.\n(^٥) أخرجه مالك في صفة النبي حديث ٣٠.\n(^٦) كتاب الصيد باب ٩.","vol":"3","page":415},{"text":"وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد حدثنا بقية بن الوليد عن يحيى بن يزيد القعنبي حدثني أبي عن صدي بن عجلان عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ «إن مريم بنت عمران ﵍ سألت ربها ﷿ أن يطعمها لحما لا دم له فأطعمها الجراد فقالت اللهم أعشه بغير رضاع وتابع بينه بغير شياع» وقال نمير: الشياع الصوت، وقال أبو بكر بن أبي داود:\nحدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك المزني، حدثنا بقية بن الوليد حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقاتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم» غريب جدا.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ﴾ قال:\nكانت تأكل مسامير أبوابهم وتدع الخشب، وروى ابن عساكر من حديث علي بن زيد الخرائطي عن محمد بن كثير سمعت الأوزاعي يقول: خرجت إلى الصحراء فإذا أنا برجل من جراد في السماء فإذا برجل راكب على جرادة منها وهو شاك في الحديد وكلما قال بيده هكذا مال الجراد مع يده وهو يقول الدنيا باطل باطل ما فيها الدنيا باطل باطل ما فيها الدنيا باطل باطل ما فيها.\nوروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد، حدثنا أحمد بن عبد الرحيم أخبرنا وكيع عن الأعمش أنبأنا عامر قال: سئل شريح القاضي عن الجراد فقال: قبح الله الجرادة فيها خلقة سبعة جبابرة، رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجل جمل، وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب.\nوقدمنا عند قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ﴾ حديث حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل جراد فجعلنا نضربه بالعصي ونحن محرمون، فسألنا رسول الله ﷺ فقال «لا بأس بصيد البحر» (^١).\nوروى ابن ماجة (^٢) عن هارون الحمال عن هشام بن القاسم عن زياد بن عبد الله بن علاثة عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أنس وجابر عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا دعا على الجراد قال «اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء» فقال له جابر يا رسول الله أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال «إنما هو نثرة حوت في البحر» قال هشام أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوت قال من حقق ذلك إن السمك إذا باض في ساحل البحر فنضب الماء عنه وبدا للشمس\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٠٦، ٣٦٤، ٤٠٧.\n(^٢) كتاب الصيد باب ٩.","vol":"3","page":416},{"text":"أنه يفقس كله جرادا طيارا.\nوقدمنا عند قوله ﴿إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ حديث عمر ﵁ «إن الله خلق ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، وإن أولها هلاكا الجراد»، وقال أبو بكر بن أبي داود حدثنا يزيد بن المبارك حدثنا عبد الرحمن بن قيس حدثنا سالم بن سالم حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ «لا وباء مع السيف ولا نجاء مع الجراد» حديث غريب وأما القمل فعن ابن عباس هو السوس الذي يخرج من الحنطة وعنه أنه الدبا وهو الجراد الصغير الذي لا أجنحة له وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعن الحسن وسعيد بن جبير القمل دواب سود صغار، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: القمل البراغيث، وقال ابن جرير (^١) القمل جمع واحدتها قملة وهي دابة تشبه القمل تأكلها الإبل فيما بلغني وهي التي عناها الأعشى بقوله: [الكامل] قوم يعالج قمّلا أبناؤهم … وسلاسلا أجدى وبابا مؤصدا (^٢)\nقال: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة، يزعم أن القمل عند العرب الحمنان واحدتها حمنانة وهي صغار القردان فوق القمقامة. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى ﵇ فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر فصب عليهم منه شيئا خافوا أن يكون عذابا فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ.\nفقالوا: هذا ما كنا نتمنى فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم الجراد فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل فداسوا وأحرزوا في البيوت فقالوا قد أحرزنا فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٤.\n(^٢) البيت في ديوان الأعشى ص ٢٨١، ولسان العرب (قمل)، ورواية البيت في ديوان الأعشى: قوما تعالج قمّلا أبناؤهم وسلاسلا أجدا وبابا مؤصدا\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٤، ٣٥.","vol":"3","page":417},{"text":"فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون ما تلقى أنت وقومك من هذا فقال وما عسى أن يكون كيد هذا فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا وأرسل الله عليهم الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار وما كان في أوعيتهم وجدوه دما عبيطا فشكوا إلى فرعون فقالوا إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب.\nفقال: إنه قد سحركم، فقالوا من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا فأتوه وقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل.\nوقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف أنه أخبر بذلك، وقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀، فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مغلولا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عليه الآيات فأخذه بالسنين وأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات، فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض، ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك ﴿قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم فقالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل فذكر لي أن موسى ﵇ أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار.\nفلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشف أحد ثوبا ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فسأل ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عاد دما عبيطا (^١).\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور المروزي أنبأنا النضر أنبأنا إسرائيل أنبأنا جابر بن يزيد عن عكرمة عن عبيد الله بن عمرو قال: لا تقتلوا الضفادع فإنها لما أرسلت على\n_________\n(^١) انظر الأثر في تفسير الطبري ٦/ ٣٧، ٣٨.","vol":"3","page":418},{"text":"قوم فرعون انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار يطلب بذلك مرضاة الله فأبدلهن الله من هذا أبرد شيء يعلمه من الماء وجعل نقيقهن التسبيح، وروي من طريق عكرمة عن ابن عباس نحوه، وقال زيد بن أسلم: يعني بالدم الرعاف. رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-578>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٦ إلى ١٣٧]</span>\n﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾\nيخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم وهو البحر الذي فرقه لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها، وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون وهم بنو إسرائيل ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] وعن الحسن البصري وقتادة في قوله ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ يعني الشام.\nوقوله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ قال مجاهد وابن جرير وهي قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦] وقوله ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ أي وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ﴿يَعْرِشُونَ﴾ يبنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-579>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٨ إلى ١٣٩]</span>\n﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾\nيخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى ﵇ حين جاوزوا البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا ﴿فَأَتَوْا﴾ أي فمروا ﴿عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾.\nقال بعض المفسرين كانوا من الكنعانيين وقيل كانوا من لخم (^١) قال ابن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٦.","vol":"3","page":419},{"text":"جرير (^١): وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا ﴿يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ أي هالك ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وروى الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢) في تفسير هذه الآية من حديث محمد بن إسحاق وعقيل ومعمر كلهم عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ إلى حنين قال وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قال: فمررنا بسدرة (^٣) خضراء عظيمة قال: فقلنا:\nيا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: «قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت يا نبي الله: اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون (^٥) سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي ﷺ: «الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنكم تركبون سنن من قبلكم» أورده ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعا.\n\n<span data-type='title' id=toc-580>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٠ إلى ١٤١]</span>\n﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾\nيذكرهم موسى ﵇ نعم الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره وما كانوا فيه من الهوان والذلة وما صاروا إليه من العزة والاشتفاء من عدوهم والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره وقد تقدم تفسيرها في البقرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-581>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٢]</span>\n﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾\n_________\n(^١) في تفسير الطبري ٦/ ٤٦، الأثر عن ابن جريج.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٦، ٤٧.\n(^٣) السدرة: شجرة النبق.\n(^٤) المسند ٥/ ٢١٨.\n(^٥) ينوطون: يعلقون.","vol":"3","page":420},{"text":"يقول تعالى ممتنا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى ﵇ وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة قال المفسرون فصامها موسى ﵇ وطواها فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر أربعين وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة والعشر عشر ذي الحجة قاله مجاهد ومسروق وابن جريج وروي عن ابن عباس وغيره.\nفعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر وحصل فيه التكليم لموسى ﵇ وفيه أكمل الله الدين لمحمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فلما تم الميقات وعزم موسى على الذهاب إلى الطور كما قال تعالى: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] الآية فحينئذ استخلف موسى ﵇ على بني إسرائيل أخاه هارون ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد وهذا تنبيه وتذكير وإلا فهارون ﵇ نبي شريف كريم على الله له وجاهة وجلالة صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.\n\n<span data-type='title' id=toc-582>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]</span>\n﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾\nيخبر تعالى عن موسى ﵇ أنه لما جاء لميقات الله تعالى وحصل له التكليم من الله تعالى سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي﴾ وقد أشكل حرف لن هاهنا على كثير من العلماء لأنها موضوعة لنفي التأبيد فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة وهذا أضعف الأقوال لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢].\nوقوله تعالى إخبارا عن الكفار ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وقيل إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤيا في الدار الآخرة وقيل إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقد تقدم ذلك في الأنعام وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى ﵇ «يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده» (^١) ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾.\n_________\n(^١) تدهده: أي تهدم.","vol":"3","page":421},{"text":"قال أبو جعفر بن جرير الطبري (^١) في تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي حدثنا قرة بن عيسى حدثنا الأعمش عن رجل عن أنس عن النبي ﷺ قال: لما تجلى ربه للجبل أشار بإصبعه فجعله دكا. وأرانا أبو إسماعيل بإصبعه السبابة، هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال (^٢): حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد عن ليث عن أنس أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: هكذا بإصبعه، ووضع النبي ﷺ إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل.\nهكذا وقع في هذه الرواية حماد بن سلمة عن ليث عن أنس والمشهور حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس كما قال ابن جرير (^٣): حدثني المثنى حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: «ووضع الإبهام قريبا من طرف خنصره»، قال: «فساخ الجبل» قال حميد لثابت يقول هكذا فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد وقال يقوله رسول الله ﷺ ويقوله أنس وأنا أكتمه؟ وهكذا رواه الإمام أحمد (^٤) في مسنده حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال «هكذا» يعني أنه أخرج طرف الخنصر قال أحمد: أرانا معاذ فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال فضرب صدره ضربة شديدة وقال من أنت يا حميد وما أنت يا حميد؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ يقول ما تريد إليه؟.\nوهكذا رواه الترمذي (^٥) في تفسير هذه الآية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق عن معاذ بن معاذ به وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة به ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق عن حماد بن سلمة به وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nورواه أبو محمد بن الحسن بن محمد بن علي الخلال عن محمد بن علي بن سويد عن أبي القاسم البغوي عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة فذكره وقال هذا إسناد صحيح لا علة فيه، وقد رواه داود بن المحبر عن شعبة عن ثابت عن أنس مرفوعا وهذا ليس بشيء، لأن داود بن المحبر كذاب، رواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر بن مردويه من طريقين عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٤.\n(^٤) المسند ٣/ ١٢٥.\n(^٥) كتاب التفسير، تفسير سورة ٧، باب ١.","vol":"3","page":422},{"text":"سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعا بنحوه وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا ولا يصح أيضا، رواه الترمذي وصححه الحاكم وقال على شرط مسلم.\nوقال السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال ترابا ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ قال مغشيا عليه رواه ابن جرير وقال قتادة ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ قال ميتا وقال سفيان الثوري ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب معه وقال سنيد عن حجاج بن محمد الأعور عن أبي بكر الهذلي ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة رواه ابن مردويه.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا عمر بن شبة حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني حدثنا عبد العزيز بن عمران عن معاوية بن عبد الله عن الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال «لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقع بمكة حراء وثبير وثور» وهذا حديث غريب بل منكر.\nوقال ابن أبي حاتم ذكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا عثمان بن حصين بن العلاف عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صما ملساء فلما تجلى الله لموسى على الطور دك وتفطرت الجبال فصارت الشقوق والكهوف وقال الربيع بن أنس ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور صار مثل دك من الدكاك وقال بعضهم جعله دكا أي فتنة وقال مجاهد في قوله ﴿وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ فإنه أكبر منك وأشد خلقا ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا وقال عكرمة جعله دكاء قال نظر الله إلى الجبل فصار صحراء ترابا وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء واختارها ابن جرير (^١).\nوقد ورد فيها حديث مرفوع رواه ابن مردويه والمعروف أن الصعق هو الغشي ها هنا كما فسره ابن عباس وغيره لا كما فسره قتادة بالموت وإن كان صحيحا في اللغة كقوله تعالى:\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فإن هناك قرينة تدل على الموت كما أن هنا قرينة تدل على الغشي. وهي قوله ﴿فَلَمّا أَفاقَ﴾ والإفاقة لا تكون إلا عن غشي ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ تنزيها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٤، ٥٥.","vol":"3","page":423},{"text":"وتعظيما وإجلالا أن يراه أحد في الدنيا إلا مات.\nوقوله ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد أن أسألك الرؤية (^١) ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد من بني إسرائيل واختاره ابن جرير (^٢) وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك أحد (^٣) وكذا قال أبو العالية قد كان قبله مؤمنون ولكن يقول أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة، وهذا قول حسن له اتجاه وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره ها هنا أثرا طويلا فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار وكأنه تلقاه من الإسرائيليات والله أعلم.\nوقوله ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ فيه أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي ﷺ، فأما حديث أبي سعيد فأسنده البخاري في صحيحه هاهنا فقال حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه، وقال يا محمد إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي قال «ادعوه» فدعوه قال «لم لطمت وجهه؟» قال يا رسول الله إني مررت باليهودي فسمعته يقول والذي اصطفى موسى على البشر قال وعلى محمد؟ قال فقلت وعلى محمد وأخذتني غضبة فلطمته فقال «لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» (^٤).\nوقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه ومسلم في أحاديث الأنبياء وأبو داود في كتاب السنة من سننه من طرق عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني عن أبيه عن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري به.\nوأما حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد (^٥) في مسنده: حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال استب رجلان رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين فقال اليهودي: والذين اصطفى موسى على العالمين فغضب المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله ﷺ فسأله فأخبره فدعاه رسول الله ﷺ فاعترف بذلك، فقال رسول الله ﷺ: «لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٥.\n(^٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧، باب ٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٦٠، وأبو داود في السنة باب ١٣.\n(^٥) المسند ٢/ ٢٦٤.","vol":"3","page":424},{"text":"فأكون أول من يفيق فإذا موسى ممسك بجانب العرش فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ﷿» (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به.\nوقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا ﵀ أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق ﵁، ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار وهذا هو أصح وأصرح والله أعلم والكلام في قوله ﵇: «لا تخيروني على موسى» كالكلام على قوله «لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى» قيل من باب التواضع وقيل قبل أن يعلم بذلك، وقيل نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب وقيل على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي والله أعلم.\nوقوله «فإن الناس يصعقون يوم القيامة» الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون منه والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء وتجلى للخلائق الملك الديان كما صعق موسى من تجلي الرب ﵎ ولهذا قال ﵇ «فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور».\nوقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه الشفاء بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا قتادة حدثنا الحسن عن قتادة عن يحيى بن وثاب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لما تجلى الله لموسى ﵇ كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ» ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يختص نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى انتهى ما قاله وكأنه صحح هذا الحديث، وفي صحته نظر ولا تخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى منتهاه والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-583>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٥]</span>\n﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)﴾\nيذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه ولا شك أن محمدا ﷺ سيد ولد آدم من الأولين والآخرين ولهذا اختصه الله تعالى بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تستمر شريعته إلى قيام الساعة وأتباعه أكثر من أتباع سائر الأنبياء والمرسلين كلهم وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل ﵇ ثم موسى بن عمران كليم الرحمن ﵇ ولهذا قال الله تعالى له: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أي من الكلام والمناجاة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الخصومات باب ١، وتفسير سورة ٧، باب ٢، والديات باب ٣٢، والرقاق باب ٤٣، والتوحيد باب ٢٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٦٠.","vol":"3","page":425},{"text":"﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي على ذلك ولا تطلب ما لا طاقة لك به.\nثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء قيل كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاما مفصلة مبينة للحلال والحرام وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] وقيل الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم.\nوقوله ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أي بعزم على الطاعة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ قال سفيان بن عيينة حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال أمر موسى ﵇ أن يأخذ بأشد ما أمر قومه (^١). وقوله ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ أي سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب.\nقال ابن جرير (^٢): وإنما قال ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه سأريك غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره، ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري وقيل معناه ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ أي: من أهل الشام وأعطيكم إياها وقيل: منازل قوم فرعون والأول أولى والله أعلم لأن هذا بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-584>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]</span>\n﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي ويتكبرون على الناس بغير حق، أي كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقال تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقال بعض السلف: لا ينال العلم حيي ولا مستكبر، وقال آخر:\nمن لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذلك الجهل أبدا، وقال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿﴾\n﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال: أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٩.","vol":"3","page":426},{"text":"عن آياتي.\nقال ابن جرير (^١): وهذا يدل على أن هذا الخطاب لهذه الأمة، قلت ليس هذا بلازم لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، والله أعلم. وقوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].\nوقوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي وإن ظهر لهم سبيل الرشد أي طريق النجاة لا يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا، ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال بقوله ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي كذبت بها قلوبهم ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ أي لا يعلمون شيئا مما فيها، وقوله ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ أي من فعل منهم ذلك واستمر عليه إلى الممات حبط عمله، وقوله ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي إنما نجازيهم بحسب أعمالهم التي أسلفوها إن خيرا فخير وإن شرا فشر وكما تدين تدان.\n\n<span data-type='title' id=toc-585>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٨ إلى ١٤٩]</span>\n﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)﴾\nيخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري، من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم فشكل لهم منه عجلا، ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل ﵇، فصار عجلا جسدا له خوار: والخوار صوت البقر، وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى فأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول تعالى إخبارا عن نفسه الكريمة ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥].\nوقد اختلف المفسرون في هذا العجل هل صار لحما ودما له خوار أو استمر على كونه من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر على قولين والله أعلم. ويقال إنهم لما صوت لهم العجل رقصوا حوله وافتتنوا به ﴿فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] قال الله تعالى:\n﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٨].\nوقال في هذه الآية الكريمة ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل وذهولهم عن خالق السموات والأرض ورب كل شيء ومليكه أن عبدوا معه عجلا جسدا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير ولكن غطى على أعين بصائرهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٦٠.","vol":"3","page":427},{"text":"عمى الجهل والضلال كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ «حبك الشيء يعمي ويصم» (^١) وقوله ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي ندموا على ما فعلوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا﴾ وقرأ بعضهم «لئن لم ترحمنا» بالتاء المثناة من فوق «ربنا» منادى «وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين» أي من الهالكين وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-586>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٠ إلى ١٥١]</span>\n﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (١٥١)﴾\nيخبر تعالى أن موسى ﵇ لما رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف قال أبو الدرداء: الأسف أشد الغضب (^٢). ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يقول بئس ما صنعتم في عبادة العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، وقوله ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول استعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدر من الله تعالى. وقوله ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قيل كانت الألواح من زمرد وقيل من ياقوت وقيل من برد وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة» (^٣) ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفا وخلفا. وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبا لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء وهو جدير بالرد وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة.\nوقوله ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفا أن يكون قد قصر في نهيهم كما قال في الآية الأخرى ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٤] وقال هاهنا ﴿اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي لا تسوقني سياقهم وتجعلني معهم وإنما قال: ابن أم ليكون أرق وأنجع عنده وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه فلما تحقق موسى ﵇ براءة ساحة هارون ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: ٩٠] فعند ذلك ﴿قالَ﴾ موسى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١١٦، وأحمد في المسند ٥/ ١٩٤، ٦/ ٤٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٦٤، ولفظه: الأسف منزلة وراء الغضب، أشد من ذلك.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢١٥، ٢٧١.","vol":"3","page":428},{"text":"﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه ﷿ أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح».\n\n<span data-type='title' id=toc-587>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٢ إلى ١٥٣]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾\nأما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل فهو أن الله تعالى: لم يقبل لهم توبة حتى قتل بعضهم بعضا، كما تقدم في سورة البقرة ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلا وصغارا في الحياة الدنيا.\nوقوله ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة فإن ذل البدعة ومخالفة الرشاد متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت (^١) بهم البغلات وطقطقت (^٢) بهم البراذين: وهكذا روى أيوب السختياني عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة (^٣)، وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل (^٤).\nثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾ أي: يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة ﴿مِنْ بَعْدِها﴾ أي من بعد تلك الفعلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان حدثنا قتادة عن عزرة عن الحسن العرني عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن ذلك يعني عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتلاها عبد الله عشر مرات فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها.\n_________\n(^١) الهملجة: حسن سير الدابة في سرعة.\n(^٢) الطقطقة: صوت قوائم الخيل على الأرض الصلبة.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٧١.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٧٢.","vol":"3","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-588>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]</span>\n﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَمّا سَكَتَ﴾ أي سكن ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي غضبه على قومه ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ أي التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل غيرة لله وغضبا له ﴿وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يقول كثير من المفسرين إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك ولهذا قال بعض السلف فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية والله أعلم بصحة هذا وأما الدليل الواضح على أنها تكسرت حين ألقاها وهي من جوهر الجنة فقد أخبر تعالى أنه لما أخذها بعد ما ألقاها وجد فيها ﴿هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ضمن الرهبة معنى الخضوع، ولهذا عداها باللام.\nوقال قتادة: في قوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ قال رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون أي آخرون في الخلق سابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة أنا جيلهم في صدورهم يقرءونها وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئا: لم يعطه أحد من الأمم. قال رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد.\nقال رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها، وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم قال رب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفوعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال تلك أمة أحمد. قال قتادة فذكر لنا أن نبي الله موسى ﵇ نبذ الألواح وقال اللهم اجعلني من أمة أحمد.","vol":"3","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-589>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٦]</span>\n﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختار سبعين رجلا فبرز ليدعوا ربهم وكان فيما دعوا الله أن قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة ﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ (^١) الآية.\nوقال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ثلاثين من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ على عينيه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥] يا موسى ﴿حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فإنك قد كلمته فأرناه ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله دنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ إليه من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا:\nيا موسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] … ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الصاعقة فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا، فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل.\nوقال سفيان الثوري: حدثني أبو إسحاق عن عمارة بن عبيد السلولي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير فانطلقوا إلى سفح جبل فنام هارون على سرير فتوفاه الله ﷿، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٧٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٧٣.","vol":"3","page":431},{"text":"هارون؟ قال: توفاه الله ﷿، قالوا: أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه أو كلمة نحوها قال: فاختاروا من شئتم قال: فاختاروا سبعين رجلا قال: فذلك قوله تعالى ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ فلما انتهوا إليه قالوا: يا هارون من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد ولكن توفاني الله، قالوا: يا موسى لن تعصى بعد اليوم فأخذتهم الرجفة قال فجعل موسى يرجع يمينا وشمالا وقال: يا رب ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم (^١).\nهذا أثر غريب جدا وعمارة بن عبيد هذا لا أعرفه، وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن رجل من بني سلول عن علي فذكره.\nوقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جرير: إنهم أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل ولا نهوهم، ويتوجه هذا القول بقول موسى ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ وقوله ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف، ولا معنى له غير ذلك، يقول إن الأمر إلا أمرك وإن الحكم إلا لك فما شئت كان، تضل من تشاء وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك والحكم كله لك، لك الخلق والأمر.\nوقوله ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ الغفر هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب والرحمة إذا قرنت مع الغفر يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ أي لا يغفر الذنب إلا أنت ﴿وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الفصل الأول من الدعاء لدفع المحذور وهذا لتحصيل المقصود ﴿وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي أوجب لنا وأثبت لنا فيهما حسنة وقد تقدم تفسير الحسنة في سورة البقرة (^٢).\n﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك، قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وإبراهيم التيمي والسدي وقتادة وغير واحد: وهو كذلك لغة، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن شريك عن جابر عن عبد الله بن يحيى عن علي قال:\nإنما سميت اليهود لأنهم قالوا ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ جابر هو ابن يزيد الجعفي ضعيف.\nيقول تعالى مجيبا لنفسه في قوله ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ الآية، قال\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٧٤.\n(^٢) في تفسير الآية ٢٠١ من سورة البقرة.","vol":"3","page":432},{"text":"﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك سبحانه لا إله إلا هو، وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ آية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إخبارا عن حملة العرش ومن حوله، أنهم يقولون ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري عن أبي عبد الله الجشمي، حدثنا جندب هو ابن عبد الله البجلي ﵁، قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم علقها ثم صلّى خلف رسول الله ﷺ فلما صلّى رسول الله ﷺ أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا، فقال رسول الله ﷺ «أتقولون هذا أضل أم بعيره ألم تسمعوا ما قال؟» قالوا بلى قال: «لقد حظرت رحمة واسعة إن الله ﷿ خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها وأخر عنده تسعا وتسعين رحمة أتقولون هو أضل أم بعيره؟ رواه أحمد وأبو داود (^٢)، عن علي بن نصر عن عبد الصمد بن عبد الوارث به.\nوقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان عن النبي ﷺ قال: «إن لله ﷿ مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة»، تفرد بإخراجه مسلم (^٤)، فرواه من حديث سليمان هو ابن طرخان وداود بن أبي هند، كلاهما عن أبي عثمان واسمه عبد الرحمن بن ملّ عن سلمان هو الفارسي عن النبي ﷺ به.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عفان، حدثنا حماد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن لله مائة رحمة عنده تسعة وتسعون وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإنس وبين الخلق فإذا كان يوم القيامة ضمها إليه» تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال أحمد (^٦): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «لله مائة رحمة فقسم منها جزءا واحدا بين الخلق به يتراحم الناس والوحش والطير» ورواه ابن ماجة (^٧) من حديث أبي معاوية عن الأعمش به، وقال\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣١٢.\n(^٢) كتاب الأدب باب ٣٦.\n(^٣) المسند ٥/ ٤٣٩.\n(^٤) كتاب التوبة حديث ١٧، ٢٠.\n(^٥) المسند ٣/ ٥٥، ٥٦.\n(^٦) المسند ٣/ ٥٥.\n(^٧) كتاب الزهد باب ٣٥.","vol":"3","page":433},{"text":"الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته (^١) النار بذنبه، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه» هذا حديث غريب جدا وسعد هذا لا أعرفه.\nوقوله ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية، يعني فسأوجب حصول رحمتي منّة مني وإحسانا إليهم كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقوله ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمد ﷺ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي الشرك والعظائم من الذنوب. قوله ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قيل زكاة النفوس، وقيل الأموال ويحتمل أن تكون عامة لهما فإن الآية مكية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصدقون.\n\n<span data-type='title' id=toc-590>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]</span>\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء بشروا أممهم ببعثه وأمروهم بمتابعته ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم. كما روى الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل عن الجريري عن أبي صخر العقيلي حدثني رجل من الأعراب قال جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ فلما فرغت من بيعي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه قال فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرا التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها فقال رسول الله ﷺ «أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي» فقال برأسه هكذا أي لا فقال ابنه إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال «أقيموا اليهودي عن أخيكم» ثم تولى كفنه والصلاة عليه هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح عن أنس.\nوقال الحاكم صاحب المستدرك أخبرنا محمد بن عبد الله بن إسحاق البغوي حدثنا\n_________\n(^١) محشته النار: أحرقت جلده حتى ظهر العظم.\n(^٢) المسند ٥/ ٤١١.","vol":"3","page":434},{"text":"إبراهيم بن الهيثم البلدي حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس حدثنا عبد الله بن إدريس عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام فخرجنا حتى قدمنا الغوطة يعني غوطة دمشق فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له فأرسل إلينا برسوله نكلمه فقلنا والله لا نكلم رسولا وإنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه وإلا لم نكلم الرسول فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك.\nقال: فأذن لنا فقال: تكلموا فكلمه هشام بن العاص ودعاه إلى الإسلام فإذا عليه ثياب سود فقال له هشام وما هذه التي عليك؟ فقال لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام قلنا ومجلسك هذا والله لنأخذنه منك ولنأخذن ملك الملك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ قال: لستم بهم بل هم قوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل فكيف صومكم؟ فأخبرناه، فملئ وجهه سوادا فقال: قوموا وبعث معنا رسولا إلى الملك فخرجنا حتى إذا كنا قريبا من المدينة قال لنا الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا والله لا ندخل إلا عليها فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك فأمرهم أن ندخل على رواحلنا.\nفدخلنا عليها متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا لا إله إلا الله والله أكبر فالله يعلم لقد انتفضت الغرفة (^١) حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح، قال: فأرسل إلينا ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له وعنده بطارقة من الروم وكل شيء في مجلسه أحمر وما حوله حمرة وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه فضحك فقال: ما عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام فقلنا إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك وتحيتك التي تحيا بها، لا يحل لنا أن نحييك بها.\nقال كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا السلام عليكم قال فكيف تحيون ملككم قلنا بها قال:\nفكيف يرد عليكم؟ قلنا بها، قال فما أعظم كلامكم؟ قلنا لا إله إلا الله والله أكبر فلما تكلمنا بها والله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها قال فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة كلما قلتموها في بيوتكم انتفضت عليكم غرفكم؟ قلنا لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك، قال: لوددت أنكم كلما قلتم انتفض كل شيء عليكم وإني قد خرجت من نصف ملكي قلنا لم؟ قال لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة وأنها تكون من حيل الناس، ثم سألنا عما أراد فأخبرناه، ثم قال كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا\n_________\n(^١) انتفضت الغرفة: أي تشققت وسمع صوتها.","vol":"3","page":435},{"text":"فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير فأقمنا ثلاثا فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه.\nثم دعا بشيء كهيئة الربعة (^١) العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب ففتح بيتا وقفلا فاستخرج «حريرة سوداء فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله فقال:\nأتعرفون هذا، قلنا لا قال: هذا آدم ﵇ وإذا هو أكثر الناس شعرا، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا له شعر كشعر القطط أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا نوح ﵇، ثم فتح بابا آخر فاستخرج حريرة سوداء وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين (^٢) طويل الخد أبيض اللحية كأنه يبتسم فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا إبراهيم ﵇.\nثم فتح بابا آخر فإذا فيه صورة بيضاء وإذا والله رسول الله ﷺ فقال أتعرفون هذا؟ قلنا نعم هذا محمد رسول الله ﷺ قال: وبكينا قال: والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال والله إنه لهو قلنا نعم إنه لهو كأنك تنظر إليه فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة أدماء سحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان متقلص الشفة كأنه غضبان فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا موسى ﵇ وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه نبل فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا قال: هذا هارون بن عمران ﵇.\nثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا لوط ﵇، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمزة أقنى خفيف العارضين حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا إسحاق ﵇.\nثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته خال فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا يعقوب ﵇.\nثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يضرب إلى الحمرة قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم ﷺ، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة كصورة آدم كأن وجهه الشمس فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا يوسف\n_________\n(^١) الرّبعة: إناء مربع.\n(^٢) صلت الجبين: أي واسعة، وقيل: الصلت: البارز، وقيل: الأملس.","vol":"3","page":436},{"text":"﵇، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين أخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلد سيفا فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال:\nهذا داود ﵇.\nثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل ضخم الأليتين طويل الرجلين راكب فرسا فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا سليمان بن داود ﵉، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا شاب شديد سواد اللحية كثير الشعر حسن العينين حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا عيسى ابن مريم ﵇، قلنا من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء ﵈ لأنا رأينا صورة نبينا ﵇ مثله، فقال: إن آدم ﵇ سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم، فكانت في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي وإني كنت عبدا لأشركم ملكة حتى أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا.\nفلما أتينا أبا بكر الصديق ﵁ فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا وما أجازنا، قال فبكى أبو بكر، وقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم، وهكذا أورده الحافظ الكبير البيهقي ﵀ في كتاب دلائل النبوّة عن الحاكم إجازة فذكره وإسناده لا بأس به.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا المثنى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي اسمك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به قلوبا غلفا وآذانا صما وأعينا عميا، قال عطاء: ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلف حرفا إلا أن كعبا قال بلغته: قال قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا.\nوقد رواه البخاري (^٢) في صحيحه عن محمد بن سنان عن فليح عن هلال بن علي فذكر بإسناده نحوه، وزاد بعد قوله ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، وذكر حديث عبد الله بن عمرو، ثم قال: ويقع في كلام كثير من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٨٤.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤٨، باب ٣، والبيوع باب ٥٠.","vol":"3","page":437},{"text":"السلف إطلاق التوراة على كتب أهل الكتاب، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن إدريس بن وراق بن الحميدي، حدثنا محمد بن عمر بن إبراهيم من ولد جبير بن مطعم قال: حدثتني أم عثمان بنت سعيد وهي جدتي عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير عن أبيه محمد بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال: خرجت تاجرا إلى الشام فلما كنت بأدنى الشام لقيني رجل من أهل الكتاب فقال: هل عندكم رجل نبيا؟ قلت نعم، قال: هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت نعم، فأدخلني بيتا فيه صور فلم أر صورة النبي ﷺ، فبينا أنا كذلك إذ دخل رجل منهم علينا فقال:\nفيم أنتم؟ فأخبرناه فذهب بنا إلى منزله فساعة ما دخلت نظرت إلى صورة النبي ﷺ وإذا رجل آخذ بعقب النبي ﷺ قلت: من هذا الرجل القابض على عقبه؟ قال إنه لم يكن نبي إلا كان بعده نبي إلا هذا النبي فإنه لا نبي بعده وهذا الخليفة بعده وإذا صفة أبي بكر ﵁.\nوقال أبو داود: حدثنا عمر بن حفص أبو عمرو الضرير حدثنا حماد بن سلمة أن سعيد بن إياس الجريري أخبرهم عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بعثني عمر إلى الأسقف فدعوته فقال له عمر: هل تجدني في الكتاب؟ قال نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أجدك قرنا فرفع عمر الدرة وقال: قرن مه؟ قال: قرن حديد أمير شديد، قال: فكيف تجد الذي بعدي؟ قال: أجد خليفة صالحا غير أنه يؤثر قرابته، قال عمر يرحم الله عثمان ثلاثا قال: كيف تجد الذي بعده؟ قال: أجده صدأ حديد، قال فوضع عمر يده على رأسه وقال: يا دفراه يا دفراه قال: يا أمير المؤمنين إنه خليفة صالح ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق.\nوقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ هذه صفة الرسول ﷺ في الكتب المتقدمة وهكذا كانت حاله ﵊ لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر كما قال عبد الله بن مسعود إذا سمعت الله يقول ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه، ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له والنهي عن عبادة من سواه كما أرسل به جميع الرسل قبله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عامر هو العقدي عبد الملك بن عمرو، حدثنا سليمان هو ابن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد عن أبي حميد وأبي أسيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٤٩٧، ٥/ ٤٢٥.","vol":"3","page":438},{"text":"أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه» رواه الإمام أحمد ﵁ بإسناد جيد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي ﵁ قال: إذا سمعتم عن رسول الله ﷺ حديثا فظنوا به الذي هو أهدى والذي هو أهنى والذي هو أتقى ثم رواه عن يحيى عن ابن سعيد عن مسعر عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي عبد الرحمن عن علي ﵁ قال إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ حديثا فظنوا به الذي هو أهداه وأهناه وأتقاه.\nوقوله ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ أي يحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم ويحرم عليهم الخبائث، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المأكل التي حرمها الله تعالى (^٢).\nوقال بعض العلماء فكل ما أحل الله تعالى من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين وقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح العقليين وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له وكذا احتج بها من ذهب من العلماء، إلا أن المرجع في حل المآكل التي لم ينص على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته وفيه كلام طويل أيضا.\nوقوله ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي أنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال «بعثت بالحنيفية السمحة» (^٣) وقال ﷺ لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن «بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا» (^٤) وقال صاحبه أبو برزة الأسلمي: إني صحبت رسول الله ﷺ وشهدت تيسيره (^٥).\nوقد كانت الأمم التي قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها لهم ولهذا قال رسول الله ﷺ «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو\n_________\n(^١) المسند ١/ ١٢٢، ١٣٠، ١٣١، ٣٨٥، ٤١٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٨٥.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٦٦، ٦/ ١١٦، ٢٣٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١٦٤، ومسلم في الجهاد حديث ٧١.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٢٠، ٤٢٣.","vol":"3","page":439},{"text":"تعمل» (^١) وقال «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^٢) ولهذا قد: أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت في صحيح مسلم (^٣) أن الله تعالى قال: بعد كل سؤال من هذه قد فعلت قد فعلت، وقوله ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أي عظموه ووقروه، وقوله ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي القرآن والوحي الذي جاء به مبلغا إلى الناس ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-591>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]</span>\n﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾\nيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي جميعكم وهذا من شرفه وعظمته ﷺ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠].\nوالآيات في هذا كثيرة كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم.\nقال البخاري (^٤) ﵀ في تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء بن زير حدثني يسر بن عبيد الله حدثني أبو إدريس الخولاني قال سمعت أبا الدرداء، ﵁ يقول: كانت بين أبي بكر وعمر ﵄ محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه عمر مغضبا فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال أبو الدرداء ونحن عنده فقال رسول الله ﷺ «أما صاحبكم هذا فقد غامر» أي غاضب وحاقد. قال وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلّم وجلس إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الطلاق باب ١١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٠١، ٢٠٢.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الطلاق باب ١٦.\n(^٣) كتاب الإيمان حديث ١٩٩، ٢٠٠.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٧، باب ٣.","vol":"3","page":440},{"text":"النبي ﷺ وقص على رسول الله ﷺ الخبر قال أبو الدرداء فغضب رسول الله ﷺ وجعل أبو بكر يقول والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم فقال رسول الله ﷺ: «هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت» انفرد به البخاري.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي ولا أقوله فخرا بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي يوم القيامة فهي لمن لا يشرك بالله شيئا» إسناد جيد ولم يخرجوه.\nوقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلّى انصرف إليهم فقال لهم «لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ مني رعبا وأحلت لي الغنائم أكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، والخامسة هي ما هي قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» إسناد جيد قوي أيضا ولم يخرجوه.\nوقال أيضا (^٣): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة» وهذا الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» (^٤).\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس وهو سليم بن جبير عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٠١، ٣٥٠.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٢٢.\n(^٣) المسند ٤/ ٣٩٦.\n(^٤) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٤٠.\n(^٥) المسند ٢/ ٣٥٠.","vol":"3","page":441},{"text":"أو نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين بن محمد حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت خمسا بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة وإني قد اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئا» وهذا أيضا إسناد صحيح ولم أرهم خرجوه والله أعلم.\nوله مثله من حديث ابن عمر بسند جيد أيضا وهذا الحديث ثابت في الصحيحين أيضا من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة» (^٢).\nوقوله ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ صفة الله تعالى في قول رسول الله ﷺ أن الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الملك والإحياء والإماتة وله الحكم» وقوله ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم ثم أمرهم باتباعه والإيمان به ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أي الذي وعدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة فإنه منعوت بذلك في كتبهم ولهذا قال النبي الأمي وقوله ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ أي يصدق قوله عمله وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أي اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي إلى الصراط المستقيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-592>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]</span>\n﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن بني إسرائيل أن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به كما قال تعالى:\n﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [آل عمران:١٩٩] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤١٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في التيمم باب ١، ومسلم في المساجد حديث ٣، ٥.","vol":"3","page":442},{"text":"١٢١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].\nوقد ذكر ابن جرير (^١) في تفسيرها خبرا عجيبا فقال حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا حجاج عن ابن جريج قوله ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله ﷿ أن يفرق بينهم وبينهم ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا، قال ابن جريج قال ابن عباس فذلك قوله ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم قال ابن جريج قال ابن عباس ساروا في السرب سنة ونصفا.\nوقال ابن عيينة عن صدقة أبي الهذيل عن السدي ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال قوم بينكم وبينهم نهر من شهد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-593>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٢]</span>\n﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾\nتقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة (^٣) وهي مدنية وهذا السياق مكي ونبهنا على الفرق بين هذا السياق وذاك بما أغنى عن إعادته هنا. ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-594>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]</span>\n﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٨٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٨٨، ٨٩.\n(^٣) انظر تفسير الآية ٦٠ من سورة البقرة.","vol":"3","page":443},{"text":"هذا السياق هو بسط لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة:٦٥] الآية يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَسْئَلْهُمْ﴾ أي واسأل هؤلاء اليهود الذين بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم وهذه القرية هي أيلة وهي على شاطئ بحر القلزم.\nقال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى:\n﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قال هي قرية يقال لها أيلة بين مدين والطور (^١) وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي وقال عبد الله بن كثير القارئ سمعنا أنها أيلة (^٢) وقيل هي مدين وهو رواية عن ابن عباس، وقال ابن زيد هي قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونا (^٣).\nوقوله ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أي يعتدون فيه ويخالفون أمر الله فيه لهم بالوصاة به إذ ذاك ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس أي ظاهرة على الماء وقال العوفي عن ابن عباس شرعا من كل مكان (^٤). قال ابن جرير وقوله ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده وإخفائه عنهم في اليوم الحلال لهم صيده ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ يقول بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها (^٥).\nوهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام وقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة ﵀: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وهذا إسناد جيد فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه وباقي رجاله مشهورون ثقات ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيرا.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٩١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٩١.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٩٢.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٩٣.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٩٣.","vol":"3","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-595>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٤ إلى ١٦٦]</span>\n﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)﴾\nيخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت كما تقدم بيانه في سورة البقرة وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم.\nقالت لهم المنكرة ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ قرأ بعضهم بالرفع كأنه على تقدير هذه معذرة وقرأ آخرون بالنصب أي نفعل ذلك ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ أي فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون ولعل لهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إلى الله تائبين فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.\nقال تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي ارتكبوا المعصية ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكت عن الساكتين لأن الجزاء من جنس العمل فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ولا ارتكبوا عظيما فيذموا ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم هل كانوا من الهالكين أو من الناجين على قولين.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها فمضى على ذلك ما شاء الله ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم فنهتهم طائفة وقالوا تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم، فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا وجعلت طائفة أخرى تنهاهم فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى فقالوا ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وكل قد كانوا ينهون فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، والذين قالوا ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة (^١).\nوروى العوفي عن ابن عباس قريبا من هذا، وقال حماد بن زيد عن داود بن الحصين عن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٩٤.","vol":"3","page":445},{"text":"عكرمة عن ابن عباس في الآية، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أم لا؟ قال فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا فكساني حلة (^١).\nوقال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج حدثني رجل عن عكرمة قال جئت ابن عباس يوما وهو يبكي وإذا المصحف في حجره فأعظمت أن أدنو منه ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك؟ قال فقال هؤلاء الورقات قال وإذا هو في سورة الأعراف قال تعرف أيلة؟ قلت نعم قال فإنه كان بها حي من اليهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة كانت تأتيهم يوم سبتهم شرعا بيضاء سمانا كأنها الماخض تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم فكانوا كذلك برهة من الدهر.\nثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتهم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام، فقالت ذلك طائفة منهم وقالت طائفة بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت فكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت.\nوقال الأيمنون ويلكم الله، ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ قال الأيمنون ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي ينتهون، إن ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون فقد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا فلم يجابوا فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلا، فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله، قردة والله تعادى تعادى لها أذناب.\nقال ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم عن كذا فتقول برأسها: أي نعم ثم قرأ ابن عباس ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قال: فأرى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها، قال: قلت جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم؟ وقالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ قال: فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين (^٢)، وكذا روى مجاهد عنه.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٩٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٩٥، ٩٦.","vol":"3","page":446},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا يونس أخبرنا أشهب بن عبد العزيز عن مالك قال: زعم ابن رومان أن قوله تعالى: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣] قال: كانت تأتيهم يوم السبت فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر، فاتخذ لذلك رجل خيطا ووتدا فربط حوتا منها في الماء يوم السبت حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم فإنه جلد حوت وجدناه فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعله قال ربط حوتين فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه فوجدوا رائحة فجاؤوا فسألوه فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع.\nفقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم ففعلوا مثل ما فعل حتى كثر ذلك وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم فأصابهم من المسخ ما أصابهم فغدا عليهم جيرانهم ممن كانوا حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس فوجدوا المدينة مغلقة عليهم فنادوا فلم يجيبوهم فتسوروا عليهم فإذا هم قردة فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسح به.\nوقد قدمنا في سورة البقرة من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة.\n[القول الثاني] أن الساكتين كانوا من الهالكين قال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ابتدعوا السبت فابتلوا فيه فحرمت عليهم فيه الحيتان فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل فإذا جاء السبت جاءت شرعا فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخزم أنفه ثم ضرب له وتدا في الساحل وربطه وتركه في الماء فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نهوه حتى ظهر ذلك في الأسواق ففعل علانية قال: فقالت: طائفة للذين ينهونهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ فقالوا: نسخط أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ قال ابن عباس كانوا ثلاثا ثلث نهوا وثلث قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وثلث أصحاب الخطيئة فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم (^٢).\nوهذا إسناد جيد عن ابن عباس ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا لأنه تبين حالهم بعد ذلك والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٩٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٩٧، ٩٨.","vol":"3","page":447},{"text":"فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا. وبئيس فيه قراءات كثيرة ومعناه في قول مجاهد الشديد. وفي رواية أليم وقال قتادة موجع والكل متقارب والله أعلم، وقوله ﴿خاسِئِينَ﴾ إي ذليلين حقيرين مهانين.\n\n<span data-type='title' id=toc-596>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٧]</span>\n﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾\n﴿تَأَذَّنَ﴾ تفعل من الأذان أي: أعلم قاله مجاهد، وقال غيره: أمر، وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة، ولهذا أتبعت باللام في قوله ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي على اليهود ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ أي بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم، ويقال إن موسى ﵇ ضرب عليهم الخراج، سبع سنين وقيل ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا إلى قهر النصارى وإذلالهم إياهم وأخذهم منهم الجزية والخراج، ثم جاء الإسلام ومحمد ﷺ فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية.\nقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: هي المسكنة وأخذ الجزية منهم، وقال علي بن أبي طلحة عنه هي الجزية والذي يسومونهم سوء العذاب محمد رسول الله ﷺ وأمته إلى يوم القيامة، وكذا قال سعيد بن جبير وابن جريج والسدي وقتادة، وقال عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب قال: يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية قلت: ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصارا للدجال فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم ﵇، وذلك آخر الزمان وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ أي لمن عصاه وخالف شرعه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لمن تاب إليه وأناب وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة لئلا يحصل اليأس فيقرن تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرا لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف.\n\n<span data-type='title' id=toc-597>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٨ إلى ١٧٠]</span>\n﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾\nيذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض أمما أي طوائف وفرقا كما قال ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤].","vol":"3","page":448},{"text":"﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي فيهم الصالح وغير ذلك كقول الجن ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ أي اختبرناهم ﴿بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ أي بالرخاء والشدة والرغبة والرهبة والعافية والبلاء ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ثم قال تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ الآية يقول تعالى: فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح خلف آخر لا خير فيهم وقد ورثوا دراسة الكتاب وهو التوراة وقال مجاهد: هم النصارى (^١).\nوقد يكون أعم من ذلك ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ أي يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا ويسوفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه، ولهذا قال ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ وكما قال سعيد بن جبير يعملون الذنب ثم يستغفرون الله منه ويعترفون لله فإن عرض ذلك الذنب أخذوه (^٢).\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ قال لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما ويتمنون المغفرة ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ (^٣)، وقال قتادة في الآية إي والله لخلف سوء ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم أورثهم الله وعهد إليهم، وقال الله تعالى في آية أخرى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩] الآية قال ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ تمنوا على الله أماني وغرة يغترون بها ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ لا يشغلهم شيء ولا ينهاهم شيء عن ذلك كلما هف لهم شيء من الدنيا أكلوه لا يبالون حلالا كان أو حراما (^٤).\nوقال السدي: قوله ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ إلى قوله ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم وإن خيارهم اجتمعوا فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى فيقال له ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول سيغفر لي، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي، يقول وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه (^٥).\nقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ الآية يقول\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٠٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٠٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٠٦.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٠٦.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٠٦.","vol":"3","page":449},{"text":"تعالى منكرا عليهم في صنيعهم هذا مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس ولا يكتمونه كقوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ وقال ابن جريج قال ابن عباس ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ قال فيما يتمنون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها.\nوقوله تعالى ﴿وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يرغبهم في جزيل ثوابه ويحذرهم من وبيل عقابه، أي وثوابي وما عندي خير لمن اتقى المحارم وترك هوى نفسه وأقبل على طاعة ربه ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يقول أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير، ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد ﷺ كما هو مكتوب فيه فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ أي اعتصموا به واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-598>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]</span>\n﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ يقول رفعناه وهو قوله ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤] وقال سفيان الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم وهو قوله ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ وقال القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ثم سار بهم موسى ﵇ إلى الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب وأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها حتى نتق الله الجبل فوقهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم رواه النسائي بطوله.\nوقال سنيد بن داود في تفسيره عن حجاج بن محمد عن أبي بكر بن عبد الله قال هذا كتاب أتقبلونه بما فيه فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم؟ قالوا: انشر علينا ما فيها فإن كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها قالوا: لا حتى نعلم ما فيها كيف حدودها وفرائضها فراجعوه مرارا فأوحى الله إلى الجبل فانقلع فارتفع في السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء قال لهم موسى ألا ترون ما يقول ربي ﷿ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل قال: فحدثني الحسن البصري.\nقال: لما نظروا إلى الجبل خر كل رجل ساجدا على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن يسقط عليه فكذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه","vol":"3","page":450},{"text":"الأيسر يقولون هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة قال أبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه (^١) أي حوّل كما قال تعالى ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-599>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٤]</span>\n﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾\nيخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه قال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» وفي رواية «على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» (^٢).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ «يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» (^٣).\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٤) ﵀: حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني السري بن يحيى أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات قال فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاشتد عليه ثم قال «ما بال أقوام يتناولون الذرية» فقال رجل يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال «إن خياركم أبناء المشركين ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها» قال الحسن والله لقد قال الله في كتابه ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٥) عن إسماعيل ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري به، وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال حدثني\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٠٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٧٩، ومسلم في القدر حديث ٢٢، ٢٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١١٢.\n(^٥) المسند ٣/ ٤٣٥.","vol":"3","page":451},{"text":"الأسود بن سريع فذكره ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلك، وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇ وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم.\nقال الإمام أحمد (^١) حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به قال: فيقول: نعم فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣) حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير يعني ابن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «إن أخذ الله الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا﴾ -إلى قوله- ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة عن حسين بن محمد المروزي به، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به، إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفا، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد وغيره عن جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر به، وقال:\nصحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فوقفه، وكذا رواه إسماعيل ابن علية ووكيع عن ربيعة بن كلثوم عن جبر عن أبيه به، وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس فهذا أكثر وأثبت والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن أبي هلال عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس قال أخرج الله ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر وهو في أذى من الماء.\nوقال أيضا (^٥): حدثنا علي بن سهل حدثنا ضمرة بن ربيعة حدثنا أبو مسعود عن جرير قال مات ابن الضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام قال: فقال: يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٢٧.\n(^٢) أخرجه مسلم في المنافقين حديث ٥١.\n(^٣) المسند ١/ ٢٧٢.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١١١.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ١١١، ١١٢.","vol":"3","page":452},{"text":"فأبرز وجهه وحل عنه عقده فإن ابني مجلس ومسؤول ففعلت به الذي أمر فلما فرغت قلت يرحمك الله عما يسأل ابنك من يسأله إياه قال: يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم قلت: يا أبا القاسم وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم قال: حدثني ابن عباس: إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وتكفل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة.\nفهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس والله أعلم.\nحديث آخر: قال ابن جرير (^١): حدثنا عبد الرحمن بن الوليد حدثنا أحمد بن أبي طيبة عن سفيان بن سعيد عن الأجلح عن الضحاك عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال:\nقال رسول الله ﷺ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قالت الملائكة ﴿شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ أحمد بن أبي طيبة هذا هو أبو محمد الجرجاني قاضي قومس كان أحد الزهاد أخرج له النسائي في سننه وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه وقال ابن عدي حدث بأحاديث كثيرة غرائب وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن حمزة بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، وكذا رواه ابن جرير عن منصور به وهذا أصح والله أعلم.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا روح هو ابن عبادة حدثنا مالك وحدثنا إسحاق حدثنا مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ الآية فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال «إن الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون «فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ «إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بأعمال أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بأعمال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١١٢.\n(^٢) المسند ١/ ٤٤، ٤٥.","vol":"3","page":453},{"text":"أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار» (^١).\nوهكذا رواه أبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة والترمذي في تفسيرهما عن إسحاق بن موسى عن معن وابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب وابن جرير عن روح بن عبادة وسعيد بن عبد الحميد بن جعفر، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي مصعب الزبيري كلهم عن الإمام مالك بن أنس به قال الترمذي وهذا حديث حسن ومسلم بن يسار لم يسمع عمر كذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة وهذا الذي قاله أبو حاتم رواه أبو داود في سننه عن محمد بن مصفى عن بقية عن عمر بن جعثم القرشي عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار الجهني عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فذكره.\nوقال الحافظ الدارقطني: وقد تابع عمر بن جعثم يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي وقولهما أولى بالصواب من قول مالك والله أعلم، قلت: الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدا لما جهل حال نعيم بن ربيعة ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ويقطع كثيرا من الموصولات والله أعلم.\nحديث آخر: قال الترمذي (^٢) عند تفسيره هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد حدثنا أبو نعيم حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه قال: أي رب من هذا قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود قال رب وكم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب وقد وهبت له من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال أو لم تعطها ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته».\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.\nورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين به وقال: صحيح على\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في تفسير سورة ٧، باب ٢، ومالك في القدر حديث ٢.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٧، باب ٢.","vol":"3","page":454},{"text":"شرط مسلم ولم يخرجاه ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أنه حدث عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: «ثم عرضهم على آدم فقال يا آدم هؤلاء ذريتك وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم: يا رب لم فعلت هذا بذريتي؟ قال: كي تشكر نعمتي وقال آدم: يا رب من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورا قال هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك» ثم ذكر قصة داود كنحو ما تقدم (^١).\nحديث آخر: قال عبد الرحمن بن قتادة النضري عن أبيه عن هشام بن حكيم ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء قال: فقال رسول الله ﷺ: «إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ثم أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه ثم قال هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار» رواه ابن جرير (^٢) وابن مردويه من طرق عنه.\nحديث آخر: روى جعفر بن الزبير وهو ضعيف عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ «لما خلق الله الخلق وقضى القضية أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله فقال يا أصحاب اليمين فقالوا لبيك وسعديك قال ألست بربكم؟ قالوا بلى قال يا أصحاب الشمال قالوا لبيك وسعديك قال ألست بربكم؟ قالوا بلى ثم خلط بينهم فقال قائل له يا رب لم خلطت بينهم؟ قال لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ثم ردهم في صلب آدم» رواه ابن مردويه.\nأثر آخر: قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيات قال: فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فجعلهم في صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ الآية قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا وإني سأرسل إليكم رسلا لينذروكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي.\nقالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أشكر ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٣/ ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١١٦.","vol":"3","page":455},{"text":"وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآية وهو الذي يقول ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ﴾ الآية ومن ذلك قال ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ ومن ذلك قال ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ الآية.\nرواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم من رواية أبي جعفر الرازي به وروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف سياقات توافق هذه الأحاديث اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك الآثار كلها وبالله المستعان.\nفهذه الأحاديث دالة على أن الله ﷿ استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وفي حديث عبد الله بن عمرو وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل من آدم ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل من ظهره ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن كقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقال ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣].\nثم قال ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالا وقالا والشهادة تارة تكون بالقول كقوله ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ الآية وتارة تكون حالا كقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] أي حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك وكذا قوله تعالى:\n﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧] كما أن السؤال تارة يكون بالقال وتارة يكون بالحال كقوله ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤].\nقالوا ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه فإن قيل إخبار الرسول ﷺ به كاف في وجوده فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ولهذا قال ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي لئلا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنّا كُنّا عَنْ هذا﴾ أي التوحيد ﴿غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا﴾ الآية.","vol":"3","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-600>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٥ إلى ١٧٧]</span>\n﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾\nقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ الآية قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء وكذا رواه شعبة وغير واحد عن منصور به (^١).\nوقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب قال قتادة وقال كعب: كان رجلا من أهل البلقاء وكان يعلم الاسم الأكبر وكان مقيما ببيت المقدس مع الجبارين وقال العوفي عن ابن عباس ﵁: هو رجل من أهل اليمن يقال له بلعم آتاه الله آياته فتركها، وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل وكان مجاب الدعوة يقدمونه في الشدائد بعثه نبي الله موسى ﵇ إلى ملك مدين يدعوه إلى الله فأقطعه وأعطاه فتبع دينه وترك دين موسى ﵇ وقال سفيان بن عيينة عن حصين عن عمران بن الحارث عن ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وكذا قال مجاهد وعكرمة.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا إسرائيل عن مغيرة عن مجاهد عن ابن عباس قال: هو بلعام وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت.\nوقال شعبة عن يعلى بن عطاء عن نافع بن عاصم عن عبد الله بن عمرو في قوله ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ الآية قال: هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت (^٣).\nوقد روي من غير وجه عنه وهو صحيح إليه وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة ولكنه لم ينتفع بعلمه فإنه أدرك زمان رسول الله ﷺ وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته وظهرت لكل من له بصيرة ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه الله. وقد جاء في بعض الأحاديث أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه فإن له أشعارا ربانية وحكما وفصاحة ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١١٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١١٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٢٠.","vol":"3","page":457},{"text":"وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي نمر حدثنا سفيان عن أبي سعيد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ قال هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن وكانت له امرأة له منها ولد فقالت اجعل لي منها واحدة قال فلك واحدة فما الذي تريدين؟ قالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئا آخر فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة فذهبت دعوتان فجاء بنوها فقالوا ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وتسمى البسوس (^١)، غريب.\nوأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعام وكان يعلم اسم الله الأكبر، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره من علماء السلف: كان مجاب الدعوة ولا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه (^٢)، وأغرب بل أبعد بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم ولا يصح.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم يعني بالجبارين ومن معه أتاه -يعني بلعم-أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ (^٣) الآية.\nوقال السدي: لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ بعث يوشع بن نون نبيا فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبي وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعام فكان عالما يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر-لعنه الله-وأتى الجبارين وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون وكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء لعظمهن فكان ينكح أتانا له وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ (^٤).\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٣/ ٢٦٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٢٠.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٢٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٢١.","vol":"3","page":458},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أي استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاعه ولهذا قال: ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ أي من الهالكين الحائرين البائرين وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا محمد بن بكر عن الصلت بن بهرام حدثنا الحسن حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد أن حذيفة يعني ابن اليمان ﵁ حدثه قال: قال رسول الله ﷺ «إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك» قال قلت يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي؟ قال «بل الرامي».\nإسناد جيد والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين ولم يرم بشيء سوى الإرجاء وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ يقول تعالى:\n﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ أي لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها وأقبل على لذاتها ونعيمها وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهي، وقال أبو الراهويه في قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال: تراءى له الشيطان على علوة من قنطرة بانياس، فسجدت الحمارة لله وسجد بلعام للشيطان، وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير وغير واحد.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) ﵀: وكان من قصة هذا الرجل ما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه أنه سئل عن هذه الآية ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ فحدث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام أو قال: الشام قال: فرعب الناس منه رعبا شديدا فأتوا بلعام فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه، قال حتى أؤامر ربي أو حتى أؤامر، قال فآمر في الدعاء عليهم فقيل له لا تدع عليهم فإنهم عبادي وفيهم نبيهم.\nقال: فقال لقومه إني قد آمرت ربي في الدعاء عليهم وإني قد نهيت فأهدوا له هدية فقبلها ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم فقال: حتى أؤامر ربي فأمر فلم يأمره بشيء فقال: قد وأمرت فلم يأمرني بشيء فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى، قال: فأخذ يدعو عليهم فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لقومه دعا أن يفتح لموسى وجيشه أو نحوا من ذلك إن شاء الله، قال: فقالوا ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجري على لساني إلا هكذا ولو دعوت عليه أيضا ما استجيب لي ولكن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٢٣، ١٢٤.","vol":"3","page":459},{"text":"سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم، إن الله يبغض الزنا وإنهم إن وقعوا في الزنا هلكوا ورجوت أن يهلكهم الله فأخرجوا النساء تستقبلهم فإنهم قوم مسافرون فعسى أن يزنوا فيهلكوا.\nقال: ففعلوا فأخرجوا النساء تستقبلهم قال وكان للملك ابنة فذكر من عظمها ما الله أعلم به فقال: فقال أبوها أو بلعام لا تمكني نفسك إلا من موسى، قال: ووقعوا في الزنا قال: فأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل فأرادها على نفسه، فقالت: ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى فقال إن منزلتي كذا وكذا وإن في حالي كذا وكذا فأرسلت إلى أبيها تستأمره قال فقال لها: مكنيه قال ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما. قال: وأيده الله بقوة فانتظمهما جميعا ورفعهما على رمحه فرآهما الناس-أو كما حدث-قال: وسلط الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا.\nقال أبو المعتمر: فحدثني سيار أن بلعاما ركب حمارة له حتى أتى العلولي أو قال طريقا من العلولي جعل يضربها ولا تتقدم وقامت عليه فقالت: علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك؟ فإذا الشيطان بين يديه قال: فنزل وسجد له قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ -إلى قوله- ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال: فحدثني بهذا سيار ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره.\n(قلت) هو بلعام ويقال بلعم بن باعوراء ويقال ابن أبر، ويقال ابن باعور بن شهتوم بن قوشتم بن ماب بن لوط بن هاران ويقال بن حران بن آزر وكان يسكن قرية من قرى البلقاء، قال ابن عساكر: وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم فانسلخ من دينه له ذكر في القرآن ثم أورد من قصته نحوا مما ذكرناه ها هنا أورده عن وهب وغيره والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق بن سيار: عن سالم أبي النضر أنه حدث أن موسى ﵇ لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله عليهم، قال ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا له: ما لنا من منزل فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل وهو جبل حسبان.\nفلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها حتى إذا أزلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به فضربها حتى إذا أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم، فلم ينزع عنها يضربها فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك، فانطلقت","vol":"3","page":460},{"text":"به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا قال فهذا مالا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه.\nقال: واندلع لسانه (^١) فوقع على صدره فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم، ففعلوا فلما دخلت النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كسبي-ابنة صور رأس أمته-برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.\nفلما رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها وأتى بها موسى وقال: إني أظنك ستقول هذا حرام عليك؟ قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال فوالله لا أطيعك في هذا فدخل بها قبته فوقع عليها وأرسل الله ﷿ الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فيهم فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلها.\nثم دخل القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحييه وكان بكر العيزار، وجعل يقول اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفا والمقلل لهم يقول عشرون ألفا في ساعة من النهار، فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها الرقبة والذراع واللحى والبكر من كل أموالهم وأنفسها لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ -إلى قوله- ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ اختلف المفسرون في معناه، فعلى سياق ابن إسحاق عن سالم عن أبي النضر أن بلعاما اندلع لسانه على صدره، فتشبيهه بالكلب في لهيثه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك ظاهر، وقيل معناه فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه وعدم انتفاعه بالدعاء إلى الإيمان وعدم الدعاء كالكلب في لهيثه\n_________\n(^١) اندلع لسانه: خرج من فمه واسترخى كلسان الكلب.\n(^٢) انظر الأثر في تفسير الطبري ٦/ ١٢٤، ١٢٥.","vol":"3","page":461},{"text":"في حالتيه إن حملت عليه وإن تركته هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه كما قال تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ونحو ذلك، وقيل معناه أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى فهو كثير الوجيب، فعبر عن هذا بهذا نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره.\nوقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾ أي لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته، بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب في غير طاعة ربه بل دعا به على حزب الرحمن وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران ﵇، ولهذا قال ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علما وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد ﷺ يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد أحل الله به ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة.\nوقوله ﴿ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يقول تعالى ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا [الأعراف: ١٧٧] أي ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه واتبع هواه صار شبيها بالكلب وبئس المثل مثله ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» (^١).\nوقوله ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي ما ظلمهم الله ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى.\n\n<span data-type='title' id=toc-601>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]</span>\n﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)﴾\nيقول تعالى من هداه الله فإنه لا مضل له ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الهبة باب ٣٠، ومسلم في الهبات حديث ٥، ٦، وأبو داود في البيوع باب ٨١، والنسائي في الهبة باب ٣، ٤، وابن ماجة في الصدقات باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٤٠، ٥٤، ٢١٧، ٢٣٧، ٢٨٩، ٣٤٩، ٣٥٠، ٢/ ٢٧، ١٧٥، ٢٠٨.","vol":"3","page":462},{"text":"فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-602>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]</span>\n﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ أي خلقنا وجعلنا لجهنم ﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (^١).\nوفي صحيح مسلم أيضا: من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: دعي النبي ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال رسول الله ﷺ «أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم» (^٢).\nوفي الصحيحين من حديث ابن مسعود: «ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد» (^٣) وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال «هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي» (^٤) والأحاديث في هذا كثيرة ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ يعني ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية، كما قال تعالى:\n﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] الآية، وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] هذا في حق المنافقين.\nوقال في حق الكافرين ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ولم يكونوا صما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٦، وأبو داود في فضائل القرآن باب ٤، ٢٠، والترمذي في القدر باب ١٨، وأحمد في المسند ١/ ٣٩٢، ٣٩٣، ٤٣٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في القدر حديث ٣٠، ٣١.\n(^٣) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٨، ومسلم في القدر حديث ١، ٤.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٣٩.","vol":"3","page":463},{"text":"ولا بكما ولا عميا إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وقال ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وقال ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].\nوقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾ أي هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها من ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] أي ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول.\nولهذا قال في هؤلاء ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي من الدواب لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبس بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء، ولأنها تفعل ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها بخلاف الكافر، فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده فكفر بالله وأشرك به، ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر كانت الدواب أتم منه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-603>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]</span>\n﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عنه، ورواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي حمزة عن أبي الزناد به، وأخرجه الترمذي في جامعه عن الجوزجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن شعيب فذكر بسنده مثله.\nوزاد بعد قوله «يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار، القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط، الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير، الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور، الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم، الرقيب المجيب الواسع الحكيم، الودود المجيد الباعث الشهيد الحق، الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد، الفرد الصمد، القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر، الظاهر\n_________\n(^١) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في التوحيد باب ١٢، والشروط باب ١٨، والترمذي في الدعوات باب ٨٢، والوتر باب ٢، وابن ماجة في الإقامة باب ١١٤.","vol":"3","page":464},{"text":"الباطن الوالي المتعالي، البر التواب المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني، المانع الضار النافع، النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور» ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق صفوان به.\nوقد رواه ابن ماجة (^١) في سننه من طريق آخر عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا فسرد الأسماء كنحو مما تقدم بزيادة ونقصان، والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج (^٢) فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن. كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي، والله أعلم.\nثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد (^٣) في مسنده عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم عن عبد الرحمن عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدل مكانه فرحا» فقيل يا رسول الله: أفلا نتعلمها؟ فقال «بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها».\nوقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بمثله، وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ قال:\nإلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله (^٤). وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾\n_________\n(^١) كتاب الإقامة باب ١١٤.\n(^٢) الحديث المدرج: هو أن يذكر الراوي كلاما لنفسه أو لغيره، فيرويه بعده متصلا بالحديث من غير فصل، فيتوهم أنه من الحديث.\n(^٣) المسند ١/ ٣٩١، ٤٥٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٣٢.","vol":"3","page":465},{"text":"قال اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز (^١)، وقال قتادة يلحدون يشركون في أسمائه (^٢). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الإلحاد التكذيب (^٣): وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-604>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]</span>\n﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا﴾ أي بعض الأمم ﴿أُمَّةٌ﴾ قائمة بالحق قولا وعملا ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون، وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية، قال سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية: بلغني أن النبي ﷺ كان يقول إذا قرأ هذه الآية «هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (^٤) [الأعراف: ١٥٩]. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال:\nقال رسول الله ﷺ «إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل» (^٥).\nوفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» وفي رواية «وهم بالشام» (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-605>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٢ إلى ١٨٣]</span>\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ومعناه أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام:\n٤٤ - ٤٥] ولهذا قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي وسأملي لهم، أي أطول لهم ما هم فيه، ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي قوي شديد.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٣٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٣٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٣٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٣٤.\n(^٥) انظر الأثر في الدر المنثور ٣/ ٢٧٢.\n(^٦) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٩، ومسلم في الإمارة حديث ١٧٠، ١٧٤.","vol":"3","page":466},{"text":"<span data-type='title' id=toc-606>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٤]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ هؤلاء المكذبون بآياتنا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ يعني محمدا ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي ليس به جنون، بل هو رسول الله حقا، دعا إلى حق ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به، كما قال تعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] يقول: إنما أطلب منكم أن تقوموا قياما خالصا لله ليس فيه تعصب ولا عناد ﴿مَثْنى وَفُرادى﴾، أي: مجتمعين ومتفرقين.\n﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله أبه جنون أم لا، فإنكم إذا فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه رسول الله حقا وصدقا، وقال قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان على الصفا فدعا قريشا، فجعل يفخذهم فخذا فخذا يا بني فلان، يا بني فلان فحذرهم بأس الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-607>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾\nيقول تعالى: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه، ومن فعل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له فيؤمنوا به ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه. وقوله ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول فبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد ﷺ وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله ﷿؟.\nوقد روى الإمام أحمد (^٢): عن حسن بن موسى وعفّان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث، كلهم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي الصلت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «رأيت ليلة أسري بي كذا، فلما انتهينا إلى السماء السابعة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٣٤، ١٣٥.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٥٣، ٣٦٣.","vol":"3","page":467},{"text":"فنظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال:\nهؤلاء الشياطين يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض ولولا ذلك لرأوا العجائب» علي بن زيد بن جدعان له منكرات. ثم قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-608>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]</span>\n﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾\nيقول تعالى: من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر فإنه لا يجزي عنه شيئا ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] وكما قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n\n<span data-type='title' id=toc-609>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]</span>\n﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] قيل نزلت في قريش، وقيل في نفر من اليهود، والأول أشبه لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعادا لوقوعها وتكذيبا بوجودها، كما قال تعالى:\n﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨] وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨].\nوقوله ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: منتهاها (^١) أي متى محطها وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ أمر تعالى رسوله ﷺ إذا سئل عن وقت الساعة أن يرد علمها إلى الله تعالى، فإنه هو الذي يجليها لوقتها أي يعلم جلية أمرها ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ثقل علمها على أهل السموات والأرض أنهم لا يعلمون (^٢)، قال معمر: قال الحسن: إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول: كبرت عليهم (^٣).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٣٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٣٧.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٣٨.","vol":"3","page":468},{"text":"وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة، وقال ابن جريج ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: إذا جاءت انشقت السماء وانتثرت النجوم، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال الله ﷿، فذلك ثقلها (^١)، واختار ابن جرير ﵀ أن المراد ثقل علم وقتها على أهل السموات والأرض كما قال قتادة، وهو كما قالاه كقوله تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السموات والأرض، والله أعلم.\nوقال السدي: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل (^٢) ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ يبغتهم قيامها تأتيهم على غفلة. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ قضى الله أنها ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ قال: وذكر لنا أن نبي الله كان يقول «إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه» (^٣).\nوقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، أنبأنا أبو الزناد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه.\nولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» (^٤).\nوقال مسلم في صحيحه، حدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به، قال: تقوم الساعة والرجل يحلب لقحته، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم الساعة، والرجل يلوط حوضه فما يصدر حتى تقوم (^٥).\nوقوله ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ اختلف المفسرون في معناه، فقيل معناه كما قال العوفي عن ابن عباس ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يقول: كأن بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم، قال ابن عباس: لما سأل الناس النبي ﷺ عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم، فأوحى الله إليه إنما علمها عنده استأثر به، فلم يطلع الله عليها ملكا مقربا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٣٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٣٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٣٨.\n(^٤) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٠.\n(^٥) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١١٦، ١٤٠.","vol":"3","page":469},{"text":"ولا رسولا (^١).\nوقال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ: إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله ﷿ ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ (^٢) وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي، وهذا قول، والصحيح عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح وغيره ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها، وكذا قال الضحاك عن ابن عباس ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يقول: كأنك عالم بها لست تعلمها ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾.\nوقال معمر عن بعضهم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ كأنك عالم بها (^٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ كأنك بها عالم وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية، وهذا القول أرجح في المقام من الأول، والله أعلم، ولهذا قال ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. ولهذا لما جاء جبريل ﵇ في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول الله ﷺ مجلس السائل المسترشد، وسأله ﷺ عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» أي لست أعلم بها منك ولا أحد بها من أحد، ثم قرأ النبي ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية.\nوفي رواية فسأله عن أشراط الساعة، فبين له أشراط الساعة، ثم قال «في خمس لا يعلمهن إلا الله» وقرأ هذه الآية، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب: صدقت، ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله ﷺ «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» وفي رواية قال «وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه» (^٤) وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال: يا محمد، قال له رسول الله ﷺ «هاؤم» على نحو من صوته، قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول الله ﷺ «ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها» قال ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكنني أحب الله\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٣٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٣٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٣٩.\n(^٤) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٧، وتفسير سورة ٣١، باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ١، ٥، ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في الإيمان باب ٤، والنسائي في الإيمان باب ٥، ٦، وابن ماجة في المقدمة باب ٩، والفتن باب ٢٥، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٦.","vol":"3","page":470},{"text":"ورسوله، فقال له رسول الله ﷺ «المرء مع من أحب» (^١) فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث، وهذا له طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ أنه قال «المرء مع من أحب» وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين، ففيه أنه ﵇ كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله وإن لم يعرفوا تعيين وقته.\nولهذا قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂، قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول «إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم» (^٢) يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة. ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال رسول الله ﷺ «إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» انفرد به مسلم (^٣).\nوحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا سعيد بن أبي هلال المصري عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ قال: متى الساعة؟ فسكت رسول الله ﷺ هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال «إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» قال أنس: ذلك الغلام من أترابي (^٤)، وقال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس قال: مر غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أترابي فقال النبي ﷺ «إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» (^٥) ورواه البخاري (^٦) في كتاب الأدب من صحيحه عن عمرو بن عاصم عن همام بن يحيى عن قتادة عن أنس، أن رجلا من أهل البادية قال: يا رسول الله متى الساعة؟ فذكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٩٦، ومسلم في البر حديث ١٦٥، والترمذي في الزهد باب ٥٠، والدعوات باب ٩٨، والدارمي في الرقاق باب ٧١، وأحمد في المسند ١/ ٣٩٢، ٣/ ١٠٤، ١١٠، ١٥٩، ١٦٥، ١٦٧، ١٦٨، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٨، ١٩٢، ١٩٨، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢١٣، ٢٢٢، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٥٥، ٢٦٨، ٢٧٦، ٢٨٣، ٢٨٨، ٣٣٦، ٣٩٤، ٤/ ١٠٧، ١٦٠، ٢٣٩، ٢٤١، ٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٠٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٣٦.\n(^٣) كتاب الفتن حديث ١٣٧.\n(^٤) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٣٨.\n(^٥) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٣٩.\n(^٦) كتاب الأدب باب ٩٥.","vol":"3","page":471},{"text":"الحديث، وفي آخره: فمر غلام للمغيرة بن شعبة وذكره، وهذا الإطلاق في هذه الروايات محمول على التقييد بساعتكم في حديث عائشة ﵂.\nوقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر «تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة». رواه مسلم (^١).\nوفي الصحيحين عن ابن عمر مثله، قال ابن عمر: وإنما أراد رسول الله ﷺ انخرام ذلك القرن (^٢). وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا هشيم، أنبأنا العوام عن جبلة بن سحيم عن موثر بن عفارة عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة-قال-فردوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇، فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى عيسى فقال عيسى: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله ﷿، وفيما عهد إلي ربي ﷿ أن الدجال خارج -قال-ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله ﷿ إذا رآني حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله.\nقال: فيهلكهم الله ﷿ ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم لا يأتون على شيء إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه: قال: ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله ﷿ عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم أي تنتن، قال: فينزل الله ﷿ المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر.\nقال الإمام أحمد: قال يزيد بن هارون: ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم، ثم رجع إلى حديث هشيم، قال: ففيما عهد إلي ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المتمم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادتها ليلا أو نهارا، ورواه ابن ماجة عن بندار عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب بسنده نحوه، فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين، وإنما ردوا الأمر إلى عيسى ﵇، فتكلم على أشراطها لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذا لأحكام رسول الله ﷺ ويقتل المسيح الدجال، ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به.\n_________\n(^١) كتاب فضائل الصحابة حديث ٢١٧.\n(^٢) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٢١٦، وأبو داود في الملاحم باب ١٧، والترمذي في الفتن باب ٦٤.\n(^٣) المسند ١/ ٣٧٥.","vol":"3","page":472},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا عبيد بن إياد بن لقيط، قال:\nسمعت أبي يذكر عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال «علمها عند ربي ﷿ لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجا» قالوا: يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال «بلسان الحبشة القتل» قال «ويلقى بين الناس التناكر، فلا يكاد أحد يعرف أحدا» لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.\nوقال وكيع: حدثنا ابن أبي خالد عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ الآية، ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد به، وهذا إسناد جيد قوي، فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والعاقب والمقفى والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄ «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها (^٢)، ومع هذا كله قد أمره الله أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-610>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]</span>\n﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾\nأمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] الآية. وقوله ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ قال: لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملا صالحا، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال مثله ابن جريج، وفيه نظر لأن عمل رسول الله ﷺ كان ديمة (^٣)، وفي رواية:\nكان إذا عمل عملا أثبته (^٤)، فجميع عمله كان على منوال واحد كأنه ينظر إلى الله ﷿ في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم.\nوالأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٨٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣٩، ومسلم في الجمعة حديث ٣٧.\n(^٣) أخرجه البخاري في الصوم باب ٦٤، ومسلم في المسافرين حديث ٢١٧.\n(^٤) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ١٤١، ٢١٥، وأبو داود في التطوع باب ٢٧.","vol":"3","page":473},{"text":"أي من المال. وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئا إلا ربحت فيه ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ولا يصيبني الفقر.\nوقال ابن جرير (^١): وقال آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته، ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير، أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى:\n﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-611>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٩ إلى ١٩٠]</span>\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾\nينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ﵇. وأنه خلق منه زوجته حواء ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] الآية، وقال في هذا الآية الكريمة ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ أي ليألفها ويسكن بها، كقوله تعالى:\n﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] فلا ألفة بين روحين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أي وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة.\nوقوله ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد: استمرت بحمله (^٢)، وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي والسدي نحوه، وقال ميمون بن مهران عن أبيه: استخفته. وقال أيوب: سألت الحسن عن قوله ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال: لو كنت رجلا عربيا لعرفت ما هي إنما هي فاستمرت به، وقال قتادة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استبان حملها. وقال ابن جرير: معناه استمرت بالماء قامت به وقعدت. وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به فشكت أحملت أم لا (^٣)؟ ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ﴾ أي صارت ذات ثقل بحملها. وقال السدي: كبر الولد في بطنها ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أي بشرا سويا، كما قال الضحاك عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة، وكذلك قال أبو البختري\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٤١.\n(^٢) انظر هذه الآثار في تفسير الطبري ٦/ ١٤١، ١٤٢، ١٤٣.\n(^٣) انظر هذه الآثار في تفسير الطبري ٦/ ١٤١، ١٤٢، ١٤٣.","vol":"3","page":474},{"text":"وأبو مالك: أشفقا أن لا يكون إنسانا (^١).\nوقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلاما ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يذكر المفسرون هاهنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة.\nقال الإمام أحمد (^٢) في مسنده: حدثنا عبد الصمد: حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال «لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» (^٣)، وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار عن بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعا، ثم قال:\nهذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعا.\nوكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعا، قلت: وشاذ هو هلال، وشاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه [أحدها] أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا، فالله أعلم. [الثاني] أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعا، كما قال ابن جرير:\nحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا بكر بن عبد الله بن سليمان التيمي عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال: سمى آدم ابنه عبد الحارث. [الثالث] أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه.\nقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم.\nوحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر قال: قال الحسن: عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده يعني ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ (^٥). وحدثنا بشر، حدثنا\n_________\n(^١) انظر هذه الآثار في تفسير الطبري ٦/ ١٤١، ١٤٢، ١٤٣.\n(^٢) المسند ٥/ ١١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٧، باب ٤، والطبري في تفسيره ٦/ ١٤٥.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٤٧.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ١٤٧.","vol":"3","page":475},{"text":"يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول هم اليهود، والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا (^١)، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁ أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم.\nفأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولادا فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال: فولدت له رجلا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ -إلى قوله- ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ إلى آخر الآية (^٢).\nوقال العوفي عن ابن عباس قوله في آدم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ -إلى قوله- ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ شكت أحملت أم لا؟ ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويا ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ الآية (^٣).\nوقال عبد الله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ قال: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها﴾ آدم ﴿حَمَلَتْ﴾ فأتاهما إبليس لعنه الله فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني إبل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما، فسمياه عبد الحارث فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت الثانية فأتاهما أيضا فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلن أو لأفعلن-يخوفهما-فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضا فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٤٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٤٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٤٥.","vol":"3","page":476},{"text":"الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه-والله أعلم-أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد يعني ابن بشير عن عقبة عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال:\nلما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك، سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال:\nإن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبهما فأطاعا.\nوهذه الآثار يظهر عليها-والله أعلم-أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» (^١) ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله ﵇ «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (^٢) وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ولهذا قال الله ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الشهادات باب ٢٩، وتفسير سورة ٢، باب ١١، والاعتصام باب ٢٥، والتوحيد باب ٥١، وأبو داود في العلم باب ٢، وأحمد في المسند ٤/ ١٣٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٥٠، ومسلم في الزهد حديث ٧٢، والترمذي في العلم باب ١٣، وابن ماجة في المقدمة باب ٥، وأحمد في المسند ٣/ ٣٩، ٤٦.","vol":"3","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-612>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩١ إلى ١٩٨]</span>\n﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾\nهذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئا من الأمر ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤].\nأخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة بل لو سلبتهم الذبابة شيئا من حقير المطاعم وطارت، لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] الآية.\nثم قال تعالى: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي لعابديهم ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ يعني ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨] وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ﵄، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح وكان سيدا في قومه صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه.\nبالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال: [رجز] تالله لو كنت إلها مستدن … لم تك والكلب جميعا في قرن (^١)\nثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا ﵁ وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه، وقوله ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ الآية، يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء\n_________\n(^١) الرجز في سيرة ابن هشام ١/ ٣٥٤.","vol":"3","page":478},{"text":"دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها، كما قال إبراهيم ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك.\nوقوله ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ الآية، أي استنصروا بها علي فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ أي الله حسبي وكافيّ، وهو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة وهو ولي كل صالح بعدي وهذا كما قال هود ﵇ لما قال له قومه ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] وكقول الخليل ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٨] الآيات، وكقوله لأبيه وقومه ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨].\nوقوله ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى آخر الآية، مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذلك بصيغة الغيبة، ولهذا قال ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾، وقوله ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] الآية. وقوله ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ إنما قال ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صورة مصورة كالإنسان ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، فعبر عنها بضمير من يعقل، وقال السدي: المراد بهذا المشركون، وروي عن مجاهد نحوه، والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-613>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٩ إلى ٢٠٠]</span>\n﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني خذ ما عفي لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات، قاله السدي. وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أنفق الفضل، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: الفضل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره","vol":"3","page":479},{"text":"بالغلظة عليهم، واختار هذا القول ابن جرير (^١).\nوقال غير واحد عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس. وقال هشام بن عروة عن أبيه: أمر الله رسول الله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، وفي رواية قال: خذ ما عفي لك من أخلاقهم، وفي صحيح البخاري عن هشام عن أبيه عروة عن أخيه عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس (^٢) وفي رواية لغيره عن هشام عن أبيه عن ابن عمر، وفي رواية عن هشام عن أبيه عن عائشة أنهما قالا مثل لك، والله أعلم.\nوفي رواية سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن هشام عن وهب بن كيسان عن أبي الزبير خذ العفو، قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم، وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعا: حدثنا يونس حدثنا سفيان هو ابن عيينة عن أميّ قال: لما أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ «ما هذا يا جبريل؟» قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك.\nوقد رواه ابن أبي حاتم أيضا عن أبي يزيد القراطيسي كتابة، عن أصبغ بن الفرج عن سفيان عن أميّ عن الشعبي نحوه، وهذا مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ أسندهما ابن مردويه.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أمامة الباهلي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال، فقال «يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك» وروى الترمذي نحوه من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد به. وقال: حسن. قلت: ولكن علي بن يزيد وشيخه القاسم أبو عبد الرحمن فيهما ضعف.\nوقال البخاري (^٤): قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ العرف:\nالمعروف، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٥٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧ باب ٥، وأبو داود في الأدب باب ٤.\n(^٣) المسند ٤/ ١٤٨.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٧، باب ٥.","vol":"3","page":480},{"text":"الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبابا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحر، يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله ﷿، وانفرد بإخراجه البخاري.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس عن عبيد الله بن نافع أن سالم بن عبد الله بن عمر مر على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال: إن هذا منهي عنه، فقالوا: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به، فسكت سالم وقال ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (^١).\nوقول البخاري: العرف المعروف، نص عليه عروة بن الزبير والسدي وقتادة وابن جرير وغير واحد، وحكى ابن جرير (^٢): أنه يقال أوليته معروفا وعارفا، كل ذلك بمعنى المعروف، قال: وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمرا لنبيه ﷺ فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته وهو للمسلمين حرب (^٣). وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ قال: هذه أخلاق أمر الله بها نبيه ﷺ ودله عليها، وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما جناس، فقال:\n﴿خُذِ الْعَفْوَ …﴾ وأمر بعرف كما\nأمرت ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾\nولن في الكلام لكل الأنام … فمستحسن من ذوي الجاه لين\nوقال بعض العلماء: الناس رجلان، فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما مسيء فمره بالمعروف فإن تمادى على ضلاله واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يرد كيده، كما قال تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨] وقال تعالى:\n_________\n(^١) انظر الأثر في الدر المنثور ٣/ ٢٨١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٥٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٥٤.","vol":"3","page":481},{"text":"﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] أي هذه الوصية ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].\nوقال في هذه السورة الكريمة أيضا ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فهذه الآيات الثلاث في الأعراف والمؤمنون وحم السجدة لا رابع لهن، فإنه تعالى، يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف بالتي هي أحسن فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا قال ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإنه لا يكفه عنك الإحسان وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك.\nوقال ابن جرير (^١) في تفسير قوله ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل ويحملك على مجازاته ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ يقول: فاستجر بالله من نزغه ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لجهل الجاهل عليك والاستعاذة به من نزغه ولغير ذلك من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزلت ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ قال: يا رب كيف بالغضب؟، فأنزل الله ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] قلت: وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي ﷺ فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمرغ غضبا، فقال رسول الله ﷺ «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فقيل له، فقال: ما بي من جنون (^٢). وأصل النزغ الفساد إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى:\n﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] والعياذ الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر، وأما الملاذ ففي طلب الخير، كما قال أبو الطيب المتنبي في شعره: [البسيط] يا من ألوذ به فيما أؤمّله … ومن أعوذ به مما أحاذره (^٣)\nلا يجبر الناس عظما أنت كاسره … ولا يهيضون عظما أنت جابره\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٥٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ٤٤، ومسلم في البر حديث ١١٠، وأبو داودي الأدب باب ٣، والترمذي في الدعوات باب ٥١، وأحمد في المسند ٥/ ٢٤٠، ٢٤٤.\n(^٣) البيتان في ديوان المتنبي ١/ ٨٧، طبعة دار الكتب العلمية.","vol":"3","page":482},{"text":"وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير بما أغنى عن إعادته هاهنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-614>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠١ إلى ٢٠٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾\nيخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر أنهم ﴿إِذا مَسَّهُمْ﴾ أي أصابهم طيف. وقرأ الآخرون طائف، وقد جاء فيه حديث وهما قراءتان مشهورتان، فقيل بمعنى واحد، وقيل بينهما فرق، ومنهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب وقوله ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده، ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه.\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وبها طيف فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني، فقال «إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك» فقالت: بل أصبر ولا حساب عليّ، ورواه غير واحد من أهل السنن وعندهم قالت: يا رسول الله إني أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني، فقال «إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة» فقالت: بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها فكانت لا تتكشف: وأخرجه الحاكم من مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شابا كان يتعبد في المسجد، فهويته امرأة فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ فخر مغشيا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات، فجاء عمر فعزى فيه أباه، وكان قد دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربي ﷿ في الجنة مرتين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾ أي وإخوان الشياطين من الإنس كقوله ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ أي تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسنها لهم.\nوقال ابن كثير: المد الزيادة يعني يزيدونهم في الغي يعني الجهل والسفه.\n﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قيل معناه إن الشياطين تمد الإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الآية، قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون، ولا الشياطين تمسك","vol":"3","page":483},{"text":"عنهم (^١)، وقيل معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾، يقول لا يسأمون (^٢)، وكذا قال السدي وغيره أن يعني الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية ﴿لا يُقْصِرُونَ﴾ لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا.\n\n<span data-type='title' id=toc-615>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]</span>\n﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدثتها فأنشأتها (^٣)، وقال ابن جرير (^٤) عن عبد الله بن كثير عن مجاهد في قوله ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ قال: لولا اقتضيتها، قالوا: تخرجها عن نفسك، وكذا قال قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يقول: تلقيتها من الله تعالى (^٥). وقال الضحاك ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء (^٦).\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي معجزة وخارق، كقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] يقولون للرسول ﷺ: ألا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: ﴿قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعث آية قبلتها وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم، ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات، فقال ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-616>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]</span>\n﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾\nلما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٥٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٥٨.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٥٩.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٥٩.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ١٦٠.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ١٦٠.","vol":"3","page":484},{"text":"إعظاما له واحتراما، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] الآية، ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (^١) وكذا رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة أيضا، وصححه مسلم بن الحجاج أيضا، ولم يخرجه في كتابه، وقال إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة قال:\nكانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ والآية الأخرى، أمروا بالإنصات.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن المسيب بن رافع قال ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقال أيضا (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي عن داود بن أبي هند عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود فسمع ناسا يقرءون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ كما أمركم الله، قال (^٤): وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص عن أشعث عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئا قرأه، فنزلت ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.\nوقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الزهري عن أبي أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال «هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟» قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول ما لي أنازع القرآن» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (^٥).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه أبو حاتم الرازي.\nوقال عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري: قال لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرءون فيما لا يجهر به سرا في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٦٣، وأبو داود في الصلاة باب ٦٨، والنسائي في الافتتاح باب ٣٠، وابن ماجة في الإقامة باب ١٣، وأحمد في المسند ٢/ ٣٧٦، ٤٣٠، ٤/ ٤١٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٦١.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٦١.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٦١.\n(^٥) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ١١٦، والنسائي في الافتتاح باب ٢٨، وابن ماجة في الإقامة باب ١٣، ومالك في النداء حديث ٤٤، وأحمد في المسند ٢/ ٣٠٢.","vol":"3","page":485},{"text":"أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرا ولا علانية، فإن الله تعالى قال:\n﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^١).\nقلت: هذا مذهب طائفة من العلماء أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعية، وهو القديم كمذهب مالك ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلا في السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث «من كان له إمام فقراءته قراءة له» (^٢) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعا، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان عن جابر موقوفا، وهذا أصح وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفا على حدة، واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضا، والله أعلم.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قوله ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يعني في الصلاة المفروضة، وكذا روي عن عبد الله بن المغفل.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت فنظرا إليّ وأقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة قال فنظرا إلي فقالا: إنما ذلك في الصلاة ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وكذا قال سفيان الثوري عن أبي هشام إسماعيل بن كثير عن مجاهد في قوله ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصلاة، وكذا رواه غير واحد عن مجاهد.\nوقال عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم (^٤)، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بذلك في الصلاة.\nوقال شعبة عن منصور: سمعت إبراهيم بن أبي حمزة يحدث أنه سمع مجاهدا يقول في هذه الآية ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٦٣.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الإقامة باب ١٣، وأحمد في المسند ٣/ ٣٣٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٦١، ١٦٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٦٣.","vol":"3","page":486},{"text":"وكذا روى ابن جريج عن عطاء مثله، وقال هشيم عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر.\nوقال ابن المبارك عن بقية: سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام من الصلاة (^١)، وهذا اختيار ابن جرير أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، كما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة. وقال عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن مجاهد أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئا، قال: السكوت. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن:\nإذا جلست إلى القرآن فأنصت له.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن ميسرة عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة» تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-617>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٥ إلى ٢٠٦]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾\nيأمر تعالى بذكره أول النهار واخره كثيرا، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وهذه الآية مكية. وقال هاهنا: بالغدو، وهو أول النهار، والآصال جمع أصيل كما أن الأيمان جمع يمين، وأما قوله ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول لا جهرا، ولهذا قال ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء وجهرا بليغا، ولهذا لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي ﷺ «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (^٣).\nوقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٦٤.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٤١.\n(^٣) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٥١، ومسلم في الذكر حديث ٤٤، ٤٥.","vol":"3","page":487},{"text":"﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه وسبوا من أنزله وسبوا من جاء به، فأمره الله تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلا بين الجهر والإسرار، وكذا قال في هذه الآية الكريمة ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾.\nوقد زعم ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به، ثم إن المراد بذلك في الصلاة كما تقدم أو في الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان، سواء كان سرا أو جهرا، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ الآية، وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم.\nولهذا شرع لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم لله ﷿، كما جاء في الحديث «ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصفوف الأول فالأول ويتراصون في الصف» (^١) وهذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه عدها في سجدات القرآن.\n\nآخر سورة الأعراف ولله الحمد والمنّة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١١٩، وأبو داود في الصلاة باب ٩٣، ٩٦، والنسائي في الإمامة باب ٢٨، وابن ماجة في الإقامة باب ٥٠، وأحمد في المسند ٢/ ٩٨، ٥/ ١٠١.","vol":"3","page":488},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-618>سورة الأنفال</span>\nوهي مدنية. آياتها سبعون وست آيات. كلماتها ألف كلمة وستمائة كلمة وإحدى وثلاثون كلمة. حروفها خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفا والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-619>[سورة الأنفال (٨): آية ١]</span>\n﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾\nقال البخاري (^١): قال ابن عباس: الأنفال المغانم، حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄ سورة الأنفال قال: نزلت في بدر. أما ما علقه عن ابن عباس فكذلك رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: الأنفال الغنائم (^٢)، كانت لرسول الله ﷺ خالصة ليس لأحد منها شيء، وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد أنها المغانم، وقال الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: الأنفال الغنائم، قال فيها لبيد: [الرمل] إن تقوى ربنا خير نفل … وبإذن الله ريثي وعجل (^٣)\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس ﵄: الفرس من النفل والسلب من النفل. ثم عاد لمسألته فقال ابن عباس ذلك أيضا ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب.\nوقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس:\nكان عمر بن الخطاب ﵁: إذا سئل عن شيء قال لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٨، باب ١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٦٨.\n(^٣) البيت في ديوان لبيد ص ١٧٤، ولسان العرب (نفل) ومقاييس اللغة ٤٦٤١٢، وتاج العروس (نفل)، ويروى «ريثي والعجل» بدل «ريثي وعجل».\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٧٠.","vol":"4","page":3},{"text":"ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه ﷺ إلا زاجرا آمرا محللا محرما. قال القاسم فسلط على ابن عباس رجل فسأله عن الأنفال فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل فقال له مثل ذلك، ثم عاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه، فقال الرجل أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك (^١).\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه فسر النفل بما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه بعد قسم أصل المغنم وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله ﷺ عن الخمس بعد الأربعة من الأخماس، فنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ (^٢) وقال ابن مسعود ومسروق: لا نفل يوم الزحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف، رواه ابن أبي حاتم عنهما، وقال ابن المبارك وغير واحد عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح في الآية ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ قال يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة أو عبد أو أمة أو متاع فهو نفل للنبي ﷺ يصنع به ما يشاء (^٣)، وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال.\nقال ابن جرير (^٤): وقال آخرون: هي أنفال السرايا حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا علي بن صالح بن حيي، قال بلغني في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ قال السرايا (^٥)، ومعنى هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش.\nوقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابن جرير أنها زيادة على القسم.\nويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية وهو ما رواه الإمام أحمد (^٦)، حيث قال:\nحدثنا أبو معاوية حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير قتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النبي ﷺ فقال: «اذهب فاطرحه في القبض» قال فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي وأخذ سلبي، قال فما جاوزت إلا يسيرا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٧٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٧٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٦٩.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٦٩.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ١٦٩.\n(^٦) المسند ١/ ١٨٠.","vol":"4","page":4},{"text":"حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ «اذهب فخذ سلبك».\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر عن عاصم بن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن سعد بن مالك، قال: قلت يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: «إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه» قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي، قال:\nفإذا رجل يدعوني من ورائي قال: قلت قد أنزل الله فيّ شيئا؟ قال: كنت سألتني السيف وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٢).\nورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش به، وقال الترمذي:\nحسن صحيح، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي، أخبرنا شعبة أخبرنا سماك بن حرب قال سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد، قال: نزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفا يوم بدر فأتيت النبي ﷺ فقلت نفلنيه، فقال «ضعه من حيث أخذته» مرتين، ثم عاودته فقال النبي ﷺ «ضعه من حيث أخذته» فنزلت هذه الآية ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ الآية وتمام الحديث، في نزول ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] وآية الوصية وقد رواه مسلم (^٣) في صحيحه من حديث شعبة به.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ساعدة قال:\nسمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله ﷺ الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله ﷺ لا يمنع شيئا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله ﷺ فأعطاه إياه (^٤)، ورواه ابن جرير (^٥) من وجه آخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-620>(سبب آخر في نزول الآية)</span>\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن عن\n_________\n(^١) المسند ١/ ١٧٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ١٤٥، والترمذي في تفسير سورة ٨، باب ١، والدارمي في الوصايا باب ٤.\n(^٣) كتاب فضائل الصحابة حديث ٤٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٧٣.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ١٧٣.\n(^٦) المسند ٥/ ٣٢٢.","vol":"4","page":5},{"text":"سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر، نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين، عن بواء يقول عن سواء.\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا أبو معاوية بن عمر أخبرنا أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى عن أبي سلامة عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، فإذا أقبل راجعا نفل الثلث، وكان يكره الأنفال (^٢)، ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث به نحوه، قال الترمذي: هذا حديث حسن.\nورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن الحارث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، وروى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه واللفظ له، وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ «من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا» فتسارع في ذلك شبان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءا لكم لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nوقال الثوري عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ «من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أتى أسيرا فله كذا وكذا». فجاء أبو اليسر بأسيرين فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، أنت وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال:\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٢٤.\n(^٢) أخرجه الترمذي في السير باب ١٢، وابن ماجة في الجهاد باب ٣٥.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ١٤٤.","vol":"4","page":6},{"text":"يا رسول الله، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا ونزل القرآن ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾، قال ونزل القرآن ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية.\nوقال الإمام أبو عبيد الله القاسم بن سلام، ﵀، في كتاب الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها، أما الأنفال فهي المغانم وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى لرسول الله ﷺ، يقول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس فنسخت الأولى.\nقلت هكذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس سواء، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي. وقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة.\nقال أبو عبيد وفي ذلك آثار، والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب كل إحسان فعله فاعل تفضلا، من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما هو شيء خصهم الله به تطولا منه عليهم بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الأمة، فهذا أصل النفل.\nقلت: شاهد هذا ما في الصحيحين عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:\n«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي-فذكر الحديث إلى أن قال-وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» (^١). وذكر تمام الحديث، ثم قال أبو عبيد: ولهذا سمى ما جعل الإمام للمقاتلة نفلا، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإسلام والنكاية في العدو.\nوفي النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى [فإحداهن] في النفل لا خمس فيه وذلك السلب، [والثانية] النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس، [والثالثة] في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس فإذا صار الخمس في يدي الإمام، نفل منه على قدر ما يرى. [والرابعة] في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء، وهو أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التيمم باب ١، والخمس باب ٨، ومسلم في المساجد حديث ٣، ٥، والترمذي في السير باب ٢٩.","vol":"4","page":7},{"text":"يعطي الأدلاء ورعاة الماشية والسواق لها. وفي كل ذلك اختلاف.\nقال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب. قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم وذلك من خمس النبي ﷺ، فإن له خمس الخمس من كل غنيمة، فينبغي للإمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم وقل من بإزائه من المسلمين، نفل منه اتباعا لسنة رسول الله ﷺ وإذا لم يكن ذلك لم ينفل.\n[والوجه الثالث] من النفل إذا بعث الإمام سرية أو جيشا فقال لهم قبل اللقاء من غنم شيئا، فهو له، بعد الخمس فهو لهم على ما شرط الإمام، لأنّهم على ذلك غزوا وبه رضوا، انتهى كلامه. وفيما تقدم من كلامه وهو قوله: إن غنائم بدر لم تخمس نظر.\nويرد عليه حديث علي بن أبي طالب، في شارفيه اللذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بينت ذلك في كتاب السيرة بيانا شافيا، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي اتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا فما أتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف، وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم وكذا قال مجاهد، وقال السدي ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي لا تستبوا.\nولنذكر هاهنا حديثا أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي ﵀، في مسنده فإنه قال: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا عباد بن شيبة الحبطي عن سعيد بن أنس عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة ﵎، فقال أحدهما:\nيا رب خذ لي مظلمتي من أخي.\nفقال الله تعالى، أعط أخاك مظلمته، قال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء قال: رب فليحمل عني من أوزاري». قال: ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء ثم قال «إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه، قال رب ومن يملك ثمنه؟ قال أنت تملكه، قال: ماذا يا رب؟ قال: تعفو عن","vol":"4","page":8},{"text":"أخيك، قال: يا رب، فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك، فادخلا الجنة». ثم قال رسول الله ﷺ «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة».\n\n<span data-type='title' id=toc-621>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢ إلى ٤]</span>\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه.\nولا يؤمنون بشيء من آيات الله ولا يتوكلون ولا يصلون إذا غابوا ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين فقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فأدوا فرائضه ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ يقول زادتهم تصديقا ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول لا يرجون غيره (^١).\nوقال مجاهد ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فرقت أي فزعت وخافت، وكذا قال السدي وغير واحد (^٢)، وهذه صفة المؤمن حق المؤمن الذي إذا ذكر الله وجل قلبه أي خاف منه، ففعل أوامره وترك زواجره، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، [آل عمران: ١٣٥] وكقوله تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ [النازعات: ٤ - ٥] ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو قال يهم بمعصية فيقال له: اتق الله فيجل قلبه.\nوقال الثوري أيضا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أمّ الدرداء في قوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك (^٣).\nوقوله ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾، كقوله ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ٩].\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٧٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٧٨.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٧٨.","vol":"4","page":9},{"text":"وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\n﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان. وقوله ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ينبه تعالى بذلك على أعمالهم بعد ما ذكر اعتقادهم وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة وهو حق الله تعالى.\nوقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، وقال مقاتل بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها والتشهد والصلاة على النبي ﷺ هذا إقامتها، والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب. والخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. قال قتادة في قوله ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فأنفقوا مما أعطاكم الله فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها.\nوقوله ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، أي المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مر برسول الله ﷺ فقال له: «كيف أصبحت يا حارث؟» قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال:\n«انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: «يا حارث عرفت فالزم» ثلاثا.\nوقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ إنما أنزل القرآن بلسان العرب كقولك فلان سيد حقا، وفي القوم سادة. وفلان تاجر حقا، وفي القوم تجار. وفلان شاعر حقا، وفي القوم شعراء. وقوله ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي منازل ومقامات ودرجات في الجنات كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما","vol":"4","page":10},{"text":"يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣] ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي يغفر لهم السيئات ويشكر لهم الحسنات.\nوقال الضحاك في قوله ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد.\nولهذا جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال «إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء». قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم فقال: «بلى والذي نفسي بيده، لرجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (^١). وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي عطية عن ابن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الدرجات العلى كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-622>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥ إلى ٨]</span>\n﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾\nقال الإمام أبو جعفر الطبري (^٣): اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، فقال بعضهم شبه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم وإصلاحهم ذات بينهم وطاعتهم لله ورسوله، ثم روي عن عكرمة نحو هذا.\nومعنى هذا أن الله تعالى يقول كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححتم فيها فانتزعها الله منكم وجعلها إلى قسمه، وقسم رسوله ﷺ فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة، وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم، فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد رشدا وهدى، ونصرا وفتحا، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، والرقاق باب ٥١، ومسلم في الجنة حديث ١١، وأحمد في المسند ٣/ ٥٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الحروف باب ١٩، وابن ماجة في المقدمة باب ١١، وأحمد في المسند ٣/ ٢٦، ٢٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٨٠.","vol":"4","page":11},{"text":"قال ابن جرير (^١) وقال آخرون: معنى ذلك ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، على كره من فريق من المؤمنين كذلك هم كارهون للقتال فهم يجادلونك فيه بعد ما تبين لهم. ثم روي عن مجاهد نحوه أنه قال ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ قال كذلك يجادلونك في الحق.\nوقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ لطلب المشركين ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ (^٢) وقال بعضهم يسألونك عن الأنفال مجادلة كما جادلوك يوم بدر فقالوا أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالا فنستعد له.\nقلت: رسول الله ﷺ إنما خرج من المدينة طالبا لعير أبي سفيان التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام فيها أموال جزيلة لقريش فاستنهض رسول الله ﷺ المسلمين من خف منهم فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله ﷺ في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيرا إلى أهل مكة، فنهضوا في قريب من ألف مقنع ما بين التسعمائة إلى الألف وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر فنجا وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين المسلمين والكافرين على غير ميعاد لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بين الحق والباطل كما سيأتي بيانه، والغرض أن رسول الله ﷺ لما بلغه خروج النفير أوحى الله إليه يعده إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾.\nقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران، حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة «إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها؟» فقلنا نعم فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين، قال لنا «ما ترون في قتال القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟» فقلنا لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكنا أردنا العير، ثم قال «ما ترون في قتال القوم؟» فقلنا مثل ذلك فقال المقداد بن عمرو: إذا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٨١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٨١.","vol":"4","page":12},{"text":"[المائدة: ٢٤] قال فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، قال فأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ وذكر تمام الحديث (^١).\nورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة بنحوه.\nوروى ابن مردويه أيضا من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي وقاص الليثي، عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال «كيف ترون؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بمكان كذا وكذا، قال: ثم خطب الناس فقال «كيف ترون؟» فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال:\n«كيف ترون؟» فقال سعد بن معاذ يا رسول الله إيانا تريد؟» فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ (^٢) الآيات.\nوقال العوفي عن ابن عباس لما شاور النبي ﷺ في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال وذلك يوم بدر أمر الناس أن يتهيئوا للقتال وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان فأنزل الله ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (^٣) وقال مجاهد يجادلونك في الحق: في القتال (^٤)، وقال محمد بن إسحاق ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ أي كراهية للقاء المشركين، وإنكارا لمسير قريش حين ذكروا لهم (^٥)، وقال السدي: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ أي بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله به (^٦). قال ابن جرير (^٧):\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٣/ ٢٩٩.\n(^٢) انظر الدر المنثور ٣/ ٢٩٩.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٨٢.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ١٨١.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ١٨٢.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ١٨٢.\n(^٧) تفسير الطبري ٦/ ١٨٢.","vol":"4","page":13},{"text":"وقال آخرون عنى بذلك المشركين، حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام وهم ينظرون. قال وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.\nثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله، لأن الذي قبل قوله ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل الإيمان والذي يتلوه خبر عنهم. والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: أنه خبر عن المؤمنين، وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق وهو الذي يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا يحيى بن بكير وعبد الرزاق قالا: حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر:\nعليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب، قال عبد الرزاق وهو أسير في وثاقه إنه لا يصلح لك، قال ولم؟ قال لأن الله ﷿ إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك إسناد جيد ولم يخرجه.\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي يحبون أن الطائفة التي لا حد لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم وهي العير، ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ أي هو يريد أي يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه ويرفع كلمة الإسلام ويجعله غالبا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nوقال محمد بن إسحاق ﵀: حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن عبد الله بن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله أي ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا.\nوكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٢٩.","vol":"4","page":14},{"text":"الركبان تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهل مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، حتى بلغ واديا يقال له ذفران، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر ﵁ فقال، فأحسن. ثم قام عمر ﵁ فقال، فأحسن.\nثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد، يعني مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير.\nثم قال رسول الله ﷺ «أشيروا علي أيها الناس» وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله إنا برآء من زمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في زمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «أجل» فقال آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.\nفسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال «سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (^١) وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق.\n_________\n(^١) انظر الأثر في تفسير الطبري ٦/ ١٨٤، ١٨٥، وسيرة ابن هشام ١/ ٦٠٦، ٦٠٧.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-623>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\n﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو نوح قراد، حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال «اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا» قال فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﷿ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.\nفلما كان يومئذ التقوا، فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر منهم سبعون رجلا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليا فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله ﷺ «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قال:\nقلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.\nفهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد قال عمر فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان فقلت: ما يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال النبي ﷺ «للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة من النبي ﷺ وأنزل الله ﷿ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فأحل لهم الغنائم.\nفلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفر أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه فأنزل الله ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] بأخذكم الفداء (^٢).\nورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق عن عكرمة بن عمار به\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٠، ٣١.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجهاد حديث ٥٨.","vol":"4","page":16},{"text":"وصححه علي بن المديني والترمذي وقالا لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليماني وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أن هذه الآية الكريمة قوله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ في دعاء النبي ﷺ، وكذا قال يزيد بن يثيع والسدي وابن جريج.\nوقال أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر جعل النبي ﷺ يناشد ربه أشد المناشدة يدعو فأتاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله بعض مناشدتك فوالله ليفين الله لك بما وعدك.\nقال البخاري في كتاب المغازي باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال سمعت ابن مسعود يقول شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره يعني (^١) قوله. حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب حدثنا عبد الوهاب حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر «اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد» فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك فخرج وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر» (^٢) ورواه النسائي عن بندار عن عبد الوهاب عن عبد المجيد الثقفي.\nوقوله تعالى ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي يردف بعضهم بعضا كما قال هارون بن عنترة عن ابن عباس ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين ويحتمل أن المراد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ لكم أي نجدة لكم كما قال العوفي عن ابن عباس ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يقول المدد كما تقول ائت للرجل زده كذا وكذا وهكذا قال مجاهد وابن كثير القارئ وابن زيد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ ممدين، وقال أبو كدينة عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس يمدكم ربكم بألف من الملائكة مردفين قال وراء كل ملك ملك. وفي رواية بهذا الإسناد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قال بعضهم على أثر بعض وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني المثنى حدثنا إسحاق حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثني عبد العزيز بن عمران عن الزمعي عن أبي الحويرث عن محمد جبير عن علي ﵁ قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي ﷺ وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي ﷺ وأنا في الميسرة. وهذا يقتضي إن صح إسناده أن الألف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في المغازي باب ٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٩١.","vol":"4","page":17},{"text":"مردفة بمثلها ولهذا قرأ بعضهم ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال، والله أعلم. والمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة.\nوروى الإمام أبو جعفر بن جرير ومسلم من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن وليد الحنفي عن ابن عباس، عن عمر الحديث المتقدم، ثم قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا قال فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله ﷺ قال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.\nوقال البخاري (^١): باب شهود الملائكة بدرا. حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر قال جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال «من أفضل المسلمين» أو كلمة نحوها قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة. انفرد بإخراجه البخاري وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج وهو خطأ، والصواب رواية البخاري والله أعلم.\nوفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لعمر لما شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى﴾ الآية، أي وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله أي بدون ذلك ولهذا قال ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ كما قال تعالى ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦] وقال تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤١] فهذه حكم شرع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها.\nوقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمم\n_________\n(^١) كتاب المغازي باب ١١.\n(^٢) أخرجه البخاري في المغازي باب ٩، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٦١.","vol":"4","page":18},{"text":"المكذبة كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادا الأولى بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليم ثم أنزل على موسى التوراة شرع فيها قتال الكفار واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ﴾ [القصص: ٤٣] وقتل المؤمنين للكافرين، أشد إهانة للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم وأشفى لصدور حزب الإيمان، فقتل أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشد إهانة له من موته على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك كما مات أبو لهب لعنه الله بالعدسة (^١) بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، وإنما غسلوه بالماء قذفا من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ أي له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة كقوله تعالى:\n﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه من قتال الكفار مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته ﷾.\n\n<span data-type='title' id=toc-624>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١١ إلى ١٤]</span>\n﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ (١٤)﴾\nيذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أمانا أمنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] الآية، قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف.\nوقال الحافظ أبو يعلى حدثنا زهير حدثنا ابن مهدي عن شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي ﵁ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلاّ نائم، إلا رسول الله ﷺ يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح. وقال سفيان الثوري عن عاصم عن أبي رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: النعاس في القتال أمنة\n_________\n(^١) العدسة: بثرة تشبه العدسة، تخرج في الجسد، تقتل صاحبها غالبا.","vol":"4","page":19},{"text":"من الله، وفي الصلاة من الشيطان (^١)، وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب.\nقلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد وأمر ذلك مشهور جدا، وأما الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالة على وقوع ذلك أيضا وكأن ذلك كائن للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمته عليهم وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الانشراح: ٥ - ٦] ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق ﵁ وهما يدعوان أخذت رسول الله ﷺ سنة من النوم ثم استيقظ مبتسما فقال: «أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع» ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥].\nوقوله ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نزل النبي ﷺ حين سار إلى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة دعصة وأصاب المسلمين ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين فأمطر الله عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا وأذهب الله عنهم رجس الشيطان وثبت الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم، وأمد الله ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة (^٢).\nوكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه فأصاب المؤمنين الظمأ فجعلوا يصلون مجنبين محدثين حتى تعاطوا ذلك في صدورهم فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي فشرب المؤمنون وملؤوا الأسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة فجعل الله في ذلك طهورا وثبت به الأقدام وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله المطر عليها فضربها حتى اشتدت وثبتت عليها الأقدام (^٣).\nونحو ذلك روي عن قتادة والضحاك والسدي، وقد روي عن سعيد بن المسيب والشعبي والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه طش (^٤) أصابهم يوم بدر (^٥).\nوالمعروف أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك أي أول ماء وجده\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٩٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ١٩٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ١٩٤.\n(^٤) الطش: المطر القليل، وهو فوق الرذاذ.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ١٩٣، ١٩٤.","vol":"4","page":20},{"text":"فتقدم إليه الحباب بن المنذر فقال يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال «بل منزل نزلته للحرب والمكيدة» فقال يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء فسار رسول الله ﷺ ففعل كذلك (^١).\nوفي مغازي الأموي أن الحباب لما قال ذلك نزل ملك من السماء وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ فقال ذلك الملك، يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل ﵇ فقال «هل تعرف هذا»؟ فنظر إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم وإنه ملك وليس بشيطان.\nوأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي ﵀ حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه ما لبد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار وتلبدت به الأرض وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا هارون بن إسحاق حدثنا مصعب بن المقدام حدثنا إسرائيل حدثنا أبو إسحاق عن حارثة عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طش من المطر يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله ﷺ وحرض على القتال.\nوقوله ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي من حدث أصغر أو أكبر وهو تطهير الظاهر ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أي من وسوسة أو خاطر سيئ وهو تطهير الباطن كما قال تعالى في حق أهل الجنة ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذا زينة الظاهر ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾ أي مطهرا لما كان من غل أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن وطهارته ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أي بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم.\nوقوله ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها وهو أنه تعالى وتقدس وتبارك وتمجد أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبتوا الذين آمنوا قال ابن إسحاق: وازروهم. وقال غيره: قاتلوا معهم وقيل كثروا سوادهم وقيل كان ذلك بأن\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٩٣.","vol":"4","page":21},{"text":"الملك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﷺ فيقول سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين يقولون والله لئن حملوا علينا لننكشفن فيحدث المسلمون بعضهم بعضا بذلك فتقوى أنفسهم حكاه ابن جرير وهذا لفظه بحروفه.\nوقوله ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي ثبتوا أنتم المؤمنين وقووا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك سألقي الرعب والذلة والصغار على من خالف أمري وكذب رسولي ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ أي اضربوا الهام ففلقوها، واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم وقد اختلف المفسرون في معنى ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ فقيل معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة وقيل معناه أي على الأعناق وهي الرقاب قاله الضحاك وعطية العوفي ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ [محمد: ٤] وقال وكيع عن المسعودي عن القاسم قال: قال النبي ﷺ «إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرقاب وشد الوثاق» واختار ابن جرير أنها قد تدل على ضرب الرقاب وفلق الهام، قلت وفي مغازي الأموي أن رسول الله ﷺ جعل يمر بين القتلى يوم بدر فيقول «نفلّق هاما» فيقول أبو بكر: [الطويل] من رجال أعزة علينا … وهم كانوا أعق وأظلما (^١)\nفيبتدئ رسول الله ﷺ بأول البيت ويستطعم أبا بكر ﵁ إنشاد آخره لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر كما قال تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به، وقوله ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ وقال ابن جرير (^٢):\nمعناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر: [الطويل] ألا ليتني قطعت مني بنانة … ولاقيته في البيت يقظان حاذرا (^٣)\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ يعني بالبنان الأطراف وكذا قال الضحاك وابن جرير: وقال السدي البنان الأطراف ويقال كل مفصل وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى كل مفصل، وقال الأوزاعي في قوله تعالى:\n﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ قال اضرب منه الوجه والعين وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم\n_________\n(^١) البيت للحصين بن الحمام المري في الشعر والشعراء ٢/ ٦٤٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ١٩٧.\n(^٣) البيت لعباس بن مرداس في ديوانه ص ١٢٥، وتاج العروس (بنن)، وتفسير الطبري ٦/ ١٩٧.","vol":"4","page":22},{"text":"ذلك كله عليك وقال العوفي عن ابن عباس: فذكر قصة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل لا تقتلوهم قتلا ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم ورغبتهم عن اللات والعزى فأوحى الله إلى الملائكة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ الآية، فقتل أبو جهل لعنه الله في تسعة وستين رجلا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرا فوفى ذلك سبعين يعني قتيلا.\nولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، ومأخوذ أيضا من شق العصا وهو جعلها فرقتين ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء ﵎ لا إله ولا رب سواه ﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ هذا خطاب للكفار أي ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا واعلموا أيضا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-625>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ إلى ١٦]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾\nيقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ أي تفروا وتتركوا أصحابكم ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ أي يفر بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه قد خاف منه فيتبعه ثم يكر عليه فيقتله فلا بأس عليه في ذلك نص عليه سعيد بن جبير والسدي، وقال الضحاك أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ﴾ أي فر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونونه فيجوز له ذلك حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن حدثنا زهير حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة، فبتنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال «من القوم؟» فقلنا نحن الفرارون فقال «لا بل أنتم العكارون أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين» قال فأتيناه حتى قبلنا يده (^٢).\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٧٠، ٨٦، ١٠٠، ١١١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٩٦، والترمذي في الجهاد باب ٣٦.","vol":"4","page":23},{"text":"وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق عن يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي:\nحسن لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زياد ورواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن أبي زياد به، وزاد في آخره وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ﴾.\nقال أهل العلم معنى قوله «العكارون» أي العطاقون، وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ في أبي عبيد لما قتل على الجسر بأرض فارس لكثرة الجيش من ناحية المجوس فقال عمر لو تحيز إلي لكنت له فئة هكذا رواه محمد بن سيرين عن عمر وفي رواية أبي عثمان النهدي عن عمر قال لما قتل أبو عبيد قال عمر: أيها الناس أنا فئتكم وقال مجاهد قال عمر أنا فئة كل مسلم، وقال عبد الملك بن عمير عن عمر أيها الناس لا تغرنكم هذه الآية فإنما كانت يوم بدر وأنا فئة لكل مسلم.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا حسان بن عبد الله المصري حدثنا خلاد بن سليمان الحضرمي حدثنا نافع أنه سأل ابن عمر قلت إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة إمامنا أو عسكرنا؟ فقال إن الفئة رسول الله ﷺ فقلت إن الله يقول: ﴿إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الآية، فقال إنما أنزلت هذه الآية في يوم بدر لا قبلها ولا بعدها، وقال الضحاك في قوله ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ﴾ المتحيز الفار إلى النبي ﷺ وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل يا رسول الله وما هن؟ قال «الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (^١) وله شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ باءَ﴾ أي رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ﴾ أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا زكريا بن عدي حدثنا عبد الله بن عمرو الرقي عن زيد بن أبي أنيسة حدثنا جبلة بن سحيم عن أبي المثنى العبدي سمعت السدوسي يعني ابن الخصاصية وهو بشير بن معبد قال أتيت النبي ﷺ لأبايعه فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت يا رسول الله أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الوصايا باب ٢٣، والطب باب ٤٨، والحدود باب ٤٤، ومسلم في الإيمان حديث ١٤٤، وأبو داود في الوصايا باب ١٠، والنسائي في الوصايا باب ١٢.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٢٤.","vol":"4","page":24},{"text":"وكرهت الموت، والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود هنّ رسل أهلي وحمولتهم، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم قال: «فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذا؟» قلت يا رسول الله أنا أبايعك فبايعته عليهن كلهن، هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه في الكتب الستة.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر حدثنا يزيد بن ربيعة حدثنا أبو الأشعث عن ثوبان مرفوعا عن النبي ﷺ قال «ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف» وهذا أيضا حديث غريب جدا، وقال الطبراني أيضا حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حفص بن عمر الشني حدثني عمرو بن مرة قال سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى رسول الله ﷺ قال سمعت أبي يحدث عن جدي قال: قال رسول الله ﷺ «من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف» (^١) وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به وأخرجه الترمذي عن البخاري عن موسى بن إسماعيل به وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nقلت ولا يعرف لزيد مولى النبي ﷺ عنه سواه، وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراما على الصحابة لأنه كان فرض عين عليهم، وقيل على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة يروى هذا عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي نضرة ونافع مولى ابن عمر وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم، وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال النبي ﷺ «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» (^٢).\nولهذا قال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال ذلك يوم بدر فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر أحسبه قال فلا بأس عليه، وقال ابن المبارك عن المبارك أيضا عن ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار قال ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين قال ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ [التوبة: ٢٧].\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٦، والترمذي في الدعوات باب ١١٧.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجهاد حديث ٥٨، وأحمد في المسند ١/ ٣٠، ٣٢.","vol":"4","page":25},{"text":"وفي سنن أبي داود والنسائي ومستدرك الحاكم وتفسير ابن جرير وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إنما أنزلت في أهل بدر (^١)، وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-626>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]</span>\n﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)﴾\nيبين تعالى أنه خالق أفعال العباد وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم. أي بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال:\n﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] الآية، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] يعلم ﵎ أن النصر ليس على كثرة العدد ولا بلبس اللأمة (^٢) والعدد، وإنما النصر من عنده تعالى كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].\nثم قال تعالى لنبيه ﷺ أيضا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بها وقال: «شاهت الوجوه» ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ولهذا قال تعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ أي هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رفع رسول الله ﷺ يديه يعني يوم بدر فقال:\n«يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا» فقال له جبريل خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين (^٣).\nوقال السدي: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁ يوم بدر «أعطني حصبا من الأرض» فناوله حصبا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل عينيه من ذلك التراب\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٩٦.\n(^٢) اللأمة: هي الدرع، والسلاح.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٠٤.","vol":"4","page":26},{"text":"شيء، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ (^١). وقال أبو معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» فدخلت في أعينهم كلهم وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ (^٢).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ قال هذا يوم بدر أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات فرمى بحصاة ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم وقال «شاهت الوجوه» فانهزموا، وقد روي في هذه القصة عن عروة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنه أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضا.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثنا أحمد بن منصور حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا عبد العزيز بن عمران حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا، غريب من هذا الوجه، وهاهنا قولان آخران غريبان جدا.\n[أحدهما] قال ابن جرير (^٤): حدثني محمد بن عوف الطائي حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان بن عمرو حدثنا عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر دعا بقوس فأتى بقوس طويلة وقال «جيئوني بقوس غيرها» فجاؤوه بقوس كبداء فرمى النبي ﷺ الحصن فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه فأنزل الله ﷿ ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ وهذا غريب وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير ولعله اشتبه عليه أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم والله أعلم.\n[والثاني] روى ابن جرير أيضا والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارا حتى كانت وفاته بعد أيام قاسى فيها العذاب\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٠٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٠٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٠٣.\n(^٤) لم أجد هذا الأثر والذي يليه في تفسير الطبري.","vol":"4","page":27},{"text":"الأليم موصولا بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة، وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضا جدا ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في قوله ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته (^١) وهكذا فسره ابن جرير أيضا، وفي الحديث «وكل بلاء حسن أبلانا» وقوله ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع الدعاء عليم بمن يستحق النصر والغلب، وقوله ﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل مصغر أمرهم وأنهم وكل ما لهم في تبار ودمار، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-627>[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]</span>\n﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾\nيقول تعالى للكفار: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أي تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم كما قال محمد بن إسحاق وغيره عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أقطع للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة. وكان ذلك استفتاحا منه فنزلت ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى آخر الآية.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد يعني ابن هارون أخبرنا محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال حين التقى القوم اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان المستفتح، وأخرجه النسائي في التفسير من حديث صالح بن كيسان عن الزهري به، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق الزهري به وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وروي نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة ويزيد بن رومان وغير واحد، وقال السدي كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين فقال الله:\n﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ يقول قد نصرت ما قلتم وهو محمد ﷺ.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخبارا عنهم ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية، وقوله ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ أي عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ كقوله\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٨، وتفسير الطبري ٦/ ٢٠٤.\n(^٢) المسند ٥/ ٤٣١.","vol":"4","page":28},{"text":"﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] معناه وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة. وقال السدي ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ أي إلى الاستفتاح ﴿نَعُدْ﴾ أي إلى الفتح لمحمد ﷺ والنصر له وتظفيره على أعدائه والأول أقوى ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ أي ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالب له ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-628>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له ولهذا قال ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي بعد ما علمتم ما دعاكم إليه ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: المراد المشركون واختاره ابن جرير، وقال ابن إسحاق هم المنافقون فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك (^١).\nثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة فقال ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ﴾ أي عن سماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه ولهذا قال ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم بالأنعام في قوله ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] الآية، وقال في الآية الأخرى ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nوقيل المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش روي عن ابن عباس ومجاهد واختاره ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق هم المنافقون، قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح، ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح لو فرض أن لهم فهما فقال ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي لأفهمهم وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٠٩.","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-629>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾\nقال البخاري (^١): ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم. حدثني إسحاق حدثنا روح حدثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال كنت أصلي فمر بي النبي ﷺ فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال «ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ -ثم قال-لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج» فذهب رسول الله ﷺ ليخرج فذكرت له. وقال معاذ: حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن سمع حفص بن عاصم سمع أبا سعيد رجلا من أصحاب النبي ﷺ بهذا وقال ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني.\nهذا لفظه بحروفه وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة.\nوقال مجاهد في قوله ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قال للحق (^٢)، وقال قتادة ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قال هو هذا القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة وقال السدي ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر (^٣)، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال ابن عباس يحول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان (^٥)، رواه الحاكم في مستدركه موقوفا، وقال صحيح ولم يخرجاه، ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا، ولا يصح لضعف إسناده والموقوف أصح، وكذا قال مجاهد وسعيد وعكرمة والضحاك وأبو صالح وعطية ومقاتل بن حيان والسدي، وفي رواية عن مجاهد في قوله ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي حتى يتركه لا يعقل (^٦)، وقال السدي يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه (^٧). وقال قتادة هو كقوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] (^٨) وقد وردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بما\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٨، باب ١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢١١، ٢١٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢١٢.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٢١٢.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٢١٣.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ٢١٥.\n(^٧) تفسير الطبري ٦/ ٢١٥.\n(^٨) تفسير الطبري ٦/ ٢١٥.","vol":"4","page":30},{"text":"يناسب هذه الآية.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس بن مالك ﵁، قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».\nقال: فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها». وهكذا رواه الترمذي (^٢) في كتاب القدر من جامعه عن هناد بن السري عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير عن الأعمش، واسمه سليمان بن مهران عن أبي سفيان واسمه طلحة بن نافع عن أنس، ثم قال: حسن. وهكذا روي عن غير واحد عن الأعمش، ورواه بعضهم عنه عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ وحديث أبي سفيان عن أنس أصح.\nحديث آخر: وقال الإمام أحمد (^٣) في مسنده: حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال، ﵁، أن النبي ﷺ كان يدعو «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». هذا حديث جيد الإسناد إلا أن فيه انقطاعا. وهو مع ذلك على شرط أهل السنن ولم يخرجوه.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول:\nحدثني بسر بن عبد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول سمعت النواس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يزيغه أزاغه» وكان يقول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قال «والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه» (^٥) وهكذا رواه النسائي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فذكر مثله.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا يونس حدثنا حماد بن زيد عن المعلى بن زياد عن الحسن أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله ﷺ يدعو بها «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قالت: فقلت يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فقال «إن قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه».\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١١٢.\n(^٢) كتاب القدر باب ٧.\n(^٣) المسند ٤/ ١٨٢.\n(^٤) المسند ٤/ ١٨٢، ٤١٨.\n(^٥) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب ١٣، وأحمد في المسند ٤/ ١٨٢.\n(^٦) المسند ٦/ ٩١.","vol":"4","page":31},{"text":"حديث آخر قال الإمام أحمد (^١): حدثنا هاشم حدثنا عبد الحميد حدثني شهر سمعت أم سلمة تحدث أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه يقول «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قالت فقلت يا رسول الله أو إنّ القلوب لتقلب؟ قال «نعم ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله ﷿ فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب» قالت فقلت:\nيا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال «بلى قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني».\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا حيوة أخبرني أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف شاء» ثم قال رسول الله ﷺ «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك» (^٣) انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري به.\n\n<span data-type='title' id=toc-630>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٥]</span>\n﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)﴾\nيحذر تعالى عباده المؤمنين فتنة أي اختبارا ومحنة يعم بها المسيء وغيره لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع، كما قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا شداد بن سعيد حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير ﵁: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت، وقد رواه البزار من حديث مطرف عن الزبير وقال: لا نعرف مطرفا روى عن الزبير غير هذا الحديث، وقد روى النسائي من حديث جرير بن حازم عن الحسن عن الزبير نحو هذا.\nوقد روى ابن جرير (^٥): حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن قال، قال الزبير لقد خوفنا بها يعني قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٣٠١، ٣٠٢.\n(^٢) المسند ٢/ ١٦٨، ١٧٣.\n(^٣) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٧.\n(^٤) المسند ١/ ١٦٥.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٢١٧.","vol":"4","page":32},{"text":"﴿مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ونحن مع رسول الله ﷺ وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة وكذا رواه حميد عن الحسن عن الزبير ﵁ وقال داود بن أبي هند عن الحسن في هذه الآية قال نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير ﵃، وقال سفيان الثوري عن الصلت بن دينار عن عقبة بن صهبان سمعت الزبير يقول: لقد قرأت هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾.\nوقد روي من غير وجه عن الزبير بن العوام، وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يعني أصحاب النبي ﷺ خاصة. وقال في رواية له عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب، وهذا تفسير حسن جدا، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ هي أيضا لكم، وكذا قال الضحاك ويزيد بن أبي حبيب، وغير واحد.\nوقال ابن مسعود ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة إن الله تعالى يقول ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن رواه ابن جرير (^١)، والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم وإن كان الخطاب معهم هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى كما فعله الأئمة وأفردوه بالتصنيف ومن أخص ما يذكر هاهنا ما رواه الإمام أحمد (^٢) حيث قال: حدثنا أحمد بن الحجاج أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، أنبأنا سيف بن أبي سليمان سمعت عدي بن عدي الكندي يقول، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يعني عدي بن عميرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله ﷿ لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة» فيه رجل متهم ولم يخرجوه في الكتب الستة ولا واحد منهم والله أعلم.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سليمان الهاشمي حدثنا إسماعيل يعني ابن جعفر أخبرني عمرو بن أبي عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل عن حذيفة بن اليماني أن رسول الله ﷺ قال «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» ورواه عن أبي سعيد عن إسماعيل بن جعفر وقال «أو ليبعثن الله عليكم قوما ثم تدعونه فلا يستجيب لكم».\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢١٧.\n(^٢) المسند ٤/ ١٩٢.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٨٨، ٣٨٩.","vol":"4","page":33},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا رزين حبيب الجهني حدثني أبو الرقاد قال: خرجت مع مولاي فدفعت إلى حذيفة وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ولتحاضن على الخير أوليسحتنكم الله جميعا بعذاب أو ليؤمرن عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٢) أيضا. حدثني يحيى بن سعيد عن زكريا حدثنا عامر ﵁ قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يخطب يقول: وأومأ بإصبعيه إلى أذنيه يقول: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمداهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها وأصاب بعضهم أعلاها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا لو خرقنا في نصيبنا خرقا فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا: فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا (^٣)، انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم فرواه في الشركة والشهادات، والترمذي في الفتن من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش عن عامر بن شراحيل الشعبي به.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا حسين حدثنا خلف بن خليفة عن ليث عن علقمة بن مرثد عن المعرور بن سويد عن أمّ سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده» فقلت يا رسول الله: أما فيهم أناس صالحون قال «بلى» قالت فكيف يصنع أولئك؟ قال «يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان».\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا حجاج بن محمد حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيره إلا عمهم الله بعقاب أو أصابهم العقاب» ورواه أبو داود (^٦) عن مسدد عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق به.\nوقال الإمام أحمد (^٧) أيضا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٩٠.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في الشركة باب ٦، والشهادات باب ٣٠، والترمذي في الفتن باب ١٢.\n(^٤) المسند ٦/ ٣٠٤.\n(^٥) المسند ٤/ ٣٦١.\n(^٦) كتاب الملاحم باب ١٧.\n(^٧) المسند ٤/ ٣٦٤، ٣٦٦.","vol":"4","page":34},{"text":"يحدث عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون ثم لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب»، ثم رواه أيضا عن وكيع عن إسرائيل، وعن عبد الرزاق عن معمر وعن أسود عن شريك ويونس كلهم عن أبي إسحاق السبيعي به وأخرجه ابن ماجة (^١) عن علي بن محمد عن وكيع به، وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سفيان حدثنا جامع بن أبي راشد عن منذر عن الحسن بن محمد عن امرأته عن عائشة تبلغ به النبي ﷺ «إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل الأرض بأسه» فقلت وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: «نعم ثم يصيرون إلى رحمة الله».\n\n<span data-type='title' id=toc-631>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]</span>\n﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾\nينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات واستشكرهم، فأطاعوه وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين مستخفين مضطهدين يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة فآواهم إليها وقيض لهم أهلها آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.\nقال قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا وأبينه ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد ووسع به في الرزق وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-632>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾\nقال عبد الرزاق بن أبي قتادة والزهري: أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه\n_________\n(^١) كتاب الفتن باب ٢٠.\n(^٢) المسند ٦/ ٤١.","vol":"4","page":35},{"text":"رسول الله ﷺ إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك وأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد حتى أنزل الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله ﷺ بيده، فحله، فقال: يا رسول الله: إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال «يجزيك الثلث أن تصدق به».\nوقال ابن جرير (^١): حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا يونس بن الحارث الطائفي حدثنا محمد بن عبيد الله بن عون الثقفي عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان، ﵁ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثنا القاسم بن بشر بن معروف حدثنا شبابة بن سوار حدثنا محمد بن المحرم قال لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال: حدثني جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ «إن أبا سفيان في موضع كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا» فكتب رجل من المنافقين إليه إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله ﷿ ﴿لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ الآية، هذا حديث غريب جدا، وفي سنده وسياقه نظر.\nوفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله ﷺ إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه واستحضر حاطبا فأقر بما صنع، وفيها فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله: ألا أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: «دعه فإنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (^٣).\nقلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ الأمانة، الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفريضة. يقول: ﴿لا تَخُونُوا﴾ لا تنقضوها (^٤).\nوقال في رواية: ﴿لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾، يقول بترك سنته وارتكاب معصيته.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٢٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٢٠.\n(^٣) تقدم الحديث مع تخريجه في الآية ٩، من هذه السورة.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٢١.","vol":"4","page":36},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم (^١). وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم، وقال أيضا: كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين، وقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون (^٢).\nوقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى:\n﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] وقال ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] الآية.\nوقوله ﴿وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة. وفي الأثر يقول الله تعالى: يا ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال «ثلاث من كن فيه، وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه» (^٣)، بل حب رسول الله ﷺ مقدم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-633>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾\nقال ابن عباس والسدي ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد ﴿فُرْقانًا﴾ مخرجا، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، وفي رواية عن ابن عباس ﴿فُرْقانًا﴾ نجاة، وفي رواية عنه نصرا، وقال محمد بن إسحاق ﴿فُرْقانًا﴾ أي فصلا بين الحق والباطل وهذا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٢١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٢٠.\n(^٣) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٩، والأدب باب ٤٢، ومسلم في الإيمان حديث ٦٦.\n(^٤) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٨، ومسلم في الإيمان حديث ٦٩، ٧٠.","vol":"4","page":37},{"text":"التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم وهو يستلزم ذلك كله، فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها، وغفرها سترها عن الناس وسببا لنيل ثواب الله الجزيل كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-634>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]</span>\n﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)﴾\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليقيدوك، وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك، وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق، وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج: قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه. قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال «يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني». فقال: من أخبرك بهذا؟ قال «ربي» قال: نعم الرب ربك استوص به خيرا. قال «أنا استوصي به، بل هو يستوصي بي» (^١).\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثني محمد بن إسماعيل المصري المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد الحميد بن أبي داود عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ: ما يأتمر بك قومك؟ قال «يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني». فقال: من أخبرك بهذا؟ قال «ربي». قال: نعم الرب ربك فاستوص به خيرا. قال «أنا استوصي به، بل هو يستوصي بي». قال: فنزلت ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية.\nوذكر أبي طالب في هذا غريب جدا، بل منكر، لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه.\nوالدليل على صحة ما قلنا ما روى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٢٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٢٥، ٢٢٦.","vol":"4","page":38},{"text":"إبليس في صورة شيخ جليل فلما رأوه قالوا له من أنت؟ قال شيخ من أهل نجد، سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم رأيي ونصحي. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره.\nفقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال:\nوالله ما هذا لكم برأي والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ فانظروا في غير هذا.\nقال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه. وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا.\nقال: فقال أبو جهل لعنه الله، والله لأشيرن عليكم برأي ما أركم أبصرتموه بعد، لا أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها. فإنهم إذا رأوا ذلك، قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه.\nقال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال:\nفتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل النبي ﷺ فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأخبره بمكر القوم فلم يبت رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة وأذن الله له عند ذلك بالخروج وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] فكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة للذي اجتمعوا عليه من الرأي (^١).\nوعن السدي نحو هذا السياق وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] وكذا\n_________\n(^١) انظر الأثر في تفسير الطبري ٦/ ٢٢٦، وسيرة ابن هشام ١/ ٤٨٠، ٤٨٣.","vol":"4","page":39},{"text":"روى العوفي عن ابن عباس، وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم وغير واحد نحو ذلك، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أمر الله حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به وأرادوا به ما أرادوا أتاه جبريل ﵇ فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجى ببرد له أخضر ففعل ثم خرج رسول الله ﷺ على القوم وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب فجعل يذرها على رؤوسهم وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد ﷺ وهو يقرأ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ -إلى قوله- ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: روي عن عكرمة ما يؤكد هذا.\nوقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: دخلت فاطمة على رسول الله ﷺ وهي تبكي فقال: «ما يبكيك يا بنية؟» قالت يا أبت وما لي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاهدون باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: «يا بنية ائتني بوضوء» فتوضأ رسول الله ﷺ ثم خرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا: ها هو ذا فطأطأوا رؤوسهم وسقطت رقابهم بين أيديهم فلم يرفعوا أبصارهم فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: «شاهت الوجوه» فما أصاب رجلا منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافرا، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر أخبرني عثمان الجزري، عن مقسم مولى ابن عباس أخبره ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ الآية قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي ﷺ، وقال بعضهم بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فبات علي ﵁ على فراش رسول الله ﷺ، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوا عليا رد الله تعالى مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال لا أدري، فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في قوله ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٤٨.","vol":"4","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-635>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣١ إلى ٣٣]</span>\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾\nيخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته إذا تتلى عليهم أنهم يقولون ﴿قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ وهذا منهم قول بلا فعل وإلا فقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله فلا يجدون إلى ذلك سبيلا وإنما هذا القول منهم يغرون به أنفسهم ومن تبعهم على باطلهم.\nوقد قيل إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث لعنه الله كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم فإنه لعنه الله كان قد ذهب إلى بلاد فارس وتعلم من أخبار ملوكهم رستم وإسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله ﷺ قد بعثه الله وهو يتلو على الناس القرآن فكان ﵊ إذا قام من مجلس جلس فيه النضر فحدثهم من أخبار أولئك ثم يقول بالله أينا أحسن قصصا أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر ووقع في الأسارى أمر رسول الله ﷺ أن تضرب رقبته صبرا بين يديه ففعل ذلك، ولله الحمد.\nوكان الذي أسره المقداد بن الأسود ﵁ كما قال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال قتل النبي ﷺ يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث وكان المقداد أسر النضر فلما أمر بقتله قال المقداد يا رسول الله أسيري فقال رسول الله ﷺ إنه كان يقول في كتاب الله ﷿ ما يقول فأمر رسول الله ﷺ بقتله فقال المقداد يا رسول الله أسيري فقال رسول الله ﷺ «اللهم أغن المقداد من فضلك» فقال المقداد هذا الذي أردت، قال وفيه أنزلت هذه الآية ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nوكذا رواه هشيم عن أبي بشر جعفر بن أبي دحية عن سعيد بن جبير أنه قال المطعم بن عدي بدل طعيمة وهو غلط لأن المطعم بن عدي لم يكن حيا يوم بدر، ولهذا قال رسول الله ﷺ يومئذ: لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النتنى لوهبتهم له» (^٢) يعني الأسارى لأنه كان قد أجار رسول الله ﷺ يوم رجع من الطائف.\nومعنى ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهو جمع أسطورة أي كتبهم اقتبسها فهو يتعلم منها ويتلوها على الناس وهذا هو الكذب البحت كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الخمس باب ١٦، والمغازي باب ١٢، وأبو داود في الجهاد باب ١٢٠، وأحمد في المسند ٤/ ٨٠.","vol":"4","page":41},{"text":"﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥ - ٦] أي لمن تاب إليه وأناب فإنه يتقبل منه ويصفح عنه، وقوله ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم وعتوهم، وهذا مما عيبوا به وكان الأولى لهم أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه ولكن استفتحوا على أنفسهم واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ [ص: ١٦] وقوله ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ [المعارج: ١ - ٣].\nوكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة كما قال قوم شعيب له ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] وقال هؤلاء ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ قال شعبة عن عبد الحميد صاحب الزيادي عن أنس بن مالك قال هو أبو جهل بن هشام قال ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ رواه البخاري (^١) عن أحمد ومحمد بن النضر كلاهما عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به وأحمد هذا هو أحمد بن النضر بن عبد الوهاب قاله الحاكم أبو أحمد والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، والله أعلم.\nوقال الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ قال هو النضر بن الحارث بن كلدة قال: فأنزل الله ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢] وكذا قال مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي: إنه النضر بن الحارث زاد عطاء فقال الله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ [ص: ١٦] وقال ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقال ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ١ - ٢] قال عطاء ولقد أنزل الله فيه بضع عشرة آية من كتاب الله ﷿ (^٢)، وقال ابن مردويه حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث حدثنا أبو غسان حدثنا أبو نميلة حدثنا الحسين عن ابن بريدة عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفا يوم أحد على فرس وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فاخسف بي وبفرسي. وقال قتادة في قوله ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٨، باب ٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٣١.","vol":"4","page":42},{"text":"فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك الحنفي عن ابن عباس قال كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي ﷺ: قد، قد، ويقولون: اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ويقولون غفرانك غفرانك فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية قال ابن عباس كان فيهم أمانان النبي ﷺ والاستغفار فذهب النبي ﷺ وبقي الاستغفار (^٢).\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني الحارث حدثني عبد العزيز حدثنا أبو معشر عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض محمد أكرمه الله من بيننا ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا غفرانك اللهم. فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ يقول: ما كان الله ليعذب قوما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم ثم قال ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقول وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان وهو الاستغفار يستغفرون يعني يصلون يعني بهذا أهل مكة (^٤).\nوروي عن مجاهد وعكرمة وعطية والعوفي وسعيد بن جبير والسدي نحو ذلك. وقال الضحاك وأبو مالك ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني المؤمنين الذين كانوا بمكة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الغفار بن داود حدثنا النضر بن عربي قال: قال ابن عباس: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله إليه وأمان بقي فيكم، قوله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وقال أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا أن النضر بن عدي حدثه هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس. وروى ابن مردويه وابن جرير عن أبي موسى الأشعري نحوا من هذا. وكذا روي عن قتادة وأبي العلاء النحوي المقرئ.\nوقال الترمذي (^٥): حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابن نمير عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٣١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٣، ٢٣٤.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٣.\n(^٥) كتاب التفسير، تفسير سورة ٨، باب ٤.","vol":"4","page":43},{"text":"«أنزل الله علي أمانين لأمتي ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة».\nويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد (^١) في مسنده والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال «إن الشيطان قال وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني». ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا رشدين هو ابن سعد حدثني معاوية بن سعد التجيبي عمن حدثه عن فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه قال «العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله ﷿».\n\n<span data-type='title' id=toc-636>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾\nيخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام الرسول ﷺ بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم وأسر سراتهم وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد.\nوقال قتادة والسدي وغيرهما: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا (^٣).\nواختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين لوقع بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥].\nقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: كان النبي ﷺ بمكة فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، قال: فخرج النبي ﷺ إلى المدينة فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، قال: وكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها مستضعفين، يعني بمكة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فلما خرجوا أنزل الله\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٩، ٤١، ٧٦.\n(^٢) المسند ٦/ ٢٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٥.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٢.","vol":"4","page":44},{"text":"﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾، قال:\nفأذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم. وروي عن ابن عباس وأبي مالك والضحاك وغير واحد نحو هذا، وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح عن الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في الأنفال ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فنسختها الآية التي تليها ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ -إلى قوله- ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والضر، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي نميلة يحيى بن واضح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ (^٢).\nوقوله- ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام أي الذي بمكة يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به، ولهذا قال: ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ أي هم ليسوا أهل المسجد الحرام وإنما أهله النبي ﷺ وأصحابه كما قال تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٦ - ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، الآية.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا سليمان بن أحمد هو الطبراني، حدثنا جعفر بن إلياس بن صدقة المصري، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ من أولياؤك؟ قال: «كل تقي» وتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾. وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان عن عبد الله بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده قال: جمع رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٦.\n(^٢) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٨.","vol":"4","page":45},{"text":"قريشا فقال: «هل فيكم من غيركم؟» فقالوا فينا ابن أختنا وفينا حليفنا وفينا مولانا فقال:\n«حليفنا منا وابن أختنا منا ومولانا منا إن أوليائي منكم المتقون» ثم قال هذا صحيح ولم يخرجاه.\nوقال عروة والسدي ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ قال هم محمد ﷺ وأصحابه ﵃. وقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا وحيث كانوا، ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به، فقال: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾، قال عبد الله بن عمرو وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو رجاء العطاردي ومحمد بن كعب القرظي وحجر بن عنبس ونبيط بن شريط وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير، وزاد مجاهد وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم، وقال السدي: المكاء الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء ويكون بأرض الحجاز ﴿وَتَصْدِيَةً﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الله الأشعري، حدثنا جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾، قال كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق والمكاء الصفير والتصدية التصفيق. وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وكذا روى عن ابن عمر ومجاهد ومحمد بن كعب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والضحاك وقتادة وعطية العوفي وحجر بن عنبس وابن أبزى نحو هذا. وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار حدثنا أبو عامر حدثنا قرة عن عطية عن ابن عمر في قوله ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ ..﴾. قال المكاء التصفير والتصدية التصفيق، قال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر فصفر ابن عمر وأمال خده وصفق بيديه، وعن ابن عمر أيضا أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه.\nوقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال، قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي ﷺ صلاته، وقال الزهري يستهزئون بالمؤمنين، وعن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ قال صدهم الناس عن سبيل الله ﷿.\nقوله ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، قال الضحاك وابن جريج ومحمد بن إسحاق:\nهو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي، واختاره ابن جرير (^٢) ولم يحك غيره، وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال عذاب أهل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٤١.","vol":"4","page":46},{"text":"الإقرار بالسيف وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-637>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧)﴾\nقال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعيد بن معاذ قالوا لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا ففعلوا، قال ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (^١)، وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير والحكم بن عيينة وقتادة والسدي وابن أبزى أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله ﷺ، وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصا فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق فسيفعلون ذلك ثم تذهب أموالهم ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي ندامة حيث لم تجد شيئا لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق والله متم نوره ولو كره الكافرون وناصر دينه ومعلن كلمته ومظهر دينه على كل دين فهذا الخزي لهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي، ولهذا قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء، وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر، وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] الآية، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٤٣.","vol":"4","page":47},{"text":"وتكون اللام معللة لما جعل الله للكافرين من مال ينفقونه في الصد عن سبيل الله أي إنما أقدرناهم على ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك كقوله: ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] الآية وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآية.\nوقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] ونظيرها في براءة أيضا فمعنى الآية على هذا إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ﴾ أي يجمعه كله وهو جمع الشيء بعضه على بعض كما قال تعالى في السحاب ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أي متراكما متراكبا ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-638>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة يغفر لهم ما قد سلف أي من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (^١) وفي الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: الإسلام يجبّ ما قبله والتوبة تجب ما كان قبلها» (^٢).\nوقوله ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ أي يستمروا على ما هم فيه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة. قال مجاهد في قوله ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم، وقال السدي ومحمد بن إسحاق أي يوم بدر.\nوقوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ قال البخاري (^٣): حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المرتدين باب ١، وابن ماجة في الزهد باب ٢٩.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٩٩، ٢٠٤، ٢٠٥.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٨، باب ٥.","vol":"4","page":48},{"text":"الحسن بن عبد العزيز حدثنا عبد الله بن يحيى حدثنا حيوة بن شريح عن بكر بن عمر عن بكير عن نافع عن ابن عمر أن رجلا جاء فقال: يا أبا عبد الرحمن ألا تصنع ما ذكر الله في كتابه ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي أعير بهذه الآية، ولا أقاتل أحب إلي من أن أعير بالآية التي يقول الله ﷿ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخر الآية قال: فإن الله تعالى يقول ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عمر قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه إما أن يقتلوه وإما أن يوثقوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد قال فما قولكم في علي وعثمان؟ قال ابن عمر أما قولي في علي وعثمان، أما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم أن يعفوالله عنه، وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه وأشار بيده وهذه ابنته أو بنته حيث ترون.\nوحدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا بيان أن ابن وبرة حدثه قال حدثني سعيد بن جبير قال: خرج علينا أو إلينا ابن عمر ﵄ فقال كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد ﷺ يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك (^١). هذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى وقال عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر بن الخطاب وأنت صاحب رسول الله ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ قال يمنعني أن الله حرم علي دم أخي المسلم.\nقالوا أو لم يقل الله ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾؟ قال قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.\nوكذا روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أيوب بن عبد الله اللخمي، قال كنت عند عبد الله بن عمر ﵄، فأتاه رجل فقال: إن الله يقول ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾، قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. وكذا رواه حماد بن سلمة، فقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله، وذهب الشرك ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله، رواهما ابن مردويه.\nوقال أبو عوانة: عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه، قال: قال ذو البطين، يعني أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا. فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا، فقال رجل ألم يقل الله ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله. رواه ابن مردويه، وقال\n_________\n(^١) راجع الحاشية السابقة.","vol":"4","page":49},{"text":"الضحاك عن ابن عباس ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير، وغيره من علمائنا، ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، حتى لا يفتن مسلم عن دينه.\nوقوله ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس في هذه الآية، قال يخلص التوحيد لله، وقال الحسن وقتادة وابن جريج ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ أن يقال لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصا لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾، لا يكون مع دينكم كفر، ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿» (^١) وفيهما عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله ﷿؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ﷿» (^٢).\nوقوله ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا عنه، وإن لم تعلموا بواطنهم ﴿فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، كقوله ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، الآية، وفي الآية الأخرى ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال لأسامة، لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال لا إله إلا الله فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال لأسامة: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فقال يا رسول الله، إنما قالها تعوذا، قال «هلا شققت عن قلبه؟» وجعل يقول ويكرر عليه، «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» قال أسامة حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ (^٣).\nوقوله ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾، أي وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم فاعلموا أن الله مولاكم، وسيدكم وناصركم على أعدائكم فنعم المولى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان ١٧، ومسلم في الإيمان حديث ٣٤، ٣٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في العلم باب ٤٥، ومسلم في الإمارة حديث ١٥٠، ١٥١.\n(^٣) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٥٨، وأبو داود في الجهاد باب ٩٥، وابن ماجة في الفتن باب ١، وأحمد في المسند ٤/ ٤٣٩، ٥/ ٢٠٧.","vol":"4","page":50},{"text":"ونعم النصير. وقال محمد بن جرير (^١): حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد حدثنا أبي حدثنا أبان العطار حدثنا هشام بن عروة عن عروة أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء فكتب إليه عروة: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني، عن مخرج رسول الله ﷺ من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كان من شأن خروج رسول الله ﷺ من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبي ونعم السيد ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته وأماتنا وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله به من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له، حتى إذا ذكر طواغيتهم.\nوقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال وأغروا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن وعصم الله من شاء منهم، فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح، يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، وكانت مساكن لتجارهم يجدون فيها رفاغا من الرزق، وأمنا ومتجرا حسنا، فأمرهم بها النبي ﷺ، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح.\nفمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم، فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى: هي التي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ قبل أرض الحبشة مخافتها، وفرارا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال فلما استرخى عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قد استرخى عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير.\nوفشا الإسلام بالمدينة وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكة، فلما رأت قريش ذلك، توامروا على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الآخرة، فكانت فتنتان: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم النبي ﷺ بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة: لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٤٦، ٢٤٧.","vol":"4","page":51},{"text":"أهل المدينة، ثم إنه جاء رسول الله ﷺ من المدينة سبعون نقيبا، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم ومواثيقهم، على أنا منك وأنت منا، وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم قريش، عند ذلك، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه، أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله ﷿ فيها ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾، ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عروة بن الزبير، أنه كتب إلى الوليد يعني ابن عبد الملك بن مروان بهذا، فذكر مثله، وهذا صحيح إلى عروة ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-639>[سورة الأنفال (٨): آية ٤١]</span>\n﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾\nيبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم. والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار، بإيجاف (^١) الخيل والركاب، والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف.\nومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضا، ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى﴾ [الحشر: ٨] الآية، قال فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماس للمجاهدين، وخمسا منها لهؤلاء المذكورين، وهذا الذي قاله بعيد، لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة، أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة، يقول تلك نزلت في أموال الفيء، وهذه في الغنائم، ومن يجعل أمر الغنائم والفيء راجعا إلى رأي الإمام، يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس، إذا رآه الإمام والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وقوله ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة. قال أبو جعفر\n_________\n(^١) الإيجاف: سرعة السير، وأوجف دابته: حثها على السير.","vol":"4","page":52},{"text":"الرازي، عن الربيع عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول الله ﷺ، يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل (^١).\nوقال آخرون: ذكر الله هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله ﵇، قال الضحاك عن ابن عباس ﵄، كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فأن لله خمسه، مفتاح كلام ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فجعل سهم الله وسهم الرسول ﷺ واحدا، وهكذا قال إبراهيم النخعي والحسن بن محمد ابن الحنيفة، والحسن البصري والشعبي وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة وقتادة ومغيرة وغير واحد، أن سهم الله ورسوله واحد. ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرسا، فقلت يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: «لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش» قلت فما أحد أولى به من أحد؟ قال: «لا ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم».\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان عن الحسن، قال: أوصى الحسن بالخمس من ماله، وقال ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه، ثم اختلف قائلو هذا القول، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كانت الغنيمة تخمس على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس، فربع لله وللرسول ﷺ، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي ﷺ، ولم يأخذ النبي ﷺ من الخمس شيئا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة في قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه. وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: خمس الله والرسول واحد، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء، يعني النبي ﷺ، وهذا أعم وأشمل، وهو أنه ﷺ يتصرف في الخمس الذي جعله الله بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء، ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد (^٣) حيث قال: حدثنا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٠.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٢٦، ٦/ ٣١.","vol":"4","page":53},{"text":"إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي ﵃، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: «إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهم والغم»، هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\nولكن روى الإمام أحمد أيضا وأبو داود والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول. وعن عمرو بن عنبسة، أن رسول الله ﷺ صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من هذا البعير، ثم قال: «ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» (^١) رواه أبو داود والنسائي، وقد كان للنبي ﷺ من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه، عبد أو أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك كما نص عليه محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء.\nوروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد (^٢)، وعن عائشة ﵂ قالت: كانت صفية من الصفي، رواه أبو داود (^٣) في سننه، وروى أيضا بإسناده والنسائي أيضا عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها «من محمد رسول الله إلى بني زهير بن قيس إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي ﷺ، وسهم الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله» فقلنا من كتب هذا؟ فقال رسول الله ﷺ (^٤)، فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرير هذا وثبوته.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ١٤٩، والنسائي في الفيء.\n(^٢) أخرجه الترمذي في السير باب ١٢، وأحمد في المسند ١/ ٢٧١.\n(^٣) كتاب الإمارة باب ٢١.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الإمارة باب ٢١، والنسائي في الفيء.","vol":"4","page":54},{"text":"ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه، وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء، وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية ﵀: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال. فإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضا في الذي كان يناله ﵇ من الخمس، ماذا يصنع به من بعده، فقال قائلون يكون لمن يلي الأمر من بعده، روي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة. وجاء فيه حديث مرفوع، وقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين، وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف، ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، اختاره ابن جرير، وقال آخرون: بل سهم النبي ﷺ وسهم ذوي القربى، مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل.\nقال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق، وقيل إن الخمس جميعه لذوي القربى، كما رواه ابن جرير (^١): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المنهال بن عمرو، سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس، فقالا:\nهو لنا، فقلت لعلي: فإن الله يقول ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فقالا: يتامانا ومساكيننا، وقال سفيان الثوري وأبو نعيم وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم، سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية رحمه الله تعالى، عن قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فقال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة، ثم اختلف الناس في هذين السهمين، بعد وفاة رسول الله ﷺ، فقال قائلون: سهم النبي ﷺ تسليما للخليفة من بعده، وقال آخرون لقرابة النبي ﷺ وقال آخرون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ (^٢).\nقال الأعمش عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﷺ في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم ما كان علي يقول فيه؟ قال: كان أشدهم فيه (^٣)، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء ﵏، وأما سهم ذوي القربى، فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب، لأن بني المطلب ووازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله ﷺ وحماية له، مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله ﷺ، وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني عمهم، فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم ومالؤوا بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٣.","vol":"4","page":55},{"text":"كان ذم أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم، لشدة قربهم، ولهذا يقول في أثناء قصيدته: [الطويل] جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شرّ عاجل غير آجل (^١)\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل\nلقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني خلف قيضا بنا والعياطل\nونحن الصميم من ذؤابة هاشم … وآل قصي في الخطوب الأوائل\nوقال جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل: مشيت أنا وعثمان بن عفان، يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» رواه مسلم. وفي بعض روايات هذا الحديث، «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» (^٢)، وهذا قول جمهور العلماء، إنهم بنو هاشم وبنو المطلب.\nقال ابن جرير (^٣): وقال آخرون: هم بنو هاشم، ثم روي عن خصيف عن مجاهد، قال:\nعلم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة، وفي رواية عنه قال: هم قرابة رسول الله ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة، ثم روي عن علي بن الحسين نحو ذلك.\nقال ابن جرير (^٤) وقال آخرون: بل هم قريش كلها، حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى، فكتب إليه ابن عباس، كنا نقول: إنا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا قريش كلها ذوو قربى (^٥) وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري، عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القربى، فذكره إلى قوله: فأبى ذلك علينا قومنا، والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر بن\n_________\n(^١) الأبيات في ديوان أبي طالب بن عبد المطلب ص ١٢٨، والبيت الأول في لسان العرب (عيل)، والبيت الثاني في لسان العرب (عيل)، وتهذيب اللغة ٣/ ١٩٦، ٤٠٢، وتاج العروس (حصص)، ومقاييس اللغة ٢/ ١٢٤، وبلا نسبة في لسان العرب (حصص)، والمخصص ١٢/ ٢٦٣، وكتاب العين ٣/ ١٤.\n(^٢) أخرجه النسائي في الفيء باب ٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٥١.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٢.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٥٢. وأخرجه أيضا. مسلم في الجهاد حديث ١٤٠، وأبو داود في الإمارة باب ٢٠، والنسائي في الفيء باب ١، ٢.","vol":"4","page":56},{"text":"سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم» (^١)، هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَالْيَتامى﴾ أي أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين، والمساكين هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم، ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك، وسيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من سورة براءة إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في حديث وفد عبد القيس، أن رسول الله ﷺ قال لهم: «وآمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع. آمركم بالإيمان بالله-ثم قال-هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم» (^٢)، الحديث بطوله، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البخاري على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه، فقال: [باب أداء الخمس من الإيمان] ثم أورد حديث ابن عباس هذا، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ أي في القسمة، وقوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه، بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان، لأن الله أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه، قال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل، رواه الحاكم، وكذا قال مجاهد ومقسم وعبيد الله بن عبد الله والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد أنه يوم بدر.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير في قوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله ﷺ، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، والمشركون ما بين الألف\n_________\n(^١) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٤٠، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤.","vol":"4","page":57},{"text":"والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك.\nوقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود، قال في ليلة القدر: تحروها لإحدى عشرة يبقين، فإن في صبيحتها يوم بدر، وقال على شرطهما، وروي مثله، عن عبد الله بن الزبير أيضا، من حديث جعفر بن برقان، عن رجل عنه، وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يحيى بن يعقوب أبو طالب، عن ابن عون عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال الحسن بن علي: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان، إسناد جيد قوي، ورواه ابن مردويه، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب عن علي قال: كانت ليلة الفرقان، ليلة التقى الجمعان، في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير، وقال يزيد بن أبي حبيب إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان يوم بدر يوم الاثنين، ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-640>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٢]</span>\n﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن يوم الفرقان ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ أي إذ أنتم نزول بعدوة الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة، ﴿وَهُمْ﴾ أي المشركون نزول ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى﴾ أي البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة، ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي مما يلي سيف البحر، ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ﴾ أي أنتم والمشركون إلى مكان ﴿لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾، قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم.\n﴿وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، من غير ملأ منكم (^٢)، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه، وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون، يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، وقال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب حدثني ابن علية، عن ابن عون عن عمير بن إسحاق، قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٥.\n(^٢) على غير ملأ: أي على غير اجتماع وتشاور.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٧.","vol":"4","page":58},{"text":"ليمنعه من رسول الله ﷺ وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة، ونهد الناس بعضهم لبعض.\nوقال محمد بن إسحاق في السيرة (^١): ومضى رسول الله ﷺ على وجهه ذلك، حتى إذا كان قريبا من الصفراء، بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين، يلتمسان الخبر عن أبي سفيان، فانطلقا حتى إذا وردا بدرا، فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن لهما من الماء، فسمعا جاريتين تختصمان، تقول إحداهما لصاحبتها اقضيني حقي، وتقول الأخرى إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال صدقت، فسمع بذلك بسبس وعدي، فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول الله ﷺ، فأخبراه الخبر، وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حذر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله، إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل فاستقيا من شن لهما ثم انطلقا، فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته فإذا فيه النوى، فقال هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعا فضرب وجه عيره فانطلق بها فساحل، حتى إذا رأى أنه قد أحرز عيره إلى قريش فقال: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدرا-وكانت بدر سوقا من أسواق العرب-فنقيم بها ثلاثا فنطعم بها الطعام، وننحر بها الجزر، ونسقى بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدا. فقال الأخنس بن شريق:\nيا معشر بني زهرة، إن الله قد أنجى أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها، ولا بنو عدي.\nقال محمد بن إسحاق (^٢): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: وبعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر، علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش غلاما لبني سعيد بن العاص، وغلاما لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله ﷺ، فوجدوه يصلي فجعل أصحاب رسول الله ﷺ يسألونهما لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلما أزلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتين ثم سلم، وقال «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش» قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل.\nفقال لهما رسول الله ﷺ «كم القوم؟» قالا: كثير. قال: «ما عدتهم؟» قالا ما ندري. قال\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٧ - ٦١٩.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦، ٦١٧.","vol":"4","page":59},{"text":"«كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، قال رسول الله ﷺ: «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها».\nقال محمد بن إسحاق (^١) رحمه الله تعالى: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن سعد بن معاذ قال لرسول الله ﷺ: لما التقى الناس يوم بدر يا رسول الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا، فإن أظفرنا الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى، فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم، لو علموا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، ويوازرونك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له به فبني له عريش، فكان فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر ما معهما غيرهما. قال ابن إسحاق: وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت ورآها رسول الله ﷺ تصوب من العقنقل، وهو الكثيب، الذي جاءوا منه إلى الوادي، فقال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم الغداة».\nوقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، قال محمد بن إسحاق: أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك، وهذا تفسير جيد. وبسط ذلك أنه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد، على غير ميعاد، لينصركم عليهم ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرا والحجة قاطعة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة، ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه، على بصيرة من أمره، إنه مبطل لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيى مَنْ حَيَّ﴾ أي يؤمن من آمن ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي حجة وبصيرة، والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقالت عائشة في قصة الإفك فهلك فيّ من هلك (^٢)، أي قال فيها ما قال من البهتان والإفك. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ﴾ أي لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به، ﴿عَلِيمٌ﴾ أي بكم، وأنكم تستحقون النصر\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٠، ٦٢١.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٤، باب ٦، والمغازي باب ٣٤، ومسلم في التوبة حديث ٥٦، وأحمد في المسند ٦/ ١٩٥، ولفظ أحمد في المسند: «فهلك فيمن هلك في شأني»، ولفظ البخاري ومسلم: «فهلك من هلك في شأنى».","vol":"4","page":60},{"text":"على أعدائكم الكفرة المعاندين.\n\n<span data-type='title' id=toc-641>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]</span>\n﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾\nقال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلا، وأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتا لهم، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد، وحكى ابن جرير عن بعضهم، أنه رآهم بعينه التي ينام بها، وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قال بعينك، وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام هاهنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه.\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أي لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، ﴿وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾ أي من ذلك، بأن أراكهم قليلا ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما تكنه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ وهذا أيضا من لطفه تعالى بهم، إذ أراهم إياهم قليلا في رأي العين، فيجزؤهم عليهم ويطمعهم فيهم، قال أبو إسحاق السبيعي: عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين؟ قال: لا بل هم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه، فقال: كنا ألفا، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الحارث عن عكرمة ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾ الآية، قال: حضض بعضهم على بعض، إسناد صحيح، وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته، ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلا من الفريقين بالآخر، وقلله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال وأيد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفيه، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣] وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلا منهما حق وصدق، ولله الحمد والمنة.","vol":"4","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-642>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاِصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (٤٦)﴾\nهذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، فقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله ﷺ انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ثم قام النبي ﷺ، وقال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» (^١).\nوقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله، فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت» (^٢)، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا ثابت بن زيد عن رجل عن زيد بن أرقم عن النبي ﷺ، مرفوعا، قال: «إن الله يحب الصمت عند ثلاث عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة» وفي الحديث الآخر المرفوع، يقول الله تعالى: «إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» (^٣) أي لا يشغله ذلك الحال، عن ذكري ودعائي واستعانتي.\nوقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في هذه الآية، قال: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون عند الضرب بالسيوف، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء، قال: وجب الإنصات وذكر الله عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟ قال: نعم، وقال أيضا: قرأ علي يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش عن يزيد بن فوذر عن كعب الأحبار، قال ما من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال، فقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال الشاعر: [الطويل] ذكرتك والخطّيّ يخطر بيننا … وقد نهلت فينا المثقّفة السّمر (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١١٢، ومسلم في الجهاد حديث ٢، وأبو داود في الجهاد باب ٨٩، وأحمد في المسند ٤/ ٣٥٤.\n(^٢) أخرجه الدارمي في السير باب ٦.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ١١٨، بلفظ: «إنّ عبدي كل عندي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه».\n(^٤) البيت لأبي العطاء السندي في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٥٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٠، وبلا نسبة في شرح المفصل ٢/ ٦٧، ومغني اللبيب ٢/ ٤٢٦.","vol":"4","page":62},{"text":"وقال عنترة: [الكامل] ولقد ذكرتك والرماح نواهل … منّي وبيض الهند تقطر من دمي\nفأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتوكلوا عليه ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضا فيختلفوا فيكون سببا لتخاذلهم وفشلهم، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي قوتكم وحدتكم، وما كنتم فيه من الإقبال.\n﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ وقد كان للصحابة ﵃ في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول ﷺ وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش، وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-643>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]</span>\n﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾\nيقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم، بطرا أي دفعا للحق، ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل: لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال:\nلا والله لا نرجع، حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبدا، فانعكس ذلك عليه أجمع، لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحمام، وركموا في أطواء بدر مهانين أذلاء، صغرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: ﴿وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي عالم بما جاءوا به وله، ولهذا جازاهم عليه شر الجزاء لهم.","vol":"4","page":63},{"text":"قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ﴾ قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله ﷺ يوم بدر. وقال محمد بن كعب: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ الآية، حسن لهم-لعنه الله-ما جاءوا له وما هموا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر، فقال: إني جار لكم، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، سيد بني مدلج كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر، سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم، وإني جار لكم، فلما التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة، ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ قال: رجع مدبرا، وقال:\n﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾ الآية (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾، وذلك حين رأى الملائكة (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال ورأى الملائكة، نكص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾، فتشبث به الحارث بن هشام، فنخر في وجهه فخر صعقا، فقيل له: ويلك يا سراقة على هذه الحال، تخذلنا وتبرأ منا، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٦٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٦٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٦٤.","vol":"4","page":64},{"text":"وقال محمد بن عمر الواقدي: أخبرني عمر بن عقبة عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: لما تواقف الناس أغمي على رسول الله ﷺ ساعة، ثم كشف عنه فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر ميسرة الناس، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة، نكص على عقبيه، وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾، فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع ثوبه، وقال يا رب موعدك الذي وعدتني. وفي الطبراني عن رفاعة بن رافع، قريب من هذا السياق وأبسط منه، ذكرناه في السيرة.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا (^١).\nقال محمد بن إسحاق: فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة بن مالك لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص، الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال أين سراقة؟ أين وميل عدو الله فذهب، قال فأوردهم ثم أسلمهم، قال ونظر عدوا الله إلى جنود الله قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين، فنكص على عقبيه، وقال ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾، وصدق عدو الله، وقال ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (^٢)، وهكذا روي عن السدي والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم ﵏.\nوقال قتادة: وذكر لنا أنه رأى جبريل ﵇ تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة، فقال إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله وكذب عدو الله. والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم، وتبرأ منهم عند ذلك (^٣).\nقلت: يعني بعادته لمن أطاعه، قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] وقوله تعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٤.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٦٤، وسيرة ابن هشام ١/ ٦٦٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٥.","vol":"4","page":65},{"text":"﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nوقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن بعض بني ساعدة، قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما كف بصره، يقول: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى، فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم، أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل، يعرفه فيقول له أبشر فإنهم ليسوا بشيء والله معكم فكروا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه، وقال ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه، ويقول لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه. ثم قال: واللات والعزى، لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال، فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا، وهذا من أبي جهل لعنه الله، كقول فرعون للسحرة لما أسلموا: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾ [الأعراف: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١] وهو من باب البهت والافتراء، ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة.\nوقال مالك بن أنس: عن إبراهيم بن أبي علية، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله ﷺ قال: «ما رأى إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب إلا ما رأى يوم بدر» قالوا:\nيا رسول الله وما رأى يوم بدر؟ قال: «أما إنه رأى جبريل ﵇ يزع الملائكة» (^١) وهذا مرسل من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غر هؤلاء دينهم، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقال قتادة: رأوا عصابة من المؤمنين تشددت لأمر الله، وذكر لنا، أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد ﷺ وأصحابه، قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم قسوة وعتوا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الحج حديث ٢٤٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٦٦.","vol":"4","page":66},{"text":"وقال ابن جريج في قوله ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم قوم كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر (^١)، وقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين، قالوا: ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ (^٢). وقال مجاهد في قوله ﷿: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ قال فئة من قريش، قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة، وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: غر هؤلاء دينهم حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، وهكذا قال محمد بن إسحاق بن يسار سواء.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر عن الحسن في هذه الآية قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين، قال معمر:\nوقال بعضهم: هم قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين، قالوا غر هؤلاء دينهم، وقوله ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي يعتمد على جنابه ﴿فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ أي لا يضام من التجأ إليه، فإن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله لا يضعها إلا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو أهل لذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-644>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٠ إلى ٥١]</span>\n﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾\nيقول تعالى: ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت أمرا عظيما هائلا فظيعا منكرا، إذ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ ويقولون لهم ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾، قال ابن جريج: عن مجاهد ﴿أَدْبارَهُمْ﴾ أستاهم، قال يوم بدر (^٤). قال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم.\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، في قوله ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ يوم بدر، وقال وكيع: عن سفيان الثوري عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٦.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٦٨.","vol":"4","page":67},{"text":"عن مجاهد، وعن شعبة عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ قال وأستاههم، ولكن الله يكنى، وكذا قال عمر مولى عفرة. وعن الحسن البصري قال: قال رجل يا رسول الله: إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك، قال «ذاك ضرب الملائكة» رواه ابن جرير (^١) وهو مرسل، وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ وفي سورة القتال (^٢) مثلها.\nوتقدم في سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي باسطو أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم، إذ استصعبت أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهرا، وذلك إذ بشروهم بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة، يقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتتفرق في بدنه فيستخرجونها من جسده، كما يخرج السفود (^٣) من الصوف المبلول (^٤)، فتخرج معها العروق والعصب، ولهذا أخبر تعالى: أن الملائكة تقول لهم ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدنيا، جازاكم الله بها هذا الجزاء ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي لا يظلم أحدا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور ﵎، وتقدس وتنزه الغني الحميد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح، عند مسلم (^٥) ﵀، من رواية أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ، إن الله تعالى يقول «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» ولهذا قال تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-645>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٢]</span>\n﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢)﴾\nيقول تعالى: فعل هؤلاء من المشركين المكذبين بما أرسلت به يا محمد، كما فعل الأمم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٨.\n(^٢) أي سورة محمد الآية ٢٧.\n(^٣) السفود: حديدة ذات شعب معقوفة. يشوى بها اللحم.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٨٨، ٢٩٦.\n(^٥) كتاب البر حديث ٥٥.","vol":"4","page":68},{"text":"المكذبة قبلهم، ففعلنا بهم ما هو دأبنا أي عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي بسبب ذنوبهم أهلكهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب.\n\n<span data-type='title' id=toc-646>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]</span>\n﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)﴾\nيخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد، إلا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ [الرعد: ١١] وقوله ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي كصنعه بآل فرعون وأمثالهم، حين كذبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم، من جنات وعيون وزروع وكنوز ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك بل كانوا هم الظالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-647>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]</span>\n﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾\nأخبر تعالى: أن شر ما دب على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين كلما عاهدوا عهدا نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ أي لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام، ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ أي تغلبهم وتظفر بهم في حرب، ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي نكل بهم، قاله ابن عباس والحسن البصري والضحاك والسدي وعطاء الخراساني وابن عيينة، ومعناه غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلا، ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ وقال السدي: يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-648>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]</span>\n﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيانَةً﴾ أي نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي عهدهم ﴿عَلى سَواءٍ﴾، أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز: [رجز]","vol":"4","page":69},{"text":"فاضرب وجوه الغدر للأعداء … حتى يجيبوك إلى السّواء (^١)\nوعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي على مهل، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ أي حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضا. قال الإمام أحمد (^٢):\nحدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة، عن أبي الفيض عن سليم بن عامر، قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدرا، إن رسول الله ﷺ قال: «ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء» قال:\nفبلغ ذلك معاوية، فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة ﵁ (^٣)، وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه، من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري عن سلمان، يعني الفارسي ﵁، أنه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله ﷺ يدعوهم، فقال:\nإنما كنت رجلا منكم، فهداني الله ﷿ للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-649>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]</span>\n﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: «ولا تحسبن» يا محمد ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي فاتونا، فلا نقدر عليهم بل هم تحت قهر قدرتنا، وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] أي يظنون، وقوله تعالى:\n﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾\n_________\n(^١) الرجز بلا نسبة في تفسير الطبري ٦/ ٢٧٢.\n(^٢) المسند ٤/ ١١١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ١٥٢، والترمذي في السير باب ٢٧.\n(^٤) المسند ٥/ ٤٤٠.","vol":"4","page":70},{"text":"[آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] ثم أمر تعالى، بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي مهما أمكنكم ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفي، أخي عقبة بن عامر، أنه سمع عقبة بن عامر يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي» (^٢) رواه مسلم، عن هارون بن معروف، وأبو داود عن سعيد بن منصور، وابن ماجة عن يونس بن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب به. ولهذا الحديث طرق أخر، عن عقبة بن عامر، منها ما رواه الترمذي من حديث صالح بن كيسان، عن رجل عنه، وروى الإمام أحمد وأهل السنن عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ارموا واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا» (^٣).\nوقال الإمام مالك عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل لثلاثة، لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها (^٤) ذلك من المرج أو الروضة، كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها، فاستنّت (^٥) شرفا أو شرفين (^٦) كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به، كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنيا وتعففا (^٧)، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء (^٨)، فهي على ذلك وزر» (^٩).\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٥٦، ١٥٧.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٦٧، وأبو داود في الجهاد باب ٢٣، وابن ماجة في الجهاد باب ١٩، والدارمي في الجهاد باب ١٤، والترمذي في تفسير سورة ٨، باب ٥.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٢٣، والترمذي في فضائل الجهاد باب ١١، والنسائي في الخيل باب ٨، وابن ماجة في الجهاد باب ١٩، وأحمد في المسند ٤/ ١٤٤، ١٤٦، ١٤٨.\n(^٤) الطيل، بكسر الطاء وفتح الياء: الحبل الذي تربط فيه.\n(^٥) استنّت: جرت.\n(^٦) الشرف: المكان العالي من الأرض.\n(^٧) تغنيا وتعففا: أي استغناء عن الناس وتعففا عن السؤال.\n(^٨) النواء: المناوأة والمعاداة.\n(^٩) أخرجه البخاري في الشرب باب ١٢، والجهاد باب ٤٨، والمناقب باب ٢٨، وتفسير سورة ٩٩، باب ١، والاعتصام باب ٢٤، ومسلم في الزكاة حديث ٢٤، ٢٦، والترمذي في فضائل الجهاد باب ١٠، والنسائي في الخيل باب ١، وابن ماجة في الجهاد باب ١٤، ومالك في الجهاد حديث ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٢٦٢، ٢٨٣.","vol":"4","page":71},{"text":"وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر، فقال «ما أنزل الله عليّ فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^١) [الزلزلة: ٧ - ٨] رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم كلاهما من حديث مالك.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: «الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله -وذكر ما شاء الله-وأما فرس الشيطان، فالذي يقامر أو يراهن عليها، وأما فرس الإنسان، فالفرس يربطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي له ستر من الفقر» وقد ذهب أكثر العلماء، إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك، إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حجاج وهشام، قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة، أن معاوية بن خديج، مر على أبي ذر وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعاني من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته، قال: وما دعاء بهيمة من البهائم؟ قال: والذي نفسي بيده، ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر، فيقول:\nاللهم أنت خولتني عبدا من عبادك، وجعلت رزقي بيده، فاجعلني أحب إليه من أهله وماله وولده.\nقال: وحدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن أبي جعفر، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين: يقول: اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه-أو-أحب أهله وماله إليه» (^٤)، رواه النسائي، عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان به.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني، عن الحسن بن أبي الحسن، أنه قال لابن الحنظلية يعني سهلا: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩٩، باب ١.\n(^٢) المسند ١/ ٣٩٥.\n(^٣) المسند ٥/ ١٦٢.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧٠، والنسائي في الخيل باب ٩.","vol":"4","page":72},{"text":"ومن ربط فرسا في سبيل الله، كانت النفقة عليه كالماد يده بالصدقة لا يقبضها»، والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة. وفي صحيح البخاري، عن عروة بن أبي الجعد البارقي، أن رسول الله ﷺ، قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم» (^١).\nوقوله: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ أي تخوفون ﴿بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي من الكفار ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ قال مجاهد يعني بني قريظة، وقال السدي: فارس، وقال سفيان الثوري: قال ابن يمان: هم الشياطين التي في الدور، وقد ورد حديث بمثل ذلك.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي، حدثنا أبو حيوة يعني شريح بن يزيد المقري، حدثنا سعيد بن سنان، عن ابن غريب، يعني يزيد بن عبد الله بن غريب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يقول في قول الله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ قال هم الجن، ورواه الطبراني عن إبراهيم بن دحيم، عن أبيه عن محمد بن شعيب عن سنان بن سعيد بن سنان، عن يزيد بن عبد الله بن غريب به، وزاد، قال رسول الله ﷺ: «لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل»، وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه، وقال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون، وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].\nوقوله ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أي مهما أنفقتم في الجهاد، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (^٢):\nأن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا أبي عن أبيه، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ، أنه كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ فأمر بالصدقة بعدها، على كل من سألك من كل دين، وهذا أيضا غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-650>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦١ إلى ٦٣]</span>\n﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٤٤، والخمس باب ٨، ومسلم في الإمارة حديث ٩٨، ٩٩.\n(^٢) كتاب الجهاد باب ١٣.","vol":"4","page":73},{"text":"يقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة، فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك، فقاتلهم ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ أي مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي المسالمة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاجْنَحْ لَها﴾ أي فمل إليها واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون، عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله ﷺ، تسع سنين، أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثني فضيل بن سليمان يعني النميري، حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه سيكون اختلاف أو أمر فإن استطعت أن يكون السلم فافعل» (^١).\nوقال مجاهد: نزلت في بني قريظة (^٢)، وهذا فيه نظر، لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله، وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة، ليتقووا ويستعدوا ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ أي كافيك وحده، ثم ذكر نعمته عليه مما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].\nوفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ لما خطب الأنصار، في شأن غنائم حنين، قال لهم:\n«يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلاّلا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي» كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمنّ (^٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٩٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٧٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في المغازي باب ٥٦، ومسلم في الزكاة حديث ١٣٩، وأحمد في المسند ٣/ ٥٧، ٧٦، ١٠٤، ٢٥٣، ٤/ ٤٢.","vol":"4","page":74},{"text":"﴿بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز الجناب، فلا يخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه، وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن بشر الصيرفي القزويني في منزلنا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحسين القنديلي الاستراباذي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار، حدثنا ميمون بن الحكم، حدثنا بكر بن الشرود، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة النعمة تكفر، ولم ير مثل تقارب القلوب، يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وذلك موجود في الشعر:\nإذا بت ذو قربى إليك بزلة … فغشّك واستغنى فليس بذي رحم (^١)\nولكن ذا القربى الذي إن دعوته … أجاب وأن يرمي العدو الذي ترمي\nقال: ومن ذلك قول القائل:\nولقد صحبت الناس ثم سبرتهم … وبلوت ما وصلوا من الأسباب (^٢)\nفإذا القرابة لا تقرّب قاطعا … وإذا المودة أقرب الأسباب\nقال البيهقي: لا أدري هذا موصول بكلام ابن عباس أو هو من قول من دونه من الرواة، وقال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁، سمعه يقول:\n﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، قال هم المتحابون في الله. وفي رواية نزلت في المتحابين في الله. رواه النسائي والحاكم في مستدركه وقال: صحيح، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ رواه الحاكم أيضا.\nوقال أبو عمرو الأوزاعي: حدثني عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد، ولقيته فأخذ بيدي فقال:\nإذا التقى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر. قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير، فقال: لا تقل ذلك فإن الله يقول ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني (^٣).\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الجزري عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد، قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما، قال قلت لمجاهد\n_________\n(^١) البيتان بلا نسبة في الدر المنثور ٣/ ٣٦١.\n(^٢) البيتان بلا نسبة في الدر المنثور ٣/ ٣٦١.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٨٠، ٢٨١.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٢٨٠، وفيه: إبراهيم الخوزيّ بدل إبراهيم الجزري.","vol":"4","page":75},{"text":"بمصافحة يغفر لهما؟ قال مجاهد: أما سمعته يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني، وكذا روى طلحة بن مصرف عن مجاهد، وقال ابن عون عن عمير بن إسحاق، قال: كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس الألفة، وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ﵀: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا سالم بن غيلان، سمعت جعدا أبا عثمان، حدثني أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، أن رسول الله ﷺ قال: «إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده، تحاتت عنهما ذنوبهما، كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار.\n\n<span data-type='title' id=toc-651>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٦٦)﴾\nيحرض تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا سفيان عن ابن شوذب عن الشعبي في قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال حسبك الله، وحسب من شهد معك، قال: وروي عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد مثله.\nولهذا قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ﴾ أي حثهم أو مرهم عليه، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحرض على القتال، عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟ فقال رسول الله ﷺ «نعم»، فقال: بخ بخ فقال: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟» قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال «فإنك من أهلها» فتقدم الرجل، فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵁ (^١)، وقد روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب وكمل به الأربعون، وفي هذا نظر، لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة، وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٤٦، وأحمد في المسند ٣/ ١٣٦.","vol":"4","page":76},{"text":"ثم قال تعالى مبشرا للمؤمنين وآمرا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كل واحد بعشرة، ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثنا الزبير بن الحريث، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شق ذلك على المسلمين، حتى فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر، بقدر ما خفف عنهم.\nوروى البخاري (^١) من حديث ابن المبارك نحوه. وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين، وروى البخاري عن علي بن عبد الله عن سفيان به نحوه، وقال محمد بن إسحاق حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى، فقال ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم، لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم (^٢).\nوروى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس نحو ذلك، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن، وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والضحاك، وغيرهم نحو ذلك، وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه: من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون عن نافع، عن ابن عمر ﵄، في قوله ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال نزلت فينا أصحاب محمد ﷺ وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي عمرو بن العلاء، عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ رفع ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-652>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]</span>\n﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾\n_________\n(^١) كتاب التفسير تفسير سورة ٨، باب ٦، ٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٨٣.","vol":"4","page":77},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا علي بن هاشم، عن حميد، عن أنس ﵁، قال:\nاستشار النبي ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر، فقال «إن الله قد أمكنكم منهم» فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس» فقام عمر فقال:\nيا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد النبي ﷺ فقال: للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁، فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، قال فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، قال وأنزل الله ﷿ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك.\nوقال الأعمش: عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ: «ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر «يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنت في واد كثير الحطب، أضرم الوادي عليهم نارا، ثم ألقهم فيه، قال فسكت رسول الله ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، ثم قام فدخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.\nثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: «إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇، قال ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇، قال ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وإن مثلك يا عمر، كمثل موسى ﵇، قال ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] وإن مثلك يا عمر، كمثل نوح ﵇، قال ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] أنتم عالة فلا ينفكن أحد منهم إلا بفداء، أو ضربة عنق» قال ابن مسعود:\nقلت: يا رسول الله إلا سهيل ابن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ:\n«إلا سهيل ابن بيضاء» فأنزل الله ﷿ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ إلى آخر الآية (^٢)،\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٤٣.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٨، باب ٦، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٣، ٣٨٤، والطبري في تفسيره ٦/ ٢٨٧.","vol":"4","page":78},{"text":"رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي معاوية عن الأعمش به، والحاكم في مستدركه، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ نحوه.\nوفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري، وروى ابن مردويه أيضا، واللفظ له والحاكم في مستدركه، من حديث عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد عن ابن عمر، قال: لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ «إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه» فقال له عمر أفآتهم؟ فقال «نعم»، فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا: لا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى؟ قالوا فإن كان لرسول الله ﷺ رضى فخذه، فأخذه عمر فلما صار في يده، قال له: يا عباس أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر فيهم، فقال أبو بكر عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ الآية، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوقال سفيان الثوري عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي ﵁، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر، فقال: خير أصحابك في الأسارى، إن شاؤوا الفداء، وإن شاؤوا القتل، على أن يقتل عاما مقبلا منهم مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا (^١)، رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري به، وهذا حديث غريب جدا، وقال ابن عون عن عبيدة عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ في أسارى يوم بدر:\n«إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم، واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم» قال فكان آخر السبعين، ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة ﵁، ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلا، فالله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن عطاء عن ابن عباس: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾. قال غنائم بدر قبل أن يحلها لهم، يقول:\nلولا أني لا أعذب من عصاني، حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (^٢)، وكذا روى ابن أبي نجيح: عن مجاهد، وقال الأعمش: سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا، وروي نحوه عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير وعطاء، وقال شعبة عن أبي هاشم عن مجاهد ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ أي لهم بالمغفرة ونحوه، عن سفيان الثوري ﵀.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في السير باب ١٨.\n(^٢) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٦.","vol":"4","page":79},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ يعني في أم الكتاب الأول، أن المغانم والأسارى حلال لكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ﴾ من الأسارى ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ الآية. وكذا روى العوفي عن ابن عباس، وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء والحسن البصري، وقتادة والأعمش أيضا، أن المراد ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ لهذه الأمة بإحلال الغنائم، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nويستشهد لهذا القول، بما أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة» (^١) وقال الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا» (^٢) ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ الآية، فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.\nوقد روى الإمام أبو داود في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة (^٣)، وقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء، أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل كما فعل ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسر من المسلمين، كما فعل رسول الله ﷺ في تلك الجارية وابنتها، اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة، مقرر في موضعه من كتب الفقه.\n\n<span data-type='title' id=toc-653>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٠ إلى ٧١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التيمم باب ١، والصلاة باب ٥٦، والخمس باب ٨، ومسلم في المساجد حديث ٣، ٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٨، باب ٧، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٢.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ١٢١.","vol":"4","page":80},{"text":"قال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: «إني قد عرفت أنا أناسا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا منهم-أي من بني هاشم-فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها» فقال أبو حذيفة بن عتبة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب «يا أبا حفص-قال عمر والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ أبا حفص-أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟» فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك والله ما آمن من تلك الكلمة التي قلت ولا أزال منها خائفا إلا أن يكفرها الله تعالى عني بشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا ﵁.\nوبه عن ابن عباس قال: لما أمسى رسول الله ﷺ يوم بدر، والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله ﷺ ساهرا أول الليل فقال له أصحابه يا رسول الله ما لك لا تنام؟ وقد أسر العباس رجل من الأنصار فقال رسول الله ﷺ «سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه» فسكت فنام رسول الله ﷺ.\nقال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب وذلك أنه كان رجلا موسرا فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبا، وفي صحيح البخاري من حديث موسى بن عقبة قال ابن شهاب حدثنا أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار قالوا يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. قال «لا والله لا تذرون منه درهما» (^١).\nوقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة عن الزهري عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء أسراهم ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس يا رسول الله قد كنت مسلما فقال رسول الله ﷺ: «الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك وأما ظاهرك فقد كان علينا فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر»: قال ما ذاك عندي يا رسول الله.\nقال: «فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم» قال: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١٧٢، والمغازي باب ١٢.","vol":"4","page":81},{"text":"أوقية من مال كان معي فقال رسول الله ﷺ «لا ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك» ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه فأنزل الله ﷿ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال العباس فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله ﷿.\nوقد روى ابن إسحاق أيضا عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية بنحو مما تقدم. وقال أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع حدثنا ابن إدريس عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال العباس: فيّ نزلت ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ فأخبرت النبي ﷺ بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني فأبى فأبدلني الله بها عشرين عبدا كلهم تاجر مالي في يده، وقال ابن إسحاق أيضا حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ عن جابر بن عبد الله بن رباب قال كان العباس بن عبد المطلب يقول في نزلت والله حين ذكرت لرسول الله ﷺ إسلامي ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله.\nوقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ عباس وأصحابه قال: قالوا للنبي ﷺ: آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول الله لننصحن لك على قومنا. فأنزل الله ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ إيمانا وتصديقا يخلف لكم خيرا مما أخذ منكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشرك الذي كنتم عليه قال فكان العباس يقول ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن لي الدنيا لقد قال ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ فقد أعطاني خيرا مما أخذ مني مائة ضعف وقال ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وأرجو أن يكون قد غفر لي (^٢).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية كان العباس أسر يوم بدر فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب فقال العباس حين قرئت هذه الآية لقد أعطاني الله ﷿ خصلتين ما أحب أن لي بهما الدنيا: إني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية فآتاني أربعين عبدا وإني لأرجو المغفرة التي وعدنا الله ﷿ (^٣). وقال قتادة في تفسير هذه الآية: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا وقد توضأ لصلاة الظهر فما أعطى يومئذ شاكيا ولا حرم سائلا وما صلى يومئذ حتى فرقه، فأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي فكان العباس\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٩٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٩٢، ٢٩٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٩٢.","vol":"4","page":82},{"text":"يقول: هذا خير مما أخذ منا وأرجو المغفرة (^١).\nوقال يعقوب بن سفيان: حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ من البحرين ثمانين ألفا ما أتاه مال أكثر منه لا قبل ولا بعد. قال فنثرت على حصير ونودي بالصلاة. قال وجاء رسول الله ﷺ فمثل قائما على المال وجاء أهل المسجد فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلا فيضا وجاء العباس بن عبد المطلب فحثا في خميصة (^٢) عليه وذهب يقوم فلم يستطع قال فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ارفع علي. قال فتبسم رسول الله ﷺ حتى خرج ضاحكه (^٣) أو نابه وقال له:\n«أعد من المال طائفة وقم بما تطيق» قال ففعل وجعل العباس يقول: وهو منطلق أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع الله في الأخرى ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ الآية ثم قال: هذا خير مما أخذ منا وما أدري ما يصنع الله في الأخرى فما زال رسول الله ﷺ ماثلا على ذلك المال حتى ما بقي منه درهم وما بعث إلى أهله بدرهم ثم أتى الصلاة فصلى.\nحديث آخر في ذلك-قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله السعيدي حدثنا محمد بن عصام حدثنا حفص بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: أتي رسول الله ﷺ بمال من البحرين فقال «انثروه في مسجدي» قال وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاءه العباس فقال يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلا فقال له رسول الله ﷺ «خذ» فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلى قال «لا» قال فارفعه أنت عليّ، قال «لا» فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي عنه عجبا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثمّ منها درهم، وقد رواه البخاري (^٤) في مواضع من صحيحه تعليقا بصيغة الجزم يقول: وقال إبراهيم بن طهمان ويسوقه وفي بعض السياقات أتم من هذا.\nوقوله ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ فيما أظهروا لك من الأقوال ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل بدر بالكفر به ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٢٩٢.\n(^٢) الخميصة: كساء أسود مربع.\n(^٣) خرج ضاحكه: أي بدت أسنانه عند الضحك، والضواحك: الأسنان التي تبدو عند الضحك، وهي الأربع التي بين الأسنان والأضراس.\n(^٤) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٤٢، والجزية باب ١.","vol":"4","page":83},{"text":"أي بالأسارى يوم بدر ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بفعله حكيم فيه. قال قتادة نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتد ولحق بالمشركين (^١)، وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: نزلت في عباس وأصحابه حين قالوا:\nلننصحن لك على قومنا (^٢) وفسرها السدي على العموم وهو أشمل وأظهر والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-654>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾\nذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم فهؤلاء ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، ولهذا آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار كل اثنين أخوان فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس، ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنه، وقال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد:\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير هو ابن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة» تفرد به أحمد.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان حدثنا عكرمة يعني ابن إبراهيم الأزدي حدثنا عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهاجرون والأنصار، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» هكذا رواه في مسند عبد الله بن مسعود.\nوقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار، في غير ما آية في كتابه، فقال:\n﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآية، وقال ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٩٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٩٣.\n(^٣) المسند ٤/ ٣٦٣.","vol":"4","page":84},{"text":"الآية، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٨ - ٩] الآية.\nوأحسن ما قيل في قوله ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ أي لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك، ولهذا قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة، قال: خيرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة، ثم قال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ﴾ قرأ حمزة ولايتهم بالكسر، والباقون بالفتح، وهما واحد كالدلالة والدلالة ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه القتال.\nكما قال أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن يزيد بن الخصيب الأسلمي ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه، بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال:\n«اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال-أو خلال-فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» انفرد به مسلم (^٢)، وعنده زيادات أخر.\nوقوله ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ الآية، يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٥٢.\n(^٢) كتاب الجهاد وحديث ٢.","vol":"4","page":85},{"text":"نصرهم، لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار، بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-655>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٣]</span>\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾\nلما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، كما قال.\nالحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي، حدثنا محمد بن أبان، حدثنا محمد بن يزيد وسفيان بن حسين، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، عن النبي ﷺ قال «لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما-ثم قرأ- ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾» ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nقلت: الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (^١) وفي المسند والسنن، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» (^٢) وقال الترمذي: حسن صحيح وقال أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثنا محمد، عن معمر، عن الزهري، أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: «تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان، وإنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب» وهذا مرسل في هذا الوجه، وقد روي متصلا في وجه آخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين» ثم قال: «لا يتراءى ناراهما» (^٤).\nوقال أبو داود في آخر كتاب الجهاد (^٥): حدثنا محمد بن داود بن سفيان، أخبرني يحيى بن حسان، أنبأنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب أخبرني خبيب بن سليمان عن سمرة بن جندب: أما بعد قال رسول الله ﷺ: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» وذكر الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حاتم بن إسماعيل عن عبد الله بن هرمز عن محمد وسعيد ابني عبيد عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الفرائض باب ٢٦، ومسلم في الفرائض حديث ١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الفرائض باب ١٠، والترمذي في الفرائض باب ١٦، وابن ماجة في الفرائض باب ٦، والدارمي في الفرائض باب ٢٩، وأحمد في المسند ٢/ ١٨٧، ١٩٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٩٦.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٩٥، والنسائي في القسامة باب ٢٧.\n(^٥) باب ١٧٠.","vol":"4","page":86},{"text":"أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» قالوا:\nيا رسول الله وإن كان فيه قال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه» ثلاث مرات (^١)، وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث حاتم بن إسماعيل به بنحوه.\nثم روي من حديث عبد الحميد بن سليمان: عن ابن عجلان عن أبي وثيمة النضري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» (^٢) ومعنى قوله ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-656>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]</span>\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾\nلما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر مالهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان كما تقدم في أول السورة وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف دائم مستمر أبدا لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه. ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة، كما قال ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآية وقال ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] الآية. وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة، عن رسول الله ﷺ أنه قال «المرء مع من أحب» (^٣) وفي الحديث الآخر «من أحب قوما فهو منهم» وفي رواية «حشر معهم».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ: «المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة» قال شريك: فحدثنا الأعمش عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير عن النبي ﷺ مثله، تفرد به أحمد من هذين الوجهين.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ أي في حكم الله وليس المراد بقوله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في النكاح باب ٣١، والترمذي في النكاح باب ٣.\n(^٢) أخرجه الترمذي في النكاح باب ٣، وابن ماجة في النكاح باب ٤٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب باب ٩٦، ومسلم في البر حديث ١٦٥.\n(^٤) المسند ٤/ ٣٤٣.","vol":"4","page":87},{"text":"لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية ويعتقد ذلك صريحا في المسألة بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلة من أقواها حديث «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (^١) قالوا: فلو كان ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثا، والله أعلم.\nآخر تفسير سورة الأنفال. ولله الحمد والمنة، وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الوصايا باب ٦، والترمذي في الوصايا باب ٦، وأحمد في المسند ٤/ ١٨٦، ١٨٧، ٥/ ٢٦٧.","vol":"4","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>سورة التوبة</span>\n<span data-type='title' id=toc-658>[سورة التوبة (٩): الآيات ١ إلى ٢]</span>\n﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)﴾\nهذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله ﷺ كما قال البخاري (^١): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخر سورة نزلت براءة، وإنما لم يبسمل في أولها لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، كما قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي وسهيل بن يوسف قالوا: حدثنا عوف بن أبي جميلة، أخبرني يزيد الفارسي، أخبرني ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني (^٢) وإلى براءة وهي من المئين (^٣) وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان (^٤) وهو ينزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها وحسبت أنها منها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال (^٥)، وكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من طرق أخر عن عوف الأعرابي به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك وأنهم\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩، باب ١.\n(^٢) المثاني: كل سورة عدد آياتها أقل من مائتين آية.\n(^٣) المئين: كل سورة عدد آياتها أكثر من مائتين آية.\n(^٤) أي يأتي عليه الزمان الطويل.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٢٢، والترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٦٩.","vol":"4","page":89},{"text":"يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرا على الحج تلك السنة ليقيم للناس مناسكهم ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغا عن رسول الله ﷺ لكونه عصبة له كما سيأتي بيانه.\nفقوله تعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي هذه براءة أي تبرؤ من الله ورسوله ﴿إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ اختلف المفسرون هاهنا اختلافا كثيرا، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى:\n﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] الآية، ولما سيأتي في الحديث. ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير ﵀، وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية، قال: حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيث شاؤوا وأجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى سلخ المحرم فذلك خمسون ليلة، فأمر الله نبيه إذا انسلخ الأشهر الحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضا حتى يدخلوا في الإسلام (^١).\nوقال أبو معشر المدني: حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض فقرأها عليهم يوم عرفة أجلهم عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم وقال: لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان (^٢).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم، فقفل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ فأراد رسول الله ﷺ الحج ثم قال: «إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» فأرسل أبا بكر\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٠٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٠٤.","vol":"4","page":90},{"text":"وعليا ﵄ فطافا بالناس في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤمّنوا أربعة أشهر فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا (^١)، وهكذا روي عن السدي وقتادة وقال الزهري: كان ابتداء التأجيل من شوال وآخره سلخ المحرم، وهذا القول غريب وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر حين نادى أصحاب رسول الله ﷺ بذلك ولهذا قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-659>[سورة التوبة (٩): آية ٣]</span>\n﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾\nيقول تعالى وإعلام ﴿مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ وتقدم وإنذار إلى الناس ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكثرها جمعا ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ أي بريء منهم أيضا ثم دعاهم إلى التوبة إليه، فقال ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي مما أنتم فيه من الشرك والضلال ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي استمررتم على ما أنتم عليه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ بل هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي في الدنيا بالخزي والنكال وفي الآخرة بالمقامع والأغلال.\nقال البخاري (^٢) ﵀: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين الذين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.\nورواه البخاري (^٣) أيضا: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٠٤.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩، باب ٢، ٣.\n(^٣) كتاب الجهاد باب ٦٦.","vol":"4","page":91},{"text":"رسول الله ﷺ مشرك، هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد.\nوقال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁ في قوله: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لما كان النبي ﷺ زمن حنين اعتمر من الجعرانة ثم أمّر أبا بكر على تلك الحجة، قال معمر: قال الزهري: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر، قال أبو هريرة: ثم أتبعنا النبي ﷺ عليا وأمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر على الموسم كما هو أو قال على هيئته. وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد فأما أبو بكر إنما كان أميرا سنة تسع.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن محرّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة فقال: ما كنتم تنادون؟. قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله أو مدته إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي (^٢).\nوقال الشعبي: حدثني محرّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ حين بعثه النبي ﷺ ينادي فكان إذا صحل ناديت فقلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال بأربع، لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك. رواه ابن جرير (^٣) من غير وجه عن الشعبي، ورواه شعبة عن مغيرة عن الشعبي به، إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى أربعة أشهر وذكر تمام الحديث.\nقال ابن جرير (^٤): وأخشى أن يكون وهما من بعض نقلته لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عفان، حدثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه ببراءة مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال: «لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي» فبعث بها مع علي بن أبي طالب ﵁، ورواه الترمذي (^٦) في التفسير: عن\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٩٩.\n(^٢) صحل صوتي: أي بح صوتي.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٠٦.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٣٠٦.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٨٣.\n(^٦) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩، باب ٥.","vol":"4","page":92},{"text":"بندار عن عفان وعبد الصمد كلاهما عن حماد بن سلمة به، ثم قال: حسن غريب من حديث أنس ﵁.\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن سليمان، -لوين-حدثنا محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي ﵁ قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي ﷺ دعا النبي ﷺ أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال: «أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم» فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟ فقال «لا ولكن جبريل جاءني فقال:\nلن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك» (^١) هذا إسناد فيه ضعف، وليس المراد أن أبا بكر ﵁ رجع من فوره بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله ﷺ كما جاء مبينا في الرواية الأخرى.\nوقال عبد الله أيضا: حدثني أبو بكر، حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن حنش عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ حين بعثه ببراءة قال: يا نبي الله إني لست باللسن ولا بالخطيب قال: «لا بد لي أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت» قال: فإن كان ولا بد فسأذهب أنا، قال: «انطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك» قال: ثم وضع يده على فيه (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع رجل من همدان، سألنا عليا بأي شيء بعثت؟ يعني يوم بعثه النبي ﷺ مع أبي بكر في الحجة، قال: بعثت بأربع:\nلا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا، ورواه الترمذي (^٤) عن قلابة عن سفيان بن عيينة وقال: حسن صحيح كذا قال، ورواه شعبة عن أبي إسحاق فقال: زيد بن يثيع وهم فيه، ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه عن علي ﵁.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ حين أنزلت براءة بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ثم رواه ابن جرير (^٦) عن محمد بن عبد الأعلى عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٥١.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٥١.\n(^٣) المسند ١/ ٧٩.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩، باب ٥.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٣٠٦.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ٣٠٦.","vol":"4","page":93},{"text":"ابن ثور عن معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: أمرت بأربع فذكره، وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع قال: نزلت براءة فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر ثم أرسل عليا فأخذها، فلما رجع أبو بكر قال: نزل فيّ شيء؟ قال: «لا ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي» فانطلق إلى أهل مكة فقام فيهم بأربع لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته (^١).\nوقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس فقيل يا رسول الله: لو بعثت إلى أبي بكر؟ فقال: «لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي» ثم دعا عليا فقال «اذهب بهذه القصة من سورة براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته» فخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر في الطريق فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﷺ فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى (^٢).\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت عليا عن يوم الحج الأكبر فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال: قم يا علي فأد رسالة رسول الله ﷺ، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا كلهم حضروا خطبة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٠٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٠٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٠٩، ٣١٠.","vol":"4","page":94},{"text":"أبي بكر يوم عرفة فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرأها عليهم فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق سألت أبا جحيفة عن يوم الحج الأكبر قال: يوم عرفة، فقلت: أمن عندك أم من أصحاب محمد ﷺ؟ قال: كل في ذلك (^١)، وقال عبد الرزاق أيضا: عن ابن جريج عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة (^٢). وقال عمر بن الوليد الشّنّي: حدثنا شهاب بن عباد العصري عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر فلا يصومنه أحد. قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة فسألت عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب فأتيته فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا سعيد بن المسيب فأخبرني عن صوم يوم عرفة، فقال: أخبرك عمن هو أفضل مني مائة ضعف عمر أو ابن عمر، كان ينهى عن صومه ويقول هو يوم الحج الأكبر، رواه ابن جرير (^٣) وابن أبي حاتم، وهكذا روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير ومجاهد وعكرمة وطاوس أنهم قالوا:\nيوم عرفة هو يوم الحج الأكبر.\nوقد ورد فيه حديث مرسل رواه ابن جريج، أخبرت عن محمد بن قيس عن ابن مخرمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: «هذا يوم الحج الأكبر» (^٤) وروي من وجه آخر: عن ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ أنه خطبهم بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر» والقول الثاني أنه يوم النحر قال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن علي ﵁ قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر، وقال إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور: سألت عليا ﵁ عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر (^٥).\nوقال شعبة عن الحكم سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي ﵁ أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة فجاء رجل فأخذ بلجام دابته فسأله عن يوم الحج الأكبر فقال هو يومك هذا خل سبيلها (^٦)، وقال عبد الرزاق: عن سفيان عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر (^٧)، وروى شعبة وغيره عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣١٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣١٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣١٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٣١٠.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٣١١.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ٣١٢.\n(^٧) تفسير الطبري ٦/ ٣١١.","vol":"4","page":95},{"text":"عبد الملك بن عمير به نحوه. وهكذا رواه هشيم وغيره عن الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى.\nوقال الأعمش عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال:\nهذا يوم الأضحى وهذا يوم النحر وهذا يوم الحج الأكبر، وقال حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الحج الأكبر يوم النحر.\nوكذا روي عن أبي جحيفة وسعيد بن جبير وعبد الله بن شداد بن الهاد ونافع بن جبير بن مطعم والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة وأبي جعفر الباقر والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر واختاره ابن جرير، وقد تقدم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاري أن أبا بكر بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى.\nوقد ورد في ذلك أحاديث أخر كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): حدثني سهل بن محمد الحساني، حدثنا أبو جابر الحرمي، حدثنا هشام بن الغازي الجرشي عن نافع عن ابن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: «هذا يوم الحج الأكبر» وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي جابر واسمه محمد بن عبد الملك به، ورواه ابن مردويه أيضا من حديث الوليد بن مسلم عن هشام بن الغازي به، ثم رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز عن نافع به، وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قام فينا رسول الله ﷺ على ناقة حمراء مخضرمة فقال: «أتدرون أي يوم يومكم هذا؟» قالوا: يوم النحر، قال: «صدقتم يوم الحج الأكبر».\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم قعد رسول الله ﷺ على بعير له وأخذ الناس بخطامه أو زمامه، فقال: «أي يوم هذا؟» قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال «أليس هذا يوم الحج الأكبر؟» وهذا إسناد صحيح وأصله مخرج في الصحيح. وقال أبو الأحوص عن شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: «أي يوم هذا؟» فقالوا:\nاليوم الحج الأكبر، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣١٥، وفيه: سهل بن محمد السجستاني، بدل: سهل بن محمد الحساني.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣١٥.","vol":"4","page":96},{"text":"وقال مجاهد أيضا: يوم الحج الأكبر أيام الحج كلها، وكذا قال أبو عبيد. قال سفيان: يوم الحج ويوم الجمل ويوم صفين أي أيامه كلها، وقال سهل السراج: سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: ما لكم وللحج الأكبر ذاك عام حج فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله ﷺ فحج بالناس رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة عن ابن عون، سألت محمدا يعني ابن سيرين عن يوم الحج الأكبر، فقال: كان يوما وافق فيه حج رسول الله ﷺ وحج أهل الوبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-660>[سورة التوبة (٩): آية ٤]</span>\n﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾\nهذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده ولم يظاهر على المسلمين أحدا أي يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفي له بذمته وعهده إلى مدته ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك، فقال ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي الموفين بعهدهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-661>[سورة التوبة (٩): آية ٥]</span>\n﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nاختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم هاهنا ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] الآية، قال أبو جعفر الباقر، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وهذا الذي ذهب إليه حكاه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإليه ذهب الضحاك أيضا وفيه نظر، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم لأن عود العهد على\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣١٣.","vol":"4","page":97},{"text":"مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة.\nوقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي من الأرض وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم، بقوله: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي وأسروهم إن شئتم قتلا وإن شئتم أسرا، وقوله: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله ﷿، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة.\nوقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال:\n«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» (^١) الحديث.\nوقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه! وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا حميد الطويل عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم» (^٣) ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجة، من حديث عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ١٧، ومسلم في الإيمان حديث ٣٢.\n(^٢) المسند ٣/ ١٩٩، ٢٢٤، ٢٢٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٢٨، وأبو داود في الزكاة باب ١، والجهاد باب ٩٥، والترمذي في الإيمان باب ١، ٢، وتفسير سورة ٨٨، والنسائي في الزكاة باب ٣، والإيمان باب ١٥، والجهاد باب ١، والتحريم باب ١، وابن ماجة في المقدمة باب ٩، والفتن باب ١.","vol":"4","page":98},{"text":"المبارك به.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئا فارقها والله عنه راض» قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ورواه ابن مردويه ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له. حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا حكام بن سلمة، حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء.\nوهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كل عهد بين النبي ﷺ وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة، وقال العوفي: عن ابن عباس في هذه الآية لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر، وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمي لهم من العهد والميثاق، وأذهب الشرط الأول.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: قال سفيان بن عيينة: قال علي بن أبي طالب: بعث النبي ﷺ بأربعة أسياف سيف في المشركين من العرب، قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ هكذا رواه مختصرا، وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] والسيف الثالث قتال المنافقين في قوله ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣ والتحريم: ٩] الآية، والرابع قتال الباغين في قوله ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩] ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه فقال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٢٠.","vol":"4","page":99},{"text":"الضحاك والسدي هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] وقال قتادة بالعكس.\n\n<span data-type='title' id=toc-662>[سورة التوبة (٩): آية ٦]</span>\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)﴾\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم ﴿اِسْتَجارَكَ﴾ أي استأمنك فأجبه إلى طلبته ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ أي القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: إنسان يأتيك ليسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك فتسمعه كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء (^١)، ومن هذا كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم عروة بن مسعود ومكرز بن حفص وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحدا بعد واحد يترددون في القضية بينه وبين المشركين فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم، ولهذا أيضا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ قال له أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال نعم، فقال رسول الله ﷺ: «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك» وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له ابن النواحة ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة وأمر به فضربت عنقه لا ﵀ ولعنه.\nوالغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانا أعطي أمانا ما دام مترددا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء ﵏.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٢٢.","vol":"4","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-663>[سورة التوبة (٩): آية ٧]</span>\n﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾\nيبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا فقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أي أمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ يعني يوم الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] الآية، ﴿فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أى مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوقد فعل رسول الله ﷺ ذلك والمسلمون. استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالؤوا حلفاءهم وهم بنو بكر على خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ فقتلوهم معهم في الحرم أيضا فعند ذلك غزاهم رسول الله ﷺ في رمضان سنة ثمان ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريبا من ألفين، ومن استمر على كفره وفرّ من رسول الله ﷺ بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله.\n\n<span data-type='title' id=toc-664>[سورة التوبة (٩): آية ٨]</span>\n﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨)﴾\nيقول تعالى محرضا للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم ومبينا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله ﷺ، ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة. قال علي بن أبي طلحة وعكرمة والعوفي عن ابن عباس: الإلّ القرابة والذمة العهد. وكذا قال الضحاك والسدي كما قال تميم بن مقبل: [الرمل] أفسد الناس خلوف خلفوا … قطعوا الإلّ وأعراق الرّحم (^١)\nوقال حسان بن ثابت ﵁: [الطويل]\n_________\n(^١) البيت لابن مقبل في تفسير الطبري ٦/ ٣٢٦، وبلا نسبة في تفسير البحر المحيط ٥/ ٥.","vol":"4","page":101},{"text":"وجدناهم كاذبا إلّهم … وذو الإلّ والعهد لا يكذب (^١)\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ﴾، قال: الإل الله، وفي رواية لا يرقبون الله ولا غيره. وقال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن سليمان عن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] مثل قوله جبريل ميكائيل إسرافيل كأنه يقول لا يرقبون الله، والقول الأول أظهر وأشهر وعليه الأكثر. وعن مجاهد أيضا الإل العهد. وقال قتادة: الإل الحلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-665>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩ إلى ١١]</span>\n﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾\nيقول تعالى ذما للمشركين وحثا للمؤمنين على قتالهم ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي منعوا المؤمنين من اتباع الحق ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ تقدم تفسيره وكذا الآية التي بعدها ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ إلى آخرها تقدمت.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول قال رسول الله ﷺ: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا يشرك به، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راض» وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ يقول فإن خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال في آية أخرى ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ثم قال البزار: آخر الحديث عندي والله أعلم فارقها وهو عنه راض وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس.\n\n<span data-type='title' id=toc-666>[سورة التوبة (٩): آية ١٢]</span>\n﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾\nيقول تعالى وإن نكث المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم أي عهودهم ومواثيقهم ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي عابوه وانتقصوه، ومن هاهنا أخذ قتل من سب الرسول\n_________\n(^١) البيت ليس في ديوان حسان بن ثابت، وهو بلا نسبة في تفسير الطبري ٦/ ٣٢٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٢٥.","vol":"4","page":102},{"text":"صلوات الله وسلامه عليه أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص، ولهذا قال: ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال. وقد قال قتادة وغيره: أئمة الكفر كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف وعدد رجالا (^١)، وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: مر سعد بن أبي وقاص برجل من الخوارج فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر فقال سعد كذبت بل أنا قاتلت أئمة الكفر رواه ابن مردويه، وقال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال ما قوتل أهل هذه الآية بعد. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁: مثله، والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم والله أعلم.\nوقال: الوليد بن مسلم: حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر ﵁ إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قوما محوّقة رؤوسهم، فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلا منهم أحب إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول: ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-667>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٣ إلى ١٥]</span>\n﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾\nوهذا أيضا تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ [الإسراء: ٧٦] الآية، وقوله: ﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قيل المراد بذلك: يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم، فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجوههم، طلبا للقتال بغيا وتكبرا كما تقدم بسط ذلك، وقيل المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله ﷺ حتى سار إليهم رسول الله ﷺ عام الفتح وكان ما كان ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي فبيدي الأمر وما شئت كان وما لم أشأ\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٢٩.","vol":"4","page":103},{"text":"لم يكن، ثم قال عزيمة على المؤمنين وبيانا لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وهذا عام في المؤمنين كلهم، وقال مجاهد وعكرمة والسدي في هذه الآية ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني خزاعة، وأعاد الضمير في قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ عليهم أيضا.\nوقد ذكر ابن عساكر في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز ﵁ عن مسلم بن يسار عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا غضبت أخذ بأنفها وقال «يا عويش قولي اللهم رب النبي محمد اغفر ذنبي، وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن» ساقه من طريق أبي أحمد الحاكم، عن الباغندي عن هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن أبي الجوزاء عنه ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ أي من عباده ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي بما يصلح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجوز أبدا ولا يضيع مثقال ذرة من خير وشر، بل يجازي عليه في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-668>[سورة التوبة (٩): آية ١٦]</span>\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيها المؤمنون أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب ولهذا قال: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ أي بطانة ودخيلة بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر كما قال الشاعر: [الوافر] وما أدري إذا يمّمت أرضا … أريد الخير أيهما يليني (^١)\nوقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿الم أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣] وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآية، والحاصل أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بين أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان\n_________\n(^١) البيت للمثقب العبدي في ديوانه ص ٢١٢، وخزانة الأدب ١١/ ٨٠، وشرح اختيارات المفضل ص ١٢٦٧، وشرح شواهد العيني ١/ ١٩١، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ١٤٥، وخزانة الأدب ٦/ ٣٧.","vol":"4","page":104},{"text":"وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا راد لما قدّره وأمضاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-669>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]</span>\n﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾\nيقول تعالى ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ مسجد الله فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي بحالهم وقال لهم كما قال السدي: لو سألت النصراني ما دينك؟ لقال نصراني، ولو سألت اليهودي ما دينك؟ لقال يهودي، والصابئ لقال صابئ، والمشرك لقال مشرك (^١).\n﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ أي بشركهم ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد كما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا شريح، حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث، أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان». قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ورواه الترمذي (^٣) وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب به.\nوقال عبد الرحمن بن حميد في مسنده: حدثنا يونس بن محمّد حدثنا صالح المري عن ثابت البناني عن ميمون بن سياه وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إنما عمار المساجد هم أهل الله» ورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبد الواحد بن غياث عن صالح بن بشير المري عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما عمار المساجد هم أهل الله» ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح، وقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار عن أبيها عن أخيه مالك بن دينار عن أنس مرفوعا «إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم» ثم قال: غريب، وروى الحافظ البهائي في\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٣٤.\n(^٢) المسند ٣/ ٦٨، ٧٦.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩، باب ٨.","vol":"4","page":105},{"text":"المستقصى عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي، حدثنا منصور بن صقير، حدثنا صالح المري عن ثابت عن أنس مرفوعا يقول الله: وعزتي وجلالي إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت ذلك عنهم. ثم قال ابن عساكر: حديث غريب.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا روح حدثنا سعيد عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد» وقال عبد الرزاق: عن معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب محمد ﷺ وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال المسعودي: عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ولم يأت المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، رواه ابن مردويه. وقد روي مرفوعا من وجه آخر، وله شواهد من وجوه آخر ليس هذا موضع بسطها.\nوقوله: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ أي التي هي أكبر عبادات البدن ﴿وَآتَى الزَّكاةَ﴾ أي التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق، وقوله ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ أي ولم يخف إلا من الله تعالى ولم يخش سواه ﴿فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقول: من وحد الله وآمن باليوم الآخر يقول من آمن بما أنزل الله ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ يقول لم يعبد إلا الله ثم قال: ﴿فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه ﷺ: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة (^٢)، وقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀:\nوعسى من الله حق (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-670>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٩ إلى ٢٢]</span>\n﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٤٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٣٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٣٥.","vol":"4","page":106},{"text":"قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧] يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم قال ﴿بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي ﷺ فخير الله الإيمان والجهاد مع النبي ﷺ على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويحرمون به. قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئا.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي ونفك العاني، قال الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يعني أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك (^١)، وقال الضحاك بن مزاحم: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب البيت ونسقي الحاج، فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ الآية (^٢).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي: قال: نزلت في على والعباس ﵄ بما تكلما في ذلك، وقال ابن جرير (^٣): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي ﵁: ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﷿ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ الآية كلها.\nوهكذا قال السدي إلا أنه قال: افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان وذكر نحوه، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن عمرو عن الحسن قال: نزلت في علي وعباس وعثمان وشيبة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٣٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٣٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٣٧.","vol":"4","page":107},{"text":"تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا، فقال رسول الله ﷺ «أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرا» ورواه محمد بن ثور: عن معمر عن الحسن فذكر نحوه.\nوقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع فلا بد من ذكره هنا، قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النعمان بن بشير ﵁ أن رجلا قال: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم.\nفزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على النبي ﷺ فسألناه. فنزلت ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ -إلى قوله- ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ (^١).\n[طريق أخرى] قال الوليد بن مسلم حدثني معاوية بن سلام عن جده أبي سلام الأسود عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁. وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله ﷺ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال ففعل فأنزل الله ﷿ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (^٢) ورواه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن جرير وهذا لفظه، وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه.\n\n<span data-type='title' id=toc-671>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)﴾\nأمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن استحبوا أي اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك كقوله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٣٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٣٦، وأخرجه أيضا مسلم في الإمارة حديث ١١١، وأحمد في المسند ٤/ ٢٦٩، والحديث بهذا اللفظ ليس في سنن أبي داود.","vol":"4","page":108},{"text":"[المجادلة: ٢٢] الآية، وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله فأنزل الله فيه هذه الآية ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية.\nثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله فقال: ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أي اكتسبتموها وحصلتموها ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أي تحبونها لطيبها وحسنها، أي إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم ولهذا قال ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن زهرة بن معبد عن جده قال: كنا مع رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» فقال عمر فأنت الآن والله أحب إليّ من نفسي، فقال رسول الله ﷺ «الآن يا عمر» انفرد بإخراجه البخاري (^٢) فرواه عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن حيوة بن شريح عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام عن النبي ﷺ بهذا.\nوقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (^٣) وروى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (^٤) وروى الإمام أحمد (^٥) أيضا عن يزيد بن هارون عن أبي جناب عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ بنحو ذلك، وهذا شاهد للذي قبله والله أعلم.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٣٦.\n(^٢) كتاب الأيمان باب ٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٨، ومسلم في الإيمان حديث ٦٩، ٧٠.\n(^٤) أخرجه أبو داود في البيوع باب ٥٤، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢.\n(^٥) المسند ٢/ ٨٤.","vol":"4","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-672>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]</span>\n﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾\nقال ابن جريج عن مجاهد هذه أول آية نزلت من براءة يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعددهم ولا بعددهم ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله ﷺ ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلا ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي سمعت يونس يحدث عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة» (^٢) وهكذا رواه أبو داود والترمذي ثم قال هذا حديث حسن غريب جدا لا يسنده أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلا. وقد رواه ابن ماجة والبيهقي وغيره عن أكثم بن الجون عن رسول الله ﷺ بنحوه والله أعلم.\nوقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة. وذلك لما فرغ ﷺ من فتح مكة وتمهدت أمورها وأسلم عامة أهلها وأطلقهم رسول الله ﷺ فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه وأن أميرهم مالك بن عوف بن النضر، ومعه ثقيف بكمالها وبنو جشم وبنو سعد بن بكر وأوزاع (^٣) من بني هلال وهم قليل وناس من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم وجاءوا بقضهم وقضيضهم (^٤) فخرج إليهم رسول الله ﷺ في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ومعه الذين أسلموا من أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين فسار بهم إلى العدو فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم (^٥)، ورشقوا بالنبال\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٩٤، ٢٩٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٨٢، وابن ماجة في الجهاد باب ٢٥.\n(^٣) الأوزاع: الفرق من الناس.\n(^٤) جاءوا بقضهم وقضيضهم: أي بأجمعهم.\n(^٥) ثاوروهم: أي ثاوبوهم، والمثاورة: المواثبة.","vol":"4","page":110},{"text":"وأصلتوا السيوف وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين كما قال الله ﷿، وثبت رسول الله ﷺ وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحو العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها لئلا تسرع السير وهو ينوه باسمه ﵊ ويدعو المسلمين إلى الرجعة ويقول: «إليّ عباد الله إليّ أنا رسول الله» ويقول في تلك الحال:\n«أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب»\n(^١) وثبت معه من أصحابه قريب من مائة ومنهم من قال ثمانون فمنهم أبو بكر وعمر ﵄ والعباس وعلي والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن ابن أم أيمن وأسامة بن زيد وغيرهم ﵃ ثم أمر ﷺ عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته يا اصحاب الشجرة يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على أن لا يفروا عنه فجعل ينادي بهم يا أصحاب السمرة، ويقول تارة يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون يا لبيك يا لبيك، وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول الله ﷺ، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه وأرسله ورجع بنفسه إلى رسول الله ﷺ.\nفلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله ﷺ أمرهم ﵇ أن يصدقوا الحملة وأخذ قبضة من تراب بعد ما دعا ربه واستنصره، وقال «اللهم أنجز لي ما وعدتني» ثم رمى القوم بها فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينه وفمه ما يشغله عن القتال ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله ﷺ.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا يعلى بن عطاء عن عبد الله بن يسار عن أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري واسمه يزيد بن أسيد ويقال يزيد بن أنيس ويقال كرز قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حان الرواح؟ فقال: «أجل» فقال: «يا بلال» فثار من تحت سمرة كأن ظلها ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال «أسرج لي فرسي» فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر.\n_________\n(^١) الرجز لرسول الله ص في كتاب العين ٦/ ٦٥، وتهذيب اللغة ١٠/ ٦١١.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٨٦.","vol":"4","page":111},{"text":"قال فأسرج فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كمال قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله» ثم قال: «يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله» قال ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفا من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: «شاهت الوجوه» فهزمهم الله تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد، وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله ﷺ إليه فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول: «أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» فلا شيء وركبت الإبل بعضها بعضا فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس قال: «يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة» فأجابوه لبيك، لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة فاستعرض الناس فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار ثم جعلت آخرا بالخزرج وكانوا صبراء عند الحرب وأشرف رسول الله ﷺ في ركابه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: «الآن حمي الوطيس» قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله ملقون فقتل الله منهم من قتل وانهزم منهم ما انهزم وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم (^١).\nوفي الصحيحين من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵄ أن رجلا قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر إن هوازن كانوا قوما رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانهزم الناس فلقد رأيت رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول:\n«أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب» (^٢)\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٢، ٤٤٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٥٢، ومسلم في الجهاد حديث ٨٠.","vol":"4","page":112},{"text":"قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة الجري ولا تصلح لفر ولا لكر ولا لهرب وهو مع هذا أيضا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلا عليه وعلما منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به ويظهر دينه على سائر الأديان، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ أي طمأنينته وثباته على رسوله ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي الذين معه ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وهم الملائكة كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): حدثني الحسن بن عرفة قال حدثني المعتمر بن سليمان عن عوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي قال سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله ﷺ قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا قال فانهزمنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثني محمد بن أحمد بن بالويه حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا عفان بن مسلم حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الحارث بن حصيرة حدثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال ابن مسعود ﵁:\nكنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار قدمنا ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة قال: ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء يمضي قدما فحادت بغلته فمال عن السرج فقلت: ارتفع رفعك الله. قال:\n«ناولني كفا من التراب» فناولته قال: فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا قال: «أين المهاجرون والأنصار؟» قلت: هم هناك قال: «اهتف بهم» فهتفت بهم فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب وولى المشركون أدبارهم، ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عفان به نحوه.\nوقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة مولى ابن عباس عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما فقلت اليوم أدرك ثأري منه قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج فقلت: عمه ولن يخذله قال فجئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت: ابن عمه ولن يخذله فجئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ من نار\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٤٣، وفيه: حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسن بن عرفة.","vol":"4","page":113},{"text":"بيني وبينه كأنه برق فخفت أن تمحشني فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى فالتفت رسول الله ﷺ وقال: «يا شيبة يا شيبة ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان» قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري فقال: «يا شيبة قاتل الكفار» رواه البيهقي من حديث الوليد فذكره.\nثم روي من حديث أيوب بن جابر عن صدقة بن سعيد عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال:\nخرجت مع رسول الله ﷺ يوم حنين والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به ولكنني أبيت أن تظهر هوازن على قريش فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا فقال: «يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر» فضرب بيده على صدري ثم قال: «اللهم اهد شيبة» ثم ضربها الثانية ثم قال:\n«اللهم اهد شيبة» ثم ضربها الثالثة ثم قال: «اللهم اهد شيبة» قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إليّ منه وذكر تمام الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله ﷺ حتى هزم الله تعالى المشركين.\nقال محمد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم ﵁ قال إنا لمع رسول الله ﷺ يوم حنين والناس يقتتلون إذ نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن إلا هزيمة القوم فما كنا نشك أنها الملائكة (^١)، وقال سعيد بن السائب بن يسار عن أبيه قال:\nسمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول كنا نجد في أجوافنا مثل هذا (^٢)، وقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد فالله أعلم.\nوفي صحيح مسلم (^٣) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم» ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قد تاب الله على بقية هوازن فأسلموا وقدموا عليه مسلمين ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم فاختاروا سبيهم وكانوا ستة\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٤٣.\n(^٣) كتاب المساجد حديث ٥.","vol":"4","page":114},{"text":"آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم وقسم الأموال بين الغانمين ونفل أناسا من الطلقاء لكي يتألف قلوبهم على الإسلام فأعطاهم مائة من الإبل وكان من جملة من أعطى مائة مالك بن عوف النّصري واستعمله على قومه كما كان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها: [الطويل] ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … في الناس كلهم بمثل محمد (^١)\nأوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى … ومتى تشأ يخبرك عما في غد\nوإذا الكتيبة عرّدت أنيابها … بالسمهري وضرب كل مهنّد\nفكأنه ليث على أشباله … وسط المباءة خادر في مرصد\n\n<span data-type='title' id=toc-673>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)﴾\nأمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية وكان نزولها في سنة تسع ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليا صحبة أبي بكر ﵄ عامئذ وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة (^٢). وقد روي مرفوعا من وجه آخر فقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حسين حدثنا شريك عن الأشعث يعني ابن سوار عن الحسن عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:\n«لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم» تفرد به الإمام أحمد مرفوعا والموقوف أصح إسنادا.\nوقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقال عطاء: الحرم كله مسجد لقوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾.\nودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما ورد في الصحيح «المؤمن لا ينجس» (^٤) وأما\n_________\n(^١) الأبيات في سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٤٨.\n(^٣) المسند ٣/ ٣٩٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الغسل باب ٢٣، ٢٤.","vol":"4","page":115},{"text":"نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن من صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير (^١).\nوقوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال محمد بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا لتقطعن عنا الأسواق ولتهلكن التجارة وليذهبن عنا ما كنا نصيب فيها من المرافق فأنزل الله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من وجه غير ذلك ﴿إِنْ شاءَ﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ أي هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق فعوضهم الله مما قطع أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية (^٢)، وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ أي بما يصلحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ أي فيما يأمر به وينهى عنه لأنه الكامل في أفعاله وأقواله العادل في خلقه وأمره ﵎ ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذوها من أهل الذمة.\nوقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد ﷺ لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاءوا به وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه لا لأنه شرع الله ودينه، لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه فلما جاء وكفروا به وهو أشرف الرسل علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله. بل لحظوظهم وأهوائهم فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ وهذه الآية الكريمة أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا واستقامت جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى وكان ذلك في سنة تسع ولهذا تجهز رسول الله ﷺ لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم فأوعبوا معه واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ وحر وخرج رسول الله ﷺ يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك فنزل بها وأقام بها قريبا من عشرين يوما ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٤٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٤٨.","vol":"4","page":116},{"text":"وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب أو من أشبههم كالمجوس كما صح فيهم الحديث أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وقال أبو حنيفة ﵀. بل تؤخذ من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب.\nوقال الإمام مالك: بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابي ومجوسي ووثني وغير ذلك ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا والله أعلم. وقوله: ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ أي إن لم يسلموا ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي عن قهر لهم وغلبة ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ أي ذليلون حقيرون مهانون فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (^١) ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم.\nوذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: كتبت لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى من أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا نحيي منها ما كان خططا للمسلمين وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسا ولا نكتم غشا للمسلمين ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شركا ولا ندعو إليه أحدا ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه وأن نوقر المسلمين وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجز مقاديم رؤوسنا وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن نشد الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا وأن لا نرفع أصواتنا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في السلام حديث ١٤.","vol":"4","page":117},{"text":"بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين ولا نخرج شعانين ولا باعوثا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم.\nقال فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-674>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٠ إلى ٣١]</span>\n﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾\nوهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من اليهود والنصارى لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على الله تعالى فأما اليهود فقالوا في العزير: إنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم بقي العزيز يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم حتى سقطت جفون عينيه فبينما هو ذات يوم إذ مر على جبانة وإذا امرأة تبكي عند قبر وهي تقول: وا مطعماه وا كاسياه فقال لها: ويحك من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله قال: فإن الله حي لا يموت، قالت يا عزيز فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله.\nقالت: فلم تبكي عليهم؟ فعرف أنه شيء قد وعظ به ثم قيل له اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه وصل هناك ركعتين فإنك ستلقى هناك شيخا فما أطعمك فكله فذهب ففعل ما أمر به فإذا الشيخ فقال له: افتح فمك ففتح فمه فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة ثلاث مرات فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال: يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة فقالوا يا عزير ما كنت كذابا فعمد فربط على إصبع من أصابعه قلما وكتب التوراة بإصبعه كلها فلما تراجع الناس من عدوهم ورجع العلماء أخبروا بشأن عزيز فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال وقابلوها بها فوجدوا ما جاء به صحيحا فقال بعض جهلتهم: إنما صنع هذا لأنه ابن الله (^١).\nوأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذب الله سبحانه الطائفتين فقال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٥١.","vol":"4","page":118},{"text":"﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلاقهم ﴿يُضاهِؤُنَ﴾ أي يشابهون ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ قال ابن عباس: لعنهم الله ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ؟﴾ أي كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟ وقوله: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ﵁ أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فر إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه ثم منّ رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ فقدم عدي إلى المدينة وكان رئيسا في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: «بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم» وقال رسول الله ﷺ «يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ما يضرك أيضرك أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم إلها غير الله؟» ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق قال فلقد رأيت وجه استبشر ثم قال «إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» (^١).\nوهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولهذا قال تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا﴾ أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد لا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-675>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]</span>\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾\nيقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب ﴿أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ أي ما بعث به رسول الله ﷺ من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه وهذا لا سبيل إليه فكذلك ما أرسل به\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١٠.","vol":"4","page":119},{"text":"رسول الله ﷺ لا بد أن يتم ويظهر ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء والزارع كافرا لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال ﴿أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ ثم قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ فالهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع ودين الحق هي الأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة.\n﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن محمد بن أبي يعقوب سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول: صلى هذا الحي من محارب الصبح فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدى الأمانة»، وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثنا سليم بن عامر عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين يعز عزيزا ويذل ذليلا، عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر» فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل والصغار والجزية.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا الوليد بن مسلم حدثني ابن جابر سمعت سليم بن عامر قال سمعت المقداد بن الأسود يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام يعز عزيزا، ويذل ذليلا إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها».\nوفي المسند (^٥) أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي حذيفة عن عدي بن حاتم سمعه يقول دخلت على رسول الله ﷺ فقال: «يا عدي أسلم تسلم» فقلت إني من أهل دين قال: «أنا أعلم بدينك منك» فقلت أنت أعلم بديني مني؟ قال: «نعم ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟ قلت: بلى! قال: «فإن هذا لا يحل لك في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٩.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٦٦، ٣٦٧.\n(^٣) المسند ٤/ ١٠٣.\n(^٤) المسند ٦/ ٤.\n(^٥) المسند ٤/ ٢٥٧، ٣٧٧، ٣٧٨.","vol":"4","page":120},{"text":"دينك» قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: «أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب أتعرف الحيرة؟» قلت لم أرها وقد سمعت بها، قال: «فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد» قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله ﷺ قد قالها.\nوقال مسلم (^١): حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» فقلت:\nيا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله ﷿ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية، أن ذلك تام، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ﷿، ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم».\n\n<span data-type='title' id=toc-676>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾\nقال السدي: الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى (^٢) وهو كما قال فإن الأحبار هم علماء اليهود كما قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣] والرهبان عباد النصارى والقسيسون علماؤهم كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»؟ وفي رواية فارس والروم، قال: «فمن الناس إلا هؤلاء؟» (^٣) والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى:\n_________\n(^١) كتاب الفتن حديث ٥٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٥٧.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٢٥.","vol":"4","page":121},{"text":"﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورئاستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف ولهم عندهم خرج وهدايا وضرائب تجيء إليهم فلما بعث الله رسوله ﷺ استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات فأطفأها الله بنور النبوة وسلبهم إياها وعوضهم الذل والصغار وباؤوا بغضب من الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق ويلبسون الحق بالباطل ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعونه إلى الخير وليسوا كما يزعمون بل هم دعاة إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾، هؤلاء هم القسم الثالث من رؤوس الناس فإن الناس عالة على العلماء وعلى العباد وعلى أرباب الأموال فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس كما قال ابن المبارك:\nوهل أفسد الدّين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها\nوأما الكنز فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هو المال الذي لا تؤدى زكاته، وروى الثوري وغيره عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: ما أدّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز، وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفا ومرفوعا، وقال عمر بن الخطاب نحوه أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض، وروى البخاري من حديث الزهري عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهرة للأموال، وكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك نسخها قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية.\nوقال سعيد بن محمد بن زياد عن أبي أمامة أنه قال: حلية السيوف من الكنز. ما أحدثكم إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ وقال الثوري عن أبي حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة عن علي ﵁ قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة فما كان أكثر من ذلك فهو كنز (^١) وهذا غريب وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر منهما أحاديث كثيرة.\nولنورد منها هنا طرفا يدل على الباقي قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري أخبرني أبو حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة عن علي ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية. قال النبي: «تبا للذهب تبا للفضة» يقولها ثلاثا قال فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر ﵁ أنا أعلم لكم ذلك فقال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٥٨.","vol":"4","page":122},{"text":"يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ قال: «لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين أحدكم على دينه» (^١).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة عن أبي محمد جعفر حدثنا شعبة حدثني سالم بن عبد الله أخبرنا عبد الله بن أبي الهذيل حدثني صاحب لي أن رسول الله ﷺ قال «تبا للذهب والفضة» قال وحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله قولك: «تبا للذهب والفضة» ماذا ندخر؟ قال رسول الله ﷺ: «لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين على الآخرة».\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا: فأي المال نتخذ؟ قال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك فأوضع على بعير فأدركه وأنا في أثره فقال: يا رسول الله أي المال نتخذ؟ قال: «قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة» (^٤) ورواه الترمذي وابن ماجة من غير وجه عن سالم بن أبي الجعد وقال الترمذي حسن، وحكي عن البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان قلت: ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلا، والله أعلم.\nحديث آخر قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا حميد بن مالك حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي حدثنا أبي حدثنا غيلان بن جامع المحاربي عن عثمان أبي اليقظان عن جعفر بن أبي إياس عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يترك لولده مالا يبقى بعده فقال عمر: أنا أفرج عنكم فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم» قال فكبر عمر ثم قال له النبي ﷺ: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته» ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى به وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا روح حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ﵁ في سفر فنزل منزلا فقال لغلامه ائتنا بالشفرة نعبث بها فأنكرت\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٥٩.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٦٦.\n(^٣) المسند ٥/ ٢٨٢.\n(^٤) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩، باب ٩، وابن ماجة في النكاح باب ٥.\n(^٥) المسند ٤/ ١٢٣.","vol":"4","page":123},{"text":"عليه فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب».\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي يقال لهم هذا الكلام تبكيتا وتقريعا وتهكما كما في قوله ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٨ - ٤٩] أي هذا بذاك وهذا الذي كنتم تكنزون لأنفسكم ولهذا يقال من أحب شيئا وقدمه على طاعة الله عذب به وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عنهم عذبوا بها كما كان أبو لهب لعنه الله جاهدا في عداوة رسول الله ﷺ وامرأته تعينه في ذلك كانت يوم القيامة عونا على عذابه أيضا في جيدها أي عنقها حبل من مسد أي تجمع من الحطب في النار وتلقي عليه ليكون ذلك أبلغ في عذابه ممن هو أشفق عليه في الدنيا كما أن هذه الأموال كما كانت أعز الأشياء على أربابها كانت أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة فيحمى عليها في نار جهنم وناهيك بحرها فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.\nقال سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عمرو بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود:\nوالذي لا إله غيره لا يكوى عبد يكنز فيمس دينار دينارا ولا درهم درهما ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته (^١)، وقد رواه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح رفعه والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعا (^٢) يتبع صاحبه وهو يفر منه ويقول: أنا كنزك لا يدرك منه شيئا إلا أخذه (^٣).\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٤): حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان أن رسول الله ﷺ كان يقول «من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه ويقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعها سائر جسده» ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث يزيد عن سعيد به.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٦٣.\n(^٢) الشجاع، بضم الشين وكسرها: الحية.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٦٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٣٦٣.","vol":"4","page":124},{"text":"وأصل هذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، وفي صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (^١) وذكر تمام الحديث.\nوقال البخاري (^٢) في تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن حصين عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر بالربذة فقلت ما أنزلك بهذه الأرض؟. قال كنا بالشام فقرأت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ فقال معاوية ما هذه فينا ما هذه إلا في أهل الكتاب، قال: قلت إنها لفينا وفيهم.\nورواه ابن جرير (^٣) من حديث عبثر بن القاسم عن حصين عن زيد بن وهب عن أبي ذر ﵁ فذكره وزاد فارتفع في ذلك بيني وبينه القول فكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إليّ عثمان أن أقبل إليه قال فأقبلت إليه فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي: تنح قريبا قلت: والله لن أدع ما كنت أقول.\n(قلت) كان من مذهب أبي ذر ﵁ تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه ويأمرهم به ويغلظ في خلافه فنهاه معاوية فلم ينته فخشي أن يضر الناس في هذا فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأنزله بالرّبذة وحده وبها مات ﵁ في خلافة عثمان. وقد اختبره معاوية ﵁ وهو عنده هل يوافق عمله قوله فبعث إليه بألف دينار ففرقها من يومه ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب فقال ويحك إنها خرجت ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به وهكذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنها عامة وقال السدي: هي في أهل القبلة.\nوقال الأحنف بن قيس قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل قال فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا قال وأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٢٤، ٢٥.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩، باب ٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٦١.","vol":"4","page":125},{"text":"إن هؤلاء لا يعلمون شيئا (^١).\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا يمر عليّ ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين» (^٢) فهذا والله أعلم هو الذي حدا بأبي ذر على القول بهذا.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان حدثنا همام حدثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن عبد الله بن الصامت ﵁ أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية فجعلت تقضي حوائجه ففضلت معها سبعة فأمرها أن تشتري به فلوسا قال: قلت لو ادخرته لحاجة بيوتك وللضيف ينزل بك قال إن خليلي عهد إليّ أن أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ﷿. ورواه عن يزيد عن همام به وزاد إفراغا.\nوقال الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الشبلي في ترجمته عن محمد بن مهدي حدثنا عمر بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله عن طلحة بن زيد عن أبي فروة الرهاوي عن عطاء عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الق الله فقيرا، ولا تلقه غنيا» قال:\nيا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال: «ما سئلت فلا تمنع، وما رزقت فلا تخبئ» قال:\nيا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال رسول الله ﷺ: «هو ذاك وإلا فالنار» إسناده ضعيف.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا عيينة عن يزيد بن الصرم قال سمعت عليا ﵁ يقول مات رجل من أهل الصفة وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله ﷺ: «كيتان، صلوا على صاحبكم» وقد روي هذا من طرق أخر.\nوقال قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله ﷺ «كية» ثم توفي رجل في مئزره ديناران فقال رسول الله ﷺ «كيتان» (^٥) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي حدثنا معاوية بن يحيى الاطرابلسي حدثني أرطاة حدثني أبو عامر الهوزني سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلا جعل الله بكل قيراط صفحة من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه».\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمود بن خداش حدثنا سيف بن محمد الثوري حدثنا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٦٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٤.\n(^٣) المسند ٥/ ١٥٦، ١٧٥، ١٧٦.\n(^٤) المسند ١/ ١٠١، ١٣٧، ١٣٨، ٤١٢.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٥٩.","vol":"4","page":126},{"text":"الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يوضع الدينار على الدينار، ولا الدرهم على الدرهم ولكن يوسع جلده فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون» سيف هذا كذاب متروك.\n\n<span data-type='title' id=toc-677>[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]</span>\n﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسماعيل أخبرنا أيوب أخبرنا محمد بن سيرين عن أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» ثم قال «ألا أي يوم هذا؟» قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا بلى ثم قال: «أي شهر هذا؟» قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا بلى ثم قال: «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليست البلدة؟» قلنا بلى قال: «فإن دماءكم وأموالكم-وأحسبه قال-وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه» (^٢) رواه البخاري في التفسير وغيره. ومسلم من حديث أيوب عن محمد وهو ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به.\nوقد قال ابن جرير (^٣): حدثنا معمر حدثنا روح حدثنا أشعث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم:\nثلاثة متواليات-ذو القعدة وذو الحجة والمحرم-ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» ورواه البزار عن محمد بن معمر به. ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، وقد رواه ابن عون وقرة عن ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ٨، ومسلم في القسامة حديث ٢٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٦٤، ولفظه: حدثنا محمد بن معمر بدل «معمر».","vol":"4","page":127},{"text":"وقال ابن جرير (^١) أيضا: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي حدثنا زيد بن حباب حدثنا موسى بن عبيدة الربذي حدثني صدقة بن يسار عن ابن عمر قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال «أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم» وروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثله أو نحوه.\nوقال حماد بن سلمة حدثني علي بن زيد عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه وكانت له صحبة قال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال رسول الله ﷺ: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم» (^٢).\nوقال سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ قال محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. وقوله ﷺ في الحديث: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله، في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل كما قال في تحريم مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة» وهكذا قال هاهنا «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» أي الأمر اليوم شرعا كما ابتدع الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرض.\nوقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث إن المراد بقوله «قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» أنه اتفق أن حج رسول الله ﷺ في تلك السنة في ذي الحجة وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين بل أكثرها في غير ذي الحجة وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة وفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا عن النسيء وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد وهو يوم النحر عام حجة الوداع والله أعلم.\n[فصل] ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه «المشهور في أسماء الأيام والشهور» أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرا محرما، وعندي أنه سمي بذلك تأكيدا لتحريمه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٦٤.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٧٢، ٧٣.","vol":"4","page":128},{"text":"لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عاما وتحرمه عاما قال ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم، وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار يقال صفر المكان إذا خلا ويجمع على أصفار كجمل وأجمال، وشهر ربيع الأول سمّي بذلك لارتباعهم فيه والارتباع الإقامة في عمارة الربع ويجمع على أربعاء كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة كرغيف وأرغفة، وربيع الآخر كالأول. جمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه، قال وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة فلا بد من دورانها فلعلهم سموه بذلك أول ما سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر: [البسيط] وليلة من جمادى ذات أندية … لا يبصر العبد في ظلمائها الطّنبا (^١)\nلا ينبح الكلب فيها غير واحدة … حتى يلفّ على خرطومه الذنبا\nويجمع على جماديات كحبارى وحباريات وقد يذكر ويؤنث فيقال جمادى الأولى والأول جمادى الآخر والآخرة. رجب من الترجيب وهو التعظيم ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات. شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات. رمضان من شدة الرمضاء وهو الحر يقال رمضت الفصال إذا عطشت ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة قال: وقول من قال إنه اسم من أسماء الله خطأ لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه، قلت:\nقد ورد فيه حديث ولكنه ضعيف وبينته في أول كتاب الصيام. شوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق قال ويجمع على شواول وشواويل وشوالات. القعدة بفتح القاف، قلت وكسرها، لقعودهم فيه عن القتال والترحال ويجمع على ذوات القعدة. الحجة بكسر الحاء قلت وفتحها سمي بذلك لإقامتهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة.\nأسماء الأيام أولها الأحد ويجمع على آحاد وأوحاد ووجود، ثم يوم الاثنين ويجمع على أثانين، الثلاثاء يمد ويذكر ويؤنث ويجمع على ثلاثاوات وأثالث، ثم الأربعاء بالمد ويجمع على أربعاوات وأرابيع والخميس يجمع على أخمسة وأخامس ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضا ويجمع على جمع وجماعات، السبت مأخوذ من السبت وهو القطع لانتهاء العدد عنده وكانت العرب تسمي الأيام أول ثم أهون ثم جبار ثم دبار ثم مؤنس ثم العروبة ثم شيار،\n_________\n(^١) يروى البيت الأول: في ليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر الكلب من ظلمات الطّنبا وهو لمرة بن محكان في الأغاني ٣/ ٣١٨، والخصائص ٣/ ٥٢، ٢٣٧، وسر صناعة الإعراب ص ٦٢٠، وشرح التصريح ٢/ ٢٩٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٥٦٣، ولسان العرب (ندى)، والمقاصد النحوية ٤/ ٥١٠، والمقتضب ٣/ ٨١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٩٤، وشرح الأشموني ٣/ ٦٥٦، وشرح شافية ابن الحاجب ص ٣٢٩، وشرح المفصل ١٠/ ١٧، ولسان العرب (رجل)","vol":"4","page":129},{"text":"قال الشاعر من العرب العرباء العاربة المتقدمين: [الوافر] أرجّي أن أعيش وإن يومي … بأول أو بأهون أو جبار (^١)\nأو التالي دبار فإن أفته … فمؤنس أو عروبة أو شيار\nوقوله تعالى: ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فهذا مما كانت العرب أيضا في الجاهلية تحرمه وهو الذي كان عليه جمهورهم إلا طائفة منهم يقال لهم البسل كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر تعمقا وتشديدا، وأما قوله «ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم فبين ﷺ أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل أشهر الحج شهرا وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك وحرم بعده شهرا آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا.\nوقوله: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي هذا هو الشرع المستقيم من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم والحذو بها على ما سبق من كتاب الله الأول قال تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم.\nوقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: في الشهور كلها (^٢)، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله:\n﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ﴾ الآية، فلا تظلموا فيهن أنفسكم في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراما وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر\n_________\n(^١) البيت الأول لبعض شعراء الجاهلية في لسان العرب (هون)، وتاج العروس (هون)، والبيتان بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٩٧، وجمهرة اللغة ص ١٣١١، والدرر ١/ ١٠٣، ولسان العرب (عرب) (جبر)، (دبر)، (شبر)، (أنس)، (هون)، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٦٧، وهمع الهوامع ١/ ٣٧، ويروى «أؤمّل» بدل «أرجّي».\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٦٦.","vol":"4","page":130},{"text":"أعظم (^١).\nوقال قتادة في قوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال إن الله اصطفى صفايا من خلقه. اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد. واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله. فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل (^٢).\nوقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد ابن الحنفية بأن لا تحرموهن كحرمتهن وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما كما فعل أهل الشرك فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وهذا القول اختيار ابن جرير (^٣).\nوقوله: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أي جميعكم ﴿كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أي جميعهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين [أحدهما] وهو الأشهر أنه منسوخ لأنه تعالى قال هاهنا ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وأمر بقتال المشركين، وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرا عاما ولو كان محرما في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها ولأن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن في شوال فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فلهم لجئوا إلى الطائف فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما وانصرف ولم يفتتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام والقول الآخر أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ [المائدة: ٢] وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١٩٤] الآية، وقال ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] الآية.\nوقد تقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة لا أشهر التسيير على أحد القولين. وأما قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف ويكون من باب التهييج والتحضيض أي كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٦٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٦٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٦٦.","vol":"4","page":131},{"text":"أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يفعلون، ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم كما قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] الآية.\nوهكذا الجواب عن حصار رسول الله ﷺ أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال وجمعوا الرجال ودعوا إلى الحرب والنزال فعندها قصدهم رسول الله ﷺ كما تقدم فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبا من أربعين يوما، وكان ابتداؤه في شهر حلال ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أياما ثم قفل عنهم لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة والله أعلم، ولنذكر الأحاديث الواردة في ذلك وقد حررنا ذلك في السيرة والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-678>[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]</span>\n﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)﴾\nهذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أو طارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة كما قال شاعرهم وهو عمير بن قيس المعروف بجذل الطعان: [الوافر] لقد علمت معدّ بأن قومي … كرام الناس إن لهم كراما (^١)\nألسنا الناسئين على معدّ … شهور الحل نجعلها حراما\nفأي الناس لم ندرك بوتر … وأي الناس لم نعلك لجاما\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قال النسيء أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام وكان يكنى أبا ثمامة فينادي ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب ألا وإن صفر العام الأول العام حلال فيحله للناس\n_________\n(^١) الأبيات في سيرة ابن هشام ١/ ٤٥، والبيت الثاني لعمير الطعان في لسان العرب (نسأ)، وتهذيب اللغة ١٣/ ٨٣، وتاج العروس (نسأ)، ومعجم الشعراء ص ٢٤٣، وبلا نسبة في تاج العروس (قلمس)","vol":"4","page":132},{"text":"فيحرم صفرا عاما ويحرم المحرم عاما فذلك قول الله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ يقول:\nيتركون المحرم عاما وعاما يحرمونه (^١).\nوروى العوفي عن ابن عباس نحوه، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول: يا أيها الناس: إني لا أعاب ولا أجاب ولا مرد لما أقول، إنا قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته ويقول إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ قال يعني الأربعة فيحلوا ما حرم الله لتأخير هذا الشهر الحرام (^٢)، وروي عن أبي وائل والضحاك وقتادة نحو هذا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية قال هذا رجل من بني كنانة يقال له القلمس وكان في الجاهلية وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده، فلما كان هو قال اخرجوا بنا قالوا له هذا المحرم قال ننسئه العام هما العام صفران، فإذا كان العام القابل قضينا جعلناهما محرمين، قال ففعل ذلك فلما كان عام قابل قال لا تغزوا في صفر حرموه مع المحرم هما محرمان (^٣)، فهذه صفة غريبة في النسيء وفيها نظر لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر فأين هذا من قوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾.\nوقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضا فقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، قال فرض الله ﷿ الحج في ذي الحجة، قال وكان المشركون يسمون ذا الحجة المحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة يحجون فيه مرة ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه ثم يعودون فيسمون صفرا، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون شوالا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة فيحجون فيه واسمه عندهم ذا الحجة. ثم عادوا بمثل هذه الصفة فكانوا يحجون في كل عام شهرين حتى إذا وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي ﷺ حجته التي حج فوافق ذا الحجة فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» (^٤) وهذا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٦٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٧٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٧١.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٣٧٠، ٣٧١.","vol":"4","page":133},{"text":"الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضا وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة وأنى هذا؟.\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] الآية وإنما نودي به في حجة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره من دوران السنة عليهم وحجهم في كل شهر عامين فإن النسيء حاصل بدون هذا فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عاما يحرمون عوضه صفرا وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها ثم في السنة الثانية يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه وبعده صفر وربيع وربيع إلى آخرها ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي في تحريم أربعة أشهر من السنة إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم وتارة ينسئونه إلى صفر أي يؤخرونه وقد قدمنا الكلام على قوله ﷺ: «إن الزمان قد استدار» الحديث أي إن الأمر في عدة الشهور وتحريم ما هو محرم منها على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي لا كما تعتمده جهلة العرب من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض والله أعلم وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله ﷺ بالعقبة فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: «وإنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما» فكانوا يحرمون المحرم عاما ويستحلون صفر ويستحلون المحرم هو النسيء.\nوقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب السيرة كلاما جيدا مفيدا حسنا فقال:\nكان أول من نسأ الشهور على العرب فأحل منها ما حرم الله وحرم منها ما أحل الله ﷿ القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان: ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد ثم ابنه أمية بن قلع ثم ابنه عوف بن أمية ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فقام فيهم خطيبا فحرم رجبا وذا القعدة وذا الحجة ويحل المحرم عاما ويجعل مكانه صفر ويحرمه ليواطئ عدة ما حرم الله فيحل ما حرم الله يعني ويحرم ما أحل الله (^١). والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٤٤.","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-679>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾\nهذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارّة القيظ فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله ﴿اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي ما لكم فعلتم هكذا أرضى منكم بالدنيا بدلا من الآخرة؟ ثم زهد ﵎ في الدنيا، ورغب في الآخرة فقال ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ كما قال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم ترجع؟» وأشار بالسبابة انفرد بإخراجه مسلم (^٢).\nوروى ابن أبي حاتم حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص حدثنا الربيع بن روح حدثنا محمد بن خالد الوهبي حدثنا زياد يعني الجصاص عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبي الله ﷺ يقول «إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة» قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة» ثم تلا هذه الآية ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل. وقال الثوري عن الأعمش في الآية ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ قال: كزاد الراكب.\nوقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة. قال:\nائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول أف لك من دار إن كان كثيرك لقليل، وإن كان قليلك لقصير، وإن كنا منك لفي غرور. ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال:\n﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: استنفر رسول الله ﷺ حيا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم (^٣).\n﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي لنصرة نبيه وإقامة دينه كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ﴾\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٢٨، ٢٢٩.\n(^٢) كتاب الجنة حديث ٥٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٧٣.","vol":"4","page":135},{"text":"﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد، ونكولكم وتثاقلكم عنه ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم، وقد قيل إن هذه الآية وقوله: ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقوله:\n﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] إنهن منسوخات بقوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] روي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن، وزيد بن أسلم ورده ابن جرير وقال:\nإنما هذا فيمن دعاهم رسول الله ﷺ إلى الجهاد فتعين عليهم ذلك فلو تركوه لعوقبوا عليه وهذا له اتجاه والله ﷾ أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-680>[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]</span>\n﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾ أي تنصروا رسوله فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى نصره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي عام الهجرة لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه فخرج منهم هاربا بصحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم يسيروا نحو المدينة فجعل أبو بكر ﵁ يجزع أن يطلع عليهم أحد فيخلص إلى رسول الله ﷺ منهم أذى فجعل النبي ﷺ يسكنه ويثبته ويقول: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما».\nكما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان حدثنا همام أنبأنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال:\nفقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (^٢) أخرجاه في الصحيحين، ولهذا قال تعالى:\n﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي تأييده ونصره عليه أي على الرسول ﷺ في أشهر القولين وقيل على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره قالوا: لأن الرسول ﷺ لم تزل معه سكينة وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ولهذا قال: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ أي الملائكة ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ قال ابن عباس يعني بكلمة الذين كفروا الشرك وكلمة الله هي لا إله إلا الله.\nوفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١١.","vol":"4","page":136},{"text":"الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (^١) وقوله: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ أي في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله.\n\n<span data-type='title' id=toc-681>[سورة التوبة (٩): آية ٤١]</span>\n﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾\nقال سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى مسلم بن صبيح: هذه الآية ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ أول ما نزل من سورة براءة (^٢) وقال معتمر بن سليمان عن أبيه قال: زعم حضرمي أنه ذكر له أن ناسا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلا وكبيرا فيقول: إني لا آثم فأنزل الله ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ الآية (^٣).\nأمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾.\nوقال علي بن زيد عن أنس عن أبي طلحة: كهولا وشبابا ما سمع الله عذر أحد ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل وفي رواية قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فقال أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا جهزوني يا بني، فقال بنوه يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها.\nوهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح والحسن البصري وسهيل بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم أنهم قالوا في تفسير هذه الآية ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ كهولا وشبانا وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن حيان وغير واحد، وقال مجاهد شبانا وشيوخا وأغنياء ومساكين وكذا قال أبو صالح وغيره وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ يقول انفروا نشاطا وغير نشاط، وكذا قال قتادة وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ قالوا فإن فينا الثقيل، وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره فأنزل الله وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا ﴿خِفافًا وَثِقالًا﴾ أي على ما كان منهم وقال الحسن بن أبي الحسن البصري أيضا في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العلم باب ٤٥، ومسلم في الإمارة حديث ١٥٠، ١٥١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٧٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٧٨.","vol":"4","page":137},{"text":"العسر واليسر وهذا كله من مقتضيات العموم في الآية وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس إليها خفافا وركبانا وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافا وثقالا وركبانا ومشاة وهذا تفصيل في المسألة وقد روي عن ابن عباس ومحمد بن كعب وعطاء الخراساني وغيرهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله، وقال السدي قوله: ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ يقول غنيا وفقيرا وقويا وضعيفا فجاءه رجل يومئذ زعموا أنه المقداد وكان عظيما سمينا فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى فنزلت يومئذ ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس فنسخها الله فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا أيوب عن محمد قال شهد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ بدرا ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاما واحدا قال وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا. وقال ابن جرير (^٢): حدثني سعيد بن عمرو السكوني حدثنا بقية حدثنا جرير حدثني عبد الرحمن بن ميسرة حدثني أبو راشد الحبراني قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله ﷺ جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص وقد فصل عنها من عظمه يريد الغزو فقلت: له قد أعذر الله إليك فقال: أتت علينا سورة البعوث (^٣) ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني حبان بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليا على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرا همّا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار فأقبلت إليه فقلت يا عم لقد أعذر الله إليك قال فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا ألا إنه من يحبه الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله ﷿.\nثم رغب تعالى في النفقة في سبيله وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله فقال:\n﴿وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي هذا خير لكم في الدنيا والآخرة لأنكم تغرمون في النفقة قليلا فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة كما قال النبي ﷺ: «تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٧٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٧٨.\n(^٣) قال الأستاذ شاكر في حاشية تفسير الطبري ٦/ ٣٧٨: لم أجد من سمى سورة التوبة سورة البعوث، بل أجمعوا على تسميتها سورة البحوث، سميت بها لما تضمنت من البحث في أسرار المنافقين.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٣٧٧.","vol":"4","page":138},{"text":"أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة» (^١) ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال لرجل: «أسلم» قال: أجدني كارها قال: «أسلم وإن كنت كارها».\n\n<span data-type='title' id=toc-682>[سورة التوبة (٩): آية ٤٢]</span>\n﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢)﴾\nيقول تعالى موبخا للذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك وقعدوا بعد ما استأذنوه في ذلك مظهرين أنهم ذوو أعذار ولم يكونوا كذلك فقال: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قال ابن عباس:\nغنيمة قريبة ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ أي قريبا أيضا ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ أي لكانوا جاءوا معك لذلك ﴿وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي المسافة إلى الشام ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ أي لكم إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ أي لو لم يكن لنا أعذار لخرجنا معكم قال الله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-683>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]</span>\n﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَاِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو حصين بن سليمان الرازي حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة فقال ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ وكذا قال مورق العجلي وغيره. وقال قتادة: عاتبه كما تسمعون ثم أنزل التي في سورة النور فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] الآية (^٣). وكذا روي عن عطاء الخراساني، وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله ﷺ فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٨، ٣٠، ومسلم في الإمارة حديث ١٠٤، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣١، ٣٧٤، ٣٩٩، ٤٢٤، ٤٩٤.\n(^٢) المسند ٣/ ١٠٩، ١٨١.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٨١.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٣٨١.","vol":"4","page":139},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي في إبداء الأعذار ﴿وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ يقول تعالى هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو وإن لم تأذن لهم فيه.\nولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله فقال: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي في القعود عن الغزو ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ لأنهم يرون الجهاد قربة ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي في القعود ممن لا عذر له ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم ﴿وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي شكت في صحة ما جئتهم به ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي يتحيرون يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى وليست لهم قدم ثابتة في شيء فهم قوم حيارى هلكى لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-684>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٤٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ﴾ أي معك إلى الغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أي لكانوا تأهبوا له ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أي أبغض أن يخرجوا معكم قدرا ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي أخرهم ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ أي قدرا ثم بين تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا﴾ أي لأنهم جبناء مخذولون ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة.\n﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير: ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم، وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم بل هذا عام في جميع الأحوال والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين.\nوقال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي ابن سلول والجد بن قيس وكانوا أشرافا في قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ (^١).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٨٤.","vol":"4","page":140},{"text":"ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ فأخبر بأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨] والآيات في هذا كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-685>[سورة التوبة (٩): آية ٤٨]</span>\n﴿لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨)﴾\nيقول تعالى محرضا لنبيه ﵇ على المنافقين: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي لقد أعملوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخذلان دينك وإخماده مدة طويلة، وذلك أول مقدم النبي ﷺ المدينة رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته قال عبد الله بن أبي وأصحابه:\nهذا أمر قد توجه فدخلوا في الإسلام ظاهرا ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم ولهذا قال تعالى: ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-686>[سورة التوبة (٩): آية ٤٩]</span>\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)﴾\nيقول تعالى ومن المنافقين من يقول لك: يا محمد ﴿اِئْذَنْ لِي﴾ في القعود ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ بالخروج معك بسبب الجواري من نساء الروم. قال الله تعالى: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي قد سقطوا في الفتنة بقولهم هذا كما قال محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة وغيرهم قالوا: قال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس أخي بني سلمة: «هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟» فقال:\nيا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال:\n«قد أذنت لك» ففي الجد بن قيس نزلت هذه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ الآية، أي إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن","vol":"4","page":141},{"text":"رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم (^١).\nوهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنها نزلت في الجد بن قيس، وقد كان الجد بن قيس هذا من أشراف بني سلمة. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لهم: «من سيدكم يا بني سلمة؟» قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله. فقال رسول الله ﷺ «وأي داء أدوأ من البخل! ولكن سيدكم الفتى الجعد الأبيض بشر بن البراء بن معرور» وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ أي لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب.\n\n<span data-type='title' id=toc-687>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٠ إلى ٥١]</span>\n﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾\nيعلم ﵎ نبيه ﷺ بعداوة هؤلاء له لأنه مهما أصابه من حسنة أي فتح ونصر وظفر على الأعداء مما يسره ويسر أصحابه ساءهم ذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي قد احترزنا من متابعته من قبل هذا ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ فأرشد الله تعالى رسول الله ﷺ إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة فقال: ﴿قُلْ﴾ أي لهم ﴿لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ أي نحن تحت مشيئته وقدره ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أي سيدنا وملجؤنا ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي ونحن متوكلون عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-688>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]</span>\n﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ أي تنتظرون بنا ﴿إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ شهادة أو ظفر بكم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أي ننتظر بكم ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا﴾ أي ننتظر بكم هذا أو هذا إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا﴾ بسبي أو بقتل ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي مهما أنفقتم من نفقة طائعين أو مكرهين ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾.\nثم أخبر تعالى عن سبب ذلك وهو أنهم لا يتقبل منهم لأنهم ﴿كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أي والأعمال إنما تصح بالإيمان ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى﴾ أي ليس لهم قصد صحيح\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٨٧.","vol":"4","page":142},{"text":"ولا همة في العمل ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾ نفقة ﴿إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أن الله لا يمل حتى تملوا وأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملا لأنه إنما يتقبل من المتقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-689>[سورة التوبة (٩): آية ٥٥]</span>\n﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [طه:١٣١] وقال ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].\nوقوله ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ قال الحسن البصري بزكاتها والنفقة منها في سبيل الله (^١)، وقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة (^٢). واختار ابن جرير قول الحسن، وهو القول القوي الحسن، وقوله ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ أي ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم. عياذا بالله من ذلك وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-690>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]</span>\n﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾\nيخبر الله تعالى نبيه ﷺ عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ يمينا مؤكدة ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾ أي في نفس الأمر ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي فهو الذي حملهم على الحلف ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أي حصنا يتحصنون به وحرزا يتحرزون به ﴿أَوْ مَغاراتٍ﴾ وهي التي في الجبال ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ وهو السرب في الأرض والنفق قال ذلك في الثلاثة ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي يسرعون في ذهابهم عنكم لأنهم إنما يخالطونكم كرها لا محبة وودوا أنهم لا يخالطونكم ولكن للضرورة أحكام ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة، فلهذا كلما سر المسلمون ساءهم ذلك فهم يودون أن لا يخالطوا المؤمنين ولهذا قال ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٣٩١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٩١.","vol":"4","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-691>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]</span>\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ (٥٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي ومن المنافقين ﴿مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ أي يعيب عليك ﴿فِي﴾ قسم ﴿الصَّدَقاتِ﴾ إذا فرقتها ويتهمك في ذلك وهم المتهمون المأبونون وهم مع هذا لا ينكرون للدين وإنما ينكرون لحظ أنفسهم ولهذا ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ أي يغضبون لأنفسهم، قال ابن جريج: أخبرني داود بن أبي عاصم قال أتى النبي ﷺ بصدقة قسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت قال ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية (^١).\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي ﷺ وهو يقسم ذهبا وفضة فقال يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت فقال نبي الله ﷺ: «ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟» ثم قال نبي الله: «احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم» وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن» (^٢).\nوهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة واسمه حرقوص لما اعترض على النبي ﷺ حين قسم غنائم حنين فقال له: اعدل فإنك لم تعدل فقال: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» ثم قال رسول الله ﷺ وقد رآه مقفيا: «إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء» (^٣) وذكر بقية الحديث.\nثم قال تعالى منبها لهم على ما هو خير لهم من ذلك فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ فتضمنت هذه الآية الكريمة أدبا عظيما وسرا شريفا حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله والتوكل على الله وحده وهو قوله: ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ﴾، وكذلك الرغبة إلى الله وحده في التوفيق لطاعة الرسول ﷺ\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٣٩٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٩٣، ٣٩٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١٤٨.","vol":"4","page":144},{"text":"وامتثال أوامره وترك زواجره وتصديق أخباره والاقتفاء بآثاره.\n\n<span data-type='title' id=toc-692>[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]</span>\n﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾\nلما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسم الصدقات بين تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين كما رواه الإمام أبو داود (^١) في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وفيه ضعف عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال:\nأتيت النبي ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية هل يجب استيعاب الدفع لها أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين [أحدهما] أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة.\n[والثاني] أنه لا يجب استيعابها بل يجوز الدفع إلى واحد منها ويعطي جميع الصدقة مع وجود الباقين وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران، قال ابن جرير: وهو قول جماعة عامة من أهل العلم، وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف هاهنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء.\nولوجوه الحجاج والمآخذ مكان غير هذا والله أعلم، وإنما قدم الفقراء هاهنا على البقية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدة فاقتهم وحاجتهم، وعند أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالا من الفقير وهو كما قال أحمد.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب حدثنا ابن علية أنبأنا ابن عون عن محمد قال: قال عمر ﵁: الفقير ليس بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق الكسب قال ابن علية:\nالأخلق المحارف عندنا، والجمهور على خلافه وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وابن زيد. واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس.\nوقال قتادة: الفقير من به زمانة والمسكين الصحيح الجسم (^٣) وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم هم فقراء المهاجرين، قال سفيان الثوري يعني ولا يعطى الأعراب منها شيئا وكذا روي عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى. وقال عكرمة: لا تقولوا لفقراء المسلمين\n_________\n(^١) كتاب الزكاة باب ٢٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٣٩٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٩٥.","vol":"4","page":145},{"text":"مساكين إنما المساكين أهل الكتاب ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية.\nفأما الفقراء فعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» (^١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، ولأحمد أيضا والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة مثله وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين فقال: «إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (^٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد قوي.\nوقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: أبو بكر العبسي قال قرأ عمر ﵁ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ قال: هم أهل الكتاب روى عنه عمر بن نافع سمعت أبي يقول ذلك (قلت) وهذا قول غريب جدا بتقدير صحة الإسناد فإن أبا بكر هذا وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته لكنه في حكم المجهول.\nوأما المساكين فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان قالوا فمن المسكين يا رسول الله؟ قال «الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا» (^٣) رواه الشيخان.\nوأما العاملون عليها فهم الجباة والسعاة يستحقون منه قسطا على ذلك ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» (^٤). وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام منهم من يعطى ليسلم، كما أعطى النبي ﷺ صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركا، قال: فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إلي بعد أن كان أبغض الناس إلي، كما قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي أنبأنا ابن المبارك، عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٢٤، والترمذي في الزكاة باب ٢٣، والنسائي في الزكاة باب ٩٠، وابن ماجة في الزكاة باب ٢٦، والدارمي في الزكاة باب ١٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٤، ٢٩٢، ٣٧٧، ٣٨٩، ٤/ ٦٢، ٥/ ٣٧٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٢٤، والنسائي في الزكاة باب ٩١، وأحمد في المسند ٤/ ٢٢٤، ٥/ ٣٦٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٥٣، ومسلم في الزكاة حديث ١٠١.\n(^٤) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١٦٧، ١٦٨.","vol":"4","page":146},{"text":"إلي (^١)، ورواه مسلم والترمذي من حديث يونس عن الزهري به.\nومنهم من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حنين أيضا جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل، وقال «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم» (^٢). وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن عليا بعث إلى النبي ﷺ بذهبية في تربتها من اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير، وقال «أتألفهم» (^٣) ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه، ومنهم من يعطى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، ومحل تفصيل هذا في كتب الفروع، والله أعلم.\nوهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي ﷺ؟ فيه خلاف، فروي عن عمر وعامر والشعبي وجماعة: أنهم لا يعطون بعده لأن الله قد أعز الإسلام وأهله ومكن لهم في البلاد، وأذل لهم رقاب العباد، وقال آخرون: بل يعطون لأنه ﵊ قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم. وأما الرقاب فروي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد أنهم المكاتبون، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه، وهو قول الشافعي والليث ﵄.\nوقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق، أي أن الرقاب أعم من أن يعطي المكاتب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالا، وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضوا من معتقها حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل ﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (^٤) رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود.\nوفي المسند عن البراء بن عازب قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟ فقال: «أعتق النسمة وفك الرقبة» فقال: يا رسول الله أوليسا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الفضائل حديث ٥٩، والترمذي في الزكاة باب ٣٠، وأحمد في المسند ٣/ ٤٠١، ٤٠٨، ٦/ ٤٦٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٥٣، ومسلم في الزكاة حديث ١٣١.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٦، ومسلم في الزكاة حديث ١٣٢، ١٣٣، ١٤٣ ..\n(^٤) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب ٢٠، والنسائي في النكاح باب ٥، وابن ماجة في العتق باب ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥١، ٤٣٧.","vol":"4","page":147},{"text":"واحدا؟ قال: «لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها» (^١).\nوأما الغارمون فهم أقسام فمنهم: من تحمل حمالة أو ضمن دينا فلزمه فأجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب فهؤلاء يدفع إليهم، والأصل في هذا الباب حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» قال: ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة:\nرجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة (^٢) اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (^٣) -أو قال سدادا من عيش (^٤) -ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قرابة قومه فيقولون لقد أصابت فلانا فاقة (^٥) فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش-أو قال سدادا من عيش-فما سواهن من المسألة سحت (^٦) يأكلها صاحبها سحتا» رواه مسلم (^٧).\nوعن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي ﷺ: «تصدقوا عليه» فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» رواه مسلم (^٨).\nوقال الإمام أحمد (^٩): حدثنا عبد الصمد، أنبأنا صدقة بن موسى عن أبي عمران الجوني عن قيس بن يزيد عن قاضي المصرين (^١٠) عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ: «يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة. فيقول الله صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته» وأما في سبيل الله فمنهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق والحج من سبيل الله الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٩٩.\n(^٢) الجائحة: كل مصيبة عظيمة، والآفة التي تهلك الثمار والأموال.\n(^٣) قوام من عيش: أي يجد ما تقوم به حاجته.\n(^٤) سداد من عيش: ما يسد به حاجته.\n(^٥) أي: حتى يقوموا على رؤوس الأشهاد قائلين: إن فلانا أصابته فاقة. وذوو الحجا: أي ذوو العقل.\n(^٦) السحت: الحرام.\n(^٧) كتاب الزكاة ١٠٩.\n(^٨) كتاب المساقاة حديث ١٩.\n(^٩) المسند ١/ ١٩٧، ١٩٨.\n(^١٠) قاضي المصرين: هو شريج. والمصران هما البصرة والكوفة.","vol":"4","page":148},{"text":"وكذلك ابن السبيل وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه. والدليل على ذلك الآية وما رواه الإمام أبو داود وابن ماجة من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني» (^١) وقد رواه السفيانان عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا، ولأبي داود عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل أو جار فقير فيهدي لك أو يدعوك» (^٢) وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به، لا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-693>[سورة التوبة (٩): آية ٦١]</span>\n﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾\nيقول تعالى ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله ﷺ بالكلام فيه، ويقولون ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أي من قال له شيئا صدقه فينا ومن حدثه صدقه، فإذا جئناه وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي هو أذن خير يعرف الصادق من الكاذب ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ويصدق المؤمنين ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أي وهو حجة على الكافرين ولهذا قال ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-694>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]</span>\n﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾\nقال قتادة في قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية. قال ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا وإن كان ما يقول محمد حقا، لهم شر من الحمير. قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار، قال: فسعى بها الرجل إلى النبي ﷺ فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال «ما حملك على الذي قلت؟» فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الله الآية (^٣). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٢٥، وابن ماجة في الزكاة باب ٢٧، ومالك في الزكاة حديث ٢٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٢٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٠٧.","vol":"4","page":149},{"text":"﴿مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، أي ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد الله ﷿ أي شاقه وحاربه وخالفه، وكان في حد والله ورسوله في حد ﴿فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ أي مهانا معذبا، و﴿ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أي وهذا هو الذل العظيم والشقاء الكبير.\n\n<span data-type='title' id=toc-695>[سورة التوبة (٩): آية ٦٤]</span>\n﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اِسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾\nقال مجاهد: يقولون القول بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا هذا، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨]، وقال في هذه الآية:\n﴿قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ أي إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به ويبين له أمركم، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٢٩ - ٣٠] الآية، ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة الفاضحة فاضحة المنافقين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-696>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]</span>\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾\nقال أبو معشر المديني: عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين:\nما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: ﴿أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ -إلى قوله- ﴿كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ وهو متعلق بنسعة رسول الله ﷺ (^٢).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال:\nقال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر أنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة، وهو يقول يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله ﷺ\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٠٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٠٩، ٤١٠.","vol":"4","page":150},{"text":"يقول: ﴿أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ الآية (^١). وقد رواه الليث عن هشام بن سعيد بنحو من هذا.\nوقال ابن إسحاق وقد كان من جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير، يسيرون مع رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر (^٢) كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشي بن حمير: والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وإننا نغلب أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله ﷺ فيما بلغني لعمار بن ياسر «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا» فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشي بن حمير فتسمي عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر (^٣).\nوقال قتادة ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ قال: فبينما النبي ﷺ في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فقال عليّ بهؤلاء النفر فدعاهم فقال «قلتم كذا وكذا» فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب (^٤). وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت.\nقال: فأصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره (^٥). وقوله:\n﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ أي بهذا المقال الذي استهزأتم به ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ أي لا يعفى عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٤٠٩.\n(^٢) بنو الأصفر: هم الروم.\n(^٣) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٤، ٥٢٥.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٤٠٩.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٠٩.","vol":"4","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-697>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]</span>\n﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾\nيقول تعالى منكرا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي عن الإنفاق في سبيل الله، ﴿نَسُوا اللهَ﴾ أي نسوا ذكر الله ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طريق الحق الداخلون في طريق الضلالة، وقوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ أي على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها مخلدين هم والكفار ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي كفايتهم في العذاب ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أي طردهم وأبعدهم ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-698>[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]</span>\n﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩)﴾\nيقول تعالى أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم، وقوله ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قال الحسن البصري: بدينهم (^١)، وقوله ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ أي في الكذب والباطل ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ أي بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب. قال ابن جريج عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال: «والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه» (^٢).\nقال ابن جريج: وأخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زياد بن مهاجر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤١٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤١٣.","vol":"4","page":152},{"text":"قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال «فمن؟» (^١) وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: فذكره، وزاد قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال أبو هريرة: الخلاق الدين ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال «فهل الناس إلا هم؟» (^٢) وهذا الحديث له شاهد في الصحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-699>[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]</span>\n﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾\nيقول تعالى واعظا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح ﵇، ﴿وَعادٍ﴾ كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هودا ﵇، ﴿وَثَمُودَ﴾ كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحا ﵇ وعقروا الناقة، ﴿وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ﴾ كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله.\n﴿وَأَصْحابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب ﵇ وكيف أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة، ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ قوم لوط وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم: ٥٣] أي الأمة المؤتفكة وقيل أم قراهم، وهي سدوم، والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوط ﵇ وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالحجج والدلائل القاطعات، ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي بإهلاكه إياهم لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار.\n\n<span data-type='title' id=toc-700>[سورة التوبة (٩): آية ٧١]</span>\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾\nلما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال:\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (^٣) وشبك بين أصابعه، وفي الصحيح أيضا «مثل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٤١٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤١٢، ٤١٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٨٨، ومسلم في البر حديث ٦٥.","vol":"4","page":153},{"text":"المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (^١) وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآية.\nوقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي فيما أمر وترك ما عنه زجر ﴿أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ أي عز من أطاعه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله ﵎.\n\n<span data-type='title' id=toc-701>[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]</span>\n﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾\nيخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبدا ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (^٢) وبه قال، قال رسول الله ﷺ: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا في السماء! للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضا» (^٣) أخرجاه في الصحيحين.\nوفيهما أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، فإن حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو حبس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» (^٤) وعند الطبراني والترمذي وابن ماجة من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٢٧، ومسلم في البر حديث ٦٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٥، باب ١، ٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٥، باب ٢، ومسلم في الجنة حديث ٢٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٢، والترمذي في الجنة باب ٤، والنسائي في الجهاد باب ١٨، وأحمد في المسند ٢/ ٣٣٥، ٣٣٩.","vol":"4","page":154},{"text":"﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكر مثله.\nوللترمذي عن عبادة بن الصامت مثله. وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهل الجنة ليتراؤون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء» (^١) أخرجاه في الصحيحين، ثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له الوسيلة لقربه من العرش وهو مسكن رسول الله ﷺ من الجنة، كما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صليتم عليّ فسلوا الله لي الوسيلة» قيل يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال «أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو».\nوفي صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة: عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة» (^٣) وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» رواه الطبراني. وفي مسند الإمام أحمد (^٤) من حديث سعد بن مجاهد الطائي عن أبي المدله عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: «لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران. من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» وروي عن ابن عمر مرفوعا نحوه، وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها» فقام أعرابي فقال:\nيا رسول الله لمن هي؟ فقال: «لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (^٥) ثم قال: حديث غريب ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري كل منهما عن النبي ﷺ بنحوه، وكل من الإسنادين جيد وحسن، وعنده أن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجنة باب ١٩.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٦٥.\n(^٣) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١١.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٠٤، ٣٠٥.\n(^٥) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٣.","vol":"4","page":155},{"text":"السائل هو أبو مالك الأشعري، فالله أعلم.\nوعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة. وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: «قولوا إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله، رواه ابن ماجة (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم، كما قال الإمام مالك ﵀ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (^٢) أخرجاه من حديث مالك.\nوقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل الرجائي، حدثنا الفريابي عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﷿ هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر» ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة: هذا عندي على شرط الصحيح، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-702>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)﴾\nأمر تعالى رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة، وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف: سيف للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وسيف لكفار أهل الكتاب ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ﴾\n_________\n(^١) كتاب الزهد باب ٣٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٥١، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢، والجنة حديث ٩.","vol":"4","page":156},{"text":"﴿الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وسيف للمنافقين ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وسيف للبغاة ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩] وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير (^١).\nوقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ قال: بيده فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه (^٢). وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم (^٣)، وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم (^٤)، وعن مقاتل والربيع مثله، وقال الحسن وقتادة مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم، وقد يقال إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال، والله أعلم.\nوقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ قال قتادة:\nنزلت في عبد الله بن أبي وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار ألا تنصروا أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية (^٥).\nوروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي فكتب إلي زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله يقول: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار» وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار قال ابن الفضل: فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال: هو الذي يقول له رسول الله ﷺ: «أوفى الله له بإذنه» قال:\nوذلك حين سمع رجلا من المنافقين يقول ورسول الله ﷺ يخطب: لئن كان صادقا فنحن شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق ولأنت شر من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجحده القائل فأنزل الله هذه الآية تصديقا لزيد، يعني قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٤١٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤١٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٤٢٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٤٢٠.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٤٢٢.","vol":"4","page":157},{"text":"الآية، رواه البخاري (^١) في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة-إلى قوله-هذا الذي أوفى الله له بإذنه، ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بإسناده: ثم قال قال ابن شهاب فذكر ما بعده عن موسى عن ابن شهاب.\nوالمشهور في هذه القصة أنه كانت في غزوة بني المصطلق فلعل الراوي وهم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها، والله أعلم. قال الأموي في مغازيه: حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده قال: لما قدم رسول الله ﷺ أخذني قومي فقالوا: إنك امرؤ شاعر فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله ﷺ ببعض العلة ثم يكون ذنبا تستغفر الله منه، وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي ﷺ الجلاس بن سويد بن الصامت، وكان على أم عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقا فيما يقول لنحن شر من الحمير؟ فسمعها عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ وأحسنهم بلاء عندي وأعزهم عليّ أن يصله شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليّ من الأخرى، فمشى إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما قال الجلاس، فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى أتى النبي ﷺ فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد ولقد كذب علي، فأنزل الله ﷿ فيه ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فوقفه رسول الله ﷺ عليها فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ونزع فأحسن النزوع.\nهكذا جاء هذا مدرجا (^٢) في الحديث متصلا به وكأنه والله أعلم من كلام ابن إسحاق نفسه لا من كلام كعب بن مالك.\nوقال عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها، فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت فأتيت النبي ﷺ وخفت أن ينزل فيّ القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته، فقلت:\nيا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء فقال كذا وكذا ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك، قال: فدعا الجلاس فقال «يا جلاس أقلت الذي قاله مصعب؟»\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٣، باب ٦.\n(^٢) المدرج: هو أن يذكر الراوي عقيبه حديث رسول الله ﷺ كلاما لنفسه أو لغيره. فيرويه من بعده متصلا بالحديث من غير فصل. فيتوهم أنه من الحديث.","vol":"4","page":158},{"text":"فحلف فأنزل الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآية (^١).\nوقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجلاس بن سويد بن الصامت فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له عمير بن سعد فأنكرها فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني (^٢)، وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٣):\nحدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة فقال: «إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم-بعيني الشيطان-فإذا جاء فلا تكلموه» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك؟» فانطلق الرجل فجاءه بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله ﷿ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآية.\nوقوله ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قيل أنزلت في الجلاس بن سويد وذلك أنه هم بقتل ابن امرأته حين قال لأخبرن رسول الله ﷺ، وقيل في عبد الله بن أبي، هم بقتل رسول الله ﷺ، وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله ﷺ وقد ورد أن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي ﷺ وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلا، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية.\nوذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من حديث محمد بن إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار يسوق الناقة أو أنا أسوقه وعمار يقوده حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله ﷺ بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين فقال لنا رسول الله ﷺ: «هل عرفتم القوم؟» قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال: «هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا؟» قلنا: لا، قال: «أرادوا أن يزاحموا رسول الله ﷺ في العقبة فيلقوه منها» قلنا:\nيا رسول الله أفلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: «لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم-ثم قال-اللهم ارمهم بالدبيلة» قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: «شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك.\nوقال الإمام أحمد (^٤) ﵀: حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٢١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٢١.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٤٢٢.\n(^٤) المسند ٥/ ٤٥٣، ٤٥٤.","vol":"4","page":159},{"text":"الطفيل قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى: إن رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخذها أحد فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ﷺ فأقبل عمار ﵁ يضرب وجوه الرواحل فقال رسول الله ﷺ لحذيفة «قد قد» حتى هبط رسول الله ﷺ فلما هبط نزل ورجع عمار فقال يا عمار: «هل عرفت القوم؟» قال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال «هل تدري ما أرادوا؟» قال: الله ورسوله أعلم قال: «أرادوا أن ينفروا برسول الله-ﷺ راحلته فيطرحوه» قال: فسأل عمار رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ فقال نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلا فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر قال فعد رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم فقال عمار أشهد: أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.\nوهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله ﷺ أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله ﷺ فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله ﷺ حذيفة وعمارا بأسمائهم وما كانوا هموا به من الفتك به صلوات الله وسلامه عليه وأمرهما أن يكتما عليهم، وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، إلا أنه سمى جماعة منهم، فالله أعلم.\nوكذا قد حكي في معجم الطبراني قاله البيهقي، ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم (^١): حدثنا زهير بن حرب حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال:\nأنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك؟ فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم؟ وقد كان في حرة يمشي فقال: إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قوما قد سبقوه فلعنهم يومئذ.\nوما رواه مسلم (^٢) أيضا من حديث قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عباد عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: «في أصحابي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار\n_________\n(^١) كتاب صفات المنافقين حديث ١١.\n(^٢) كتاب صفات المنافقين حديث ٩، ١٠.","vol":"4","page":160},{"text":"تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم» ولهذا كان حذيفة يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء قد أطلعه عليهم رسول الله ﷺ دون غيره، والله أعلم.\nوقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روي عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار أنه قال: هم معتب بن قشيرة ووديعة بن ثابت وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف والحارث بن يزيد الطائي وأوس بن قيظي والحارث بن سويد وسعد بن زرارة وقيس بن فهد وسويد بن داعس من بني الحبلى وقيس بن عمرو بن سهل وزيد بن اللصيت وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام.\nوقوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سعادته، ولو تمت عليه السعادة لهداهم الله لما جاء به كما قال ﷺ للأنصار: «ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمنّ (^١). وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب، كقوله: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ﴾ [البروج: ٨] الآية. وقوله ﵇ «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله» (^٢) ثم دعاهم الله ﵎ إلى التوبة فقال ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي وإن يستمروا على طريقهم يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا أي بالقتل والهم والغم، والآخرة أي بالعذاب والنكال والهوان والصغار ﴿وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم لا يحصل لهم خيرا ولا يدفع عنهم شرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-703>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]</span>\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥) فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾\nيقول تعالى ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله وليكونن من الصالحين، فما وفي بما قال ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله ﷿ يوم القيامة عياذا بالله من ذلك، وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري.\n_________\n(^١) تقدم الحديث مع تخريج في تفسير الآية ٦٣ من سورة الأنفال.\n(^٢) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٤٩، ومسلم في الزكاة حديث ١١.","vol":"4","page":161},{"text":"وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير (^١) هاهنا، وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال لرسول الله ﷺ: ادع الله أن يرزقني مالا، قال: فقال رسول الله ﷺ: «ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» قال: ثم قال مرة أخرى فقال: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله-فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت» قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه.\nفقال رسول الله ﷺ «اللهم ارزق ثعلبة مالا» قال فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار فقال رسول الله ﷺ: «ما فعل ثعلبة؟» فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: «يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة».\nوأنزل الله جل ثناؤه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٢] الآية، ونزلت فرائض الصدقة فبعث رسول الله ﷺ رجلين على الصدقة من المسلمين رجلا من جهينة ورجلا من سليم وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: «مرا بثعلبة وبفلان-رجل من بني سليم-فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ، فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بهما، فلما رأوها قالوا ما يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك، فقال: بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي لله، فأخذاها منه ومرا على الناس فأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ فلما رآهما قال: «يا ويح ثعلبة» قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فأنزل الله ﷿ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الآية.\nقال وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: ويحك إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك» فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٤٢٥.","vol":"4","page":162},{"text":"رسول الله ﷺ «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني» فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، فقبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئا، ثم أتى أبا بكر ﵁ حين استخلف فقال قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر لم يقبلها منك رسول الله ﷺ وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها.\nفلما ولي عمر ﵁ أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟ فقبض ولم يقبلها، فلما ولي عثمان ﵁ أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان.\nوقوله تعالى: ﴿بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ﴾ الآية، أي أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم كما في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» (^١) وله شواهد كثيرة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ الآية، يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن الله أعلم بهم من أنفسهم، لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة وكل سر ونجوى ويعلم ما ظهر وما بطن.\n\n<span data-type='title' id=toc-704>[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]</span>\n﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾\nوهذا أيضا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، كما روى البخاري حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن أبي مسعود ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع: فقالوا إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ (^٢) الآية. وقد رواه مسلم أيضا في صحيحه من حديث شعبة به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد حدثنا الجريري عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الشهادات باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٧، ١٠٩.\n(^٢) أخرجه بلفظ «كنا نحامل»، البخاري في الزكاة باب ١٠، ومسلم في الزكاة حديث ٧٤، وأخرجه بلفظ «كنا نتحامل» البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١١.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٤.","vol":"4","page":163},{"text":"في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله ﷺ بالبقيع وهو يقول: «من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة» قال: فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم فعقدت على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلا أشد منه سوادا ولا أصغر منه ولا أدم، ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها فقال:\nيا رسول الله أصدقة؟ قال: «نعم» قال: دونك هذه الناقة، قال فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه فوالله لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله ﷺ فقال «كذبت بل هو خير منك ومنها» ثلاث مرات، ثم قال: «ويل لأصحاب المئين من الإبل» ثلاثا قالوا إلا من يا رسول الله؟ قال:\n«إلا من قال بالمال هكذا وهكذا» وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال: «قد أفلح المزهد المجهد» ثلاثا. المزهد في العيش، المجهد في العبادة.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله ﷺ وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع (^١).\nوقال العوفي عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال:\nيا رسول الله هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال وقالوا:\nإن الله ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعون بصاعك من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله ﷺ: هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال رسول الله ﷺ: «لم يبق أحد غيرك» فقال له عبد الرحمن بن عوف فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب ﵁ أمجنون أنت؟ قال ليس بي جنون، قال أفعلت ما فعلت؟ قال: نعم مالي ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضها ربي وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول الله ﷺ «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت» ولمزه المنافقون فقالوا والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون إنما كان به متطوعا، فأنزل الله ﷿ عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر فقال تعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ (^٢) الآية.\nوهكذا روي عن مجاهد وغير واحد وقال ابن إسحاق: كان من المطوعين من المؤمنين في\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٣٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٣٠.","vol":"4","page":164},{"text":"الصدقات عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف درهم وعاصم بن عدي أخو بني العجلان، وذلك أن رسول الله ﷺ رغب في الصدقة وحض عليها فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل (^١).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا» قال فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال يا رسول الله: عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي، فقال رسول الله ﷺ: «بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت»، وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر فقال يا رسول الله: أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي، قال فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الآية، ثم رواه عن أبي كامل عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه مرسلا، قال ولم يسنده أحد إلا طالوت.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة، حدثني خالد بن يسار عن ابن أبي عقيل عن أبيه، قال: بت أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالآخر أتقرب إلى رسول الله ﷺ فأتيته فأخبرته، فقال: «انثره في الصدقة» قال فسخر القوم وقالوا لقد كان الله غنيا من صدقة هذا المسكين، فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الآيتين، وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن حباب به، وقال: اسم أبي عقيل حباب ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة.\nوقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين، لأن الجزاء من جنس العمل فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابا أليما لأن الجزاء من جنس العمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-705>[سورة التوبة (٩): آية ٨٠]</span>\n﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)﴾\nيخبر تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار وأنه لو استغفر لهم سبعين\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٣١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٣٢.","vol":"4","page":165},{"text":"مرة فلن يغفر الله لهم، وقد قيل إن السبعين إنما ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب كلاهما تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها، وقيل بل لها مفهوم كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لما نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم فوالله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم» فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.\nوقال الشعبي لما ثقل عبد الله بن أبي انطلق ابنه إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي قد احتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه فقال له النبي ﷺ: «ما اسمك؟» قال: الحباب بن عبد الله قال:\n«بل أنت عبد الله بن عبد الله إن الحباب اسم شيطان»، فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عرق وصلى عليه فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق؟ فقال: «إن الله قال ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ولأستغفرن لهم سبعين وسبعين وسبعين» وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد بن جبير وقتادة بن دعامة ورواه ابن جرير (^١) بأسانيده.\n\n<span data-type='title' id=toc-706>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨١ إلى ٨٢]</span>\n﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾\nيقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بقعودهم بعد خروجه ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا﴾ معه ﴿بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا﴾ أي بعضهم لبعض ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿نارُ جَهَنَّمَ﴾ التي تصيرون إليها بمخالفتكم ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مما فررتم منه من الحر بل أشد حرا من النار، كما قال الإمام مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: «فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت في البحر مرتين ولولا ذلك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٤٣٤، ٤٣٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٠، ومسلم في الجنة حديث ٣٠، ومالك في جهنم حديث ١.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٤٤.","vol":"4","page":166},{"text":"ما جعل الله فيها منفعة لأحد» وهذا أيضا إسناده صحيح، وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجة عن عباس الدوري، وعن يحيى بن أبي بكير عن شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة، حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم» (^١) ثم قال الترمذي: لا أعلم أحدا رفعه غير يحيى، كذا قال، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن إبراهيم بن محمد عن محمد بن الحسين بن مكرم عن عبيد الله بن سعد عن عمه عن شريك وهو ابن عبد الله النخعي به.\nوروى أيضا ابن مردويه، من رواية مبارك بن فضالة عن ثابت بن أنس قال: تلا رسول الله ﷺ ﴿نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال: «أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل لا يضيء لهبها، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمام بن نجيج، وقد اختلف فيه عن الحسن عن أنس رفعه «لو أن شرارة بالمشرق-أي من نار جهنم-لوجد حرها من بالمغرب» وروى الحافظ أبو يعلى، عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن أبي عبيدة الحداد عن هشام بن حسان عن محمد بن شبيب عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه» غريب.\nوقال الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، لا يرى أن أحدا من أهل النار أشد عذابا منه وإنه أهونهم عذابا» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش، وقال مسلم أيضا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه» (^٣)، وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى عن ابن عجلان، سمعت أبي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «إن أدنى أهل النار عذابا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه» وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط مسلم والله أعلم، والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جهنم باب ٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٥١، ومسلم في الإيمان حديث ٣٦٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣٦١.\n(^٤) المسند ٢/ ٤٣٢، ٤٣٨، ٤٣٩.","vol":"4","page":167},{"text":"وقال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٦] وقال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر ليتقوا به من حر جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا ولكنهم كما قال الآخر: [البسيط] كالمستجير من الرمضاء بالنار (^١) وقال الآخر: [البسيط] عمرك بالحمية أفنيته … خوفا من البارد والحار\nوكان أولى لك أن تتقي … من المعاصي حذر النار\nثم قال تعالى ﷻ متوعدا هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ الآية، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله ﷿ استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا، وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم وعون العقيلي وزيد بن أسلم، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا.\nعبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا محمد بن جبير عن ابن المبارك عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنا أزجيت فيها لجرت» (^٢) ورواه ابن ماجة من حديث الأعمش عن يزيد الرقاشي به.\nوقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباس، حدثنا حماد الجزري عن زيد بن رفيع رفعه، قال: إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانا ثم بكوا القيح زمانا، قال: فتقول لهم الخزنة يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ قال: فيرفعون أصواتهم يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشا وكنا طول الموقف عطاشا ونحن\n_________\n(^١) يروى البيت بتمامه: والمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الدعصاء بالنار وهو لابن دريد في تاج العروس (دعص)، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في لسان العرب (دعص)، وجمهرة اللغة ص ٦٥٣.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الإقامة باب ١٧٦، والزهد باب ١٩.","vol":"4","page":168},{"text":"اليوم عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ فييأسون من كل خير».\n\n<span data-type='title' id=toc-707>[سورة التوبة (٩): آية ٨٣]</span>\n﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣)﴾\nيقول تعالى آمرا لرسوله عليه الصلاة السلام ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ﴾ أي ردك الله من غزوتك هذه ﴿إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أي معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أي تعزيرا لهم وعقوبة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] الآية، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، كقوله في عمرة الحديبية ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ [الفتح: ١٥] الآية. وقوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة، وقال قتادة ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ أي مع النساء قال ابن جرير وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون ولو أريد النساء لقال فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس ﵄.\n\n<span data-type='title' id=toc-708>[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]</span>\n﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)﴾\nأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يبرأ من المنافقين وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا عليه وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كما قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي «جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنما خيرني الله فقال ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على السبعين» قال: إنه منافق. قال فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ آية ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ (^١)، وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة حماد بن أسامة به، ثم رواه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١٢، ومسلم في المنافقين حديث ٤، وفضائل الصحابة حديث ٢٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٨.","vol":"4","page":169},{"text":"البخاري عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به، وقال فصلى عليه وصلينا معه وأنزل الله ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا﴾ الآية. وهكذا رواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله به.\nوقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه أيضا بنحو من هذا، فقال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول لما توفي عبد الله بن أبي، دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا وكذا يعدد أيامه، قال ورسول الله ﷺ يبتسم، حتى إذا أكثرت عليه فقال: «أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية. لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت» قال ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه، قال فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم. قال فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا﴾ الآية. فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله ﷿ (^٢). وهكذا رواه الترمذي في التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري به، وقال حسن صحيح، ورواه البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري به فذكر مثله، قال: «أخر عني يا عمر» فلما أكثرت عليه قال: «إني خيرت فاخترت ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها» قال فصلى عليه رسول الله ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ الآية، فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ أعلم (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن أبي عبيد، حدثنا عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعير بهذا، فأتاه النبي ﷺ فوجده قد أدخل في حفرته فقال: «أفلا قبل أن تدخلوه» فأخرج من حفرته وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه، ورواه النسائي عن أبي داود الحراني عن يعلى بن عبيد عن عبد الملك وهو ابن أبي سليمان به، وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا ابن عيينة عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل في قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه والله\n_________\n(^١) المسند ١/ ١٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١٢، والترمذي في تفسير سورة ٩ باب ١٢، ١٣.\n(^٣) راجع الحاشية السابقة.\n(^٤) المسند ٣/ ٣٧١.","vol":"4","page":170},{"text":"أعلم (^١).\nوقد رواه أيضا في غير موضع مسلم والنسائي من غير وجه، عن سفيان بن عيينة به. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا مجالد، حدثنا عامر، حدثنا جابر «ح» وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر قال: لما مات رأس المنافقين قال يحيى بن سعيد بالمدينة فأوصى أن يصلي عليه النبي ﷺ فجاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي أوصى أن يكفن بقميصك وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء، قال يحيى في حديثه: فصلى عليه وألبسه قميصه فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ وزاد عبد الرحمن: وخلع النبي ﷺ قميصه فأعطاه إياه ومشى فصلى عليه وقام على قبره، فأتاه جبريل ﵇ لما ولى قال ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ وإسناده لا بأس به وما قبله شاهد له.\nوقال الإمام أبو جعفر الطبري (^٢): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أحمد، حدثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس، أن رسول الله ﷺ أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذ جبريل بثوبه وقال ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف. وقال قتادة أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله ﷺ وهو مريض فلما دخل عليه قال له النبي ﷺ: «أهلكك حب يهود» قال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره، فأنزل الله ﷿ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا﴾ (^٣) الآية.\nوقد ذكر بعض السلف أنه إنما كساه قميصه لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طلب له قميص فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي لأنه كان ضخما طويلا ففعل ذلك به رسول الله ﷺ مكافأة له فالله أعلم. ولهذا كان رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره، كما قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن أبيه، حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثنى عليها خيرا قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها «شأنكم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٢٢، واللباس باب ٨، ومسلم في المنافقين حديث ٢، والنسائي في الجنائز باب ٤٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٣٩، ٤٤٠.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٤٠، ٤٤١.\n(^٤) المسند ٥/ ٢٩٩، ٣٠٠.","vol":"4","page":171},{"text":"بها» ولم يصل عليها، وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره بهم رسول الله ﷺ، ولهذا كان يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة.\nوقال أبو عبيد في كتاب الغريب في حديث عمر، أنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها. ثم حكي عن بعضهم أن المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع، ولما نهى الله ﷿ عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذه الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل كما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل وما القيراطان؟ قال «أصغرهما مثل أحد» (^١) وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فروى أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا هشام عن عبد الله بن بحير عن هانئ، وهو أبو سعيد البربري مولى عثمان بن عفان عن عثمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» انفرد بإخراجه أبو داود (^٢) ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-709>[سورة التوبة (٩): آية ٨٥]</span>\n﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)﴾\nقد تقدم تفسير نظير هذه الآية الكريمة ولله الحمد والمنة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-710>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]</span>\n﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾\nيقول تعالى منكرا وذاما للمتخلفين عن الجهاد الناكلين عنه مع القدرة عليه ووجود السعة والطول. واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا ﴿ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلاما، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبن شيء، وكما قال الشاعر: [الطويل]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٥٩، ومسلم في الجنائز حديث ٥٢.\n(^٢) كتاب الجنائز باب ٦٩.\n(^٣) انظر تفسير الآية ٥٥ من هذه السورة.","vol":"4","page":172},{"text":"أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة … وفي الحرب أشباه النساء العوارك؟ (^١)\nوقال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠ - ٢١] الآية، وقوله ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-711>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]</span>\n﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾\nلما ذكر تعالى ذنب المنافقين وبين ثناءه على المؤمنين ومالهم في آخرتهم، فقال ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا﴾ إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم، وقوله: ﴿وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ﴾ أي في الدار الآخرة في جنات الفردوس والدرجات العلى.\n\n<span data-type='title' id=toc-712>[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]</span>\n﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾\nثم بين تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاءوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة. قال الضحاك عن ابن عباس، إنه كان يقرأ ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتخفيف ويقول: هم أهل العذر. وكذا روى ابن عيينة عن حميد عن مجاهد سواء، قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار خفاف بن إيماء بن رحضة (^٢).\nوهذا القول هو الأظهر في معنى الآية، لأنه قال بعد هذا ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي لم يأتوا فيعتذروا، وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ﴾ قال: نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله، وكذا قال الحسن وقتادة ومحمد بن إسحاق والقول الأول أظهر والله أعلم، لما قدمنا من قوله بعده ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال:\n_________\n(^١) البيت لهند بنت عتبة في خزانة الأدب ٣/ ٢٦٣، والمقاصد النحوية ٣/ ١٤٢، وبلا نسبة في شرح أبيات سيبويه ١/ ٣٨٢، والكتاب ١/ ٣٤٤، ولسان العرب (عور)، (عير)، (عرك)، والمقتضب ٣/ ٢٦٥، والمقرب ١/ ٢٥٨، وتاج العروس (عرك)، وسيرة ابن هشام ١/ ٦٥٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٤٤، ٤٤٥.","vol":"4","page":173},{"text":"﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-713>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩١ إلى ٩٣]</span>\n﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾\nثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله أو بسبب فقره لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم وهم محسنون في حالهم هذا، ولهذا قال: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة ﵁ قال: قال الحواريون يا روح الله أخبرنا عن الناصح لله؟ قال الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا.\nوقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال، يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا اللهم نعم، فقال اللهم إنا نسمعك تقول: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ اللهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، ورفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا، وقال قتادة نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر عن ابن فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ الآية.\nوقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني فقالوا: يا رسول الله احملنا فقال لهم: والله لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ إلى قوله ﴿فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٤٥، ٤٤٦.","vol":"4","page":174},{"text":"وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ نزلت في بني مقرن من مزينة (^١)، وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بني واقف حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى سلمان بن صخر، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو المزني (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله ﷺ وكانوا أهل حاجة فقال ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن الأودي، حدثنا وكيع عن الربيع عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا ولا نلتم من عدو نيلا إلا وقد شركوكم في الأجر» ثم قرأ ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم» قالوا وهم بالمدينة؟ قال: «نعم حبسهم العذر» (^٤)، وقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض» (^٦) ورواه مسلم وابن ماجة من طرق عن الأعمش به ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال ﴿وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٤٤٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٤٧.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥١٨.\n(^٤) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٣٥، والمغازي باب ٨١.\n(^٥) المسند ٣/ ٣٠٠.\n(^٦) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٥٩، وابن ماجة في الجهاد باب ٦.","vol":"4","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-714>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٤ إلى ٩٦]</span>\n﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦)﴾\nأخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ أي قد أعلمنا الله أحوالكم ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها ويجزيكم عليها، ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم معتذرين لتعرضوا عنهم فلا تؤنبوهم فأعرضوا عنهم احتقارا لهم إنهم رجس أي خبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ومأواهم في آخرتهم جهنم ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي من الآثام والخطايا، وأخبر أنهم إن رضوا عنهم بحلفهم لهم ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها للإفساد، ويقال فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها\n\n<span data-type='title' id=toc-715>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٧ إلى ٩٩]</span>\n﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾\nأخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد وأجدر، أي أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني. فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن أبي موسى عن وهب بن منبه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٥٧.","vol":"4","page":176},{"text":"غفل، ومن أتى السلطان افتتن» (^١) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري.\nولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله ﷺ فرد عليه أضعافها حتى رضي، قال: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي» لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقا من الأعراب لما في طباع الأعراب من الجفاء.\n[حديث الأعرابي في تقبيل الولد] قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا:\nحدثنا أبو أسامة وابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا نعم، قالوا لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله ﷺ: «وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة» وقال ابن نمير: «من قلبك الرحمة» (^٢).\nوقوله ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، حكيم فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته، وأخبر تعالى أن منهم ﴿مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ أي في سبيل الله ﴿مَغْرَمًا﴾ أي غرامة وخسارة ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ أي ينتظر بكم الحوادث والآفات ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لدعاء عباده عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم ﴿أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ أي ألا إن ذلك حاصل لهم ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-716>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٠]</span>\n﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾\nيخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم، قال الشعبي: السابقون الأولون من\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٢٤، والترمذي في الفتن باب ٦٩، والنسائي في الصيد باب ٢٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ١٨، ومسلم في الفضائل حديث ٦٤.","vol":"4","page":177},{"text":"المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية (^١)، وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة، هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ (^٢)، وقال محمد بن كعب القرظي: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية، ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال:\nأبي بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبي تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: ٣] وفي سورة الحشر ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] الآية، وفي الأنفال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ … ﴿وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٥] الآية، ورواه ابن جرير (^٣).\nقال: وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع الأنصار عطفا على والسابقون الأولون، فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم. عياذا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من ﵃؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁ ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله وهم متبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدئون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-717>[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]</span>\n﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾\nيخبر تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقون، وفي أهل المدينة أيضا منافقون ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾ أي مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال شيطان مريد، ومارد ويقال تمرد فلان على الله أي عتا وتجبر، وقوله: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٥٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٥.","vol":"4","page":178},{"text":"[محمد: ٣٠] لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا وإن كان يراه صباحا ومساء.\nوشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد (^١) في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم عن رجل عن جبير بن مطعم ﵁، قال قلت:\nيا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة فقال: «لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب» وأصغى إلى رسول الله ﷺ برأسه فقال «إن في أصحابي منافقين» ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم، وتقدم في تفسير قوله ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ أنه ﷺ أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم، والله أعلم.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي من طريق هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا ابن جابر، حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمر، أظنه حدثني عن أبي الدرداء أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي ﷺ فقال: الإيمان هاهنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق هاهنا وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلا، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل له لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير» فقال:\nيا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم أفلا آتيك بهم؟ قال: «من أتانا استغفرنا له، ومن أصر فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا»، قال وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار به.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس، فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء قبلك، قال نبي الله نوح ﵇ ﴿وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال نبي الله شعيب ﵇ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ وقال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (^٢).\nوقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله ﷺ خطيبا يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق، واخرج يا فلان إنك منافق» فأخرج من المسجد\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٨٢، ٨٣، ٨٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٦.","vol":"4","page":179},{"text":"ناسا منهم فضحهم، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر قد فضح الله المنافقين اليوم، قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر (^١)، وكذا قال الثوري عن السدي عن أبي مالك نحو هذا.\nوقال مجاهد في قوله ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ يعني القتل والسبي، وقال في رواية بالجوع وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب عظيم (^٢)، وقال ابن جريج عذاب الدنيا وعذاب القبر ثم يردون إلى عذاب عظيم النار (^٣)، وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر (^٤)، وقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد، وقرأ قوله تعالى ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة في النار ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ قال النار (^٥)، وقال محمد بن إسحاق ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: هو فيما بلغني ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه عذاب الآخرة والخلد فيه (^٦)، وقال سعيد عن قتادة في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ عذاب الدنيا وعذاب القبر ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ وذكر لنا أن نبي الله ﷺ أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين، فقال ستة منهم تكفيهم الدبيلة سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتا، وذكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه وإلا تركه، وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال لا ولا أومن منها أحدا بعدك.\n\n<span data-type='title' id=toc-718>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]</span>\n﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾\nلما بيّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكا، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٨.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٨.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٨.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٨.","vol":"4","page":180},{"text":"أخر صالحة خلطوا هذه بتلك فهؤلاء تحت عفوالله وغفرانه، وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين، وقد قال مجاهد:\nإنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه (^١)، وقال ابن عباس ﴿وَآخَرُونَ﴾ نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل وسبعة معه، وقيل وتسعة معه، فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله ﷺ فلما أنزل الله هذه الآية ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أطلقهم رسول الله ﷺ وعفا عنهم.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لنا «أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم» هكذا رواه البخاري مختصرا في تفسير هذه الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-719>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]</span>\n﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾\nأمر تعالى رسوله ﷺ بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا بالرسول ﷺ، ولهذا احتجوا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد، أبو بكر الصديق وسائر الصحابة وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقا -وفي رواية عقالا-كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعه (^٣).\nوقوله ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم واستغفر لهم كما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٦٢.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩، باب ١٠.\n(^٣) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ٣٢.","vol":"4","page":181},{"text":"صل على آل أبي أوفى» (^١) وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: يا رسول الله صل عليّ وعلى زوجي، فقال «صلى الله عليك وعلى زوجك» (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قرأ بعضهم صلواتك على الجمع وآخرون قرءوا إن صلاتك على الإفراد ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: رحمة لهم، وقال قتادة وقار، وقوله:\n﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ أي لدعائك ﴿عَلِيمٌ﴾ أي بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له، قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة عن ابن حذيفة عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده، ثم رواه عن أبي نعيم عن مسعر عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة عن ابن لحذيفة، قال مسعر: وقد ذكره مرة عن حذيفة إن صلاة النبي ﷺ لتدرك الرجل وولده وولد ولده (^٤).\nوقوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها، وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال، فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها حتى تصير التمرة مثل أحد، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ كما قال الثوري ووكيع كلاهما عن عباد بن منصور عن القاسم بن محمد، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتكون مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ (^٥) [البقرة:٢٧٦].\nوقال الثوري والأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب عن عبد الله بن أبي قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁، إن الصدقة تقع في يد الله ﷿ قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ (^٦).\nوقد روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وغيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي قال: غزا الناس في زمان معاوية ﵁ وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١٧٦.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٨.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٨٥، ٣٨٦.\n(^٤) المسند ٥/ ٤٠٠.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٦٦.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ٤٦٦.","vol":"4","page":182},{"text":"الوليد، فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية. فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه وقال: قد تفرق الناس ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرجل يستقري الصحابة فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى عليه، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال له ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له: أو مطيعي أنت؟ فقال: نعم، فقال اذهب إلى معاوية فقل له اقبل مني خمسك فادفع إليه عشرين دينارا وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية ﵁: لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه، أحسن الرجل.\n\n<span data-type='title' id=toc-720>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٥]</span>\n﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾\nقال مجاهد: هذا وعيد يعني من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه ﵎ وعلى الرسول ﷺ وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال:\n﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وقال: ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان» وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك» وقال الإمام أحمد (^٢): أنبأنا عبد الرزاق عن سفيان عمن سمع أنسا يقول: قال النبي ﷺ: إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا».\nوقال البخاري (^٣): قالت عائشة ﵂: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل ﴿اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وقد ورد في الحديث شبيه بهذا، قال الإمام\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٨.\n(^٢) المسند ٣/ ١٦٤، ١٦٥.\n(^٣) كتاب الشهادات باب ٢٦.","vol":"4","page":183},{"text":"أحمد (^١): حدثنا يزيد، حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملا سيئا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعبده خيرا استعمله قبل موته» قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه» تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-721>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٦]</span>\n﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا أي عن التوبة، وهم مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال لا شكا ونفاقا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجي هؤلاء عن التوبة، حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] الآية، ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] الآية، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك، وقوله ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي هم تحت عفوالله إن شاء فعل بهم هذا وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم في أفعاله وأقواله لا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-722>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]</span>\n﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾\nسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش، يمالئهم\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٢٠.","vol":"4","page":184},{"text":"على حرب رسول الله ﷺ فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله ﷿، وكانت العاقبة للمتقين.\nوكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك.\nفشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» فلما قفل ﵇ راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، هم أناس من الأنصار بنوا مسجدا.\nفقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا له: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله ﷿ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿الظّالِمِينَ﴾ وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة وغير واحد من العلماء.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله ﷺ يعني من تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو","vol":"4","page":185},{"text":"يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: «إني على جناح سفر وحال شغل» أو كما قال رسول الله ﷺ «ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه».\nفلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه» فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم. فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا﴾ إلى آخر القصة.\nوكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وموالي بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وحارثة بن عامر وابناه مجمع بن حارثة وزيد بن حارثة ونبتل الحارث وهم من بني ضبيعة ومخرج، وهم من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، وموالي بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر.\nوقوله ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ أي الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾ أي ما أردنا ببنيانه إلا خيرا ورفقا بالناس، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه ضرارا لمسجد قباء وكفرا بالله وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو أبو عامر الفاسق الذي يقال له الراهب لعنه الله.\nوقوله ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي له ﷺ والأمة تبع له في ذلك عن أن يقوم فيه أي يصلي فيه أبدا. ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنيانه على التقوى، وهي طاعة الله وطاعة رسوله وجمعا لكلمة المؤمنين ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله، ولهذا قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» (^١)، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يزور مسجد قباء راكبا وماشيا (^٢)، وفي\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الصلاة باب ٣٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في الحج حديث ٥١٥، وأحمد في المسند ٢/ ٥.","vol":"4","page":186},{"text":"الحديث أن رسول الله ﷺ لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة، فالله أعلم.\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ -قال-كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية» (^١). ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث يونس بن الحارث وهو ضعيف، وقال الترمذي غريب من هذا الوجه، وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي المعمري، حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بعث رسول الله ﷺ إلى عويم بن ساعدة فقال: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟» فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا وغسل فرجه أو قال مقعدته، فقال النبي ﷺ «هو هذا».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة الأنصاري، أنه حدثه أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: «إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟» فقالوا:\nوالله يا رسول الله ما نعلم شيئا، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا، ورواه ابن خزيمة في صحيحه، وقال هشيم عن عبد الحميد المدني عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال لعويم بن ساعدة: «ما هذا الذي أثنى الله عليكم ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾؟» الآية، قالوا: يا رسول الله إنا نغسل الأدبار بالماء (^٣)، وقال ابن جرير (^٤): حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد عن إبراهيم بن محمد عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط.\nحديث آخر قال الإمام أحمد بن حنبل (^٥): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك يعني ابن مغول، سمعت سيارا أبا الحكم عن شهر بن حوشب عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله ﷺ يعني قباء، فقال «إن الله ﷿ قد أثنى عليكم في الطهور خيرا أفلا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ٢٣، والترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١٥، وابن ماجة في الطهارة باب ٢٨.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٢٢.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٧٧.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٤٧٦.\n(^٥) المسند ٦/ ٦.","vol":"4","page":187},{"text":"تخبروني؟» يعني قوله ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فقالوا يا رسول الله إنا نجده مكتوبا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء.\nوقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمر الزهري عن عروة بن الزبير، وقال عطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي والحسن البصري ونقله البغوي عن سعيد بن جبير وقتادة، وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: «المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا» تفرد به أحمد (^١).\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى فقال أحدهما هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال الآخر هو مسجد قباء، فأتيا النبي ﷺ فسألاه فقال: «هو مسجدي هذا» تفرد به أحمد أيضا.\nحديث آخر قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث عن عمران بن أبي أنس عن سعيد بن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما هو مسجد قباء، وقال الآخر هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «هو مسجدي هذا» تفرد به أحمد.\nطريق أخرى قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث حدثني عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل هو مسجد قباء، وقال الآخر هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «هو مسجدي» (^٥) وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث وصححه الترمذي ورواه مسلم كما سيأتي.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١١٦.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٣١.\n(^٣) المسند ٣/ ٨٩.\n(^٤) المسند ٣/ ٧.\n(^٥) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١٤، والنسائي في المساجد باب ٨.","vol":"4","page":188},{"text":"طريق أخرى قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال:\nسمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف، في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال العمري هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: «هو هذا المسجد» لمسجد رسول الله ﷺ، وقال في ذلك يعني مسجد قباء.\nطريق أخرى قال أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال إني أتيت رسول الله ﷺ فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه فقلت: يا رسول الله أين المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا» ثم قال سمعت أباك يذكره، رواه مسلم (^٣) منفردا به عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد به، ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط به، وقد قال بأنه مسجد النبي ﷺ جماعة من السلف والخلف، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء والتنزه عن ملابسة القاذورات.\nوقد قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيبا أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح فقرأ الروم فيها فأوهم فلما انصرف قال: «إنه يلبس علينا القرآن إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء» ثم رواه من طريقين آخرين عن عبد الملك بن عمير عن شبيب أبي روح من ذي الكلاع، أنه صلى مع النبي ﷺ فذكره، فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها.\nوقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٧٣، ٤٧٤.\n(^٣) كتاب الحج الحديث ٥١٤.\n(^٤) المسند ٣/ ٤٧١، ٤٧٢.","vol":"4","page":189},{"text":"المطهرون من الذنوب. وقال الأعمش التوبة من الذنوب والتطهر من الشرك، وقد ورد في الحديث المروي من طرق في السنن وغيرها أن رسول الله ﷺ قال لأهل قباء: «قد أثنى الله عليكم في الطهور فماذا تصنعون؟» فقالوا نستنجي بالماء، وقد قال الحافظ أبو بكر البزار:\nحدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: وجدته في كتاب أبي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فسألهم رسول الله ﷺ، فقالوا إنا نتبع الحجارة بالماء رواه البزار، ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزيز عن الزهري ولم يرو عنه سوى ابنه، (قلت) وإنما ذكرته بهذا اللفظ لأنه مشهور بين الفقهاء ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين أو كلهم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-723>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]</span>\n﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾\nيقول تعالى لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ومن بنى مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار، أي طرف حفيرة، مثاله ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي لا يصلح عمل المفسدين. قال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان على عهد رسول الله ﷺ (^١)، وقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالا حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه (^٢)، وكذا قال قتادة، وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة، رواه ابن جرير (^٣) ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي شكا ونفاقا، بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع أورثهم نفاقا في قلوبهم كما أشرب عابدو العجل حبه، وقوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي بموتهم، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم والسدي وحبيب بن أبي ثابت والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي بأعمال خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في مجازاتهم عنها من خير وشر.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٧٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٧٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٤٧٩.","vol":"4","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-724>[سورة التوبة (٩): آية ١١١]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾\nيخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم. وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله ﷿ في عنقه بيعة، وفي بها أو مات عليها ثم تلا هذه الآية (^١). ولهذا يقال من حمل في سبيل الله بايع الله أي قبل هذا العقد ووفى به. وقال محمد بن كعب القرظي وغيره، قال عبد الله بن رواحة ﵁ لرسول الله ﷺ يعني ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال «الجنة» قالوا:\nربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٢).\nالآية، وقوله: ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي سواء قتلوا أو قتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة. ولهذا جاء في الصحيحين «وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة» (^٣).\nوقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ تأكيد لهذا الوعد وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ فإنه لا يخلف الميعاد. هذا كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] ولهذا قال ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-725>[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]</span>\n﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٨٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٨٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في الخمس باب ٨، ومسلم في الإمارة حديث ١٠٤.","vol":"4","page":191},{"text":"هذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة ﴿التّائِبُونَ﴾ من الذنوب كلها التاركون للفواحش ﴿الْعابِدُونَ﴾ أي القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها وهي الأقوال والأفعال، فمن أخص الأقوال الحمد، فلهذا قال: ﴿الْحامِدُونَ﴾ ومن أفضل الأعمال الصيام وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة هاهنا، ولهذا قال: ﴿السّائِحُونَ﴾ كما وصف أزواج النبي ﷺ بذلك في قوله تعالى:\n﴿سائِحاتٍ﴾ [التحريم: ٥] أي صائمات، وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة، ولهذا قال: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ وهم مع ذلك ينفعون خلق الله ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه علما وعملا، فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق، ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به.\n[بيان أن المراد بالسياحة الصيام] قال سفيان الثوري: عن عاصم عن زرّ عن عبد الله بن مسعود قال ﴿السّائِحُونَ﴾ الصائمون (^١) وكذا روي عن سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كل ما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون (^٢)، وكذا قال الضحاك ﵀، وقال ابن جرير (^٣): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إبراهيم بن يزيد عن الوليد بن عبد الله عن عائشة ﵂ قالت: سياحة هذه الأمة الصيام، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك بن مزاحم وسفيان بن عيينة وغيرهم، أن المراد بالسائحين الصائمون، وقال الحسن البصري:\n﴿السّائِحُونَ﴾ الصائمون شهر رمضان، وقال أبو عمرو العبدي: ﴿السّائِحُونَ﴾ الذين يديمون الصيام من المؤمنين.\nوقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا، وقال ابن جرير (^٤): حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا حكيم بن حزام، حدثنا سليمان عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «السائحون هم الصائمون» وهذا الموقوف أصح، وقال أيضا حدثني يونس عن ابن وهب عن عمر بن الحارث عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير، قال: سئل النبي ﷺ عن السائحين، فقال «هم الصائمون» وهذا مرسل جيد وهذا أصح الأقوال وأشهرها.\nوجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال النبي ﷺ: «سياحة أمتي الجهاد في\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٨٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٨٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٤٨٦.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٤٨٤.","vol":"4","page":192},{"text":"سبيل الله» (^١) وقال ابن المبارك عن ابن لهيعة، أخبرني عمارة بن غزية أن السياحة ذكرت عند رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله والتكبير على كل شرف» وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون، رواهما ابن أبي حاتم.\nوليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (^٢) وقال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ قال القائمون بطاعة الله، وكذا قال الحسن البصري وعنه رواية ﴿الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ قال: لفرائض الله، وفي رواية القائمون على أمر الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-726>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]</span>\n﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال «أي عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ﷿» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فنزلت ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ قال ونزلت فيه ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (^٤) [القصص: ٥٦] أخرجاه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب ١٢، والفتن باب ١٤، والرقاق باب ٣٤، وأبو داود في الفتن باب ٤، والنسائي في الإيمان باب ٣٠، وابن ماجة في الفتن باب ١٣، ومالك في الاستئذان حديث ١٦، وأحمد في المسند ٣/ ٦، ٣٠، ٤٣، ٥٧.\n(^٣) المسند ٥/ ٥٣٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١٦، ومسلم في الإيمان حديث ٣٩.","vol":"4","page":193},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي ﵁ قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، قال لما مات فلا أدري، قاله سفيان أو قاله إسرائيل أو هو في الحديث لما مات، (قلت): هذا ثابت عن مجاهد أنه قال لما مات.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال كنا مع النبي ﷺ ونحن في سفر، فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم وقال: يا رسول الله ما لك؟ قال «إني سألت ربي ﷿ في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكركم زيارتها خيرا. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرا».\nوروى ابن جرير (^٣) من حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ لما قدم مكة، أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا، فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت. قال: «إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي» فما رئي باكيا أكثر من يومئذ.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد الله بن وهب عن ابن جريج عن أيوب بن هانئ عن مسروق عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج رسول الله ﷺ يوما إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا ثم بكى فب كينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه ثم دعانا، فقال «ما أبكاكم؟» فقلنا بكينا لبكائك. قال: «إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي» (^٤) ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبا منه، وفيه «وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل علي ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر الآخرة».\n_________\n(^١) المسند ١/ ٩٩.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٥٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٤٨٩.\n(^٤) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٠٧.","vol":"4","page":194},{"text":"حديث آخر في معناه. قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه فناجى ربه طويلا، ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه وبكى هؤلاء لبكائه، وقالوا ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث الله في أمته شيئا لا تطيقه، فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم فقال: «ما يبكيكم؟» قالوا يا نبي الله بكينا لبكائك، فقلنا لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه، قال: «لا، وقد كان بعضه، ولكن نزلت على قبر أمي فسألت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة فأبى الله أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت، ثم جاءني جبريل فقال: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ فتبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمتها وهي أمي ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعا فرفع عنهم اثنتين وأبي أن يرفع عنهم اثنتين، ودعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج» وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كداء وكانت عسفان لهم (^١)، وهذا حديث غريب وسياق عجيب.\nوأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب السابق واللاحق بسند مجهول عن عائشة في حديث فيه قصة، أن الله أحيا أمه فآمنت ثم عادت، وكذلك ما رواه السهيلي في الروض بسند فيه جماعة مجهولون: إن الله أحيا له أباه وأمه فآمنا به. وقد قال الحافظ ابن دحية في هذا الاستدلال، بما حاصله أن هذه حياة جديدة كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها، فصلى علي العصر، قال الطحاوي: وهو حديث ثابت يعني حديث الشمس، قال القرطبي: فليس إحياؤهما يمتنع عقلا ولا شرعا، قال وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب فآمن به، (قلت) وهذا كله متوقف على صحة الحديث فإذا صح فلا مانع منه، والله أعلم.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، أن النبي ﷺ أراد أن يستغفر لأمه فنهاه الله ﷿ عن ذلك، فقال «إن إبراهيم خليل الله قد استغفر لأبيه» فأنزل الله ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ﴾ (^٢) الآية، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية، كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فأمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٣/ ٥٠٦، ٥٠٧، وأضاف: وبها ولد النبي ﷺ.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٨٩.","vol":"4","page":195},{"text":"أنزل الله ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية.\nوقال قتادة في الآية: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ: قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي ﷺ «بلى والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى بلغ قوله ﴿الْجَحِيمِ﴾ ثم عذر الله تعالى إبراهيم ﵇، فقال: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية، قال: وذكر لنا أن نبي الله قال: «قد أوحى الله إليّ كلمات فدخلن في أذني ووقرن في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف» (^١).\nوقال الثوري عن الشيباني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ما دام حيا، فإذا مات وكله إلى شأنه، ثم قال: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ -إلى قوله- ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ لم يدع (^٢). ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره عن علي ﵁، لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال:\n«اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني» (^٣) فذكر تمام الحديث، وروي أنه ﷺ لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال: «وصلتك رحمة يا عم» وقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا، لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله ﷿: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.\nوروى ابن جرير (^٤)، عن ابن وكيع عن أبيه عن عصمة بن زامل عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه، قلت ولأبيه. قال لا. قال إن أبي مات مشركا، وقوله: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وفي رواية لما مات تبين له أنه عدو لله، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم ﵏، وقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه يوم القيامة حتى يلقى أباه، وعلى وجه أبيه القترة والغبرة، فيقول: يا إبراهيم إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك، فيقول أي رب ألم تعدني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٨٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٤٩٠، ٤٩١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجنائز باب ٦٦، والنسائي في الطهارة باب ١٢٧، والجنائز باب ٨٤، وأحمد في المسند ١/ ٩٧، ١٠٣، ١٣٠، ١٣١.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٤٩١.","vol":"4","page":196},{"text":"أخزى من أبي الأبعد، فيقال انظر إلى ما وراءك فإذا هو بذيخ متلطخ (^١)، أي قد مسخ ضبعا ثم يسحب بقوائمه ويلقى في النار.\nوقوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قال سفيان الثوري وغير واحد: عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، أنه قال الأواه الدعاء، وكذا روي من غير وجه: عن ابن مسعود، وقال ابن جرير (^٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثني عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: بينما النبي ﷺ جالس قال:\nرجل يا رسول الله ما الأواه؟ قال: «المتضرع» قال: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ورواه ابن أبي حاتم: من حديث ابن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام به، ولفظه قال الأواه المتضرع الدعاء.\nوقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي الغدير، أنه سأل ابن مسعود عن الأواه فقال هو الرحيم، وبه قال مجاهد وأبو ميسرة عمر بن شرحبيل والحسن البصري وقتادة وغيرهما أي الرحيم أي بعباد الله.\nوقال ابن المبارك عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس، قال: الأواه الموقن بلسان الحبشة، وكذا قال العوفي عن ابن عباس أنه الموقن، وكذا قال مجاهد والضحاك، وقال علي بن أبي طلحة ومجاهد عن ابن عباس: الأواه المؤمن، زاد علي بن أبي طلحة عنه: هو المؤمن التواب، وقال العوفي عنه هو المؤمن بلسان الحبشة. وكذا قال ابن جريج هو المؤمن بلسان الحبشة.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال لرجل يقال له ذو البجادين «إنه أواه» وذلك أنه رجل كان إذا ذكر الله في القرآن رفع صوته بالدعاء، ورواه ابن جرير (^٤). وقال سعيد بن جبير والشعبي: الأواه المسبح، وقال ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء ﵁ قال: لا يحافظ على سبحة الضحى إلا الأواه، وقال شفي بن مانع عن أبي أيوب، الأواه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها، وعن مجاهد الأواه الحفيظ الوجل يذنب الذنب سرا ثم يتوب منه سرا، ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم ﵀. وقال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي عن حجاج عن الحكم عن الحسن بن مسلم بن بيان، أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال «إنه أواه».\n_________\n(^١) الذيخ، بكسر الذال: ذكر الضباع، وذيخ متلطخ: أي متلطخ برجيعه أو بالطين.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٩٨.\n(^٣) المسند ٤/ ١٥٩.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٤٩٩.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٤٩٧.","vol":"4","page":197},{"text":"وقال أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن هانئ، حدثنا المنهال بن خليفة عن حجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس، أن النبي ﷺ دفن ميتا فقال: «رحمك الله إن كنت لأواها» يعني تلاء للقرآن، وقال شعبة عن أبي يونس الباهلي، قال سمعت رجلا بمكة وكان أصله روميا وكان قاصا يحدث عن أبي ذر، قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام ويقول في دعائه: أوه أوه فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: «إنه أواه» قال: فخرجت ذات ليلة فإذا رسول الله ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح، هذا حديث غريب رواه ابن جرير (^١).\nوروي عن كعب الأحبار أنه قال: سمعت ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ﴾ قال كان إذا ذكر النار قال:\nأوه من النار، وقال ابن جريج عن ابن عباس ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ﴾ قال: فقيه. قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢): وأولى الأقوال قول من قال إنه الدعاء وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان إبراهيم كثير الدعاء حليما عمن ظلمه وأناله مكروها، ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] فحلم عنه مع أذاه له ودعا له واستغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-727>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٥ إلى ١١٦]</span>\n﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يضل قوما بعد إبلاغ الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت:١٧] الآية، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ الآية، قال بيان الله ﷿ للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه لهم من معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذروا (^٣).\nوقال ابن جرير (^٤): يقول الله تعالى وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه فلم تضيعوا نهيه إلى ما نهاكم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٤٩٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٩٩.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٠٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٥٠٠.","vol":"4","page":198},{"text":"عنه فإنه لا يحكم عليه بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ قال ابن جرير، هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه لا ولي لهم من دون الله ولا نصير لهم سواه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه إذ قال لهم: «هل تسمعون ما أسمع؟» قالوا ما نسمع من شيء، فقال رسول الله ﷺ: «إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» وقال كعب الأحبار: ما من موضع خرم إبرة من الأرض إلا وملك موكل بها يرفع علم ذلك إلى الله، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام.\n\n<span data-type='title' id=toc-728>[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]</span>\n﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾\nقال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد وعسر من الزاد والماء، قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله ﷿ قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، فقال «تحب ذلك؟» قال نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٠٢.","vol":"4","page":199},{"text":"وقال ابن جرير (^١) في قوله ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ أي من النفقة والطهر والزاد والماء ﴿مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ أي عن الحق، ويشك في دين الرسول ﷺ ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-729>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]</span>\n﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ (١١٩)﴾\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر.\nوكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورّى (^٣) بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز (^٤)، واستقبل عدوا كثيرا فخلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ-يريد الديوان-.\nقال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٠٢.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩.\n(^٣) ورّى بغيرها: أي سترها، وأوهم أنه يريد غيرها.\n(^٤) المفاوز: بريه وصحراء قليلة الماء.","vol":"4","page":200},{"text":"أصعر (^١)، فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمّر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فألحقهم وليت أني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذره الله ﷿، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك» فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه.\nفقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله ﷺ.\nقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي وطفقت أتذكر الكذب، وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله ﷺ وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرا» فقلت يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله ﷿ والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.\nقال: فقال رسول الله ﷺ: «أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت وقام إلى رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت إلا أن تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي،\n_________\n(^١) أصعر: أي أميل.","vol":"4","page":201},{"text":"قال ثم قلت لهم هل لقي معي هذا أحد؟ قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت فمن هما؟ قالوا مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهد بدرا لي فيهما أسوة.\nقال: فمضيت حين ذكروهما لي قال ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلّي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، فإذا التفت نحوه أعرض عنّي، حتّى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتّى تسوّرت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال فسكت، قال فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فقال الله ورسوله أعلم.\nقال ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك، قال فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلى كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا، فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وإن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك، قال: فقلت حين قرأته وهذا أيضا من البلاء، قال: فتيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني يقول: يأمرك رسول الله ﷺ أن تعتزل امرأتك، قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها، قال وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، قال فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء، قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلالا شيخ ضعيف ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال «لا ولكن لا يقربنّك» قالت وإنه والله ما به من حركة إلى شيء، وإنه والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما أدري ما يقول فيها رسول الله ﷺ إذا استأذنته وأنا رجل شاب.\nقال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى","vol":"4","page":202},{"text":"على جبل سلع يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك، قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج من الله ﷿ بالتوبة علينا، فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس.\nفلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أؤم رسول الله ﷺ وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنوني بتوبة الله، يقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد والناس حوله، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال: قلت أمن عندك رسول الله أم من عند الله؟ قال «لا بل من عند الله» قال وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك».\nقال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت يا رسول الله: إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله ﷿ فيما بقي.\n(قال) وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ إلى آخر الآيات. قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ يومئذ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] قال: وكنا أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا","vol":"4","page":203},{"text":"حتى قضى الله فيه، فلذلك قال ﷿ ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخليفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه (^١).\nهذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح البخاري ومسلم، من حديث الزهري بنحوه، فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها، وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد وكلهم قال مرارة بن ربيعة، وكذا في مسلم بن ربيعة في بعض نسخه، وفي بعضها مرارة بن الربيع، وفي رواية عن الضحاك مرارة بن الربيع كما وقع في الصحيحين وهو الصواب، وقوله فسموا رجلين شهدا بدرا قيل إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا، والله أعلم.\nولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أي مع سعتها فسدت عليهم المسالك والمذاهب فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله ﷺ في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم، ولهذا قال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أي اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجا من أموركم ومخرجا.\nوقد قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (^٣) أخرجاه في الصحيحين.\nوقال شعبة عن عمرو بن مرة: سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرءوا إن شئتم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ هكذا قرأها، ثم قال فهل تجدون لأحد فيه رخصة (^٤)، وعن عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١٨، ومسلم في التوبة حديث ٥٣.\n(^٢) المسند ١/ ٣٨٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب باب ٦٩، ومسلم في البر حديث ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٠٩، ٥١٠.","vol":"4","page":204},{"text":"عمرو في قوله ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قال مع محمد ﷺ وأصحابه، وقال الضحاك مع أبي بكر وعمر وأصحابهما (^١)، وقال الحسن البصري إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة.\n\n<span data-type='title' id=toc-730>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]</span>\n﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾\nيعاتب ﵎ المتخلفين عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل له من المشقة، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر لأنهم ﴿لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ وهو العطش ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ وهو التعب ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ وهي المجاعة ﴿وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ﴾. أي ينزلون منزلا يرهب عدوهم ﴿وَلا يَنالُونَ﴾ منه ظفرا وغلبة عليه ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم وإنما هي ناشئة عن أفعالهم أعمالا صالحة وثوابا جزيلا ﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ كقوله ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-731>[سورة التوبة (٩): آية ١٢١]</span>\n﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾ هؤلاء الغزاة في سبيل الله ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ أي قليلا ولا كثيرا ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ أي في السير إلى الأعداء ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ ولم يقل هاهنا به، لأن هذه أفعال صادرة عنهم، ولهذا قال: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ من هذه الآية الكريمة حظ وافر ونصيب عظيم، وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة والأموال الجزيلة، كما قال عبد الله ابن الإمام أحمد:\nحدثنا أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سليمان بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي، قال:\nخطب رسول الله ﷺ فحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان ﵁: عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال ثم حث، فقال عثمان: عليّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها، قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث، فقال عثمان بن عفان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله ﷺ قال بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٠٩.","vol":"4","page":205},{"text":"كالمتعجب «ما على عثمان ما عمل بعد هذا» (^١).\nوقال عبد الله أيضا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، حدثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة عن عبد الرحمن بن سمرة، قال:\nجاء عثمان ﵁ إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حتى جهز النبي ﷺ جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي ﷺ فرأيت النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» يرددها مرارا (^٢)، وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ الآية. ما ازداد قوم في سبيل الله بعدا من أهليهم إلا ازدادوا قربا من الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-732>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]</span>\n﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾\nهذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فإنه قد ذهبت طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله ﷺ ولهذا قال تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقال ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ﴾ [التوبة: ١٢١] الآية، قال فنسخ ذلك بهذه الآية. وقد يقال إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم، ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا النفير المعين، وبعده ﷺ تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه وإما للجهاد، فإنه فرض كفاية على الأحياء.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يقول:\nما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي ﷺ وحده ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ يعني عصبة يعني السرايا ولا يسيروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد أنزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون مع النبي ﷺ، وقالوا إن الله قد أنزل على نبيكم قرآنا وقد تعلمناه فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يقول: ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^٣).\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب النبي ﷺ، خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٧٥.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٦٣.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥١٤.","vol":"4","page":206},{"text":"الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا؟ فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجا وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ، فقال الله ﷿: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ يبغون الخير ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وليستمعوا ما في الناس وما أنزل الله فعذرهم ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ الناس كلهم إذا رجعوا إليهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^١).\nوقال قتادة في الآية: هذا إذا بعث رسول الله ﷺ الجيوش أمرهم الله أن يغزوا بنبيه ﷺ، وتقيم طائفة مع رسول الله ﷺ تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم (^٢).\nوقال الضحاك: كان رسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل الأعذار، وكان إذا قام وأسرى السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، وكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن وتلاه نبي الله ﷺ على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ: إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يقول إذا أقام رسول الله ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ يعني بذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبي الله ﷺ قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله فسرت السرايا وقعد معه معظم الناس (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة أيضا عن ابن عباس في الآية، قوله ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ إنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله ﷺ على مضر بالسنين، أجدبت بلادهم وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها، حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله ﷺ وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين، فردهم رسول الله ﷺ إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ الآية (^٤).\nوقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي ﷺ فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم، ويقولون للنبي ﷺ:\nما تأمرنا أن نفعله؟ وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا قدمنا عليهم، قال فيأمرهم نبي الله ﷺ بطاعة الله ورسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتوا قومهم قالوا: إن من أسلم فهو منا وينذرونهم، حتى إن الرجل ليفارق أباه، وأمه، وكان النبي ﷺ يخبرهم وينذرهم قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥١٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥١٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٥١٤.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٥١٤.","vol":"4","page":207},{"text":"بالجنة (^١).\nوقال عكرمة لما نزلت هذه الآية ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] و﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآية، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه، وقد كان ناس من أصحاب النبي ﷺ خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم فأنزل الله ﷿ ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية، ونزلت ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ (^٢) [الشورى: ١٦] وقال الحسن البصري في الآية: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-733>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾\nأمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا، فأولا الأقرب فالأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضر موت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع من هجرته ﵇، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يوما، فاختاره الله لما عنده.\nوقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل فثبته الله تعالى به، فوطد القواعد وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام (^٤)، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد. وأنفق كنوزهما في سبيل الله كما أخبر بذلك رسول الله وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥١٤، ٥١٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥١٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥١٦.\n(^٤) الطغام: أوغاد الناس.","vol":"4","page":208},{"text":"واستولى على الممالك شرقا وغربا.\nوحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا: ففرقها على الوجه الشرعي.\nوالسبيل المرضي. ثم لما مات شهيدا وقد عاش حميدا. أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ شهيد الدار.\nفكسى الإسلام رئاسته حلة سابغة. وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة. فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. وعلت كلمة الله وظهر دينه. وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها. وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أي وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا لأخيه المؤمن غليظا على عدوه الكافر.\nكقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣ والتحريم: ٩] وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «أنا الضحوك القتال» يعني أنه ضحوك في وجه وليه قتال لهامة عدوه، وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه، وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى لم يزالوا ظاهرين على عدوهم. ولم تزل الفتوحات كثيرة ولم تزل الأعداء في سفال وخسار.\nثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في أطراف البلاد وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام ولله لأمر من قبل ومن بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله وتوكل على الله فتح الله عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-734>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٥]</span>\n﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فمن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا﴾ أي يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه السورة إيمانا قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ﴾","vol":"4","page":209},{"text":"﴿إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء. بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك. وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخاري ﵀ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي زادتهم شكا إلى شكهم وريبا إلى ريبهم كما قال تعالى:\n﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم كما أن سيئ المزاج لو غذي به لا يزيده إلا خبالا ونقصا.\n\n<span data-type='title' id=toc-735>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٧]</span>\n﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾\nيقول: تعالى أو لا يرى هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ أي يختبرون ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي لا يتوبون من ذنوبهم السالفة ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم، قال مجاهد يختبرون بالسنة والجوع وقال قتادة بالغزو في السنة مرة أو مرتين، وقال شريك عن جابر: هو الجعفي عن أبي الضحى عن حذيفة في قوله: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين فيضل بها فئام من الناس كثير رواه ابن جرير (^١) وفي الحديث عن أنس: لا يزداد الأمر إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شحا وما من عام إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيكم ﷺ (^٢).\nوقوله: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ هذا أيضا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله ﷺ ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ أي تلفتوا ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ أي تولوا عن الحق وانصرفوا عنه وهذا حالهم في الدين لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه كقوله تعالى: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٤١] وقوله تعالى: ﴿فَما لِلذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٦ - ٣٧] أي ما لهؤلاء القوم يتفللون عنك يمينا وشمالا هروبا من الحق وذهابا إلى الباطل وقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ كقوله: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ … ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الصف: ٥] أي لا يفهمون عن الله خطابه ولا يقصدون لفهمه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٢٠.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٢٤.","vol":"4","page":210},{"text":"ولا يريدونه بل هم في شغل عنه ونفور منه فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-736>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٨ إلى ١٢٩]</span>\n﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾\nيقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته وذكر الحديث وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية وقال ﷺ «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» (^١).\nوقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي: حدثنا أبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد حدثنا ابن أبي عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي لحدثني عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله ﷺ «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء».\nوقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» (^٢) وفي الصحيح «إن هذا الدين يسر وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه» (^٣) ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن فطن عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما قال: وقال رسول الله ﷺ: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا قطن حدثنا المسعودي عن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٢٢.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٦٦، ٦/ ٢٣٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٩، وأحمد في المسند ٥/ ٦٩.\n(^٤) المسند ١/ ٣٩٠.","vol":"4","page":211},{"text":"الحسن بن سعد عن عبدة الهذلي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب».\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتاه ملكان فيما يرى النائم فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا بلى فقال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني فقالت طائفة صدق والله لنتبعه، وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه.\nوقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ يستعينه في شيء قال عكرمة: أراه قال في دم فأعطاه رسول الله ﷺ شيئا ثم قال: «أحسنت إليك» قال الأعرابي لا ولا أجملت فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه فأشار رسول الله ﷺ إليهم أن كفوا فلما قام رسول الله ﷺ وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال: «إنك إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت» فزاده رسول الله ﷺ شيئا وقال: «أحسنت إليك؟» فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.\nقال النبي ﷺ: «إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت. وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم» فقال: نعم فلما جاء الأعرابي قال رسول الله ﷺ «إن صاحبكم كان جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي، كذلك يا أعرابي؟» فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.\nفقال النبي ﷺ: «إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا. فقال لهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها فتوجه إليها وأخذ لها من قتام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٦٧.","vol":"4","page":212},{"text":"رحلها وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار» رواه البزار ثم قال لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.\n(قلت) وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان والله أعلم، وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ كقوله ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٥ - ٢١٧] وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي تولوا عما جئتم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].\n﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي هو مالك كل شيء وخالقه، لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء وقدره نافذ في كل شيء وهو على كل شيء وكيل.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا بشر بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵄ عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة، وقال عبد الله ابن الإمام أحمد حدثنا روح بن عبد المؤمن حدثنا عمر بن شقيق حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵃ أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر ﵁ فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧] الآية فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب إن رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٢) [الأنبياء: ٢٥] وهذا غريب أيضا.\nوقال أحمد (^٣): حدثنا علي بن بحر حدثنا علي بن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير ﵁ قال أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى عمر بن الخطاب فقال: من\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١١٧.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٣٤.\n(^٣) المسند ١/ ١٩٩.","vol":"4","page":213},{"text":"معك على هذا؟ قال: لا أدري والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها، فوضعوها في آخر براءة.\nوقد تقدم الكلام أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار علي أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن فأمر زيد بن ثابت فجمعه وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك، وفي الصحيح أن زيدا قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة (^١)، وقد قدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عند رسول الله ﷺ كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها والله أعلم.\nوقد روى أبو داود (^٢) عن يزيد بن محمد عن عبد الرزاق بن عمر-وقال: كان من ثقات المسلمين من المتعبدين عن مدرك بن سعد قال يزيد شيخ ثقة عن يونس بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمه.\nوقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبد الرزاق عن عمر، هذا من رواية أبي زرعة الدمشقي عنه عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري عن يونس بن ميسرة بن حليس عن أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول: ما من عبد يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات صادقا كان بها أو كاذبا إلا كفاه الله ما أهمه. وهذه زيادة غريبة، ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق عن جده عبد الرزاق بن عمر بسنده فرفعه فذكر مثله بالزيادة وهذا منكر، والله أعلم.\nآخر سورة براءة ولله الحمد والمنة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ٢٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٠١.","vol":"4","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-737>سورة يونس</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-738>[سورة يونس (١٠): الآيات ١ إلى ٢]</span>\n﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾\nأما الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة، وقال أبو الضحى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الر﴾ أي أنا الله أرى (^١). وكذلك قال الضحاك.\nوغيره ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ أي هذه آيات القرآن المحكم المبين وقال مجاهد ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾. وقال الحسن: التوراة والزبور، وقال قتادة: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ قال الكتب التي كانت قبل القرآن، وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه.\nوقوله ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ الآية. يقول تعالى منكرا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر كما أخبر تعالى عن القرون الماضين من قولهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن:٦] وقال هود وصالح لقومهما: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣ - ٦٩] وقال تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وقال الضحاك عن ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدا ﷺ رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد قال فأنزل الله ﷿ ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ (^٢) الآية.\nوقوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ اختلفوا فيه فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يقول سبقت لهم السعادة في الذكر الأول (^٣) وقال العوفي عن ابن عباس ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقول: أجرا حسنا بما قدموا (^٤) وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهذا كقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] الآية، وقال مجاهد ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم قال: ومحمد ﷺ يشفع لهم، وكذا قال\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٢٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٢٧.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٢٨.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٥٢٨.","vol":"4","page":215},{"text":"زيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقال قتادة سلف صدق عند ربهم واختار ابن جرير قول مجاهد أن الأعمال الصالحة التي قدموها كما يقال له قدم في الإسلام، كقول حسان: [الطويل] لنا القدم العليا إليك وخلفنا … لأوّلنا في طاعة الله تابع (^١)\nوقول ذي الرمة: [الطويل] لكم قدم لا ينكر الناس أنها … مع الحسب العادي طمت على البحر (^٢)\nوقوله تعالى: ﴿قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي مع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم رجلا من جنسهم بشيرا ونذيرا ﴿قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي ظاهر وهم الكاذبون في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-739>[سورة يونس (١٠): آية ٣]</span>\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾\nيخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام قيل كهذه الأيام وقيل كل يوم كألف سنة مما تعدون كما سيأتي بيانه ثم على استوى العرش والعرش أعظم المخلوقات وسقفها. قال ابن أبي حاتم حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا أبو أسامة حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال سمعت سعدا الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء، وقال وهب بن منبه خلقه الله من نوره وهذا غريب. وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي يدبر أمر الخلائق ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] ولا يشغله شأن عن شأن ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال والبحار والعمران والقفار ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] الآية.\n﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال الدراوردي عن سعد بن إسحاق بن كعب أنه قال حين نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية، لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الجن خرجنا من المدينة أخرجتنا هذه الآية رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وكقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾\n_________\n(^١) البيت لحسان بن ثابت الأنصاري في ديوانه ص ٢٤١، ولسان العرب (خلف)، والمخصص ١٦/ ١٨٩، وتاج العروس (خلف)، والمذكر والمؤنث للأنباري ص ١٩٧، والمستقصى ٢/ ٣٠١. وتفسير الطبري ٦/ ٥٢٩.\n(^٢) البيت الذي الرمة في تفسير البحر المحيط ٥/ ١٢٧، وتفسير الطبري ٦/ ٥٢٩.","vol":"4","page":216},{"text":"﴿إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وقوله ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أيها المشركون في أمركم تعبدون مع الله إلها غيره وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧] وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها.\n\n<span data-type='title' id=toc-740>[سورة يونس (١٠): آية ٤]</span>\n﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾\nيخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة لا يترك منهم أحدا حتى يعيده كما بدأه، ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل والجزاء الأوفى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العذاب. من ﴿سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٢ - ٤٣] ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨] ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-741>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥ إلى ٦]</span>\n﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾\nيخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وجعل شعاع القمر نورا، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرا ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر كقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] الآية، وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي القمر ﴿مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ فبالشمس تعرف الأيام وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام.\n﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة كقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ﴾","vol":"4","page":217},{"text":"﴿كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] وقوله:\n«نفصل الآيات» أي نبين الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا وإذا ذهب هذا جاء هذا لا يتأخر عنه شيئا كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥] وقال: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] الآية.\nوقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] الآية، وقوله:\n﴿وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي من الآيات الدالة على عظمته تعالى كما قال:\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] الآية، وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٩٥] وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] أي العقول، وقال هاهنا ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أي عقاب الله وسخطه وعذابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-742>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧ إلى ٨]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاِطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقائه شيئا ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها نفوسهم. قال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها والشرعية فلا يأتمرون بها فإن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-743>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)﴾\nهذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وامتثلوا ما أمروا به فعملوا الصالحات بأنه سيهديهم بإيمانهم، يحتمل أن تكون الباء هاهنا سببية فتقديره بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد في قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ قال: يكون","vol":"4","page":218},{"text":"لهم نورا يمشون به (^١)، وقال ابن جريج في الآية: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك فيجعل له نورا من بين يديه حتى يدخله الجنة فذلك قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيلزم صاحبه ويلازّه (^٢) حتى يقذفه في النار (^٣)، وروي نحوه عن قتادة مرسلا فالله أعلم.\nوقوله: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي هذا حال أهل الجنة. قال ابن جريج أخبرت بأن قوله: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ قال: إذا مرّ بهم الطير يشتهونه قالوا سبحانك اللهم وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما يشتهونه فيسلم عليهم فيردون عليه فذلك قوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ قال فإذا أكلوا حمدوا الله فذلك قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.\nوقال مقاتل بن حيان: إذا أراد أهل الجنة أن يدعوا بالطعام قال أحدهم ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ قال فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى قال فيأكل منهن كلهن، وقال سفيان الثوري: إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ وهذه الآية فيها شبه من قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] الآية.\nوقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] وقوله:\n﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] الآية، وقوله ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هذا فيه دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبدا، المعبود على طول المدى، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره وفي ابتداء كتابه وعند ابتداء تنزيله حيث يقول تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف: ١] ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها وأنه المحمود في الأولى والآخرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة وفي جميع الأحوال ولهذا جاء في الحديث: «إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس» (^٤). وإنما يكون ذلك كذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم فتكرر وتعاد وتزداد فليس لها انقضاء ولا أمد فلا إله إلا هو ولا رب سواه.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٣٤.\n(^٢) يلازّه: يقارنه ويلازمه ويلصق به.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٣٤.\n(^٤) أخرجه مسلم في الجنة حديث ١٨، ١٩، والدارمي في الرقاق باب ١٠٤، وأحمد في المسند ٣/ ٣٤٩، ٣٥٤، ٣٨٤.","vol":"4","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-744>[سورة يونس (١٠): آية ١١]</span>\n﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾\nيخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب له إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم وأنه يعلم منهم عدم القصد بالشر إلى إرادة ذلك فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ الآية، أي لو استجاب لهم كلما دعوه به في ذلك لأهلكهم ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عبادة بن الوليد حدثنا جابر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم لا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم» (^١) ورواه أبو داود من حديث حاتم بن إسماعيل به.\nوقال البزار وتفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري لم يشاركه أحد فيه وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] الآية، وقال مجاهد في تفسير هذه الآية، ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ الآية، هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه. فلو يعجل لهم بالاستجابة في ذلك ما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-745>[سورة يونس (١٠): آية ١٢]</span>\n﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾\nيخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر كقوله: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أي كثير وهما في معنى واحد وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها وأكثر الدعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها ورفعها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه وفي جميع أحواله فإذا فرج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته فقال:\n﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود: ١١] وكقول\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٧٤، وأبو داود في الوتر باب ٢٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٣٧.","vol":"4","page":220},{"text":"رسول الله ﷺ: «عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن اصابته ضراء فصبر كان خيرا له وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-746>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٣ إلى ١٤]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾\nأخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم وأرسل إليهم رسولا لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء» (^٢).\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني المثنى حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد أنبأنا حماد عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عوف بن مالك قال لأبي بكر رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلي من السماء فانتشط رسول الله ﷺ ثم أعيد فانتشط أبو بكر ثم ذرع الناس حول المنبر ففضل عمر بثلاثة أذرع حول المنبر فقال عمر: دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها فلما استخلف عمر قال: يا عوف رؤياك؟ قال وهل لك في رؤياي من حاجة أو لم تنتهرني؟ قال ويحك إني كرهت أن تنعي لخليفة رسول الله ﷺ نفسه فقص عليه الرؤيا حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع قال: أما إحداهن فإنه كان خليفة. وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثلاثة فإنه شهيد، قال: فقال يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فقد استخلفت يا ابن أم عمر فانظر كيف تعمل؟ وأما قوله فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء الله، وأما قوله: شهيد فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به؟\n\n<span data-type='title' id=toc-747>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٥ إلى ١٦]</span>\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٤، وأحمد في المسند ٤/ ٣٣٢، ٣٣٣، ٦/ ١٥، ١٦.\n(^٢) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٩٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٣٩.","vol":"4","page":221},{"text":"يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه أنهم إذا قرأ عليهم الرسول ﷺ كتاب الله وحجته الواضحة قالوا له: ائت بقرآن غير هذا أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ أي ليس هذا إلي إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nثم قال محتجا عليهم في صحة ما جاءهم به: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ أي هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أني لست أتقوله من عندي ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله ﷿ لا تنتقدون عليّ شيئا تغمصوني (^١) به ولهذا قال:\n﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي ﷺ قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان فقلت لا، وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق.\nوالفضل ما شهدت به الأعداء.\nفقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه ﵇ بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة، وعن سعيد بن المسيب ثلاثا وأربعين سنة، والصحيح المشهور الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-748>[سورة يونس (١٠): آية ١٧]</span>\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾\nيقول تعالى لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ وتقول على الله وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد ﷺ وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى وبين نصف الليل في حندس الظلماء، فمن شيم كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد ﷺ وكذب مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي.\n_________\n(^١) غمصه: احتقر وعابه.","vol":"4","page":222},{"text":"قال عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب قال: فكان أول ما سمعته يقول: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلون الجنة بسلام» (^١) ولما قدم وفد ضمام بن ثعلبة على رسول الله ﷺ في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له من رفع هذه السماء؟ قال: «الله» قال: ومن نصب هذه الجبال قال «الله» قال: ومن سطح هذه الأرض؟ قال: «الله» قال: فبالذي رفع السماء ونصب هذه الجبال وسطح هذه الأرض الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: «اللهم نعم» ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام، ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين ويحلف له رسول الله ﷺ فقال له:\nصدقت، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا، وقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه. وقال حسان بن ثابت: [الطويل] لو لم تكن فيه آيات مبينة … كانت بديهته تأتيك بالخبر (^٢)\nوأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة، وكم من فرق بين قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ إلى آخرها. وبين قول مسيلمة قبحه الله ولعنه. يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين. وقوله قبحه الله لقد أنعم الله على الحبلى، إذ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي. وقوله خلده الله في نار جهنم. وقد فعل: الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل، وقوله أبعده الله عن رحمته: والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، إن قريشا قوم يعتدون.\nإلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن يلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء، ولهذا أرغم الله أنفه، وشرب يوم حديقة الموت حتفه، ومزق شمله.\nولعنه صحبه وأهله. وقدموا على الصديق تائبين، وجاءوا في دين الله راغبين فسألهم الصديق خليفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنه أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة لعنه الله فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرءوا شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم فقرأوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا قال لهم الصديق ﵁: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤٥١.\n(^٢) البيت ليس في ديوان حسان بن ثابت.","vol":"4","page":223},{"text":"يخرج من إل.\nوذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة وكان صديقا له في الجاهلية وكان عمرو لم يسلم بعد فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو ماذا أنزل على صاحبكم يعني رسول الله ﷺ في هذه المدة؟ فقال: لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة فقال: وما هي؟ فقال ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] إلى آخر السورة ففكر مسيلمة ساعة ثم قال وأنا قد أنزل عليّ مثله فقال وما هو فقال يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر. كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب. فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد ﷺ وصدقه، وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه، فكيف بأولي البصائر والنهى، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقال في هذه الآية الكريمة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل. وقامت عليه الحجج، لا أحد أظلم منه كما جاء في الحديث «أعتى الناس على الله رجل قتل نبيا أو قتله نبي» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-749>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٨ إلى ١٩]</span>\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾\nينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ولا يكون هذا أبدا ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): معناه أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض؟ ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤٠٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٤٢.","vol":"4","page":224},{"text":"وبراهينه الدامغة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] وقوله:\n﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، أي لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود لقضى بينهم فيما اختلفوا فيه فأسعد المؤمنين وأعنت الكافرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-750>[سورة يونس (١٠): آية ٢٠]</span>\n﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾\nأي ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون: لولا أنزل على محمد آية من ربه يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة أو أن يحول لهم الصفا ذهبا أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارا أو نحو ذلك مما الله عليه قادر ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله كما قال تعالى:\n﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١٠ - ١١] وكقوله: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] الآية، يقول تعالى: إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا، فإن آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة. ولهذا لما خير رسول الله ﷺ بين إعطائهم ما سألوا فإن آمنوا وإلا عذبوا وبين إنظارهم اختار إنظارهم كما حلم عنهم غير مرة رسول الله ﷺ ولهذا قال تعالى إرشادا لنبيه ﷺ إلى الجواب عما سألوا: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ أي الأمر كله لله وهو يعلم العواقب في الأمور.\n﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ اي إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله فيّ وفيكم. هذا مع أنهم قد شاهدوا من آياته ﷺ أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبداره فانشق اثنتين فرقة من وراء الجبل وفرقة من دونه. وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا، ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشادا وتثبيتا لأجابهم، ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادا وتعنتا فتركهم فيما رابهم وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الأنعام: ١١١] الآية، ولما فيهم من المكابرة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الحجر: ١٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إلى ما سألوه لأنه لا فائدة في جوابهم لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم ولهذا قال: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.","vol":"4","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-751>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢١ إلى ٢٣]</span>\n﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾\nيخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط ونحو ذلك ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ قال مجاهد: استهزاء وتكذيب كقوله: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] الآية، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح على أثر سماء كانت من الليل أي مطر ثم قال: «هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب» (^١).\nوقوله: ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي أشد استدراجا وإمهالا حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على الجليل والحقير والنقير والقطمير.\nثم أخبر تعالى أنه ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي يحفظكم ويكلؤكم بحراسته ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها﴾ أي بسرعة سيرهم رافقين فبينما هم كذلك إذ ﴿جاءَتْها﴾ أي تلك السفن ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أي شديدة ﴿وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ أي اغتلم البحر عليهم (^٢) ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي هلكوا ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي لا يدعون معه صنما ولا وثنا بل يفردونه بالدعاء والابتهال كقوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].\nوقال هاهنا: ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ﴾ أي هذه الحال ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي لا نشرك بك أحدا ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء هاهنا، قال الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٢٥.\n(^٢) اغتلم البحر عليهم: أي اشتد وهاج واضطرب.","vol":"4","page":226},{"text":"تعالى: ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾ أي من تلك الورطة ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي كان لم يكن من ذلك شيء ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدا غيركم، كما جاء في الحديث «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» (^١) وقوله: ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ أي مصيركم ومآلكم ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ أي فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-752>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]</span>\n﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَاِزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾\nضرب ﵎ مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض، بماء أنزل من السماء، مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك، ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ أي زينتها الفانية ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ أي حسنت بما خرج من رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان ﴿وَظَنَّ أَهْلُها﴾ الذين زرعوها وغرسوها ﴿أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أي على جذاذها وحصادها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة، فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أي يابسا بعد الخضرة والنضارة ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك. وقال قتادة: كأن لم تغن كأن لم تنعم، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن.\nولهذا جاء في الحديث «يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول لا» (^٢) وقال تعالى إخبارا عن المهلكين:\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [هود: ٩٤ - ٩٥] ثم قال تعالى: ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي نبين الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعا مع اغترارهم بها، وتمكنهم وثقتهم بمواعيدها وتفلتها عنهم، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٤٣، وابن ماجة في الزهد باب ٢٣.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣٨.","vol":"4","page":227},{"text":"وقد ضرب الله تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز، فقال في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥] وكذا في سورة الزمر (^١) والحديد (^٢)، يضرب الله بذلك مثل الحياة الدنيا. وقال ابن جرير (^٣): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت مروان يعني ابن الحكم، يقرأ على المنبر: وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وما كان الله ليهلكهم إلا بذنوب أهلها. قال قد قرأتها وليست في المصحف، فقال عباس بن عبد الله بن عباس هكذا يقرؤها ابن عباس، فأرسلوا إلى ابن عباس فقال هكذا أقرأني أبي بن كعب، وهذه قراءة غريبة وكأنها زيدت للتفسير.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ الآية. لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغب في الجنة ودعا إليها وسماها دار السلام أي من الآفات، والنقائص والنكبات فقال:\n﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال أيوب عن أبي قلابة: عن النبي ﷺ قال: «قيل لي لتنم عينك وليعقل قلبك ولتسمع أذنك، فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني ثم قيل لي: مثلي ومثل ما جئت كمثل سيد بني دارا ثم صنع مأدبة وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولو يرض عنه السيد، والله السيد والدار والإسلام والمأدبة الجنة والداعي محمد ﷺ (^٤)» وهذا الحديث مرسل.\nوقد جاء متصلا من حديث الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما فقال «إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا، فقال اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل منها» رواه ابن جرير (^٥).\n_________\n(^١) الآية: ٢١.\n(^٢) الآية: ٢٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٤٧.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٤٨.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٥٤٩.","vol":"4","page":228},{"text":"وقال قتادة: حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين:\nيا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» قال وأنزل في قوله يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-753>[سورة يونس (١٠): آية ٢٦]</span>\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦)﴾\nيخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح: الحسنى في الدار الآخرة كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقوله: ﴿وَزِيادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف.\nوقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ وقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: وما هو ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار-قال-فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم» (^٣) وهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني شبيب عن أبان عن أبي تميمة الهجيمي، أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله ﷺ «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة-بصوت يسمع أولهم وآخرهم-إن الله وعدكم الحسنى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٤٨.\n(^٢) المسند ٤/ ٣٣٣.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٠، باب ١، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٥٥٠.","vol":"4","page":229},{"text":"وزيادة، فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ﷿» ورواه أيضا ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر الهذلي عن أبي تميمة الهجيمي به.\nوقال ابن جرير (^١) أيضا: حدثنا ابن حميد حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج عن عطاء عن كعب بن عجرة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ قال «النظر إلى وجه الرحمن ﷿». وقال أيضا (^٢): حدثنا ابن عبد الرحيم حدثنا عمرو بن أبي سلمة سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية حدثنا أبي بن كعب أنه سأل رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ قال: «الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله ﷿» ورواه ابن أبي حاتم أيضا من حديث زهير به.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ أي قتام وسواد في عرصات المحشر كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة ﴿وَلا ذِلَّةٌ﴾ أي هوان وصغار أي لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر بل هم كما قال تعالى في حقهم: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ أي نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته آمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-754>[سورة يونس (١٠): آية ٢٧]</span>\n﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)﴾\nلما أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يضاعف لهم الحسنات ويزدادون على ذلك عطف بذكر حال الأشقياء فذكر تعالى عدله فيهم وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها لا يزيدهم على ذلك ﴿وَتَرْهَقُهُمْ﴾ أي تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها كما قال: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] الآية وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٤] الآيات، وقوله: ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي مانع ولا واق يقيهم العذاب كقوله تعالى:\n﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلاّ لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢] وقوله: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآية إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧] وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢] الآية.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٥١.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٥١، وفيه: حدثنا ابن البرقي، بدل: حدثنا ابن عبد الرحيم.","vol":"4","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-755>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]</span>\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي أهل الأرض كلهم من جن وإنس وبر وفاجر كقوله:\n﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الآية أي الزموا أنتم وهم مكانا معينا امتازوا فيه عن مقام المؤمنين كقوله تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وفي الآية الأخرى ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي يصيرون صدعين وهذا يكون إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء ولهذا قيل ذلك (^١) يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا، وفي الحديث الآخر «نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس» (^٢).\nوقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة إخبارا عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة ﴿مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ الآية أنهم أنكروا عبادتهم وتبرؤوا منهم كقوله: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٢] الآية وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وقوله:\n﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] الآية وقوله في هذه الآية إخبارا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم: ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية أي ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها، وإنما كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا ولا أمرناكم بها ولا رضينا منكم بذلك.\nوفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده بل تبرأ منهم وقت أحوج ما يكونون إليه وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير القادر على كل شيء العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله وأنزل كتبه آمرا بعبادته وحده لا شريك له ناهيا عن عبادة ما سواه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥].\n_________\n(^١) بعده بياض بالأصل.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٤٥.","vol":"4","page":231},{"text":"والمشركون أنواع وأقسام كثيرون قد ذكرهم الله في كتابه وبين أحوالهم وأقوالهم ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد، وقال تعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ﴾ أي في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتعلم ما سلف من عملها من خير وشر كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وقال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤] وقد قرأ بعضهم ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ﴾ وفسرها بعضهم بالقراءة، وفسرها بعضهم بمعنى تتبع ما قدمت من خير وشر وفسرها بعضهم بحديث «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت» (^١) الحديث، وقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل ففصلها وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي ذهب عن المشركين ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-756>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣١ إلى ٣٣]</span>\n﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾\nيحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية الآلهة فقال تعالى:\n﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر فيشق الأرض شقا بقدرته ومشيئته فيخرج منها ﴿حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْبًا وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٧ - ٣١] أإله مع الله؟ فسيقولون الله ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١] وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] أي الذي وهبكم هذه القوة السامعة، والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها ولسلبكم إياها كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ [الملك: ٢٣] الآية.\nوقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] الآية وقوله: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي بقدرته العظيمة ومنته العميمة، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك وأن الآية عامة لذلك كله وقوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، والرقاق باب ٥٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩.","vol":"4","page":232},{"text":"فالملك كله العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس وجان فقيرون إليه عبيد له خاضعون لديه ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ أي وهم يعلمون ذلك ويعترفون به.\n﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم وقوله:\n﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الآية أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ أي فكل معبود سواه باطل لا إله إلا هو واحد لا شريك له ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء، وقوله: ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ الآية أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره مع أنهم يعترفون بأنه الخالق المتصرف في الملك وحده الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار كقوله: ﴿قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\n\n<span data-type='title' id=toc-757>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]</span>\n﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾\nوهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره، وعبدوا من الأصنام والأنداد ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي من بدأ خلق هذه السموات والأرض ثم ينشئ ما فيهما من الخلائق، ويفرق أجرام السموات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما ثم يعيد الخلق خلقا جديدا ﴿قُلِ اللهُ﴾ هو الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا شريك له ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أي أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلال ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله الذي لا إله إلا هو.\n﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى﴾ أي أفيتبع العبد الذي يهدي إلى الحق ويبصر بعد العمى أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن يهدى لعماه وبكمه كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم أنه قال: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] وقال لقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] إلى غير ذلك من الآيات وقوله: ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي فما بالكم أن يذهب بعقولكم كيف سويتم بين الله وبين خلقه وعدلتم هذا بهذا وعبدتم هذا وهذا، وهلا أفردتم الرب ﷻ المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة، ثم بين تعالى","vol":"4","page":233},{"text":"أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلا ولا برهانا وإنما هو ظن منهم أي توهم وتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئا ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ تهديد لهم ووعيد شديد لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-758>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾\nهذا بيان لإعجاز القرآن وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني العزيزة النافعة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وأقواله فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ولهذا قال تعالى: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله ولا يشبه هذا كلام البشر ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المتقدمة ومهيمنا عليه ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل.\nوقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي وبيان الأحكام والحلال والحرام بيانا شافيا كافيا حقا لا مرية فيه من الله رب العالمين كما تقدم في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم أي خبر عما سلف وعما سيأتي وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله وقلتم كذبا ومينا إن هذا من عند محمد فمحمد بشر مثلكم وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن فأتوا أنتم بسورة مثله، أي من جنس هذا القرآن واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان.\nوهذا هو المقام الثالث في التحدي فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده وليستعينوا بمن شاؤوا وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك ولا سبيل لهم إليه فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في أول سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ","vol":"4","page":234},{"text":"صادِقِينَ﴾ وكذا في سورة البقرة وهي مدنية تحداهم بسورة منه وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ﴾ [البقرة: ٢٤] الآية.\nهذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم، وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب، ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته فكانوا أعلم الناس به وأفهمهم له وأتبعهم له وأشدّهم له انقيادا كما عرف السحرة لعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى ﵇ لا يصدر إلا عن مؤيد مسدد مرسل من الله وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله. وكذلك عيسى ﵇ بعث في زمان علماء الطب ومعالجة المرضى فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ومثل هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله.\nولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا» (^١).\nوقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ يقول بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي ولم يحصلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلا وسفها ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من الأمم السالفة ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلما وعلوا وكفرا وعنادا وجهلا فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم.\nوقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية، أي ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت به ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ بل يموت على ذلك ويبعث عليه ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه؟ ومن يستحق الضلالة فيضله، وهو العادل الذي لا يجور، بل يعطي كلا ما يستحقه ﵎ وتقدس وتنزه لا إله إلا هو.\n\n<span data-type='title' id=toc-759>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤١ إلى ٤٤]</span>\n﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ وإن كذبك هؤلاء المشركون فتبرأ منهم ومن عملهم ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٣٩.","vol":"4","page":235},{"text":"وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] إلى آخرها، وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين ﴿إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [الممتحنة: ٤] الآية، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان وفي هذا كفاية عظيمة، ولكن ليس ذلك إليك ولا إليهم فإنك لا تقدر على إسماع الأصم وهو الأطرش فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاء الله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة والسمت الحسن والخلق العظيم، والدلالة الظاهرة على نبوتك لأولي البصائر والنهي. وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا﴾ [الفرقان: ٤١] الآية.\nثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدا شيئا وإن كان قد هدى به من هدى وبصر به من العمى، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وأضل به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وفي الحديث عن أبي ذر عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا-إلى أن قال في آخره-يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» رواه مسلم (^١) بطوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-760>[سورة يونس (١٠): آية ٤٥]</span>\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى مذكرا للناس قيام الساعة وحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآية. كقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ وكقوله:\n﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] الآيتين، وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة كقوله: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤].\n_________\n(^١) كتاب البر حديث ٥٥.","vol":"4","page":236},{"text":"وقوله: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي يعرف الأبناء الآباء والقرابات بعضهم لبعض كما كانوا في الدنيا ولكن كل مشغول بنفسه ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٥١] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١١] الآيات، وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ولا خسارة أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-761>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾\nيقول تعالى مخاطبا لرسوله ﷺ: ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي ننتقم منهم في حياتك لتقر عينك منهم ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي مصيرهم ومنقلبهم والله شهيد على أفعالهم بعدك وقد قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا داود بن الجارود عن أبي السليل عن حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ قال:\n«عرضت عليّ أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها» فقال رجل: يا رسول الله عرض عليك من خلق فكيف من لم يخلق؟ فقال: «صوروا لي في الطين حتى أني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه» ورواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن عقبة بن مكرم عن يونس بن بكير عن زياد بن المنذر عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد به نحوه.\nوقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قال مجاهد: يعني يوم القيامة (^١) ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر: ٦٩] الآية، فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها وكتاب أعمالها من خير وشر موضوع شاهد عليهم وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق إلا أنها أول الأمم يوم القيامة يفصل بينهم ويقضي لهم كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي يفصل لهم قبل الخلائق» (^٢) فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٦٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجمعة حديث ٢٢.","vol":"4","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-762>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٨ إلى ٥٢]</span>\n﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كفر هؤلاء المشركين في استعجالهم العذاب وسؤالهم عن وقته قبل التعيين مما لا فائدة لهم فيه كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] أي كائنة لا محالة وواقعة وإن لم يعلموا وقتها عينا، ولهذا أرشد تعالى رسول الله ﷺ إلى جوابهم فقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ الآية، أي لا أقول إلا ما علمني ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يطلعني الله عليه فأنا عبده ورسوله إليكم وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة ولم يطلعني على وقتها ولكن ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أي لكل قرن مدة من العمر مقدرة فإذا انقضى أجلهم ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ كقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها﴾ [المنافقون: ١١] الآية.\nثم أخبر أن عذاب الله سيأتيهم بغتة فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا﴾ أي ليلا أو نهارا ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يعني أنهم إذا جاءهم العذاب قالوا ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ﴾ أي يوم القيامة يقال لهم هذا تبكيتا وتقريعا كقوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-763>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]</span>\n﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾\nيقول تعالى ويستخبرونك ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أي المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام ترابا ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي ليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم ف ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وفي التغابن ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالحق ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾.","vol":"4","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-764>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]</span>\n﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأن وعده حق كائن لا محالة وأنه يحيي ويميت وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار.\n\n<span data-type='title' id=toc-765>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾\nيقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي زاجر عن الفواحش ﴿وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ﴾ أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، وهدى ورحمة أي يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا، فإنه أولى ما يفرحون به ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة، كما قال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية، وذكر بسنده عن بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو، سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول: لما قدم خراج العراق إلى عمر ﵁، خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول الحمد لله تعالى، ويقول مولاه هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال عمر: كذبت ليس هذا، هو الذي يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الآية، وهذا مما يجمعون، وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني، فرواه عن أبي زرعة الدمشقي عن حيوة بن شريح عن بقية فذكره.\n\n<span data-type='title' id=toc-766>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحللون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآيات، وقال الإمام","vol":"4","page":239},{"text":"أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، سمعت أبا الأحوص، وهو عوف بن مالك بن نضلة، يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا رث الهيئة فقال: «هل لك مال؟ قلت نعم. قال من أي المال؟ قال قلت من كل المال من الإبل والرقيق والخيل والغنم، فقال: «إذا آتاك الله مالا فلير عليك-وقال! هل تنتج إبلك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول هذه بحر، وتشق جلودها وتقول هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك» قال نعم قال «فإن ما آتاك الله لك حل، ساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحدّ من موساك» وذكر تمام الحديث.\nثم رواه عن سفيان بن عيينة عن أبي الزهراء عمرو بن عمرو عن عمه أبي الأحوص، وعن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن أبي الأحوص به، وهذا حديث جيد قوي الإسناد، وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها، ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال: ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي ما ظنهم أن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ قال ابن جرير (^٢): في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا (قلت) ويحتمل أن يكون المراد لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدنيا ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ بل يحرمون ما أنعم الله به عليهم، ويضيقون على أنفسهم فيجعلون بعضا حلالا وبعضا حراما.\nوهذا قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم، وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا رباح حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا موسى بن الصباح في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ قال إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله ﷿ فيقومون بين يدي الله ﷿ ثلاثة أصناف قال فيؤتى برجل من الصنف الأول فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول يا رب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليها.\n-قال! فيقول الله تعالى: عبدي إنما عملت للجنة هذه الجنة فادخلها ومن فضلي عليك قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة-قال-ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني فيقول عبدي لماذا عملت فيقول يا رب خلقت نارا وخلقت أغلالها\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٤٧٣، ٤٧٤، ٤/ ١٣٦، ١٣٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٢.","vol":"4","page":240},{"text":"وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفا منها فيقول عبدي إنما عملت ذلك خوفا من ناري فإني قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة. ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث فيقول عبدي لماذا عملت؟ فيقول رب حبا لك وشوقا إليك وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليك وحبا لك. فيقول ﵎: عبدي إنما عملت حبا لي وشوقا إلي فيتجلى له الرب ﷻ ويقول ها أنا ذا فانظر إليّ ثم يقول: من فضلي عليك أن أعتقك من النار وأبيحك جنتي وأزيرك ملائكتي وأسلم عليك بنفسي: فيدخل هو ومن معه الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-767>[سورة يونس (١٠): آية ٦١]</span>\n﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾\nيخبر تعالى نبيه ﷺ أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السموات ولا في الأرض ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة في قوله: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] الآية وقال تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] الآية.\nوإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء فكيف علمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢١٨] ولهذا قال تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي إذا تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راؤون سامعون ولهذا قال ﷺ لما سأله جبريل عن الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-768>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]</span>\n﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٧، ومسلم في الإيمان حديث ١، ٥ - ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في الإيمان باب ٤، والنسائي في الإيمان باب ٥، ٦، وابن ماجة في المقدمة باب ٩، وأحمد في المسند ٢/ ١٠٧، ١٣٢.","vol":"4","page":241},{"text":"يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم ربهم، فكل من كان تقيا كان لله وليا ف ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما وراءهم في الدنيا، وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف أولياء الله الذين إذا رأوا ذكر الله (^١)، وقد ورد هذا في حديث مرفوع كما قال البزار: حدثنا علي بن حرب الرازي حدثنا محمد بن سعيد بن سابق حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري وهو القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله من أولياء الله؟ قال «الذين إذا رأوا ذكر الله» ثم قال البزار وقد روي عن سعيد مرسلا.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا أبو فضيل حدثنا أبي عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير البجلي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء» قيل من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم؟ قال:\n«هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ثم رواه أيضا أبو داود من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ بمثله وهذا أيضا إسناد جيد إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب والله أعلم.\nوفي حديث الإمام أحمد (^٣) عن أبي النضر عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «يأتي من أفناء الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا في الله يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها يفزع الناس ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» والحديث مطول.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن ذكوان أبي صالح عن رجل عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له».\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٧٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٥، ٥٧٦.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٤٣.\n(^٤) المسند ٦/ ٤٤٥.","vol":"4","page":242},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني أبو السائب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن أبي الدرداء في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية فقال: لقد سألت عن شيء ما سمعت أحدا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله ﷺ فقال: «هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له بشراه في الحياة الدنيا وبشراه في الآخرة الجنة» ثم رواه ابن جرير (^٢) عن سفيان عن ابن المنكدر عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية فذكر نحو ما تقدم.\nثم قال ابن جرير (^٣): حدثني المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح قال: سمعت أبا الدرداء سئل عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى﴾ فذكر نحوه سواء وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان حدثنا أبان حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي أو قال أحد قبلك-تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير به، ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير فذكره ورواه علي بن المبارك عن يحيى عن أبي سلمة قال: نبئنا عن عبادة بن الصامت سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية فذكره.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثني أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي عن حميد بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت فقال:\nآية في كتاب الله أسألك عنها قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فقال عبادة ما سألني عنها أحد قبلك سألت عنها نبي الله فقال مثل ذلك «ما سألني عنها أحد قبلك الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن في المنام أو ترى له» ثم رواه من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله ﷺ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقد عرفنا بشرى الآخرة الجنة فما بشرى الدنيا؟ قال «الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له. وهي جزء من أربعة وأربعين جزءا أو سبعين جزءا من النبوة» (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٧، ٥٧٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٨٠.\n(^٤) المسند ٥/ ٣١٥.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٨.\n(^٦) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٧٨.","vol":"4","page":243},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا بهز حدثنا حماد حدثنا أبو عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أنه قال يا رسول الله: الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه، ويثنون عليه به فقال رسول الله ﷺ: «تلك عاجل بشرى المؤمن» رواه مسلم (^٢).\nوقال أحمد (^٣) أيضا: حدثنا حسن يعني الأشيب حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: «﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ -قال-الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من تسعة وأربعين جزءا من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليكبر ولا يخبر بها أحدا» لم يخرجوه.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني يونس أنبأنا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: «﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» وقال أيضا ابن جرير (^٥): حدثني محمد بن أبي حاتم المؤدب حدثنا عمار بن محمد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ -قال-في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي في الآخرة الجنة» ثم رواه عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال:\nالرؤيا الحسنة بشرى من الله، وهي من المبشرات (^٦) هكذا رواه من هذا الطريق موقوفا، وقال أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر حدثنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له» (^٧).\nوقال ابن جرير (^٨): حدثني أحمد بن حماد الدولابي حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كريز الكعبية سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير ويحيى بن أبي كثير وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم أنهم فسروا ذلك بالرؤيا\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٥٦.\n(^٢) كتاب البر حديث ١٦٦.\n(^٣) المسند ٢/ ٢١٩، ٢٢٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٥٨١.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٨.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٨.\n(^٧) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٨.\n(^٨) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٩.","vol":"4","page":244},{"text":"الصالحة. وقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢] وفي حديث البراء ﵁ أن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب فقالوا اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء (^١) وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقال تعالى:\n﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢] وقوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ أي هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-769>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٥ إلى ٦٧]</span>\n﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ﴾ قول هؤلاء المشركين واستعن بالله عليهم وتوكل عليه فإن العزة لله جميعا أي جميعا له ولرسوله وللمؤمنين ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم، ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك شيئا لا ضرا ولا نفعا ولا دليل لهم على عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم، ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه، أي يستريحون من نصبهم وكلهم وحركاتهم ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أي مضيئا لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي يسمعون هذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٨٧.","vol":"4","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-770>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]</span>\n﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾\nيقول تعالى منكرا على من ادعى أن له: ﴿وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي تقدس عن ذلك هو الغني عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي فكيف يكون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك له عبد له ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ أي ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنكار ووعيد أكيد وتهديد شديد كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].\nثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين ممن زعم أن له ولدا بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلا ثم يضطرهم ﴿إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ كما قال تعالى هاهنا: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا﴾ أي مدة قريبة ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ﴾ أي الموجع المؤلم ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله فيما ادعوا من الإفك والزور.\n\n<span data-type='title' id=toc-771>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧١ إلى ٧٣]</span>\n﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي أخبرهم واقصص عليهم أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ أي عظم عليكم ﴿مَقامِي﴾ أي فيكم بين أظهركم ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ إياكم ﴿بِآياتِ اللهِ﴾ أي بحججه وبراهينه ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسا، بل افصلوا حالكم معي فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلي ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ أي ولا تؤخروني ساعة واحدة أي مهما قدرتم فافعلوا فإني","vol":"4","page":246},{"text":"لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] الآية.\nوقوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام لله ﷿ والإسلام هو دين الأنبياء جميعا من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن عباس: سبيلا وسنة فهذا نوح يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٢].\nوقال يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقال موسى: ﴿يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وقال السحرة:\n﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وقال خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] أي من هذه الأمة ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: «نحن معشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد» أي وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت شرائعنا وذلك معنى قوله أولاد علات وهم الإخوة من أمهات شتى والأب واحد.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي على دينه ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾ أي في الأرض ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين.\n\n<span data-type='title' id=toc-772>[سورة يونس (١٠): آية ٧٤]</span>\n﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾\nيقول تعالى ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات أي بالحجج والأدلة","vol":"4","page":247},{"text":"والبراهين على صدق ما جاءوهم به ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم كقوله تعالى:\n﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] الآية وقوله: ﴿كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم ويختم على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، والمراد أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل وأنجى من آمن بهم وذلك من بعد نوح ﵇ فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم ﵇ على الإسلام إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام فبعث الله إليهم نوحا ﵇.\nولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. وقال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧] الآية، وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العذاب والنكال فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك.\n\n<span data-type='title' id=toc-773>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]</span>\n﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾ من بعد تلك الرسل ﴿مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ أي قومه ﴿بِآياتِنا﴾ أي حججنا وبراهيننا ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له وكانوا قوما مجرمين ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ كأنهم قبحهم الله أقسموا على ذلك وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] الآية ﴿قالَ﴾ لهم ﴿مُوسى﴾ منكرا عليهم ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ أي تثنينا ﴿عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي الدين الذي كانوا عليه ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا﴾ أي لك ولهارون ﴿الْكِبْرِياءُ﴾ أي العظمة والرياسة ﴿فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nوكثيرا ما يذكر الله تعالى قصة موسى ﵇ مع فرعون في كتابه العزيز لأنها من أعجب القصص فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر فسخره القدر أن ربي هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد ثم ترعرع وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم ورزقه النبوة والرسالة والتكليم وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه هذا مع ما كان عليه","vol":"4","page":248},{"text":"فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله تعالى وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية، والنفس الخبيثة وقوى رأسه وتولى بركنه وادعى ما ليس له وتجهرم على الله وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل والله تعالى يحفظ رسوله موسى ﵇ وأخاه هارون ويحطوهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا تنام ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئا بعد شيء، ومرة بعد مرة مما يبهر العقول ويدهش الألباب مما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله وما تأتيهم ﴿مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾ وصمم فرعون وملؤه قبحهم الله على التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-774>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٩ إلى ٨٢]</span>\n﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ اِئْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾\nذكر الله سبحانه قصة السحرة مع موسى ﵇ في سورة الأعراف وقد تقدم الكلام عليها هناك وفي هذه السورة وفي سورة طه وفي الشعراء وذلك أن فرعون لعنه الله أراد أن يتهرج على الناس ويعارض ما جاء به موسى ﵇ من الحق المبين، بزخارف السحرة والمشعبذين، فانعكس عليه النظام ولم يحصل له من ذلك المرام، وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨] فظن فرعون أنه يستنصر بالسحار، على رسول الله عالم الأسرار فخاب وخسر الجنة واستوجب النار ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وإنما قال لهم ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٥ - ٦٦] فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم.\nولهذا لما ﴿أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه: ٦٧ - ٦٩] فعند ذلك قال موسى لما ألقوا: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عمار بن الحارث حدثنا عبد الرحمن يعني الدشتكي أخبرنا أبو جعفر الرازي عن ليث وهو ابن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور","vol":"4","page":249},{"text":"الآية التي من سورة يونس ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ والآية الأخرى ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى آخر أربع آيات، وقوله ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه: ٦٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-775>[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]</span>\n﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾\nيخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى ﵇ مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية وهم الشباب على وجل وخوف منه ومن ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر، لأن فرعون لعنه الله كان جبارا عنيدا مسرفا في التمرد والعتو وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفا شديدا، قال العوفي عن ابن عباس: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ قال: فإن الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير منهم امرأة فرعون: ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه (^١).\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ يقول بني إسرائيل (^٢) وعن ابن عباس والضحاك وقتادة: الذرية القليل وقال مجاهد في قوله: ﴿إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ قال: هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم (^٣) واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل لا من قوم فرعون لعود الضمير على أقرب المذكورين، وفي هذا نظر لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وأنهم من بني إسرائيل.\nفالمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى ﵇ واستبشروا به وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة وأن الله تعالى سينقذهم من أسر فرعون ويظهرهم عليه ولهذا لما بلغ هذا فرعون حذر كل الحذر فلم يجد عنه شيئا، ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشد الأذى، و﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل ﴿عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ﴾ أي وأشراف قومه أن يفتنهم ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان سوى قارون فإنه كان من قوم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٩٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٩٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٩١، ٥٩٢.","vol":"4","page":250},{"text":"موسى فبغى عليهم لكنه كان طاويا إلى فرعون متصلا به متعلقا بحباله ومن قال إن الضمير في قوله وملئهم عائد إلى فرعون وعظم الملك من أجل اتباعه أو بحذف آل فرعون وإقامة المضاف إليه مقامه فقد أبعد وإن كان ابن جرير قد حكاه عن بعض النحاة. ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن، قوله تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-776>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٤ إلى ٨٦]</span>\n﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل: ﴿يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي فإن الله كاف من توكل عليه ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك:٢٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].\nوقد امتثل بنو إسرائيل ذلك فقالوا: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي لا تظفرهم بنا وتسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك هكذا روي عن أبي مجلز وأبي الضحى (^١)، وقال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد لا تعذبنا بأيدي آل فرعون ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنوا (^٢) بنا وقال عبد الرزاق أنبأنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تسلطهم علينا فيفتنونا (^٣). وقوله: ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ﴾ أي خلصنا برحمة منك وإحسان ﴿مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي الذين كفروا الحق وستروه ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك.\n\n<span data-type='title' id=toc-777>[سورة يونس (١٠): آية ٨٧]</span>\n﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾\nيذكر تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه وكيفية خلاصهم منهم وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون ﵉ أن يتبوآ أي يتخذا لقومهما بمصر بيوتا، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ فقال الثوري وغيره عن خصيف عن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٥٩٤، ٥٩٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٩٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٩٤.","vol":"4","page":251},{"text":"عكرمة عن ابن عباس ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: أمروا أن يتخذوها مساجد (^١)، وقال الثوري أيضا عن ابن منصور عن إبراهيم، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم (^٢) وكذا قال مجاهد وأبو مالك والربيع بن أنس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبوه زيد بن أسلم وكأن هذا والله أعلم لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه وضيقوا عليهم أمروا بكثرة الصلاة كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣].\nوفي الحديث كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى، أخرجه أبو داود (^٣)، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بالثواب والنصر القريب، وقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇ لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة (^٤)، وقال مجاهد ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرا (^٥) وكذا قال قتادة والضحاك وقال سعيد بن جبير ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي يقابل بعضها بعضا (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-778>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]</span>\n﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾\nهذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى ﵇ على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلما وعلوا وتكبرا وعتوا قال موسى:\n﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ أي من أثاث الدنيا ومتاعها ﴿وَأَمْوالًا﴾ أي جزيلة كثيرة ﴿فِي﴾ هذه ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ بفتح الياء أي أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجا منك لهم كقوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ وقرأ آخرون ليضلوا بضم الياء أي ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك ليظن من أغويته أنك إنما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ٥٩٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٩٦.\n(^٣) لم أجد الحديث في سنن أبي داود، والحديث أخرجه النسائي في المواقيت باب ٤٦، وأحمد في المسند ١/ ٢٠٦، ٢٦٨، ٢٨٠، ٥/ ٣٨٨.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٥٩٧.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٥٩٧.\n(^٦) تفسير الطبري ٦/ ٥٩٨.","vol":"4","page":252},{"text":"أعطيتهم هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد:\nأي أهلكها، وقال الضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس: جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت (^١)، وقال قتادة بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة، وقال محمد بن كعب القرظي جعل سكرهم حجارة.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا يحيى بن أبي بكير عن أبي معشر حدثني محمد بن قيس أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز حتى بلغ ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ الآية، فقال عمر: يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة، فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له: ائتني بكيس فجاءه بكيس فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة.\nوقوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: أي اطبع عليها ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ وهذه الدعوة كانت من موسى ﵇ غضبا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح ﵇ فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧] ولهذا استجاب الله تعالى لموسى ﵇ فيهم هذه الدعوة التي أمن عليها أخوه هارون فقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ قال أبو العالية وأبو صالح وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس دعا موسى وأمن هارون أي قد أجبنا كما فيما سألتما من تدمير آل فرعون، وقد يحتج بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها لأن موسى دعا وهارون أمن، وقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما﴾ الآية، أي كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري قال ابن جريج عن ابن عباس: فاستقيما فامضيا لأمري وهي الاستقامة قال ابن جريج يقولون إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وقال محمد بن علي بن الحسين أربعين يوما.\n\n<span data-type='title' id=toc-779>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]</span>\n﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)﴾\nيذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر بصحبة موسى ﵇ وهم فيما قيل ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية وقد كانوا استعاروا من القبط\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٦٠٠.","vol":"4","page":253},{"text":"حليا كثيرا فخرجوا به معهم فاشتد حنق فرعون عليهم فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته فلحقوهم وقت شروق الشمس ﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر وفرعون وراءهم ولم يبق إلا أن يتقاتل الجمعان وألح أصحاب موسى ﵇ عليه في السؤال كيف المخلص مما نحن فيه؟ فيقول: إني أمرت أن أسلك هاهنا ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].\nفعندما ضاق الأمر اتسع فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه فضربه فانفلق البحر ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ١٣] الآية أي كالجبل العظيم وصار اثني عشر طريقا لكل سبط واحد وأمر الله الريح فنشفت أرضه ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧] وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا. وجاوزت بنو إسرائيل البحر فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى وهو في مائة ألف أدهم سوى بقية الألوان، فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهمّ بالرجوع وهيهات ولات حين مناص، نفذ القدر، واستجيبت الدعوة.\nوجاء جبريل ﵇ على فرس وديق حائل فمر إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها واقتحم جبريل البحر فاقتحم الحصان وراءه ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئا فتجلد لأمرائه وقال لهم ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا فاقتحموا كلهم عن آخرهم وميكائيل في ساقتهم لا يترك منهم أحدا إلا ألحقه بهم، فلما استوسقوا فيه وتكاملوا وهمّ أولهم بالخروج منه أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم فارتطم عليهم فلم ينج منهم أحد وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم وتراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت فقال وهو كذلك:\n﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] ولهذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي أهذا الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي في الأرض الذين أضلوا الناس ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] وهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله ذلك من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله ﷺ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل (^١) ﵀: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٠٩.","vol":"4","page":254},{"text":"حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:\n«لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل-قال-قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة».\nورواه الترمذي (^١) وابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم في تفاسيرهم من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «قال لي جبريل لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة» وقد رواه أبو عيسى الترمذي (^٣) أيضا وابن جرير (^٤) أيضا من غير وجه عن شعبة به فذكر مثله، وقال الترمذي: حسن غريب صحيح، ووقع في رواية عند ابن جرير عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن عطاء وعدي عن سعيد عن ابن عباس رفعه أحدهما فكأن الآخر لم يرفع فالله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أغرق الله فرعون أشار بإصبعه ورفع صوته ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ قال فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه، وكذا رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبي خالد به موقوفا، وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا فقال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن حميد حدثنا حكام عن عنبسة هو ابن أبي سعيد عن كثير بن زاذان عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال لي جبريل يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له» يعني فرعون. كثير بن زاذان هذا قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: مجهول وباقي رجاله ثقات.\nوقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف قتادة وإبراهيم التيمي وميمون بن مهران ونقل عن الضحاك بن قيس أنه خطب بهذا للناس فالله أعلم. وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح وعليه درعه المعروفة على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع ليتحققوا موته وهلاكه ولهذا قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أي\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٠، باب ٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٦/ ٦٠٥.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٠، باب ٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٦/ ٦٠٥.\n(^٥) تفسير الطبري ٦/ ٦٠٥.","vol":"4","page":255},{"text":"نرفعك على نشز من الأرض ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قال مجاهد: بجسدك، وقال الحسن: بجسم لا روح فيه، وقال عبد الله بن شداد: سويا صحيحا أي لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه، وقال أبو صخر:\nبدرعك. وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها كما تقدم والله أعلم.\nوقوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ أي لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده وأنه لا يقوم لغضبه شيء ولهذا قرأ بعضهم ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ أي لا يتعظون بها ولا يعتبرون بها، وقد كان إهلاكهم يوم عاشوراء كما قال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون.\nفقال النبي ﷺ لأصحابه: «أنتم أحق بموسى منهم فصوموه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-780>[سورة يونس (١٠): آية ٩٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾\nيخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية وقوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ قيل هو بلاد مصر والشام مما يلي بيت المقدس ونواحيه فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقال في الآية الأخرى ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٨ - ٦٠] وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] الآيات.\nولكن استمروا مع موسى ﵇ طالبين إلى بلاد بيت المقدس وهي بلاد الخليل ﵇ فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت المقدس وكان فيه قوم من العمالقة فنكل بنو إسرائيل عن قتالهم فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة ومات فيه هارون ثم موسى ﵉ وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون ففتح الله عليهم بيت المقدس واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر ثم عادت إليهم ثم أخذها ملوك اليونان فكانت تحت أحكامهم مدة طويلة وبعث الله عيسى ابن مريم ﵇ في تلك المدة فاستعانت اليهود قبحهم الله على معاداة عيسى ﵇ بملوك اليونان وكانت تحت أحكامهم ووشوا عندهم وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا فبعثوا من يقبض عليه فرفعه الله إليه وشبه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره فأخذوه فصلبوه واعتقدوا أنه هو ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٠، باب ١.","vol":"4","page":256},{"text":"[النساء: ١٥٧ - ١٥٨].\nثم بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان في دين النصرانية وكان فيلسوفا قبل ذلك فدخل في دين النصارى قيل تقية وقيل حيلة ليفسده فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة بدعوها وأحدثوها فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار والصوامع والهياكل والمعابد والقلايات وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف ووضع وكذب ومخالفة لدين المسيح ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامة والقفار.\nواستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية والمقامة وبيت لحم وكنائس ببلاد بيت المقدس ومدن حوران كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة وعبدوا الصليب من حينئذ وصلوا إلى الشرق وصوروا الكنائس، وأحلوا لحم الخنزير وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول ووضعوا له الأمانة الحقيرة التي يسمونها الكبيرة وصنفوا له القوانين وبسط هذا يطول. والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة ﵃ وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا وقوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم أي ولم يكن لهم أن يختلفوا وقد بين الله لهم وأزال عنهم اللبس، وقد ورد في الحديث: «إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة وإن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة منها واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار» قيل: من هم يا رسول الله قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (^١) رواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ وهو في السنن والمسانيد ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي يفصل بينهم ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-781>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٤ إلى ٩٧]</span>\n﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١، والترمذي في الإيمان باب ١٨، وابن ماجة في الفتن باب ١٧، وأحمد في المسند ٣/ ١٤٥.","vol":"4","page":257},{"text":"قال قتادة بن دعامة: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «لا أشك ولا أسأل» (^١) وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم ﷺ موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أي لا يؤمنون إيمانا ينفعهم بل حين لا ينفع نفسا إيمانها ولهذا لما دعا موسى ﵇ على فرعون وملئه قال ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] كما قال تعالى:\n﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] ثم قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-782>[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]</span>\n﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)﴾\nيقول تعالى فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه أو أكثرهم كقوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [يس: ٣٥] ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وفي الحديث الصحيح «عرض علي الأنبياء فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس والنبي يمر معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي ليس معه أحد» ثم ذكر كثرة أتباع موسى ﵇ ثم ذكر كثرة أمته صلوات الله وسلامه عليه كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي.\nوالغرض، أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس وهم أهل نينوى وما كان إيمانهم إلا خوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعد ما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم فعندما جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا له واستكانوا وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم فعندها ﵏ وكشف عنهم العذاب وأخروا كما قال تعالى: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] واختلف المفسرون هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي أو إنما كشف عنهم في الدنيا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٦/ ٦١٠.","vol":"4","page":258},{"text":"فقط؟ على قولين: (أحدهما) إنما كان ذلك في الحياة الدنيا كما هو مقيد في هذه الآية.\n(والثاني) فيهما لقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ فأطلق عليهم الإيمان. والإيمان منقذ من العذاب الأخروي وهذا هو الظاهر والله أعلم.\nوقال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. قال قتادة: وذكر أن قوم يونس بنينوى أرض الموصل وكذا روي عن ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف وكان ابن مسعود يقرؤها «فهلا كانت قرية آمنت» وقال أبو عمران عن أبي الجلد قال: لما نزل بهم العذاب جعل يدور على رؤوسهم كقطع الليل المظلم فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعو به لعل الله أن يكشف عنا العذاب فقال: قولوا:\nيا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت، قال فكشف عنهم العذاب.\nوتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-783>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]</span>\n﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به فآمنوا كلهم ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ أي تلزمهم وتلجئهم ﴿حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي ليس ذلك عليك ولا إليك بل الله ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣] ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد:٤٠] ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد الهادي من يشاء المضل لمن يشاء لعلمه وحكمته وعدله ولهذا قال تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخبال والضلال ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك في هداية من هدى وإضلال من ضل.","vol":"4","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-784>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠١ إلى ١٠٣]</span>\n﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾\nيرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه وما خلق الله في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السموات من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر والليل والنهار واختلافهما وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب والأمواج وهو مع هذا مسخر مذلل للسالكين يحمل سفنهم ويجري بها برفق بتسخير القدير لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي وأي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها عن قوم لا يؤمنون كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلهم ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ونهلك المكذبين بالرسل ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حقا أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة كقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وكما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-785>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٧]</span>\n﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله وحده\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١، والتوحيد باب ١٥، ومسلم في التوبة حديث ١٤، ١٦.","vol":"4","page":260},{"text":"لا شريك له وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم ثم إليه مرجعكم فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقا فأنا لا أعبدها فادعوها فلتضرني فإنها لا تضر ولا تنفع وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له وأمرت أن أكون من المؤمنين وقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ الآية أي أخلص العبادة لله وحده حنيفا أي منحرفا عن الشرك ولهذا قال: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ الآية فيه بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة صفوان بن سليم من طريق عبد الله بن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن موسى عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:\n«اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم» ثم رواه من طريق الليث عن عيسى بن موسى عن صفوان عن رجل من أشجع عن أبي هريرة مرفوعا بمثله سواء. وقوله ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي لمن تاب إليه وتوكل عليه ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به فإنه يتوب عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-786>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٩]</span>\n﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)﴾\nيقول تعالى أمرا لرسوله ﷺ أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك فيه فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ومن ضل عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ أي يفتح بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ أي خير الفاتحين بعدله وحكمته.","vol":"4","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-787>سورة هود</span>\nوهي مكية\nقال الحافظ أبو يعلى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عكرمة قال: قال أبو بكر: سألت رسول الله ﷺ ما شيبك؟ قال «شيبتني هود والواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر:\nيا رسول الله قد شبت قال «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» (^١) وفي رواية «هود وأخواتها».\nوقال الطبراني حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا حجاج بن الحسن حدثنا سعيد بن سلام حدثنا عمر بن محمد عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «شيبتني هود.\nوأخواتها: الواقعة والحاقة وإذا الشمس كورت» وفي رواية «هود وأخواتها» وقد روي من حديث ابن مسعود نحوه فقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير:\nحدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن طارق الرائشي حدثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن أبا بكر قال: يا رسول الله ما شيبك؟ قال:\n«هود والواقعة». عمرو بن ثابت متروك وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود والله أعلم.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-788>[سورة هود (١١): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾\nقد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا وبالله التوفيق.\nوأما قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها فهو.\nكامل صورة ومعنى، هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير ومعنى قوله ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه خبير بعواقب الأمور ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥٦، باب ٦.","vol":"4","page":262},{"text":"أي نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له كقوله تعالى:\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقوله ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ صعد الصفا فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب فاجتمعوا فقال: «يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم ألستم مصدقي؟» فقالوا: ما جربنا عليك كذبا قال: فإني ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (^١) [سبأ: ٤٦].\nوقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله ﷿ فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا﴾ أي في الدنيا ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي في الدار الآخرة قاله قتادة كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] الآية.\nوقد جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لسعد «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك» (^٢) وقال ابن جرير: حدثني المسيب بن شريك عن أبي بكر عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ قال من عمل سيئة كتبت عليه سيئة ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول هلك من غلب آحاده على أعشاره.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى وكذب رسله فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي معادكم يوم القيامة ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي هو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب كما أن الأول مقام ترغيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-789>[سورة هود (١١): آية ٥]</span>\n﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾\nقال ابن عباس كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم فأنزل الله هذه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١١، باب ١، وسورة ٢٦، باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ٣٥٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٤١، ومسلم في الوصية حديث ٥.","vol":"4","page":263},{"text":"الآية، رواه البخاري (^١) من طريق ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عباس قرأ ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية فقلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى فيستحي فنزلت: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. وفي لفظ آخر له قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم ثم قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال قرأ ابن عباس: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾.\nقال البخاري (^٢) وقال غيره عن ابن عباس ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾ يغطون رؤوسهم، وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية: يعني به الشك في الله وعمل السيئات وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهم أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ من القول ﴿وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي يعلم ما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر، وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة: [البسيط] فلا تكتمنّ الله ما في قلوبكم … ليخفى ومهما يكتم الله يعلم (^٣)\nيؤخّر فيوضع في كتاب فيدخر … ليوم حساب أو يعجّل فينقم\nفقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة، وقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله ثنى عنه صدره وغطى رأسه فأنزل الله ذلك، وعود الضمير إلى الله أولى لقوله: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ وقرأ ابن عباس ألا إنهم تثنوني صدورهم برفع الصدور على الفاعلية وهو قريب المعنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-790>[سورة هود (١١): آية ٦]</span>\n﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦)﴾\nأخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض صغيرها وكبيرها بحريها وبريها وأنه يعلم مستقرها ومستودعها أي يعلم أين منتهى سيرها في الأرض وأين تأوي إليه من وكرها وهو مستودعها، وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ أي حيث تأوي ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾ حيث تموت (^٤)، وعن مجاهد ﴿مُسْتَقَرَّها﴾ في الرحم\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١١، باب ١.\n(^٢) راجع الحاشية السابقة.\n(^٣) البيتان في ديوان زهير بن أبي سلمى ص ١٨، والبيت الأول في تاج العروس (كتم)\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣، ٤.","vol":"4","page":264},{"text":"﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾ في الصلب كالتي في الأنعام (^١)، وكذا روي عن ابن عباس والضحاك وجماعة.\nوذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين هاهنا كما ذكره عند تلك الآية فالله أعلم. وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك كقوله: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-791>[سورة هود (١١): الآيات ٧ إلى ٨]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)﴾\nيخبر تعالى عن قدرته على كل شيء وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك كما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: قد بشرتنا، فأعطنا، قال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن قالوا: قد قبلنا. فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: «كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء» قال: فأتاني آت فقال: يا عمران انحلت ناقتك من عقالها، قال: فخرجت في إثرها فلا أدري ما كان بعدي، وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة فمنها قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فقال:\n«كان الله ولم يكن شيء قبله وفي رواية-غيره-وفي رواية-معه-وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض (^٣).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (^٤) وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﷿ أنفق أنفق عليك» وقال:\n«يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار» وقال: «أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤.\n(^٢) المسند ٤/ ٤٣١، ٤٣٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١.\n(^٤) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٦.","vol":"4","page":265},{"text":"والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك» (^٣) وقد رواه الترمذي في التفسير وابن ماجة في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقال مجاهد ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ قبل أن يخلق شيئا، وكذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة وابن جرير وغير واحد، وقال قتادة في قوله ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض، وقال الربيع بن أنس ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفا تحت العرش وهو البحر المسجور.\nوقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشا لارتفاعه، وقال إسماعيل بن أبي خالد سمعت سعدا الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء، وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والرحمة والنعمة الفعال لما يريد.\nوقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله:\n﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال على متن الريح، وقوله تعالى:\n﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا ولم يخلق ذلك عبثا كقوله ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] وقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] الآية وقوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي ليختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولم يقل أكثر عملا، بل أحسن عملا ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله ﷿ على شريعة رسول الله ﷺ فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين حبط وبطل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٢.\n(^٢) المسند ٤/ ١١، ١٢.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١١، باب ١، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣.","vol":"4","page":266},{"text":"وقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ الآية يقول تعالى ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] وقال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وقولهم: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي يقولون كفرا وعنادا ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر ذلك إلا من سحرته فهو يتبعك على ما تقول.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآية. يقول تعالى ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور وأوعدناهم إلى مدة مضروبة ليقولن تكذيبا واستعجالا، ما يحبسه أي يؤخر هذا العذاب عنا فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد والأمة تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة فيراد بها الأمد كقوله في هذه الآية ﴿إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾.\nوقوله في يوسف: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] وتستعمل في الإمام المقتدى به كقوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] وتستعمل في الملة والدين كقوله إخبارا عن المشركين إنهم قالوا: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وتستعمل في الجماعة كقوله: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧].\nوالمراد من الأمة هاهنا الذين يبعث فيهم الرسول مؤمنهم وكافرهم كما في صحيح مسلم «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» (^١) وأما أمة الأتباع فهم المصدقون للرسل كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ وفي الصحيح «فأقول أمتي أمتي» وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة كقوله تعالى:\n﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وكقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] الآية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٤٠.","vol":"4","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-792>[سورة هود (١١): الآيات ٩ إلى ١١]</span>\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾\nيخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل وكفر وجحود لماضي الحال كأنه لم ير خيرا ولم يرج بعد ذلك فرجا. وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أي يقول: ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أي فرح بما في يده بطر فخور على غيره، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي على الشدائد والمكاره ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي في الرخاء والعافية ﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي بما يصيبهم من الضراء ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بما أسلفوه في زمن الرخاء كما جاء في الحديث «والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه» (^١) وفي الصحيحين «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن» (^٢) ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيات.\n\n<span data-type='title' id=toc-793>[سورة هود (١١): الآيات ١٢ إلى ١٤]</span>\n﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى مسليا لرسوله ﷺ عما كان يتعنت به المشركون فيما كانوا يقولونه عن الرسول كما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨] فأمر الله تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه وأرشده إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره ولا يصدنه ذلك ولا يثنينه عن دعائهم إلى الله ﷿ آناء الليل وأطراف النهار كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٨] الآية، وقال هاهنا ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا﴾ أي لقولهم ذلك فإنما أنت نذير ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك فإنهم كذبوا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٤.","vol":"4","page":268},{"text":"وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله ﷿.\nثم بين تعالى إعجاز القرآن وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله ولا بعشر سور مثله ولا بسورة من مثله لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات. وذاته لا يشبهها شيء تعالى وتقدس وتنزه لا إله إلا هو ولا رب سواه ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك وأن هذا الكلام منزل من عند الله متضمن علمه وأمره ونهيه ﴿وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-794>[سورة هود (١١): الآيات ١٥ إلى ١٦]</span>\n﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا يقول من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل لا يعمله إلا التماس الدنيا يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا وهو في الآخرة من الخاسرين: وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد، وقال أنس بن مالك والحسن: نزلت في اليهود والنصارى، وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء، وقال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة (^١)، وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا.\nوقال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١] وقال تعالى:\n﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].\n_________\n(^١) انظر الحديث في تفسير الطبري ٧/ ١٤، ولفظه: «من كانت الدنيا همّه وسدمه وطلبته ونيته»، والسّدم: الولوع بالشيء واللهج به، والغم بطلبه والندم على فوته، وقد أخرجه بلفظ الطبري الدارمي في المقدمة باب ٣٢.","vol":"4","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-795>[سورة هود (١١): آية ١٧]</span>\n﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾\nيخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] الآية وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» (^١) الحديث. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (^٢) وفي المسند والسنن «كل مولود يولد على هذه الملة حتى يعرب عنه لسانه» (^٣) الحديث، فالمؤمن باق على هذه الفطرة.\nوقوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ أي وجاءه شاهد من الله وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.\nولهذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وغير واحد في قوله تعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾: إنه جبريل ﵇.\nوعن علي ﵁ والحسن وقتادة هو محمد ﷺ وكلاهما قريب في المعنى لأن كلا من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلغ رسالة الله تعالى فجبريل إلى محمد ومحمد إلى الأمة، وقيل هو عليّ وهو ضعيف لا يثبت له قائل والأول والثاني هو الحق، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة والتفاصيل تؤخذ من الشريعة والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ وهو القرآن بلغه جبريل إلى النبي ﷺ وبلغه النبي محمد ﷺ إلى أمته.\nثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ أي ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة ﴿إِمامًا وَرَحْمَةً﴾ أي أنزله الله تعالى إلى تلك الأمة إماما لهم وقدوة يقتدون بها ورحمة من الله بهم فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.\nثم قال تعالى متوعدا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركهم وكافرهم وأهل الكتاب وغيرهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٧٩، ومسلم في القدر حديث ٢٢، ٢٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٥٣، ٤٣٥، ٤/ ٢٤.","vol":"4","page":270},{"text":"من سائر طوائف بني آدم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ممن بلغه القرآن كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].\nوفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» (^١) وقال أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن النبي ﷺ على وجهه إلا وجدت مصداقه أو قال تصديقه في القرآن فبلغني أن النبي ﷺ قال: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار» فجعلت أقول أين مصداقه في كتاب الله؟ قال وقلما سمعت عن رسول الله ﷺ إلا وجدت له تصديقا في القرآن حتى وجدت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ قال من الملل كلها.\nوقوله ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، أي القرآن حق من الله لا مرية ولا شك فيه كما قال تعالى: ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [السجدة: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢] وقوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقال تعالى:\n﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-796>[سورة هود (١١): الآيات ١٨ إلى ٢٢]</span>\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾\nيبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرسل والأنبياء وسائر البشر والجان كما قال الإمام أحمد (^٢) حدثنا بهز وعفان أخبرنا همام حدثنا قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل قال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٤٠.\n(^٢) المسند ٢/ ٧٤، ١٠٥.","vol":"4","page":271},{"text":"كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: «إن الله ﷿ يدني المؤمن فيضع عليه كنفه (^١) ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم» ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول: ﴿الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (^٢) الآية أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث قتادة به.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله ﷿ ويجنبونهم الجنة ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أي ويريدون أن يكون طريقهم عوجا غير معتدلة ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها ﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أي بل كانوا تحت قهره وغلبته وفي قبضته وسلطانه وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾.\nوفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (^٣) ولهذا قال تعالى:\n﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ﴾ الآية أي يضاعف عليهم العذاب، وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم بل كانوا صما عن سماع الحق عميا عن اتباعه كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار كقوله: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] الآية، ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه وعلى كل نهي ارتكبوه ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة وقوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا نارا حامية فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين كما قال تعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧] ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي ذهب عنهم ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من دون الله من الأنداد والأصنام فلم تجد عنهم شيئا بل ضرتهم كل الضرر كما قال تعالى: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦].\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ﴾\n_________\n(^١) يضع عليه كنفه: أي ستره وعفوه وصفحه.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٤، ومسلم في التوبة حديث ٥٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٢.","vol":"4","page":272},{"text":"﴿عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢] وقال الخليل لقومه ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم ولهذا قال: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم وظل من يحموم وعن الحور العين بطعام من غسلين وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن، ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-797>[سورة هود (١١): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات فآمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولا وفعلا من الإتيان بالطاعات وترك المنكرات وبهذا ورثوا الجنات، المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات، وهم في ذلك خالدون لا يموتون ولا يهرمون ولا يمرضون ولا ينامون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون، إن هو إلا رشح مسك يعرقون.\nثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي الذين وصفهم أولا بالشقاء والمؤمنين بالسعادة فأولئك كالأعمى والأصم وهؤلاء كالبصير والسميع، فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] الآية.\nوأما المؤمن ففطن ذكي لبيب بصير بالحق يميز بينه وبين الباطل فيتبع الخير ويترك الشر سميع للحجة يفرق بينها وبين الشبهة فلا يروج عليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء كما قال في الآية الأخرى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وكقوله:\n﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٤].","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-798>[سورة هود (١١): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)﴾\nيخبر تعالى عن نوح ﵇ وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله، ولهذا قال: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ وقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذابا أليما موجعا شاقا في الدار الآخرة.\n﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ هم السادة والكبراء من الكافرين منهم ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أي لست بملك ولكنك بشر فكيف أوحي إليك من دوننا ثم ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة (^١) وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترو منهم ولا فكر ولا نظر بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك ولهذا قالوا ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي في أول بادئ الرأي ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ يقولون ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق ولا رزق ولا حال لما دخلتم في دينكم هذا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ أي فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها.\nهذا اعتراض الكافرين على نوح ﵇ وأتباعه وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].\nولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي ﷺ قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم. فقال: هرقل هم أتباع الرسل، وقولهم ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ ليس بمذمة ولا عيب لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال بل لا بد من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء بل لا يفكر هاهنا إلا غبي أو عيي، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما جاءوا بأمر جلي واضح. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه\n_________\n(^١) الحاكة: الخياطون، وحاك الثوب: خاطه.","vol":"4","page":274},{"text":"لم يتلعثم» أي ما تردد ولا تروى لأنه رأى أمرا جليا عظيما واضحا فبادر إليه وسارع.\nوقوله: ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ هم لا يرون ذلك لأنهم عمي عن الحق لا يسمعون ولا يبصرون بل هم في ريبهم يترددون في ظلمات الجهل يعمهون وهم الأفاكون الكاذبون الأقلون الأرذلون وهم في الآخرة هم الأخسرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-799>[سورة هود (١١): آية ٢٨]</span>\n﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما رد به نوح على قومه في ذلك: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي على يقين وأمر جلي ونبوة صادقة وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل بادرتم إلى تكذيبها وردها ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ أي نغضبكم بقبولها وأنتم لها كارهون.\n\n<span data-type='title' id=toc-800>[سورة هود (١١): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]</span>\n﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾\nيقول لقومه لا أسألكم على نصحي لكم مالا: أجرة آخذها منكم إنما أبتغي الأجر من الله ﷿ ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشاما ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم كما سأل أمثالهم خاتم الرسل ﷺ أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلسا خاصا فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآية وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] الآيات.\n\n<span data-type='title' id=toc-801>[سورة هود (١١): آية ٣١]</span>\n﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (٣١)﴾\nيخبرهم أنه رسول من الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له بإذن الله له في ذلك ولا يسألهم على ذلك أجرا بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع فمن استجاب له فقد نجا، ويخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن الله ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه وليس هو بملك من الملائكة بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات ولا أقول عن هؤلاء الذين تحقرونهم وتزدرونهم إنهم ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم الله أعلم بما في أنفسهم فإن كانوا مؤمنين باطنا كما هو الظاهر من حالهم فلهم جزاء الحسنى ولو قطع لهم أحد بشر بعد ما آمنوا لكان ظالما قائلا ما لا علم له به.","vol":"4","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-802>[سورة هود (١١): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]</span>\n﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق. ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ أي حاججتنا فأكثرت من ذلك ونحن لا نتبعك ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ أي من النقمة والعذاب ادع علينا بما شئت فليأتنا ما تدعو به ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شيء ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي أي شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي ﴿إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي إغواؤكم ودماركم ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي هو مالك أزمة الأمور المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر وهو المبدئ المعيد مالك الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-803>[سورة هود (١١): آية ٣٥]</span>\n﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾\nهذا كلام معترض في وسط هذه القصة مؤكد لها. مقرر لها يقول تعالى لمحمد: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون افترى هذا وافتعله من عنده ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي﴾ أي فإثم ذلك علي ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أي ليس ذلك مفتعلا ولا مفترى لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-804>[سورة هود (١١): الآيات ٣٦ إلى ٣٩]</span>\n﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾\nيخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى مخبرا عنه أنه قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] فعند ذلك أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ يعني السفينة ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ أي بمرأى منا ﴿وَوَحْيِنا﴾ أي تعليمنا لك ما تصنعه ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ فقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز الخشب ويقطعه وييبسه فكان ذلك في مائة سنة ونجرها في مائة سنة أخرى وقيل في أربعين سنة والله أعلم. وذكر محمد بن","vol":"4","page":276},{"text":"إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج وأن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار وأن يجعل لها جؤجؤا أزورا (^١) يشق الماء، وقال قتادة كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين وعن الحسن طولها ستمائة ذارع وعرضها ثلاثمائة وعنه مع ابن عباس طولها ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة وقيل طولها ألفا ذارع وعرضها مائة ذراع فالله أعلم، قالوا كلهم وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا ثلاث طبقات كل طبقة عشرة أذرع فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للإنس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.\nوقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢) أثرا غريبا من حديث علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها قال فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه فقال أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال فضرب الكثيب بعصاه قال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب قال له عيسى ﵇: أهكذا هلكت؟ قال: لا. ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت، قال حدثنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحوش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير فلما كثر روث الدواب أوحى الله ﷿ إلى نوح ﵇ أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فلما وقع الفأر بجوف السفينة يقرضها وحبالها أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنوره فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى ﵇: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت.\nقال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها فعلم أن البلاد قد غرقت قال فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت قال فقلنا يا رسول الله: ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال فقال له: عد بإذن الله فعاد ترابا.\nوقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي يهزئون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق ﴿قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ الآية وعيد شديد وتهديد أكيد ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي يهينه في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي دائم مستمر أبدا.\n_________\n(^١) الجؤجؤ: الصدر، وأزور: من الزور: وهو الميل. كهيئة صدر السفينة.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٣٦، ٣٧.","vol":"4","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-805>[سورة هود (١١): آية ٤٠]</span>\n﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ (٤٠)﴾\nهذه موعدة من الله تعالى لنوح ﵇ إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهتان (^١) الذي لا يقلع ولا يفتر، بل هو كما قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٤] وأما قوله ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ فعن ابن عباس التنور وجه الأرض (^٢)، أي صارت الأرض عيونا تفور حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف، وعن علي بن أبي طالب ﵁ التنور فلق الصبح وتنوير الفجر (^٣)، وهو ضياؤه وإشراقه والأول أظهر وقال مجاهد والشعبي:\nكان هذا التنور بالكوفة، وعن ابن عباس عين بالهند، وعن قتادة عين بالجزيرة يقال لها عين الوردة وهذه أقوال غريبة.\nفحينئذ أمر الله نوحا ﵇ أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل وغيرها من النباتات اثنين ذكرا وأنثى فقيل كان أول من أدخل من الطيور الدرة وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار فتعلق إبليس بذنبه وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه فجعل يقول له نوح ﵇: ما لك ويحك ادخل فينهض ولا يقدر فقال: ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة، وذكر بعض السلف أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحمى.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث حدثني الليث حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف تطمئن المواشي ومعها الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في الأرض، ثم شكوا الفأر فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها».\nوقوله ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي واحمل فيها أهلك وهم أهل بيته وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله فكان منهم ابنه يام الذي انعزل وحده وامرأة نوح\n_________\n(^١) هتنت السماء تهتن هتنا وهتونا وهتنانا وتهتانا وتهاتنت: انصبت، أو هو فوق الهطل، أو الضعيف الدائم، أو مطر ساعة ثم يفتر، ثم يعود، وسحاب هاتن وهتون، وكذا هتان، كشداد، وهتن الدمع هتونا: قطر.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٨.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٩.","vol":"4","page":278},{"text":"وكانت كافرة بالله ورسوله، وقوله ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي من قومك ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهر هم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا. وقيل كانوا عشرة، وقيل إنما كان نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث وكنائنه (^١) الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام، وقيل بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت لأنها كانت على دين قومها فأصابها ما أصابهم كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-806>[سورة هود (١١): الآيات ٤١ إلى ٤٣]</span>\n﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن نوح ﵇ أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة ﴿اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوّها، وقرأ أبو رجاء العطاردي «بسم الله مجريها ومرسيها» (^٢) وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨ - ٢٩] ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور عند الركوب على السفينة وعلى الدابة كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤] الآية، وجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه كما سيأتي في سورة الزخرف إن شاء الله وبه الثقة وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا محمد بن موسى الحرشي قالا حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا بسم الله الملك ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]-الآية- ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقوله ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين فذكر أنه غفور رحيم كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الرعد: ٦] إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين رحمته وانتقامه وقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ أي السفينة سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض حتى طفت على\n_________\n(^١) الكنائن: جمع كنّة، وهي امرأة الابن أو الأخ.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٤.","vol":"4","page":279},{"text":"رؤوس الجبال وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعا وقيل بثمانين ميلا، وهذه السفينة جارية على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢] وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٣ - ١٥].\nوقوله: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ الآية، هذا هو الابن الرابع واسمه يام وكان كافرا دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ﴾ وقيل إنه اتخذ له مركبا من زجاج وهذا من الإسرائيليات والله أعلم بصحته، والذي نص عليه القرآن أنه قال: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ﴾ اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح ﵇: ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ أي ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل إن عاصما بمعنى معصوم كما يقال طاعم وكاس بمعنى مطعوم ومكسو ﴿وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-807>[سورة هود (١١): آية ٤٤]</span>\n﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٤)﴾\nيخبر تعالى أنه لما أغرق أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة أمر الأرض أن تبلغ ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ أي شرع في النقص ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي فرغ من أهل الأرض قاطبة ممن كفر بالله لم يبق منهم ديار ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ السفينة بمن فيها ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت وتواضع هو لله ﷿ فلم يغرق وأرست عليه سفينة نوح ﵇ (^١) وقال قتادة: استوت عليه شهرا حتى نزلوا منها، قال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح ﵇ على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رمادا (^٢).\nوقال الضحاك: الجودي جبل بالموصل (^٣) وقال بعضهم: هو الطور، وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا محمد بن عبيد عن توبة بن سالم قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية حين يدخل من أبواب كندة على يمينك فسألته إنك لكثير الصلاة هاهنا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٤٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٨.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٨.","vol":"4","page":280},{"text":"يوم الجمعة قال بلغني أن سفينة نوح أرست من هاهنا. وقال علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وإنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوما وإن الله وجه السفينة إلى مكة فطافت بالبيت أربعين يوما ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون فلطخت رجليها بالطين فعرف نوح ﵇ أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية، وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة أحدها اللسان العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح ﵇ يعبر عنهم.\nوقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي، وقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودي شهرا وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم، وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير (^١) وأنهم صاموا يومهم ذلك والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا أبو جعفر حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبد الله عن شبل عن أبي هريرة قال: مر النبي ﷺ بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال «ما هذا الصوم؟ قالوا هذا اليوم الذي نجى الله به موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح وموسى ﵉ شكرا لله ﷿. فقال النبي ﷺ: «أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم» فصام وقال لأصحابه: «من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه، ومن كان أصاب من غذاء أهله فليتم بقية يومه» (^٣) وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شاهد في الصحيح، وقوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي هلاكا وخسارا لهم وبعدا من رحمة الله فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية.\nوقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير (^٤) والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن فائد مولى عبيد الله بن أبي رافع أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن النبي ﷺ قال: «لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبي» قال رسول الله ﷺ: «كان نوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يعني وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب ثم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٤٨، ٤٩.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٥٩، ٣٦٠.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٠، باب ١، ومسلم في الصيام حديث ١٢٦.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٤٨، ٤٩.","vol":"4","page":281},{"text":"قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ قال سوف تعلمون فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي» وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبير قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-808>[سورة هود (١١): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)﴾\nهذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق قال ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين ﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي الذين وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحا ﵇.\nوقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جرير، واحتج بعضهم بقوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وبقوله:\n﴿فَخانَتاهُما﴾ فممن قاله الحسن البصري احتج بهاتين الآيتين وبعضهم يقول ابن امرأته وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن أو أراد أنه نسب إليه مجازا لكونه كان ربيبا عنده فالله أعلم. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط قال: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي الذين وعدتك نجاتهم.\nوقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة ولهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي ﷺ وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ -إلى قوله- ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١ - ١٥].\nوقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة وغيره عن عكرمة عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية قال عكرمة في بعض الحروف إنه عمل عملا غير صالح، والخيانة","vol":"4","page":282},{"text":"تكون على غير باب، وقد ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قرأ بذلك فقال الإمام أحمد (^١) حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وسمعته يقول: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يبالي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقال أحمد (^٢) أيضا حدثنا وكيع حدثنا هارون النحوي عن ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قرأها ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أعاده أحمد (^٣) أيضا في مسنده.\nأم سلمة هي أم المؤمنين والظاهر والله أعلم أنها أسماء بنت يزيد فإنها تكنى بذلك أيضا (^٤).\nوقال عبد الرزاق أيضا أنبأنا الثوري عن ابن عيينة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قبة قال سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله: ﴿فَخانَتاهُما﴾ قال: أما إنه لم يكن بالزنا ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف ثم قرأ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قال ابن عيينة وأخبرني عمار الدهني أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح إن الله لا يكذب. قال تعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ قال وقال بعض العلماء:\nما فجرت امرأة نبي قط. وكذا روي عن مجاهد أيضا وعكرمة والضحاك وميمون بن مهران وثابت بن الحجاج وهو اختيار أبي جعفر بن جرير وهو الصواب الذي لا شك فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-809>[سورة هود (١١): آية ٤٨]</span>\n﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾\nيخبر تعالى عما قيل لنوح ﵇ حين أرست السفينة على الجودي من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة كما قال محمد بن كعب:\nدخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة (^٥).\nوقال محمد بن إسحاق: لما أراد الله أن يكف الطوفان أرسل ريحا على وجه الأرض فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب السماء يقول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ الآية فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر وكان استواء الفلك على الجودي\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٤٥٤.\n(^٢) المسند ٦/ ٢٩٤.\n(^٣) المسند ٦/ ٣٢٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٣.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٥.","vol":"4","page":283},{"text":"فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه في أول يوم من الشهر العاشر رأى رؤوس الجبال فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي ركب فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجع إليه لم تجد لرجليها موضعا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضى سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتون فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع فعلم نوح أن الأرض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين برز وجه الأرض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ (^١) الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-810>[سورة هود (١١): آية ٤٩]</span>\n﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ هذه القصة وأشباهها: ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ يعني من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها نوحيها إليك أي نعلمك بها وحيا منا إليك ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها حتى يقول من يكذبك إنك تعلمتها منه بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١] الآية وقال تعالى:\n﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٢] الآية وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-811>[سورة هود (١١): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]</span>\n﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾\nيقول تعالى ﴿وَ﴾ لقد أرسلنا ﴿إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا﴾ آمرا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيا لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره أفلا تعقلون من يدعوكم إلى\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧.","vol":"4","page":284},{"text":"ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه ولهذا قال: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا﴾ [هود: ٥٢ ونوح: ١١] وفي الحديث «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-812>[سورة هود (١١): الآيات ٥٣ إلى ٥٦]</span>\n﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاِشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾\nيخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي بحجة وبرهان على ما تدعيه ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي بمجرد قولك اتركوهم نتركهم ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها ﴿قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أي أنتم وآلهتكم إن كانت حقا ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أي طرفة عين وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أي تحت قهره وسلطانه وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه فإنه على صراط مستقيم.\nقال الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه قال في قوله تعالى:\n﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: فيأخذ بنواصي عباده فيلقن المؤمن حتى يكون له أشفق من الوالد لولده ويقول: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ولا توالي ولا تعادي وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك وله التصرف وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه فلا إله إلا هو ولا رب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-813>[سورة هود (١١): الآيات ٥٧ إلى ٦٠]</span>\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٦، وابن ماجة في الأدب باب ٥٧، وأحمد في المسند ١/ ٢٤٨.","vol":"4","page":285},{"text":"يقول لهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعبدونه وحده لا يشركون به ولا يبالي بكم فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم ويجزيهم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وهو الريح العقيم فأهلكهم الله عن آخرهم ونجى هودا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه.\n﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ كفروا بها وعصوا رسل الله وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به فعاد كفروا بهود فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ تركوا اتباع رسولهم الرشيد؟ واتبعوا أمر كل جبار عنيد، فلهذا أتبعوا في الدنيا لعنة من الله ومن عباده المؤمنين كلما ذكروا وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ﴿أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ الآية قال السدي:\nما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-814>[سورة هود (١١): آية ٦١]</span>\n﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَ﴾ لقد أرسلنا ﴿إِلى ثَمُودَ﴾ وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وكانوا بعد عاد فبعث الله منهم ﴿أَخاهُمْ صالِحًا﴾ فأمرهم بعبادة الله وحده ولهذا قال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي ابتدأ خلقكم منها خلق منها أباكم آدم ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ أي جعلكم عمارا تعمرونها وتستغلونها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ لسالف ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-815>[سورة هود (١١): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]</span>\n﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾\nيذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح ﵇ وبين قومه وما كان من الجهل والعناد في قولهم ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا﴾ أي كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت ﴿أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ وما كان عليه أسلافنا ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي شك كثير ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان ﴿وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق","vol":"4","page":286},{"text":"وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي خسارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-816>[سورة هود (١١): الآيات ٦٤ إلى ٦٨]</span>\n﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾\nتقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته هاهنا وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-817>[سورة هود (١١): الآيات ٦٩ إلى ٧٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى قيل تبشره بإسحاق وقيل بهلاك قوم لوط ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ أي عليكم قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيوه به لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي ذهب سريعا فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة. هذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد كما قال في الآية الأخرى ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٦ - ٢٧] وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة.\nوقوله: ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تنكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.\nقال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجلهم ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول- «وامرأته قائمة وهو جالس» -في قراءة ابن مسعود فلما فقربه ﴿إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن، قال فإن لهذا ثمنا، قالوا: وما ثمنه؟ قال تذكرون اسم الله على أوله","vol":"4","page":287},{"text":"وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يقول فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا (^١).\nوقال ابن حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا نصر بن علي حدثنا نوح بن قيس عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفائيل. قال نوح بن قيس فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم فقرب إليهم العجل مسحه جبريل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار، وقوله تعالى إخبارا عن الملائكة: ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ أي قالوا لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارة استبشارا بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم فلهذا جوزيت. بالبشارة بالولد بعد الإياس، وقال قتادة ضحكت وعجبت أن قوما يأتيهم العذاب وهم في غفلة (^٢).\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس فضحكت أي حاضت، وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط. وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم ضعيفان ووجدا وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك والله أعلم.\nوقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق كما قال في آية البقرة ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].\nومن هاهنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ووعد الله حق لا خلف فيه فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ الآية حكي قولها في هذه الآية كما حكي فعلها في الآية الأخرى فإنها ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وفي الذاريات ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] كما جرت به\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٧٠، ٧١.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٧١.","vol":"4","page":288},{"text":"عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي قالت الملائكة لها لا تعجبي من أمر الله فإنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزا عقيما وبعلك شيخا كبيرا فإن الله على ما يشاء قدير.\n﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أي هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود ممجد في صفاته وذاته، ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ «قال قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-818>[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]</span>\n﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾\nيخبر تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه لما ذهب عنه الروع وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا وبشروه بعد ذلك بالولد وأخبروه بهلاك قوم لوط أخذ يقول كما قال سعيد بن جبير في الآية قال: لما جاءه جبريل ومن معه قالوا له: ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا، قال أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا: لا، قال ثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسة قالوا: لا، قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل مسلم واحد أتهلكونها؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم ﵇ عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآية. فسكت عنهم واطمأنت نفسه (^٢).\nوقال قتادة وغيره قريبا من هذا زاد ابن إسحاق أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا، قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب قالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآية، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ مدح لإبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها، وقوله تعالى: ﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية، أي أنه قد نفذ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-819>[سورة هود (١١): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]</span>\n﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ١٠، ومسلم في الصلاة حديث ٦٥، ٦٦، ٦٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٧٧.","vol":"4","page":289},{"text":"يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة فانطلقوا من عنده فأتوا لوطا ﵇ وهو على ما قيل في أرض له وقيل في منزله ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون على هيئة شبان حسان الوجوه ابتلاء من الله وله الحكمة والحجة البالغة فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم وخشي إن لم يضيفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء ﴿وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: شديد بلاؤه (^١) وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ويشق عليه ذلك.\nوذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له فتضيفوه فاستحيا منهم فانطلق أمامهم وقال لهم في أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال قتادة وقد كانوا أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك (^٢).\nوقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدوم نصف النهار ولقوا بنت لوط تستقي فقالوا يا جارية هل من منزل؟ فقالت مكانكم حتى آتيكم وفرقت (^٣) عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا يأخذهم قومك وكان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا خل عنا فلنضيف الرجال فجاء بهم فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته فأخبرت قومها فجاؤوا يهرعون إليه (^٤).\nوقوله: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أي لم يزل هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم على ذلك الحال وقوله: ﴿قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يرشدهم إلى نسائهم فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] وقوله في الآية الأخرى: ﴿قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي ألم ننهك عن ضيافة الرجال ﴿قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧١ - ٧٢] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قال مجاهد لم يكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته (^٥) وكذا روي عن قتادة وغير واحد.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٨١.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٨٠.\n(^٣) فرقت عليهم: أي خافت عليهم.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٨٠.\n(^٥) تفسير الطبري ٧/ ٨٢.","vol":"4","page":290},{"text":"وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء ولم يعرض عليهم سفاحا (^١)، وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هن بناته وهو أب لهم ويقال في بعض القراءات «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم» [الأحزاب: ٦] وكذا روي عن الربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أي اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أي فيه خير يقبل ما آمره به ويترك ما أنهاه عنه ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ أي ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت تعلم ذلك فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟ قال السدي ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ إنما نريد الرجال (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-820>[سورة هود (١١): الآيات ٨٠ إلى ٨١]</span>\n﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نبيه لوط ﵇ إن لوطا توعدهم بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ الآية أي لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي، ولهذا ورد في الحديث من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد-يعني الله ﷿-فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة (^٣) من قومه» (^٤) فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسل الله إليهم وأنهم لا وصول لهم إليه.\n﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل وأن يتبع أدبارهم أي يكون ساقة لأهله ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي إذا سمعت ما نزل بهم ولا تهولنكم تلك الأصوات المزعجة ولكن استمروا ذاهبين ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ قال الأكثرون هو استثناء من المثبت وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ تقديره ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ وكذلك قرأها ابن مسعود، ونصب هؤلاء امرأتك لأنه من مثبت فوجب نصبه عندهم، وقال آخرون من القراء والنحاة هو استثناء من قوله ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ فجوزوا الرفع والنصب.\nوذكر هؤلاء أنها خرجت معهم وأنها لما سمعت الوجبة (^٥) التفتت وقالت: وا قوماه فجاءها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٨٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٨٤.\n(^٣) في ثروة من قومه: أي في عدد كثير من قومه.\n(^٤) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٢، باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣٣٢، ٣٨٤.\n(^٥) الوجبة: الرجفة.","vol":"4","page":291},{"text":"حجر من السماء فقتلها ثم قربوا له هلاك قومه تبشيرا له لأنه قال لهم أهلكوهم الساعة فقالوا ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ هذا وقوم لوط وقوف على الباب عكوف قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه وهم لا يقبلون منه بل يتوعدونه ويتهددونه فعند ذلك خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم بجناحه فطمس أعينهم فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] الآية.\nوقال معمر عن قتادة عن حذيفة بن اليمان قال: كان إبراهيم ﵇ يأتي قوم لوط فيقول أنهاكم الله أن تعرضوا لعقوبته فلم يطيعوه حتى إذا بلغ الكتاب أجله انتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له فدعاهم إلى الضيافة فقالوا إنا ضيوفك الليلة وكان الله قد عهد إلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ذكر ما يعمل قومه من الشر فمشى معهم ساعة ثم التفت إليهم فقال أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرا منهم أين أذهب بكم؟ إلى قومي وهم أشر خلق الله، فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال احفظوها هذه واحدة ثم مشى معهم ساعة فلما توسط القرية.\nوأشفق عليهم واستحيا منهم قال أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم إن قومي أشر خلق الله فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال احفظوها هاتان اثنتان، فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال: إن قومي أشر خلق الله؟ أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم.\nفقال جبريل للملائكة احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب فلما دخلوا ذهبت عجوز السوء فصعدت فلوحت بثوبها فأتاها الفساق يهرعون سراعا قالوا ما عندك؟ قالت ضيف لوط قوما ما رأيت قط أحسن وجوها منهم ولا أطيب ريحا منهم فهرعوا يسارعون إلى الباب فعالجهم لوط على الباب فدافعوه طويلا وهو داخل وهم خارج يناشدهم الله ويقول: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ فقام الملك فلز بالباب-يقول فشده-واستأذن جبريل في عقوبتهم فأذن الله له فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه-ولجبريل جناحان-وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حبك حبك مثل المرجان (^١) وهو اللؤلؤ كأنه الثلج ورجلاه إلى الخضرة فقال: يا لوط ﴿إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ امض يا لوط عن الباب ودعني وإياهم، فتنحى لوط عن الباب فخرج إليهم فنشر جناحه فضرب به وجوههم شدخ أعينهم فصاروا عميا لا يعرفون الطريق، ثم أمر لوطا فاحتمل بأهله في ليلته قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ (^٢) وروي عن محمد بن كعب وقتادة والسدي نحو هذا.\n_________\n(^١) أي شعرة جعد متكسر.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٩٠.","vol":"4","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-821>[سورة هود (١١): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]</span>\n﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وكان ذلك عند طلوع الشمس ﴿جَعَلْنا عالِيَها﴾ وهي سدوم ﴿سافِلَها﴾ كقوله: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] أي أمطرنا عليها حجارة من سجيل وهي بالفارسية حجارة من طين قاله ابن عباس وغيره وقال بعضهم أي من سنك وهو الحجر وكل وهو الطين وقد قال في الآية الأخرى ﴿حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٣] أي مستحجرة قوية شديدة، وقال بعضهم مشوية، وقال البخاري (^١) سجيل: الشديد الكبير، سجيل وسجين اللام والنون أختان، وقال تميم بن مقبل: [البسيط] ورجلة يضربون البيض صاحبة … ضربا تواصت به الأبطال سجّينا (^٢)\nوقوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾ قال بعضهم: في السماء أي معدة لذلك وقال آخرون: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي معلمة مختومة عليها أسماء أصحابها كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه وقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مطوقة بها نضح من حمرة وذكروا أنها نزلت على أهل البلد وعلى المتفرقين في القرى مما حولها فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس فدمره فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد.\nوقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم، وكان حملهم على حوافي جناحه الأيمن قال ولما قلبها كان أول ما سقط منها شرفاتها، وقال قتادة بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوى (^٣) بها إلى جو السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم (^٤) ثم دمر بعضهم على بعض ثم أتبع شذاذ القوم صخرا قال وذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى في كل قرية مائة ألف وفي رواية ثلاث قرى الكبرى منها سدوم، قال وبلغنا أن إبراهيم ﵇ كان يشرف\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١١، باب ٢.\n(^٢) يروى صدر البيت: ورجلة يضربون البيض عن عرض وهو لابن مقبل في ديوانه ص ٣٣٣، ولسان العرب (رجل)، (سجل)، (سجن)، (سخن)، وتهذيب اللغة ١٠/ ٥٨٦، ٥٩٥، ١١/ ٢٩، وجمهرة اللغة ص ٤٦٤، ١١٩٢، ومقاييس اللغة ٣/ ١٣٧، ومجمل اللغة ٣/ ١٢٢، وتاج العروس (رجل)، (سجل)، (سجن)، وبلا نسبة في ديوان الأدب ١/ ٣٤١، وتفسير الطبري ٧/ ٩٢ (الشطر الثاني فقط)\n(^٣) ألوى بها إلى جو السماء: أي أخذها وطار بها.\n(^٤) ضواغي كلابهم: أي صوت كلابهم، أو نباح كلابهم.","vol":"4","page":293},{"text":"على سدوم ويقول: سدوم يوم هالك (^١).\nوفي رواية عن قتادة وغيره قال وبلغنا أن جبريل ﵇ لما أصبح نشر جناحه فانتسف بها أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها فضمها في جناحه فحواها وطواها في جوف جناحه ثم صعد بها إلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب وكانوا أربعة آلاف ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسة ودمدم بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ثم أتبعها حجارة من سجيل (^٢).\nوقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات سدوم وهي العظمى وصعبة وصعود وغمة ودوما احتملها جبريل بجناحه ثم صعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات، وقال السدي: لما أصبح قوم لوط نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ بها السماء حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها فقتلهم فذلك قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ ومن لم يمت حتى سقط للأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة ومن كان منهم شاذا في الأرض يتبعهم في القرى فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله فذلك قوله ﷿: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أي في القرى حجارة من سجيل هكذا قال السدي.\nوقوله: ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه، وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس مرفوعا «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (^٣).\nوذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إلى أن اللائط يقتل سواء كان محصنا أو غير محصن عملا بهذا الحديث، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط والله ﷾ أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-822>[سورة هود (١١): آية ٨٤]</span>\n﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾\nيقول تعالى ولقد أرسلنا إلى مدين وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريبا من معان. بلادا تعرف بهم يقال لها مدين فأرسل الله إليهم شعيبا وكان من أشرفهم نسبا،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٩٦، وفيه: سدوم-يوم مالك، بدل: سدوم يوم هالك.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٩٦.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الحدود باب ٢٤، وابن ماجة في الحدود باب ١٢.","vol":"4","page":294},{"text":"ولهذا قال: ﴿أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي في معيشتكم ورزقكم وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله ﴿وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي في الدار الآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-823>[سورة هود (١١): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]</span>\n﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾\nينهاهم أولا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين ونهاهم عن العثو في الأرض بالفساد وقد كانوا يقطعون الطريق، وقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: رزق الله خير لكم وقال الحسن رزق الله خير لكم من بخسكم الناس، وقال الربيع بن أنس وصية الله خير لكم، وقال مجاهد: طاعة الله وقال:\nقتادة حظكم من الله خير لكم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الهلاك في العذاب والبقية في الرحمة.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١) ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي ما يفضل لكم من الريح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس قال وقد روي هذا عن ابن عباس قلت ويشبه قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] الآية، وقوله: ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي برقيب ولا حفيظ أي افعلوا ذلك لله ﷿ لا تفعلوه ليراكم الناس بل لله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-824>[سورة هود (١١): آية ٨٧]</span>\n﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾\nيقولون له على سبيل التهكم قبحهم الله ﴿أَصَلاتُكَ﴾ قال الأعمش أي قراءتك ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي الأوثان والأصنام ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾ فنترك التطفيف على قولك وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد، قال الحسن في قوله: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي والله إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم، وقال الثوري في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾ يعنون الزكاة ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وابن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء قبحهم الله ولعنهم عن رحمته وقد فعل.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٩٨، ٩٩.","vol":"4","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-825>[سورة هود (١١): آية ٨٨]</span>\n﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾\nيقول لهم هل رأيتم يا قوم إن كنت ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي على بصيرة فيما أدعو إليه ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل أراد النبوة وقيل أراد الرزق الحلال ويحتمل الأمرين، وقال الثوري ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ أي لا أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم كما قال قتادة في قوله ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ يقول: لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي فيما آمركم وأنهاكم إنما أريد إصلاحكم جهدي وطاقتي ﴿وَما تَوْفِيقِي﴾ أي في إصابة الحق فيما أريده ﴿إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع قاله مجاهد وغيره.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن أخاه مالكا: قال يا معاوية إن محمدا أخذ جيراني فانطلق إليه فإنه قد كلمك وعرفك فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا فأعرض عنه فقام مغضبا فقال: أما والله لئن فعلت إن الناس يزعمون أنك لتأمرنا بالأمر وتخالف إلى غيره وجعلت أجره وهو يتكلم فقال رسول الله ﷺ: «ما تقول؟» فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال «أو قد قالوها-أي قائلهم-ولئن فعلت ما ذاك إلا عليّ وما عليهم من ذلك من شيء أرسلوا له جيرانه».\nوقال أيضا (^٢): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أخذ النبي ﷺ ناسا من قومي في تهمة فحبسهم فجاء رجل من قومي إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقال: يا محمد علام تحبس جيراني؟ فصمت رسول الله ﷺ فقال: إن ناسا ليقولون إنك تنهى عن الشيء وتستخلي به فقال النبي ﷺ: «ما تقول؟» قال: فجعلت أعرض بينهما كلاما مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدا فلم يزل رسول الله ﷺ حتى فهمها فقال: «قد قالوها أو قائلها منهم والله لو فعلت لكان عليّ وما كان عليهم خلوا عن جيرانه».\nومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٣) حدثنا أبو عامر حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه ﷺ إنه قال: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه» إسناده صحيح.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤٤٧.\n(^٢) المسند ٥/ ٢.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٩٧، ٥/ ٤٢٥.","vol":"4","page":296},{"text":"وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك» (^١) ومعناه والله أعلم مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به. ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ وقال قتادة عن عزرة عن الحسن العرني عن يحيى بن الجزار عن مسروق قال:\nجاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت أتنهى عن الواصلة (^٢)؟ قال نعم، قالت: فعله بعض نسائك، فقال ما حفظت وصية العبد الصالح إذا ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ وقال عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن أبي سليمان العتبي قال: كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي فيكتب في آخرها وما كنت من ذلك إلا كما قال العبد الصالح:\n﴿وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-826>[سورة هود (١١): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]</span>\n﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾\nيقول لهم ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ أي لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط من النقمة والعذاب وقال قتادة ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ يقول: لا يحملنكم فراقي، وقال السدي عداوتي، على أن تمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا ابن أبي غنية حدثني عبد الملك بن أبي سليمان عن ابن أبي ليلى الكندي قال:\nكنت مع مولاي أمسك دابته وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان إذ أشرف علينا من داره فقال:\n﴿يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ يا قوم لا تقتلوني إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا وشبك بين أصابعه، وقوله: ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ قيل المراد في الزمان، قال قتادة: يعني إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس، وقيل في المكان ويحتمل الأمران ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من سالف الذنوب ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ أي لمن تاب وأناب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٦٨.\n(^٢) الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر زور.","vol":"4","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-827>[سورة هود (١١): الآيات ٩١ إلى ٩٢]</span>\n﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾\nيقولون ﴿يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ﴾ ما نفهم ﴿كَثِيرًا﴾ من قولك ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ قال سعيد بن جبير والثوري وكان ضرير البصر، وقال الثوري كان يقال له خطيب الأنبياء، قال السدي ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ قال: أنت واحد، وقال أبو روق: يعنون ذليلا لأن عشيرتك ليسوا على دينك ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ أي قومك لولا معزتهم علينا لرجمناك قيل بالحجارة وقيل لسببناك ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ أي ليس عندنا لك معزة ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾ يقول: أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاما لجناب الرب ﵎ أن تنالوا نبيه بمساءة وقد اتخذتم كتاب الله ﴿وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-828>[سورة هود (١١): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]</span>\n﴿وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾\nلما يئس نبي الله شعيب من استجابتهم له قال يا قوم ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي طريقتكم وهذا تهديد شديد ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ على طريقتي ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾ أي مني ومنكم ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ أي انتظروا ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وقوله جاثمين أي هامدين لا حراك بهم. وذكر هاهنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة وفي الشعراء عذاب يوم الظلة وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه ففي الأعراف لما قالوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] ناسب أن يذكر الرجفة الرجفة فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إخراج نبيهم منها.\nوهاهنا لما أساؤوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ذكر الصيحة التي استلبثتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] قال ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] وهذا من الأسرار الدقيقة ولله الحمد والمنة كثيرا دائما، وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أي يعيشوا في دارهم قبل ذلك ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار وشبيها بهم في الكفر وقطع الطريق وكانوا عربا مثلهم.","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-829>[سورة هود (١١): الآيات ٩٦ إلى ٩٩]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن إرسال موسى بآياته ودلالاته الباهرة إلى فرعون ملك القبط وملئه ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي منهجه ومسلكه وطريقته في الغي ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي ليس فيه رشد ولا هدى. وإنما هو جهل وضلال وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه في الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم فأوردهم إياها وشربوا من حياض رداها، وله في ذلك الحظ الأوفر، من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ [النازعات: ٢١ - ٢٦].\nوقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفورين في العذاب يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقال تعالى إخبارا عن الكفرة أنهم يقولون في النار: ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٧] الآية.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هشيم حدثنا أبو الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار» وقوله:\n﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ الآية، أي أتبعناهم زيادة على عذاب النار لعنة في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة فتلك لعنتان، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال: لعنة الدنيا والآخرة وكذا قال الضحاك وقتادة وهو كقوله ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] وقال تعالى ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-830>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]</span>\n﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾\nلما ذكر تعالى خبر الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم وكيف أهلك الكافرين ونجى المؤمنين قال: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى﴾ أي أخبارهم ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ﴾ أي عامر ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أي\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٢٨.","vol":"4","page":299},{"text":"هالك ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أي إذ أهلكناهم ﴿وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ أوثانهم التي يعبدونها ويدعونها ﴿مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإهلاكهم ﴿وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ قال مجاهد وقتادة وغيرهما:\nأي غير تخسير (^١) وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة فلهذا خسروا في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-831>[سورة هود (١١): آية ١٠٢]</span>\n﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾\nيقول تعالى وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بأشباههم ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وفي الصحيحين عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ (^٢) الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-832>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٥]</span>\n﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾\nيقول تعالى إن في إهلاكنا الكافرين وإنجائنا المؤمنين ﴿لَآيَةً﴾ أي عظة واعتبارا على صدق موعودنا في الآخرة ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر:٥١] وقال تعالى ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] الآية. وقوله: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أي أولهم وآخرهم كقوله: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧] ﴿وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي عظيم تحضره الملائكة ويجتمع فيه الرسل وتحشر الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها.\nوقوله ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناس معدودين من ذرية آدم وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة ولهذا قال: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها.\n﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي يوم يأتي يوم القيامة لا يتكلم أحد إلا بإذن الله كقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ﴾ [طه: ١٠٨] الآية. وفي الصحيحين من حديث الشفاعة «ولا يتكلم يومئذ إلا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ١١١.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٢.","vol":"4","page":300},{"text":"الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم» (^١) وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أي فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد كما قال ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيّان حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا سليمان أبو سفيان حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر قال: لما نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ سألت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله: علام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه، فقال: «على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له» ثم بيّن تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال:\n\n<span data-type='title' id=toc-833>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]</span>\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧)﴾\nيقول تعالى ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ قال ابن عباس الزفير في الحلق والشهيق في الصدر أي تنفسهم زفير وأخذهم النفس شهيق، لما هم فيه من العذاب عياذا بالله من ذلك ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢): من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت هذا دائم دوام السموات والأرض، وكذلك يقولون هو باق ما اختلف الليل والنهار، وما سمر أبناء سمير وما لألأت العير بأذنابها يعنون بذلك كله أبدا فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم فقال: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾.\n(قلت): ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض الجنس لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض كما قال تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ولهذا قال الحسن البصري في قوله: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: يقول: سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه فما دامت تلك السماء وتلك الأرض.\nوقال ابن أبي حاتم ذكر عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قوله:\n﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: لكل جنة سماء وأرض، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء. وقوله ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ كقوله ﴿النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].\nوقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه زاد المسير، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀ في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وابن سنان ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٢٩، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ١١٤.","vol":"4","page":301},{"text":"النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حتى يشفعون في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط وقال يوما من الدهر لا إله إلا الله كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ بمضمون ذلك من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة.\nوقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة في أقوال غريبة وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي ولكن سنده ضعيف والله أعلم. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه، وقال السدي هي منسوخة بقوله ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-834>[سورة هود (١١): آية ١٠٨]</span>\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ وهم أتباع الرسل ﴿فَفِي الْجَنَّةِ﴾ أي فمأواهم الجنة ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبدا ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ معنى الاستثناء هاهنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرا واجبا ذاته بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى فله المنة عليهم دائما ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس.\nوقال الضحاك والحسن البصري هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها وعقب ذلك بقوله ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غير مقطوع قاله مجاهد وابن عباس وأبو العالية وغير واحد لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعا أو لبسا أو شيئا بل حتم له بالدوام وعدم الانقطاع كما بين هناك أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته وأنه بعدله وحكمته عذبهم ولهذا قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ كما قال: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقد جاء في الصحيحين «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» (^١)، وفي الصحيح أيضا «فيقال يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٩، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٤٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٢٢.","vol":"4","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-835>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٩ إلى ١١١]</span>\n﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ﴾ المشركون إنه باطل وجهل وضلال فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل أي ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا إتباع الآباء في الجهالات وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء فيعذب كافرهم عذابا لا يعذبه أحدا وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة. قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ قال ما وعدوا من خير أو شر (^١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه فمن مؤمن به ومن كافر به فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة فلا يغيظنك تكذيبهم لك ولا يهمنك ذلك ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن جرير لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم لقضى الله بينهم ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فإنه قد قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه:\n١٢٩ - ١٣٠] ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم ويجزيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر فقال: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عليم بأعمالهم جميعها جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها وفي هذه الآية قراءات كثيرة يرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-836>[سورة هود (١١): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]</span>\n﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾\nيأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان وهو البغي فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء.\nوقوله: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\nلا تداهنوا (^٢) وقال العوفي عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك وقال أبو العالية: لا ترضوا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٢٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٢٤.","vol":"4","page":303},{"text":"بأعمالهم وقال ابن جرير عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا وهذا القول حسن أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بأعمالهم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم ولا ناصر يخلصكم من عذابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-837>[سورة هود (١١): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]</span>\n﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤) وَاِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ قال يعني الصبح والمغرب (^١) وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال الحسن في رواية وقتادة والضحاك وغيرهم هي الصبح والعصر وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار والظهر والعصر من آخره ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم يعني صلاة العشاء وقال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يعني المغرب والعشاء قال رسول الله ﷺ: «هما زلفتا الليل المغرب والعشاء» (^٢) وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك إنها صلاة المغرب والعشاء، وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ثم نسخ في حق الأمة وثبت وجوبه عليه ثم نسخ عنه أيضا في قول والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ يقول إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه وإذا حدثني عنه أحد استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له» (^٣).\nوفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله ﷺ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وقال: «من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٤).\nوروى الإمام أحمد (^٥) وأبو جعفر بن جرير (^٦) من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٢٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ١٢٧.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الوضوء باب ٢٤، ٢٨. ومسلم في الطهارة حديث ٣، ٤، ٨.\n(^٥) المسند ١/ ٧١.\n(^٦) تفسير الطبري ٧/ ١٣٠.","vol":"4","page":304},{"text":"الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء أظنه سيكون فيه قدر مد فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا ثم قال «من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما بينه وبين صلاة الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات».\nوفي الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرا غمرا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئا؟ قالوا: لا يا رسول الله قال:\n«كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا» (^١).\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد قالا: حدثنا ابن وهب عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول:\n«الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» (^٢) وقال الإمام أحمد (^٣) حدثنا الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد أن أبا رهم السمعي كان يحدث أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة».\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٤) حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «جعلت الصلوات كفارات لما بينهن» فإن الله قال ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾.\nوقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ فقال الرجل يا رسول الله ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلهم» (^٥) هكذا رواه في كتاب الصلاة وأخرجه في التفسير عن مسدد عن يزيد بن زريع بنحوه ورواه مسلم وأحمد وأهل السنن إلا أبا داود من طرق عن أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المواقيت باب ٦، ومسلم في المساجد حديث ٢٨٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الطهارة حديث ١٦.\n(^٣) المسند ٥/ ٤١٣.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ١٣٠.\n(^٥) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٦، ومسلم في التوبة حديث ٣٩، والترمذي في تفسير سورة ١١، باب ٦، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٦، ٤٣٠.","vol":"4","page":305},{"text":"ورواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طرق عن سماك بن حرب أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت فلم يقل رسول الله ﷺ شيئا فذهب الرجل. فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله ﷺ بصره ثم قال: «ردوه علي» فردوه عليه فقرأ عليه ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ فقال معاذ وفي رواية عمر يا رسول الله أله وحده أم للناس كافة؟ قال: «بل للناس كافة» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن عبيد حدثنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: «غشه وظلمه ولا يكسب عبد مالا حراما فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيئ بالسيء ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث».\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو السائب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان فلان ابن معتب رجلا من الأنصار فقال يا رسول الله دخلت عليّ امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله إلا أني لم أواقعها فلم يدر رسول الله ﷺ ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ فدعاه رسول الله فقرأها عليه وعن ابن عباس أنه عمرو بن غزية الأنصاري التمار وقال مقاتل هو أبو نفيل عامر بن قيس الأنصاري وذكر الخطيب البغدادي أنه أبو اليسر كعب بن عمرو.\nوقال الإمام أحمد (^٤) حدثنا يونس وعفان قالا: حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن علي بن زيد قال عفان أنبأنا علي بن يزيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رجلا أتى عمر فقال إن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في التوبة حديث ٤٢، وأبو داود في الحدود باب ٣١، والترمذي في تفسير سورة ١١، باب ٤، وأحمد في المسند ١/ ٤٤٩، والطبري في تفسيره ٧/ ١٣١.\n(^٢) المسند ١/ ٣٨٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ١٣٢.\n(^٤) المسند ١/ ٢٤٥، ٢٦٩، ٢٧٠.","vol":"4","page":306},{"text":"امرأة جاءت تبايعه فأدخلتها الدولج (^١) فأصبت منها ما دون الجماع، فقال ويحك لعلها مغيبة (^٢) في سبيل الله؟ قال أجل، قال فائت أبا بكر فسله. قال فأتاه فسأله فقال لعلها مغيبة في سبيل الله؟ فقال مثل قول عمر ثم أتي النبي ﷺ فقال له مثل ذلك قال «فلعلها مغيبة في سبيل الله» ونزل القرآن ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ إلى آخر الآية، فقال يا رسول الله لي خاصة أم للناس عامة؟ فضرب يعني عمر صدره بيده وقال لا ولا نعمة عين بل للناس عامة فقال رسول الله ﷺ: «صدق عمر».\nوروى الإمام أبو جعفر بن جرير (^٣) من حديث قيس بن الربيع عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرا فقلت إن في البيت تمرا أجود من هذا فدخلت فأهويت إليها فقبلتها فأتيت عمر فسألته فقال اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحدا فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته فقال اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحدا قال فلم أصبر حتى أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال «أخلفت رجلا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا» حتى ظننت أني من أهل النار حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ فأطرق رسول الله ﷺ ساعة فنزل جبريل فقال أبو اليسر فجئت فقرأ عليّ رسول الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ فقال إنسان: يا رسول الله له خاصة أم للناس عامة؟ قال «للناس عامة».\nوقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أنه كان قاعدا عند النبي ﷺ فجاء رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له فلم يدع شيئا الرجل يصيبه من امرأته إلا قد أصاب منها غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي ﷺ: «توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصلّ» فأنزل الله ﷿ هذه الآية يعني قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ فقال معاذ أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: «بل للمسلمين عامة» ورواه ابن جرير (^٤) من طرق عن عبد الملك بن عمير به.\nوقال عبد الرزاق حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله ﷺ فاستأذنه لحاجة فأذن له فذهب يطلبها فلم يجدها فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي ﷺ بالمطر فوجد المرأة جالسة على غدير فدفع في صدرها وجلس بين رجليها فصار ذكره مثل الهدبة فقام نادما حتى أتى النبي ﷺ فأخبره\n_________\n(^١) الدولج: المخدع، وهو البيت الصغير داخل البيت.\n(^٢) المغيبة: التي غاب عنها زوجها.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ١٣٤.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ١٣٣.","vol":"4","page":307},{"text":"بما صنع فقال له: «استغفر ربك وصل أربع ركعات» قال: وتلا عليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني عبد الله بن أحمد بن سيبويه حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني عمرو بن الحارث حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن سليم بن عامر أنه سمع أبا أمامة يقول إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أقم فيّ حد الله-مرة أو اثنتين-فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثم أقيمت الصلاة فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال: «أين هذا الرجل القائل أقم فيّ حد الله؟» قال: أنا ذا. قال: أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا؟ قال: نعم. قال: «فإنك من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فلا تعد» وأنزل الله على رسول الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٣) حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا علي بن زيد عن أبي عثمان قال كنت: مع سلمان الفارسي تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسا فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: يا أبا عثمان ألا تسألني لم أفعل هذا قلت ولم تفعله؟ قال هكذا فعل رسول الله ﷺ فقال:\nإن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق. وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال له: يا معاذ «أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن حبيب عن ميمون بن أبي شبيب عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن».\nوقال أحمد (^٦) حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شمر بن عطية عن أشياخه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: «إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمحها» قال: قلت:\nيا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: «هي أفضل الحسنات».\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ١٣٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ١٣٣، وفيه: عبد الله بن أحمد بن شبّويه، بدل سيبويه.\n(^٣) المسند ٥/ ٤٣٧.\n(^٤) المسند ٥/ ٢٢٨.\n(^٥) المسند ٥/ ١٥٣، ١٥٨.\n(^٦) المسند ٥/ ١٦٩.","vol":"4","page":308},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا هذيل بن إبراهيم الجماني حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهري عن ولد سعد بن أبي وقاص عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قال عبد لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طلست (^١) ما في الصحيفة من السيئات حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات» عثمان بن عبد الرحمن يقال له الوقاصي فيه ضعف. وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخرم قالا حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا مستور بن عباد عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله ما تركت من حاجة ولا داجة (^٢) فقال رسول الله ﷺ: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قال: بلى. قال «فإن هذا يأتي على ذلك» تفرد به من هذا الوجه مستور.\n\n<span data-type='title' id=toc-838>[سورة هود (١١): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]</span>\n﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾\nيقول تعالى فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله: ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرا وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وفي الحديث «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (^٣) ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي استمروا على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين كما قال تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقال: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\n_________\n(^١) طلست: أي محت.\n(^٢) الداجة: أخف من الحاجة.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٢٠، وأحمد في المسند ١/ ٢، ٥، ٩.","vol":"4","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-839>[سورة هود (١١): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]</span>\n﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾\nيخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر كما قال تعالى:\n﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٩٩] وقوله: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم، وقال عكرمة: مختلفين في الهدى وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخر بعضهم بعضا، والمشهور الصحيح الأول.\nوقوله: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي إلا المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي وخاتم الرسل والأنبياء فاتبعوه وصدقوه ووازروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضا «إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال «ما أنا عليه وأصحابي» (^١) رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.\nوقال عطاء: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني اليهود والنصارى والمجوس ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يعني الحنيفية وقال قتادة أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم، وقوله: ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الحسن البصري في رواية عنه وللاختلاف خلقهم، وقال مكي بن أبي طلحة عن ابن عباس: خلقهم فريقين كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ وقيل للرحمة خلقهم قال ابن وهب أخبرني مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح عن طاوس: أن رجلين اختصما إليه فأكثرا فقال طاوس اختلفتما وأكثرتما فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا فقال طاوس: كذبت فقال أليس الله يقول:\n﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة والرحمة كما قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى:\n﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nوقيل بل المراد وللرحمة والاختلاف خلقهم كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الناس مختلفون على أديان شتى ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فمن رحم ربك غير مختلف فقيل له لذلك خلقهم قال خلق هؤلاء\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١، والترمذي في الإيمان باب ١٨، وابن ماجة في الفتن باب ١٧، وأحمد في المسند ٢/ ٣٣٢، ٣/ ١٢٠، ١٤٥.","vol":"4","page":310},{"text":"لجنته وخلق هؤلاء لناره وخلق لعذابه وكذا قال عطاء بن أبي رباح والأعمش، وقال ابن وهب سألت مالكا عن قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال فريق في الجنة وفريق في السعير.\nوقد اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيد الفراء وعن مالك فيما روينا عنه من التفسير ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال للرحمة وقال قوم للاختلاف.\nوقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره لعلمه التام وحكمته النافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنة ومنهم من يستحق النار وأنه لا بد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين الجن والإنس وله الحجة البالغة والحكمة التامة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اختصمت الجنة والنار فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين فقال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء وقال للنار أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا يسكن فضل الجنة وأما النار فلا تزال تقول هل من مزيد حتى يضع عليها رب العزة قدمه فتقول قط قط (^١) وعزتك» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-840>[سورة هود (١١): آية ١٢٠]</span>\n﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾\nيقول تعالى وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين. كل هذا مما نثبت به فؤادك أي قلبك يا محمد ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة.\nوقوله: ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ﴾ أي هذه السورة قال ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف، وعن الحسن في رواية عنه وقتادة في هذه الدنيا والصحيح في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء وكيف أنجاهم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين جاءك فيها قصص حق ونبأ صدق وموعظة يرتدع بها الكافرون وذكرى يتذكر بها المؤمنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-841>[سورة هود (١١): الآيات ١٢١ إلى ١٢٢]</span>\n﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ (١٢١) وَاِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾\n_________\n(^١) قط قط: أي حسبي.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٥، وتفسير سورة ٥٠، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٣٥، ٣٦، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٤.","vol":"4","page":311},{"text":"يقول تعالى آمرا رسوله أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على وجه التهديد ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي على طريقتكم ومنهجكم ﴿إِنّا عامِلُونَ﴾ أي على طريقتنا ومنهجنا ﴿وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أي فستعلمون ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ وقد أنجز الله لرسوله وعده ونصره وأيده وجعل كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والله عزيز حكيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-842>[سورة هود (١١): آية ١٢٣]</span>\n﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾\nيخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض وأنه إليه المرجع والمآب، وسيؤتي كل عامل عمله يوم الحساب، فله الخلق والأمر، فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه. فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه، وقوله: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد بل هو عليم بأحوالهم وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين، وقال ابن جرير (^١) حدثنا ابن وكيع حدثنا زيد بن الحباب عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن رباح عن كعب قال: خاتمة التوراة خاتمة هود. آخر تفسير سور هود ﵇ ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ١٤٥.","vol":"4","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-843>سورة يوسف</span>\nوهي مكية\nروى الثعلبي وغيره من طريق سلام بن سلم، ويقال: سليم المدائني، وهو متروك عن هارون بن كثير، وقد نص على جهالته أبو حاتم، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «علموا أرقاكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها أو علمها أهله أو ما ملكت يمينه، هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه من القوة أن لا يحسد مسلما»، وهذا من هذا الوجه لا يصح لضعف إسناده بالكلية.\nوقد ساقه الحافظ ابن عساكر متابعا من طريق القاسم بن الحكم، عن هارون بن كثير به، ومن طريق شبابة عن محمد بن عبد الواحد النضري، عن علي بن زيد بن جدعان، وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ، فذكر نحوه، وهو منكر من سائر طرقه، وروى البيهقي في الدلائل أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله ﷺ يتلو هذه السورة أسلموا لموافقتها ما عندهم، وهو من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-844>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ أي هذه آيات الكتاب، وهو القرآن المبين، أي الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة، ويفسرها ويبينها ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة، وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه، ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ﴾ بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن.","vol":"4","page":313},{"text":"وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن جرير (^١): حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا حكام الرازي عن أيوب، عن عمرو هو ابن قيس الملائي، عن ابن عباس قال:\nقالوا: يا رسول الله ﷺ لو قصصت علينا؟ فنزلت ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، ورواه من وجه آخر عن عمرو بن قيس مرسلا. وقال أيضا (^٢): حدثنا محمد بن سعيد القطان، حدثنا عمرو بن محمد، أنبأنا خالد الصفار عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أنزل على النبي ﷺ القرآن. قال: فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا؟ فأنزل الله ﷿ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله:\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ثم تلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله ﷿ ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية، وذكر الحديث، ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه عن عمرو بن محمد القرشي المنقري به.\nوروى ابن جرير (^٣) بسنده عن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: مل أصحاب رسول الله ﷺ ملة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث، ودون القرآن يعنون القصص، فأنزل الله ﷿ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، فأرادوا الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص.\nومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كل ما سواه من الكتب ما رواه الإمام أحمد (^٤): حدثنا سريج بن النعمان، أنبأنا هشيم، أنبأنا مجالد عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ. قال: فغضب وقال «أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيّا ما وسعه إلا أن يتبعني».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ، قال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ١٤٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ١٤٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ١٤٧، ١٤٨.\n(^٤) المسند ٣/ ٣٧٨.\n(^٥) المسند ٣/ ٣٦٥، ٣٦٦.","vol":"4","page":314},{"text":"عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال: فسري عن النبي ﷺ وقال: «والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين».\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسا عند عمر إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس (^١)؟ قال: نعم، فضربه بقناة معه، قال: فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس فجلس، فقرأ عليه ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ -إلى قوله- ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ فقرأها عليه ثلاثا، وضربه ثلاثا، فقال له الرجل:\nما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال. قال: مرني بأمرك أتبعه، قال:\nانطلق فامحه بالحميم (^٢) والصوف الأبيض ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة (^٣).\nثم قال، له اجلس فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ: «ما هذا في يدك يا عمر؟» قال: قلت:\nيا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم الله ﷺ؟ السلاح السلاح، فجاؤوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون».\nقال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبك رسولا، ثم نزل رسول الله ﷺ، وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصرا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق به وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الواسطي، وقد ضعفوه وشيخه. قال البخاري: لا يصح حديثه.\nقلت: وقد روي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم\n_________\n(^١) السوس: بلدة بخوزستان، وجد فيها دانيال، فدفن في نهرها تحت الماء، وغمر قبره، وموضعه ظاهر يزار.\n(^٢) الحميم: الماء الحار.\n(^٣) أنهكه عقوبة: أي بالغ في عقوبته.","vol":"4","page":315},{"text":"الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم الأشعري عن الزبيدي، حدثنا سليم بن عامر أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر ﵁، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود ملء صفنة فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين يقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتاب، وإنا نسمع منهم كلاما تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئا؟ فقالا: لا، قال سأحدثكما: انطلقت في حياة النبي ﷺ حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديا يقول قولا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي مما تقول؟ قال: نعم فأتيت بأديم، فأخذ يملي علي حتى كتبت في الأكرع، فلما رجعت قلت: يا نبي الله وأخبرته.\nقال «ائتني به» فانطلقت أرغب عن الشيء رجاء أن أكون جئت رسول الله ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: «اجلس اقرأ علي» فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجه رسول الله ﷺ، فإذا هو يتلون، فتحيرت من الفرق، فما استطعت أن أجيز منه حرفا، فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتبعه رسما رسما فيمحوه بريقه، وهو يقول: «لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكوا وتهوكوا» حتى محا آخره حرفا حرفا. قال عمر ﵁: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئا جعلتكما نكالا لهذه الأمة، قالا: والله ما نكتب منه شيئا أبدا، فخرجا بصفنتهما، فحفرا لها، فلم يألوا أن يعمقا ودفناها، فكان آخر العهد منها، وهكذا روى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت الأنصاري عن عمر بن الخطاب بنحوه، وروى أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة عن عمر نحوه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-845>[سورة يوسف (١٢): آية ٤]</span>\n﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)﴾\nيقول تعالى: اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه، وأبوه هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» انفرد بإخراجه البخاري (^٢)، فرواه عن عبد الله بن محمد عن عبد الصمد به، وقال البخاري أيضا: حدثنا محمد، أنبأنا عبدة عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ، أي الناس أكرم؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم» قالوا: ليس عن هذا نسألك.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٩٦.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٢، باب ١.","vol":"4","page":316},{"text":"قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟» قالوا: نعم. قال «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» ثم قال: تابعه أبو أسامة عن عبيد الله.\nوقال ابن عباس رؤيا الأنبياء وحي، وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا سواه، والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه. روي هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش وهو سريره وإخوته بين يديه ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].\nوقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكبا، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١):\nحدثني علي بن سعيد الكندي، حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر قال: أتى النبي ﷺ رجل من يهود يقال له بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي ﷺ ساعة فلم يجبه بشيء. ونزل عليه جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله ﷺ إليه فقال: «هل أنت مؤمن إذا أخبرتك بأسمائها؟» فقال: نعم. قال «جريان، والطارق، والذيال، وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور» فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.\nورواه البيهقي في الدلائل من حديث سعيد بن منصور عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في تفسيره، أما أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه عن الحكم بن ظهير به، وزاد: قال رسول الله ﷺ: «لما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد، -قال-والشمس أبوه والقمر أمّه» تفرد به الحكم بن ظهير الفزاري وقد ضعفه الأئمة وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: ساقط وهو صاحب حديث حسن، ثم ذكر الحديث المروي عن جابر أن يهوديا سأل النبي ﷺ عن الكواكب التي رآها يوسف، ما أسماؤها؟ وأنه أجابه، ثم قال: تفرد به الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأربعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-846>[سورة يوسف (١٢): آية ٥]</span>\n﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ١٤٨.","vol":"4","page":317},{"text":"يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا التي تعبيرها خضوع إخوته له، وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا بحيث يخرون له ساجدين إجلالا واحتراما وإكراما، فخشي يعقوب ﵇ أن يحدث بهذا المنام، أحدا من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حسدا منهم له، ولهذا قال له: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي يحتالوا لك حيلة يردونك فيها.\nولهذا ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ قال «إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره» (^١) وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حيدة، القشيري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» (^٢) ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود».\n\n<span data-type='title' id=toc-847>[سورة يوسف (١٢): آية ٦]</span>\n﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك ﴿كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي يختارك ويصطفيك لنبوته ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا (^٣) ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي بإرسالك والإيحاء إليك، ولهذا قال: ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ﴾ وهو الخليل ﴿وَإِسْحاقَ﴾ ولده وهو الذبيح في قول، وليس بالرجيح ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي هو أعلم حيث يجعل رسالته، كما قال في الآية الأخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-848>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧ إلى ١٠]</span>\n﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)﴾\nيقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي عبرة ومواعظ للسائلين\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٨، والأدب باب ٨٨، وابن ماجة في الرؤيا باب ٤، والدارمي في الرؤيا باب ٥، وأحمد في المسند ٥/ ٢٩٦، ٣٠٣، ٣٠٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٨٨، وابن ماجة في الرؤيا باب ٦، وأحمد في المسند ٤/ ١٠.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٥١.","vol":"4","page":318},{"text":"عن ذلك المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا﴾ أي حلفوا فيما يظنون والله ليوسف وأخوه، يعنون بنيامين وكان شقيقه لأمه ﴿أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي جماعة، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا.\nواعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ﴾ وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم.\n﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم أعدموه من وجه أبيكم، ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتخلوا أنتم بأبيكم ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ فأضمروا التوبة قبل الذنب ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم واسمه روبيل.\nوقال السدي: الذي قال ذلك، يهوذا. وقال مجاهد هو شمعون الصفا.\n﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أي لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله لأن الله تعالى كان يريد منه أمرا لا بد من إمضائه وإتمامه من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب وهو أسفله. قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ أي المارة من المسافرين فتستريحوا منه بهذا ولا حاجة إلى قتله ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أي إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه ورقة عظمه، مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلا صغيرا، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرا عظيما رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-849>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١١ إلى ١٢]</span>\n﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)﴾","vol":"4","page":319},{"text":"لما تواطأوا على أخذه وطرحه في البئر كما أشار به عليهم أخوهم الكبير روبيل، جاءوا أباهم يعقوب ﵇ فقالوا: ما بالك ﴿لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ وهذه توطئة ودعوى، وهم يريدون خلاف ذلك لما له في قلوبهم من الحسد لحب أبيه له ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا﴾ أي ابعثه معنا «غدا نرتع ونلعب» وقرأ بعضهم بالياء ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قال ابن عباس:\nيسعى وينشط (^١)، وكذا قال قتادة والضحاك والسدي وغيرهم ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ يقولون:\nونحن نحفظه ونحوطه من أجلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-850>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٣ إلى ١٤]</span>\n﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، وذلك لفرط محبته له لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة والكمال في الخلق والخلق صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيكم فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين له عنها في الساعة الراهنة ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن جماعة إنا إذا لهالكون عاجزون.\n\n<span data-type='title' id=toc-851>[سورة يوسف (١٢): آية ١٥]</span>\n﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾\nيقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ هذا فيه تعظيم لما فعلوه، أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراما له، وبسطا وشرحا لصدره، وإدخالا للسرور عليه، فيقال إن يعقوب ﵇ لما بعثه معهم ضمه إليه وقبله ودعا له، وذكر السدي وغيره أنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها الراغوفة، فقام فوقها.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٥٥.","vol":"4","page":320},{"text":"وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، يقول تعالى ذاكرا لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطييبا لقلبه وتثبيتا له، إنك لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجا ومخرجا حسنا، وسينصرك الله عليهم ويعليك ويرفع درجتك وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع، وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾. قال مجاهد وقتادة: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بإيحاء الله إليه.\nوقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك، كما قال ابن جرير (^١): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف عليه فعرفهم وهم له منكرون، قال:\nجيء بالصواع (^٢) فوضعه على يده، ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام (^٣) أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب، قال:\nثم نقره فطن، قال: فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب، قال:\nفقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-852>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ إلى ١٨]</span>\n﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب، ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا ﴿إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أي نترامى، ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أي ثيابنا وأمتعتنا، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه.\nوقوله: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك، لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب مفترى، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ١٥٩.\n(^٢) الصواع: مكيال، يكال به.\n(^٣) الجام إناء من فضة.","vol":"4","page":321},{"text":"سخلة (^١) فيما ذكره مجاهد والسدي وغير واحد، فذبحوها ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي فسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي على ما تذكرون من الكذب والمحال.\nوقال الثوري عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال: لو أكله السبع لخرق القميص (^٢)، وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير واحد.\nوقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه (^٣). وروى هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: صبر لا شكوى فيه، وهذا مرسل. وقال عبد الرزاق: قال الثوري، عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك وذكر البخاري (^٤) هاهنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف:\n﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-853>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٩ إلى ٢٠]</span>\n﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ (٢٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما جرى ليوسف ﵇ حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيدا فريدا، فمكث في البئر ثلاثة أيام فيما قاله أبو بكر بن عياش، وقال محمد بن إسحاق:\nلما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ماذا يصنع وما يصنع به، فساق الله له سيارة، فنزلوا قريبا من تلك البئر، وأرسلوا وأردهم وهو الذي يتطلب لهم الماء، فلما جاء ذلك البئر وأدلى دلوه فيها، تشبث يوسف ﵇ فيها فأخرجه واستبشر به، وقال:\n﴿يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾ وقرأ بعض القراء يا بشراي، فزعم السدي أنه اسم رجل، ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه معلما له أنه أصاب غلاما، وهذا القول من السدي غريب لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة\n_________\n(^١) السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرا كان أم أنثى.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٦١.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٦٢.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٢، باب ٣.","vol":"4","page":322},{"text":"بهذا إلا في رواية عن ابن عباس، والله أعلم، وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه وحذف ياء الإضافة، وهو يريدها كما تقول العرب: يا نفس اصبري ويا غلام أقبل، بحذف حرف الإضافة، ويجوز الكسر حينئذ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى يا بشراي، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أي وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، قاله مجاهد والسدي وابن جرير:\nهذا قول، وقال العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه ﴿يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾ يباع فباعه إخوته.\nوقوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي عليم بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وفي هذا تعريض لرسوله محمد ﷺ وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته.\nوقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل. قاله مجاهد وعكرمة والبخس: هو النقص، كما قال تعالى: ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن:١٣] أي اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل، ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين أي ليس لهم رغبة فيه، بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الضمير في قوله:\n﴿وَشَرَوْهُ﴾ عائد على إخوة يوسف. وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة. والأول أقوى، لأن قوله: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة، لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فترجح من هذا أن الضمير في ﴿شَرَوْهُ﴾ إنما هو لإخوته.\nوقيل: المراد بقوله ﴿بَخْسٍ﴾ الحرام. وقيل: الظلم، هذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا، لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما، أي إنهم إخوته وقد باعوه، ومع هذا بأنقص الأثمان، ولهذا قال ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، فعن ابن مسعود ﵁: باعوه بعشرين درهما، وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي، وزاد اقتسموها درهمين درهمين.","vol":"4","page":323},{"text":"وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهما.\nوقال الضحاك في قوله ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله ﷿، وقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق، حتى وقفوه بمصر فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك وكان مسلما.\n\n<span data-type='title' id=toc-854>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢١ إلى ٢٢]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾\nيخبر تعالى بألطافه بيوسف ﵇ أنه قيض له الذي اشتراه من مصر حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والصلاح، فقال لامرأته ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير. حدثنا العوفي عن ابن عباس وكان اسمه قطفير.\nوقال محمد بن إسحاق: اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق، قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل (^١)، وقال غيره: اسمها زليخا، وقال محمد بن إسحاق أيضا، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن بويب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم، فالله أعلم.\nوقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾، والمرأة التي قالت لأبيها ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] الآية، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄ (^٢).\nيقول تعالى: كما أنقذنا يوسف من إخوته ﴿كَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني بلاد مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾.\nقال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ أي إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه. قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾: أي فعال لما يشاء. وقوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد، وقوله: ﴿وَلَمّا بَلَغَ﴾ أي يوسف ﵇ ﴿أَشُدَّهُ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٧٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٧٣.","vol":"4","page":324},{"text":"أي استكمل عقله وتم خلقه ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ يعني النبوة أنه حباه بها بين أولئك الأقوام ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي إنه كان محسنا في عمله عاملا بطاعة الله تعالى.\nوقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وعن ابن عباس: بضع وثلاثون. وقال الضحاك: عشرون، وقال الحسن:\nأربعون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي: الأشد الحلم، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-855>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]</span>\n﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢٣)﴾\nيخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه، فراودته عن نفسه، أي حاولته على نفسه ودعته إليها، وذلك انها أحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها، ﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و﴿قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير، أي إن بعلك ربي أحسن مثواي أي منزلي، وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾، قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم.\nوقد اختلف القراء في قوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء، وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: معناه أنها تدعوه إلى نفسها. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: هيت لك، تقول هلم لك، وكذا قال زر بن حبيش وعكرمة والحسن وقتادة. قال عمرو بن عبيد عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية، أي عليك. وقال السدي: هيت لك، أي هلم لك، وهي بالقبطية. وقال مجاهد: هي لغة عربية تدعوه بها. وقال البخاري (^١): وقال عكرمة: هيت لك، أي هلم لك بالحورانية. وهكذا ذكره معلقا.\nوقد أسنده الإمام جعفر بن جرير (^٢): حدثني أحمد بن سهل الواسطي، حدثنا قرة بن عيسى، حدثنا النضر بن عربي الجزري عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: هلم لك، قال: هي بالحورانية، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي هذه القراءة، يعني هيت لك، ويقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز، ومعناها تعال. وقال أبو عبيدة: سألت شيخا عالما من أهل حوران، فذكر أنها لغتهم يعرفها، واستشهد\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٢، باب ٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ١٧٧.","vol":"4","page":325},{"text":"الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبي طالب ﵁: [مجزوء الكامل] أبلغ أمير المؤمنين … أخا العراق إذا أتيتا (^١)\nإن العراق وأهله … عنق إليك فهيت هيتا\nيقول: فتعال واقترب، وقرأ ذلك آخرون هئت لك بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء، بمعنى تهيأت لك من قول القائل هئت بالأمر أهيء هيئة، وممن روى عنه هذه القراءة: ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة، وكلهم يفسرها بمعنى تهيأت لك. قال ابن جرير: وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة، وقرأ عبد الله بن إسحاق: هيت بفتح الهاء وكسر التاء، وهي غريبة، وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة هيت بفتح الهاء وضم التاء، وأنشد قول الشاعر: [الوافر] ليس قومي بالأبعدين إذا ما … قال داع من العشيرة هيت (^٢)\nقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال ابن مسعود وقد سمع القراء: سمعتهم متقاربين، فاقرؤوا كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، وإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال. ثم قرأ عبد الله: هيت لك، فقال: يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يقرءونها هيت. قال عبد الله: أن أقرأها كما علمت أحب إليّ (^٣).\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة عن منصور، عن أبي وائل، قال:\nقال عبد الله: هيت لك، فقال له مسروق: إن ناسا يقرءونها: هيت لك، فقال: دعوني فإني أقرأ كما أقرئت، أحب إليّ، وقال أيضا: حدثني المثنى، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة عن شقيق، عن ابن مسعود، قال: هيت لك بنصب الهاء والتاء، ولا نهمز. وقال آخرون:\nهيت لك بكسر الهاء، وإسكان الياء، وضم التاء. قال أبو عبيد معمر بن المثنى: هيت لا تثنى، ولا تجمع، ولا تؤنث، بل يخاطب الجميع بلفظ واحد، فيقال: هيت لك، وهيت لكم، وهيت لكما، وهيت لكن، وهيت لهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-856>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]</span>\n﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾\n_________\n(^١) البيتان بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٢٥١، ٤٤٠، والخصائص ١/ ٢٧٩، وشرح المفصل ٤/ ٣٢، ولسان العرب (هت)، (عنق)، والمحتسب ١/ ٣٣٧، وتفسير الطبري ٧/ ١٧٦.\n(^٢) البيت لطرفة بن العبد في تفسير الطبري ٧/ ١٧٩، وليس في ديوانه.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٧٩.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ١٧٩.","vol":"4","page":326},{"text":"اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام، وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وطائفة من السلف في ذلك ما رواه ابن جرير (^١) وغيره، والله أعلم. وقيل:\nالمراد بهمه بها خطرات حديث النفس، حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق، ثم أورد البغوي هاهنا حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها» (^٢)، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة هذا منها.\nوقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: ﴿هَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أي فلم يهم بها، وفي هذا القول نظر من حيث العربية، حكاه ابن جرير وغيره. وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضا، فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم: رأى صورة أبيه يعقوب ﵇ عاضا على إصبعه بفمه. وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف. وقال العوفي عن ابن عباس: رأى خيال الملك يعني سيده، وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن أبي مودود، سمعت من محمد بن كعب القرظي. قال رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وكذا رواه أبو معشر المدني عن محمد بن كعب. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد، عن أبي صخر، قال: سمعت القرظي يقول: في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] الآية، وقوله: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] الآية، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ [الإسراء: ٣٣]. وقال الأوزاعي رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك.\nقال ابن جرير (^٤): والصواب أن يقال: إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك، فالصواب أن يطلق كما قال الله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ١٨١.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣١، ومسلم في الإيمان ٢٠٦، ٢٠٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ١٨٨.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ١٨٩.","vol":"4","page":327},{"text":"تعالى. وقوله: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ﴾ أي كما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-857>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٧) فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾\nيخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه من ورائه، فقدّته قدا فظيعا، يقال:\nإنه سقط عنه واستمر يوسف هاربا ذاهبا، وهي في أثره، فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها ﴿ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي فاحشة ﴿إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ﴾ أي يحبس، ﴿أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يضرب ضربا شديدا موجعا. فعند ذلك انتصر يوسف ﵇ بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، و﴿قالَ﴾ بارا صادقا ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه.\n﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أي من قدامه ﴿فَصَدَقَتْ﴾ أي في قولها إنه راودها عن نفسها، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدّت قميصه فيصح ما قالت ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته، أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدت قميصه من ورائه، وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير؟ على قولين لعلماء السلف، فقال عبد الرزاق، أخبرنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ قال ذو لحية، وقال الثوري، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: كان من خاصة الملك، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم: إنه كان رجلا. وقال زيد بن أسلم والسدي: كان ابن عمها. وقال ابن عباس: كان من خاصة الملك. وقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ قال: كان صبيا في المهد، وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم أنه","vol":"4","page":328},{"text":"كان صبيا في الدار، واختاره ابن جرير (^١). وقد ورد فيه حديث مرفوع فقال ابن جرير (^٢):\nحدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا حماد هو ابن سلمة، أخبرني عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «تكلم أربعة وهم صغار» فذكر فيهم شاهد يوسف، ورواه غيره عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس أنه قال «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم». وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: كان من أمر الله تعالى، ولم يكن إنسيا وهذا قول غريب.\nوقوله: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به ﴿قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، ثم قال آمرا ليوسف ﵇ بكتمان ما وقع ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ أي اضرب عن هذا صفحا، أي فلا تذكره لأحد.\n﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلا أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه فقال لها: استغفري لذنبك أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ثم قذفه بما هو بريء منه ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-858>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٠ إلى ٣٤]</span>\n﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾\nيخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز، شاع في المدينة وهي مصر حتى تحدث به الناس ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مثل نساء الكبراء والأمراء، ينكرن على امرأة العزيز وهو الوزير ويعبن ذلك عليها ﴿اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه. قال الضحاك عن ابن عباس: الشغف الحب القاتل، والشغف دون ذلك، والشغاف حجاب القلب ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي في صنيعها هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن نفسه، ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قال بعضهم: بقولهن ذهب الحب بها، وقال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ١٩١.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ١٩٢.","vol":"4","page":329},{"text":"يوسف، فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ أي دعتهن إلى منزلها لتضيفهن ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾.\nقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي وغيرهم: هو المجلس المعد فيه مفارش، ومخاد، وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ وكان هذا مكيدة منها ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر ﴿فَلَمّا﴾ خرج و﴿رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي أعظمنه أي أعظمن شأنه، وأجللن قدره، وجعلن يقطعن أيديهن دهشا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين، والمراد أنهن حززن أيديهن بها، قاله غير واحد، وعن مجاهد وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها، فالله أعلم.\nوقد ذكر غير واحد أنها قالت لهن بعد ما أكلن وطابت أنفسهن، ثم وضعت بين أيديهن أترجا وآتت كل واحدة منهن سكينا: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم، فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن، فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلا ومدبرا، فرجع وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا، فكيف ألام أنا؟.\n﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا، لأنهن لم يرين في البشر شبيهه ولا قريبا منه، فإنه ﵇ كان قد أعطي شطر الحسن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء أن رسول الله ﷺ مر بيوسف ﵇ في السماء الثالثة، قال «فإذا هو قد أعطي شطر الحسن» (^١).\nوقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطي يوسف وأمه شطر الحسن» (^٢). وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن (^٣). وقال أبو إسحاق أيضا، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان وجه يوسف مثل البرق، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتتن به. ورواه الحسن البصري مرسلا عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين»، أو قال «أعطي يوسف وأمه الثلثين والناس الثلث». وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٥٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٢٠٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٢٠٥.","vol":"4","page":330},{"text":"وقال الإمام أبو القاسم السهيلي: معناه أن يوسف ﵇ كان على النصف من حسن آدم ﵇، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه، فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته ﴿حاشَ لِلّهِ﴾. قال مجاهد وغير واحد: معاذ الله ﴿ما هذا بَشَرًا﴾، وقرأ بعضهم ما هذا بشري أي بمشتري بشراء ﴿إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله.\n﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي فامتنع. قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال، ثم قالت تتوعده ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ فعند ذلك استعاذ يوسف ﵇ من شرهن وكيدهن، و﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي من الفاحشة ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا أملك لها ضرا ولا نفعا إلا بحولك وقوتك، أنت المستعان وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي.\n﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ الآية، وذلك أن يوسف ﵇ عصمه الله عصمة عظيمة، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفا من الله ورجاء ثوابه.\nولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-859>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]</span>\n﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي إلى مدة، وذلك بعد ما عرفوا براءته وظهرت الآيات، وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، وكأنهم -والله أعلم-إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاما أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك. ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الآذان باب ٣٦، ومسلم في الزكاة حديث ٩١.","vol":"4","page":331},{"text":"إليه من الخيانة. فلما تقرر ذلك، خرج وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه. وذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرأ عرضه فيفضحها.\n\n<span data-type='title' id=toc-860>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٦]</span>\n﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾\nقال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه. قال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب نبوا والآخر مجلث (^١). قال السدي: كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالا على سمه في طعامه وشرابه، وكان يوسف ﵇ قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه.\nومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم. ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تآلفا به وأحباه حبا شديدا وقالا له: والله لقد أحببناك حبا زائدا. قال:\nبارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليّ من محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل عليّ الضرر بسببها، وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك، ثم إنهما رأيا مناما فرأى الساقي أنه يعصر خمرا يعني عنبا، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: إني أراني أعصر عنبا.\nورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود أنه قرأها: أعصر عنبا: وقال الضحاك في قوله ﴿إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يعني عنبا، قال: وأهل عمان يسمون العنب خمرا.\nوقال عكرمة: قال له: إني رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب، فنبتت فخرج فيها عناقيد، فعصرتهن ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمرا، وقال الآخر وهو الخباز ﴿إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ الآية، والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه أنهما رأيا مناما وطلبا تعبيره.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا وكيع وابن حميد قالا: حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئا، إنما كان تحالما ليجربا عليه.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢١٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٢١٢، ولفظه: حدثنا ابن وكيع وابن حميد.","vol":"4","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-861>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]</span>\n﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾\nيخبرهما يوسف ﵇ أنهما مهما رأيا في المنام من حلم فإنه عارف بتفسيره يخبرهما بتأويله قبل وقوعه، ولهذا قال: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ قال مجاهد:\nيقول ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ في يومكما ﴿إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما﴾، وكذا قال السدي. وقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا محمد بن يزيد شيخ له، عن الحسن بن ثوبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:\nما أدري لعل يوسف ﵇ كان يعتاف وهو كذلك، لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ قال: إذا جاء الطعام حلوا أو مرا اعتاف عند ذلك.\nثم قال ابن عباس: إنما علم فعلم، وهذا أثر غريب، ثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي، لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الآية، يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إماما يقتدى به في الخير، وداعيا إلى سبيل الرشاد.\n﴿ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ﴾ هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا﴾ أي أوحاه إلينا وأمرنا به.\n﴿وَعَلَى النّاسِ﴾ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يجعل الجد أبا ويقول: والله فمن شاء لا عنته عند الحجر، ما ذكر الله جدا ولا جدة، قال الله تعالى يعني إخبارا عن يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-862>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]</span>\n﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾\nثم إنّ يوسف ﵇ أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي الذي ذل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه، ثم بين لهما أن التي","vol":"4","page":333},{"text":"يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله، ولهذا قال: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي حجة ولا برهان، ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه، ثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه وبرضاه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فلهذا كان أكثرهم مشركين، ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\nوقد قال ابن جرير (^١): إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا، لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحب أن يشغلهما بغير ذلك لئلا يعاودوه فيها. فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة، وفي هذا الذي قاله نظر، لأنه قد وعدهما أولا بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصاف إليه، ولهذا لما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال فقال:\n\n<span data-type='title' id=toc-863>[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]</span>\n﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)﴾\nيقول لهما ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا، ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه في قوله ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا، ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة، لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، وقال الثوري: عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم عن عبد الله قال: لما قالا ما قالا وأخبرهما، قالا: ما رأينا شيئا، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ (^٢).\nورواه محمد بن فضيل عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به، وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، وحاصله أن من تحلم بباطل، وفسره فإنه يلزم بتأويله، والله تعالى أعلم، وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة، عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» وفي مسند أبي يعلى من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعا «الرؤيا لأول عابر».\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٢١٤، ٢١٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٢١٩.","vol":"4","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-864>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]</span>\n﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾\nولما ظن يوسف ﵇ أن الساقي ناج، قال له يوسف خفية عن الآخر، والله أعلم -لئلا يشعره أنه المصلوب-قال له ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يقول: اذكر قصتي عند ربك، وهو الملك، فنسي ذلك الموصي أن يذكر مولاه الملك بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع نبي الله من السجن، هذا هو الصواب أن الضمير في قوله ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد. ويقال: إن الضمير عائد على يوسف ﵇ رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضا وعكرمة وغيرهم.\nوأسند ابن جرير (^١) هاهنا حديثا فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا، قال: قال النبي ﷺ: «لو لم يقل-يعني يوسف-الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله»، وهذا الحديث ضعيف جدا، لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي أضعف منه أيضا. وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم.\nوأما البضع فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع. وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعا، ويوسف في السجن سبعا، وعذب بختنصر سبعا، وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄ ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال: ثنتا عشرة سنة. وقال الضحاك:\nأربع عشرة سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-865>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٣ إلى ٤٩]</span>\n﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾\nهذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببا لخروج يوسف ﵇ من السجن، معززا مكرما، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا، فهالته وتعجب من أمرها وما يكون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٢٢١.","vol":"4","page":335},{"text":"تفسيرها، فجمع الكهنة والحزاة (^١) وكبار دولته وأمراءه فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأنها ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ أي لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها، وهو تعبيرها، فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر بعد أمة، أي مدة، وقرأ بعضهم بعد أمه أي بعد نسيان، فقال لهم، أي للملك والذين جمعهم لذلك.\n﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي بتأويل هذا المنام، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن، ومعنى الكلام فبعثوه فجاءه، فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا﴾ وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف ﵇ تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر.\nثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين، فقال ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب، فادخروه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾.\nثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾، أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه، وسكر ونحوه، حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضا. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يحلبون (^٢).\n_________\n(^١) حزا حزوا وتحزّى تحزوّا: زجر وتكهّن، والحزاة، جمع حاز هو المتكهن، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٣١.","vol":"4","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-866>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٠ إلى ٥٣]</span>\n﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه، فعرف فضل يوسف ﵇، وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه، وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال: ﴿اِئْتُونِي بِهِ﴾ أي أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلما وعدوانا، فقال:\n﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ الآية.\nوقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه، ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ الآية، ويرحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» (^١).\nوفي لفظ لأحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ: «لو كنت أنا، لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر».\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر»، هذا حديث مرسل.\nوقوله تعالى: ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطبا لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره، وهو العزيز، قال الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ أي شأنكن وخبركن ﴿إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يعني يوم الضيافة، ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ أي قالت لنسوة جوابا للملك: حاش لله أن يكون يوسف متهما، والله ما علمنا عليه من سوء، فعند ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٢، باب ٥، ومسلم في الإيمان حديث ٢٣٨.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٤٧، ٣٨٩.","vol":"4","page":337},{"text":"﴿قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: تقول الآن تبين الحق وظهر وبرز.\n﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي في قوله: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ تقول المرأة:\nولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته لأن ﴿النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أي إلا من عصمه الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام.\nوقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس بن تيمية ﵀، فأفرده بتصنيف على حدة، وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف ﵇ يقول: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في زوجته ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الآيتين، أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي، وليعلم العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في زوجته ﴿بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ الآية، وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ الآية، قال يوسف ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ فقال جبريل ﵇: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآية، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي، والقول الأول أقوى وأظهر، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.\n\n<span data-type='title' id=toc-867>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]</span>\n﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن الملك حين تحقق براءة يوسف ﵇ ونزاهة عرضه مما نسب إليه، قال ﴿اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي أجعله من خاصتي وأهل مشورتي ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أي خاطبه الملك، وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال، قال له الملك ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة، فقال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٢٣٧.","vol":"4","page":338},{"text":"يوسف ﵇ ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره للحاجة، وذكر أنه ﴿حَفِيظٌ﴾ أي خازن أمين، ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم وبصيرة بما يتولاه. وقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني، عليم بسني الجدب، رواه ابن أبي حاتم، وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه ولما فيه من المصالح للناس، وإنما سأله أن يجعله على خزائن الأرض، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له ولهذا قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-868>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]</span>\n﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض مصر، ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتصرف فيها كيف يشاء. وقال ابن جرير (^١): يتخذ منها منزلا حيث يشاء بعد الضيق والحبس والإسار، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه الله ﷿ السلام والنصر والتأييد، ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يخبر تعالى أن ما ادخره الله تعالى لنبيه يوسف ﵇ في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا، كقوله في حق سليمان ﵇ ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٣٩ - ٤٠] والغرض أن يوسف ﵇ ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته، وأسلم الملك على يدي يوسف ﵇، قاله مجاهد.\nوقال محمد بن إسحاق: لما قال يوسف للملك: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] قال الملك: قد فعلت، فولاه فيما ذكروا عمل اطفير، وعزل اطفير عما كان عليه، يقول الله ﷿: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: فذكر لي-والله أعلم-أن اطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة اطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال لها: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت، فيزعمون أنه وجدها عذراء،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٢٤٢.","vol":"4","page":339},{"text":"فأصابها، فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف، وميشا بن يوسف، وولد لأفرائيم نون والد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب ﵇، وقال الفضيل بن عياض: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف، فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، والملوك عبيدا بمعصيته.\n\n<span data-type='title' id=toc-869>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٨ إلى ٦٢]</span>\n﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾\nذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر، أن يوسف ﵇ لما باشر الوزارة بمصر ومضت السبع السنين المخصبة، ثم تلتها السبع السنين المجدبة، وعم القحط بلاد مصر بكمالها، ووصل إلى بلاد كنعان وهي التي فيها يعقوب ﵇ وأولاده، وحينئذ احتاط يوسف ﵇ للناس في غلاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك مبلغ عظيم وهدايا متعددة هائلة، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان ﵇، لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفا الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين، وكان رحمة من الله على أهل مصر.\nوما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال، وفي الثانية بالمتاع، وفي الثالثة بكذا، وفي الرابعة بكذا، حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعد ما تملك عليهم جميع ما يملكون، ثم أعتقهم ورد عليهم أموالهم كلها، الله أعلم بصحة ذلك، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم في ذلك، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعاما، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب ﵇ عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف ﵇، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف.\nفلما دخلوا على يوسف وهو جالس في أبهته ورئاسته وسيادته، عرفهم حين نظر إليهم، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي لا يعرفونه، لأنهم فارقوه وهو صغير حدث، وباعوه للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم.\nفذكر السدي وغيره أنه شرع يخاطبهم، فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟","vol":"4","page":340},{"text":"فقالوا: أيها العزيز إنا قدمنا للميرة، قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله. قال: فمن أين أنتم؟ قالوا من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله. قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر، فذهب أصغرنا، هلك في البرية وكان أحبنا إلى أبيه، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم.\n﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ أي أوفى لهم كيلهم، وحمل لهم أحمالهم، قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ رغبهم في الرجوع إليه، ثم رهبهم فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ الآية، أي إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة، ﴿وَلا تَقْرَبُونِ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ أي سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن، ولا نبقي مجهودا لتعلم صدقنا فيما قلناه، وذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم، وفي هذا نظر لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرا، وهذا لحرصه على رجوعهم.\n﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ أي غلمانه ﴿اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ أي التي قدموا بها ليمتاروا عوضا عنها ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ أي في أمتعتهم من حيث لا يشعرون، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بها، قيل: خشي يوسف ﵇ أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها. وقيل: تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضا عن الطعام، وقيل أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجا وتورعا، لأنه يعلم ذلك منهم والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-870>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]</span>\n﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٦٤)﴾\nيقول الله تعالى عنهم: إنهم رجعوا إلى أبيهم ﴿قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ يعنون بعد هذه المرة، إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين لا نكتل، فأرسله معنا نكتل، وإنا له لحافظون، قرأ بعضهم بالياء أي يكتل هو، ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أي لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك، وهذا كما قالوا له في يوسف ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ولهذا قال لهم: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل، تغيبونه عني، وتحولون بيني وبينه؟ ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ وقرأ بعضهم حفظا ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أي هو أرحم الراحمين بي، وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي، وأرجو من الله أن يرده علي ويجمع شملي به، إنه أرحم الراحمين.","vol":"4","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-871>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]</span>\n﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾\nيقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم، وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، فلما وجدوها في متاعهم ﴿قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي﴾ أي ماذا نريد ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾، كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل (^١)، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ أي إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا، ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ وذلك أن يوسف ﵇ كان يعطي كل رجل حمل بعير، وقال مجاهد: حمل حمار، وقد يسمى في بعض اللغات بعيرا، كذا قال (^٢).\n﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ أي تحلفون بالعهود والمواثيق ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم، فقال: ﴿اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، قال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم عنها، فبعثه معهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-872>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]</span>\n﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن يعقوب ﵇، إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه (^٣).\nوروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب. وقوله ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئا لا يخالف ولا يمانع، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٤٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٤٧.\n(^٣) أخرج الحديث: «العين حق تستنزل الحالق» أحمد في المسند ١/ ٢٧٤، ٢٩٤.","vol":"4","page":342},{"text":"﴿مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين لهم ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه. وقال ابن جرير (^١): لذو علم لتعليمنا إياه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-873>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٩]</span>\n﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾\nيخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له، وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس، أي لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززا مكرّما معظما.\n\n<span data-type='title' id=toc-874>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٠ إلى ٧٢]</span>\n﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾\nلما جهزهم وحمل لهم أبعرتهم طعاما، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية، وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب، قال ابن زيد، كان يشرب فيه، ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد.\nوقال شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: صواع الملك، قال: كان من فضة يشربون فيه، وكان مثل المكوك (^٢)، وكان للعباس مثله في الجاهلية، فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ فالتفتوا إلى المنادي وقالوا ﴿ماذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ﴾ أي صاعه الذي يكيل به ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا من باب الجعالة (^٣)، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-875>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٣ إلى ٧٦]</span>\n﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٢٥٠.\n(^٢) المكوك: الصاع.\n(^٣) الجعالة: الأجر على الشيء.","vol":"4","page":343},{"text":"لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهم إخوة يوسف ﴿تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ أي لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا، لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة أنا ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ أي ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال لهم الفتيان ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ أي السارق إن كان فيكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ أي: أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه؟ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ وهكذا كانت شريعة إبراهيم ﵇، أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف ﵇، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي فتشها قبله تورية، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزاما لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة.\nوقوله: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر قاله الضحاك وغيره، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] الآية.\n﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله ﷿، وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، قال: كما عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال:\nالحمد لله ﴿فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، فقال ابن عباس: بئس ما قلت: الله العليم فوق كل عالم، وكذا روى سماك عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم، وهكذا قال عكرمة، وقال قتادة:\nوفوق كل ذي علم عليم، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلمت العلماء، وإليه يعود، وفي قراءة عبد الله، وفوق كل عالم عليم.\n\n<span data-type='title' id=toc-876>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]</span>\n﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧)﴾\nوقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يتنصلون إلى العزيز من التشبه به، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف ﵇. قال سعيد بن جبير، عن قتادة: كان يوسف ﵇ قد سرق صنما لجده أبي أمه فكسره، وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:\nكان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد","vol":"4","page":344},{"text":"إسحاق، وكانت عندها منطقة (^١) إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، فكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وله، فلم تحب أحدا حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، تاقت إليه نفس يعقوب ﵇، فأتاها فقال: يا أخية سلمي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة. قالت: فوالله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياما أنظر إليه، وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه، أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق ﵇، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتمست، ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لسلم، أصنع فيه ما شئت، فأتاه يعقوب، فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت (^٢)، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.\nوقوله: ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ يعني الكلمة التي بعدها، وهي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أي تذكرون، قال هذا في نفسه ولم يبده لهم، وهذا من باب الإضمار قبل الذكر، وهو كثير، كقول الشاعر: [البسيط] جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر … وحسن فعل كما يجزي سنمّار (^٣)\nوله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة في منثورها وأخبارها وأشعارها. قال العوفي عن ابن عباس ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾، قال: أسر في نفسه ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-877>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]</span>\n﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩)﴾\nلما تعين أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم، شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم ف ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ يعنون وهو يحبه حبا شديدا\n_________\n(^١) المنطقة: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٦٥.\n(^٣) البيت لسليط بن سعد في الأغاني ٢/ ١١٩، وخزانة ١/ ٢٩٣، ٢٩٤، والدرر ١/ ٢١٩، ومعجم ما استعجم ص ٥١٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٩٥، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ٤٨٩، وتذكرة النحاة ص ٣٦٤، وخزانة الأدب ١/ ٢٨٠، وشرح الأشموني ١/ ١٧٠، وشرح ابن عقيل ص ٢٥٢، وهمع الهوامع ١/ ٦٦.","vol":"4","page":345},{"text":"ويتسلى به عن ولده الذي فقده ﴿فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾ أي بدله يكون عندك عوضا عنه، ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي العادلين المنصفين القابلين للخير، ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ أي كما قلتم واعترفتم ﴿إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ﴾ أي إن أخذنا بريئا بسقيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-878>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٠ إلى ٨٢]</span>\n﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ (٨٢)﴾\nيخبر تعالى عن إخوة يوسف أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين الذي قد التزموا لأبيهم برده إليه، وعاهدوه على ذلك، فامتنع عليهم ذلك ﴿خَلَصُوا﴾ أي انفردوا عن الناس ﴿نَجِيًّا﴾ يتناجون فيما بينهم ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وهو روبيل، وقيل: يهوذا، وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما هموا بقتله، قال لهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ لتردنه إليه فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لن أفارق هذه البلدة ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الرجوع إليه راضيا عني ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ قيل: بالسيف، وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾.\nثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع، حتى يكون عذرا لهم عنده، ويتنصلوا إليه ويبرءوا مما وقع بقولهم وقوله: ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ قال قتادة وعكرمة: ما علمنا أن ابنك سرق. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه سرق له شيئا، إنما سألنا ما جزاء السارق؟ ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾: قيل المراد مصر، قاله قتادة، وقيل غيرها، ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أي التي رافقناها، عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا، ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته.\n\n<span data-type='title' id=toc-879>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٣ إلى ٨٦]</span>\n﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾\nقال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى، اتهمهم فظن أنها كفعلتهم بيوسف، قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (^١) وقال بعض\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٧٤.","vol":"4","page":346},{"text":"الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتبا على فعلهم الأول، سحب حكم الأول عليه، وصح قوله:\n﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة:\nيوسف وأخاه بنيامين وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه، إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي العليم بحالي، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله وقضائه وقدره.\n﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ أي أعرض عن بنيه، وقال متذكرا حزن يوسف القديم الأول ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين، قال عبد الرزاق:\nأنبأنا الثوري عن سفيان العصفري، عن سعيد بن جبير أنه قال: لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع (^١)، ألا تسمعون إلى قول يعقوب ﵇ ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (^٢) أي ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق، قاله قتادة وغيره. وقال الضحاك: فهو كظيم كئيب حزين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن، عن الأحنف بن قيس أن النبي ﷺ قال: «إن داود ﵇ قال: يا رب إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني لهم رابعا، فأوحى الله تعالى إليه: أن يا داود إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن يعقوب أخذت منه حبيبه فابيضت عيناه من الحزن فصبر، وتلك بلية لم تنلك». وهذا مرسل وفيه نكارة، فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح، ولكن علي بن زيد بن جدعان له، مناكير وغرائب كثيرة، والله أعلم.\nوأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس ﵀ حكاه عن بعض بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما، والله أعلم، فإن بني إسرائيل ينقلون أن يعقوب كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة يتلطف له في رد ابنه، ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء، فإبراهيم ابتلي بالنار، وإسحاق بالذبح، ويعقوب بفراق يوسف، في حديث طويل لا يصح، والله أعلم، فعند ذلك رق له بنوه.\nوقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي لا تفارق تذكر يوسف ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي ضعيف القوة ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ يقولون إن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ أي أجابهم عما قالوا بقوله: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي﴾ أي همي وما أنا فيه ﴿إِلَى اللهِ﴾ وحده، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾\n_________\n(^١) الاسترجاع: أي القول: «إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»، إذا نزلت مصيبة.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٧٦.","vol":"4","page":347},{"text":"أي أرجو منه كل خير، وعن ابن عباس ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يعني رؤيا يوسف أنها صدق، وأن الله لا بد أن يظهرها، وقال العوفي عنه في الآية: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كان ليعقوب النبي ﵇ أخ مؤاخ له، فقال له ذات يوم: ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل ﵇: «الله أعلم بما تشكو» وهذا حديث غريب فيه نكارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-880>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]</span>\n﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن يعقوب ﵇: إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين، والتحسس يكون في الخير، والتجسس يكون في الشر، ونهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله أي لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه، فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.\nوقوله ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ تقدير الكلام: فذهبوا فدخلوا مصر، ودخلوا على يوسف ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام، ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أي ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره، وهو ثمن قليل، قاله مجاهد والحسن وغير واحد. وقال ابن عباس: الرديء لا ينفق مثل خلق (^٢) الغرارة والحبل والشيء، وفي رواية عنه:\nالدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان، وكذا قال قتادة والسدي. وقال سعيد بن جبير: هي الدراهم الفسول (^٣). وقال أبو صالح: هو الصنوبر وحبة الخضراء، وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق. وقال أبو صالح: جاءوا بحب البطم الأخضر والصنوبر، وأصل الإخاء الإزجاء\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٨١.\n(^٢) الخلق: البالي.\n(^٣) الفسول: جمع فسل: هو الرديء من كل شيء.","vol":"4","page":348},{"text":"لضعف الشيء، كما قال حاتم طيئ: [الطويل] ليبك على ملحان ضيف مدفّع … وأرملة تزجي مع الليل أرملا (^١)\nوقال أعشى بني ثعلبة: [الكامل] الواهب المائة الهجان وعبدها … عوذا تزجّي خلفها أطفالها (^٢)\nوقوله إخبارا عنهم ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك، وقرأ ابن مسعود: فأوقر ركابنا وتصدق علينا. وقال ابن جريج: وتصدق علينا برد أخينا إلينا. وقال سعيد بن جبير والسدي ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ يقولون: تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتجوز فيها. وسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي ﷺ؟ فقال ألم تسمع قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ رواه ابن جرير (^٣) عن الحارث، عن القاسم عنه. وقال ابن جرير (^٤): حدثنا الحارث، حدثنا القاسم، حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود، سمعت مجاهدا وسئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق علي؟ قال: نعم، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-881>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٩ إلى ٩٢]</span>\n﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٩٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن يوسف ﵇، أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء فتعرف إليهم، فيقال: إنه رفع التاج عن جبهته، وكان فيها شامة، وقال\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في لسان العرب (رمل)، وتاج العروس (رمل)، وهو منسوب أيضا لحاتم الطائي في تفسير الطبري ٧/ ٢٨٥.\n(^٢) البيت للأعشى في ديوانه ص ٧٩، وأمالي المرتضى ٢/ ٣٠٣، وخزانة الأدب ٤/ ٢٥٦، ٢٦٠، ٥/ ١٣١، ٦/ ٤٩٨، والدرر ٥/ ١٣، والكتاب ١/ ١٨٣، والمقتضب ٤/ ١٦٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٤٣٩، وجمهرة اللغة ص ٩٢٠، والدرر ٦/ ١٥٣، وشرح ابن عقيل ص ٤٢٧، وشرح عمدة الحافظ ص ٦٦٧، والمقرب ١/ ١٢٦، وهمع الهوامع ٢/ ٤٨، ١٣٩، والبيت للأعشى بني ثعلبة في تفسير الطبري ٧/ ٢٨٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٢٨٩.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٢٩٠.","vol":"4","page":349},{"text":"﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ يعني كيف فرقوا بينه وبين أخيه ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أي إنما حملكم على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه، كما قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النحل:١١٩] الآية.\nوالظاهر-والله أعلم-أن يوسف ﵇ إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك، كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك، والله أعلم ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر، فرج الله تعالى من ذلك الضيق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] فعند ذلك قالوا ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ وقرأ أبي بن كعب «إنك لأنت يوسف»، وقرأ ابن محيصن «أنت يوسف»، والقراءة المشهورة هي الأولى، لأن الاستفهام يدل على الاستعظام أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي﴾.\nوقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ الآية، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضا، على قول من لم يجعلهم أنبياء، وأقروا له بأنهم أساؤوا إليه وأخطئوا في حقه ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم، ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم، ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ قال السدي:\nاعتذروا إلى يوسف فقال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: لا أذكر لكم ذنبكم: وقال ابن إسحاق والثوري ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم، ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ أي يستر الله عليكم فيما فعلتم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-882>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]</span>\n﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾\nيقول: اذهبوا بهذا القميص ﴿فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وكان قد عمي من كثرة البكاء، ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي بجميع بني يعقوب، ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي خرجت من مصر ﴿قالَ أَبُوهُمْ﴾ يعني يعقوب ﵇ لمن بقي عنده من بنيه ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تنسبوني إلى الفند والكبر قال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: ولما فصلت العير، قال: لما خرجت","vol":"4","page":350},{"text":"العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام (^١)، وكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن أبي سنان به وقال الحسن وابن جريج: كان بينهما ثمانون فرسخا، وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة.\nوقوله ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير تسفهون وقال مجاهد أيضا والحسن: تهرمون. وقولهم ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال ابن عباس:\nلفي خطئك القديم. وقال قتادة: أي من حب يوسف لا تنساه ولا تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله ﷺ، وكذا قال السدي وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-883>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٦ إلى ٩٨]</span>\n﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾\nقال ابن عباس والضحاك: ﴿الْبَشِيرُ﴾ البريد. وقال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب، قال السدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب، فأحب أن يغسل ذلك بهذا، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيرا، وقال لبنيه عند ذلك ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم أن الله سيرده إلي، وقلت لكم: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له: ﴿يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي من تاب إليه تاب عليه، قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال: كان عمر ﵁ يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي. قال فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك، فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.\nوقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة الجمعة، كما قال ابن جرير (^٣) أيضا: حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريج عن عطاء، وعكرمة عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول: حتى تأتي\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٩٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٣٠٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٣٠٠.","vol":"4","page":351},{"text":"ليلة الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه «وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم».\n\n<span data-type='title' id=toc-884>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]</span>\n﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾\nيخبر تعالى عن ورود يعقوب ﵇ على يوسف ﵇، وقدومه بلاد مصر، لما كان يوسف قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر، فلما أخبر يوسف ﵇ باقترابهم، خرج لتلقيهم وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب ﵇، ويقال: إن الملك خرج أيضا لتلقيه، وهو الأشبه، وقد أشكل قوله: ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ على كثير من المفسرين، فقال بعضهم: هذا من المقدم والمؤخر، ومعنى الكلام ﴿وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ وآوى إليه أبويه ورفعهما على العرش، ورد ابن جرير هذا، وأجاد في ذلك، ثم اختار ما حكاه عن السدي أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما، ثم لما وصلوا باب البلد قال: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾.\nوفي هذا نظر أيضا، لأن الإيواء إنما يكون في المنزل، كقوله ﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ﴾ [يوسف:٦٩] وفي الحديث «من آوى محدثا» (^١) وما المانع أن يكون قال لهم بعد ما دخلوا عليه وآواهم إليه:\nادخلوا مصر، وضمنه اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين، أي مما كنتم فيه من الجهد والقحط، ويقال-والله أعلم-إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم، كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله ﷺ على أهل مكة حين قال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه، وأرسلوا أبا سفيان في ذلك، فدعا لهم فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه ﵇ (^٢).\nوقوله: ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما كان أباه وخالته، وكانت أمه قد ماتت قديما. وقال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان، قال ابن جرير (^٣): ولم يقم دليل على موت أمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها، وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق. وقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الفرائض باب ٢١، ومسلم في العتق حديث ٢٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٥٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٣٠٢.","vol":"4","page":352},{"text":"ومجاهد وغير واحد: يعني السرير، أي أجلسهما معه على سريره، ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي سجد له أبواه وإخوته الباقون. وكانوا أحد عشر رجلا، ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي التي كان قصها على أبيه من قبل، ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] الآية، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب ﷾، هذا مضمون قول قتادة وغيره.\nوفي الحديث أن معاذا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله ﷺ فقال «ما هذا يا معاذ؟» فقال إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» (^١). وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي ﷺ في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام، فسجد للنبي ﷺ فقال: «لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت»، والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدا، فعندها قال يوسف: ﴿يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أي هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي يوم القيامة يأتينهم ما وعدوا به من خير وشر.\nوقوله: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أي صحيحة صدقا يذكر نعم الله عليه، ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي البادية. قال ابن جريج وغيره: كانوا أهل بادية وماشية، وقال: كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام، قال: وبعض يقول: كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حسمى، وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل (^٢).\n﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أي إذا أراد أمرا قيض له أسبابا وقدره ويسره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح عباده، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده. قال أبو عثمان النهدي، عن سليمان: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة، قال عبد الله بن شداد: وإليها ينتهي أقصى الرؤيا، رواه ابن جرير (^٣)، وقال أيضا:\nحدثنا عمر بن علي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا هشام عن الحسن قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه، وما على وجه الأرض عبد أحب إلى الله من يعقوب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في النكاح باب ٤، وأحمد في المسند ٤/ ٣٨١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٠٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٣٠٨.","vol":"4","page":353},{"text":"وقال هشيم، عن يونس، عن الحسن: ثلاث وثمانون سنة، وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة، فمات وله عشرون ومائة سنة، وقال قتادة: كان بينهما خمس وثلاثون سنة. وقال محمد بن إسحاق: ذكر-والله أعلم-أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة، قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأن يعقوب ﵇ بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه. وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنسانا، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا، وقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون بين رجل وامرأة، فالله أعلم. وقال موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنسانا: صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ونيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-885>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]</span>\n﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (١٠١)﴾\nهذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه ﷿ لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منّ الله به عليه من النبوة والملك سأل ربه ﷿ كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه، قاله الضحاك: وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوانه من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوهذا الدعاء يحتمل أن يوسف ﵇، قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ جعل يرفع إصبعه عند الموت ويقول: «اللهم في الرفيق الأعلى» (^١) ثلاثا، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله، وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزا كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا، وكان ذلك سائغا في ملتهم، كما قال قتادة قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لما جمع الله شمله وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله.\nوكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف ﵇، وكذا ذكر ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب ٥، ومسلم في السلام حديث ٤٦.","vol":"4","page":354},{"text":"جرير (^١) والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، كما أن نوحا أول من قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا.\nقال الإمام أحمد بن حنبل (^٢) ﵀: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان ولا بد متمنيا الموت، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» وأخرجاه في الصحيحين، وعندهما «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مت، فقال النبي ﷺ: «يا سعد أعندي تتمنى الموت؟» فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: «يا سعد إن كنت خلقت للجنة، فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، وهو سليم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به من قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمره، وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا» تفرد به أحمد، وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به، وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالوا ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وقالت مريم لما أجاءها المخاض، وهو الطلق، إلى جذع النخلة: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة، لأنها لم تكن ذات زوج، وقد حملت ووضعت، وقد قالوا: ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٧ - ٢٨] فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا، وأنطق\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٣٠٩.\n(^٢) المسند ٣/ ١٠١.\n(^٣) أخرجه البخاري في المرضى باب ١٩، ومسلم في الذكر حديث ١٠.\n(^٤). ٥/ ٢٦٦، ٢٦٧.\n(^٥) المسند ٢/ ٣٥٠.","vol":"4","page":355},{"text":"الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة، ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو سلمة، أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد مرفوعا أن النبي ﷺ قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتن، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب» فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁ في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له ولا يزداد الأمر إلا شدة، فقال: اللهم خذني إليك، فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري ﵀: لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى، قال: اللهم توفني إليك.\nوفي الحديث «إن الرجل ليمر بالقبر-أي في زمان الدجال-فيقول: يا ليتني مكانك» (^٣) لما يرى من الفتن. والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون. قال أبو جعفر بن جرير: وذكر أن بني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا، استغفر لهم أبوهم، فتاب الله عليهم، وعفا عنهم، وغفر لهم ذنوبهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-886>(ذكر من قال ذلك)</span>\nحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج عن صالح المري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: إن الله تعالى لما جمع ليعقوب شمله بعينيه خلا ولده نجيا، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم؟ وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا:\nبلى. قال فيغركم عفوهما عنكم، فكيف لكم بربكم؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جانب أبيه قاعد، قالوا: يا أبانا إنا أتيناك لأمر لم نأتك لأمر مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله قط حتى حركوه، والأنبياء ﵈ أرحم البرية، فقال:\nما لكم يا بني؟ قالوا: ألست قد علمت ما كان منا إليك وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قال: بلى قالوا: أولستما قد غفرتما لنا؟ قالا: بلى. قالوا: فإن عفوكما لا يغني عنا شيئا، إن كان الله لم يعف عنا. قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا: نريد أن تدعو الله لنا، فإذا جاءك\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٨، باب ٢، ٤، ومالك في القرآن حديث ٩٠، وأحمد في المسند ١/ ٣٦٨، ٤/ ٦٦، ٥/ ٢٤٣، ٣٧٨.\n(^٢) المسند ٥/ ٤٢٧.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٢٤.","vol":"4","page":356},{"text":"الوحي من الله بأنه قد عفا عنا، قرت أعيننا، واطمأنت قلوبنا، وإلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبدا. قال: فقام الشيخ فاستقبل القبلة وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، قال: فدعا وأمن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة، قال صالح المري يخيفهم، قال: حتى إذا كان على رأس العشرين نزل جبريل ﵇، على يعقوب ﵇، فقال: إن الله تعالى قد بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك وأن الله تعالى قد عفا عما صنعوا، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة (^١).\nهذا الأثر موقوف عن أنس. ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جدا. وذكر السدي أن يعقوب ﵇ لما حضره الموت أوصى إلى يوسف بأن يدفن عند إبراهيم وإسحاق، فلما مات صبره وأرسله إلى الشام، فدفن عندهما ﵈.\n\n<span data-type='title' id=toc-887>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٤]</span>\n﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤)﴾\nيقول تعالى لمحمد ﷺ لما قص عليه نبأ إخوة يوسف، وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام، هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ونعلمك به يا محمد لما فيه من العبرة لك، والاتعاظ لمن خالفك ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ حاضرا عندهم ولا مشاهدا لهم ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي على إلقائه في الجب ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به، ولكنا أعلمناك به وحيا إليك وإنزالا عليك، كقوله: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] الآية، إلى قوله: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ [القصص: ٤٦] الآية، وقال: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٤٥] الآية، وقال ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٦٩ - ٧٠] يقول تعالى: إنه رسوله وإنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق، مما فيه عبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، ولهذا قال: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٨] إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي ما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إلى الخير والرشد من أجر، أي من جعالة ولا أجرة على ذلك، بل تفعله ابتغاء وجه الله ونصحا لخلقه ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ يتذكرون به ويهتدون وينجون به في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٠٩، ٣١٠.","vol":"4","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-888>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]</span>\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾\nيخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات، وغير ذلك.\nوقوله: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال ابن عباس: من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق السموات، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به (^١). وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوفي الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. وفي صحيح مسلم أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا شريك لك، قال رسول الله ﷺ: «قد قد» أي حسب حسب، لا تزيدوا على هذا (^٢).\nوقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا هو الشرك الأعظم يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (^٣).\nوقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال: ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وثمّ شرك آخر خفي لا يشعر به غالبا فاعله، كما روى حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه-أو انتزعه-ثم قال ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وفي الحديث «من حلف بغير الله فقد\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣١٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في الحج حديث ٢٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢، باب ٣، ومسلم في الإيمان حديث ١٤١، ١٤٢.","vol":"4","page":358},{"text":"أشرك» (^١) رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر.\nوفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (^٢)، وفي لفظ لهما «الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل» (^٣) ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة، عن يحيى الجزار عن ابن أخي زينب، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جانبي، فرأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط رقي لي فيه، فأخذه فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» قالت: قلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت، فقال إنما ذاك من الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي ﷺ: «أذهب البأس، رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» (^٤).\nوفي حديث آخر رواه الإمام أحمد (^٥) عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلت على عبد الله بن عكيم وهو مريض نعوده، فقيل له، لو تعلقت شيئا، فقال: أتعلق شيئا وقد قال رسول الله ﷺ: «من تعلق شيئا وكل إليه» ورواه النسائي عن أبي هريرة.\nوفي مسند الإمام أحمد (^٦) من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «من علق تميمة فقد أشرك»، وفي رواية «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» (^٧)، وعن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«قال الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» رواه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في النذور باب ٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الطب باب ١٧، وابن ماجة في الطب باب ٣٩، وأحمد في المسند ١/ ٣٨١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الطب باب ٢٤، والترمذي في السير باب ٤٦، وابن ماجة في الطب باب ٤٣، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٩، ٤٣٨، ٤٤٠.\n(^٤) المسند ١/ ٣٨١.\n(^٥) المسند ٤/ ٣١٠.\n(^٦) المسند ٤/ ١٥٦.\n(^٧) المسند ٤/ ١٥٤.","vol":"4","page":359},{"text":"مسلم (^١).\nوعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» رواه الإمام أحمد (^٢).\nوقال أحمد (^٣): حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد يعني ابن الهادي، عن عمرو، عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا:\nوما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟» وقد رواه إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد به.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا حسن، أنبأنا ابن لهيعة، أنبأنا ابن هبيرة عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن أبي علي-رجل من بني كاهل-قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون. قال: بل أخرج مما قلت، خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل» فقال له من شاء الله أن يقول: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال:\n«قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه».\nوقد روي من وجه آخر، وفيه أن السائل في ذلك هو الصديق، كما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن يسار، قال: شهدت النبي ﷺ أو قال: حدثني أبو بكر الصديق عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل»، فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من دعا مع الله إلها\n_________\n(^١) كتاب الزهد حديث ٤٦.\n(^٢) المسند ٤/ ٢١٥.\n(^٣) المسند ٥/ ٤٢٨، ٤٢٩.\n(^٤) المسند ٢/ ٢٢٠.\n(^٥) المسند ٤/ ٤٠٣.","vol":"4","page":360},{"text":"آخر؟ فقال رسول الله ﷺ: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل» ثم قال: «ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم».\nوقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﷺ: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا» قال: فقال أبو بكر:\nيا رسول الله، فكيف النجاة والمخرج من ذلك؟ فقال: «ألا أخبرك بشيء إذا قلته برئت من قليله وكثيره وصغيره وكبيره؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم». قال الدارقطني: يحيى بن كثير هذا، يقال له أبو النضر، متروك الحديث.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي من حديث يعلى بن عطاء، سمعت عمرو بن عاصم، سمعت أبا هريرة قال: قال أبو بكر الصديق ﵁:\nيا رسول الله، علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي، قال: «قل:\nاللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه» (^١)، رواه أبو داود والنسائي وصححه، وزاد الإمام أحمد (^٢) في رواية له: من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد، عن أبي بكر الصديق، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقول-فذكر هذا الدعاء وزاد في آخره- «وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم».\nوقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ [يوسف: ٧] الآية، أي أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٦ - ٤٧]. وقوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨ - ٩٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-889>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٨]</span>\n﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٩٨، وأحمد في المسند ١/ ٩.\n(^٢) المسند ١/ ١٤.","vol":"4","page":361},{"text":"أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي. وقوله: ﴿وَسُبْحانَ اللهِ﴾ أي وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك كله علوا كبيرا، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-890>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾\nيخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع.\nوزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل وأم موسى ومريم بنت عمران أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] الآية، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى ﵇، وبقوله تعالى: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٣].\nوهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صدّيقة بنص القرآن.\nوقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا﴾ الآية، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم، وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٨ - ٩]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾","vol":"4","page":362},{"text":"[الأحقاف: ٩] الآية. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ المراد بالقرى المدن لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعا وأخلاقا، وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعا وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى: ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا﴾ الآية.\nوقال قتادة في قوله ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمور. وفي الحديث الآخر أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله ﷺ ناقة فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي، فقال رسول الله ﷺ: «لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب رسول الله ﷺ قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من الأمم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ [الحج:٤٦] الآية، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي وكما نجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة وهي خير لهم من الدنيا بكثير، كقوله: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٤٠ - ٤١] وأضاف الدار إلى الآخرة، فقال:\n﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ﴾ كما يقال: صلاة الأولى ومسجد الجامع، وعام أول، وبارحة الأولى، ويوم الخميس. وقال الشاعر: [الوافر] أتمدح فقعسا وتذم عبسا … ألا لله أمك من هجين (^٣)\nولو أقوت عليك ديار عبس … عرفت الذل عرفان اليقين\n\n<span data-type='title' id=toc-891>[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]</span>\n﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾\nيذكر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إليه، كقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٩٥، ٢/ ٢٤٧.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٣، ٥/ ٣٦٥.\n(^٣) البيتان بلا نسبة في تفسير الطبري ٧/ ٣١٦.","vol":"4","page":363},{"text":"﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية، وفي قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ قراءتان إحداهما بالتشديد قد كذبوا، وكذلك كانت عائشة ﵂ تقرؤها.\nقال البخاري (^١): حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى:\n﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قال: قلت: أكذبوا أم كذبوا؟ قالت عائشة كذبوا. قلت فقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم فما هو بالظن؟: قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاء نصر الله عند ذلك، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعبة عن الزهري قال: أخبرنا عروة فقلت لها: لعلها قد كذبوا مخففة؟ قالت: معاذ الله. انتهى ما ذكره.\nوقال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عباس قرأها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة. قال عبد الله هو ابن أبي مليكة ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشرا، ثم تلا ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال ابن جريج:\nوقال لي ابن أبي مليكة، وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدا ﷺ من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة، كانت عائشة تقرؤها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مثقلة من التكذيب (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب القرظي قرأ هذه الآية ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ تقول: كذبهم أتباعهم إسناد صحيح أيضا.\nوالقراءة الثانية بالتخفيف، واختلفوا في تفسيرها، فقال ابن عباس ما تقدم. وعن ابن مسعود فيما رواه سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله أنه قرأ ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره (^٣).\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٢، باب ٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٢١.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣١٩.","vol":"4","page":364},{"text":"وهذا عن ابن عباس وابن مسعود ﵄، مخالف لما رواه آخرون عنهما. أما ابن عباس، فروى الأعمش عن مسلم عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم النصر على ذلك ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾ وكذا روي عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب، حدثنا إبراهيم بن أبي حرّة الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال له:\nيا أبا عبد الله كيف هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ قال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكأ، ولو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلا.\nثم روى ابن جرير (^٢) أيضا من وجه آخر أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك، فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني، وهكذا روي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك، وكذا فسرها مجاهد بن جبر وغير واحد من السلف حتى إن مجاهدا قرأها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ بفتح الذال. رواه ابن جرير إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ إلى أتباع الرسل من المؤمنين، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم، أي وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا مخففة فيما وعدوا به من النصر. وأما ابن مسعود.\nفقال ابن جرير (^٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن فضيل عن جحش بن زياد الضبي عن تميم بن حذلم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا بالتخفيف-فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس، وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير، ووجه المشهور عن الجمهور وزيف القول الآخر بالكلية، ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-892>[سورة يوسف (١٢): آية ١١١]</span>\n﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٣١٨، ٣١٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٣١٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٣١٩، ٣٢٠.","vol":"4","page":365},{"text":"يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف نجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ وهي العقول، ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ أي وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، أي يكذب ويختلق ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة من السماء وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير.\n﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور الجلية، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب ﵎ وبالأسماء والصفات، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة، يوم يفوز بالربح المبيضة وجوههم الناضرة، ويرجع المسودّة وجوههم بالصفقة الخاسرة. آخر تفسير سورة يوسف ﵇ ولله الحمد والمنة وبه المستعان.","vol":"4","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-893>سورة الرعد</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-894>[سورة الرعد (١٣): آية ١]</span>\n﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقدمنا أن كل سورة ابتدئت بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا ريب، ولهذا قال: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ أي هذه آيات الكتاب، وهو القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، قاله مجاهد وقتادة (^١)، وفيه نظر بل هو بعيد.\nثم عطف على ذلك عطف صفات فقال: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ خبر تقدم مبتدؤه، وهو قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة، واختار ابن جرير أن تكون الواو زائدة أو عاطفة صفة على صفة كما قدمنا، واستشهد بقول الشاعر: [المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم (^٢)\nوقوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ كقوله: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] أي مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-895>[سورة الرعد (١٣): آية ٢]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾\nيخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدا لا تنال ولا تدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٢٧.\n(^٢) البيت بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٦٩، وخزانة الأدب ١/ ٤٥١، ٥/ ١٠٧، ٦/ ٩١، وشرح قطر الندى ص ٢٩٥، وتفسير الطبري ٧/ ٣٢٧.","vol":"4","page":367},{"text":"الدنيا وما حوت، وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وهكذا السماء الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآية.\nوفي الحديث «ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة». وفي رواية «والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿» وجاء عن بعض السلف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتة حمراء.\nوقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى (^١). وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة (^٢)، يعني بلا عمد، وكذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى:\n﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَها﴾ تأكيدا لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة، وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره، وكفر قلبه كما ورد في الحديث، ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل ﵁: [الطويل] وأنت الذي من فضل منّ ورحمة … بعثت إلى موسى رسولا مناديا (^٣)\nفقلت له: فاذهب وهارون فادعوا … إلى الله فرعون الذي كان طاغيا\nوقولا له: هل أنت سويت هذه … بلا وتد حتى استقلت كما هيا\nوقولا له: أأنت رفعت هذه … بلا عمد أو فوق ذلك بانيا\nوقولا له: هل أنت سويت وسطها … منيرا إذا ما جنك الليل هاديا\nوقولا له: من يرسل الشمس غدوة … فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا\nوقولا له: من أنبت الحب في الثرى … فيصبح منه العشب يهتز رابيا\nويخرج منه حبه في رؤوسه … ففي ذاك آيات لمن كان واعيا\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الأعراف وأنه يمر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل، تعالى الله علوا كبيرا.\nوقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨] وقيل:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٢٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٢٩.\n(^٣) الأبيات لزيد بن عمرو بن نفيل في سيرة ابن هشام ١/ ٢٢٨.","vol":"4","page":368},{"text":"المراد إلى مستقرهما وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش، لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك، لأن له قوائم وحملة يحملونه، ولا يتصور هذا في الفلك المستدير، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.\nوذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف وأعظم من الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه، فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى، كما نبه بقوله تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] مع أنه صرح بذلك بقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه.\n\n<span data-type='title' id=toc-896>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣ إلى ٤]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾\nلما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ أي جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون، ليسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح من كل ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي من كل شكل صنفان ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أي جعل كلا منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، فإذا ذهب هذا غشيه هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضا في الزمان كما يتصرف في المكان والسكان، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي في آلاء الله وحكمه ودلائله.\nوقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ أي أراض يجاور بعضها بعضا، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا، هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها، وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله: ﴿وَجَنّاتٌ مِنْ","vol":"4","page":369},{"text":"أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ يحتمل أن تكون عاطفة على جنات، فيكون ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ مرفوعين.\nويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب، فيكون مجرورا، ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة.\nوقوله: ﴿صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ الصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين، وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد، كسائر الأشجار، ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه، كما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه» (^١). وقال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء ﵁: الصنوان هي النخلات في أصل واحد، وغير الصنوان المتفرقات، وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد.\nوقوله: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال «الدقل (^٢)، والفارسي، والحلو، والحامض» (^٣)، رواه الترمذي وقال: حسن غريب، أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة، وذا عفص (^٤)، وهذا عذب، وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أزرق، وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، مع الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعيا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء، وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-897>[سورة الرعد (١٣): آية ٥]</span>\n﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكونها بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، ثم هم بعد هذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١١، وأبو داود في الزكاة باب ٢٢، والترمذي في المناقب باب ٢٨، وأحمد في المسند ١/ ٩٤، ٢/ ٣٢٢، ٤/ ١٦٥.\n(^٢) الدقل: أردأ أنواع التمر.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٣، باب ٢.\n(^٤) العفص: المر، والعفوصة: المرارة.","vol":"4","page":370},{"text":"يكذبون خبره في أنه سعيد العالم خلقا جديدا، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به، فالعجب من قولهم ﴿أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\nثم نعت المكذبين بهذا فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أي يسحبون بها في النار ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي ماكثون فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون.\n\n<span data-type='title' id=toc-898>[سورة الرعد (١٣): آية ٦]</span>\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أي هؤلاء المكذبون ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي بالعقوبة كما أخبر عنهم في قوله: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] الآيتين، وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وقال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] الآية، أي عقابنا وحسابنا، كما قال مخبرا عنهم: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، فكانوا من شدة تكذيبهم وعنادهم وكفرهم يطلبون أن يأتيهم بعذاب الله قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم.\nثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، وقال:\n﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن علي بن زيد","vol":"4","page":371},{"text":"عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ: «لولا عفوالله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد» وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي أنه رأى رب العزة في النوم، ورسول الله ﷺ واقف بين يديه يشفع في رجل من أمته، فقال له: ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ قال: ثم انتبهت.\n\n<span data-type='title' id=toc-899>[سورة الرعد (١٣): آية ٧]</span>\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن المشركين أنهم يقولون كفرا وعنادا: لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن يزيح عنهم الجبال، ويجعل مكانها مروجا وأنهارا، قال تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] الآية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها، و﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لكل قوم داع. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. وعن مجاهد ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أي نبي، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو صالح ويحيى بن رافع ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أي قائد. وقال أبو العالية: الهادي القائد، والقائد الإمام، والإمام العمل. وعن عكرمة وأبي الضحى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قالا: هو محمد ﷺ. وقال مالك:\n﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ يدعوهم إلى الله ﷿.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١): حدثني أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، حدثنا معاذ بن مسلم، حدثنا الهروي عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: لما نزلت ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قال: وضع رسول الله ﷺ يديه على صدره وقال: «أنا المنذر، ولكل قوم هاد» وأومأ بيده إلى منكب علي، فقال «أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي»، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا المطلب بن زياد عن السدي عن عبد خير عن علي ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قال: الهادي رجل من بني هاشم. قال الجنيد: هو علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وعن أبي جعفر محمد بن علي نحو ذلك.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٣٤٤.","vol":"4","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-900>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٨ إلى ٩]</span>\n﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩)﴾\nيخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤] أي ما حملت من ذكر أو أنثى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كقوله تعالى:\n﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ [النجم: ٣٢] الآية، وقال تعالى:\n﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] أي خلقكم طورا من بعد طور، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وعمره، وعمله، وشقي أو سعيد» (^١). وفي الحديث الآخر «فيقول الملك أي رب أذكر أم أنثى؟ أي رب أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله، ويكتب الملك» (^٢).\nوقوله ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ قال البخاري (^٣): حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا معن حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ يعني السقط، ﴿وَما تَزْدادُ﴾ يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومن تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى (^٤).\nوقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ قال: ما نقصت من تسعة وما زاد عليها، وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في القدر باب ١، ومسلم في القدر حديث ١.\n(^٢) راجع الحاشية السابقة.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٣، باب ١.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٤٥.","vol":"4","page":373},{"text":"وقد نبتت ثنيتي. وقال ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك ظل مغزل (^١)، وقال مجاهد ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ قال:\nما ترى من الدم في حملها، وما تزداد على تسعة أشهر، وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك، وقال مجاهد أيضا: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض، وقاله عكرمة وسعيد بن جبير وابن زيد. وقال مجاهد أيضا: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ إراقة الدم حتى يخس الولد، ﴿وَما تَزْدادُ﴾ إن لم تهرق المرأة، تم الولد وعظم (^٢).\nوقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض، استهل، واستهلاله استنكاره لمكانه، فإذا قطعت سرته، حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يحزن ولا يطلب ولا يغتم، ثم يصير طفلا يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ فيقول مكحول يا ويلك: غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق، ثم قرأ مكحول ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ الآية.\nوقال قتادة: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أي بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلا معلوما. وفي الحديث الصحيح أن إحدى بنات النبي ﷺ بعثت إليه أن ابنا لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره. فبعث إليها يقول: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب» (^٣) الحديث بتمامه. وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء، ﴿الْمُتَعالِ﴾ أي على كل شيء ﴿قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقهر كل شيء، فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعا وكرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-901>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)﴾\nيخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه، وأنه سواء منهم من أسر قوله أو جهر به، فإنه يسمعه لا يخفى عليه شيء، كقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾، قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٤٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٤٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في القدر باب ٤، ومسلم في الجنائز حديث ١١.","vol":"4","page":374},{"text":"الأصوات، والله لقد جاءت المجادلة تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ، وأنا في جنب البيت، وإنه ليخفى عليّ بعض كلامها، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (^١) [المجادلة: ١].\nوقوله ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أي مختف في قعر بيته في ظلام الليل، ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ أي ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه، فإن كليهما في علم الله على السواء، كقوله تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ [هود: ٥] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\nوقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة أملاك بالليل، بدلا حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» (^٢). وفي الحديث الآخر «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم» (^٣).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ والمعقبات من الله هي الملائكة (^٤)، وقال عكرمة عن ابن عباس ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه (^٥)، وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده، إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء أذن الله فيه\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب ١٣، وأحمد في المسند ٦/ ٤٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٣، ٣٣، ومسلم في المساجد حديث ٢١٠، والنسائي في الصلاة باب ٢١، ومالك في السفر حديث ٨٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٧، ٣١٢، ٤٨٦.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الأدب باب ٤٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥١.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥١.","vol":"4","page":375},{"text":"فيصيبه (^١).\nوقال الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا، له حرس من دونه حرس (^٢)، وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني ولي الشيطان يكون عليه الحرس. وقال عكرمة في تفسيرها: هؤلاء الأمراء المواكب بين يديه ومن خلفه (^٣)، وقال الضحاك في الآية: هو السلطان المحروس من أمر الله، وهم أهل الشرك (^٤)، والظاهر-والله أعلم-أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبد يشبه حرس هؤلاء لملوكهم وأمرائهم.\nوقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير (^٥) هاهنا حديثا غريبا جدا، فقال حدثني المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري، حدثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله ﷺ، فقال:\nيا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال «ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمير على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أكتبها؟ قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب فيستأذنه ثلاث مرات، فإذا قال ثلاثا، قال: اكتبها أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا، يقول الله: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وملكان من بين يديك ومن خلفك، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد ﷺ. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي، ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل».\nوقال الإمام أحمد (^٦) ﵀: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا سفيان، حدثني منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وقد\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٢.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٢.\n(^٥) تفسير الطبري ٧/ ٣٥٠.\n(^٦) المسند ١/ ٣٩٧، ٤٠١، ٤٦٠.","vol":"4","page":376},{"text":"وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير»، انفرد بإخراجه مسلم (^١).\nوقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ قيل: المراد حفظهم له من أمر الله، رواه علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس (^٢)، وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم.\nوقال قتادة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ قال: وفي بعض القراءات «يحفظونه بأمر الله» (^٣)، وقال كعب الأحبار: لو تجلى لابن لآدم كل سهل وكل حزن، لرأى كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذا لتخطفتم (^٤). وقال أبو أمامة: ما من آدمي ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له (^٥)، وقال أبو مجلز: جاء رجل من مراد إلى علي ﵁ وهو يصلي فقال: احترس: فإن ناسا من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدّر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جنة حصينة (^٦).\nوقال بعضهم ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ بأمر الله، كما جاء في الحديث أنهم قالوا:\nيا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال «هي من قدر الله» (^٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن جهم، عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾.\nوقد ورد هذا في حديث مرفوع، فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه صفة العرش: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي، حدثنا أبو حنيفة اليماني الأنصاري عن عمير بن عبد الملك قال: خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة قال: كنت إذا أمسكت عن رسول الله ﷺ ابتدأني، وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه عز\n_________\n(^١) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم حديث ٦٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٣.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٤.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٤.\n(^٥) تفسير الطبري ٧/ ٣٥٥.\n(^٦) تفسير الطبري ٧/ ٣٥٤، ٣٥٥.\n(^٧) أخرجه الترمذي في الطب باب ٢١، والقدر باب ١٢، وابن ماجة في الطب باب ١، وأحمد في المسند ٣/ ٤٢١.","vol":"4","page":377},{"text":"وجل قال: «قال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، ما من قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي»، وهذا غريب، وفي إسناده من لا أعرفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-902>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]</span>\n﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣)﴾\nيخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق، وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب. وروى ابن جرير (^١) أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فقال: البرق الماء. وقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال قتادة: خوفا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله (^٢)، ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ أي ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء، قال: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرني أبي قال: كنت جالسا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمر شيخ من بني غفار، فأرسل إليه حميد، فلما أقبل قال: يا ابن أخي، وسع فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله ﷺ، فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله ﷺ؟ فقال له الشيخ:\nسمعت عن شيخ من بني غفار أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك» والمراد-والله أعلم-أن نطقها الرعد وضحكها البرق. وقال موسى بن عبيدة عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكا، ولا آنس منه منطقا، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن مسلم قال:\nبلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه فذاك البرق.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو مطر عن سالم، عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال «اللهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٣٥٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٩.\n(^٣) المسند ٥/ ٤٣٥.\n(^٤) المسند ٢/ ١٠٠، ١٠١.","vol":"4","page":378},{"text":"لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» (^١)، ورواه الترمذي والبخاري في كتاب الأدب، والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي مطر ولم يسم به.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة رفعه، أنه كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان من يسبح الرعد بحمده»، وروي عن علي ﵁ أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول:\nسبحان من سبحت له، وكذا روي عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد، أنهم كانوا يقولون ذلك. وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة (^٣)، وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض (^٤)، رواه مالك في موطئه، والبخاري في كتاب الأدب.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا صدقة بن موسى حدثنا محمد بن واسع عن شتير بن نهار، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال ربكم ﷿:\nلو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد».\nوقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر، حدثنا عبد الكريم، حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا».\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ أي يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان، كما قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا عمارة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق تلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان».\nوقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٤٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٣٦٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٣٦٠.\n(^٤) أخرجه مالك في الكلام حديث ٢٦.\n(^٥) المسند ٢/ ٣٥٩.\n(^٦) المسند ٣/ ٦٤، ٦٥.","vol":"4","page":379},{"text":"علي بن أبي سارة الشيباني، حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ بعث رجلا مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: «اذهب فادعه لي». قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله ﷺ، فقال له: من رسول الله، وما الله، أمن ذهب هو، أم من فضة هو، أم من نحاس هو؟ قال:\nفرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي كذا وكذا، فقال لي: «ارجع إليه الثانية» فذهب فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال:\nيا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: «ارجع إليه فادعه» فرجع إليه الثالثة، قال:\nفأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله ﷿ سحابة حيال رأسه، فرعدت فوقعت منها صاعقة، فذهب بقحف رأسه (^١)، فأنزل الله ﷿ ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ الآية، ورواه ابن جرير (^٢) من حديث علي بن أبي سارة به.\nورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبدة بن عبد الله عن يزيد بن هارون، عن ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس فذكر نحوه، وقال: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا أبو عمران الجوني عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن النبي ﷺ بعثه إلى جبار يدعوه فقال: أرأيتم ربكم أذهب هو؟ أم فضة هو؟ أم لؤلؤ هو؟ قال: فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل عليه صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية (^٣). وقال أبو بكر بن عياش عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: جاء يهودي فقال:\nيا محمد أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ من نحاس هو، أم من لؤلؤ أو ياقوت؟ قال:\nفجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ الآية (^٤).\nوقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا أنكر القرآن، وكذب النبي ﷺ فأرسل الله صاعقة فأهلكته، وأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ الآية (^٥)، وذكروا في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، لما قدما على رسول الله ﷺ المدينة فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما رسول الله ﷺ، فقال له عامر بن الطفيل-لعنه الله-: أما والله لأملأنها عليك خيلا جردا (^٦) ورجالا مردا (^٧)، فقال له رسول الله ﷺ: «يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة» (^٨) يعني\n_________\n(^١) القحف: أعلى الدماغ.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٣٦١.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٣٦٠، ٣٦١.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٣٦١.\n(^٥) تفسير الطبري ٧/ ٣٦١.\n(^٦) الخيل الجرد: هو الذي يسبق الخيل وينجرد عنه لسرعته.\n(^٧) المرد: هو الشاب الذي طر شاربه ولم تنبت لحيته.\n(^٨) قيلة: امرأة ينتسب إليها الأوس والخزرج.","vol":"4","page":380},{"text":"الأنصار، ثم إنهما هما بالفتك برسول الله ﷺ فجعل أحدهما يخاطبه، والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى منهما وعصمه، فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس لحربه ﵊، فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأما عامر بن الطفيل، فأرسل الله عليه الطاعون فخرجت فيه غدة عظيمة، فجعل يقول: يا آل عامر غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية (^١)، حتى ماتا لعنهما الله، وأنزل الله في مثل ذلك ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾، وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه: [المنسرح] أخشى على أربد الحتوف ولا … أرهب نوء السّماك والأسد (^٢)\nفجّعني الرعد والصواعق باك … فارس يوم الكريهة النّجد\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعيد العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن جليد بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله ﷺ، فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد، ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم». قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله ﷺ: «ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل» قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر.\nقال رسول الله ﷺ: «لا»، فلما قفلا من عنده قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا، فقال له رسول الله ﷺ: «يمنعك الله»، فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد، أنا أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فنعطيهم الدية. قال أربد: أفعل، فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله ﷺ فجلسا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله ﷺ يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب.\nفالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من\n_________\n(^١) أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية: مثل يضرب في خصلتين إحداهما شر من الأخرى. والبكر: ولد الناقة، والغدة: طاعون الإبل، وقلما تسلم منه، وأما سلول: قبيلة من أدنى العرب وأذلهم، وكان عامر قد نزل بيت امرأة من سلول، فضرب هذا المثل عندهم.\n(^٢) البيتان للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ١٥٨، وتفسير الطبري ٧/ ٣٥٦، والبيت الثاني في لسان العرب (فجع)، (صعق)، وتهذيب اللغة ١/ ٣٨٥، وتاج العروس (فجع)","vol":"4","page":381},{"text":"عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة-حرة راقم-نزلا، فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فقالا: اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله، فقال عامر: من هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكتائب، فخرجا حتى إذا كانا بالرقم، أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقة ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، ترغب أن يموت في بيتها، ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعا، فأنزل الله فيهما ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ -إلى قوله- ﴿وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمدا ﷺ، ثم ذكر أربد وما قتله به، فقال ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ الآية.\nوقوله ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ أي يشكون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ قال ابن جرير: شديدة مما حلته في عقوبة من طغى عليه، وعتا وتمادى في كفره، وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١]، وعن علي ﵁ ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ أي شديد الأخذ، وقال مجاهد: شديد القوة.\n\n<span data-type='title' id=toc-903>[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]</span>\n﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (١٤)﴾\nقال علي بن أبي طالب ﵁ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: التوحيد، رواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن عباس وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لا إله إلا الله ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية، أي ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾.\nقال علي بن أبي طالب: كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبدا بيده، فكيف يبلغ فاه؟ وقال مجاهد ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾ يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدا، وقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يحكم منه علي شيء، كما قال الشاعر: [الطويل] فإنّي وإيّاكم وشوقا إليكم … كقابض ماء لم تسقه أنامله (^٢)\nوقال الآخر: [الطويل] فأصبحت مما كان بيني وبينها … من الودّ مثل القابض الماء باليد (^٣)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٣٦٤.\n(^٢) البيت لضابئ بن الحارث البرجمي في لسان العرب (وسق)، ومقاييس اللغة ٦/ ١٠٩، وتاج العروس (وسق). وبلا نسبة في تفسير الطبري ٧/ ٣٦٤، وتهذيب اللغة ٩/ ٢٣٦، وأساس البلاغة (وسق)\n(^٣) البيت بلا نسبة في تفسير البحر المحيط ٥/ ٣٦٨، وتفسير الطبري ٧/ ٣٦٤، وروح المعاني، للآلوسي ٧/ ١٢١.","vol":"4","page":382},{"text":"ومعنى هذا الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضا وإما متناولا له من بعد كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها غيره، لا ينتفعون بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-904>[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]</span>\n﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)﴾\nيخبر تعالى عن عظمته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعا من المؤمنين وكرها على الكافرين ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ﴾ أي البكر ﴿وَالْآصالِ﴾ وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-905>[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]</span>\n﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ (١٦)﴾\nيقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعا ولا ضرا، أي لا تحصل لهم منفعة ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له فهو على نور من ربه؟ ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء، ولا يماثله ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له، عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.\nوكما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ﴾ [النجم: ٢٦] الآية، وقال ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] فإذا كان الجميع عبيدا، فلم يعبد بعضهم بعضا بلا دليل","vol":"4","page":383},{"text":"ولا برهان، بل مجرد الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم، تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-906>[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]</span>\n﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي مطرا ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أي أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل.\nوقوله: ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ﴾ الآية، هذا هو المثل الثاني وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، أي ليجعل حلية نحاس أو حديد، فيجعل متاعا، فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ﴾ أي إذا اجتمعا، لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة، ونحوهما مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ أي لا ينتفع به بل يتفرق ويتمزق، ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس، يذهب ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء، وذلك الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وقال بعض السلف: كنت إذا قرأت مثلا من القرآن فلم أفهمه، بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ الآية، هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ وهو الشك، ﴿فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك (^١).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٧٠.","vol":"4","page":384},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، وكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله، فمن عمل بالحق كان له وبقي، كما بقي ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار، فتأكل خبثه، ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك يضمحل الباطل، فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق (^١)، وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.\nوقد ضرب ﷾ في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين: ناريا ومائيا وهما قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] الآية، ثم قال ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] الآية، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين [أحدهما] قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ﴾ الآية، والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين: فيقال لليهود يوم القيامة: فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضا (^٢).\nثم قال تعالى في المثل الآخر: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، ورعوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (^٣) فهذا مثل مائي.\nوقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مثلي ومثلكم كمثل\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٧٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤، باب ٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في العلم باب ٢٠، ومسلم في الفضائل حديث ١٥، وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٩.\n(^٤) المسند ٢/ ٣١٢.","vol":"4","page":385},{"text":"رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها-قال-: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني فتقتحمون فيها» (^١) وأخرجاه في الصحيحين أيضا، فهذا مثل ناري.\n\n<span data-type='title' id=toc-907>[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]</span>\n﴿لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)﴾\nيخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم ﴿الْحُسْنى﴾ وهو الجزاء الحسن، كقوله تعالى مخبرا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أي لم يطيعوا الله، ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي في الدار الآخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يقبل منهم، لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ أي في الدار الآخرة. أي يناقشون على النقير (^٢) والقطمير (^٣)، والجليل والحقير، ومن نوقش الحساب عذب، ولهذا قال ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-908>[سورة الرعد (١٣): آية ١٩]</span>\n﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)﴾\nيقول تعالى لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هو الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية، ولا لبس فيه، ولا اختلاف فيه، بل هو كله حق يصدق بعضه بعضا، لا يضاد شيء منه شيئا آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي صدقا في الإخبار، وعدلا في الطلب، فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وقال في هذه الآية الكريمة:\n﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ أي أفهذا كهذا؟ لا استواء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٦، ومسلم في الفضائل حديث ١٧، ١٩.\n(^٢) النقير: النكتة التي في النواة.\n(^٣) القطمير: شق النواة: أي يناقشون في كل الأمور صغيرها وكبيرها.","vol":"4","page":386},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي إنما يتعظ ويعتبر ويعقل أولو العقول السليمة الصحيحة، جعلنا الله منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-909>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]</span>\n﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ (٢٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة بأن لهم عقبى الدار، وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ وليسوا كالمنافقين الذين إذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من صلة الأرحام والإحسان إليهم، وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، ويراقبون الله في ذلك، ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة، فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم، وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية.\n﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي عن المحارم والمآثم، ففطموا أنفسهم عنها لله ﷿ ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها، على الوجه الشرعي المرضي ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أي على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب من فقراء ومحاويج ومساكين ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ أي في السر والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال، آناء الليل وأطراف النهار ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا، كقوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]، ولهذا قال مخبرا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار.\nثم فسر ذلك بقوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ والعدن الإقامة، أي جنات إقامة يخلدون فيها، وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن في الجنة قصرا يقال له عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.\nوقال الضحاك في قوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾: مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد والجنات حولها، رواهما ابن جرير (^١).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٧٦، ٣٧٧.","vol":"4","page":387},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أي يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر أعينهم بهم حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتنانا من الله وإحسانا من غير تنقيص للأعلى عن درجته، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [طور: ٢١] الآية.\nوقوله ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي وتدخل عليهم الملائكة من هاهنا ومن هاهنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين، مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام.\nوقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثنا معروف بن سويد الحراني عن أبي عشانة المعافري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء-قال-: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾».\nرواه أبو القاسم الطبراني عن أحمد بن رشدين، عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة سمع عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار، ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب ﷿: هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾.\nوقال عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد: حدثنا أرطاة بن المنذر، سمعت رجلا من\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٦٨.","vol":"4","page":388},{"text":"مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك فيستأذن فيقول للذي يليه ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا، فيقول أقربهم للمؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له، حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف، رواه ابن جرير (^١). ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الإلهاني قال: سمعت أبا أمامة فذكر نحوه. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-910>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]</span>\n﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٢٥)﴾\nهذا حال الأشقياء وصفاتهم، وذكر ما لهم في الآخرة، ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل، وهؤلاء ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ كما ثبت في الحديث «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (^٢). وفي رواية «وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» (^٣)، ولهذا قال ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وهي الإبعاد عن الرحمة، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ وهي سوء العاقبة والمآل، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾.\nوقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ﴾ الآية، قال: هي ست خصال في المنافقين، إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-911>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]</span>\n﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ (٢٦)﴾\nيذكر تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقتر على من يشاء، لما له في ذلك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٣٧٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٦.","vol":"4","page":389},{"text":"من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجا لهم وإمهالا، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] ثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة، فقال: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ﴾، كما قال: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس، عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع» وأشار بالسبابة، رواه مسلم (^٢) في صحيحه. وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ مر بجدي أسك ميت، والأسك الصغير الأذنين، فقال: «والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-912>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾\nيخبر تعالى عن قيل المشركين ﴿لَوْلا﴾ أي هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، كقولهم ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وأن الله قادر على إجابة ما سألوا، وفي الحديث إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهبا، وأن يجري لهم ينبوعا، وأن يزيح الجبال من حول مكة، فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا أعذبهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: «بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة» (^٤).\nولهذا قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ أي هو المضل والهادي سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليس منوطا بذلك ولا عدمه، كما قال: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٢٨، ٢٢٩.\n(^٢) كتاب الجنة حديث ٥٥.\n(^٣) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٢، ومالك في الطهارة حديث ٧٣، وأحمد في المسند ٣/ ٣٦٥.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٤٢.","vol":"4","page":390},{"text":"﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١]، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ أي ويهدي إليه من أناب إلى الله ورجع إليه واستعان به وتضرع لديه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ أي تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرا، ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي هو حقيق بذلك.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نعم ما لهم. وقال الضحاك: غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعي: خير لهم. وقال قتادة: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي أصبت خيرا. وقال في رواية: طوبى لهم حسنى لهم، ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أي مرجع، وهذه الأقوال شيء واحد، لا منافاة بينها. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ قال: هي أرض الجنة بالحبشية (^١)، وقال سعيد بن مسجوح: طوبى اسم الجنة بالهندية (^٢)، وكذا روى السدي عن عكرمة: طوبى لهم هي الجنة، وبه قال مجاهد. وقال العوفي عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ وذلك حين أعجبته (^٣).\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب عن جعفر، عن شهر بن حوشب قال:\nطوبى شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سليمان وأبي إسحاق السبيعي، وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار منها غصن منها. وذكر بعضهم أن الرحمن ﵎ غرسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة من عسل وخمر وماء ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب:\nحدثنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، مرفوعا «طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» (^٥).\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا حسن بن موسى، سمعت عبد الله بن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أن رجلا قال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٨٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٨٢. وفيه: سعيد بن مشجوج، بدل: سعيد بن مسجوح.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٨٢.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٣٨٢.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٨٤.\n(^٦) المسند ٣/ ٧١.","vol":"4","page":391},{"text":"يا رسول الله: طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني» قال له رجل: وما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرتها مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها». وروى البخاري ومسلم جميعا عن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة المخزومي عن وهيب عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» (^١) قال:\nفحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال:\n«إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها» (^٢).\nوفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (^٤) [الواقعة: ٣٠]. أخرجاه في الصحيحين.\nوفي لفظ لأحمد (^٥) أيضا: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين-أو مائة سنة-هي شجرة الخلد». وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ ذكر سدرة المنتهى، فقال: «يسير في ظل الغصن منها الراكب مائة سنة-أو قال- يستظل في الفنن (^٦) منها مائة راكب، فيها فراش (^٧) الذهب كأن ثمرها القلال» (^٨) رواه الترمذي (^٩).\nوقال إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، وتفسير سورة ٥٦، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٥١، ومسلم في الجنة حديث ٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، وتفسير سورة ٥٦، باب ١.\n(^٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، وتفسير سورة ٥٦، في الترجمة، وأحمد في المسند ٣/ ١٦٤.\n(^٥) المسند ٢/ ٤٥٥.\n(^٦) الفنن: الغصن.\n(^٧) الفراش: واحدة فراشة، وهي التي تطير وتتهافت في السراج.\n(^٨) القلال: جمع قله: وهي إناء للشرب، كالجرة الكبيرة.\n(^٩) كتاب الجنة باب ٩.","vol":"4","page":392},{"text":"قال: سمعت أبا أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء، إن شاء أبيض وإن شاء أحمر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن».\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁، قال: طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: تفتقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة.\nوقد روى ابن جرير (^٢) عن وهب بن منبه هاهنا أثرا غريبا عجيبا، قال وهب ﵀: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرها رياط (^٣)، وورقها برود (^٤)، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة، بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنا، ووبرها كخز المرعزّى (^٥) من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، فينيخونها يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجبا من غير مهنة (^٦)، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى، ولا برك رحلة برك الأخرى، حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه.\nقال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول تعالى عند ذلك:\nأنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك. قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته، فيسألونه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٣٨٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٣٨٣.\n(^٣) الرياط: جمع ريطة، وهي كل ثوب لين رقيق.\n(^٤) البرود: جمع برد، وهو الموشى من الثياب.\n(^٥) المرعزّى، بكسر الميم، وسكون الراء، وكسر العين، وفتح الزاي المشددة: هو الزغب الذي تحت شعر العنز، وهو ألين الصوف.\n(^٦) المهنة: جمع ماهن، وهو الخادم.","vol":"4","page":393},{"text":"حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيها من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، وسأتحفك بمنزلتي لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد (^١).\nقال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال، قال:\nفيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب، مفرغة في كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك ويدخل إليهما فيحييانه، ويقبلانه، ويتعلقان به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلة التي أعدت له.\nوقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه، وزاد: فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية من الدر والمرجان، أبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور يفور من أبوابها، وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مسخر إذا لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر، وما كان فيها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان فيها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر، مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان.\nفلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تجنبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حكمة (^٢) برذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها سرر موضونة (^٣) مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك\n_________\n(^١) التصريد: تقليل العطاء.\n(^٢) الحكمة: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه.\n(^٣) السرر الموضونة: أي المنسوجة بالدر والجواهر.","vol":"4","page":394},{"text":"البراذين تزفّ (^١) بهم ببطن رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم، وجدوا الملائكة قعودا على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم، فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم، وما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان، وجنتان مدهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟.\nقالوا: نعم وربنا. قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا. قال:\nبرضاي عنكم حللتم داري، ونظرتم إلى وجهي، وصافحتكم ملائكتي، فهنيئا لكم، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ليس فيه تنغيص ولا تصريد، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأدخلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب، ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور، وهذا سياق غريب، وأثر عجيب، ولبعضه شواهد.\nففي الصحيحين أن الله تعالى يقول لذلك الرجل يكون آخر أهل الجنة دخولا الجنة: تمنّ، فيتمنى، حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى: تمن من كذا، وتمن من كذا، يذكره، ثم يقول: ذلك لك وعشرة أمثاله (^٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ عن الله ﷿ «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر» (^٣). الحديث بطوله، وقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، لها ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة، وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-913>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]</span>\n﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠)﴾\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كذب الرسل من قبلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾\n_________\n(^١) تزفّ بهم: أي تسرع بهم.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٥٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩، ٣٠١، ٣٠٩.\n(^٣) أخرجه مسلم في البر حديث ٥٥، وأحمد في المسند ٥/ ١٦٠.","vol":"4","page":395},{"text":"[النحل: ٦٣] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي كيف نصرناهم، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ أي هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به، لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم، قاله قتادة، والحديث في صحيح البخاري. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن» (^١).\n﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي هذا الذي تكفرون به، أنا مؤمن به معترف، مقر له بالربوبية والألوهية، هو ربي لا إله إلا هو ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي في جميع أموري، ﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ أي إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-914>[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]</span>\n﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)﴾\nيقول تعالى مادحا للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾ أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورهم، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي مرجع الأمور كلها إلى الله ﷿، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فما له من مضل، وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة، لأنه مشتق من الجميع.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه. قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «خففت على داود القراءة فكان يأمر بدابته أن.\nتسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه» انفرد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الأدب حديث ٢.\n(^٢) المسند ٢/ ٣١٤.","vol":"4","page":396},{"text":"بإخراجه البخاري (^١). والمراد بالقرآن هو الزبور.\nوقوله ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي من إيمان جميع الخلق ويعلموا، أو يتبينوا ﴿أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾ فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس.\nمن هذا القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (^٢)، معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، أنبأنا بشر بن عمارة، حدثنا عمر بن حسان عن عطية العوفي قال: قلت له: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾ الآية، قالوا لمحمد ﷺ: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله هذه الآية، قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي ﷺ قال:\nنعم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ، وكذا روى ابن عباس والشعبي وقتادة والثوري وغير واحد في سبب نزول هذه الآية، والله أعلم. وقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم (^٣).\nوقوله ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: أي لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن ليفعل، رواه ابن إسحاق بسنده عنه، وقاله ابن جرير أيضا. وقال غير واحد من السلف في قوله ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أفلم يعلم الذين آمنوا، وقرأ آخرون: أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا. وقال أبو العالية: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعا. وقوله: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ﴾ أي بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم، ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] وقال ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤]. قال قتادة عن الحسن ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ﴾ أي القارعة (^٤) وهذا هو الظاهر من السياق.\n_________\n(^١) كتاب الأنبياء باب ٣٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١، وفضائل القرآن باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٣٩.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٨٧.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٩١.","vol":"4","page":397},{"text":"وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن قتادة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قال: سرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ﴾ قال محمد ﷺ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ قال «فتح مكة»، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في رواية، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قال: عذاب من السماء ينزل عليهم ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ﴾ يعني نزول رسول الله ﷺ بهم وقتاله إياهم (^١)، وكذا قال مجاهد وقتادة. وقال عكرمة في رواية عن ابن عباس ﴿قارِعَةٌ﴾ أي نكبة.\nوكلهم قال ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ يعني فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة، وقوله:\n﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ أي لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-915>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]</span>\n﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)﴾\nيقول تعالى مسليا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي فلك فيهم أسوة ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي أنظرتهم وأجلتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذة رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨] وفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (^٢) [هود: ١٠٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-916>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]</span>\n﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أي حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠]، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] أفمن هو كذلك كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٩٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٢.","vol":"4","page":398},{"text":"ولا تملك نفعا لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه وهو قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ أي عبدوها معه من أصنام وأنداد وأوثان ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، ولهذا قال: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا وجود له، لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمها، لأنه لا تخفى عليه خافية ﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال مجاهد: بظن من القول. وقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول، أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر وسميتموها آلهة ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ … ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ [النجم: ٢٣] قال مجاهد: قولهم أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥] الآية، ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ من قرأها بفتح الصاد معناه أنه لما زين لهم ما هم فيه، وأنه حق دعوا إليه، وصدوا الناس عن اتباع طريق الرسل، ومن قرأها بالضم أي بما زين لهم من صحة ما هم عليه، صدوا به عن سبيل الله، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ كما قال ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] وقال ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-917>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]</span>\n﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ (٣٥)﴾\nذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار، فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي بأيدي المؤمنين قتلا وأسرا، ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ﴾ أي المدخر مع هذا الخزي في الدنيا ﴿أَشَقُّ﴾ أي من هذا بكثير، كما قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» (^١) وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفا، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦].\nوقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا﴾ [الفرقان: ١١ -]\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في اللعان حديث ٤، وأبو داود في الطلاق باب ٢٧.","vol":"4","page":399},{"text":"[١٥]، ولهذا قرن هذا بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي صفتها ونعتها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها يفجرونها تفجيرا، أي يصرفونها كيف شاؤوا وأين شاؤوا، كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ﴾ [محمد: ١٥] الآية.\nوقوله: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ أي فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع ولا فناء، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت (^١)، فقال: «إني رأيت الجنة-أو أريت الجنة-فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» (^٢).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا أبو عقيل عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة، قال له أبي بن كعب: يا رسول الله، صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما رأيناك كنت تصنعه، فقال: «إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه» (^٣). وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر شاهدا لبعضه.\nوعن عتبة بن عبد السلمي أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن الجنة، فقال: فيها عنب؟ قال: «نعم».\nقال: فما عظم العنقود؟ قال: «مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر»، رواه الإمام أحمد (^٤).\nوقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور، عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى». وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يتمخطون ولا يتغوطون، ولا يبولون، طعامهم جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس» رواه مسلم (^٥).\nوروى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن تمام بن عقبة، سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم: تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟\n_________\n(^١) تكعكع: أي توقف وأحجم.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ٩١، ومسلم في الكسوف حديث ١٧، وأحمد في المسند ١/ ٢٩٨، ٣٥٨.\n(^٣) أخرجه مسلم في الكسوف حديث ١٨.\n(^٤) المسند ٤/ ١٨٤.\n(^٥) كتاب الجنة حديث ١٥ - ١٩.","vol":"4","page":400},{"text":"قال: «نعم، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة». قال: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ قال: «تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه» (^١) رواه الإمام أحمد والنسائي.\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويا» وجاء في بعض الأحاديث أنه إذا فرغ منه عاد طائرا كما كان بإذن الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]، وقال ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧].\nوقد تقدم في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها» (^٢) ثم قرأ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ليرغب في الجنة ويحذر من النار، ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر قال بعده: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾. كما قال تعالى:\n﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].\nوقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه: عباد الله، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من عبادتكم تقبلت منكم، أو أن شيئا من خطاياكم غفرت لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾، والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم، أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم ولا تنافسون في جنة ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-918>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ وهم قائمون بمقتضاه ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ -إلى قوله- ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨] أي إن كان\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٦٧، ٣٧١.\n(^٢) تقدم الحديث مع تخريجه في تفسير الآية ٢٩ من هذه السورة.","vol":"4","page":401},{"text":"ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد ﷺ لحقا وصدقا مفعولا لا محالة وكائنا، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]، وقوله ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك. وقال مجاهد ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ﴾ أي اليهود والنصارى ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي بعض ما جاءك من الحق، وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا كما قال تعالى:\n﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، ﴿قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أي إنما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبلي ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾ أي إلى سبيله أدعو الناس ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي مرجعي ومصيري.\nوقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا، شرفناك به، وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ١١]. وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ أي آراءهم ﴿بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي من الله سبحانه ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعد ما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-919>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)﴾\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولا بشريا، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشرا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجا وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠].\nوفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (^١). وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد، أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن مكحول قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله ﷺ: «أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح، والسواك، والحناء» (^٣). وقد رواه أبو عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي الشمال، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في النكاح باب ١، ومسلم في النكاح حديث ٥.\n(^٢) المسند ٥/ ٤٢١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في النكاح باب ١.","vol":"4","page":402},{"text":"أيوب فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو الشمال.\nوقوله: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه بل إلى الله ﷿ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ أي لكل مدة مضروبة، كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ أي لكل كتاب أجل، يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين، فلهذا ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ منها، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه (^١).\nوقوله ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت، وفي رواية ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: كل شيء إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة، فإنهما قد فرغ منهما.\nوقال مجاهد ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ إلا الحياة والموت والشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران (^٢). وقال منصور: سألت مجاهدا، فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم، واجعله في السعداء؟ فقال: حسن: ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ الآيتين، قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاوة فهو ثابت لا يغير (^٣).\nوقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، رواه ابن جرير (^٤)، وقال ابن جرير أيضا: حدثنا عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٩٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٩٩.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٠٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٤٠٠.","vol":"4","page":403},{"text":"وقال حماد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا. ورواه شريك عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود بمثله. وقال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا خصاف عن أبي حمزة، عن إبراهيم، أن كعبا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ الآية، ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء.\nوقد يستأنس لهذا القول بما ورواه الإمام احمد (^٢): حدثنا وكيع، وحدثنا سفيان هو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» (^٣)، ورواه النسائي وابن ماجة من حديث سفيان الثوري به.\nوثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي حديث آخر «إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض». وقال ابن جرير (^٤): حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جرير عن عطاء، عن ابن عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت-والدفتان: لوحان-لله ﷿، كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. وقال الليث بن سعد عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت» وذكر تمام الحديث، رواه ابن جرير (^٥).\nوقال الكلبي: يمحو الله ما يشاء ويثبت، قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي ﷺ، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية، فقال: يكتب القول كله حتى إذ كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت، ودخلت وخرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب، وقال عكرمة عن ابن عباس: الكتاب كتابان، فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٤٠١.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٧٧.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب ١٠، والفتن باب ٢٢.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٤٠٤.\n(^٥) تفسير الطبري ٧/ ٤٠٤.","vol":"4","page":404},{"text":"الكتاب (^١).\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ يقول:\nهو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت، وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب.\nوقال قتادة في قوله: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ كقوله: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾ الآية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: قالت كفار قريش لما نزلت ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ما نرى محمدا يملك شيئا وقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدا لهم، إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم.\nوقال الحسن البصري ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: من جاء أجله يذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله، وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير ﵀، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ قال: الحلال والحرام، وقال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله، وقال الضحاك ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ قال: كتاب عند رب العالمين، وقال سنيد بن داود: حدثني معتمر عن أبيه، عن يسار، عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، ثم قال لعلمه: كن كتابا فكان كتابا، وقال ابن جريج عن ابن عباس ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ قال: الذكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-920>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٤٠ إلى ٤١]</span>\n﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد، بعض الذي نعد أعداءك من الخزي والنكال في الدنيا ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي قبل ذلك، ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ أي إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ أي حسابهم وجزاؤهم، كقوله تعالى:\n﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٦]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٠٤.","vol":"4","page":405},{"text":"﴿مِنْ أَطْرافِها﴾ قال ابن عباس: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد ﷺ الأرض بعد الأرض (^١)، وقال في رواية: أو لم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية (^٢).\nوقال مجاهد وعكرمة: ننقصها من أطرافها، قال: خرابها. وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين. وقال العوفي عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها. وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض. وقال الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك (^٣)، ولكن تنقص الأنفس والثمرات (^٤)، وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانا تقعد فيه، ولكن هو الموت. وقال ابن عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضا: هو موت العلماء، وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ سكن أصبهان، حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجري بمكة قال:\nأنشدنا أحمد بن غزال لنفسه: [الطويل] الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها … متى يمت عالم منها يمت طرف\nكالأرض تحيا إذا ما الغيث حلّ بها … وإن أبى عاد في أكنافها التلف\nوالقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية، كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى﴾ الآية، وهذا اختيار ابن جرير.\n\n<span data-type='title' id=toc-921>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]</span>\n﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ (٤٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم وجعل العاقبة للمتقين، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢] الآيتين. وقوله: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي أنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل عامل بعمله «وسيعلم الكافر»، والقراءة الأخرى ﴿الْكُفّارُ، لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي لمن تكون الدائرة والعاقبة لهم أو لأتباع الرسل، كلا، بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٠٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٠٦، ٤٠٧.\n(^٣) الحش: البستان، وحيث يقضي الإنسان حاجته.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٠٧.","vol":"4","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-922>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]</span>\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)﴾\nيقول تعالى: يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أي ما أرسلك الله ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم. شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان، وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ قيل: نزلت في عبد الله بن سلام، قال مجاهد (^١)، وهذا القول غريب، لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي ﷺ المدينة، والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس قال: هم من اليهود والنصارى (^٢)، وقال قتادة: منهم ابن سلام وسلمان وتميم الداري (^٣)، وقال مجاهد في رواية عنه: هو الله تعالى، وكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام ويقول: هي مكية، وكان يقرؤها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ ويقول: من عند الله (^٤)، وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري.\nوقد روى ابن جرير (^٥) من حديث هارون الأعور عن الزهري عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾، ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات، قلت، وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من طريق هارون بن موسى هذا، عن سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا كذلك ولا يثبت، والله أعلم.\nوالصحيح في هذا أن ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] الآية: وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] الآية، وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة.\nقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة وهو كتاب جليل: حدثنا سليمان بن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤١٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤١٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٤١٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٤١١.\n(^٥) تفسير الطبري ٧/ ٤١٢.","vol":"4","page":407},{"text":"أحمد الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام أنه قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عيدا، فانطلق إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة، فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله ﷺ بمنى والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله ﷺ قال: «أنت عبد الله بن سلام؟» قال قلت: نعم، قال «ادن».\nقال: فدنوت منه. قال: «أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام، أما تجدني في التوراة رسول الله؟» فقلت له: انعت ربنا، قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله ﷺ فقال له: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] إلى آخرها، فقرأها علينا رسول الله ﷺ، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة، فكتم إسلامه، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وأنا فوق نخلة لي أجذها، فألقيت نفسي، فقالت أمي: لله أنت، لو كان موسى بن عمران ما كان لك أن تلقي نفسك من رأس النخلة، فقلت: والله لأنا أسر بقدوم رسول الله ﷺ من موسى بن عمران إذ بعث، وهذا حديث غريب جدا. آخر تفسير سورة الرعد، ولله الحمد والمنة.","vol":"4","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-923>سورة إبراهيم</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-924>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ﴾ أي هذا كتاب أنزلنا إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] الآية.\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩٠] الآية.\nوقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ﴾، أي العزيز الذين لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه، ﴿الْحَمِيدِ﴾ أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه الصادق في خبره. وقوله: ﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ قرأ بعضهم مستأنفا مرفوعا وقرأ آخرون على الإتباع صفة للجلالة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] الآية.\nوقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ أي ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد وكذبوك، ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي يقدمونها ويؤثرونها عليها ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وهي اتباع الرسل ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أي ويحبون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة عائلة، وهي مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم والحالة هذه صلاح.","vol":"4","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-925>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾\nهذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم، كما روى الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع عن عمر بن ذر قال: قال مجاهد عن أبي ذر: قال قال رسول الله ﷺ: «لم يبعث الله ﷿ نبيا إلا بلغة قومه». وقوله:\n﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي بعد البيان وإقامة الحجة عليهم، يضل الله من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال ويهدي من هو أهل لذلك.\nوقد كانت هذه سنته في خلقه أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (^٢) وله شواهد من وجوه كثيرة. وقال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-926>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم، تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا، قال مجاهد:\nهي التسع الآيات (^٣) ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أي أمرناه قائلين له ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي ادعهم إلى الخير ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان.\n﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ أي بأياديه ونعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من النعم، قال ذلك مجاهد (^٤) وقتادة وغير واحد.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٥٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في التيمم باب ١، ومسلم في المساجد حديث ٣، ٥، والترمذي في السير باب ٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤١٦.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤١٨.","vol":"4","page":410},{"text":"وقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه حيث قال حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن أبان الجعفي عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في قوله تعالى:\n﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ قال: بنعم الله (^١)، ورواه ابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم من حديث محمد بن أبان به، ورواه عبد الله ابنه أيضا موقوفا وهو أشبه.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة لكل صبار، أي في الضراء شكور أي في السراء، كما قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر (^٣). وكذا جاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-927>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٦ إلى ٨]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن موسى حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم، إذ أنجاهم من آل فرعون، وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإذلال، حيث كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم، ويتركون إناثهم، فأنقذهم الله من ذلك، وهذه نعمة عظيمة، ولهذا قال: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها وقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل ﴿بَلاءٌ﴾ أي اختبار عظيم، ويحتمل أن يكون المراد هذا وهذا، والله أعلم، كقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي آذنكم وأعلمكم بوعده لكم، ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٢].\nوقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٢٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٤١٨.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤١٨.\n(^٤) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٤، وأحمد في المسند ٤/ ٣٣٢، ٣٣٣.","vol":"4","page":411},{"text":"﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أي كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾، وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها، وقد جاء في الحديث «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (^١).\nوفي المسند أن رسول الله ﷺ، مر به سائل فأعطاه تمرة، فسخطها ولم يقبلها، ثم مر به آخر فأعطاه إياها، فقبلها وقال: تمرة من رسول الله ﷺ، فأمر له بأربعين درهما، أو كما قال:\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أسود، حدثنا عمارة الصيدلاني عن ثابت عن أنس، قال: أتى النبي ﷺ سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها أو وحش بها-قال-: وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال:\nسبحان الله تمرة من رسول الله ﷺ، فقال للجارية: «اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهما التي عندها» تفرد به الإمام أحمد، وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان وأحمد ويعقوب بن سفيان.\nوقال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه، وعن أحمد أيضا أنه قال: روى أحاديث منكرة. وقال أبو داود: ليس بذاك وضعفه الدارقطني. وقال ابن عدي: لا بأس به ممن يكتب حديثه.\nوقوله تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره، كقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] الآية. وقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» (^٣) فسبحانه وتعالى الغني الحميد.\n\n<span data-type='title' id=toc-928>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]</span>\n﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾\nقال ابن جرير (^٤): هذا من تمام قول موسى لقومه يعني وتذكيره إياهم بأيام الله بانتقامه من\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٢٢، وأحمد في المسند ٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢.\n(^٢) المسند ٣/ ١٥٤، ١٥٥.\n(^٣) أخرجه مسلم في البر حديث ٥٥، وأحمد في المسند ٥/ ١٦٠.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٤٢١.","vol":"4","page":412},{"text":"الأمم المكذبة بالرسل، وفيما قال ابن جرير نظر، والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصصه عليهم، لا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة، والله أعلم، وبالجملة فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل مما لا يحصي عددهم إلا الله ﷿ ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات، وقال ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله أنه قال في قوله:\n﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ كذب النسابون (^١). وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدا يعرف ما بعد معد بن عدنان.\nوقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ اختلف المفسرون في معناه، قيل: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل بأمرهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله ﷿. وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبا لهم. وقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل. وقال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة: ومعناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم. قال ابن جرير (^٢): وتوجيهه أن في هنا بمعنى الباء، قال: وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة، وقال الشاعر: [الطويل] وأرغب فيها عن لقيط ورهطه … ولكنني عن سنبس لست أرغب (^٣)\nيريد أرغب بها. قلت: ويؤيد مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فكأن هذا-والله أعلم-تفسير لمعنى ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾. وقال سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ قال: عضوا عليها غيظا (^٤). وقال شعبة عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة بن يريم، عن عبد الله أنه قال ذلك أيضا (^٥). وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ووجهه ابن جرير (^٦) مختارا له بقوله تعالى عن المنافقين ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. وقال العوفي عن ابن عباس: لما سمعوا كلام الله عجبوا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٤٢١.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٢٣.\n(^٣) البيت بلا نسبة في لسان العرب (ذرأ) (فيا)، وتهذيب اللغة ١٥/ ٣، ٥٨٣، وتاج العروس (فيا)، وتفسير الطبري ٧/ ٤٢٣. وفي اللسان وتاج العروس وتهذيب اللغة. «عن عبيد ورهطه» بدل «عن لقيط ورهطه».\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٢٢.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٢٢.\n(^٦) تفسير الطبري ٧/ ٤٢٢.","vol":"4","page":413},{"text":"ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به الآية، يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به، فإن عندنا فيه شكا قويا.\n\n<span data-type='title' id=toc-929>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٠ إلى ١٢]</span>\n﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾\nيخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ وهذا يحتمل شيئين.\n[أحدهما] أفي وجوده شك، فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بد لهما من صانع وهو الله لا إله إلا الله هو خالق كل شيء وإلاهه ومليكه.\n[والمعنى الثاني] في قولهم: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ أي أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى.\nوقالت لهم رسلهم: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي في الدار الآخرة ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] الآية، فقالت لهم الأمم محاجين في مقام الرسالة بعد تقدير تسليمهم المقام الأول، وحاصل ما قالوه ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أي كيف نتبعكم بمجرد قولكم ولما نر منكم معجزة، ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي خارق نقترحه عليكم ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي صحيح إنا بشر مثلكم في البشرية ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي بالرسالة والنبوة ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ﴾ على وفق ما سألتم ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بعد سؤالنا إياه وإذنه لنا في ذلك ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾","vol":"4","page":414},{"text":"أي في جميع أمورهم، ثم قالت الرسل: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ﴾ أي وما يمنعنا من التوكل عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ أي من الكلام السيئ والأفعال السخيفة ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-930>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٣ إلى ١٧]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاِسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾\nيخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] الآية. وكما قال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل:٥٦] الآية، وقال تعالى إخبارا عن مشركي قريش: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وكان من صنعه تعالى أنه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارا وأعوانا وجندا يقاتلون في سبيل الله تعالى، ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتى فتح له مكة التي أخرجته، ومكن له فيها، وأرغم أنوف أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان.\nولهذا قال تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وكما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] الآية، ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقوله: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ أي وعيدي هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي كما قال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾","vol":"4","page":415},{"text":"[النازعات: ٣٧] وقال ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦].\nوقوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي استنصرت الرسل ربها على قومها، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها كما قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ ويحتمل أن يكون هذا مرادا وهذا مرادا، كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر واستفتح رسول الله ﷺ واستنصر، وقال الله تعالى للمشركين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٩] الآية، والله أعلم، ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي متجبر في نفسه عنيد معاند للحق، كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: ٢٤ - ٢٦] وفي الحديث «إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادي الخلائق، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد» (^١) الحديث أي خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر.\nوقوله: ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وراء هنا بمعنى أمام، كقوله تعالى: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وكان ابن عباس يقرؤها: وكان أمامهم ملك، أي من وراء الجبار العنيد جهنم، أي هي له بالمرصاد يسكنها مخلدا يوم المعاد، ويعرض عليها غدوا وعشيا إلى يوم التناد ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ أي في النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق، فهذا حار في غاية الحرارة، وهذا بارد في غاية البرد والنتن، كما قال: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨] وقال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم. وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده، وفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم. وفي حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قلت يا رسول الله ما طينة الخبال؟ قال «صديد أهل النار» (^٢). وفي رواية «عصارة أهل النار» (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: «يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية، وهكذا رواه ابن جرير (^٥) من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في صفة جهنم باب ١، وأحمد في المسند ٣/ ٤٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٦٠.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧١.\n(^٤) المسند ٥/ ٢٦٥.\n(^٥) تفسير الطبري ٧/ ٤٢٩.","vol":"4","page":416},{"text":"حديث عبد الله بن المبارك به. ورواه هو وابن أبي حاتم من حديث بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو به.\nوقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي يتغصصه ويتكرهه، أي يشربه قهرا وقسرا لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي يزدرده لسوء طعمه ولونه وريحه وحرارته أو برده الذي لا يستطاع ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ أي يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه. قال عمرو بن ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق. وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره، وقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة، أي من جسده حتى من أطراف شعره. وقال ابن جرير:\n﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ أي من أمامه وخلفه، وفي رواية: وعن يمينه وشماله، ومن فوقه ومن تحت أرجله، ومن سائر أعضاء جسده.\nوقال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، ولكن لا يموت لأن الله تعالى قال: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر:٣٦] ومعنى كلام ابن عباس ﵁ أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ، أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله، وأدهى وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٥ - ٦٨] فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذا بالله من ذلك.\nوهكذا قال تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٥٠]، وقال: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص: ٥٥ - ٥٨] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه، وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله ﷿ جزاء وفاقا","vol":"4","page":417},{"text":"﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-931>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]</span>\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾\nهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ﴾ أي مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدوا شيئا، ولا ألفوا حاصلا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة.\n﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم، كقوله تعالى:\n﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]، وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقوله في هذه الآية ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ أي سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة، حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-932>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وبراري وصحارى، وقفار وبحار، وأشجار ونبات، وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ﴾","vol":"4","page":418},{"text":"﴿مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣].\nوقوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي بعظيم ولا ممتنع بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم كما قال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٧] وقال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-933>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢١]</span>\n﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي برزت الخلائق كلها برها وفاجرها لله الواحد القهار، أي اجتمعوا له في براز من الأرض وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن عبادة الله وحده لا شريك له وعن موافقة الرسل قالوا لهم: ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي فهل تدفعون عنا شيئا من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا، فقالت القادة لهم: ﴿لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين، ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ﷿، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله فبكوا وتضرعوا فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ (^١) الآية.\nقلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٣٣.","vol":"4","page":419},{"text":"﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨] وقال تعالى:\n﴿قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨ - ٣٩]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨].\nوأما تخاصمهم في المحشر، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-934>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]</span>\n﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)﴾\nيخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعد ما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس لعنه الله يومئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنهم، وغبنا إلى غبنهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ أي على ألسنة رسله، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدا حقا وخبرا صدقا، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، كما قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].\nثم قال: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ اليوم ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه،","vol":"4","page":420},{"text":"﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ قال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من قبل، وقال ابن جرير (^١): يقول:\nإني جحدت أن أكون شريكا لله ﷿، وهذا الذي قاله هو الراجح، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]، قال: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢].\nوقوله: ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ﴾ أي في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل، لهم عذاب أليم، والظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخلوهم النار كما قدمنا، ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم، وهذا لفظه، وابن جرير (^٢) من رواية عبد الرحمن بن زياد:\nحدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم ففرغ من القضاء، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا، فمن يشفع لنا؟ فيقولون، انطلقوا بنا إلى آدم، وذكر نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظم نحيبهم ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.\nوهذا سياق ابن أبي حاتم، ورواه المبارك عن رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن نعيم، عن دخين عن عقبة به مرفوعا.\nوقال محمد بن كعب القرظي ﵀: لما قال أهل النار ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال لهم إبليس ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ الآية، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم فنودوا ﴿لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [الزمر: ٧٣] وقال عامر الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رؤوس الناس، يقول الله تعالى لعيسى ابن مريم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ إلى قوله ﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قال: ويقوم إبليس لعنه الله فيقول ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٤٣٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٣٤.","vol":"4","page":421},{"text":"﴿سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] الآية.\nثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، وأن خطيبهم إبليس عطف بمآل السعداء، فقال ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾، كما قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-935>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهو المؤمن، ﴿أَصْلُها ثابِتٌ﴾ يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء (^١)، وهكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد: إن ذلك عبارة عن عمل المؤمن، وقوله الطيب، وعمله الصالح، وإن المؤمن كشجرة من النخل لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت وصباح ومساء، وهكذا رواه السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: هي النخلة (^٢)، وشعبة عن معاوية بن قرة عن أنس: هي النخلة (^٣). وحماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن رسول الله ﷺ أتي بقناع بسر فقرأ ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: هي النخلة، وروي من هذا الوجه ومن غيره عن أنس موقوفا، وكذا نص عليه مسروق ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم.\nوقال البخاري (^٤): حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «أخبروني عن شجرة تشبه-أو-كالرجل المسلم لا يتحات ورقها صيفا ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» قال ابن عمر: فوقع في\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٣٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٣٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٤٣٨، ٤٣٩.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٤، باب ١.","vol":"4","page":422},{"text":"نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا، قال رسول الله ﷺ: «هي النخلة»، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تتكلم؟ قلت: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا.\nوقال أحمد (^١): حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثا واحدا قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأتي بجمار، فقال: «من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم» فأردت أن أقول هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، فقال رسول الله ﷺ: «هي النخلة» (^٢)، أخرجاه. وقال مالك وعبد العزيز عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوما لأصحابه: «إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها مثل المؤمن». قال: فوقع في شجر الوادي، ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت حتى قال رسول الله ﷺ: «هي النخلة» (^٣)، أخرجاه أيضا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان يعني ابن زيد العطار، حدثنا قتادة أن رجلا قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، فقال: «أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا فركب بعضه على بعض أكان يبلغ السماء، أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟» قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: «تقول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء». وعن ابن عباس ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: هي شجرة في الجنة (^٤). وقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ قيل: غدوة وعشيا، وقيل: كل شهر. وقيل: كل شهرين. وقيل: كل ستة أشهر.\nوقيل: كل سبعة أشهر. وقيل: كل سنة، والظاهر من السياق أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين ﴿بِإِذْنِ رَبِّها﴾ أي كاملا حسنا كثيرا طيبا مباركا ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هذا مثل كفر الكافر لا أصل له ولا ثبات، مشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها الشريان، رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك: أنها شجرة الحنظل وقال أبو بكر البزار الحافظ: حدثنا يحيى بن محمد\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في العلم باب ١٤، ومسلم في المنافقين حديث ٦١، ٦٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في العلم باب ٤، ٥، ٥٠، وتفسير سورة ١٤، باب ١، ومسلم في المنافقين حديث ٦١، ٦٢، ٦٤، وأحمد في المسند ٢/ ١٢٣.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٤٠.","vol":"4","page":423},{"text":"السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس أحسبه رفعه، قال ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: هي النخلة، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال: هي الشريان، ثم رواه عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة، عن معاوية عن أنس موقوفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد هو ابن سلمة عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظلة» فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع. ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به.\nورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا غسان عن حماد عن شعيب، عن أنس أن رسول الله ﷺ أتي بقناع عليه بسر، فقال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ فقال «هي النخلة» ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ قال: «هي الحنظل» قال شعيب:\nفأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع. وقوله: ﴿اُجْتُثَّتْ﴾ أي استؤصلت ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ أي لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-936>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٧]</span>\n﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧)﴾\nقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^١) ورواه مسلم أيضا وبقية الجماعة كلهم من حديث شعبة به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن زاذان عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ، وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت (^٣) به الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثا، ثم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٤، باب ٢، ومسلم في الجنة حديث ٧٣، ٧٤، وأبو داود في السنة باب ٢٤، والنسائي في الجنائز باب ١١٤، وابن ماجة في الزهد باب ٣٢، وأحمد في المسند ٤/ ٢٨٢، ٢٩٢.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨.\n(^٣) ينكت به الأرض: أي يضرب به الأرض.","vol":"4","page":424},{"text":"قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط (^١) من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدّ البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان-.\nقال-: فتخرج تسيل، كما تسيل القطرة من في السقاء (^٢)، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها، يعني على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له، فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله:\nاكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.\nقال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول:\nربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذين بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة-قال-: فيأتيه من روحها (^٣) وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي-.\nقال-: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب-قال-: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء\n_________\n(^١) الحنوط: ما يطيب به الميت.\n(^٢) السقاء: القربة.\n(^٣) الروح: برد نسيم الريح.","vol":"4","page":425},{"text":"الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له-ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا-.\nثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له:\nما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت، فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة» (^١) ورواه أبو داود من حديث الأعمش والنسائي وابن ماجة من حديث المنهال بن عمرو به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن يونس بن حبيب عن المنهال بن عمرو، عن زاذان عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة، فذكر نحوه، وفيه «فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء، وفتحت أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ﷿ أن يعرج بروحه من قبلهم»، وفي آخره «ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبة لو ضرب بها جبل لكان ترابا، فيضربه ضربة فيصير ترابا، ثم يعيده الله ﷿ كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين» قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار.\nوقال سفيان الثوري عن أبيه، عن خيثمة عن البراء في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال عذاب القبر (^٣).\nوقال المسعودي عن عبد الله بن مخارق عن أبيه عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره فيقال له: ما ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، وقرأ عبد الله ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ٢٤.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٩٥، ٢٩٦.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٥٠.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٥٠.","vol":"4","page":426},{"text":"وقال الإمام عبد بن حميد ﵀ في مسنده حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال: فيقال له:\nانظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة»، قال النبي ﷺ: «فيراهما جميعا»، قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خضرا إلى يوم القيامة (^١)، رواه مسلم عن عبد بن حميد، وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، جاءه ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: إنه رسول الله ﷺ وعبده، فيقول له الملك:\nانظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة، فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي فيقال له:\nاسكن، وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول:\nلا أدري، أقول كما يقول الناس، فيقال له: لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة قد أبدلت مكانه مقعدك من النار» قال جابر: فسمعت النبي ﷺ يقول: «يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه» إسناده صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو عامر، حدثنا عباد بن راشد عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ جنازة، فقال رسول الله ﷺ:\n«يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق من حديد فأقعده، فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول له: صدقت ثم يفتح له بابا إلى النار، فيقول: كان هذا منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك، فيفتح له بابا إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه فيقول له: اسكن ويفسح له في قبره، وإن كان كافرا أو منافقا فيقول له:\nما تقول في هذا الرجل؟\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٧٠، ٧١، والنسائي في الجنائز باب ١٠٨.\n(^٢) المسند ٣/ ٣٤٦.\n(^٣) المسند ٣/ ٣، ٤.","vol":"4","page":427},{"text":"فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا، فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت، ثم يفتح له بابا إلى الجنة، فيقول له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله ﷿ أبدلك به هذا، فيفتح له بابا إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق، فيصيح صيحة يسمعها خلق الله ﷿ كلهم غير الثقلين، فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك، فقال رسول الله ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ وهذا أيضا إسناد لا بأس به، فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقرونا، ولكن ضعفه بعضهم.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين بن محمد عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال فلا يزال يقال لها ذلك، حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقولون: مرحبا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجل السوء قالوا:\nاخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء، فيرسل من السماء ثم يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول (^٢). ورواه النسائي وابن ماجة من طريق ابن أبي ذئب بنحوه.\nوفي صحيح مسلم (^٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا خرجت روح العبد المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك-قال-: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ﷿، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. وإن الكافر إذا خرجت روحه -قال حماد-وذكر من نتنها، وذكر مقتا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل-قال أبو هريرة: فرد رسول الله ﷺ ريطة كانت عليه على أنفه هكذا.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٦٤، ٦/ ١٤٠.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣١.\n(^٣) كتاب الجنة حديث ٧٥.","vol":"4","page":428},{"text":"وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا زيد بن أخرم، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن قسام بن زهير، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال «إن المؤمن إذا قبض، أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض، ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم، فيقول: قد مات أما أتاكم؟ فيقولون:\nذهب به إلى أمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي إلى غضب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فيذهب به إلى باب الأرض».\nوقد روي أيضا من طريق همام بن يحيى عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، قال «فيسأل: ما فعل فلان، ما فعل فلان، ما فعلت فلانة؟ قال: وأما الكافر فإذا قيضت نفسه، وذهب بها إلى باب الأرض، تقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه، فيبلغ بها الأرض السفلى». قال قتادة وحدثني رجل عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية، وأرواح الكفار تجتمع ببرهوت سبخة بحضر موت، ثم يضيق عليه قبره.\nوقال الحافظ أبو عيسى الترمذي ﵀: حدثنا يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قبر الميت-أو قال: أحدكم-أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر والآخر نكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، وينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون: فقلت مثلهم لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (^١) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ -قال-:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجنائز باب ٧٠.","vol":"4","page":429},{"text":"ذلك إذا قيل له في القبر من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد جاءنا بالبينات من عند الله، فآمنت به وصدقت، فيقال له: صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث» (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد، قالا: حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، إن الميت ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه مدبرين، فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، فيؤتى عند رجليه فيقول: فعل الخيرات ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب.\nفيقال له: أخبرنا عما نسألك، فيقول: دعني حتى أصلي، فيقال له: إنك ستفعل فأخبرنا عما نسألك، فيقول: وعم تسألوني؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول به، وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت، وعليه تبعث إن شاء الله ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة فيقال له:\nانظر إلى ما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورا، ثم تجعل نسمته في النسم الطيب، وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدئ من التراب»، وذلك قول الله:\n﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، رواه ابن حبان من طريق المعتمر بن سليمان عن محمد بن عمر، وذكر جواب الكافر وعذابه.\nوقال البزار: حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي، حدثنا الوليد بن القاسم، حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم، عن أبي هريرة أحسبه رفعه، قال: «إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين، فيود لو خرجت، يعني نفسه، والله يحب لقاءه وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال: تركت فلانا في الأرض، أعجبهم ذلك، وإذا قال: إن فلانا قد مات، قالوا: ما جيء به إلينا، وإن المؤمن يجلس في قبره فيسأل، من ربك؟ فيقول: ربي الله، ويسأل: من نبيك؟ فيقول: محمد نبيي.\nفيقال: ماذا دينك؟ قال: ديني الإسلام، فيفتح له باب في قبره فيقول-أو يقال-انظر إلى\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٤٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٤٨، ٤٤٩.","vol":"4","page":430},{"text":"مجلسك، ثم يرى القبر فكأنما كانت رقدة، وإذا كان عدو الله نزل به الموت وعاين ما عاين، فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدا، والله يبغض لقاءه، فإذا جلس في قبره أو أجلس، فيقال له:\nمن ربك؟ فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت، فيفتح له باب إلى جهنم ثم يضرب ضربة تسمعها كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش». قلت لأبي هريرة:\nما المنهوش؟ قال: الذي تنهشه الدواب والحيات، ثم يضيق عليه قبره، ثم قال: لا نعلم من رواه إلا الوليد بن القاسم.\nوقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال: كانت أسماء، يعني بنت الصديق ﵂، تحدث عن النبي ﷺ قالت: قال: «إذا دخل الإنسان قبره، فإن كان مؤمنا أحف به عمله الصلاة والصيام، قال: فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده ومن نحو الصيام فيرده، قال: فيناديه اجلس فيجلس، فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل، يعني النبي ﷺ؟ قال: من؟ قال: محمد، قال: أشهد أنه رسول الله، قال: وما يدريك، أدركته؟ قال: اشهد أنه رسول الله، قال: يقول على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث وإن كان فاجرا أو كافرا جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده فأجلسه، فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد؟ قال: يقول: والله ما أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، قال له الملك: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، قال ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط، ثمرته جمرة مثل غرب البعير، تضربه ما شاء الله، صماء لا تسمع صوته فترحمه».\nوقال العوفي عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة، فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا مع جنازته ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقال له: من رسولك؟ فيقول: محمد ﷺ، فيقال له: ما شهادتك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فيوسع له في قبره مد بصره، وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة فيبسطون أيديهم، والبسط هو الضرب، ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ عند الموت، فإذا أدخل قبره أقعد، فقيل له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئا، وأنساه الله ذكر ذلك، وإذا قيل: من الرسول الذي بعث إليك؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئا كذلك ﴿يُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي عن أبي قتادة الأنصاري في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٣٥٢، ٣٥٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٥١.","vol":"4","page":431},{"text":"الآية، قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقال له:\nمن نبيك؟ فيقول: محمد بن عبد الله، فيقال له ذلك مرات، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك من النار لو زغت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك من الجنة إذا ثبت، وإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ من نبيك؟ فيقول:\nلا أدري كنت أسمع الناس يقولون، فيقال له: لا دريت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له:\nانظر إلى منزلك إذا ثبت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك إذ زغت، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ قال: لا إله إلا الله، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ المسألة في القبر، وقال قتادة أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ في القبر وكذا روي عن غير واحد من السلف.\nوقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي فديك عن عبد الرحمن بن عبد الله عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة، فقال: «إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره بوالديه، فرد عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم.\nورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه، فجاءه صيامه فسقاه وأرواه، ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا، كلما دنا لحلقة طردوه، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، وهو متحير فيها، فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور.\nورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين، كلموه فكلموه، ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه، فجاءته صدقته فصارت له سترا على وجهه وظلا على رأسه، ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه، فأخذ بيده فأدخله على الله ﷿، ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله، فأخذ صحيفنه فجعلها في يمينه، ورأيت رجلا من أمتي قد خف","vol":"4","page":432},{"text":"ميزانه، فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه.\nورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا، فاستخرجته من النار، ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا، فجاءته صلاته عليّ، فأخذت بيده، فأقامته ومضى على الصراط، ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى باب الجنة، فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة»، قال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه: هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالا خاصة تنجي من أهوال خاصة، أورده هكذا في كتابة التذكرة.\nوقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثا غريبا مطولا فقال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم النكري، حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان، حدثنا أبو عاصم الحبطي، وكان من أخيار أهل البصرة، وكان من أصحاب حزم، وسلام بن أبي مطيع، حدثنا بكر بن خنيس عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك عن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: يقول الله ﷿ لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به، فإني قد ضربته بالسراء والضراء، فوجدته حيث أحب، ائتني به فلأريحنه.\nفينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر (^١) الريحان أصل الريحانة واحد، وفي رأسها عشرون لونا لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر (^٢)، فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحف به الملائكة، ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة تارة بأزواجها، وتارة بكسوتها، ومرة بثمارها كما يعلل الصبي أهله إذا بكى، قال: إن أزواجه ليبتهشن عند ذلك ابتهاشا (^٣).\nقال: وتبرز الروح، قال البرساني: يريد أن تخرج من العجل إلى ما تحب، قال: ويقول ملك الموت، اخرجي يا أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، قال: ولملك الموت أشد به لطفا من الوالدة بولدها، يعرف أن تلك الروح حبيب لربه، فهو يتلمس بلطفه تحببا لديه، رضاء للرب عنه، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين.\n_________\n(^١) الضبيرة: هي الباقة والحزمة.\n(^٢) المسك الأذفر: أحسن أنواع المسك، وهو الجيد إلى الغاية.\n(^٣) ابتهش بالشيء: أعجبه واشتهى، وأسرع نحوه.","vol":"4","page":433},{"text":"قال: وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾، وقال: ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ قال: روح من جهة الموت، وريحان يتلقى به، وجنة نعيم تقابله.\nقال: فإذا قبض ملك الموت روحه، قالت الروح للجسد: جزاك الله عني خيرا، فقد كنت سريعا بي إلى طاعة الله، بطيئا بي عن معصية الله، فقد نجيت وأنجيت، قال: ويقول الجسد للروح مثل ذلك، قال: وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل باب من السماء يصعد منه عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة، قال: فإذا قبض ملك الموت روحه، أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده، فلا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم، وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط بني آدم، ويقوم من باب بيته إلى قبره صفان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار، فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده، قال: ويقول لجنوده: الويل لكم كيف خلص هذا العبد منكم؟ فيقولون: إن هذا كان عبدا معصوما.\nقال: فإذا صعد ملك الموت بروحه يستقبله جبريل في سبعين ألفا من الملائكة، كل يأتيه ببشارة من ربه سوى بشارة صاحبه، قال: فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش، خر الروح ساجدا، قال: يقول الله ﷿ لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود وظل ممدود، وماء مسكوب.\nقال: فإذا وضع في قبره جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن فكان عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان ناحية القبر، قال: فيبعث الله ﷿ عنقا من العذاب، قالوا: فيأتيه عن يمينه، قال: فتقول الصلاة وراءك: والله ما زال دائبا عمره كله وإنما استراح الآن حين وضع في قبره قال: فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك، قال: ثم يأتيه من عند رأسه فيقول القرآن والذكر مثل ذلك قال: ثم يأتيه من عند رجليه فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد إليه مساغا إلا وجد ولي الله قد أخذ جنته، قال: فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج، قال: ويقول الصبر لسائر الأعمال أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي، إلا أني نظرت ما عندكم فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذا أجزأتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان.\nقال: ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما بين منكب كل واحد مسيرة كذا وكذا، وقد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها، قال: فيقولان له: اجلس، قال: فيجلس فيستوي","vol":"4","page":434},{"text":"جالسا، قال: وتقع أكفانه في حقويه، قال: فيقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ قال قالوا: يا رسول الله ومن يطيق الكلام عند ذلك وأنت تصف من الملكين ما تصف؟ قال:\nفقال رسول الله ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ قال فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة، ونبيي محمد خاتم النبيين.\nقال: فيقولان له: صدقت، قال: فيدفعان القبر فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعا، وعن يمينه أربعين ذراعا، وعن شماله أربعين ذراعا، ومن عند رأسه أربعين ذراعا، ومن عند رجليه أربعين ذراعا، قال: فيوسعان له مائتي ذراع، قال البرساني: فأحسبه وأربعين ذراعا تحاط به، قال: ثم يقولان له: انظر فوقك، فإذا باب مفتوح إلى الجنة، قال فيقولان له: ولي الله هذا منزلك إذ أطعت الله، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، إنه يصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا» ثم يقال له: انظر تحتك، قال: فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار -قال-فيقولان: ولي الله نجوت آخر ما عليك-قال: فقال رسول الله ﷺ-إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا» قال: قالت عائشة: يفتح له سبعة وسبعون بابا إلى الجنة، يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله ﷿.\nوبالإسناد المتقدم إلى النبي ﷺ قال: «ويقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلى عدوي فأتني به، فإني قد بسطت له رزقي، ويسرت له نعمتي، فأبى إلا معصيتي فأتني به، لأنتقم منه، قال: فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له ثنتا عشر عينا، ومعه سفود من النار، كثير الشوك ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نجاس وجمر من جمر جهنم، ومعهم سياط من نار لينها لين السياط، وهي نار تأجج، قال: فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب كل أصل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر.\nقال: ثم يلويه ليا شديدا، قال: فينزع روحه من أظفار قدميه، قال: فيلقيها في عقبيه.\nقال: فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه، قال: وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، قال: فيشده ملك الموت شدة فينزع روحه من عقبيه فيلقيها في ركبتيه، ثم يسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه، قال: فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، قال: فيشده ملك الموت شدّة فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه، فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه، قال: فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، قال كذلك: إلى صدره ثم كذلك إلى حلقه، قال: ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه.\nقال: ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة إلى سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم-قال: فإذا قبض ملك الموت روحه، قال الروح للجسد: جزاك الله عني شرا","vol":"4","page":435},{"text":"فقد كنت سريعا بي إلى معصية الله، بطيئا بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت-.\nقال-ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها، وتنطلق جنود إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبدا من ولد آدم النار، قال: فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه حتى تدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى، قال: ويبعث الله إليه أفاعي دهما كأعناق الإبل، يأخذن بأرنبته وإبهامي قدميه فيقرضنه حتى يلتقين في وسطه، قال: ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها، قال فيقولان له اجلس فيستوي جالسا وتقع أكفانه في حقويه.\nقال فيقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له:\nلا دريت ولا تليت، فيضربانه ضربة يتطاير شررها في قبره ثم يعودان، قال: فيقولان: انظر فوقك فينظر، فإذا باب مفتوح من الجنة، فيقولان: عدو الله هذا منزلك لو أطعت الله. قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدا». -قال- ويقولان له: انظر تحتك فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار-فيقولان له: عدو الله هذا منزلك إذ عصيت الله، قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدا».\nقال: وقالت عائشة: ويفتح له سبعة وسبعون بابا إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها. هذا حديث غريب جدا، وسياق عجيب، ويزيد الرقاشي راويه عن أنس له غرائب ومنكرات، وهو ضعيف الرواية عند الأئمة، والله أعلم، ولهذا قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا هشام هو ابن يوسف عن عبد الله بن بحير عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» (^١) تفرد به أبو داود، وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ الآية، حديثا مطولا جدا من طرق غريبة عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا، وفيه غرائب أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-937>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ (٣٠)﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الجنائز باب ٦٩.","vol":"4","page":436},{"text":"قال البخاري (^١): قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ ألم تعلم، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ البوار الهلاك، بار يبور بورا، و﴿قَوْمًا بُورًا﴾ هالكين.\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء. سمع ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة، وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية، هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم (^٢)، والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول: وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ رحمة للعالمين ونعمة للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار، وقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا عن ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر، حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا بسام هو الصيرفي عن أبي الطفيل قال: جاء رجل إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين من الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار؟ قال: منافقو قريش وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل قال: قرأت على معقل عن ابن أبي حسين قال: قام علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن، فوالله لو أعلم اليوم أحدا أعلم به مني وإن كان من وراء البحار لأتيته، فقام عبد الله بن الكواء فقال: من الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار؟ قال: مشركو قريش أتتهم نعمة الله الإيمان فبدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.\nوقال السدي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ الآية، ذكر مسلم المستوفى، عن علي أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة، فأحلوا قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أحد، وكان أبو جهل يوم بدر، وأبو سفيان يوم أحد، وأما دار البوار فهي جهنم.\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحارث أبو منصور، عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة قالا: سمعت عليا قرأ هذه الآية ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فأهلكوا يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، ورواه أبو إسحاق عن عمرو بن مرة عن علي، نحوه، وروي من غير وجه عنه.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٤، باب ٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٥١.","vol":"4","page":437},{"text":"وقال سفيان الثوري عن علي بن زيد عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب في قوله:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وكذا رواه حمزة الزيات عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾؟ قال: هم الأفجران من قريش:\nأخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين، وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن زيد هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر، وكذا رواه مالك في تفسيره عن نافع عن ابن عمر.\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [لقمان: ٢٤] أي جعلوا له شركاء عبدوهم معه، ودعوا الناس إلى ذلك، ثم قال تعالى مهددا لهم ومتوعدا لهم على لسان نبيه ﷺ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ أي مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شيء ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ أي مرجعكم وموئلكم إلينا كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-938>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]</span>\n﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر أي في الخفية والعلانية وهي الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يوم القيامة ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ أي ولا يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥] وقوله: ﴿وَلا خِلالٌ﴾ قال ابن جرير (^١): يقول ليس هناك مخالفة خليل فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالفته، بل هناك العدل والقسط، والخلال مصدر من قول القائل: خاللت فلانا فأنا أخاله مخالة وخلالا، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] صرفت الهوى عنهنّ من خشية الرّدى … ولست بمقليّ الخلال ولا قالي (^٢)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٤٥٦، ٤٥٧.\n(^٢) البيت في ديوان امرئ القيس ص ٣٥، ولسان العرب (خلل) وتهذيب اللغة ٦/ ٥٦٧، وتفسير الطبري ٧/ ٤٥٧، وتفسير البحر المحيط ٥/ ٤١٥.","vol":"4","page":438},{"text":"وقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعا وخلالا يتخالون بها في الدنيا، فينظر رجل من يخالل وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فيسقطع عنه، قلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدا بيع ولا فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا لو وجده، ولا تنفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-939>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ (٣٤)﴾\nيعدد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السموات سقفا محفوظا والأرض فرشا ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع. وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر رزقا للعباد من شرب وسقي، وغير ذلك من أنواع المنافع.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ أي يسيران لا يفتران ليلا ولا نهارا ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ١٣] ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥].\nوقوله ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ بقول هيأ لكم ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، وقرأ بعضهم ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ وقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ يخبر تعالى عن عجز لعباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب ﵀: إن حق الله","vol":"4","page":439},{"text":"أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين.\nوأمسوا تائبين، وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم لك الحمد غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا» (^١).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المحبر حدثنا صالح المري عن جعفر بن زيد العبدي، عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى لأصغر نعمه-أحسبه قال في ديوان النعم-خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح كله، ثم تنحى وتقول: وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم، فإذا أراد الله أن يرحمه قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت لك عن سيئاتك-أحسبه قال: ووهبت لك نعمي-» غريب وسنده ضعيف.\nوقد روي في الأثر أن داود ﵇ قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم، وقال الإمام الشافعي ﵀: الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها، وقال القائل في ذلك:\nلو كل جارحة مني لها لغة … تثني عليك بما أوليت من حسن\nلكان ما زاد شكري إذ شكرت به … إليك أبلغ في الإحسان والمنن\n\n<span data-type='title' id=toc-940>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾\nيذكر تعالى في هذا المقام محتجا على مشركي العرب بأن البلد الحرام بمكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وقد استجاب الله له فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] وقال في هذه القصة ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٩] فعرفه لأنه دعا به بعد بنائها، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة فإنه دعا أيضا فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطوّلا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأطعمة باب ٥٤.","vol":"4","page":440},{"text":"وقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته، ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه تبرأ ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، كقول عيسى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وليس فيه أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى لا تجويز وقوع ذلك.\nوقال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جرير، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ الآية، وقول عيسى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] الآية، ثم رفع يديه ثم قال: «اللهم، أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي» وبكى فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد، وربك أعلم، وسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ ما قال، فقال الله: اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-941>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]</span>\n﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾\nوهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه تأكيدا ورغبة إلى الله ﷿، ولهذا قال:\n﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقوله: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قال ابن جرير (^٢): هو متعلق بقوله ﴿الْمُحَرَّمِ﴾ أي إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده.\n﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره: لو قال أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ فاختص به المسلمون وقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أي ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع فاجعل له ثمارا يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك كما قال:\n﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنّا﴾ [القصص: ٥٧] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لدعاء الخليل ﵇.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٦١.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٦٤.","vol":"4","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-942>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٨ إلى ٤١]</span>\n﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)﴾\nقال ابن جرير (^١): يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم خليله أنه قال: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ أي أنت تعلم قصدي في دعائي، وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، لا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء، ثم حمد ربه ﷿ على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أي إنه يستجيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد.\nثم قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أي محافظا عليها مقيما لحدودها ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي واجعلهم كذلك مقيمين لها ﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ أي فيما سألتك فيه كله ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ﴾ وقرأ بعضهم: ولوالدي بالإفراد وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله ﷿ ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي كلهم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ أي يوم تحاسب عبادك فتجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-943>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]</span>\n﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)﴾\nيقول تعالى: ولا تحسبن الله يا محمد غافلا عما يعمل الظالمون، أي لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك ويعده عليهم عدا ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ أي من شدة الأهوال يوم القيامة، ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر، فقال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي مسرعين، كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨] الآية، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ -إلى قوله- ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١٠٨ - ١١١]، وقال تعالى:\n﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣] الآية. وقوله ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رؤوسهم.\n﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر، لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم، عياذا بالله العظيم من ذلك، ولهذا قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف، ولهذا قال قتادة وجماعة: إن أمكنة أفئدتهم خالية لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٤٦٦.","vol":"4","page":442},{"text":"من شدة الخوف. وقال بعضهم: هي خراب لا تعي شيئا لشدة ما أخبر به تعالى عنهم، ثم قال تعالى لرسوله ﷺ:\n\n<span data-type='title' id=toc-944>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ كقوله ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] الآية، وقال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩] الآيتين، وقال تعالى مخبرا عنهم في حال محشرهم ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] الآية، وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ [فاطر: ٣٧] الآية، قال تعالى ردا عليهم في قولهم هذا ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ أي أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه وأنه لا معاد ولا جزاء فذوقوا هذا بذلك.\nقال مجاهد وغيره ﴿ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ أي ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، كقوله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] الآية، ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ أي قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].\nوقد روى شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن أن عليا ﵁ قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ قال: أخذ ذاك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى استغلظا واستفحلا وشبا، قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت وجوعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم فطارا، وجعل يقول لصاحبه: انظر ما ترى؟ قال: أرى كذا وكذا حتى قال أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: فصوب العصا، فصوبها فهبطا جميعا، قال: فهو قوله ﷿: «وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال».\nقال أبو إسحاق: وكذلك هي في قراءة عبد الله «وإن كاد مكرهم» قلت: وكذا روي عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب ﵄ أنهما قرءا «وإن كاد» كما قرأ علي، وكذا رواه","vol":"4","page":443},{"text":"سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن أذنان عن علي فذكر نحوه، وكذا روي عن عكرمة أن سياق هذه القصة للنمروذ ملك كنعان أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر، كما رام فرعون ملك القبط في بناء الصرح فعجزا وضعفا، وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر، وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها، نودي أيها الطاغية أين تريد؟ ففرق ثم سمع الصوت فوقه، فصوب الرماح فصوبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾.\nونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ بفتح اللام الأولى وضم الثانية، وروى العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، وكذا قال الحسن البصري، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به، ما ضر شيئا من الجبال ولا غيرها، وإنما عاد وبال ذلك عليهم.\nقلت: ويشبه هذا قول الله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ يقول: شركهم كقوله: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية، وهكذا قال الضحاك وقتادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-945>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]</span>\n﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو اِنتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (٤٨)﴾\nيقول تعالى مقررا لوعده ومؤكدا: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ثم أخبر تعالى أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب، وذو انتقام ممن كفر به وجحده ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١]، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ ليس فيها معلم لأحد» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٤، ومسلم في المنافقين حديث ٢٨.\n(^٢) المسند ٦/ ٣٥، ١٣٤.","vol":"4","page":444},{"text":"قالت: قلت أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: «على الصراط» (^١)، رواه مسلم منفردا به دون البخاري، والترمذي وابن ماجة من حديث داود بن أبي هند به، وقال الترمذي:\nحسن صحيح، ورواه أحمد أيضا عن عفان عن وهيب عن داود، عن الشعبي عنها، ولم يذكر مسروقا.\nوقال قتادة عن حسان بن بلال المزني عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن قول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ قالت: قلت يا رسول الله، فأين الناس يومئذ؟ قال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك أن الناس على جسر جهنم».\nوروى الإمام أحمد (^٢) من حديث حبيب بن أبي عمرة عن مجاهد، عن ابن عباس حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: «هم على متن جهنم».\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا الحسن، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا القاسم، سمعت الحسن قال:\nقالت عائشة: يا رسول الله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ فأين الناس يومئذ؟ قال: «إن هذا شيء ما سألني عنه أحد-قال-على الصراط يا عائشة»، ورواه أحمد (^٤) عن عفان عن القاسم بن الفضل، عن الحسن به.\nوقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني الحسن بن علي الحلواني، حدثني أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام عن زيد يعني أخاه أنه سمع أبا سلام، حدثني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه قال: كنت نائما عند رسول الله ﷺ، فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ: «إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي» فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول الله ﷺ: «أينفعك شيئا إن حدثتك؟» قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه فقال: «سل» فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المنافقين حديث ٢٩، والترمذي في تفسير سورة ١٤، باب ٣، وسورة ٣٩، باب ٦، وابن ماجة في الزهد باب ٣٣.\n(^٢) المسند ٢/ ٧٢، ٨٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٤٨٢، ٤٨٣.\n(^٤) المسند ٦/ ١٠١.","vol":"4","page":445},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: «هم في الظلمة دون الجسر» قال: فمن أول الناس إجازة؟ فقال:\n«فقراء المهاجرين»، فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: «زيادة كبد النون» قال: فما غذائهم في أثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه؟ قال «من عين فيها تسمى سلسبيلا». قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال «أينفعك إن حدثتك؟» قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد، قال: «ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل منيّ المرأة، أذكرا بإذن الله تعالى، وإذا علا منيّ المرأة مني الرجل، أنثا بإذن الله» قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف، فقال رسول الله ﷺ:\n«لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به» (^١).\nقال أبو جعفر بن جرير الطبري (^٢): حدثنا ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري أن حبرا من اليهود سأل النبي ﷺ فقال: أرأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: «أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه» ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به.\nوقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون، وربما قال: قال عبد الله، وربما لم يقل، فقلت له عن عبد الله فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: أرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي حفاة عراة كما خلقوا، قال: أراه قال قياما حتى يلجمهم العرق.\nوروي من وجه آخر عن شعبة عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود بنحوه، وكذا رواه عاصم عن زر عن ابن مسعود به. وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون: لم يخبر به، أورد ذلك كله ابن جرير.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب، حدثنا جرير بن أيوب عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله، عن النبي ﷺ في قول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: أرض بيضاء لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة» ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب، وليس بالقوي.\nثم قال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن سنان عن جابر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الحيض حديث ٣٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٨٣، وفيه: حدثنا محمد بن عون.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٤٨٠.","vol":"4","page":446},{"text":"الجعفي، عن أبي جبيرة عن زيد قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى اليهود فقال: «هل تدرون لم أرسلت إليهم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإني أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة» فلما جاءوا سألهم، فقالوا:\nتكون بيضاء مثل النقي، وهكذا روي عن علي وابن عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر أنها تبدل يوم القيامة بأرض بيضاء من فضة.\nوعن علي ﵁ أنه قال: تصير الأرض فضة والسموات ذهبا. وقال الربيع عن أبي العالية بن كعب، قال: تصير السموات جنانا. وقال أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي أو عن محمد بن قيس في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم، وكذا روى وكيع عن عمر بن بشير الهمداني عن سعيد بن جبير في قوله:\n﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه.\nوقال الأعمش عن خيثمة قال: قال عبد الله بن مسعود: الأرض يوم القيامة كلها نار، والجنة من ورائها ترى كواعبها، وأكوابها، ويلجم الناس العرق أو يبلغ منهم العرق، ولم يبلغوا الحساب (^١). وقال الأعمش أيضا عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن قال: قال عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد الله بيده، إن الرجل ليفيض عرقا حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب، قالوا: مم ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس ويلقون (^٢).\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن كعب في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ قال: تصير السموات جنانا، ويصير مكان البحر نارا، وتبدل الأرض غيرها.\nوفي الحديث الذي رواه أبو داود «لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر، فإن تحت البحر نارا-أو تحت النار بحرا-» (^٣) وفي حديث الصور المشهور المروي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «يبدل الله الأرض غير الأرض والسموات فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة».\nوقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ﴾ أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم لله ﴿الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ أي الذي قهر كل شيء وغلبه ودانت له الرقاب وخضعت له الألباب.\n\n<span data-type='title' id=toc-946>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٩ إلى ٥١]</span>\n﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٨٠، ٤٨١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٨٠.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٩.","vol":"4","page":447},{"text":"يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ وتبرز الخلائق لديانها، ترى يا محمد يومئذ المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي بعضهم إلى بعض قد جمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وقال:\n﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] وقال: ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ [ص: ٣٧ - ٣٨] والأصفاد هي القيود، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش وعبد الرحمن بن زيد، وهو مشهور في اللغة، قال عمرو بن كلثوم: [الوافر] فآبوا بالثياب وبالسبايا … وأبنا بالملوك مصفدينا (^١)\nوقوله: ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران، وهو الذي تهنأ به الإبل أي تطلى، قال قتادة: وهو ألصق شيء بالنار. ويقال فيه: قطران بفتح القاف وكسر الطاء وتسكينها، وبكسر القاف وتسكين الطاء، ومنه قول أبي النجم: [رجز] كأن قطرانا إذا تلاها … ترمي به الريح إلى مجراها (^٢)\nوكان ابن عباس يقول: القطران هنا النحاس المذاب، وربما قرأها ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ أي من نحاس حار قد انتهى حره، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة. وقوله: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] وقال الإمام أحمد (^٣) ﵀: حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أربع من أمر الجاهلية لا يتركن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت، والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» انفرد بإخراجه مسلم (^٤). وفي حديث القاسم عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «النائحة إذا لم تتب توقف في طريق بين الجنة والنار سرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار».\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أي يوم القيامة كما قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا﴾ [النجم: ٣١] الآية ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يحتمل أن يكون كقوله تعالى:\n_________\n(^١) البيت في تفسير الطبري ٧/ ٤٨٤، والشطر الثاني في تفسير البحر المحيط ٥/ ٤١٩.\n(^٢) الرجز في تفسير الطبري ٧/ ٤٨٥.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤.\n(^٤) كتاب الجنائز حديث ٢٩.","vol":"4","page":448},{"text":"﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز لأنه يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم، كقوله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وهذا معنى قول مجاهد ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ إحصاء ويحتمل ان يكون المعنيان مرادين، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-947>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]</span>\n﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)﴾\nيقول تعالى هذا القرآن بلاغ للناس كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] أي هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن كما قال في أول السورة: ﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] الآية، ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أي ليتعظوا به ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي ذوي العقول.\nآخر تفسير سورة إبراهيم ﵊، والحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-948>سورة الحجر</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-949>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. وقوله تعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين، ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، أن كفار قريش لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين. وقيل: إن المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمنا. وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله في قوله: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قال: هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار (^١)، وقال ابن جرير (^٢): حدثني المثني، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم، حدثنا ابن أبي فروة العبدي أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ يتأولانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار، قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا، قال: فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيخرجهم، فذلك حين يقول: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٣).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن حماد عن إبراهيم، وعن خصيف عن مجاهد قالا:\nيقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟ فإذا قالوا ذلك، قال الله: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قال: فعند ذلك قوله: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٤)، وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم، وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٩٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٩٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٤٩٠.\n(^٤) راجع الحاشية السابقة.","vol":"4","page":450},{"text":"فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن العباس هو الأخرم، حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذ وابن علية يحيى بن موسى، حدثنا معروف بن واصل عن يعقوب بن نباتة عن عبد الرحمن الأغر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرءون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، ويدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين»، فقال رجل: يا أنس أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» نعم أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا، ثم قال الطبراني: تفرد به الجهبذ.\n[الحديث الثاني]-قال الطبراني أيضا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي، حدثنا خالد بن نافع الأشعري عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا. فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا-قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾» ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم عوض الاستعاذة.\n[الحديث الثالث] قال الطبراني أيضا: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: قلت لأبي أسامة أحدثكم أبو روق واسمه عطية بن الحارث حدثني صالح بن أبي طريف قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾؟ قال: نعم سمعته يقول: «يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار بعد ما يأخذ نقمته منهم» وقال: «لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال لهم المشركون:\nتزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا فيما بلاكم معنا في النار، فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فتشفع لهم الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم-قال-فذلك قول الله ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا رب أذهب عنا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم» فأقرّ به أبو أسامة وقال نعم.","vol":"4","page":451},{"text":"[الحديث الرابع] قال ابن أبي حاتم، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا العباس بن الوليد النرسي، حدثنا مسكين أبو فاطمة، حدثني اليمان بن يزيد عن محمد بن جبر عن محمد بن علي، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته (^١)، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء، فيغضب الله لهم غضبا لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾».\nوقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ تهديد شديد لهم ووعيد أكيد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ [النجم: ٣٠]. وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]، ولهذا قال: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ أي عن التوبة والإنابة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي عاقبة أمرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-950>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤ إلى ٥]</span>\n﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾\nيخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك.\n\n<span data-type='title' id=toc-951>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦ إلى ٩]</span>\n﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)﴾\nيخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم في قولهم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي الذي تدعي ذلك ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا ﴿لَوْ ما﴾ أي هلا ﴿تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ﴾ أي يشهدون لك بصحة ما جئت به إن كنت من الصادقين، كما قال فرعون ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾\n_________\n(^١) الحجزة: معقد الإزار.","vol":"4","page":452},{"text":"[الفرقان: ٢١ - ٢٢]، وكذا قال في هذه الآية: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ بالرسالة والعذاب (^١)، ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل، ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿لَهُ لَحافِظُونَ﴾ على النبي ﷺ، كقوله ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق.\n\n<span data-type='title' id=toc-952>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٠ إلى ١٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾\nيقول تعالى مسليا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في الأمم الماضية وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به، ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى قال أنس والحسن البصري ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني الشرك (^٢). وقوله ﴿قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-953>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٤ إلى ١٥]</span>\n﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾\nيخبر تعالى عن قوّة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم بابا من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك، بل قالوا: ﴿إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا﴾ قال مجاهد وابن كثير والضحاك: سدت أبصارنا. وقال قتادة عن ابن عباس: أخذت أبصارنا. وقال العوفي عن ابن عباس: شبه علينا وإنما سحرنا. وقال الكلبي: عميت أبصارنا. وقال ابن زيد: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصارُنا﴾، السكران الذي لا يعقل (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-954>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ إلى ٢٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٩٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٩٤.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٤٩٨.","vol":"4","page":453},{"text":"يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها وما زينها به من الكواكب الثوابت والسيارات، لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه، وبهذا قال مجاهد وقتادة: البروج هاهنا هي الكواكب. (قلت): وهذا كقوله ﵎ ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] الآية. ومنهم من قال: البروج هي منازل الشمس والقمر. وقال عطية العوفي: البروج هاهنا هي قصور الحرس. وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحا به في الصحيح.\nكما قال البخاري (^١) في تفسير هذه الآية: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان» قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر، ووصف سفيان بيده، وفرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض، فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض، وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء.\nثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.\nوقال ابن عباس ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أي معلوم، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عتيبة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة، ومنهم من يقول:\nمقدر بقدر. وقال ابن زيد: من كل شيء يوزن ويقدر بقدر، وقال ابن زيد: ما يزنه أهل الأسواق. وقوله: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ﴾ يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب والمعايش وهي جمع معيشة. وقوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قال مجاهد: هي الدواب والأنعام.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٥، باب ١، وتفسير سورة ٣٤، باب ١.","vol":"4","page":454},{"text":"وقال ابن جرير (^١): هم العبيد والإماء والدواب والأنعام، والقصد أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-955>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢١ إلى ٢٥]</span>\n﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ كما يشاء وكما يريد، ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب بل هو كتب على نفسه الرحمة قال يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء عاما هاهنا وعاما هاهنا، ثم قرأ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ الآية، رواه ابن جرير (^٢)، وقال أيضا: حدثنا القاسم، حدثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم عن الحكم بن عتيبة في قوله: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ قال: ما عام بأكثر مطرا من عام ولا أقل، ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون بما كان في البحر، قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس، وولد آدم يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت (^٣).\nوقال البزار: حدثنا داود هو ابن بكير، حدثنا حيان بن أغلب بن تميم، حدثني أبي عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئا قال له كن فكان» ثم قال: لا يرويه إلا أغلب وليس بالقوي، وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين، ولم يروه عنه إلا ابنه. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ أي تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها، وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم، فإنه أفردها ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج، لأنه لا يكون إلا من شيئين فصاعدا.\nوقال الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قال: ترسل الريح فتحمل الماء من السماء، ثم تمرى السحاب\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٠٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٥٠٣، ٥٠٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٥٠٤.","vol":"4","page":455},{"text":"حتى تدر كما تدر اللقحة، وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة. وقال الضحاك:\nيبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء. وقال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قما، ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثم تلا ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾.\nوقد روى ابن جرير (^١) من حديث عبيس بن ميمون عن أبي المهزم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الريح الجنوب من الجنة، وهي التي ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس» وهذا إسناد ضعيف، وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده. حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني يزيد بن جعدية الليثي أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق يحدث عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق في الجنة ريحا بعد الريح بسبع سنين، وإن من دونها بابا مغلقا، وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب، ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأزيب (^٢)، وهي فيكم الجنوب».\nوقوله: ﴿فَأَسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أي أنزلناه لكم عذبا يمكنكم أن تشربوا منه لو نشاء جعلناه أجاجا، كما نبه على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة، وهو قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨]، وفي قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. وقوله: ﴿وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ قال سفيان الثوري: بما نعين، ويحتمل أن المراد وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك، ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم.\nوقوله: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع، وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون، ثم أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم، فقال:\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس ﵄: المستقدمون كل من هلك من لدن آدم ﵇، والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة، وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي وغيرهم، وهو اختيار ابن جرير (^٣) ﵀.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٠٦، وفيه: عيسى بن ميمون بدل عبيس بن ميمون.\n(^٢) الأزيب: رياح الجنوب، وتسمى النكهاء تجري بينها وبين الصبا.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٥٠٧، ٥٠٨.","vol":"4","page":456},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن رجل، عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾، وقد ورد فيه حديث غريب جدا، فقال ابن جرير (^٢): حدثني محمد بن موسى الجرشي، حدثنا نوح بن قيس، حدثنا عمرو بن قيس، حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف النبي ﷺ امرأة حسناء، قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، يعني لئلا يروها، وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (^٣).\nوكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، وابن ماجة من طرق عن نوح بن قيس الحداني، وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرجه مسلم وأهل السنن، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك وهو النكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ في الصفوف في الصلاة و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس، والله أعلم.\nوهكذا روى ابن جرير (^٤) عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ وأنها في صفوف الصلاة، فقال محمد بن كعب: ليس هكذا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ الميت والمقتول و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ من يخلق بعد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-956>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال هاهنا التراب اليابس، والظاهر أنه كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن: ١٤ -]\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٠٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٥٠٩، ٥١٠، وفيه محمد بن موسى الحرسي بدل الجرشي.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٥، باب ١، والنسائي في الإمامة باب ٦٢، وابن ماجة في الإقامة باب ٦٨، وأحمد في المسند ١/ ٣٠٥.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٥٠٧.","vol":"4","page":457},{"text":"[١٥] وعن مجاهد أيضا الصلصال المنتن، وتفسير الآية بالآية أولى. قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي الصلصال من حمأ، وهو الطين. والمسنون: الأملس، كما قال الشاعر:\n[الخفيف] ثم خاصرتها إلى القبّة الخضراء … تمشي في مرمر مسنون (^١)\nأي أملس صقيل، ولهذا روي عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب، وعن ابن عباس ومجاهد أيضا والضحاك: أن الحمأ المسنون هو المنتن. وقيل: المراد بالمسنون هاهنا المصبوب. وقوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل الإنسان ﴿مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل، وقال بعضهم: السموم بالليل والنهار، ومنهم من يقول:\nالسموم بالليل والحرور بالنهار. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال:\nدخلت على عمر الأصم أعوده، فقال: ألا أحدثك حديثا سمعته من عبد الله بن مسعود، يقول هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان، ثم قرأ ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾.\nوعن ابن عباس: أن الجان خلق من لهب النار، وفي رواية: من أحسن النار. وعن عمرو بن دينار: من نار الشمس. وقد ورد في الصحيح «خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (^٢). والمقصود من الآية التنبيه على شرف آدم ﵇ وطيب عنصره وطهارة محتده.\n\n<span data-type='title' id=toc-957>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٨ إلى ٣٣]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾\nيذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكة قبل خلقه وتشريفه إياه بأمر الملائكة بالسجود له، ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسدا وكفرا وعنادا واستكبارا وافتخارا بالباطل، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ كقوله ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا﴾\n_________\n(^١) البيت لأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص ٧٠، ولسان العرب (خصر)، (سنن)، والتنبيه والإيضاح ٢/ ١٥٥، ولعبد الرحمن بن حسان في أساس البلاغة (خصر)، وتهذيب اللغة ٧/ ١٢٧، وتاج العروس (سنن)، ولأبي العيال أو لعبد الرحمن بن حسان في لسان العرب (سنن)، والكامل ص ٣٨٨، وجمهرة اللغة ص ٥٨٦، وكتاب العين ٤/ ١٨٣، وتاج العروس (خصر)، ومقاييس اللغة ٢/ ١٨٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٠، وأحمد في المسند ٦/ ١٥٣، ١٦٨.","vol":"4","page":458},{"text":"﴿الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] الآية.\nوقد روى ابن جرير (^١) هاهنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة قال: ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ قالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى فقال لهم مثل ذلك، فقالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى فقال: إني خالق بشرا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة فقال: إني خالق بشرا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له، قالوا:\nسمعنا وأطعنا، إلا إبليس كان من الكافرين الأولين، وفي ثبوت هذا عنه بعد، والظاهر أنه إسرائيلي، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-958>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٨]</span>\n﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾\nيذكر تعالى أنه أمر إبليس أمرا كونيا لا يخالف ولا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى، وأنه رجيم أي مرجوم، وأنه قد أتبعه لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن الله إبليس، تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورن رنة، فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة منها، رواه ابن أبي حاتم، وأنه لما تحقق الغضب الذي لا مرد له، سأل من تمام حسده لآدم وذريته النظرة إلى يوم القيامة، وهو يوم البعث، وأنه أجيب إلى ذلك استدراجا له وإمهالا، فلما تحقق النظرة قبحه الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-959>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٩ إلى ٤٤]</span>\n﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن إبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب: ﴿بِما أَغْوَيْتَنِي﴾ قال بعضهم:\nأقسم بإغواء الله له. (قلت) ويحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أي لذرية آدم ﵇ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها وأؤزهم إليها، وأزعجهم إليها إزعاجا ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي كما أغويتني وقدرت عليّ ذلك ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥١٥.","vol":"4","page":459},{"text":"﴿قالَ﴾ الله تعالى له متهددا ومتوعدا ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي مرجعكم كلكم إليّ، فأجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ [الفجر:١٤]. وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى، وإليه تنتهي، قاله مجاهد والحسن وقتادة كقوله: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] وقرأ قيس بن عبادة ومحمد بن سيرين وقتادة ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] أي رفيع والمشهور القراءة الأولى.\nوقوله ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أي الذي قدرت لهم الهداية فلا سبيل لك عليهم ولا وصول لك إليهم ﴿إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ استثناء منقطع.\nوقد أورد ابن جرير (^١) هاهنا من حديث عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن موهب، حدثنا يزيد بن قسيط قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله له، ثم سأله ما بدا له، فبينا نبي في مسجده إذ جاء عدو الله-يعني إبليس-حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: فردد ذلك ثلاث مرات.\nفقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم مرتين؟ فأخذ كل واحد منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾. قال عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد.\nقال النبي: ويقول الله: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدو الله: صدقت بهذا تنجو مني، فقال النبي: أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ قال آخذه عند الغضب والهوى.\nقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال عن القرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر عمله. قال إسماعيل ابن علية وشعبة، كلاهما عن أبي هارون الغنوي عن حطان بن عبد الله أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا-قال أبو هارون-أطباقا بعضها فوق بعض. وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة بن أبي يريم، عن علي ﵁ قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تمتلئ كلها.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥١٧، ٥١٨.","vol":"4","page":460},{"text":"وقال عكرمة: سبعة أبواب سبعة أطباق، وقال ابن جريج: سبعة أبواب: أولها جنهم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وروى الضحاك عن ابن عباس نحوه: وكذا روي عن الأعمش بنحوه أيضا، وقال قتادة: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ هي والله منازل بأعمالهم، رواهن ابن جرير، وقال جويبر عن الضحاك ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: باب لليهود، وباب للنصارى، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب، وباب للمنافقين، وباب لأهل التوحيد، فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى لأولئك أبدا.\nوقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن حميد عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل السيف على أمتي-أو قال على أمة محمد» (^١) ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عباس بن الوليد الخلال، حدثنا زيد-يعني ابن يحيى-حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال «إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازلهم بأعمالهم، فذلك قوله: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-960>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ إلى ٥٠]</span>\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾\nلما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على ذكر أهل الجنة وأنهم في جنات وعيون. وقوله:\n﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أي سالمين من الآفات، مسلم عليكم ﴿آمِنِينَ﴾ أي من كل خوف وفزغ، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء، وقوله: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ روى القاسم عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا توافوا وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل، ثم قرأ ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ هكذا في هذه الرواية، والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف، وقد روى سنيد في تفسيره: حدثنا ابن فضالة عن لقمان عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٥، باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ٩٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٣٢، ٣٣، وأحمد في المسند ٥/ ١٠، ٢٥٤.","vol":"4","page":461},{"text":"وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة: حدثنا أبو المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: «يخلص المؤمن من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة» (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا الحسن، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام عن محمد هو ابن سيرين قال: استأذن الأشتر على علي ﵁، وعنده ابن لطلحة فحبسه ثم أذن له، فلما دخل قال: إني لأراك إنما حبستني لهذا، قال: أجل، قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني، قال: أجل إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ وقال ابن جرير (^٣) أيضا: حدثنا الحسن، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران بن طلحة على علي ﵁ بعد ما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾.\nوقال: ورجلان جالسان إلى ناحية البساط، فقالا: الله أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانا، فقال علي ﵁: قوما أبعد أرض وأسحقها، فمن هم إذا إن لم أكن أنا وطلحة؟ وذكر أبو معاوية الحديث بطوله، وروى وكيع عن أبان بن عبد الله البجلي عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن جراش عن علي نحوه، وقال فيه فقام رجل من همدان فقال:\nالله أعدل من ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فصاح به علي صيحة فظننت أن القصر تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن فمن هم؟ وقال سعيد بن مسروق عن أبي طلحة، وذكره وفيه: فقال الحارث الأعور ذلك، فقام إليه علي ﵁ فضربه بشيء كان في يده في رأسه، وقال: فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن؟ وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: جاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي ﵁ فحجبه طويلا ثم أذن له فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم، فقال علي:\nبفيك التراب إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ وكذا روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بنحوه.\nوقال سفيان بن عيينة عن إسرائيل عن أبي موسى سمع الحسن البصري يقول: قال علي: فينا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٨، وأحمد في المسند ٣/ ١٣، ٥٧، ٦٣، ٧٤، ٩٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٥٢٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٥٢٠.","vol":"4","page":462},{"text":"والله أهل بدر نزلت هذه الآية ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾.\nوقال كثير النواء: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت: وليي وليكم، وسلمي سلمكم، وعدوي عدوكم، وحربي حربكم، أنا أسألك بالله أتبرأ من أبي بكر وعمر فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ تولهما يا كثير فما أدركك فهو في رقبتي هذه، ثم تلا هذه الآية ﴿إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي ﵃ أجمعين، وقال الثوري عن رجل عن أبي صالح في قوله: ﴿إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قال: هم عشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين. وقوله: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض، وفيه حديث مرفوع.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشير، حدثنا يحيى بن معين عن إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية ﴿إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ في الله ينظر بعضهم إلى بعض. وقوله: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ﴾ يعني المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين «أن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب» (^١).\nوقوله: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ كما جاء في الحديث «يقال يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدا». وقال الله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ (^٢) [الكهف: ١٠٨].\nوقوله: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ أي أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عذاب أليم، وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية الكريمة وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في سبب نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن مصعب بن ثابت قال: مر رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه يضحكون فقال «اذكروا الجنة واذكروا النار» فنزلت ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ رواه ابن أبي حاتم وهو مرسل.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، أخبرنا ابن المكي، أخبرنا ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العمرة باب ١١، والتوحيد باب ٣٥، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٧١، ٧٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٢٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٥٢٢.","vol":"4","page":463},{"text":"المبارك، أخبرنا مصعب بن ثابت، حدثنا عاصم بن عبيد الله عن ابن أبي رياح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال «ألا أراكم تضحكون» ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: «إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن الله يقول لك لم تقنط عبادي ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾» وقال شعبة عن قتادة في قوله: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم العبد قدر عفوالله لما تورع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله لبخع نفسه».\n\n<span data-type='title' id=toc-961>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ إلى ٥٦]</span>\n﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ (٥٦)﴾\nيقول تعالى: وأخبرهم يا محمد عن قصة ﴿ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ والضيف يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر، وكيف ﴿دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي خائفون، وقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه إليهم من الضيافة، وهو العجل السمين الحنيذ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أي لا تخف ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي إسحاق ﵇ كما تقدم في سورة هود ثم ﴿قالَ﴾ متعجبا من كبره وكبر زوجته ومتحققا للوعد ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقا وبشارة بعد بشارة ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ﴾ وقرأ بعضهم القنطين فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-962>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ إلى ٦٠]</span>\n﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن إبراهيم ﵇ لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى، أنه شرع يسألهم عما جاءوا له، فقالوا: ﴿إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون قوم لوط، وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من الهالكين، ولهذا قالوا: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي الباقين المهلكين.\n\n<span data-type='title' id=toc-963>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦١ إلى ٦٤]</span>\n﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٦٤)﴾\nيخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره","vol":"4","page":464},{"text":"قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعنون بعذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم وحلوله بساحتهم ﴿وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ﴾ كقوله تعالى:\n﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨]. وقوله: ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه.\n\n<span data-type='title' id=toc-964>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]</span>\n﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾\nيذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط ﵇ يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم، وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزو إنما يكون ساقة يزجي الضعيف ويحمل المنقطع.\nوقوله: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم وذروهم فيما حل بهم من العذاب والنكال ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ كأنه كان معهم من يهديهم السبيل ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي تقدمنا إليه في هذا ﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي وقت الصباح كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١].\n\n<span data-type='title' id=toc-965>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٧ إلى ٧٢]</span>\n﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاِتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾\nيخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين ﴿قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ﴾ وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم أنهم رسل الله، كما قال في سورة هود، وأما هاهنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله وعطف بذكر مجيء قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب ولا سيما إذا دل دليل على خلافه، فقالوا له مجيبين: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي أو ما نهيناك أن تضيف أحدا؟ فأرشدهم إلى نسائهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة. وقد تقدم إيضاح القول في ذلك بما أغنى عن إعادته. هذا كله وهم غافلون عما يراد بهم وما قد أحاط بهم من البلاء وماذا يصبحهم من العذاب المنتظر. ولهذا قال تعالى لمحمد ﷺ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض.\nقال عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى:\n﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يقول: وحياتك وعمرك وبقاؤك في الدنيا ﴿إِنَّهُمْ لَفِي","vol":"4","page":465},{"text":"سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ رواه ابن جرير (^١)، وقال قتادة: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي في ضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يلعبون، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لعيشك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال يترددون.\n\n<span data-type='title' id=toc-966>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٣ إلى ٧٧]</span>\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ وهي ما جاءهم به من الصوت القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم وقد تقدم الكلام على السجيل في هود بما فيه كفاية. وقوله:\n﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي إن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال: المتفرسين.\nوعن ابن عباس والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ للمتأملين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير العبدي عن عمرو بن قيس، عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ النبي ﷺ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (^٢) رواه الترمذي: وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن أبي سعيد، وقال الترمذي. لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير (^٣) أيضا: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مهران عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:\n«اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله».\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني أبو شرحبيل الحمصي، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن منبه عن طاوس بن كيسان عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وبتوفيق الله». وقال أيضا: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزلق عن ثابت عن أنس بن مالك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٢٦.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٥، باب ٦، والطبري في تفسيره ٧/ ٥٢٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٥٢٨، ٥٢٩.\n(^٤) تفسير الطبري ٧/ ٥٢٩.","vol":"4","page":466},{"text":"قال: قال النبي ﷺ: «إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم»، ورواه الحافظ أبو بكر البزار:\nحدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر يقال له ابن المزلق قال:\nوكان ثقة، عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم».\nوقوله: ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة بطريق مهيع (^١) مسالكه مستمرة إلى اليوم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] وقال مجاهد والضحاك ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قال: معلم، وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضا: بصقع من الأرض واحد، وقال السدي: بكتاب مبين، يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ ولكن ليس المعنى على ما قال هاهنا، والله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله.\n\n<span data-type='title' id=toc-967>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]</span>\n﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾\nأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، قال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة الشجر الملتف، وكان ظلمهم بشركهم بالله وقطعهم الطريق ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبا من قوم لوط بعدهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي طريق مبين، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره: طريق ظاهر، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في نذارته إياهم ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-968>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٠ إلى ٨٤]</span>\n﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾\nأصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحا نبيهم ﵈، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين، وذكر تعالى أنه أتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، وكانت تسرح في بلادهم لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فلما عتوا وعقروها قال لهم ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت: ١٧].\nوذكر تعالى أنهم ﴿كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أي من غير خوف ولا احتياج إليها\n_________\n(^١) طريق مهيع: أي طريق سهل واضحة.","vol":"4","page":467},{"text":"بل أشرا وبطرا وعبثا كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مرّ به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: «لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم».\nوقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أي وقت الصباح من اليوم الرابع ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك.\n\n<span data-type='title' id=toc-969>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]</span>\n﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي بالعدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا﴾ [النجم: ٣١] الآية، وقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٣٧] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] ثم أخبر نبيه بقيام الساعة وأنها كائنة لا محالة ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله:\n﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال، وهو كما قالا، فإن هذه مكية والقتال إنما شرع بعد الهجرة.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ تقرير للمعاد وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء، العليم بما تمزق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض، كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨١ - ٨٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-970>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: كما آتيناك القرآن العظيم فلا تنظرنّ إلى الدنيا، وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في تكذيبهم لك ومخالفتهم دينك، ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أي ألن لهم جانبك، كقوله: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقد اختلف في السبع المثاني","vol":"4","page":468},{"text":"ما هي؟ فقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم:\nهي السبع الطوال، يعنون البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، نص عليه ابن عباس وسعيد بن جبير، وقال سعيد: بين فيهن الفرائض والحدود والقصص والأحكام. وقال ابن عباس: بين الأمثال والخبر والعبر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: المثاني: البقرة.\nوآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة سورة واحدة، قال ابن عباس: ولم يعطهن أحد إلا النبي ﷺ، وأعطي موسى منهن ثنتين، رواه هشيم عن الحجاج عن الوليد بن العيذار عن سعيد بن جبير عنه. وقال الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أوتي النبي ﷺ سبعا من المثاني الطوال، وأوتي موسى ﵇ ستا، فلما ألقى الألواح ارتفع اثنتان وبقيت أربع.\nوقال مجاهد: هي السبع الطوال، ويقال: هي القرآن العظيم. وقال خصيف عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي﴾ قال: أعطيتك سبعة أجزاء آمر، وأنه، وأبشر، وأنذر، وأضرب الأمثال، وأعدد النعم، وأنبئك بنبإ القرآن. رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم [والقول الثاني] أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. وروي ذلك عن علي وعمر وابن مسعود وابن عباس، قال ابن عباس: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها، وبه قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن عبيد بن عمير وابن أبي مليكة وشهر بن حوشب والحسن البصري ومجاهد.\nوقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب وأنهن يثنين في كل ركعة مكتوبة أو تطوع، واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة الفاتحة في أول التفسير ولله الحمد، وقد أورد البخاري ﵀ هاهنا حديثين:\n[أحدهما] قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مربي النبي ﷺ وأنا أصلي فدعاني فلم آته حتى صليت فأتيته، فقال: «ما منعك أن تأتيني؟» فقلت: كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ﴾ ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد» فذهب النبي ﷺ ليخرج فذكرت فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن الذي أوتيته» (^٢).\n[الثاني] قال: حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري عن أبي هريرة ﵁\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٣٣، ٥٣٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٥، باب ٣.","vol":"4","page":469},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم» (^١).\nفهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطوال بذلك، لما فيها من هذه الصفة كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا، كما قال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضا، كما أنه ﵊ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ﴾ أي استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية، ومن هاهنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (^٢) إلى أنه يستغني به عما عداه، وهو تفسير صحيح ولكن ليس هو المقصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، حدثنا موسى بن عبيدة عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي ﷺ قال: ضاف النبي ﷺ ضيف ولم يكن عند النبي ﷺ شيء يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود «يقول لك محمد رسول الله: أسلفني دقيقا إلى هلال رجب» قال: لا، إلا برهن فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: «أما والله إني لأمين من في السماء وأمين من في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأؤدين إليه» فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ إلى آخر الآية، كأنه يعزيه عن الدنيا، قال العوفي عن ابن عباس ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ قال: نهى الرجل أن يتمنى ما لصاحبه. وقال مجاهد ﴿إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ﴾ هم الأغنياء.\n\n<span data-type='title' id=toc-971>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٩ إلى ٩٣]</span>\n﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾\nيأمر تعالى نبيه ﷺ أن يقول للناس: ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ البين النذارة، نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه كما حل بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام. وقوله: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أي المتحالفين، أي تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كقوله تعالى إخبارا عن قوم صالح إنهم ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] الآية، أي نقتلهم ليلا، قال مجاهد: تقاسموا وتحالفوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٥، باب ٣، وأبو داود في الوتر باب ١٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٤٤، وأبو داود في الوتر باب ٢٠، والدارمي في الصلاة باب ١٧١، وفضائل القرآن باب ٣٤، وأحمد في المسند ١/ ١٧٢، ١٧٥، ١٧٩.","vol":"4","page":470},{"text":"﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآية ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩] فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء من الدنيا إلا أقسموا عليه فسموا مقتسمين، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون أصحاب صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله.\nوفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق» (^١).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي جزءوا كتبهم المنزلة عليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض اليهود والنصارى.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والحسن والضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم نحو ذلك، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال:\nالسحر، وقال عكرمة: العضه السحر بلسان قريش تقول للساحرة إنها العاضهة، وقال مجاهد:\nعضوه أعضاء، قالوا سحر، وقالوا كهانة، وقالوا أساطير الأولين، وقال عطاء: قال بعضهم ساحر، وقالوا مجنون، وقال كاهن، فذلك العضين، وكذا روي عن الضحاك وغيره.\nوقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا، فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢٦، والاعتصام باب ٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٦.","vol":"4","page":471},{"text":"قولوا لأسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: ما هو بكاهن، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا هو ساحر، فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أصنافا ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أولئك النفر الذين قالوا لرسول الله.\nوقال عطية العوفي عن ابن عمر في قوله: ﴿لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله. وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن ليث هو ابن أبي سليم عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله، وقد روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن ليث بن أبي سليم عن بشير بن نهيك، عن أنس عن النبي ﷺ ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله، ورواه ابن إدريس عن ليث عن بشير عن أنس موقوفا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن هلال عن عبد الله بن عكيم، قال: ورواه الترمذي وغيره من حديث أنس مرفوعا، وقال عبد الله هو ابن مسعود:\nوالذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين، وقال ابن عيينة عن عملك وعن مالك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء عن أبي حمزة الشيباني عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بإصبعه، فلا ألفينك يوم القيامة واحد غيرك أسعد بما آتاك الله منك» وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ قال:\nلا يسألهم هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٤٨.","vol":"4","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-972>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٤ إلى ٩٩]</span>\n﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (٩٨) وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أي أمضه، وفي رواية «افعل ما تؤمر» (^١) وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة. وقال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي ﷺ مستخفيا حتى نزلت ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾، فخرج هو وأصحابه.\nوقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ أي بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ولا تخفهم فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كهمس عن يزيد بن درهم، عن أنس قال: سمعت أنسا يقول في هذه الآية، ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ قال: مر رسول الله ﷺ فغمزه بعضهم فجاء جبريل، أحسبه قال: فغمزهم، فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا.\nقال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم من بني أسد بن عبد العزى بن قصي الأسود بن المطلب أبي زمعة، كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه، فقال: «اللهم أعم بصره، وأثكله ولده» ومن بني زهرة الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد، ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد بن-عمرو بن ملكان-. فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ إلى قوله ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nوقال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنتين، وهو يجز إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له (^٢)، فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٤٨، ٥٤٩.\n(^٢) يريش نبلا له: أي ينحت نبالا ويجعل لها ريشا.","vol":"4","page":473},{"text":"وليس بشيء، فانتفض به فقتله، ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض على شبرقة (^١) فدخلت في أخمص قدمه فقتلته، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخط (^٢) قيحا فقتله (^٣).\nقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم، وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق به، عن يزيد عن عروة بطوله، إلا أن سعيدا يقول: الحارث ابن غيطلة، وعكرمة يقول الحارث بن قيس. قال الزهري: وصدقا هو الحارث بن قيس، وأمه غيطلة، وكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد أنهم كانوا خمسة. وقال الشعبي:\nكانوا سبعة، والمشهور الأول: وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع لله معبود آخر.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ أي وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض فلا يهيدنك ذلك ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾.\nكما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن همّار أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» ورواه أبو داود والنسائي من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه، ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى.\nوقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال البخاري: قال سالم: الموت، وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، حدثني طارق بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال: الموت، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره، والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارا عن أهل النار أنهم قالوا ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾\n_________\n(^١) ربض على شبرقة: أي برك على شبرقة، والشبرقة: نبت يؤكل وله شوك.\n(^٢) امتخط: أي أخرجه مخاطا من أنفه.\n(^٣) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٤٠٩، ٤١٠، وتفسير الطبري ٧/ ٥٥٠، ٥٥١.\n(^٤) المسند ٥/ ٢٨٦.","vol":"4","page":474},{"text":"[المدثر: ٤٣ - ٤٧].\nوفي الصحيح من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء:\nرحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ﷺ:\n«وما يدريك أن الله أكرمه؟» فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، فمن؟ فقال: «أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير» (^١) ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلي بحسب حاله.\nكما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:\n«صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (^٢) ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت، كما قدمناه، ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسؤول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها، فإنه جواد كريم.\nآخر تفسير سورة الحجر، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣، وأحمد في المسند ٦/ ٤٣٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٢٠.","vol":"4","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-973>سورة النحل</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-974>[سورة النحل (١٦): آية ١]</span>\n﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١)﴾\nيخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرا بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة، كقوله: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، وقال: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. وقوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي قرب ما تباعد فلا تستعجلوه، يحتمل أن يعود الضمير على الله، ويحتمل أن يعود على العذاب، وكلاهما متلازم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣ - ٥٤] وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال في قوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ أي فرائضه وحدوده، وقد رده ابن جرير فقال:\nلا نعلم أحدا استعجل بالفرائض وبالشرائع قبل وجودها بخلاف العذاب، فإنهم استعجلوه قبل كونه استبعادا وتكذيبا، قلت: كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨].\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عبد الله مولى المغيرة بن شعبة، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي مناد فيها: يا أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم، فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس بعضهم لبعض: هل سمعتم، فيقولون: نعم.\nثم ينادي الثالثة: يا أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه» قال رسول الله ﷺ: «فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدا، وإن الرجل ليمدن حوضه فما يسقي فيه شيئا ابدا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا-قال-ويشتغل الناس» ثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علوا كبيرا، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾.","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-975>[سورة النحل (١٦): آية ٢]</span>\n﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أي الوحي، كقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ وهم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٥ - ١٦]. وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ أي لينذروا ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ أي فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري.\n\n<span data-type='title' id=toc-976>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣ إلى ٤]</span>\n﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾\nيخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السموات، والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث بل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره، وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، ثم نبه على خلق جنس الإنسان من نطفة أي مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤ - ٥٥]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٨ - ٧٩].\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن بسر بن جحاش قال: بصق رسول الله ﷺ في كفه، ثم قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الحلقوم قلت أتصدق، وأنى أوان الصدقة» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الوصايا باب ٤، وأحمد في المسند ٤/ ٢١٠.","vol":"4","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-977>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥ إلى ٧]</span>\n﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾\nيمتنّ تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة، ولهذا قال: ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ وهو وقت رجوعها عشيا من المرعى فإنها تكون أمده خواصر وأعظمه ضروعا وأعلاه أسنمة ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي غدوة حين تبعثونها إلى المرعى.\n﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ﴾ وهي الأحمال الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها ﴿إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل، كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨١]، ولهذا قال هاهنا بعد تعداد هذه النعم ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢]، وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤].\nقال ابن عباس: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ أي ثياب، ﴿وَمَنافِعُ﴾ ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة (^١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس: دفء ومنافع نسل كل دابة. وقال مجاهد: لكم فيها دفء أي لباس ينسج، ومنافع مركب ولحم ولبن. وقال قتادة: دفء ومنافع، يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة، وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة.\n\n<span data-type='title' id=toc-978>[سورة النحل (١٦): آية ٨]</span>\n﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٥٩.","vol":"4","page":478},{"text":"هذا صنف آخر مما خلق ﵎ لعباده يمتن به عليهم، وهو الخيل والبغال والحمير التي جعلها للركوب والزينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فصلها من الأنعام، وأفردها بالذكر، استدل من استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها، كالإمام أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه من الفقهاء بأنه تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية، وذهب إليه أكثر العلماء.\nوقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا هشام الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن مولى نافع بن علقمة، أنّ ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ فهذه للأكل، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ فهذه للركوب، وكذا روي من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس بمثله، وقال مثل ذلك الحكم بن عتيبة أيضا ﵁.\nواستأنسوا بحديث رواه الإمام أحمد (^٢) في مسنده: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير (^٣). وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث صالح بن يحيى بن المقدام وفيه كلام.\nورواه أحمد (^٤) أيضا من وجه آخر بأبسط من هذا وأدل منه فقال: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا سليمان بن سليم، عن صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام بن معد يكرب قال: غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة (^٥)، فقرم (^٦) أصحابنا إلى اللحم فسألوني رمكة فدفعتها إليهم، فحبلوها وقلت: مكانكم حتى آتي خالدا فأسأله فأتيته فسألته، فقال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة خيبر فأسرع الناس في حظائر يهود فأمرني أن أنادي الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ثم قال: «أيها الناس: إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود، ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم لحوم الأتن الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» والرمكة هي الحجرة، وقوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٦٣.\n(^٢) المسند ٤/ ٨٩.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب ٢٥، والنسائي في الصيد باب ٣٠، وابن ماجة في الذبائح باب ١٤.\n(^٤) المسند ٣/ ٣٥٦، ٣٦٢.\n(^٥) الصائفة: الغزوة في الصيف.\n(^٦) قرم: شدة الشهوة إلى اللحم.","vol":"4","page":479},{"text":"حبلوها أي أوثقوها في الحبل ليذبحوها، والحظائر والبساتين القريبة من العمران، وكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد ومعاملتهم على الشطر، والله أعلم.\nفلو صح هذا الحديث لكان نصا في تحريم لحوم الخيل، ولكن لا يقاوم ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل (^١).\nورواه الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل (^٢).\nوفي صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة (^٣)، فهذه أدل وأقوى وأثبت، وإلى ذلك صار جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وأكثر السلف والخلف، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية، فذللها الله لإسماعيل بن إبراهيم ﵉، وذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته أن الله خلق الخيل من ريح الجنوب، والله أعلم. فقد دل النص على جواز ركوب هذه الدواب ومنها البغال، وقد أهديت إلى رسول الله ﷺ بغلة فكان يركبها مع أنه قد نهى عن إنزاء الحمر على الخيل لئلا ينقطع النسل.\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثني محمد بن عبيد، حدثنا عمر من آل حذيفة عن الشعبي عن دحية الكلبي قال: قلت يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها؟ قال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون».\n\n<span data-type='title' id=toc-979>[سورة النحل (١٦): آية ٩]</span>\n﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾\nلما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية، نبه على الطرق المعنوية الدينية، وكثيرا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية، كقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] ولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الذبائح باب ٢٨، ومسلم في الصيد حديث ٢٣، ٣٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب ٢٥، وأحمد في المسند ٣/ ٣٥٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في الذبائح باب ٢٤، ومسلم في الصيد حديث ٣٨، والنسائي في الضحايا باب ٣٣.\n(^٤) المسند ٤/ ٣١١.","vol":"4","page":480},{"text":"التي يسلكها الناس إليه، فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كقوله ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١].\nقال مجاهد في قوله: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: طريق الحق على الله، وقال السدي، ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ الإسلام. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: وعلى الله البيان، أي يبين الهدى والضلالة. وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه، وكذا قال قتادة والضحاك، وقول مجاهد هاهنا أقوى من حيث السياق، لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ أي حائد مائل زائغ عن الحق.\nقال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وقرأ ابن مسعود «ومنكم جائر» ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته، فقال: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] وقال: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-980>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾\nلما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء وهو العلو مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم، فقال: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ﴾ أي جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحا أجاجا ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾: أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم. كما قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله فيه تسيمون، أي ترعون (^١) ومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي. وروى ابن ماجة أن رسول الله ﷺ نهى عن السوم قبل طلوع الشمس (^٢).\nوقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٦٦، ٥٦٧.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب ٢٩.","vol":"4","page":481},{"text":"ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، ثم قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-981>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢ إلى ١٣]</span>\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾\nينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السموات نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه.\nوقوله: ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ﴾ لما نبه تعالى على معالم السموات نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة، والأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن، والنباتات والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي آلاء الله ونعمه فيشكرونها.\n\n<span data-type='title' id=toc-982>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٤ إلى ١٨]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾\nيخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها في الحل والإحرام، وما يخلقه فيه من اللئالئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره أي تشقه، وقيل تمخر الرياح، وكلاهما صحيح، وقيل تمخره بجؤجئها وهو صدرها المسنم-الذي أرشد العباد إلى صنعتها وهداهم إلى ذلك إرثا عن أبيهم نوح ﵇، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم","vol":"4","page":482},{"text":"صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما هناك إلى ما هنا، وما هنا إلى ما هناك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي نعمه وإحسانه.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو عن سهل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة قال:\nكلم الله البحر الغربي وكلم البحر الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عبادا من عبادي، فكيف أنت صانع فيهم؟ قال: أغرقهم، فقال: بأسك في نواحيك، وأحملهم على يدي، وحرمت الحلية والصيد، وكلم هذا البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم؟ فقال: أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد، ثم قال البزار: لا نعلم من رواه عن سهل غير عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو، وهو منكر الحديث.\nوقد رواه سهل عن النعمان بن أبي عياش عن عبد الله بن عمر موقوفا.\nثم ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات، والجبال الراسيات، لتقر.\nالأرض ولا تميد، أي تضطرب بما عليها من الحيوانات فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: ﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ [النازعات: ٣٢] وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة، سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض كانت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا، فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال. وقال سعيد عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة أن الله لما خلق الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحت صبحا وفيها رواسيها.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني المثنى، حدثني حجاج بن منهال، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما خلق الله الأرض قمصت وقالت: أي رب تجعل علي بني آدم يعملون الخطايا ويجعلون علي الخبث؟ قال: فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم يترجرج.\nوقوله: ﴿وَأَنْهارًا وَسُبُلًا﴾ أي جعل فيها أنهارا تجري من مكان إلى مكان آخر رزقا للعباد، ينبغ في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوبا وشمالا، وشرقا وغربا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وكذلك جعل فيها سبلا أي طرقا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرا ومسلكا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] الآية.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٧٠.","vol":"4","page":483},{"text":"وقوله: ﴿وَعَلاماتٍ﴾ أي دلائل من جبال كبار وآكام صغار ونحو ذلك، يستدل بها المسافرون برا وبحرا إذا ضلوا الطرق. وقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي في ظلام الليل، قاله ابن عباس، وعن مالك في قوله: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يقول: النجوم وهي الجبال، ثم نبه تعالى على عظمته وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئا بل هم يخلقون، ولهذا قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.\nثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم، فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير ويجازي على اليسير، وقال ابن جرير (^١): يقول إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-983>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٩ إلى ٢١]</span>\n﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾\nيخبر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ثم أخبر أن الأصنام التي يدعونها من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، كما قال الخليل: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦]. وقوله: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ أي هي جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء؟ إنما يرجى ذلك من الذي يعلم كل شيء وهو خالق كل شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-984>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]</span>\n﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾\nيخبر تعالى أنه لا إله هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص:٥] وقال تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وقوله: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر:]\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٥٧٣.","vol":"4","page":484},{"text":"[٦٠] ولهذا قال هاهنا ﴿لا جَرَمَ﴾ أي حقا ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-985>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]</span>\n﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا﴾ معرضين عن الجواب ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي لم ينزل شيئا، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين، أي مأخوذ من كتب المتقدمين، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] أي يفترون على الرسول ويقولون أقوالا متضادة مختلفة كلها باطلة، كما قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٩] وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ، وكانوا يقولون: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ثم استقر أمرهم إلى ما اختلقه لهم شيخهم الوحيد المسمى بالوليد بن المغيرة المخزومي لما ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٤] أي ينقل ويحكي، فتفرقوا عن قوله ورأيه قبحهم الله.\nقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك ليتحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم أي يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] وهكذا روى العوفي عن ابن عباس في الآية ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أنها كقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال مجاهد: يحملون أثقالهم ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في العلم حديث ١٦، والذكر حديث ١، وأبو داود في السنة باب ٦، والترمذي في العلم باب ١٥، ١٦، وابن ماجة في المقدمة باب ١٤، ١٥، والدارمي في المقدمة باب ٤٤، وأحمد في المسند ٢/ ٣٩٧.","vol":"4","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-986>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال: هو النمرود الذي بنى الصرح (^١)، قال ابن أبي حاتم وروي عن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض النمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه وكان جبارا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته، وهو الذي بنى الصرح إلى السماء الذي قال الله تعالى: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ وقال آخرون: بل هو بختنصر، وذكروا من المكر الذي حكاه الله هاهنا كما قال في سورة إبراهيم ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] وقال آخرون: هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح ﵇: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نوح:٢٢] أي احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا﴾ [سبأ:٣٣] الآية.\nوقوله: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ أي اجتثه من أصله وأبطل عملهم، كقوله تعالى:\n﴿كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله: ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقال الله هاهنا: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أي يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم فيجعله علانية، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ أي يظهر وتشتهر كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان» (^٢).\nوهكذا يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رؤوس الخلائق ويقول لهم الرب ﵎ مقرعا لهم وموبخا ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣] ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٧٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجزية باب ٢٢، والأدب باب ٩٩، والحيل باب ٩، والفتن باب ٢١، ومسلم في الجهاد حديث ٨، ١٠، ١٧.","vol":"4","page":486},{"text":"عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-987>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]</span>\n﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾\nيخبر تعالى عن حال المشركين الظالمين أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ كما يقولون يوم المعاد ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] قال الله مكذبا لهم في قيلهم ذلك ﴿بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] كما قال الله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-988>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]</span>\n﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾\nهذا خبر عن السعداء بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئا إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء قالوا:\nخيرا، أي أنزل خيرا، أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبر عما وعد الله عباده فيما أنزله على رسله فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] أي من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير أي من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠] الآية. وقال تعالى:\n﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الأعلى:]","vol":"4","page":487},{"text":"[١٧] وقال لرسوله ﷺ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ [الضحى: ٤] ثم وصف الدار الآخرة فقال: ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوقوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من دار المتقين أي لهم في الآخرة جنات عدن، أي مقام يدخلونها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي بين أشجارها وقصورها ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. [الزخرف: ٧١] وفي الحديث «إن السحابة لتمر بالملإ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليه حتى إن منهم لمن يقول أمطرينا كواعب أترابا فيكون ذلك» ﴿كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله.\nثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار أنهم طيبون أي مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢] وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-989>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]</span>\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)﴾\nيقول تعالى مهددا للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم لقبض أرواحهم، قاله قتادة (^١)، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال. وقوله: ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي أحاط بهم من العذاب الأليم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله، فلهذا يقال لهم يوم القيامة: ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤].\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٨١.","vol":"4","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-990>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧)﴾\nيخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطانا، ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارها لما فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مكننا منه، قال الله تعالى رادا عليهم شبهتهم: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة أي في كل قرن وطائفة رسولا، وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه.\n﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فيكف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية، لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرا، فلا حجة لهم فيها، لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة.\nثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال:\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾","vol":"4","page":489},{"text":"﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ [محمد: ١٠]، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨]. ثم أخبر الله تعالى رسوله ﷺ أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] وقال نوح لقومه: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ أي شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلهذا قال: ﴿لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أي من أضله، فمن ذا الذي يهديه من بعد الله؟ أي لا أحد ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي ينقذونهم من عذابه ووثاقه ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-991>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين أنهم حلفوا فأقسموا ﴿بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي اجتهدوا في الحلف، وغلظوا الأيمان على أنه ﴿لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ أي استبعدوا ذلك، وكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك وحلفوا على نقيضه، فقال تعالى مكذبا لهم ورادا عليهم ﴿بَلى﴾ أي بلى سيكون ذلك ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي لا بد منه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر، ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أي للناس ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي من كل شيء ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ أي في أيمانهم وأقسامهم لا يبعث الله من يموت.\nولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعا، وتقول لهم الزبانية: ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٤ - ١٦] ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء، كقوله: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]","vol":"4","page":490},{"text":"وقال: في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي أن نأمر به مرة واحدة فإذا هو كائن، كما قال الشاعر: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنما … يقول له كن كائنا فيكون (^١)\nأي أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، لأنه الواحد القهار العظيم الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وقال ابن أبي حاتم: ذكر الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج عن ابن جريج، أخبرني عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول قال الله تعالى: شتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ قال وقلت: ﴿بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وأما شتمه إياي فقال:\n﴿إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وقلت: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. [الإخلاص: ١ - ٤] هكذا ذكره موقوفا وهو في الصحيحين مرفوعا بلفظ آخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-992>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤١ إلى ٤٢]</span>\n﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾\nيخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب الله وجزائه، ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة صديق وصديقة ﵃ وأرضاهم، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ قال ابن عباس والشعبي وقتادة: المدينة، وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد.\nولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، وصاروا أمراء حكاما، وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي مما أعطيناهم في الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله، ولهذا قال هشيم عن العوام عمن حدثه أن عمر بن\n_________\n(^١) تقدم البيت في تفسير الآية ١١٧ من سورة البقرة، ولفظ عجز البيت هناك: يقول له كن قوله فيكون","vol":"4","page":491},{"text":"الخطاب ﵁، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ثم وصفهم تعالى فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي صبروا على الأذى من قومهم متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-993>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾\nقال الضحاك: عن ابن عباس: لما بعث الله محمدا ﷺ رسولا، أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فأنزل ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] الآية، وقال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يعني أهل الكتب الماضية أبشرا كانت الرسل إليهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد ﷺ رسولا.\nقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ ليسوا من أهل السماء كما قلتم، وكذا روي عن مجاهد عن ابن عباس أن المراد بأهل الذكر أهل الكتاب، وقاله مجاهد والأعمش، وقول عبد الرحمن بن زيد: الذكر القرآن، واستشهد بقوله: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] صحيح، لكن ليس هو المراد هاهنا، لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه، وكذا قول أبي جعفر الباقر: نحن أهل الذكر، ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر، صحيح فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة.\nوعلماء أهل بيت رسول الله ﵈ والرحمة من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة كعلي وابن عباس وابني علي الحسن والحسين، ومحمد ابن الحنفية وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر وهو محمد بن علي بن الحسين وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله واجتمعت عليه قلوب عباده المؤمنين، والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن الرسل الماضين قبل محمد ﷺ كانوا بشرا كما هو بشر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣ - ٩٤] وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ﴾","vol":"4","page":492},{"text":"[الأنبياء: ٨] وقال: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠].\nثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشرا إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا هل كان أنبياؤهم بشرا أو ملائكة، ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالحجج والدلائل ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، والزبر جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته. وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] وقال ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله وحرصك عليه واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي ينظرون لأنفسهم فيهتدون فيفوزون بالنجاة في الدارين.\n\n<span data-type='title' id=toc-994>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]</span>\n﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾\nيخبر تعالى عن حلمه وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، أي من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] وقوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها في أسفارهم ونحوها من الأشغال الملهية، قال قتادة والسدي: تقلبهم أي أسفارهم، وقال مجاهد والضحاك وقتادة ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في الليل والنهار كقوله ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.\nوقوله: ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه. وقوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ أي أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد، ولهذا قال العوفي عن ابن عباس: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك، وكذا روي عن مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم.\nثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم","vol":"4","page":493},{"text":"ويعافيهم» وفيهما «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-995>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾\nيخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جماداتها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن، والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي بكرة وعشيا فإنه ساجد بظله لله تعالى.\nقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله ﷿ (^١)، وكذا قال قتادة والضحاك وغيرهم، وقوله ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ أي صاغرون. وقال مجاهد أيضا: سجود كل شيء فيؤه، وذكر الجبال، قال: سجودها فيؤها. وقال أبو غالب الشيباني: أمواج البحر صلاته.\nونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم فقال: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ﴾ كما قال: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾. وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي تسجد لله أي غير مستكبرين عن عبادته ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي يسجدون خائفين وجلين من الرب ﷻ ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أي مثابرين على طاعته تعالى وامتثال أوامره، وترك زواجره.\n\n<span data-type='title' id=toc-996>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥١ إلى ٥٥]</span>\n﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾\nيخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران والسدي وقتادة وغير واحد: أي دائما (^٢)، وعن ابن عباس أيضا: أي واجبا. وقال مجاهد: أي خالصا له، أي له العبادة وحده ممن في السموات والأرض، كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢ - ٨٣] هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب، أي\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٩٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٥٩٥.","vol":"4","page":494},{"text":"ارهبوا أن تشركوا بي شيئا وأخلصوا لي الطاعة، كقوله تعالى: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ [الزمر: ٣].\nثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه إليهم ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ أي لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو فإنكم عند الضرورات تلجأون إليه وتسألونه وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال هاهنا: ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ قيل: اللام هاهنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل بمعنى قيضنا لهم ذلك ليكفروا أي يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم، ثم توعدهم قائلا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي عاقبة ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-997>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٦ إلى ٦٠]</span>\n﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾\nيخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد بغير علم، وجعلوا للأوثان نصيبا مما رزقهم الله فقالوا ﴿هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦] أي جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوها على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله فعبدوها معه، فأخطأوا خطأ كبيرا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا ولا ولد له، ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢].\nوقوله هاهنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ﴾ أي عن قولهم وإفكهم ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:\n١٥١ - ١٥٤]. وقوله: ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ أي يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فإنه ﴿إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي كئيبا من الهم ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن.","vol":"4","page":495},{"text":"﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي يكره أن يراه الناس ﴿مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ﴾ أي إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ﴾ أي يئدها وهو أن يدفنها فيه حية كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوه إليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. وقوله هاهنا: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي النقص إنما ينسب إليهم ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-998>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦١ إلى ٦٢]</span>\n﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾\nيخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة أي لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب ﷻ يحلم ويستر، وينظر إلى أجل مسمى أي لا يعاجلهم بالعقوبة، إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا. قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل (^١) أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ الآية ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (^٢) وكذا روى الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وقال ابن جرير (^٣): حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، قال: فالتفت إليه، فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك، حدثنا عبيد الله بن شرحبيل، حدثنا سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة بن ربيعة عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: «إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر».\n_________\n(^١) الجعل: حيوان كالخنفساء.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٦٠١.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٦٠١.","vol":"4","page":496},{"text":"وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ أي من البنات ومن الشركاء الذين هم عبيده وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله.\nوقوله: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا وإن كان ثم معاد ففيه أيضا لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم، كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩ - ١٠] وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠].\nوقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] وقال إخبارا عن أحد الرجلين أنه ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦] فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل بأن يجازوا على ذلك حسنا وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق إنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ، فمن ذلك: تعلمون السيئات وتجوزن الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب.\nوقال مجاهد وقتادة: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ أي الغلمان. وقال ابن جرير: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ أي يوم القيامة كما قدمنا بيانه، وهو الصواب، ولله الحمد، ولهذا قال تعالى رادا عليهم في تمنيهم ذلك: ﴿لا جَرَمَ﴾ أي حقا لا بد منه ﴿أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أي يوم القيامة ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون وهذا كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ [الأعراف: ٥١]. وعن قتادة أيضا: مفرطون أي معجلون إلى النار من الفرط، وهو السابق إلى الورد، ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها أي يخلدون.\n\n<span data-type='title' id=toc-999>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٥]</span>\n﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾\nيذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلا فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة فلا يهيدنك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم ولا يملك لهم خلاصا ولا صريخ لهم، ولهم عذاب أليم. ثم قال تعالى لرسوله: إنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه؟ فالقرآن فاصل بين","vol":"4","page":497},{"text":"الناس في كل ما يتنازعون فيه ﴿وَهُدىً﴾ أي للقلوب ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي لمن تمسك به ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وكما جعل سبحانه القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيي الأرض بعد موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي يفهمون الكلام ومعناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1000>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]</span>\n﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي الْأَنْعامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي لآية ودلالة على حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ أفردها هاهنا عودا على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان، فإن الأنعام حيوانات أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان، وفي الآية الأخرى مما في بطونها، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى:\n﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٥] وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ [النمل: ٣٥ - ٣٦] أي المال.\nوقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾ أي يتخلص اللبن بياضه وطعمه وحلاوته، ما بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته، فيصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به.\nوقوله: ﴿لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ أي لا يغص به أحد، ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه، ولهذا امتن به عليهم فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ دل على إباحته شرعا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل والمتخذ من العنب، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك.\nكما قال ابن عباس في قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ السكر ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما، وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله، يعني ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء وهو الدبس وخل ونبيذ، حلال يشرب قبل أن يشتد كما وردت السنة بذلك ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ناسب ذكر العقل هاهنا فإنه أشرف ما في الإنسان ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾","vol":"4","page":498},{"text":"﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٤ - ٣٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1001>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]</span>\n﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾\nالمراد بالوحي هنا الإلهام والهداية، والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها بحيث لا يكون في بيتها خلل، ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها، أي مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم، والبراري الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها وتقيء العسل من فيها، وتبيض الفراخ من دبرها، ثم تصبح إلى مراعيها.\nوقال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ أي مطيعة (^١)، فجعلاه حالا من السالكة، قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ قال: ألا ترى أنهم ينقلون النحل ببيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم، والقول الأول هو الأظهر، وهو أنه حال من الطريق، أي فاسلكيها مذللة لك، نص عليه مجاهد، وقال ابن جرير: كلا القولين صحيح. وقد قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا مكين بن عبد العزيز عن أبيه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «عمر الذباب أربعون يوما، والذباب كله في النار إلا النحل».\nوقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها. وقوله: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ أي في العسل شفاء للناس، أي من أدواء تعرض لهم، قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال فيه الشفاء للناس، لكان دواء لكل داء، ولكن قال فيه شفاء للناس، أي يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار والشيء يداوى بضده.\nوقال مجاهد وابن جرير في قوله: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ يعني القرآن، وهذا قول صحيح في نفسه، ولكن ليس هو الظاهر هاهنا من سياق الآية، فإن الآية إنما ذكر فيها العسل ولم يتابع مجاهد على قوله هاهنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٦١٣.","vol":"4","page":499},{"text":"والدليل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ هو العسل، الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية قتادة عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال «اسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: يا رسول الله سقيته عسلا، فما زاده إلا استطلاقا، قال: «اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول الله ﷺ: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا فبرئ (^١).\nقال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالا، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن، استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.\nوفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه الحلواء والعسل (^٢)، هذا لفظ البخاري: وفي صحيح البخاري من حديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ: «الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي» (^٣).\nوقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة، سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كان في شيء من أدويتكم، أو يكون في شيء من أدويتكم خير: ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي» (^٤) ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة عن جابر به.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله أنبأنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا عبد الله بن الوليد عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ثلاث إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية تصيب ألما، وأنا أكره\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الطب باب ٢٤، ومسلم في السلام حديث ٩١، والترمذي في الطب باب ٣١، وأحمد في المسند ٣/ ١٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأشربة باب ١٠، ١٥، والطب باب ٤، ومسلم في الرضاع حديث ٨٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في الطب باب ٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في الطب باب ١٥، ومسلم في السلام حديث ٧١.\n(^٥) المسند ٤/ ١٤٦.","vol":"4","page":500},{"text":"الكي ولا أحبه» ورواه الطبراني عن هارون بن سلول المصري عن أبي عبد الرحمن المقري، عن عبد الله بن الوليد به، ولفظه «إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم» وذكره، وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\nوقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه: حدثنا علي بن سلمة هو التغلبي، حدثنا زيد بن حباب، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله هو ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن» (^١) وهذا إسناد جيد تفرد بإخراجه ابن ماجة مرفوعا، وقد رواه ابن جرير (^٢) عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن سفيان هو الثوري به موقوفا وله شبه.\nوروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحيفة، وليغسلها بماء السماء، وليأخذ من امرأته درهما عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلا فليشربه بذلك فإنه شفاء: أي من وجوه، وقال الله تعالى:\n﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقال في العسل: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾.\nوقال ابن ماجة (^٣) أيضا: حدثنا محمود بن خداش حدثنا سعيد بن زكريا القرشي، حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي عن عبد الحميد بن سالم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله «من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر، لم يصبه عظيم من البلاء» الزبير بن سعيد متروك.\nوقال ابن ماجة (^٤) أيضا: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي، حدثنا عمرو بن بكير السكسكي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة سمعت أبا أبي ابن أم حرام وكان قد صلى القبلتين، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عليكم بالسنا والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام» قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال «الموت» قال عمرو: قال ابن أبي عبلة: السنوت الشبت. وقال آخرون: بل هو العسل الذي في زقاق السمن، وهو قول الشاعر: [الطويل] هم السّمن بالسنّوت لا لبس فيهم … وهم يمنعون الجار أن يقرّدا (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الطب باب ٧.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٦١٤.\n(^٣) كتاب الطب باب ٧.\n(^٤) كتاب الطب باب ٩.\n(^٥) يروي البيت: هم السمن بالسّنّوت لا ألس بينهم وهم يمنعون جارهم أن يقرّدا وهو للحصين بن القعقاع في لسان العرب (سنت)، (قرد)، والتنبيه والإيضاح ١/ ١٦٥، ٢/ ٤٧، ومجمل اللغة ٣/ ٩٤، وتاج العروس (سنت)، (ألس)، وللأعشى في أساس البلاغة (قرد)، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في لسان العرب (بختر)، (ألس)، وجمهرة اللغة ص ٦٣٦، ١٢١٤، ومقاييس اللغة ٣/ ١٠٤، والمخصص ٣/ ٨٤، ٨/ ١٢٢، وديوان الأدب ١/ ٣٣٢، وتهذيب اللغة ٢/ ٣٨٥، ١٣/ ٧١، وتاج العروس (بختر)","vol":"4","page":501},{"text":"كذا رواه ابن ماجة، وقوله: لا لبس فيهم أي لا خلط. وقوله: يمنعون الجار أن يقردا، أي يضطهد ويظلم، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامة والاجتناء من سائر الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب الأشياء، ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها، فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1002>[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]</span>\n﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن تصرفه في عباده، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم ثم بعد ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم وهو الضعف في الخلقة، كما قال الله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤] الآية، وقد روي عن علي ﵁: أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف، وسوء الحفظ وقلة العلم، ولهذا قال: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، أي بعد ما كان عالما أصبح لا يدري شيئا من الفند والخرف.\nولهذا روى البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور عن شعيب عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يدعو «أعوذ بك من البخل والكسل والهرم، وأرذل العمر وعذاب القبر، وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات» (^١) وقال زهير بن أبي سلمة في معلقته المشهورة: [الطويل] سئمت تكاليف الحياة ومن يعش … ثمانين عاما لا أبا لك يسأم (^٢)\nرأيت المنايا خبط عشواء من تصب … تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\n\n<span data-type='title' id=toc-1003>[سورة النحل (١٦): آية ٧١]</span>\n﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٦، باب ١، ومسلم في الذكر حديث ٥٢.\n(^٢) البيتان في ديوان زهير بن أبي سلمى ص ٢٩، والبيت الأول في كتاب العين ٥/ ٣٧٢، وأساس البلاغة (كلف)، وتاج العروس (حمل)، والبيت الثاني في لسان العرب (خبط)، (عشا)، وتهذيب اللغة ٣/ ٥٤، ٧/ ٢٥١، وجمهرة اللغة ص ٨٧٢، وتاج العروس (خبط)، ومقاييس اللغة ٤/ ٣٢٣، وكتاب العين ٢/ ١٨٨، وأساس البلاغة (عشو)، وبلا نسبة في المخصص ٧/ ١٢٣.","vol":"4","page":502},{"text":"يبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء، وهم يعترفون أنها عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فقال تعالى منكرا عليهم: أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] الآية، قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: يقول لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني، فذلك قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ وقال في الرواية الأخرى عنه: فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم. وقال مجاهد في هذه الآية: هذا مثل الآلهة الباطلة، وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته وفي فراشه، فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحق أن ينزه منك.\nوقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي أنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، فجحدوا نعمته، وأشركوا معه غيره. وعن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ هذه الرسالة إلى أبي موسى الأشعري: واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق بلاء يبتلي به كلا، فيبتلي من بسط له كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1004>[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]</span>\n﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾\nيذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا، وجعل الإناث أزواجا للذكور، ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد البنين، قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك وابن زيد، قال شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: بنين وحفدة، وهم الولد وولد الولد (^١). وقال سنيد: حدثنا حجاج عن أبي بكر عن عكرمة عن ابن عباس قال: بنوك حيث يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك، قال جميل: [الكامل] حفد الولائد حولهن وأسلمت … بأكفّهنّ أزمة الإجمال (^٢)\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٦١٩.\n(^٢) البيت للفرزدق في زيادات الطبعة الأولى من جمهرة اللغة ص ٥٠٤، الهامش، وليس في ديوانه، ولجميل بثينة في ملحق ديوانه ص ٢٤٦، وبلا نسبة في لسان العرب (حفد)، وجمهرة اللغة ص ٥٠٤، وكتاب العين ٣/ ١٨٥، ونسبة الطبري في تفسيره ٧/ ٦١٩ لحميد، والبيت ليس في ديوانه حميد بن ثور.","vol":"4","page":503},{"text":"وقال مجاهد: بنين وحفدة ابنه وخادمه وقال في رواية: الحفدة الأنصار والأعوان والخدام، وقال طاوس وغير واحد: الحفدة الخدم. وكذا قال قتادة وأبو مالك والحسن البصري. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال: الحفدة من خدمك من ولدك وولد ولدك (^١)، قال الضحاك: إنما كانت العرب تخدمها بنوها. وقال العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ يقول: بنو امرأة الرجل ليسوا منه، ويقال: الحفدة الرجل يعمل بين يدي الرجل. يقال: فلان يحفد لنا أي يعمل لنا، قال:\nوزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل، وهذا الأخير الذي ذكره ابن عباس، قاله ابن مسعود ومسروق وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والقرظي، ورواه عكرمة عن ابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الأصهار.\nقال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفدة، وهو الخدمة الذي منه قوله في القنوت: وإليك نسعى ونحفد، ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والخدم والأصهار، فالنعمة حاصلة بهذا كله، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾.\nقلت: فمن جعل ﴿وَحَفَدَةً﴾ متعلقا بأزواجكم، فلا بد أن يكون المراد الأولاد وأولاد الأولاد والأصهار، لأنهم أزواج البنات أو أولاد الزوجة، وكذا قال الشعبي والضحاك، فإنهم يكونون غالبا تحت كنف الرجل وفي حجرة وفي خدمته، وقد يكون هذا هو المراد من قوله ﵊ في حديث نضرة بن أكثم «والولد عبد لك» (^٢) رواه أبو داود. وأما من جعل الحفدة الخدم، فعنده أنه معطوف على قوله: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ أي جعل لكم الأزواج والأولاد خدما.\nوقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي من المطاعم والمشارب. ثم قال تعالى منكرا على من أشرك في عبادة المنعم غيره: ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهم الأنداد والأصنام ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ أي يسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره. وفي الحديث الصحيح «إن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتنا عليه: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟» (^٣).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٦١٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في النكاح باب ٣٧.\n(^٣) أخرجه مسلم في الزهد حديث ١٦، والترمذي في القيامة باب ٦، وأحمد في المسند ٢/ ٤٩٢، ٤/ ٣٧٨، ٣٧٩.","vol":"4","page":504},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1005>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]</span>\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن المشركين الذين عبدوا معه غيره مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق، وحده لا شريك ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا، أي لا يقدر على إنزال مطر ولا إنبات زرع ولا شجر، ولا يملكون ذلك لأنفسهم، أي ليس لهم ذلك، ولا يقدرون عليه لو أرادوه، ولهذا قال تعالى:\n﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ أي لا تجعلوا له أندادا وأشباها وأمثالا ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1006>[سورة النحل (١٦): آية ٧٥]</span>\n﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير، فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر والمرزوق الرزق الحسن، فهو ينفق منه سرا وجهرا هو المؤمن، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى، فهل يستوي هذا وهذا؟ ولما كان الفرق بينهما ظاهرا واضحا بينا لا يجهله إلا كل غبي قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1007>[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]</span>\n﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾\nقال مجاهد: وهذا أيضا المراد به الوثن والحق تعالى يعني أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء بالكلية، فلا مقال ولا فعال، وهو مع هذا كل أي عيال وكلفة على مولاه ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ أي يبعثه ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ ولا ينجح مسعاه ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ من هذه صفاته ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي بالقسط، فمقاله حق وفعاله مستقيمة ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقيل: الأبكم مولى لعثمان، وبهذا قال السدي وقتادة وعطاء الخراساني، واختار هذا القول ابن جرير.\nوقال العوفي عن ابن عباس: هو مثل للكافر والمؤمن أيضا كما تقدم، وقال ابن جرير (^١):\nحدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا حماد حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم عن إبراهيم عن عكرمة، عن يعلى بن أمية عن ابن عباس في قوله:\n﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ قال: نزلت في رجل من قريش وعبده، يعني قوله ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ الآية، وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ﴾ -إلى قوله-\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٦٢٤.","vol":"4","page":505},{"text":"﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: هو عثمان بن عفان: قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأت بخير، قال: هو مولى لعثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-1008>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]</span>\n﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾\nيخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السموات والأرض واختصاصه بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء، وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، كما قال:\n﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] أي فيكون ما يريد كطرف العين، وهكذا قال هاهنا: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كما قال:\n﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].\nثم ذكر تعالى منته على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ثم بعد هذا يرزقهم السمع الذي به يدركون الأصوات والأبصار التي بها يحسون المرئيات والأفئدة، وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده. وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه.\nكما جاء في صحيح البخاري (^١) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول تعالى:\nمن عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه».\nفمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله ﷿، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله أي ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله ﷿،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣٨، وأحمد في المسند ٦/ ٢٥٦.","vol":"4","page":506},{"text":"مستعينا بالله في ذلك كله، ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح بعد قوله ورجله التي يمشي بها «فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٣ - ٢٤].\nثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء، ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى التي جعل فيها قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها ويسير الطير كذلك، كما قال تعالى في سورة الملك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] وقال هاهنا: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1009>[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٠ إلى ٨٣]</span>\n﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)﴾\nيذكر ﵎ تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضا ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا﴾ أي من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر، ولهذا قال: ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها﴾ أي الغنم، ﴿وَأَوْبارِها﴾ أي الإبل، ﴿وَأَشْعارِها﴾ أي المعز، والضمير عائد على الأنعام ﴿أَثاثًا﴾ أي تتخذون منه أثاثا وهو المال، وقيل: المتاع، وقيل: الثياب، والصحيح أعم من هذا كله فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالا وتجارة، وقال ابن عباس: الأثاث المتاع، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطية العوفي وعطاء الخراساني والضحاك وقتادة. وقوله: ﴿إِلى حِينٍ﴾ أي إلى أجل مسمى ووقت معلوم.\nوقوله: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ قال قتادة: يعني الشجر ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا﴾ أي حصونا ومعاقل، كما ﴿جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وهي الثياب من القطن والكتان والصوف ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ هكذا فسره","vol":"4","page":507},{"text":"الجمهور، وقرءوه بكسر اللام من ﴿تُسْلِمُونَ﴾ أي من الإسلام.\nوقال قتادة في قوله: ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ هذه السورة تسمى سورة النعم. وقال عبد الله بن المبارك وعباد بن العوام عن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها (تسلمون) بفتح اللام، يعني من الجراح، رواه أبو عبيد القاسم بن سلام عن عباد، أخرجه ابن جرير (^١) من الوجهين، ورد هذه القراءة.\nوقال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى:\n﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا﴾ وما جعل من السهل أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾ لعجبهم من ذلك وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وما تقي من البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر (^٢).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي بعد هذا البيان وهذا الامتنان، فلا عليك منهم ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد أديته إليهم ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ أي يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك وهو المتفضل به عليهم ومع هذا ينكرون ذلك ويعبدون معه غيره ويسندون النصر والرزق إلى غيره ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مجاهد أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فسأله، فقرأ عليه رسول الله ﷺ ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ فقال الأعرابي:\nنعم، قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا﴾ الآية، قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه كل ذلك، يقول الأعرابي: نعم حتى بلغ ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فولى الأعرابي، فأنزل الله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1010>[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٨]</span>\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾\nيخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمة شهيدا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٦٢٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٦٢٨، ٦٢٩.","vol":"4","page":508},{"text":"وهو نبيها، يشهد عليها بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي في الاعتذار، لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كقوله: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] فلهذا قال: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي الذين أشركوا ﴿الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة.\n﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يؤخر عنهم بل يأخذهم سريعا من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلها آخر وبكذا وبكذا، وتذكر أصنافا من الناس، كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتلتقطهم من الموقف كما يلتقط الطائر الحب، قال الله تعالى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا، وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩ - ٤٠].\nثم أخبر تعالى عن تبري آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها فقال: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ أي الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ﴿قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي قالت لهم الآلهة: كذبتم ما نحن أمرناكم بعبادتنا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢] وقال الخليل ﵊ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥] الآية، وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الكهف: ٥٢] الآية، والآيات في هذا كثيرة.\nوقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قال قتادة وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ، أي استسلموا لله جميعهم فلا أحد إلا سامع مطيع، وكقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] أي ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ، وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآية، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أي خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت. وقوله ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير.","vol":"4","page":509},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا﴾ الآية، أي عذابا على كفرهم وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] أي ينهون الناس عن اتباعه ويبتعدون هم منه أيضا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله في قول الله: ﴿زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ﴾ قال:\nزيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال. وحدثنا شريح بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا الأعمش عن الحسن، عن ابن عباس في الآية أنه قال: ﴿زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ﴾ قال: هي خمسة أنهار تحت العرش يعذبون ببعضها في الليل وببعضها في النهار.\n\n<span data-type='title' id=toc-1011>[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]</span>\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾\nيقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا ﷺ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ﴾ يعني أمتك، أي اذكر ذلك اليوم وهوله، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع، وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله ﷺ صدر سورة النساء، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فقال له رسول الله ﷺ: «حسبك» فقال ابن مسعود ﵁: فالتفت فإذا عيناه تذرفان (^١).\nوقوله: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن مسعود: قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء. وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم ﴿وَهُدىً﴾ أي للقلوب ﴿وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وقال الأوزاعي: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي:\nبالسنة.\nووجه اقتران قوله: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ مع قوله: ﴿وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ﴾ أن المراد-والله أعلم-إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك عن ذلك يوم القيامة ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤، باب ٩، وفضائل القرآن باب ٣٣، ومسلم في المسافرين حديث ٢٤٧، ٢٤٨، وأحمد في المسند ١/ ٣٧٤، ٣٨٠، ٤٣٣.","vol":"4","page":510},{"text":"﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه ومعيدك يوم القيامة وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو متجه حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1012>[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾\nيخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال:\n﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وقال سفيان بن عيينة، العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته.\nوقوله: ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ أي يأمر بصلة الأرحام، كما قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]. وقوله: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ فالفواحش المحرمات، والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها، ولهذا قال في الموضع الآخر: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وأما البغي فهو العدوان على الناس، وقد جاء في الحديث «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» (^١).\nوقوله: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أي يأمركم بما يأمركم به من الخير وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال الشعبي عن شتير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ الآية، رواه ابن جرير (^٢)، وقال سعيد عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ الآية ليس من خلق حسن، كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم، إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها. (قلت) ولهذا جاء في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٤٣، والترمذي في القيامة باب ٥٧، وابن ماجة في الزهد باب ٢٣، وأحمد في المسند ٥/ ٣٦، ٣٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٦٣٥.","vol":"4","page":511},{"text":"الحديث «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها».\nوقال الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة: حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي، حدثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم، حدثنا الحسن بن داود المنكدري، حدثنا عمر بن علي المقدمي عن علي بن عبد الله بن عمير، عن أبيه، قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ فأراد أن يأتيه، فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه، قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان فأتيا النبي ﷺ فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت، وما أنت؟ فقال النبي ﷺ: «أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا؟ فأنا عبد الله ورسوله» قال: ثم تلا عليهم هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ الآية، قالوا: اردد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب وسطا في مضر-أي شريفا-وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا أذنابا.\nوقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالس إذ مر به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله فقال له رسول الله ﷺ: «ألا تجلس؟» فقال:\nبلى، قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر.\nفلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى إلى السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، فقال: يا محمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة، فقال: «وما رأيتني فعلت؟» قال:\nرأيتك شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك، قال: «وفطنت لذلك؟» فقال عثمان: نعم، قال رسول الله ﷺ: «أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس» قال: رسول الله؟ قال «نعم»، قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ الآية، قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا ﷺ، إسناد جيد متصل حسن قد بين فيه السماع المتصل، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرا.\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣١٨.","vol":"4","page":512},{"text":"حديث آخر عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك، قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا هريم عن ليث عن شهر بن حوشب، عن عثمان بن أبي العاص قال:\nكنت عند رسول الله ﷺ جالسا إذ شخص بصره فقال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ الآية، وهذا إسناد لا بأس به، ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1013>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩١ إلى ٩٢]</span>\n﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾\nهذا مما يأمر الله تعالى به، وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان المؤكدة، ولهذا قال: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ ولا تعارض بين هذا وبين قوله:\n﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] الآية، وبين قوله تعالى: ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي لا تتركوها بلا كفارة، وبين قوله ﵇ فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه ﵊ قال «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها-وفي رواية-وكفرت عن يميني» (^٢) لا تعارض بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة هاهنا، وهي قوله: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع، ولهذا قال مجاهد في قوله ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ يعني الحلف، أي حلف الجاهلية.\nويؤيد ما رواه الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الله بن محمد-هو ابن أبي شيبة-حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا. هو ابن أبي زائدة-عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة» (^٤) وكذا رواه مسلم عن ابن أبي شيبة به. ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢١٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأيمان باب ١، ٤، ومسلم في الأيمان حديث ٩.\n(^٣) المسند ٤/ ٨٣.\n(^٤) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٠٦.","vol":"4","page":513},{"text":"وأما ما ورد في الصحيحين عن عاصم الأحول عن أنس ﵁ أنه قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دورنا (^١)، فمعناه أنه آخى بينهم فكانوا يتوارثون به حتى نسخ الله ذلك، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا عبد الله بن موسى، أخبرنا أبو ليلى عن بريدة في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ قال: نزلت في بيعة النبي ﷺ، كان من أسلم بايع النبي ﷺ على الإسلام، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ البيعة لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا إسماعيل، حدثنا صخر بن جويرية عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد، ثم قال: أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر-إلا أن يكون الإشراك بالله-أن يبايع رجل رجلا على بيعة الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يدا ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون صيلم بيني وبينه» المرفوع منه في الصحيحين.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد حدثنا حجاج عن عبد الرحمن بن عباس عن أبيه، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير منفعة».\nوقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها. وقوله ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا﴾ قال عبد الله بن كثير والسدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده، وهذا القول أرجح وأظهر سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا.\nوقوله: ﴿أَنْكاثًا﴾ يحتمل أن يكون اسم مصدر، ﴿نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا﴾ أي أنقاضا، ويحتمل أن يكون بدلا عن خبر كان أي لا تكونوا أنكاثا جمع نكث من ناكث (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١٦، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٠٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٦٣٦.\n(^٣) المسند ٢/ ٤٨.\n(^٤) المسند ٥/ ٤٠٤.\n(^٥) النّكث، بالكسر: أن تنقض أخلاق الأكسية تغزل ثابتة، ونكث العهد: نقضه فانتكث، وتناكثوا عهودهم: تناقضوها.","vol":"4","page":514},{"text":"ولهذا قال بعده: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ أي خديعة ومكرا ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم، فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى، إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه، فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى.\nوقد قدمنا-ولله الحمد-في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد، فسار معاوية إليهم في آخر الأجل حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم، وهم غارون لا يشعرون، فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر يا معاوية وفاء لا غدر، سمعت رسول الله ﷺ يقول «من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها» فرجع معاوية ﵁ بالجيش، قال ابن عباس: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي أكثر، وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك وقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه.\nوقوله: ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني بالكثرة، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1014>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٣ إلى ٩٦]</span>\n﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾\nيقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] أي لوفق بينكم ولما جعل اختلافا ولا تباغض ولا شحناء ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، وهكذا قال هاهنا: ﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير. ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا أي خديعة ومكرا لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾.","vol":"4","page":515},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها، فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له، أي جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه وحفظ عهده رجاء موعوده، ولهذا قال:\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه ﴿وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ أي وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له، فإنه دائم لا يحول ولا يزول ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قسم من الرب تعالى مؤكد باللام، أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي ويتجاوز عن سيئها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1015>[سورة النحل (١٦): آية ٩٧]</span>\n﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾\nهذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ من ذكر أو أنثى، من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فسرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أنها هي السعادة. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة. وقال الضحاك:\nهي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضا: هي العمل بالطاعة والانشراح بها، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله.\nكما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن أبي شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه» (^٢)، ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقري به.\nوروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ عن أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قد أفلح من هدي للإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع به» (^٣).\nوقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٦٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١٢٥، وابن ماجة في الزهد باب ٩.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٥، وابن ماجة في الزهد باب ٤.","vol":"4","page":516},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد حدثنا همام عن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا»، انفر بإخراجه مسلم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1016>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٨ إلى ١٠٠]</span>\n﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾\nهذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه ﷺ إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة.\nوالمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته، ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه، وقال آخرون: معناه لا حجة له عليهم. وقال آخرون كقوله: ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال مجاهد:\nيطيعونه، وقال آخرون: اتخذوه وليا من دون الله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي أشركوا في عبادة الله تعالى. أي أشركوه في عبادة الله، ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى. وقال آخرون: معناه أنه شركهم في الأموال والأولاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1017>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]</span>\n﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾\nيخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٢٣.\n(^٢) كتاب المنافقين حديث ٥٦.","vol":"4","page":517},{"text":"لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي كذاب، وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقال مجاهد: ﴿بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ أي رفعناها وأثبتنا غيرها، وقال قتادة: هو كقوله تعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾ (^١) [البقرة: ١٠٦] الآية، فقال تعالى مجيبا لهم ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أي جبريل ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالصدق والعدل ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيصدقوا بما أنزل أولا وثانيا، وتخبت له قلوبهم ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي وجعله هاديا وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1018>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمدا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه، فلهذا قال الله تعالى: رادا عليهم في افترائهم ذلك ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي القرآن، أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني أرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (^٢): كان رسول الله ﷺ-فيما بلغني-كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وكذا قال عبد الله بن كثير، وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلم قينا بمكة، وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.\nوقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية مكية،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٦٤٧.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٦٤٨.","vol":"4","page":518},{"text":"وسلمان إنما أسلم بالمدينة، وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما فكان النبي ﷺ يمر بهما فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية (^١). وقال الزهري عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ فارتد بعد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة، قبحه الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1019>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)﴾\nيخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره وتغافل عما أنزله على رسوله ﷺ ولم يكن له قصد إلى الايمان بما جاء من عند الله، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الايمان بآياته وما أرسل به رسله في الدنيا، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة، ثم أخبر تعالى أن رسوله ﷺ ليس بمفتر ولا كذاب، لأنه إنما يفتري الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ شرار الخلق، ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ [النحل: ١٠٥] من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس، والرسول محمد ﷺ كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا، معروفا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد ﷺ، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله ﷺ كان فيما قال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1020>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٩]</span>\n﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)﴾\nأخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به، أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابا عظيما في الدار الآخرة، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئا ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئا فهم غافلون عما يراد\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٦٤٩.","vol":"4","page":519},{"text":"بهم، ﴿لا جَرَمَ﴾ أي لا بد ولا عجب أن من هذه صفته ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة-وأما قوله: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.\nوقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء معتذرا إلى النبي ﷺ، فأنزل الله هذه الآية. وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «كيف تجد قلبك»؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي ﷺ: «إن عادوا فعد».\nورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي ﷺ، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير، قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا بالإيمان، فقال «إن عادوا فعد»، وفي ذلك أنزل الله ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال ﵁ يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد، أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، ﵁ وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا ﵁ حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» وكنت أقاتلهم بقول رسول الله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن عباس، رواه البخاري (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٦٥١.\n(^٢) المسند ١/ ٢١٧.\n(^٣) كتاب الاستتابة باب ٢.","vol":"4","page":520},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال:\nما هذا؟ قال: رجل كان يهوديا فأسلم، ثم تهود ونحن نريده على الإسلام منذ قال أحسبه شهرين، فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه، فضربت عنقه، فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال: «من بدل دينه فاقتلوه» وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر.\nوالأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله، كما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة أنه أسرته الروم، فجاؤوا به إلى ملكهم فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت، فقال: إذا أقتلك، فقال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر، وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت.\nوجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك بي، فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه ﵄.\n\n<span data-type='title' id=toc-1021>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٠ إلى ١١١]</span>\n﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾\nهؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر تعالى أنه من بعدها، أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٣١.","vol":"4","page":521},{"text":"﴿تُجادِلُ﴾ أي تحاج ﴿عَنْ نَفْسِها﴾ ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أي من خير وشر ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر، ولا يظلمون نقيرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1022>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]</span>\n﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣)﴾\nهذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنّا﴾ [القصص: ٥٧]، وهكذا قال هاهنا: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ أي هنيئا سهلا ﴿مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ أي جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد ﷺ إليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩] ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدا من كل مكان، وذلك لمّا استعصوا على رسول الله ﷺ وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه.\nوقوله: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفا من رسول الله ﷺ وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال حتى فتحها الله على رسوله ﷺ وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول ﷺ الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١] الآية، وقوله: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، فبدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنا، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم وسادتهم وقادتهم وأئمتهم، وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري ﵏.","vol":"4","page":522},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عبد الرحمن بن شريح أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه أنه سمع مشرح بن هاعان يقول: سمعت سليم بن عتر يقول: صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي ﷺ وعثمان ﵁ محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل؟ حتى رأت راكبين فأرسلت إليهما تسألهما فقالا: قتل، فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها القرية-تعني المدينة-التي قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ قال ابن شريح: وأخبرني عبيد الله بن المغيرة عمن حدثه أنه كان يقول إنها المدينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1023>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٤ إلى ١١٧]</span>\n﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب وبشكره على ذلك فإنه المنعم المتفضل به ابتداء الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم من الميتة والدم ولحم الخنزير ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ أي ذبح على غير اسم الله، ومع هذا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إليه أي احتاج من غير بغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية عن إعادته، ولله الحمد.\nثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك، مما كان شرعا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه، وما في قوله: ﴿لِما تَصِفُ﴾ مصدرية، أي ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم، ثم توعد على ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠].\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٦٥٥.","vol":"4","page":523},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1024>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]</span>\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾\nلما ذكر تعالى أنه إنما حرم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وإنما أرخص فيه عند الضرورة-وفي ذلك توسعة لهذه الأمة التي يريد الله بها اليسرى ولا يريد بها العسرى-ذكر ﷾ ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ -إلى قوله- ﴿لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦].\nولهذا قال هاهنا: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أي فيما ضيقنا عليهم ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي فاستحقوا ذلك، كقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] ثم أخبر تعالى تكرما وامتنانا في حق العصاة المؤمنين أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل ﴿ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أي أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي وأقبلوا على فعل الطاعات ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ أي تلك الفعلة والزلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1025>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٣]</span>\n﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾\nيمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين ومن اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ فأما الأمة: فهو الإمام الذي يقتدى به، والقانت: هو الخاشع المطيع، والحنيف: المنحرف قصدا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت، فقال: الأمة معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله، وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم، وقال الأعمش عن يحيى بن الجزار عن أبي العبيدين أنه جاء إلى عبد الله فقال:\nمن نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رق له، فقال: أخبرني عن الأمة، فقال: الذي يعلم الناس الخير.","vol":"4","page":524},{"text":"وقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، وقال إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله ورسوله، وكذلك كان معاذ. وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، أخرجه ابن جرير (^١).\nوقال مجاهد: أمة أي أمة وحده، والقانت المطيع وقال مجاهد أيضا: كان إبراهيم أمة أي مؤمنا وحده والناس كلهم إذ ذاك كفار. وقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت المطيع لله.\nوقوله: ﴿شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي قائما بشكر نعم الله عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم: ٣٧] أي قام بجميع ما أمره الله تعالى به.\nوقوله: ﴿اِجْتَباهُ﴾ أي اختاره واصطفاه كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، ثم قال: ﴿وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي. وقوله: ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أي جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أي لسان صدق.\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كقوله في الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] ثم قال تعالى منكرا على اليهود.\n\n<span data-type='title' id=toc-1026>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]</span>\n﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾\nلا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوما من الأسبوع يجتمع الناس فيه للعبادة فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة واجتمعت فيه وتمت النعمة على عباده، ويقال: إن الله تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى فعدلوا عنه، واختاروا السبت لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه مع أمره إياهم بمتابعة محمد ﷺ إذا بعثه وأخذه مواثيقهم وعهودهم على ذلك، ولهذا قال تعالى:\n﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال مجاهد: اتبعوه وتركوا الجمعة (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٧/ ٦٦٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٦٦٢.","vol":"4","page":525},{"text":"ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به حتى بعث الله عيسى ابن مريم، فيقال: إنه حولهم إلى يوم الأحد، ويقال إنه لم يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها، وإنه لم يزل محافظا على السبت حتى رفع، وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد مخالفة لليهود، وتحولوا إلى الصلاة شرقا عن الصخرة، والله أعلم.\nوقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع:\nاليهود غدا والنصارى بعد غد» (^١) لفظ البخاري.\nوعن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، والمقضى بينهم قبل الخلائق» (^٢) رواه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1027>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٥]</span>\n﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله محمدا ﷺ أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة. قال ابن جرير (^٣):\nوهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى، وقوله: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى:\n﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] الآية، فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤].\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية، أي قد علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ منه، فادعهم إلى الله ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات، فإنه ليس عليك هداهم إنما أنت نذير عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأيمان باب ١، ومسلم في الجمعة حديث ١٩، ٢١.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجمعة حديث ٢٢.\n(^٣) تفسير الطبري ٧/ ٦٦٣.","vol":"4","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1028>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٨]</span>\n﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ (١٢٦) وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾\nيأمر تعالى بالعدل في القصاص والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد، عن ابن سيرين أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إن أخذ منكم رجل شيئا فخذوا مثله، وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير. وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين فأسلم رجال ذوو منعة فقالوا: يا رسول الله لو أذن الله لنا لا تنصرنا من هؤلاء الكلاب. فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.\nوقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد حين قتل حمزة ﵁ ومثل به، فقال رسول الله ﷺ: «لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلا منهم» فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة، وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم.\nوقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب ﵁ حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه، أو قال لقلبه، فنظر إليه وقد مثل به، فقال:\n«رحمة الله عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع-أو كلمة نحوها-أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك».\nفنزل جبريل ﵇ على محمد ﷺ بهذه السورة وقرأ ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر الآية، فكفر رسول الله ﷺ يعني عن يمينه وأمسك عن ذلك، وهذا إسناد فيه ضعف، لأن صالحا هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث، وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم لنمثلن بهم فأنزل الله فيهم ذلك.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا هدية بن عبد الوهاب المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب","vol":"4","page":527},{"text":"قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربينّ عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى مناد: إن رسول الله ﷺ قد أمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا-ناسا سماهم-فأنزل الله ﵎ ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة، فقال رسول الله ﷺ: «نصبر ولا نعاقب» (^١).\nوهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل كما في قوله: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠] الآية. وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ ثم قال ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثم قال ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾ تأكيد للأمر بالصبر وإخبار بأن ذلك لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته، ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي على من خالفك فإن الله قدر ذلك ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ أي غم ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أي مما يجهدون أنفسهم في عداوتك وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ومظفرك بهم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه وهذه معية خاصة كقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وقوله لموسى وهارون: ﴿لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه: ٤٦] وقول النبي ﷺ للصديق وهما في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] وأما المعية العامة فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧] وكما قال تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس: ٦١] الآية، ومعنى ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي تركوا المحرمات، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم وينصرهم ويؤيدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا مسعر عن عون عن محمد بن حاطب:\nكان عثمان ﵁ من الذين اتقوا والذين هم محسنون.\n\nآخر تفسير سورة النحل، ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٣٥.","vol":"4","page":528},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1029>تفسير سورة الإسراء</span>\nوهي مكية\nقال الإمام الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، سمعت ابن مسعود ﵁ قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: انهن من العتاق الأول (^١) وهن من تلادي (^٢). وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد عن مروان عن أبي لبابة، سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر.\n\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1030>[سورة الإسراء (١٧): آية ١]</span>\n﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾\nيمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره ولا رب سواه، ﴿الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ يعني محمدا ﷺ ﴿لَيْلًا﴾ أي في جنح الليل ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ وهو مسجد مكة ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ وهو بيت المقدس الذي بإيلياء (^٤) معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا جمعوا له هناك كلهم فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ أي في الزروع والثمار ﴿لِنُرِيَهُ﴾ أي محمدا ﴿مِنْ آياتِنا﴾ أي العظام. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ [سورة النجم الآية ١٨]\nوسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه ﷺ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي\n_________\n(^١) العتاق: جمع عتيق، وهو القديم، والعتاق الأول: أي السور التي أنزلت أولا بمكة، وأنها أول ما تعلمه ص من القرآن.\n(^٢) التالد: القديم. والحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٧ باب ١. وفضائل القرآن باب ٦.\n(^٣) المسند ٦/ ١٨٩.\n(^٤) إيلياء: القدس وهما اسمان للمدينة التي بها المسجد الأقصى.","vol":"5","page":3},{"text":"السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم فيعطي كلا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1031>(ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء:</span><span data-type='title' id=toc-1032> رواية أنس بن مالك ﵁</span>\nقال الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان-هو ابن بلال-عن شريك بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم:\nأيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه-وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم-فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته (^١) حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشو إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده -يعني عروق حلقه-ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا، يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم فقال: مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: «ما هذان النهران يا جبريل؟» قال: هذان النيل والفرات عنصرهما.\nثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأه لك ربك.\nثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الملائكة الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا:\nمرحبا به وأهلا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله\n_________\n(^١) لبّته: اللبة: بفتح اللام: موضع النحر.","vol":"5","page":4},{"text":"تعالى، فقال موسى: رب لم أظن أن يرفع علي أحد، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ﷿ حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة.\nثم هبط به حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال:\n«عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة» قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تعالى وتقدس فقال وهو في مكانه: «يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا» فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يرده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل.\nفرفعه عند الخامسة فقال «يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا» فقال الجبار ﵎: يا محمد. قال «لبيك وسعديك» قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال «خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها» قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا. قال رسول الله ﷺ: «يا موسى قد والله استحييت من ربي ﷿ مما أختلف إليه» قال: فاهبط باسم الله.\nقال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام (^١).\nهكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد، ورواه في صفة النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد عن سليمان بن بلال. ورواه مسلم عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن سليمان قال فزاد ونقص وقدم وأخر، وهو كما قال مسلم فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه كما سيأتي بيانه إن شاء الله في الأحاديث الأخر، ومنهم من يجعل هذا مناما توطئة لما وقع بعد ذلك والله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي في حديث شريك زيادة تفرد بها، على مذهب من زعم أنه ﷺ رأى الله ﷿ يعني قوله، ﴿ثُمَّ دَنا﴾ الجبار رب العزة ﴿فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٥، والتوحيد باب ٣٧، ومسلم في الإيمان حديث ٢٦٣.","vol":"5","page":5},{"text":"قال وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح، وهذا الذي قاله البيهقي ﵀ في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذر قال:\nيا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه» وفي رواية: «رأيت نورا» أخرجه مسلم (^١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ إنما هو جبريل ﵇، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبت فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن فقال جبريل: أصبت الفطرة. قال: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل له من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال:\nمحمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير.\nثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت. قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت قال: جبريل فقيل ومن معك فقال محمد فقيل وقد أرسل له قال قد أرسل له ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال:\nمحمد، فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير ثم يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾.\nثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل، فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﵇، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل\n_________\n(^١) كتاب الإيمان حديث ٢٩١.\n(^٢) المسند ٣/ ١٤٨، ١٤٩.","vol":"5","page":6},{"text":"فقيل من أنت؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد. فقيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها.\nقال: فأوحى الله إلي ما أوحى، وقد فرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، قال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال فرجعت إلى ربي فقلت أي رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال ما فعلت؟ فقلت قد حط عني خمسا فقال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحطّ عني خمسا خمسا حتى قال: يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن علمها كتبت عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعلمها لم تكتب، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت» ورواه مسلم (^١) عن شيبان بن فروخ عن حماد بن سلمة بهذا السياق، وهو أصح من سياق شريك.\nقال البيهقي: وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به ﵊ من مكة إلى بيت المقدس، وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه، فاستصعب عليه فقال له جبريل: ما يحملك على هذا فوالله ما ركبك قط أكرم على الله منه؟ قال: فارفض عرقا (^٣)، ورواه الترمذي (^٤) عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق، وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه.\nوقال أحمد أيضا (^٥): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعيد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما عرج بي إلى ربي ﷿\n_________\n(^١) كتاب الإيمان حديث ٢٥٩.\n(^٢) المسند ٣/ ١٦٤.\n(^٣) ارفض عرقا: أي جرى عرقه وسال.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٧، باب ٢.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٢٤.","vol":"5","page":7},{"text":"مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» وأخرجه أبو داود (^١) من حديث صفوان بن عمرو به، ومن وجه آخر ليس فيه أنس، فالله أعلم، وقال أيضا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن سليمان التيمي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «مررت ليلة أسري بي على موسى ﵇ قائما يصلي في قبره» (^٢).\nورواه مسلم (^٣) من حديث حماد بن سلمة عن سليمان بن طرخان التيمي وثابت البناني، كلاهما عن أنس، قال النسائي: هذا أصح من رواية من قال سليمان عن ثابت عن أنس، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد عن التيمي عن أنس قال: أخبرني بعض أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ليلة أسري به، مر على موسى وهو يصلي في قبره، وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر عن أبيه قال:\nسمعت أنسا أن النبي ﷺ ليلة أسري به مر بموسى وهو يصلي في قبره، قال أنس ذكر أنه حمل على البراق فأوثق الدابة أو قال الفرس. قال أبو بكر: صفها لي، فقال رسول الله ﷺ: «هي كذه وذه» فقال: أشهد أنك رسول الله. وكان أبو بكر ﵁ قد رآها.\nوقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم إذ جاء جبريل ﵇ فوكز بين كتفي فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير، فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب طرفي ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلى جبريل كأنه حلس لاط (^٤) فعرفت فضل علمه بالله علي، وفتح لي باب من أبواب السماء فرأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحى» ثم قال ولا نعلم روى هذا الحديث إلا أنس ولا نعلم رواه عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلا مشهورا من أهل البصرة.\nورواه الحافظ البيهقي في الدلائل عن أبي بكر القاضي عن أبي جعفر محمد بن علي بن دحيم عن محمد بن الحسين بن أبي الحسين، عن سعيد بن منصور فذكره بسنده مثله ثم قال وقال غيره في هذا الحديث في آخره ولط دوني، أو قال دون الحجاب رفرف الدر والياقوت، ثم قال هكذا رواه الحارث بن عبيد ورواه حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن محمد بن\n_________\n(^١) كتاب الأدب باب ٣٥.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٢٠.\n(^٣) كتاب الفضائل حديث ١٦٤.\n(^٤) الحلس، بكسر فسكون: الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، ولط بالأمر يلطه لطا: لزمه.","vol":"5","page":8},{"text":"عمير بن عطارد، أن النبي ﷺ كان في ملإ من أصحابه فجاءه جبريل فنكت في ظهره، فذهب به إلى الشجرة وفيها مثل وكري الطير، فقعد في أحدهما وقعد جبريل في الآخر فنشأت بنا حتى بلغت الأفق، فلو بسطت يدي إلى السماء لنلتها فدلى بسبب وهبط إلى النور فوقع جبريل مغشيا عليه كأنه حلس، فعرفت فضل خشيته على خشيتي فأوحي إلي نبيا ملكا أو نبيا عبدا وإلى الجنة ما أنت، فأومأ إليّ جبريل وهو مضطجع أن تواضع قال قلت لا بل نبيا عبدا.\nقلت: وهذا إن صح يقتضي أنها واقعة غير ليلة الإسراء، فإنه لم يذكر فيها بيت المقدس ولا الصعود إلى السماء فهي كائنة غير ما نحن فيه، والله أعلم وقال البزار أيضا: حدثنا عمرو بن عيسى حدثنا أبو بحر، حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس أن محمدا ﷺ رأى ربه ﷿، وهذا غريب.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا يونس، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن أنس بن مالك قال: لما جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ بالبراق فكأنها حركت ذنبها، فقال لها جبريل مه يا براق فوالله ما ركبك مثله، وسار رسول الله ﷺ فإذا هو بعجوز على جانب الطريق فقال:\n«ما هذه يا جبريل؟» قال: سر يا محمد، قال فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه منتحيا عن الطريق فقال هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد فسار ما شاء الله أن يسير، قال فلقيه خلق من خلق الله فقالوا السلام عليك [يا أول]، السلام عليك [يا آخر]، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل اردد السلام يا محمد فرد السلام، ثم لقيه الثانية فقال له مثل مقالته الأولى ثم الثالثة كذلك، حتى انتهى إلى بيت المقدس فعرض عليه الخمر والماء واللبن فتناول رسول الله ﷺ اللبن، فقال له جبريل أصبت الفطرة ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت ولغوت أمتك، ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء ﵈ فأمهم رسول الله ﷺ تلك الليلة. ثم قاله له جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا كما بقي من عمر تلك العجوز. وأما الذي أراد أن تميل إليه فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن وهب. وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة.\n[طريق أخرى] عن أنس بن مالك، وفيها غرابة ونكارة جدا وهي في سنن النسائي والمجتبى (^٢) ولم أرها في الكبير قال: حدثنا عمرو بن هشام، حدثنا مخلد هو ابن الحسين عن سعيد بن عبد العزيز، حدثنا يزيد بن أبي مالك حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:\n«أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل عليه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٧.\n(^٢) كتاب الصلاة باب ١.","vol":"5","page":9},{"text":"السلام فسرت فقال انزل فصلّ فصليت فقال أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة، ثم قال انزل فصل فصليت فقال أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى، ثم قال انزل فصل فصليت، فقال أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇، ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء ﵈ فقدمني جبريل ﵇ حتى أممتهم ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى ﵉، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فإذا فيها يوسف ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فإذا فيها هارون ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس ﵇.\nثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبراهيم ﵇، ثم صعد بي فوق سبع سموات وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة فخررت ساجدا فقيل لي إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك فرجعت بذلك حتى أمر بموسى ﵇، فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة، قال فإنك لا تستطيع أن تقوم بها لا أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرا، ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع فرجعت فخفف عني عشرا، ثم ردت إلى خمس صلوات، قال فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما، فرجعت إلى ربي ﷿ فسألته التخفيف، فقال إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين فقم بها أنت وأمتك، قال فعرفت أنها من الله ﷿ صرّي فرجعت إلى موسى ﵇ فقال ارجع فعرفت أنها من الله ﷿ صرّي-يقول أي حتم-فلم أرجع».\n[طريق أخرى] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، حمله جبريل عليها ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها، فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له باب محمد ﷺ أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل بإصبعه فثقبه، ثم ربطها ثم صعد فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ فقال «نعم» فقال فانطلق إلى أولئك النسوة، فسلم عليهن وهن جلوس عن يسار الصخرة، قال:\n«فأتيتهن فسلمت عليهن فرددن علي السلام فقلت من أنتن؟ فقلن: نحن خيرات حسان نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا. وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا، قال ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، قال فقمنا صفوفا ننتظر من","vol":"5","page":10},{"text":"يؤمنا فأخذ بيدي جبريل ﵇ فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد أتدري من صلى خلفك؟ -قال-قلت لا-قال صلى خلفك كل نبي بعثه الله ﷿.\nقال: ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء، فلما انتهينا إلى الباب استفتح فقالوا من أنت؟ قال أنا جبريل، قالوا ومن معك؟ قال محمد قالوا وقد بعث إليه؟ قال نعم-قال- ففتحوا له وقالوا مرحبا بك وبمن معك-قال-فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم، فقال لي جبريل يا محمد ألا تسلم على أبيك آدم-قال-قلت بلى، فأتيته فسلمت عليه فرد علي وقال مرحبا بابني الصالح والنبي الصالح-قال-ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فاستفتح فقالوا من أنت قال جبريل قالوا ومن معك قال محمد، قالوا وقد بعث إليه، قال نعم، ففتحوا له وقال مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها عيسى وابن خالته يحيى ﵉، -قال-ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قالوا من أنت؟ قال جبريل، قالوا ومن معك؟ قال محمد، قالوا وقد بعث إليه؟ قال نعم، ففتحوا له وقالوا مرحبا بك وبمن معك، فإذا فيها يوسف ﵇، ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح قالوا من أنت؟ قال جبريل، فقالوا ومن معك قال محمد قالوا وقد بعث إليه قال نعم-قال-ففتحوا له وقالوا مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها إدريس ﵇-قال-فعرج بي إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقالوا من أنت قال جبريل قالوا ومن معك قال محمد، قالوا وقد بعث إليه؟ قال نعم-قال-ففتحوا وقالوا مرحبا بك وبمن معك وإذا فيها هارون ﵇.\nثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقالوا من أنت، قال جبريل، قالوا ومن معك، قال محمد، قالوا وقد بعث إليه؟ قال نعم-قال-ففتحوا وقالوا مرحبا بك وبمن معك، وإذا فيها موسى ﵇، ثم عرج بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل فقالوا من أنت؟ قال جبريل، قالوا ومن معك؟ قال محمد، قالوا وقد بعث إليه؟ قال نعم ففتحوا له وقالوا مرحبا بك وبمن معك وإذا فيها إبراهيم ﵇ فقال جبريل يا محمد ألا تسلم على أبيك إبراهيم؟ قلت بلى، فأتيته فسلمت عليه فرد علي السلام وقال مرحبا بابني الصالح والنبي الصالح، ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير أخضر أنعم طير رأيت، فقلت يا جبريل إن هذا الطير لنا عم قال يا محمد آكله أنعم منه، ثم قال يا محمد أتدري أي نهر هذا-قال-قلت لا، قال هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد ماؤه أشد بياضا من اللبن-قال-فأخذت من آنيته آنية من الذهب، فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك.\nثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة فغشيتني سحابة فيها من كل لون [فرفضني] جبريل وخررت ساجدا لله ﷿ فقال الله لي: يا محمد إني يوم خلقت السموات والأرض افترضت","vol":"5","page":11},{"text":"عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك-قال-ثم انجلت عني السحابة فأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعا، فأتيت على إبراهيم فلم يقل شيئا، ثم أتيت على موسى فقال ما صنعت يا محمد؟ فقلت فرض ربي علي وعلى أمتي خمسين صلاة. قال فلن تستطيعها أنت ولا أمتك فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك، فرجعت سريعا حتى انتهيت إلى الشجرة فغشيتني السحابة ورفضني جبريل وخررت ساجدا وقلت ربي إنك فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة ولن أستطيعها أنا ولا أمتي فخفف عنا، قال قد وضعت عنكم عشرا-قال-ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل-قال-فانصرفت سريعا حتى أتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئا، ثم أتيت على موسى فقال لي ما صنعت يا محمد؟ فقلت وضع عني ربي عشرا قال فأربعون صلاة لن تستطيعها أنت ولا أمتك فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم. فذكر الحديث كذلك إلى خمس صلوات وخمس بخمسين ثم أمره موسى أن يرجع فيسأله التخفيف فقال، «إني استحييت منه تعالى».\nقال ثم انحدر فقال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما لي لم آت أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا لي غير رجل واحد فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي ولم يضحك لي» قال:\nيا محمد ذاك مالك، خازن جهنم، لم يضحك منذ خلق ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك، قال ثم ركب منصرفا فبينا هو في بعض الطريق مر بعير لقريش تحمل طعاما، منها جمل عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم إنه مضى فأصبح فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر فقالوا يا أبا بكر هل لك في صاحبك؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ورجع في ليلته، فقال أبو بكر هل لك في صاحبك؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ورجع في ليلته، فقال أبو بكر ﵁ إن كان قاله فقد صدق وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا لنصدقه على خبر السماء فقال المشركون لرسول الله ﷺ ما علامة ما تقول قال مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا فنفرت الإبل منا واستدارت وفيها بعير عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء فصرع فانكسر فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله ﷺ ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق وسألوه وقالوا هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى؟ قال نعم قالوا فصفهم لنا قال: «أما موسى فرجل آدم كأنه من رجال أزد عمان، وأما عيسى فرجل ربعة سبط تعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان» (^١). هذا سياق فيه غرائب عجيبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1033>رواية أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة</span>\nقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك أن مالك بن صعصعة حدثه أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٠٨، ٢١٠.","vol":"5","page":12},{"text":"-وربما قال قتادة في الحجر-مضطجعا إذ أتاني آت، فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة -قال-فأتاني فقد-سمعت قتادة يقول فشق-ما بين هذه إلى هذه» وقال قتادة فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وقد سمعته يقول من قصته إلى شعرته قال: «فاستخرج قلبي-قال-فأتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا وحكمة فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض» قال فقال الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه.\nقال: «فحملت عليه فانطلق بي جبريل ﵇ حتى أتى بي إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه؟ قال نعم فقيل: مرحبا به ولنعم المجيء عليه-قال ففتح لنا فلما خلصت فإذا فيها آدم ﵇، قال هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا؟ فقال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل أو قد أرسل إليه؟ قال نعم قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء قال ففتح لنا، فلما خلصت فإذا عيسى ويحيى وهما ابنا الخالة، قال هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما -قال-فسلمت عليهما فردا السلام ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.\nثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح فقيل من هذا؟ فقال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل أو قد أرسل إليه؟ قال نعم قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء-قال-قال ففتح لنا، فلما خلصت فإذا إذا يوسف ﵇ قال هذا يوسف-قال-فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أو قد أرسل إليه؟ قال نعم قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء-قال-ففتح لنا فلما خلصت فإذا إدريس ﵇، قال هذا إدريس، قال فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.\n-قال-ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أو قد أرسل إليه؟ قال نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا هارون ﵇ قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.\n-قال-ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أو قد أرسل إليه؟ قال نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا بموسى ﵇ قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح-قال-فلما تجاوزته بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.","vol":"5","page":13},{"text":"قال ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أو قد بعث إليه؟ قال نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا إبراهيم ﵇ فقال هذا إبراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح-قال-ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال هذه سدرة المنتهى، قال وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات-قال-ثم رفع إلى البيت المعمور».\nقال قتادة: وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا ثم لا يعودون فيه.\nثم رجع إلى حديث أنس قال: «ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل.\n-قال-فأخذت اللبن قال هذه الفطرة أنت عليها وأمتك-قال-ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم-قال-فنزلت حتى أتيت موسى، فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قال فقلت خمسين صلاة كل يوم، قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة وإني خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك-قال-فرجعت فوضع عني عشرا-قال-فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت؟ قلت بأربعين صلاة كل يوم، قال إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.\n-قال-فرجعت فوضع عشرا أخر، فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت؟ فقلت أمرت بثلاثين صلاة، قال إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك-قال-فرجعت فوضع عني عشرا أخر، فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت؟ فقلت أمرت بعشرين صلاة كل يوم، قال إن أمتك لا تستطيع عشرين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.\n-قال-فرجعت فوضع عني عشرا أخر، فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت؟ فقلت أمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال إن أمتك لا تستطيع لعشر صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك-قال- فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قال أمرت بخمس صلوات كل يوم فقال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك-قال-قلت قد","vol":"5","page":14},{"text":"سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، فنفذت فنادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» (^١) وأخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة بنحوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1034>رواية أنس عن أبي ذر</span>\nقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغه في صدري، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء قال جبريل لخازن السماء: افتح قال: من هذا؟ قال: جبريل، قال هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ، فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح.\nقال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح، فقال له خازنها مثل ما قاله الأول، ففتح» قال أنس فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل والنبي ﷺ بإدريس.\nقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: إدريس، ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى، ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم. قال الزهري: فأخبرني ابن حزم عن أنّ ابن عباس هو وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان:\nقال النبي ﷺ «ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام».\nقال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى ﵇، فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت:\nفرض خمسين صلاة، قال موسى: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٦، ومناقب الأنصار باب ٤٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٩.","vol":"5","page":15},{"text":"ذلك، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك، قلت: قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جبال اللؤلؤ، وإذا ترابها من المسك» (^١) وهذا لفظ البخاري في كتاب الصلاة، ورواه في ذكر بني إسرائيل وفي الحج وفي أحاديث الأنبياء من طرق أخرى عن يونس به، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان منه عن حرملة عن ابن وهب عن يونس به نحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأى ربه؟ فقال: إني قد سألته، فقال: قد رأيته نورا أنّى أراه» هكذا قد وقع في رواية الإمام أحمد، وأخرجه مسلم (^٣) في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه». وعن محمد بن بشار عن معاذ بن هشام: حدثنا أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال:\nكنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: رأيت نورا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1035>رواية أنس عن أبي بن كعب الأنصاري ﵁</span>\nقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد المسيبي، حدثنا أنس بن عياض، حدثنا يونس بن يزيد قال: قال ابن شهاب: قال أنس بن مالك: كان أبي بن كعب يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جاء السماء الدنيا إذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه تبسم، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح.\nقال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصلاة باب ١، والأنبياء باب ٥، والتوحيد باب ٣٧، ومسلم في الإيمان حديث ٢٦٣.\n(^٢) المسند ٥/ ١٤٧.\n(^٣) كتاب الإيمان حديث ٢٩١.\n(^٤) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٢.","vol":"5","page":16},{"text":"نسم بنيه، فأهل يمينه هم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله هم أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى-قال-ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا، ففتح له» قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وإبراهيم وعيسى، ولم يثبت لي كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم ﵇ في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل ﵇ ورسول الله ﷺ بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال «قلت من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس-قال ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت من هذا؟ قال: موسى، ثم مررت بعيسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت من هذا؟ قال: هذا عيسى ابن مريم-قال-ثم مررت بإبراهيم، فقال:\nمرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم».\nقال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله ﷺ «ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع صريف الأقلام» قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ «فرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى أمر على موسى، فقال موسى: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة فقال لي موسى: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فقال:\nهي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، قال: فرجعت إلى موسى، فقال، راجع ربك فقلت: قد استحييت من ربي، قال: ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى، قال: فغشيها ألوان ما أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا فيها جبال اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» هكذا رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (^١)، وليس هو في شيء من الكتب الستة، وقد تقدم في الصحيحين من طريق يونس عن الزهري، عن أنس عن أبي ذر مثل هذا السياق سواء، فالله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1036>رواية بريدة بن الحصيب الأسلمي</span>\nقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له، قال: حدثنا أبو نميلة، حدثنا الزبير بن جنادة عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «لما كان ليلة أسري بي-قال-فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس-قال- فوضع إصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق» ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٤٣، ١٤٤.","vol":"5","page":17},{"text":"أبو نميلة، ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة، وقد رواه الترمذي (^١) في التفسير من جامعه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي به، وقال غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1037>رواية جابر بن عبد الله ﵁</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» (^٣) أخرجاه في الصحيحين من طرق عن حديث الزهري به.\nوقال البيهقي: حدثنا أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن رسول الله ﷺ حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه إبراهيم وموسى وعيسى، وأنه أتي بقدحين: قدح من لبن وقدح من خمر، فنظر إليهما، ثم أخذ قدح اللبن، فقال جبريل: أصبت هديت للفطرة، لو أخذت الخمر لغوت أمتك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى مكة فأخبر أنه أسري به فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه.\nوقال ابن شهاب: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: فتجهز، أو كلمة نحوها، ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟ فقال أبو بكر: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه بأن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال:\nنعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، قال أبو سلمة: فبها سمي أبو بكر الصديق.\nقال أبو سلمة: فسمعت جابر بن عبد الله ﵄ يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه».\n\n<span data-type='title' id=toc-1038>رواية حذيفة بن اليمان ﵁</span>\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو النضر، حدثنا سليمان عن شيبان، عن عاصم، عن زر بن\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٧، باب ٢.\n(^٢) المسند ٣/ ٣٧٧.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٧، باب ٣، ومسلم في الإيمان حديث ٢٧٦.\n(^٤) المسند ٥/ ٣٨٧، ٣٩٢، ٢٩٤.","vol":"5","page":18},{"text":"حبيش قال: أتيت على حذيفة بن اليمان ﵁، وهو يحدث عن ليلة أسري بمحمد ﷺ، وهو يقول: فانطلقا حتى أتينا بيت المقدس فلم يدخلاه، قال: قلت: بل دخله رسول الله ﷺ ليلتئذ وصلى فيه، قال: ما اسمك يا أصلع؟ فإني أعرف وجهك، ولا أدري ما اسمك، قال: قلت أنا زر بن حبيش، قال: فما علمك بأن رسول الله ﷺ صلى فيه ليلتئذ؟ قال: قلت القرآن يخبرني بذلك، قال: فمن تكلم بالقرآن فلج اقرأ، قال: فقلت: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ قال: يا أصلع، هل تجد صلى فيه؟ قلت: لا.\nقال: والله ما صلى فيه رسول الله ليلتئذ، لو صلى فيه لكتب عليكم صلاة فيه كما كتب عليكم صلاة في البيت العتيق، والله ما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء فرأيا الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع، ثم عادا عودهما على بدئهما، قال: ثم ضحك حتى رأيت نواجذه.\nقال: ويحدثونه أنه ربطه لا يفر منه، وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة، قلت: يا عبد الله، أي دابة البراق؟ قال: دابة أبيض طويل، هكذا خطوه مد البصر (^١). ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة، عن عاصم به. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث عاصم وهو ابن أبي النجود به. وقال الترمذي: حسن، وهذا الذي قاله حذيفة ﵁ وما أثبته غيره عن رسول الله ﷺ من ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة ببيت المقدس مما سبق وما سيأتي مقدم على قوله، والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1039>رواية أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري</span>\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو محمد راشد الحماني عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال له أصحابه: يا رسول الله، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها. قال: قال الله ﷿ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية: قال: فأخبرهم، قال: «فبينما أنا نائم عشاء في المسجد الحرام إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت فلم أر شيئا، فإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد الحرام، فإذا أنا بدابة أدنى شبها بدوابكم هذه، بغالكم هذه، غير أنه مضطرب الأذنين يقال له البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عند مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع من يميني: يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه ولم أقم عليه،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٧، باب ١٧.","vol":"5","page":19},{"text":"فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت:\nيا محمد، انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها.\nثم أتاني جبريل ﵇ بإناءين: أحدهما خمر والآخر لبن، فشربت اللبن وأبيت الخمر، فقال جبريل: أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك، فقلت: الله أكبر الله أكبر، فقال جبريل: ما أريت في وجهك هذا؟ قال: فقلت بينما أنا أسير إذا دعاني داع عن يميني: يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه، قال ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك-قال-فبينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري قال:\nيا محمد انظرني أسألك فلم ألتفت ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي النصارى أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك-قال-فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تقول: يا محمد انظرني أسألك فلم أجبها ولم أقم عليها، قال: تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها أو أقمت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة.\nقال: ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أتيت بالمعراج الذي كانت تعرج عليه أرواح بني آدم فلم ير الخلائق أحسن من المعراج أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج، قال:\nفصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب السماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنوده مائة ألف ملك.\nقال: قال الله ﷿: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] قال: فاستفتح جبريل باب السماء، قيل: من هذا؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم، فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله ﷿ على صورته، فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته من المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين، فمضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن عندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يأتون الحرام ويتركون الحلال.\nقال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، قال: فتفتح أفواههم فيلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون إلى الله ﷿ فقلت:\nمن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بنساء تعلقن","vol":"5","page":20},{"text":"بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله ﷿، قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك. قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر فيقول: اللهم لا تقم الساعة. قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلة فتطؤهم، قال فسمعتهم يضجون إلى الله-قال-قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون.\nقال: ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله ﷿ قد فضل الناس في الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه فرد عليّ.\nثم صعدنا إلى السماء الثالثة، واستفتح فإذا أنا بيحيى وعيسى ﵉، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما عليّ، ثم صعدنا إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا، فسلمت عليه فسلم عليّ.\nقال: ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ.\nثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم، كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله مني. قال: قلت يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ﵇ ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ.\nثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن، ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم خليل الرحمن ﵇ ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه فسلم عليّ. وإذا أنا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب سود قال-فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب السود وهم على خير، فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي.\nقال والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.\nقال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين","vol":"5","page":21},{"text":"تجري يقال لها سلسبيل فينشق منها نهران [أحدهما] الكوثر [والآخر] يقال له نهر الرحمة، فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر.\nقال إني رفعت إلى الجنة فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن حارثة، وإذا بأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وإذا رمانها كالدلاء عظما، وإذا أنا بطيرها كأنها بختكم هذه، فقال عندها ﷺ إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر-قال-ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، ولو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم أغلقت دوني.\nثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى. قال وينزل على كل ورقة منها ملك من الملائكة-قال-وفرضت علي خمسون صلاة، وقال لك بكل حسنة عشر، فإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشرا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة.\nثم رجعت إلى موسى فقال فيم أمرك ربك؟ فقلت: بخمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر، فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتى، فإنها أضعف الأمم، فوضع عني عشرا وجعلها أربعين، فما زلت أختلف بين موسى وربي كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالته، حتى رجعت إليه، فقال لي:\nبم أمرت؟ فقلت أمرت بعشر صلوات. قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي فقلت أي رب خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم فيوضع عني خمسا وجعلها خمسا فناداني ملك عندها تممت فريضتي وخففت عن عبادي وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها.\nثم رجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات. قال: ارجع إلى ربك فإنه لا يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك، فقلت: رجعت إلى ربي حتى استحييت. ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب: إني أتيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا، فقال أبو جهل يعني ابن هشام: ألا تعجبون مما قال محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا، فهذه مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال: فأخبرتهم بعير لقريش لما كنت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت وجدتها عند العقبة، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء، فقال رجل منهم: أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه وهيئته، وكيف قربه من الجبل، فإن يك محمد صادقا فسأخبركم وإن يك كاذبا فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك فقال: يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني: كيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل؟ قال فرفع لرسول الله ﷺ بيت المقدس من","vol":"5","page":22},{"text":"مقعده، فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته، قال: بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا، فقال الآخر: صدقت، فرجع إليهم فقال: صدق محمد فيما قال أو نحوا من هذا الكلام.\nوكذا رواه الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) بطوله عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور عن معمر عن أبي هارون العبدي، وعن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق عن معمر، عن أبي هارون العبدي به. ورواه أيضا من حديث ابن إسحاق حدثني روح بن القاسم عن أبي هارون به نحو سياقه المتقدم، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أحمد بن عبدة، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، فذكره بسياق طويل حسن أنيق، أجود مما ساقه غيره على غرابته وما فيه من النكارة. ثم ذكره البيهقي أيضا من رواية نوح بن قيس الحداني وهشيم ومعمر عن أبي هارون العبدي واسمه عمارة بن جوين وهو مضعف عند الأئمة، وإنما سقنا حديثه هاهنا لما فيه من الشواهد لغيره، ولما رواه البيهقي:\nأخبرنا الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزار، حدثنا أبو حامد بن بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يزيد بن أبي حكيم قال: رأيت في النوم رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، رجل من أمتك يقال له سفيان الثوري لا بأس به.\nفقال رسول الله «لا بأس به» حدثنا عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عنك يا رسول الله ليلة أسري بك، قلت رأيت في السماء، فحدثته بالحديث فقال لي «نعم» فقلت له: يا رسول الله إن ناسا من أمتك يحدثون عنك في السرى بعجائب؟ قال لي «ذلك حديث القصاص».\n\n<span data-type='title' id=toc-1040>رواية شداد بن أوس</span>\nقال الإمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم الأشعري عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي حدثنا الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير حدثنا شداد بن أوس قال: قلنا يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال «صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتما فأتاني جبريل ﵇ بدابة أبيض أو قال بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال اركب فاستصعب عليّ فرازها بأذنها ثم حملني عليها فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث انتهى طرفها حتى بلغنا أرضا ذات نخل فأنزلني فقال صل فصليت ثم ركبت فقال أتدري أين صليت؟ قلت الله أعلم، قال صليت بيثرب صليت بطيبة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ١٢ - ١٤.","vol":"5","page":23},{"text":"فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها عند منتهى طرفها ثم بلغنا أرضا قال انزل ثم قال صل فصليت ثم ركبنا فقال أتدري أين صليت؟ قلت الله أعلم، قال صليت بمدين عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور فقال انزل فنزلت فقال صل فصليت ثم ركبنا فقال أتدري أين صليت؟ قلت الله أعلم، قال صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني فأتى قبلة المسجد فربط فيه دابته ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر فصليت من المسجد حيث شاء الله وأخذني من العطش أشد ما أخذني فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل أرسل إلي بهما جميعا فعدلت بينهما ثم هداني الله ﷿ فأخذت اللبن فشربت حتى عرقت به جبيني وبين يدي شيخ متكئ على مثواة له فقال أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى.\nثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه المدينة فإذا جهنم تنكشف عن مثل الروابي قلت يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال وجدتها مثل الحمة السخنة ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان فسلمت عليهم فقال بعضهم هذا صوت محمد ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر ﵁ فقال يا رسول الله أين كنت الليلة فقد التمستك في مظانك، فقال علمت أني أتيت من بيت المقدس الليلة، فقال يا رسول الله إنه مسيرة شهر فصفه لي، قال ففتح لي صراط كأني إليه لا يسألني عن شيء إلا أنبأته به، فقال أبو بكر أشهد أنك لرسول الله، وقال المشركون انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة، قال فقال إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم فجمعه فلان وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان.\nفلما كان ذلك اليوم قد أشرف الناس ينظرون حين كان قريبا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله ﷺ. هكذا رواه البيهقي من طريقين عن أبي إسماعيل الترمذي به ثم قال بعد تمامه هذا إسناد صحيح، وروي ذلك مفرقا من أحاديث غيره ونحن نذكر من ذلك إن شاء الله ما حضرنا ثم ساق أحاديث كثيرة في الإسراء كالشاهد لهذا الحديث، وقد روي هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإمام أبو عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به، ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم. وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك والله أعلم.","vol":"5","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1041>رواية عبد الله بن عباس ﵄</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه قال: حدثنا ابن عباس قال: ليلة أسري برسول الله ﷺ، دخل الجنة فسمع في جانبها وخشا فقال:\nيا جبريل ما هذا؟ قال: هذا بلال المؤذن، فقال النبي ﷺ حين جاء إلى الناس «قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا» قال: فلقيه موسى ﵇، فرحب به قال: مرحبا بالنبي الأمي، قال:\nوهو رجل آدم طويل، سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى، قال: فمضى فلقيه شيخ جليل متهيب فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال:\nمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم-قال-ونظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف، قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ورأى رجلا أحمر أزرق جدا قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة-قال-فلما أتى رسول الله ﷺ المسجد الأقصى، قام يصلي فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة، إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\n[طريق أخرى]-قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدثنا ثابت أبو زيد، حدثنا هلال، حدثني عكرمة عن ابن عباس قال: أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال الناس: نحن لا نصدق محمدا بما يقول، فارتدوا كفارا فضرب الله رقابهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمرا وزبدا فتزقموا (^٣)، ورأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس برؤيا منام وعيسى وموسى وإبراهيم، وسئل النبي ﷺ عن الدجال فقال «رأيته فيلمانيا (^٤) أقمر هجانا (^٥)، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة، ورأيت عيسى ﵇ أبيض، جعد الرأس (^٦) حديد البصر، ومبطن الخلق (^٧)، ورأيت موسى ﵇ أسحم آدم (^٨)، كثير الشعر، شديد الخلق، ونظرت إلى إبراهيم ﵇ فلم أنظر إلى\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٥٧.\n(^٢) المسند ١/ ٣٧٤.\n(^٣) تزقّموا: أي كلوا.\n(^٤) الفيلم: العظيم الجثة، والفيلماني: منسوب إليه بزيادة الألف والنون للمبالغة.\n(^٥) الأقمر: الشديد البياض، والهجان: الأبيض أيضا.\n(^٦) جعد الرأس: أي جعد الشعر، والجعد: ضد السبط المسترسل.\n(^٧) مبطن الخلق: أي الضامر البطن.\n(^٨) الأسحم: الأسود، والآدم أيضا.","vol":"5","page":25},{"text":"إرب (^١) منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل: سلم على مالك، فسلمت عليه» ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت عن هلال، وهو ابن خباب به، وهو إسناد صحيح.\n[طريق أخرى] قال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا إسحاق بن الحسن، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا شيبان عن قتادة عن أبي العالية قال:\nحدثنا ابن عم نبيكم ﷺ ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا طوالا جعدا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم ﵇ مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس» وأرى مالكا خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه، قال: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ [هود: ١٠٩] فكان قتادة يفسرها أن نبي الله ﷺ قد لقي موسى ﵇ ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] قال:\nجعل الله موسى هدى لبني إسرائيل (^٢)، ورواه مسلم في الصحيح عن عبد بن حميد عن يونس بن محمد، عن شيبان، وأخرجاه من حديث شعبة عن قتادة مختصرا.\n[طريق أخرى] وقال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا دبيس المعدل، ثنا عفان قال: ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة؟ قالوا: ماشطة بنت فرعون وأولادها، سقط المشط من يدها فقالت:\nباسم الله، فقالت بنت فرعون أبي، قالت ربي وربك ورب أبيك، قالت أولك رب غير أبي؟ قالت نعم ربي وربك ورب أبيك الله .. قال: فدعاها، فقال: ألك رب غيري؟ قالت نعم ربي وربك الله ﷿. قال فأمر بنقرة من نحاس، فأحميت ثم أمر بها أن تلقى فيها، قالت: إن لي إليك حاجة، قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع، قال: ذاك لك لما لك علينا من الحق، قال: فأمر بهم فألقوا واحدا واحدا حتى بلغ رضيعا فيهم، فقال: يا أمه قعي ولا تقاعسي، فإنك على الحق، قال: وتكلم أربعة في المهد وهم صغار: هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم ﵇. إسناد لا بأس به، ولم يخرجوه.\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا محمد بن جعفر وروح بن المعين قالا:\nحدثنا عوف عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما كان ليلة أسري بي، فأصبحت بمكة فظعت وعرفت أن الناس مكذبي» فقعد معتزلا حزينا، فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء فقال له رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) الإرب: العضو.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٧، ومسلم في الإيمان حديث ٢٦٧.\n(^٣) المسند ١/ ٣٠٩.","vol":"5","page":26},{"text":"«نعم» قال: وما هو؟ قال: «إني أسري بي الليلة»، قال: إلى أين؟ قال: «إلى بيت المقدس» قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال «نعم»، قال فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه، فقال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ فقال رسول الله ﷺ «نعم» فقال: يا معشر بني كعب بن لؤي.\nقال: فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله ﷺ: «إني أسري بي الليلة» فقالوا: إلى أين؟ قال «إلى بيت المقدس». قالوا:\nثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال «نعم». قال فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله ﷺ «فما زلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال فنعته وأنا أنظر إليه قال وكان مع هذا نعت لم أحفظه قال فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب فيه» وأخرجه النسائي من حديث عوف بن أبي جميلة وهو الأعرابي به، ورواه البيهقي من حديث النضر بن شميل وهوذة عن عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي أحد الأئمة الثقات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1042>رواية عبد الله بن مسعود ﵁</span>\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن نمير عن مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة بن مصرف عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ فانتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يصعد به حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها حتى يقبض ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قال: غشيها فراش من ذهب، وأعطي رسول الله ﷺ الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا المقحمات يعني الكبائر.\nورواه مسلم (^١) في صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، كلاهما عن عبد الله بن نمير به، ثم قال البيهقي وهذا الذي ذكره عبد الله بن مسعود طرف من حديث المعراج، وقد رواه أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ، ثم عن أبي ذر عن النبي ﷺ، ثم رواه مرة مرسلا من دون ذكرهما، ثم إن البيهقي ساق الأحاديث الثلاثة كما تقدم.\n_________\n(^١) كتاب الإيمان حديث ٢٧٩.","vol":"5","page":27},{"text":"قلت: وقد روي عن ابن مسعود بأبسط من هذا، وفيه غرابة، وذلك فيما رواه الحسن بن عرفة في جزئه المشهور: حدثنا مروان بن معاوية عن قتادة بن عبد الله التيمي، حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة بن عبد الله يعني ابن مسعود، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وهما جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدثنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد ﷺ، فقال أبو عبيدة: لا بل حدثنا أنت عن أبيك، فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت، قال فأنشأ أبو عبيدة يحدث يعني عن أبيه كما سئل.\nقال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل ﵇ بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد شنوءة، فيرفع صوته يقول أكرمته وفضلته، قال: فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام، فقال، من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد، قال مرحبا بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، قال ثم اندفعنا فقلت من هذا يا جبريل؟ قال هذا موسى بن عمران. قال قلت ومن يعاقب؟ قال يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال: إن الله قد عرف له حدته.\nقال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرج (^١)، تحتها شيخ وعياله، قال: فقال لي جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام، فقال إبراهيم: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد، قال: فقال مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، يا بني إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل.\nقال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة في الحقلة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، قال: ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل ﵇ منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد، قال: «ثم أقيمت الصلاة فأممتهم، ثم انصرفنا فأقبلنا».\nإسناد غريب، ولم يخرجوه، فيه من الغرائب سؤال الأنبياء عنه ﵇ ابتداء، ثم سؤاله عنهم بعد انصرافه، والمشهور في الصحاح كما تقدم أن جبريل كان يعلمه بهم أولا ليسلم عليهم سلام معرفة، وفيه أنه اجتمع بالأنبياء ﵈ قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السموات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيا وهم معه. وصلى بهم فيه، ثم أنه ركب البراق وكر راجعا إلى مكة، والله أعلم.\n_________\n(^١) السرج جمع سراج، وهو الذي يسرج بالليل.","vol":"5","page":28},{"text":"[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا هشيم، حدثنا العوام عن جبلة بن سحيم عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، قال: فردوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇، فقال:\nلا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال:\nما أوحيتها فلا يعلم بها أحد إلا الله ﷿، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج، قال:\nومعي قضيبان فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم.\nقال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون فيطئون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجري الأرض من نتن ريحهم، أي تنتن، قال: فينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي أن ذلك كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلا أو نهارا.\nوأخرجه ابن ماجة (^٢) عن بندار عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1043>رواية عبد الرحمن بن قرظ أخي عبد الله بن قرظ الثمالي</span>\nقال سعيد بن منصور: حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثني عروة بن رويم عن عبد الرحمن بن قرظ أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى من بين زمزم والمقام، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: سمعت تسبيحا في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات من ذوي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى ﷾. ونذكر هاهنا الحديث عند قوله تعالى من هذه السورة ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ﴾ [الإسراء: ٤٤] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1044>رواية عمر بن الخطاب ﵁</span>\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان، عن\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٧١.\n(^٢) كتاب الفتن باب ٣٣.\n(^٣) المسند ١/ ٣٨.","vol":"5","page":29},{"text":"عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس قال: قال أبو سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ضاهيت اليهودية، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس، فلم يعظم الصخرة تعظيما يصلي وراءها وهي بين يديه كما أشار كعب الأحبار وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلتهم، ولكن من الله عليه بالإسلام فهدي إلى الحق، ولهذا لما أشار بذلك، قال له أمير المؤمنين عمر: ضاهيت اليهودية ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود، ولكن أماط عنها الأذى وكنس عنها الكناسة بردائه. وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1045>رواية أبي هريرة وهي مطولة جدا وفيها غرابة</span>\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢) في تفسير سورة سبحان: حدثنا علي بن سهل، ثنا حجاج ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي عن أبي هريرة أو غيره، شك أبو جعفر، في قول الله ﷿ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر له قلبه وأشرح له صدره، قال: فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدره فنزع ما كان فيه من غل، وملأه علما وحلما وإيمانا ويقينا وإسلاما، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة، ثم أتاه بفرس فحمله عليه كل خطوة منه منتهى بصره أو أقصى بصره.\nقال: فسار وسار معه جبريل ﵉، قال: فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ﷺ «يا جبريل ما هذا؟» قال:\nهؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين، ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال «ما هؤلاء يا جبريل؟» قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنائز حديث ٩٧، ٩٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٧ - ١٢.","vol":"5","page":30},{"text":"ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع (^١) والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال «فما هؤلاء يا جبريل» قال:\nهؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله تعالى شيئا، وما الله بظلام للعبيد ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم آخر نيئ في قذر خبيث، فجعلوا يأكلون من اللحم النيء الخبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: «ما هؤلاء يا جبريل؟» فقال هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيبة، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا فتبيت معه حتى تصبح.\nقال: ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قال:\n«ما هذا يا جبريل؟» قال: هذا مثل أقوام أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونها، ثم تلا ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] الآية، قال: ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: «ما هذا يا جبريل؟» قال هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات للناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: «ما هذا يا جبريل؟» فقال: هؤلاء خطباء الفتنة، ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: «ما هذا يا جبريل؟» فقال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.\nثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتا، فقال يا جبريل «ما هذه الريح الطيبة الباردة، وما هذا المسك، وما هذا الصوت؟» قال: هذا صوت الجنة تقول:\nيا رب ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي واستبرقي، وحريري وسندسي، وعبقري ولؤلؤي، ومرجاني وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي أكوسي، وعسلي ومائي ولبني وخمري، فائتني بما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك بي شيئا، ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشيتي فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت.\nقال: ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا خبيثة، فقال: «ما هذا يا جبريل وما هذا الصوت؟» فقال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب ائتني بما وعدتني فقد كثرت سلاسلي، وأغلالي وسعيري، وحميمي، وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد\n_________\n(^١) الضريع: نبت له شوك.","vol":"5","page":31},{"text":"حري، فائتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت.\nقال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى الصخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا، يا جبريل من هذا معك؟ قال: محمد ﷺ، قالوا: أوقد أرسل إليه فقال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء. قال: ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم ﵇:\nالحمد لله الذي اتخذني خليلا، وأعطاني ملكا عظيما، وجعلني أمة قانتا يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها علي بردا وسلاما، ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليما، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قوما يهدون بالحق وبه يعدلون، ثم إن داود ﵇ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب.\nثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلا، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي طيبا ليس فيه حساب.\nثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربه ﷿، فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.\nقال: ثم إن محمدا ﷺ أثنى على ربه ﷿، فقال: «كلكم أثنى على ربه، وإني مثن على ربي، فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل علي الفرقان فيه بيان لكل شيء وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطا وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما» فقال إبراهيم ﵇: بهذا فضلكم محمد ﷺ.\nقال أبو جعفر الرازي: خاتم بالنبوة فاتح بالشفاعة يوم القيامة، ثم أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء، فقيل له: اشرب، فشرب منه يسيرا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه","vol":"5","page":32},{"text":"لبن، فقيل له: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له:\nاشرب، فقال: لا أريده قد رويت، فقال له جبريل: أما إنها ستحرم على أمتك ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل.\nقال: ثم صعد به إلى السماء فاستفتح، فقيل: من هذا يا جبريل؟ فقال: محمد، فقالوا:\nأو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، ففتح لهما، فدخل فإذا برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن، فقلت: يا جبريل، من هذا الشيخ التام الخلق الذي لم ينقص من خلقه شيء، وما هذان البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، فإذا نظر إلى من يدخل الجنة من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته بكى وحزن.\nثم صعد به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا معك؟ فقال: محمد رسول الله، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو بشابين، فقال: يا جبريل من هذان الشابان؟ قال: هذا عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا الخالة ﵉.\nقال: فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل قد فضل على الناس في الحسن، كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل الذي قد فضل على الناس في الحسن؟ قال: هذا أخوك يوسف ﵇.\nقال: ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا:\nومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس ﵇ رفعه الله مكانا عليا.\nقال: صعد به إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا:\nومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم، قال: من هذا يا جبريل، ومن هؤلاء حوله؟ قال: هذا هارون المحبب،","vol":"5","page":33},{"text":"وهؤلاء بنو إسرائيل.\nقال: صعد به إلى السماء السادسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا:\nومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: موسى، قال: فما باله يبكي؟ قال:\nيزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله ﷿، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال ولكن مع كل نبي أمته.\nقال: ثم صعد به إلى السماء السابعة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا:\nومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس، بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء. ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم، جاءوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريل من هذا الأشمط، ثم من هؤلاء البيض الوجوه ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاؤوا وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، أول من شمط على وجه الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شرابا طهورا.\nقال: ثم انتهى إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأمة كلها، قال: فغشيها نور الخلاق ﷿، وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة، من حب الرب ﵎، قالوا:\nفكلمه الله عند ذلك فقال له: سل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلا وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى تكليما وأعطيت داود ملكا عظيما وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا وسخرت له الجن والإنس والشياطين، وسخرت له الرياح وأعطيت له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل،","vol":"5","page":34},{"text":"فقال له الرب ﷿: وقد اتخذتك خليلا-وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن- وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك أمة وسطا، وجعلت أمتك هم الأولين وهم الآخرين وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا، وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعا من المثاني لم يعطها نبي قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك الكوثر، وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلتك فاتحا خاتما، فقال النبي ﷺ «فضلني ربي بست:\nأعطاني فواتح الكلام وخواتيمه، وجوامع الحديث، وأرسلني إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، وقذف في قلوب أعدائي الرعب من مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها طهورا ومسجدا»، قال: وفرض عليه خمسين صلاة.\nفلما رجع إلى موسى قال: بم أمرت يا محمد؟ قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا ثم رجع إلى موسى فقال له: بكم أمرت؟ قال بأربعين قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، ولقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه، فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أمرت: قال أمرت بثلاثين، فقال له موسى ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا فرجع إلى موسى فقال له: بكم أمرت؟ قال بعشرين.\nقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا فرجع إلى موسى ﵇، فقال له: بكم أمرت؟ قال أمرت بعشر، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه خمسا، فرجع إلى موسى ﵇، فقال له: بكم أمرت؟ قال أمرت بخمس، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت، فما أنا براجع إليه، قيل: أما إنك كما صبرت نفسك خمس صلوات، فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة، فإن كل حسنة بعشر أمثالها، قال: فرضي محمد ﷺ كل الرضا، قال: وكان موسى ﵇ من","vol":"5","page":35},{"text":"أشدهم عليه حين مر به وخيرهم له حين رجع إليه.\nثم رواه ابن جرير (^١) عن محمد بن عبيد الله عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره، شك أبو جعفر عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكره بمعناه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن محمد بن الحسن السكوني البالسي بالرملة، حدثنا علي بن سهل فذكر مثل ما رواه ابن جرير عنه، وذكر البيهقي أن الحاكم أبا عبد الله رواه عن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني عن جده، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن حاتم بن إسماعيل، حدثني عيسى بن ماهان يعني أبا جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكره.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر أبو زرعة، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا يونس بن بكير حدثنا عيسى بن عبد الله التميمي عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس البكري، عن أبي العالية أو غيره، شك عيسى، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ فذكر الحديث بطوله كنحو مما سقناه.\nقلت وأبو جعفر الرازي: قال: فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يهم في الحديث كثيرا، وقد ضعفه غيره أيضا، ووثقه بعضهم، والظاهر أنه سيئ الحفظ، ففيما تفرد به نظر. وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعا من أحاديث شتى أو منام أو قصة أخرى غير الإسراء، والله أعلم.\nوقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «حين أسري بي، لقيت موسى ﵇-فنعته، فإذا رجل حسبته قال-مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة، قال: ولقيت عيسى-فنعته النبي ﷺ قال-ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس-يعني حمام، قال-ولقيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، قيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت، فقيل لي: هديت الفطرة-أو أصبت الفطرة-أما إنك لو أخذت خمر غوت أمتك» (^٢) وأخرجاه من وجه آخر عن الزهري به نحوه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ١٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٧، والأنبياء باب ٢٤، ٤٨، ومسلم في الإيمان حديث ٢٧٢، والترمذي في الأنبياء باب ٢٤، وأحمد في المسند ٢/ ٢٨٢.","vol":"5","page":36},{"text":"وفي صحيح مسلم (^١) عن محمد بن رافع عن الحجين بن المثنى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربا ما كربت مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر إليه ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي، وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أقرب الناس شبها به صاحبكم-يعني نفسه-فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن جهنم، فالتفت إليه فبدأني بالسلام».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت إلى السماء السابعة، فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال:\nهؤلاء آكلو الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم لا يتفكرون في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب» (^٢) ورواه الإمام أحمد عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة به. ورواه ابن ماجة من حديث حماد به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1046>رواية جماعة من الصحابة ممن تقدم وغيرهم</span>\nقال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله يعني الحاكم، حدثنا عبد الله بن زيد بن يعقوب الدقاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن الحسين الهمداني، حدثنا أبو محمد هو إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا عمر بن سعد النضري من بني نصر بن قعين، حدثني عبد العزيز وليث بن أبي سليم، وسليمان الأعمش وعطاء بن السائب، بعضهم يزيد في الحديث على بعض، عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس ومحمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه عن ابن عباس، وعن سليم بن مسلم العقيلي عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مسعود وجويبر عن الضحاك بن مزاحم، قالوا: كان رسول الله ﷺ في بيت أم هانئ راقدا وقد صلى العشاء الآخرة، قال أبو عبد الله الحاكم: قال لنا هذا الشيخ، وذكر الحديث، فكتبت المتن من نسخة\n_________\n(^١) كتاب الإيمان حديث ٢٧٨.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب ٥٨، وأحمد في المسند ٣/ ٣٥٣، ٣٦٣.","vol":"5","page":37},{"text":"مسموعة منه، فذكر حديثا طويلا يذكر فيه عدد الدرج والملائكة وغير ذلك مما لا ينكر شيء منها في قدرة الله إن صحت الرواية. قال البيهقي فيما ذكرنا قبل في حديث أبي هارون العبدي في إثبات الإسراء والمعراج كفاية، وبالله التوفيق. (قلت) وقد أرسل هذا الحديث غير واحد من التابعين وأئمة المفسرين رحمة الله عليهم أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1047>رواية عائشة أم المؤمنين ﵂</span>\nقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني مكرم بن أحمد القاضي، حدثني إبراهيم بن الهيثم البكري، حدثني محمد بن كثير الصنعاني، حدثنا معمر بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما أسري برسول الله ﷺ إلى المسجد الأقصى، أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، فقال: أو قال ذلك؟ قالوا:\nنعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1048>رواية أم هانئ بنت أبي طالب</span>\nقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح باذان عن أم هانئ بنت أبي طالب في مسرى رسول الله ﷺ أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا برسول الله ﷺ فلما صلى الصبح وصلينا معه، قال: «يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين» (^١).\nالكلبي متروك بمرة ساقط، لكن رواه أبو يعلى في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري عن ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي صالح، عن أم هانئ بأبسط من هذا السياق، فليكتب هاهنا.\nوروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة، عن أم هانئ قالت: بات رسول الله ﷺ ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله ﷺ: «إن جبريل ﵇ أتاني\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤، وسيرة ابن هشام ١/ ٤٠٢.","vol":"5","page":38},{"text":"فأخذ بيدي فأخرجني، فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليها ثم انطلق حتى أتى بي إلى بيت المقدس، فأراني إبراهيم ﵇ يشبه خلقه خلقي ويشبه خلقي خلقه، وأراني موسى آدم طويلا سبط الشعر، شبهته برجال أزد شنوءة، وأراني عيسى ابن مريم ربعة أبيض يضرب إلى الحمرة، شبهته بعروة بن مسعود الثقفي، وأراني الدجال ممسوح العين اليمنى، شبهته بقطن بن عبد العزى-قال-وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت» فأخذت بثوبه فقلت: إني أذكرك الله إنك تأتي قومك يكذبوك وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه من يدي ثم خرج إليهم، فأتاهم وهم جلوس فأخبرهم ما أخبرني.\nفقام جبير بن مطعم فقال يا محمد لو كنت شابا كما كنت ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا. فقال رجل من القوم: يا محمد هل مررت بإبل لنا في مكان كذا كذا؟ قال: «نعم والله قد وجدتهم قد أضلوا بعيرا لهم فهم في طلبه» قال: هل مررت بإبل لبني فلان؟ قال: نعم «وجدتهم في مكان كذا وكذا وقد انكسرت لهم ناقة حمراء، وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها» قالوا: فأخبرنا عدتها، من الرعاة؟ قال «قد كنت عن عدتها مشغولا» فنام فأوتي بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاة، ثم أتى قريشا فقال لهم «سألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة ابن أبي قحافة وفلان وفلان، وهي تصبحكم بالغداة على الثنية».\nقال: فقعدوا على الثنية ينظرون أصدقهم ما قال، فاستقبلوا الإبل فسألوهم: هل ضل لكم بعير؟ فقالوا: نعم، فسألوا الآخر، هل انكسرت لكم ناقة حمراء؟ قالوا: نعم، قالوا: فهل كانت عندكم قصعة؟ قال أبو بكر: أنا والله وضعتها فما شربها أحد ولا أهرقوه في الأرض، فصدقه أبو بكر وآمن به، فسمي يومئذ الصديق.\n[فصل] وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، فحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء ﵈، ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يتحصل على مطلب.\nوقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه ﵇ أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف ولو تعدد هذا التعدد، لأخبر النبي ﷺ به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرر.","vol":"5","page":39},{"text":"قال موسى بن عقبة الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة. وقال السدي: بستة عشر شهرا، والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتيهما ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، أي أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار فرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها.\nثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق، لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به، اجتمع به هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك.\nثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله ﷾ أعلم، وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء أو الجميع فقد ورد أنه في بيت المقدس وجاء أنه في السماء. ويحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا، لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم، ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما، ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعد يقظة، لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ فالتسبيح إنما يكون عند","vol":"5","page":40},{"text":"الأمور العظام، فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم.\nوأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقال تعالى ﴿أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، رواه البخاري (^١)، وقال تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ [النجم: ١٧] والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه، والله أعلم.\nوقال آخرون بل أسري برسول الله ﷺ بروحه لا بجسده، قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسري بروحه.\nقال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها لقول الحسن إن هذه الآية نزلت ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ولقول الله في الخبر عن إبراهيم ﴿إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ [الصافات: ١٠٢] قال: ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظا ونياما، فكان رسول الله ﷺ يقول: «تنام عيناي وقلبي يقظان» والله أعلم، أي ذلك كان قد جاءه وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظانا، كل ذاك حق وصدق، انتهى كلام ابن إسحاق (^٢). وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن، وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1049>[فائدة حسنة جليلة]</span>\nروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة من طريق محمد بن عمر الواقدي:\nحدثني مالك بن أبي الرجال عن عمرو بن عبد الله عن محمد بن كعب القرظي، قال: بعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة إلى قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي\n_________\n(^١) كتاب التفسير تفسير سورة ١٧، باب ٩.\n(^٢) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٩، ٤٠٠.","vol":"5","page":41},{"text":"بيانه، وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده. قال في هذا السياق عن أبي سفيان:\nوالله ما منعني من أن أقول عليه قولا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي ولا يصدقني في شيء. قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت أيها الملك ألا أخبرك خبرا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا، أرض الحرم، في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح. قال، وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال بطريق إيلياء: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر إليه قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم فعالجته، فغلبنا فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلا، فدعوت إليه النجاجرة، فنظروا إليه فقالوا:\nإن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى.\nقال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليهما، فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط دابة، قال: فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا، وذكر تمام الحديث.\n[فائدة] قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه [التنوير في مولد السراج المنير] وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس، وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء، وصهيب الرومي وأم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1050>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢ إلى ٣]</span>\n﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾\nلما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد ﷺ عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضا، فإنه تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما من الله الصلاة والسلام، وبين ذكر","vol":"5","page":42},{"text":"التوراة والقرآن، ولهذا قال بعد ذكر الإسراء ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أي الكتاب ﴿هُدىً﴾ أي هاديا ﴿لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ أي لئلا تتخذوا ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي وليا ولا نصيرا ولا معبودا دوني، لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له.\nثم قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ تقديره يا ذرية من حملنا مع نوح، فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا ﷺ وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف أن نوحا ﵇ كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله، فلهذا سمي عبدا شكورا. قال الطبراني: حدثني علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا، لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليرضي عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها» (^٢) وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة به. وقال مالك عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال وقد ذكر البخاري (^٣) هنا حديث أبي زرعة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة-بطوله، وفيه-فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، فاشفع لنا إلى ربك» وذكر الحديث بكامله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1051>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤ إلى ٨]</span>\n﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾\nيخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون علوا كبيرا، أي يتجبرون ويطغون\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١١٧.\n(^٢) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٨٩، والترمذي في الأطعمة باب ١٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٣، وتفسير سورة ١٧، باب ٩.","vol":"5","page":43},{"text":"ويفجرون على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] أي تقدمنا إليه، وأخبرناه بذلك، وأعلمناه به. وقوله ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ أي أولى الإفسادتين ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي سلطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد؛ أي قوة وعدة وسلطنة شديدة، ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾، أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا وكان وعدا مفعولا.\nوقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة أنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت، ولهذا قال ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) الآية، وعن سعيد بن جبير أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضا وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل. وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أنه ملك البلاد، وأنه كان فقيرا مقعدا ضعيفا يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس فقتل بها خلقا كثيرا من بني إسرائيل، وقد روى ابن جرير (^٢) في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا، وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته، وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي ﵀ بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.\nوقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها ما هو موضوع ومن وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا، سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء.\nوقد روى ابن جرير (^٣): حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا، فسألهم، ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال: فقتل على ذلك الدم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٢٩.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٢١.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٢٨.","vol":"5","page":44},{"text":"سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم، فسكن، وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ منهم خلقا كثيرا أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ أي فعليها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]. وقوله: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي الكرة الآخرة، أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ أي يهينوكم ويقهروكم، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ أي بيت المقدس ﴿كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي في التي جاسوا فيها خلال الديار، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ أي يدمروا ويخربوا ﴿ما عَلَوْا﴾ أي ما ظهروا عليه ﴿تَتْبِيرًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أي فيصرفهم عنكم، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ أي متى عدتم إلى الإفساد عدنا إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي مستقرا ومحصرا وسجنا لا محيد لهم عنه.\nقال ابن عباس: حصيرا أي سجنا. وقال مجاهد: يحصرون فيها، وكذا قال غيره، وقال الحسن: فراشا ومهادا. وقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحي محمد ﷺ وأصحابه، يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1052>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\n﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠)﴾\nيمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ، وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل، ويبشر المؤمنين به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه، ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾، أي يوم القيامة، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾، أي ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذابا أليما، أي يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].\n\n<span data-type='title' id=toc-1053>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]</span>\n﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١)﴾\nيخبر تعالى عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر أي بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] الآية، وكذا فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقد تقدم في الحديث «لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة\n_________\n(^١) انظر هذه الآثار في تفسير الطبري ٨/ ٤٢، ٤٣.","vol":"5","page":45},{"text":"يستجيب فيها» (^١) وإنما يحمل ابن آدم على ذلك قلقه وعجلته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس هاهنا قصة آدم ﵇ حين همّ بالنهوض قائما قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه، فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال: الحمد لله، فقال الله: يرحمك ربك يا آدم. فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى أعضائه وجسده، جعل ينظر إليه ويعجبه، فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع، وقال: يا رب عجل قبل الليل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1054>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٢]</span>\n﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾\nيمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع، والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك، ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ فإنه لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا لما عرف شيء من ذلك.\nكما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣] وقال تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١ - ٦٢] وقال تعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [المؤمنون: ٨٠] وقال: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] وقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] وقال تعالى:\n﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٧ - ٣٨].\nثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي علامة يعرف بها، وهي الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة وهي النور وطلوع الشمس النيرة فيه، وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٧٤، وأبو داود في الوتر باب ٢٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤٥.","vol":"5","page":46},{"text":"من هذا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ -إلى قوله- ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية.\nقال ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ قال: ظلمة الليلة وسدف النهار (^١). وقال ابن جرير عن مجاهد: الشمس آية النهار والقمر آية الليل، ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال: السواد الذي في القمر، وكذلك خلقه الله تعالى. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر. وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن؟ فقال: فمحونا آية الليل فهذه محوه.\nوقال قتادة في قوله: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم، وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ قال ليلا ونهارا، كذلك خلقهما الله ﷿ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1055>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٣ إلى ١٤]</span>\n﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣) اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾\nيقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ وطائره هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما، من خير وشر ويلزم به ويجازى عليه، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٤] وقال: ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وقال ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] الآية، والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلا ونهارا، صباحا ومساء.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لطائر كل إنسان في عنقه» قال ابن لهيعة: يعني الطيرة، وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جدا، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤٦.\n(^٢) انظر هذا الأثر والآثار التي قبله في تفسير الطبري ٨/ ٤٥، ٤٦، ٤٧.\n(^٣) المسند ٣/ ٣٦٠.","vol":"5","page":47},{"text":"وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا﴾ أي نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة إما بيمينه إن كان سعيدا أو بشماله إن كان شقيا، منشورا أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٣ - ١٥] ولهذا قال تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي إنك لم تظلم ولم يكتب عليك إلا ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي. وقوله: ﴿أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ إنما ذكر العنق لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، كما قال الشاعر. [مجزوء الكامل] اذهب بها اذهب بها … طوقتها طوق الحمامه (^١).\nقال قتادة عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» كذا رواه ابن جرير (^٢)، وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلا، فقال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «طير كل عبد في عنقه».\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر ﵁، يحدث عن النبي ﷺ قال: «ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته، فيقول الرب ﷻ: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت» إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه.\nوقال معمر عن قتادة: ﴿أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال عمله ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ قال:\nنخرج ذلك العمل ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا﴾ قال معمر، وتلا الحسن البصري ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا، اقرأ كتابك الآية، فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك (^٤)، هذا من أحسن كلام الحسن، ﵀.\n_________\n(^١) البيت لأبي أحمد بن جحش في سيرة ابن هشام ١/ ٥٠٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٤٧.\n(^٣) المسند ٤/ ١٤٦.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤٩.","vol":"5","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1056>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٥]</span>\n﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾\nيخبر تعالى أن ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ واتبع الحق، واقتفى أثر النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه، ثم قال: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] ولا منافاة بين هذا وبين وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحمل عنهم شيئا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.\nوكذا قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كقوله تعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] وكذا قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحد النار إلا بعد إرسال الرسول إليه.\nومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] حدثنا عبد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «اختصمت الجنة والنار» فذكر الحديث إلى أن قال «وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار خلقا فيلقون فيها، فتقول هل من مزيد؟ ثلاثا» (^١) وذكر تمام الحديث.\nفهذا إنما جاء في الجنة، لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه. وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة، وقالوا: لعله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٥.","vol":"5","page":49},{"text":"انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين، واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: «تحاجت الجنة والنار» فذكر الحديث إلى أن قال: «فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض. ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا» (^١).\nبقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديما وحديثا، وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار: ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة؟ وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلا ملخصا من كلام الأئمة في ذلك والله المستعان.\n[فالحديث الأول] عن الأسود بن سريع. قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس. عن الأسود بن سريع أن رسول الله ﷺ قال: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب قد جاء الإسلام والصبيان يقذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول.\nفيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما». وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها».\nوكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث أحمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «أربعة كلهم يدلي على الله بحجة» فذكر نحوه، ورواه ابن جرير (^٣) من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة، فذكره موقوفا، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا.\n[الحديث الثاني] عن أنس بن مالك قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الربيع عن يزيد بن أبان قال: قلنا لأنس: يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: «لم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٠، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٣٦.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٥٠، ٥١.","vol":"5","page":50},{"text":"يكن لهم سيئات فيعذبوا بها، فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها، فيكونوا من أهل الجنة».\n[الحديث الثالث] عن أنس أيضا. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير عن ليث عن عبد الوارث، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهرم كلهم يتكلم بحجته» فيقول الرب ﵎: لعنق من النار ابرز، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه، قال: فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ قال: ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا، فقال: فيقول الله تعالى:\nأنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار، وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله.\n[الحديث الرابع] عن البراء بن عازب ﵁. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضا: حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله يعني ابن داود عن عمر بن ذر عن يزيد بن أمية، عن البراء قال: سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين، قال: «هم مع آبائهم» وسئل عن أولاد المشركين، فقال: «هم مع آبائهم» فقيل: يا رسول الله ما يعملون؟ قال: «الله أعلم بهم» ورواه عمر بن ذر عن يزيد بن أمية عن رجل عن البراء عن عائشة، فذكره.\n[الحديث الخامس] عن ثوبان. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور عن أيوب، عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان أن النبي ﷺ عظم شأن المسألة قال «إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولا، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون:\nربنا أخرجنا أو أجرنا منها، فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا وقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين «فقال نبي الله ﷺ:\n«لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما» ثم قال البزار: ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد.\nقلت: وقد ذكره ابن حيان في ثقاته، وقال يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به، ولم يرو عنه أبو داود، وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به.","vol":"5","page":51},{"text":"[الحديث السادس] عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري. قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد قال:\nقال رسول الله ﷺ: «الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا، ويقول المولود: رب لم أدرك العقل، فترفع لهم نار، فيقال لهم: ردوها، قال: فيردها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم، فكيف لو أن رسلي أتتكم؟!» وكذا رواه البزار عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي عن عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق به، ثم قال: لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه عن عطية عنه، وقال في آخره «فيقول الله إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب؟».\n[الحديث السابع] عن معاذ بن جبل ﵁ قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري: حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل عن نبي الله ﷺ قال: «يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا، فيقول الممسوخ: يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني» وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك «فيقول الرب ﷿: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، قال: ولو دخلوها ما ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعا، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك، فيقول الرب ﷿: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار».\n[الحديث الثامن] عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه. قد تقدم روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع ﵁ وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» (^١) وفي رواية قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما أعلم-شك موسى-\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٧٩، ٩٢، وتفسير سورة ٣٠، باب ١، والقدر باب ٣، ومسلم في القدر حديث ٢٢، ٢٤، وأبو داود في السنة باب ١٧، ومالك في الجنائز حديث ٥٣، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٣، ٢٧٥، ٣١٥، ٣٤٧، ٣٩٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في القدر حديث ٢٣.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٢٦.","vol":"5","page":52},{"text":"قال: «ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم ﵇» وفي صحيح مسلم (^١) عن عياض بن حمار عن رسول الله ﷺ عن الله ﷿ أنه قال «إني خلقت عبادي حنفاء»، وفي رواية لغيره «مسلمين».\n[الحديث التاسع] عن سمرة ﵁. رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه المستخرج على البخاري من حديث عوف الأعرابي. عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة» فناداه الناس: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين». وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي عن عيسى بن شعيب، عن عباد بن منصور عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين، فقال: «هم خدم أهل الجنة».\n[الحديث العاشر] عن عم حسناء قال أحمد (^٢): حدثنا روح، حدثنا عوف عن حسناء بنت معاوية، من بني صريم قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة». فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري أنه ﵊ قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم ﵇، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: «نعم وأولاد المشركين» ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله ﵇: «هم مع آبائهم» ومنهم من ذهب إلى أنهم [يمتحنون يوم القيامة في العرصات]، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف على الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرا وانكشف علم الله به بسابق الشقاوة.\nوهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. وقد ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها، لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفسا إلا وسعها؟.\n[والجواب] عما قال إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير\n_________\n(^١) كتاب الجنة حديث ٦٣، وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٦٢.\n(^٢) المسند ٥/ ٥٨.","vol":"5","page":53},{"text":"من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] الآية.\nوقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا واحدا كلما أراد السجود خرّ لقفاه (^١). وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارا ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك، ثم يأذن له في دخول الجنة (^٢)، وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم، فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبوا ومنهم المكدوش على وجهه في النار (^٣)، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم.\nوأيضا فقد أثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه بردا وسلاما، فهذا نظير ذاك، وأيضا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.\n[فصل] إذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال [أحدها] أنهم في الجنة. واحتجوا بحديث سمرة أنه ﵇ رأى مع إبراهيم ﵇ أولاد المسلمين وأولاد المشركين، وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله ﷺ قال:\n«والمولود في الجنة» وهذا استدلال صحيح، ولكن أحاديث الامتحان أخص منه. فمن علم الله\n_________\n(^١) أخرجه بنحو، البخاري في تفسير سورة ٦٨، باب ٢، والتوحيد باب ٢٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٢٩، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢، ويروى المكدوس بدل المكدوش.","vol":"5","page":54},{"text":"منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة، ومن علم منه أنه لا يجيب، فأمره إلى الله تعالى يوم القيامة يكون في النار، كما دلت عليه أحاديث الامتحان، ونقله الأشعري عن أهل السنة، ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم من جعلهم مستقلين فيها، ومنهم من جعلهم خدما لهم، كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف، والله أعلم.\n[والقول الثاني] أنهم مع آبائهم في النار. واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل (^١) عن أبي المغيرة: حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار، فقالت: قال رسول الله ﷺ: «هم تبع لآبائهم» فقلت: يا رسول الله بلا أعمال؟ فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» وأخرجه أبو داود (^٢) من حديث محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني، سمعت عبد الله بن أبي قيس، سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المؤمنين، قال: «هم مع آبائهم» قلت: فذراري المشركين؟ قال: «هم مع آبائهم» فقلت بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ورواه أحمد (^٣) أيضا عن وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل وهو متروك عن مولاته بهية عن عائشة أنها ذكرت أطفال المشركين لرسول الله ﷺ فقال: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم (^٤) في النار».\nوروى عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي ﵁ قال: سألت خديجة رسول الله ﷺ عن ولدين لها ماتا في الجاهلية، فقال: «هما في النار» قال: فلما رأى الكراهية في وجهها فقال لها: «لو رأيت مكانهما لأبغضتهما» قالت: فولدي منك؟ قال: «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار-ثم قرأ- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^٥) [الطور: ٢١] وهذا حديث غريب، فإن في إسناده محمد بن عثمان مجهول الحال، وشيخه زاذان لم يدرك عليا، والله أعلم.\nوروى أبو داود (^٦) من حديث ابن أبي زائدة عن أبيه عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الوائدة والموؤودة في النار» ثم قال الشعبي: حدثني به علقمة عن أبي وائل عن ابن مسعود، وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند، عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن قيس الأشجعي\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٨٤.\n(^٢) كتاب السنة باب ١٧.\n(^٣) المسند ٦/ ٢٠٨.\n(^٤) تضاغيهم: أي صياحهم وبكاءهم.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٣٤، ١٣٥.\n(^٦) كتاب السنة باب ١٧.","vol":"5","page":55},{"text":"قال: أتيت أنا وأخي النبي ﷺ فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، وإنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث. فقال: «الوائدة الموؤودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم» وهذا إسناد حسن.\n[والقول الثالث] التوقف فيهم. واعتمدوا على قوله ﷺ: «الله أعلم بما كانوا عاملين» وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» وكذلك هو في الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه سئل عن أطفال المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، والله أعلم.\n[فصل] وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال:\nلا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله ﷿، فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة، قال أبو عمر: ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث، منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، قالوا: وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة، انتهى كلامه، وهو غريب جدا، وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضا، والله أعلم.\nوقد ذكروا في ذلك أيضا حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي النبي ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: «أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم. وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم» (^١) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع، كره جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في القدر حديث ٣١، وأبو داود في السنة باب ١٧، والنسائي في الجنائز باب ٥٨، وابن ماجة في المقدمة باب ١٠، وأحمد في المسند ٦/ ٤١، ٢٠٨.","vol":"5","page":56},{"text":"محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد ابن الحنفية وغيرهم، وأخرج ابن حبان في صحيحه عن جرير بن حازم: سمعت أبا رجاء العطاردي، سمعت ابن عباس ﵄ وهو على المنبر يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا ما لم يتكلموا في الوالدان والقدر» قال ابن حبان: يعني أطفال المشركين، وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم، ثم قال: وقد رواه جماعة عن أبي رجاء عن ابن عباس موقوفا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1057>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]</span>\n﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)﴾\nاختلف القراء في قراءة قوله ﴿أَمَرْنا﴾ فالمشهور قراءة التخفيف، واختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا، كقوله تعالى: ﴿أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤] فإن الله لا يأمر بالفحشاء، قالوا: معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش، فاستحقوا العذاب، وقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش، فاستحقوا العقوبة، رواه ابن جريج عن ابن عباس، وقاله سعيد بن جبير أيضا. وقال ابن جرير (^١): يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء، قلت إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾، قال علي بن طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ [الأنعام: ١٢٣] الآية، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ يقول، أكثرنا عددهم (^٢)، وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة. وعن مالك، عن الزهري ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ أكثرنا، وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٣)، حيث قال:\nحدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعيم العدوي عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي ﷺ قال «خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة» قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه الغريب: «المأمورة كثيرة النسل، والسكة الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة من التأبير» وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبا كقوله «مأزورات غير مأجورات».\n\n<span data-type='title' id=toc-1058>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٧]</span>\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾\nيقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا ﷺ، بأنه قد أهلك من المكذبين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٥١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٥٢.\n(^٣) المسند ٥/ ١٧٠.","vol":"5","page":57},{"text":"للرسل من بعد نوح، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام كما قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد كذّبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى.\nوقوله: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي هو عالم جميع أعمالهم: خيرها وشرها لا يخفى عليه منها خافية ﷾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1059>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]</span>\n﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾\nيخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل عليه، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء، وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات، فإنه قال: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ أي في الدار الآخرة ﴿يَصْلاها﴾ أي يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه ﴿مَذْمُومًا﴾ أي في حال كونه مذموما على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي ﴿مَدْحُورًا﴾ مبعدا مقصيا حقيرا ذليلا مهانا.\nروى الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين، حدثنا رويد عن أبي إسحاق، عن زرعة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له». وقوله: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ﴾ أي أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أي طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول ﷺ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي قلبه مؤمن، أي مصدق بالثواب والجزاء ﴿فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1060>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]</span>\n﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾\nيقول تعالى: ﴿كُلاًّ﴾ أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة نمدهم فيما فيه ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أي هو المتصرف الحاكم الذي لا يجوز، فيعطي كلا ما يستحقه من السعادة والشقاوة، فلا راد لحكمه ولا مانع لما أعطى ولا مغير لما أراد، ولهذا قال ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي لا يمنعه أحد، ولا يرده راد. قال قتادة ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي منقوصا (^٢)، وقال الحسن وغيره: أي ممنوعا.\nثم قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرا، ومن يعمر حتى يبقى شيخا\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٧١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٥٦.","vol":"5","page":58},{"text":"كبيرا، وبين ذلك ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ أي ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العليا ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاتون في ما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين «إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء» (^١) ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وفي الطبراني من رواية زاذان عن سلمان مرفوعا «ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع، إلا وضعه الله في الآخرة أكبر منها» ثم قرأ ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1061>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٢]</span>\n﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾\nيقول تعالى، والمراد المكلفون من الأمة: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ أي على إشراكك به ﴿مَخْذُولًا﴾ لأن الرب تعالى لا ينصرك بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا، لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وقد قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أرسل الله له بالغنى إما آجلا وإما غنى عاجلا» (^٣) رواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1062>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾\nيقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له، فإن القضاء هاهنا بمعنى الأمر، قال مجاهد ﴿وَقَضى﴾ يعني وصى، وكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود والضحاك بن مزاحم ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ ولهذا قرن بعبادته برّ الوالدين، فقال: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ أي وأمر بالوالدين إحسانا، كقوله في الآية الأخرى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، والرقاق باب ٥١، ومسلم في الجنة حديث ١١.\n(^٢) المسند ١/ ٤٠٧.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٢٨، والترمذي في الزهد باب ١٨.","vol":"5","page":59},{"text":"وقوله ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ أي لا تسمعهما قولا سيئا حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن رباح في قوله ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ أي لا تنفض يدك عليهما (^١)، ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول والفعل الحسن، فقال: ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي لينا طيبا حسنا بتأدب وتوقير وتعظيم، ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي تواضع لهما بفعلك ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ أي في كبرهما وعند وفاتهما، قال ابن عباس: ثم أنزل الله ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] الآية (^٢).\nوقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره أن النبي ﷺ لما صعد المنبر قال: «آمين آمين آمين» قيل يا رسول الله علام أمنت؟ قال: «أتاني جبريل فقال: يا محمد رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل: آمين، فقلت آمين، ثم قال رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت آمين، ثم قال: رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت آمين» (^٣).\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد أخبرنا زرارة بن أوفى عن مالك بن الحارث، عن رجل منهم أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من ضم يتيما من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة البتة، ومن أعتق امرأ مسلما، كان فكاكه من النار يجزي بكل عضو منه عضوا منه» ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد فذكر معناه، إلا أنه قال عن رجل من قومه يقال له مالك أو ابن مالك، وزاد «ومن أدرك والديه أو أحدهما، فدخل النار فأبعده الله».\n[حديث آخر] وقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عفان عن حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد عن زرارة بن أبي أوفى عن مالك بن عمرو القشيري، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار، فإن كل عظم من عظامه محررة بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله ﷿، ومن ضم يتيما من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة».\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٦٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٦٣.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ١٠٠، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٤، ٣٤٦.\n(^٤) المسند ٤/ ٣٤٤، ٥/ ٢٩.\n(^٥) المسند ٤/ ٣٤٤.","vol":"5","page":60},{"text":"[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن قتادة، سمعت زرارة بن أبي أوفى يحدث عن أبي مالك القشيري قال: قال النبي ﷺ: «من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه»، ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة به، وفيه زيادات أخر.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة» صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجوه، سوى مسلم (^٣) من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا ربعي بن إبراهيم، قال أحمد وهو أخو إسماعيل بن علية وكان يفضل على أخيه، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ فلم يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم يدخلاه الجنة» قال ربعي: ولا أعلمه إلا قال «أو أحدهما». ورواه الترمذي (^٥) عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن ربعي بن إبراهيم، ثم قال: غريب من هذا الوجه.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، حدثنا أسيد بن علي عن أبيه علي بن عبيد، عن أبي أسيل وهو مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما أنا جالس عن رسول الله ﷺ، إذ جاءه رجل من الأنصار فقال:\nيا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: «نعم خصال أربع:\nالصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما» (^٧) ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن سليمان وهو ابن الغسيل به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٤٤، ٥/ ٢٩.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٤٦.\n(^٣) كتاب البر حديث ٨.\n(^٤) المسند ٢/ ٢٥٤.\n(^٥) كتاب الدعوات باب ١٠٠.\n(^٦) المسند ٣/ ٤٩٧، ٤٩٨.\n(^٧) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٢٠، وابن ماجة في الأدب باب ٢.\n(^٨) المسند ٣/ ٤٢٩.","vol":"5","page":61},{"text":"طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال: «فهل لك من أم» قال نعم قال:\n«فألزمها فإن الجنة عند رجليها» ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول (^١)، ورواه النسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج به.\n[حديث آخر]-قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا خلف بن الوليد حدثنا ابن عياش عن يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: «إن الله يوصيكم بآبائكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب» وأخرجه ابن ماجة (^٣) من حديث عبد الله بن عياش به.\n[حديث آخر] قال أحمد (^٤): حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة عن أشعث بن سليم عن أبيه، عن رجل من بني يربوع قال: أتيت النبي ﷺ فسمعته وهو يكلم الناس يقول: «يد المعطي العليا، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك».\n[حديث آخر] قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن ليث بن أبي سليم عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريد عن أبيه أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي ﷺ: هل أديت حقها؟ قال «لا ولا بزفرة واحدة» أو كما قال، ثم قال البزار: لا نعلمه يروي إلا من هذا الوجه. قلت: والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1063>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٥]</span>\n﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾\nقال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية: لا يريد إلا الخير بذلك، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ (^٥). وقوله: ﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ قال قتادة: للمطيعين أهل الصلاة، وعن ابن عباس: المسبحين، وفي رواية عنه: المطيعين المحسنين، وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى. وقال شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: الذين يصيبون الذنب ثم\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الجهاد باب ٦.\n(^٢) المسند ٤/ ١٣٢.\n(^٣) كتاب الأدب باب ١.\n(^٤) المسند ٤/ ٦٤، ٦٥.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٨/ ٦٣.","vol":"5","page":62},{"text":"يتوبون، ويصيبون الذنب ثم يتوبون (^١)، وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب بنحوه، وكذا رواه الليث وابن جرير عن ابن المسيب به.\nوقال عطاء بن يسار بن جبير ومجاهد: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد عن عبيد بن عمير في الآية: هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها، ووافقه مجاهد في ذلك.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا. وقال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع من المعصية إلى الطاعة مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه، وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأواب مشتق من الأوب، وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال:\n«آئبون تائبون، عابدون لربنا حامدون» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1064>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]</span>\n﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾\nلما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، وفي الحديث «أمك وأباك ثم أدناك أدناك» وفي رواية «ثم الأقرب فالأقرب» (^٣)، وفي الحديث «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله، فليصل رحمه» (^٤) وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا أبو يحيى التميمي، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال: لما نزلت ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة فأعطاها فدك، ثم قال:\nلا نعلم حدث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التميمي وحميد بن حماد بن أبي الخوار، وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده، لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذا حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة، والله أعلم، وقد تقدم الكلام على المساكين وأبناء السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ لما أمر بالإنفاق، نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطا كما قال في الآية الأخرى ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، ثم قال منفرا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٦٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في العمرة باب ١٢، ومسلم في الحج حديث ٤٢٥، ٤٢٨، ٤٢٩، وأبو داود في الجهاد باب ٧٢، وأحمد في المسند ١/ ٥٦.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٦٤، ٦٥.\n(^٤) أخرجه البخاري في البيوع باب ١٣، ومسلم في البر حديث ٢٠، ٢١.","vol":"5","page":63},{"text":"عن التبذير والسرف ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي أشباههم في ذلك. قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق، وكذا قال ابن عباس، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا، ولو أنفق مدا في غير حق كان مبذرا. وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق والفساد.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق، وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: «تخرج الزكاة من مالك إن كان، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين» فقال: يا رسول الله أقلل لي؟ ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها، وإثمها على من بدلها».\nوقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته، ولهذا قال ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ أي جحودا، لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته. وقوله: ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، أي إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء، أعرضت عنهم لفقد النفقة ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أي عدهم وعدا بسهولة ولين، إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ بالوعد، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1065>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]</span>\n﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾\nيقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش، ذاما للبخل، ناهيا عن السرف ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ أي لا تكن بخيلا منوعا، لا تعطي أحدا شيئا، كما قالت اليهود-عليهم لعائن الله- ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب، وقوله ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملوما محسورا، وهذا من باب اللف والنشر، أي فتقعد إن بخلت ملوما يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك، كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة:\n[الطويل]\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٣٦.","vol":"5","page":64},{"text":"ومن كان ذا مال فيبخل بماله … على قومه يستغن عنه ويذمم (^١)\nومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو الدابة التي عجزت عن السير فوقفت ضعفا وعجزا، فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] أي كليل عن أن يرى عيبا، هكذا فسر هذه الآية بأن المراد هنا البخل والسرف: ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم.\nوقد جاء في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة منها مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع» (^٢).\nهذا لفظ البخاري في الزكاة.\nوفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله ﷺ: «أنفقي هكذا وهكذا وهكذا ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك» (^٣). وفي لفظ «ولا تحصي فيحصي الله عليك» (^٤). وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله قال لي: أنفق، أنفق عليك» (^٥) وفي الصحيحين من طريق معاوية بن أبي مزرد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» (^٦).\nوروى مسلم عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا «ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا أنفق إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله» (^٧) وفي حديث أبي كثير عن عبد الله بن عمرو مرفوعا «إياكم والشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم\n_________\n(^١) البيت في ديوان زهير بن أبي سلمى ص ٣٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٢٨، ومسلم في الزكاة حديث ٧٦، ٧٧.\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في الزكاة باب ٢١، وأبو داود في الزكاة باب ٤٦، والترمذي في البر باب ٤٠، والنسائي في الزكاة باب ٦٢، وأحمد في المسند ٦/ ٢١٤، ٢٥٤.\n(^٤) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في الزكاة باب ٢١، والهبة باب ١٥، ومسلم في الزكاة حديث ٨٨، ٨٩.\n(^٥) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٣٦، ٣٧.\n(^٦) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٢٧، ومسلم في الزكاة حديث ٥٧.\n(^٧) أخرجه مسلم في البر حديث ٦٩.","vol":"5","page":65},{"text":"بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» (^١). وروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر عن أبي معاوية عن الأعمش، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطانا».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سكين بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما عال من اقتصد».\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ إخبارا أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء لما له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي خبيرا بصيرا بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر، كما جاء في الحديث «إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه» وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجا، والفقر عقوبة، عياذا بالله من هذا وهذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1066>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]</span>\n﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١)﴾\nهذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، لأنه نهى عن قتل الأولاد كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ أي خوف أن تفتقروا في ثاني حال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ﴾ وفي الأنعام ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أي من فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقوله ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾ أي ذنبا عظيما، وقرأ بعضهم:\nكان خطأ كبيرا وهو بمعناه، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم: قال «إن تجعل لله ندا وهو خلقك-قلت: ثم أي؟ -قال: إن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك-قلت: ثم أي؟ -قال: إن تزاني بحليلة جارك» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1067>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]</span>\n﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾\nيقول تعالى ناهيا عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في البر حديث ٥٦.\n(^٢) المسند ١/ ٤٤٧.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢ باب ٣، وسورة ٢٥، باب ٢، والأدب باب ٢٠، والحدود باب ٢٠، والديات باب ١، والتوحيد باب ٤٠، ٤٦، ومسلم في الإيمان حديث ١٤١، ١٤٢.","vol":"5","page":66},{"text":"أي ذنبا عظيما ﴿وَساءَ سَبِيلًا﴾ أي بئس طريقا ومسلكا.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا جرير حدثنا سليم بن عامر عن أبي أمامة أن فتى شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال «ادنه» فدنا منه قريبا، فقال «اجلس» فجلس، فقال «أتحبه لأمك»؟ قال:\nلا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال:\nلا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال فوضع يده عليه، وقال «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه» قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء، وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي ﷺ قال: «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له».\n\n<span data-type='title' id=toc-1068>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]</span>\n﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾\nيقول تعالى ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^٢). وفي السنن «لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم» (^٣).\nوقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ أي سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه إن شاء قتله قودا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجانا، كما ثبتت السنة بذلك، وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة أنه سيملك لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل مظلوما ﵁، وكان معاوية يطالب عليا ﵁ أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم، لأنه أموي، وكان علي ﵁ يستمهله\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٥٦، ٣٥٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الديات باب ٦، ومسلم في القسامة حديث ٢٥، ٢٦، وأبو داود في الحدود باب ١، والترمذي في الديات باب ١٠، ١٥، والنسائي في القسامة باب ٦، ٨، وابن ماجة في الحدود باب ١، والدارمي في السير باب ١١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الديات باب ٧، وابن ماجة في الديات باب ١، والنسائي في التحريم باب ٢.","vol":"5","page":67},{"text":"في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك، حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما قاله ابن عباس واستنبطه من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجب.\nوقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم بحديث ليس بسر ولا علانية، إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان يعني عثمان، قلت لعلي: اعتزل فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الآية، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك-وأنتم تاركون-كنتم كقرن من القرون هلك فيمن هلك وقوله: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قالوا: معناه فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا﴾ أي إن الولي منصور على القاتل شرعا وغالبا قدرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1069>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالغبطة ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال اليتيم» (^١) وقوله ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أي الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ أي عنه.\nوقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ أي من غير تطفيف ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ﴾ قرئ بضم القاف وكسرها، كالقرطاس، وهو الميزان. وقال مجاهد: هو العدل بالرومية (^٢). وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ أي الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ أي لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي مآلا ومنقلبا في آخرتكم، قال سعيد عن قتادة ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي خير ثوابا وأحسن عاقبة. وابن عباس كان يقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٧٩.","vol":"5","page":68},{"text":"وهذا الميزان، قال: وذكر لنا أن نبي الله ﵊ كان يقول «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك».\n\n<span data-type='title' id=toc-1070>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]</span>\n﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لا تقل. وقال العوفي: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. وقال محمد ابن الحنفية: يعني شهادة الزور. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله (^١)، ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: ﴿اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وفي الحديث «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (^٢). وفي سنن أبي داود «بئس مطية الرجل زعموا» (^٣) وفي الحديث الآخر «إن أفرى الفري أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا» (^٤). وفي الصحيح «من تحلم حلما كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل» (^٥).\nوقوله: ﴿كُلُّ أُولئِكَ﴾ أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه عما عمل فيها، ويصح استعمال أولئك مكان تلك، كما قال الشاعر: [الكامل] ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى … والعيش بعد أولئك الأيّام (^٦)\n\n<span data-type='title' id=toc-1071>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]</span>\n﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٨٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في النكاح باب ٤٥، والوصايا باب ٨، والفرائض باب ٢، والأدب باب ٥٧، ومسلم في البر حديث ٢٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٧٢، وأحمد في المسند ٤/ ١١٩، ٥/ ٤٠١.\n(^٤) أخرجه البخاري في التعبير باب ٤٥، وأحمد في المسند ٢/ ٩٦، ١١٩.\n(^٥) أخرجه البخاري في التعبير باب ٤٥، وأبو داود في الأدب باب ٨٨، والترمذي في الرؤيا باب ٨، وابن ماجة في الرؤيا باب ٨، وأحمد في المسند ١/ ٢١٦، ٢٤٦، ٣٥٩، ٢/ ٥٠٤.\n(^٦) البيت لجرير في ديوانه ص ٩٩٠، وفيه «الأقوام» بدل «الأيام»، وتخليص الشواهد ص ١٢٣، وخزانة الأدب ٥/ ٤٣٠، وشرح التصريح ١/ ١٢٨، وشرح شواهد الشافية ص ١٦٧، وشرح المفصل ٩/ ١٢٩، ولسان العرب (أولى)، والمقاصد النحوية ١/ ٤٠٨، وتفسير الطبري ٨/ ٨١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٣٤، وشرح الأشموني ١/ ٦٣، وشرح ابن عقيل ص ٧٢، والمقتضب ١/ ١٨٥.","vol":"5","page":69},{"text":"يقول تعالى ناهيا عباده عن التجبر والتبختر في المشية ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي لن تقطع بمشيك، قاله ابن جرير (^١)، واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج: [رجز] وقاتم الأعماق خاوي المخترق (^٢) وقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا﴾ أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في الصحيح «بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما، إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» (^٣) وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث «من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير» (^٤).\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد عن أبي بكر الهذلي قال بينما نحن مع الحسن إذ مر عليه ابن الأهيم يريد المنصور، وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها، والله أن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر إلي وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٨١.\n(^٢) بعده: مشتبه الأعلام لمّاع الخفف والرجز لرؤبة في ديوانه ص ١٠٤، والأغاني ١٠/ ١٥٨، وجمهرة اللغة ص ٤٠٨، ٦١٤، ٩٤١، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٥، والخصائص ٢/ ٢٢٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٥٣، ومقاييس اللغة ٢/ ١٧٢، ٥/ ٨٥، ولسان العرب (خفّف)، (عمق)، (غلا)، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٢٦٠، ٣٢٠، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٩٣، ٥٠٢، ٦٣٩، وشرح ابن عقيل ص ٣٧٢، والعقد الفريد ٥/ ٥٠٦، والكتاب ٤/ ١١٠، وكتاب العين ١/ ١٨٨.\n(^٣) أخرجه مسلم في اللباس حديث ٤٩، ٥٠، وأحمد في المسند ٢/ ٢٢٢، ٢٦٧، ٣١٥.\n(^٤) أخرجه القسم الأول من الحديث مسلم في البر حديث ٦٩، والترمذي في البر باب ٨٢، والدارمي في الزكاة باب ٣٤، ومالك في الصدقة حديث ١٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣٨٦.","vol":"5","page":70},{"text":"ورأى البختري العابد رجلا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا، إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال: فتركها ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته، فقال:\nإن للشياطين إخوانا. وقال خالد بن معدان: إياكم والخطر، فإن الرجل يده من سائر جسده، رواهما ابن أبي الدنيا، وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد عن يحيى عن سعيد عن محسن قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مشيت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على بعض».\nوقوله: ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أما من قرأ سيئة، أي فاحشة فمعناه عنده كل هذا الذي نهيناه عنه من قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] إلى هنا فهو سيئة مؤاخذ عليها مكروه عند الله لا يحبه ولا يرضاه، وأما من قرأ سيئه على الإضافة فمعناه عنده كل هذا الذي ذكرناه من قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى هنا فسيئه أي فقبيحه مكروه عند الله، هكذا وجه ذلك ابن جرير ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-1072>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٩]</span>\n﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾\nيقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس، ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ أي تلومك نفسك ويلومك الله والخلق، ﴿مَدْحُورًا﴾ أي مبعدا من كل خير، قال ابن عباس وقتادة: مطرودا (^١)، والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول ﷺ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1073>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]</span>\n﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾\nيقول تعالى رادا على المشركين الكاذبين الزاعمين، عليهم لعائن الله: أن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات الثلاث خطأ عظيما، فقال تعالى منكرا عليهم ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أي خصصكم بالذكور ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا﴾ أي واختار لنفسه على زعمكم البنات، ثم شدد الإنكار عليهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي في زعمكم أن لله ولدا، ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكن لكم وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إدا قسمة ضيزى، وقال تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٨٣.","vol":"5","page":71},{"text":"[مريم: ٨٨ - ٩٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-1074>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤١]</span>\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا (٤١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج والبينات والمواعظ، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك، ﴿وَما يَزِيدُهُمْ﴾ أي الظالمين منهم ﴿إِلاّ نُفُورًا﴾ أي عن الحق وبعدا منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1075>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]</span>\n﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه، العابدين معه غيره، ليقربهم إليه زلفى لو كان الأمر كما يقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون وساطة بينكم وبينه، فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه، بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه، ثم نزه نفسه الكريمة وقدّسها فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ﴾ أي هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي تعاليا كبيرا، بل هو الله الأحد ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1076>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٤]</span>\n﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾\nيقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته:\n[المتقارب] ففي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد (^١).\nكما قال تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠] وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثنا عروة بن رويم عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا حتى بلغ السموات السبع. فلما رجع قال: «سمعت تسبيحا في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السموات العلى، من ذي\n_________\n(^١) البيت لأبي العتاهية في ديوانه ص ١٠٤، وتاج العروس (عته)","vol":"5","page":72},{"text":"المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى ﷾».\nوقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ﴿وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس، لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (^١). وفي حديث أبي ذر أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وهو حديث مشهور في المسانيد وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زيان عن سهل بن معاذ عن ابن أنس، عن أبيه ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم «اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرا لله منه».\nوفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال «نقيقها تسبيح». وقال قتادة عن عبد الله بن أبي عن عبد الله بن عمرو أن الرجل إذا قال لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر، فهي تملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: سبحان الله، فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدا من خلقه إلا قرره بالصلاة والتسبيح. وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: أسلم عبدي واستسلم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت مصعب بن زهير يحدث عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج، أو مزورة بديباج، فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع ويضع كل رأس ابن رأس، فقام إليه النبي ﷺ مغضبا، فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه فقال:\n«لا أرى عليك ثياب من لا يعقل» ثم رجع رسول الله ﷺ فجلس، فقال: «إن نوحا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه فقال: إني قاص عليكما الوصية آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك بالله والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليهما، لقصمتهما أو لفصمتهما، وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء» ورواه الإمام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٥، والدارمي في المقدمة باب ٥، وأحمد في المسند ١/ ٤٦٠.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٣٩.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٢٥.","vol":"5","page":73},{"text":"أحمد (^١) أيضا عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن مصعب بن زهير به أطول من هذا وتفرد به.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا محمد بن يعلى عن موسى بن عبيدة عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بشيء امر به نوح ابنه؟ إن نوحا ﵇ قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق» قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ إسناده فيه ضعف، فإن الأودي ضعيف عند الأكثرين. وقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال الأسطوانة تسبح والشجرة تسبح-الأسطوانة-السارية وقال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه وخرير الماء تسبيحه قال الله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: الطعام يسبح، ويشهد لهذا القول آية السجدة في الحج، وقال آخرون: إنما يسبح ما كان فيه روح، يعنون من حيوان ونبات.\nقال قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه، وقال الحسن والضحاك في قوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قالا: كل شيء فيه الروح. وقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب، قالا: حدثنا جرير أبو الخطاب، قال كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في طعام، فقدموا الخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعيد، يسبح هذا الخوان؟ فقال: كان يسبح مرة.\nقلت: الخوان هو المائدة من الخشب-فكأن الحسن ﵀، ذهب إلى أنه لما كان حيا فيه خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال «إنهما لعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (^٤) أخرجاه في الصحيحين، قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال ما لم ييبسا لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٦٩، ١٧٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٨٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٨٤، ٨٥.\n(^٤) أخرجه بلفظ «يستنزه من البول» مسلم في الطهارة حديث ١١١، وأخرجه بلفظ «يستتر من بوله» البخاري في الوضوء باب ٥٥، والجنائز باب ٨١، وأخرجه بلفظ «يستبرئ من بوله» البخاري في الوضوء باب","vol":"5","page":74},{"text":"وقوله ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي إنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر، كما جاء في الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] الآية، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٨] الآية، وقال ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥] الآيتين، ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله تاب إليه وتاب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ [النساء: ١١٠] الآية، وقال هاهنا ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كما قال في آخر فاطر ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] إلى أن قال ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ﴾ [فاطر: ٤٥] إلى آخر السورة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1077>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن، جعلنا بينك وبينهم حجابا مستورا. قال قتادة وابن زيد: هو الأكنة على قلوبهم، كما قال تعالى:\n﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شيء. وقوله ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ بمعنى ساتر كميمون ومشؤوم بمعنى يامن وشائم، لأنهم من يمنهم وشؤمهم، وقيل: مستورا عن الأبصار فلا تراه وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى، ومال إلى ترجيحه ابن جرير ﵀.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها قالت: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: مذمما أتينا-أو أبينا-قال أبو موسى: الشك مني، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله ﷺ جالس وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر ﵁: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به منها ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ قال: فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم تر النبي ﷺ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني، قال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك، قال: فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدها.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ وهي جمع كنان الذي يغشى القلب ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي لئلا يفهموا القرآن ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾ وهو الثقل الذي منعهم من سماع القرآن سماعا ينفعهم","vol":"5","page":75},{"text":"ويهتدون به. وقوله تعالى: ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أي إذا وحدت الله في تلاوتك، وقلت لا إله إلا الله، ﴿وَلَّوْا﴾ أي أدبروا راجعين ﴿عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ونفور جمع نافر، وكقعود جمع قاعد، ويجوز أن يكون مصدرا من غير الفعل، والله أعلم.\nكما قال تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر:٤٥] الآية، قال قتادة في قوله ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ﴾ الآية، إن المسلمين لما قالوا لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون، كبرت عليهم وضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها ويعليها وينصرها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيزة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1078>[قول آخر في الآية]</span>\nروى ابن جرير (^٢): حدثني الحسين بن محمد الذراع، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ هم الشياطين، وهذا غريب جدا في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله انصرفوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1079>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]</span>\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾\nيخبر تعالى نبيه ﷺ بما يتناجى به رؤساء قريش حين جاءوا يستمعون قراءته ﷺ سرا من قومهم بما قالوا من أنه رجل مسحور من السحر على المشهور، أو من السحر وهو الرئة، أي إن تتبعون إن اتبعتم محمدا إلا بشرا يأكل، كما قال الشاعر: [الطويل] فإن تسألينا فيم نحن فإننا … عصافير من هذا الأنام المسحّر (^٣)\nوقال الراجز: [الوافر]\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٨٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٨٧.\n(^٣) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٥٦، ولسان العرب (سحر)، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٩٢، وديوان الأدب ٢/ ٣٥٣، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٥١١، ومقاييس اللغة ٣/ ١٣٨، ومجمل اللغة ٣/ ١٢٣، وكتاب العين ٣/ ١٣٥، والمخصص ١/ ٢٧.","vol":"5","page":76},{"text":"ونسحر بالطعام وبالشراب (^١)\nأي يغذي، وقد صوب هذا القول ابن جرير، وفيه نظر لأنهم أرادوا هاهنا أنه مسحور له رئي يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم من قال: شاعر. ومنهم من قال: كاهن.\nومنهم من قال: مجنون ومنهم من قال: ساحر، ولهذا قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي فلا يهتدون إلى الحق ولا يجدون إليه مخلصا.\nقال محمد بن إسحاق في السيرة: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قاله أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا.\nفلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه (^٢).\n_________\n(^١) صدره: أرانا موضعين لأمر غيب والبيت من الوافر وليس من الرجز كما قال المؤلف وهو لامرئ القيس في ديوانه ص ٩٧، ولسان العرب (سحر)، والتنبيه والإيضاح ٢/ ١٣١، وكتاب العين ٣/ ١٣٥، وجمهرة اللغة ص ٥١١، وتاج العروس (سحر)، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٤/ ٢٩٣.\n(^٢) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٣١٥، ٣١٦.","vol":"5","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1080>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]</span>\n﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا (٥٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد القائلين استفهام إنكار منهم لذلك ﴿أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا﴾ أي ترابا، قاله مجاهد (^١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: غبارا، ﴿أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي يوم القيامة بعد ما بلينا وصرنا عدما لا نذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر ﴿يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أَإِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٠ - ١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] الآيتين، فأمر الله سبحانه رسول الله ﷺ أن يجيبهم فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ إذ هما أشد امتناعا من العظام والرفات ﴿أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: هو الموت، وروى عطية عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة، لأحياكم الله إذا شاء، فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده.\nوقد ذكر ابن جرير (^٢) هاهنا حديثا «يجاء بالموت يوم القيامة وكأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، ثم يقال: يا أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت» وقال مجاهد ﴿أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني السماء والأرض والجبال، وفي رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله بعد موتكم، وقد وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك عن الزهري في قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ: قال مالك ويقولون هو الموت.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا﴾ أي من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر شديدا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا ثم صرتم بشرا تنتشرون، فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] الآية، وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٨٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٩٠.","vol":"5","page":78},{"text":"وقتادة: يحركونها استهزاء، وهذا الذي قالاه هو الذي تعرفه العرب من لغاتها، لأن الانغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم وهو ولد النعامة نغضا، لأنه إذا مشى عجل بمشيته وحرك رأسه، ويقال: نغضت سنّه إذا تحركت وارتفعت من منبتها وقال الراجز: [مشطور الرجز] ونغضت من هرم أسنانها (^١) وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك، كما قال تعالى:\n﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨]. وقوله: ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي احذروا ذلك، فإنه قريب سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت آت. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي الرب ﵎: ﴿إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] أي إذا أمركم بالخروج منها، فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. وقوله ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤] أي إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\nفتستجيبون بحمده، أي بأمره، وكذا قال ابن جريج: وقال قتادة بمعرفته وطاعته.\nوقال بعضهم ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي وله الحمد في كل حال. وقد جاء في الحديث «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون لا إله إلا الله» وفي رواية يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وسيأتي في سورة فاطر. وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أي يوم تقومون من قبوركم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ أي في الدار الدنيا ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾، وكقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤].\n_________\n(^١) الرجز بلا نسبة في تفسير الطبري ٨/ ٩١، وتفسير البحر المحيط ٦/ ٤٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٢٧٥.","vol":"5","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1081>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٣]</span>\n﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾\nيأمر ﵎ عبده ورسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزع الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزع في يده أي فربما أصابه بها.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» (^٢) أخرجاه من حديث عبد الرزاق. وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد عن الحسن قال: حدثني رجل من بني سليط قال: أتيت النبي ﷺ وهو في أزفلة من الناس فسمعته يقول «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله التقوى هاهنا» قال حماد: وقال بيده إلى صدره «وما تواد رجلان في الله ففرق بينهما إلا حدث يحدثه أحدهما، المحدث شر والمحدث شر والمحدث شر».\n\n<span data-type='title' id=toc-1082>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]</span>\n﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (٥٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيها الناس أي أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ﴾ -يا محمد- ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي إنما أرسلناك نذيرا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار. وقوله ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي بمراتبهم في الطاعة والمعصية ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ وكما قال تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا تفضلوا بين الأنبياء» (^٤) فإن المراد من ذاك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية لا بمقتضى الدليل فإذا دل الدليل على شيء وجب اتباعه.\nولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣١٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الفتن باب ٧، ومسلم في البر حديث ١٢٦.\n(^٣) المسند ٥/ ٧١.\n(^٤) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٣٥، ومسلم في الفضائل حديث ١٥٩.","vol":"5","page":80},{"text":"المذكورون نصا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وفي الشورى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ولا خلاف أن محمدا ﷺ أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى ثم عيسى ﵈ على المشهور، وقد بسطناه بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ تنبيه على فضله وشرفه. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته فتسرج، فكان يقرؤه قبل أن يفرغ» (^١) يعني القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1083>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]</span>\n﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله ﴿اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد فارغبوا إليهم فإنهم لا يملكون ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ أي بالكلية ﴿وَلا تَحْوِيلًا﴾ أي بأن يحولوه إلى غيركم، والمعنى أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. قال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ الآية، قال: كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا، وهم الذين يدعون يعني في الملائكة والمسيح وعزيرا (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية، روى البخاري (^٣) من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله في قوله ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا، وفي رواية: قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم، وقال قتادة عن معبد بن عبد الله الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود في قوله ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم، لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، وفي رواية عن ابن مسعود كانوا يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن فذكره.\nوقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٧، باب ٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٩٤.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٧، باب ٦.","vol":"5","page":81},{"text":"قال: عيسى وأمه وعزير، وقال مغيرة عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: هم عيسى وعزير والشمس والقمر. وقال مجاهد: عيسى والعزير والملائكة.\nواختار ابن جرير قول ابن مسعود لقوله ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهذا لا يعبر به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير والملائكة، وقال والوسيلة هي القربة، كما قال قتادة، ولهذا قال:\n﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ أي ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذا بالله منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1084>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٨]</span>\n﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ بأنه قد حتم وقضى بما قد كتب عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقال تعالى: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] وقال ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق:٨] الآيات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1085>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]</span>\n﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفًا (٥٩)﴾\nقال سنيد عن حماد بن زيد عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قال المشركون: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا، فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا فإن شئت أن نفعل الذي قالوا فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني بقومك استأنيت بهم. قال: «يا رب استأن بهم» (^١) وكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما.\nوروى الإمام أحمد (^٢): حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن يأتيهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٩٨.\n(^٢) المسند ١/ ٢٥٨.","vol":"5","page":82},{"text":"الذي سألوا فإن كفروا هلكوا، كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم. وقال «لا، بل استأن بهم» وأنزل الله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآية، ورواه النسائي وابن جرير به.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن حكيم، عن ابن عباس، قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك. قال «وتفعلون؟» قالوا: نعم. قال: فدعا فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين»، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال: «بل باب التوبة والرحمة».\nوقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا خلف بن تميم المصيصي عن عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت: سمعت الزبير يقول لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس «يا آل عبد مناف إني نذير» فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وإن سليمان سخر له الريح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وإن عيسى كان يحيي الموتى فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصيّر لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم.\nوقال: فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سرّي عنه، قال: «والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة، فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أن يعذبكم عذابا لا يعذبه أحد من العالمين» ونزلت ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ وقرأ ثلاث آيات ونزلت ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ [الرعد: ٣١] الآية.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك فإنه سهل علينا يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٤٢.","vol":"5","page":83},{"text":"﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية ناقة تخرج من صخرة عينوها، فدعا صالح ﵇ ربه فأخرج لهم منها ناقة على ما سألوه، فلما ظلموا بها أي كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله وعقروها، فقال ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]. ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ أي دالة على وحدانية من خلقها وصدق رسوله الذي أجيب دعاؤه فيها ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها، فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.\nوقوله تعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفًا﴾ قال قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة وجفت على عهد ابن مسعود ﵁، فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه (^١)، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات، فقال عمر: أحدثتم والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن. وكذا قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله ﷿ يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره-ثم قال-يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1086>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]</span>\n﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ محرضا على إبلاغ رسالته مخبرا له بأنه قد عصمه من الناس، فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته. وقال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ أي عصمك منهم، وقوله:\n﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ الآية، قال البخاري (^٣): حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٩٩، ١٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الكسوف باب ١، ٦، ١٣، ١٥، ومسلم في الكسوف حديث ٦، ١٠، ١٧، ٢١، ٢٢، ٢٩، وابن ماجة في الإقامة باب ١٥٢، وأحمد في المسند ٦/ ٨٧، ١٦٨.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٧، باب ٩.","vol":"5","page":84},{"text":"شجرة الزقوم، وكذا رواه أحمد (^١) وعبد الرزاق وغيرهما عن سفيان بن عيينة به. وكذا رواه العوفي عن ابن عباس.\nوهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد، وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستوفاة ولله الحمد والمنة. وتقدم أن ناسا رجعوا عن دينهم بعد ما كانوا على الحق، لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتا ويقينا لآخرين، ولهذا قال ﴿إِلاّ فِتْنَةً﴾ أي اختبارا وامتحانا، وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل عليه لعائن الله: هاتوا لنا تمرا وزبدا، وجعل يأكل من هذا بهذا، ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا (^٢)، حكى ذلك ابن عباس ومسروق وأبو مالك والحسن البصري وغير واحد، وكل من قال إنها ليلة الإسراء، فسره كذلك بشجرة الزقوم. وقيل: المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية، وهو غريب ضعيف.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، حدثني أبي عن جدي قال: رأى رسول الله ﷺ بني فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات، قال: وأنزل الله في ذلك ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ الآية، وهذا السند ضعيف جدا فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه أيضا ضعيف بالكلية، ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك أي في الرؤيا والشجرة، وقوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ أي الكفار بالوعيد والعذاب والنكال، ﴿فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أي تماديا فيما هم فيه من الكفر والضلال، وذلك من خذلان الله لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1087>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦١ إلى ٦٢]</span>\n﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا (٦٢)﴾\nيذكر ﵎ عداوة إبليس لعنه الله وذريته وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبي أن يسجد له افتخارا عليه واحتقارا له ﴿قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ كما قال في الآية الأخرى\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٢١، ٣٧٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٧٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ١٠٣.","vol":"5","page":85},{"text":"﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وقال أيضا أرأيتك يقول للرب جراءة وكفرا والرب يحلم وينظر ﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول لأستولين على ذريته إلا قليلا وقال مجاهد لأحتوينّ وقال ابن زيد لأضلنهم وكلها متقاربة والمعنى أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي لأن أنظرتني لأضلن ذريته إلا قليلا منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1088>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٣ إلى ٦٥]</span>\n﴿قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾\nلما سأل إبليس النظرة قال الله له ﴿اِذْهَبْ﴾ فقد أنظرتك كما قال في الآية الأخرى قال:\n﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨] ثم أوعده ومن اتبعه من ذرية آدم جهنم ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أي على أعمالكم ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ قال مجاهد وافرا، وقال قتادة موفورا عليكم لا ينقص لكم منه. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قيل هو الغناء قال مجاهد باللهو والغناء أي استخفهم بذلك وقال ابن عباس في قوله ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال كل داع دعا إلى معصية الله ﷿ وقال قتادة واختاره ابن جرير (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ يقول واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجلتهم فإن الرجل جمع راجل كما أن الركب جمع راكب وصحب جمع صاحب ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه وهذا أمر قدري كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا وتسوقهم إليها سوقا وقال ابن عباس ومجاهد في قوله ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ قال كل راكب وماش في معصية الله وقال قتادة: إن له خيلا ورجالا من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه تقول العرب أجلب فلان على فلان إذا صاح عليه ومنه نهى في المسابقة عن الجلب والجنب ومنه اشتقاق الجلبة وهي ارتفاع الأصوات.\nوقوله تعالى: ﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله، وقال عطاء: هو الربا، وقال الحسن: هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام، وكذا قال قتادة، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄ أما مشاركته إياهم في أموالهم فهو ما حرموه من أنعامهم يعني من البحائر والسوائب ونحوها وكذا قال الضحاك وقتادة وقال ابن جرير (^٢) والأولى أن يقال إن الآية تعم ذلك كله.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ١٠٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ١١١.","vol":"5","page":86},{"text":"وقوله ﴿وَالْأَوْلادِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك يعني أولاد الزنا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفها بغير علم، وقال قتادة والحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا على غير صبغة الإسلام، وجزءوا أموالهم جزءا للشيطان، وكذا قال قتادة سواء، وقال أبو صالح عن ابن عباس هو تسميتهم أولادهم عبد الحارس وعبد الشمس وعبد فلان قال ابن جرير وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى عصي الله فيه بتسميته بما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو بقتله أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به أو فيه فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه لأن الله لم يخصص بقوله ﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ معنى دون معنى فكل ما عصي الله فيه أو به أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة.\nوهذا الذي قاله متجه وكل من السلف ﵏ فسر بعض المشاركة فقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول الله ﷺ: قال «يقول الله ﷿ إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» (^١) وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا» (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذ حصحص الحق يوم يقضى بالحق ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية وقوله تعالى ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم ولهذا قال تعالى ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي حافظا ومؤيدا ونصيرا، وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر» ينضي أي يأخذ بناصيته ويقهره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1089>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٦]</span>\n﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾\nويخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر وتسهيله لمصالح عباده لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي إنما فعل هذا بكم في فضله عليكم ورحمته بكم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١١، ومسلم في الطلاق حديث ٦.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٨٠.","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1090>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٧]</span>\n﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧)﴾\nيخبر ﵎ أن الناس إذا مسهم ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ أي ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارا من رسول الله ﷺ حين فتح مكة فذهب هاربا فركب في البحر يدخل الحبشة فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده فقال عكرمة في نفسه والله إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره اللهم لك علي عهد لأن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد فلأجدنه رؤوفا رحيما، فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه ﵁ وأرضاه. وقوله تعالى ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧] أي نسيتم ما عرفتم من توحيده وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ أي سجيته هذا ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1091>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٨]</span>\n﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾\nيقول تعالى أفحسبتم بخروجكم إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا وهو المطر الذي فيه حجارة قاله مجاهد وغير واحد كما قال تعالى ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٤] وقد قال في الآية الأخرى ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وقال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] وقوله ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ أي ناصرا يرد ذلك عنكم وينقذكم منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1092>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٩]</span>\n﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾\nيقول ﵎ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ أيها المعرضون عنا بعد ما اعترفوا بتوحيدنا في البحر وخرجوا إلى البر ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ في البحر مرة ثانية ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ أي يقصف الصواري ويغرق المراكب قال ابن عباس وغيره: القاصف ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها وقوله: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ﴾ أي بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى وقوله: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قال ابن عباس نصيرا وقال مجاهد نصيرا ثائرا أي يأخذ بثأركم بعدكم. وقال قتادة ولا نخاف أحدا يتبعنا بشيء من ذلك.","vol":"5","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1093>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾\nويخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كقوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] أي يمشي قائما منتصبا على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه وجعل له سمعا وبصرا وفؤادا يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال وفي البحر أيضا على السفن الكبار والصغار ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي من زروع ثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة والمناظر الحسنة والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي.\n﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة. قال عبد الرزاق:\nأخبرنا معمر عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا الآخرة فقال الله تعالى «وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت كن فكان» وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلا.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي حدثنا حجاج بن محمد حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة قالت يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة قال لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان».\nوقد روى ابن عساكر من طريق محمد بن أيوب الرازي حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثني عثمان بن حصن عن عبيدة بن علاق سمعت عروة بن رويم اللخمي حدثني أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ: قال «إن الملائكة قالوا ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم وجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويتزوجون النساء ويركبون الدواب ينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئا فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله ﷿: «لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان».","vol":"5","page":89},{"text":"وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا عمر بن سهل حدثنا عبيد الله بن تمام عن خالد الحذاء عن بشر بن شغاف عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم» قيل يا رسول الله ولا الملائكة قال «ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر» وهذا حديث غريب جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1094>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧١ إلى ٧٢]</span>\n﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾\nيخبر ﵎ عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا في ذلك فقال مجاهد وقتادة أي نبيهم وهذا كقوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٤٧] الآية وقال بعض السلف هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث لأن إمامهم النبي ﷺ وقال ابن زيد بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع واختاره ابن جرير وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: بكتبهم (^١) فيحتمل أن يكون أراد هذا وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ أي بكتاب أعمالهم وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف:٤٩] الآية ويحتمل أن المراد بإمامهم أي كل قوم بمن يأتمون به فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء ﵈ وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم كما قال ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ [القصص:٤١] وفي الصحيحين «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع ما كان يعبد الطواغيت» (^٢) الحديث.\nوقال تعالى ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته فإنه لا بد أن يكون شاهدا على أمته بأعمالها كقوله تعالى ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ولكن المراد هاهنا بالإمام هو كتاب الأعمال ولذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ أي من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرأه ويحب قراءته كقوله: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٦] الآيات، وقوله تعالى ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ١١٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، والرقاق باب ٥٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٧٥، ٢٩٣، ٥٣٤.","vol":"5","page":90},{"text":"قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة.\nوقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا في هذا فقال: حدثنا محمد بن يعمر ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا فيأتيهم فيقول لهم أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له جسمه ويراه أصحابه فيقولون أعوذ بالله من هذا أو من شر هذا اللهم لا تأتنا به فيأتيهم فيقولون اللهم آخره فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا» ثم قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى﴾ الآية، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ﴾ أي في الحياة الدنيا ﴿أَعْمى﴾ أي عن حجة الله وآياته وبيناته ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ أي كذلك يكون ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي وأضل منه كما كان في الدنيا عياذا بالله من ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1095>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٣ إلى ٧٥]</span>\n﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)﴾\nيخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره مؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، ﷺ تسليما كثيرا إلى يوم الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1096>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]</span>\n﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾\nقيل: نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله ﷺ بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة بعد ذلك، وقيل: إنها نزلت بتبوك وفي صحته نظر. روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ يوما فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء، فصدق ما قالوا فغزا تبوك لا يريد","vol":"5","page":91},{"text":"إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ -إلى قوله- ﴿تَحْوِيلًا﴾ فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنه تبعث.\nوفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] ولقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم.\nولو صح هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام» قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن، مما قال الوليد إنه بيت المقدس، والله أعلم. وقيل نزلت في كفار قريش، هموا بإخراج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرا، وكذلك وقع فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد ما اشتد أذاهم له إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلطة عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم وسبى ذراريهم، ولهذا قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا﴾ الآية، أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم يأتيهم العذاب، ولولا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رسول الرحمة لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1097>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]</span>\n﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾\nيقول ﵎ لرسوله ﷺ آمرا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قيل لغروبها، قاله ابن مسعود ومجاهد وابن زيد. وقال هشيم عن مغيرة، عن الشعبي عن ابن عباس: دلوكها زوالها، ورواه نافع عن ابن عمر، ورواه مالك في تفسيره عن الزهري عن ابن عمر، وقاله أبو برزة الأسلمي وهو رواية أيضا عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن والضحاك وأبو جعفر الباقر وقتادة، واختاره ابن جرير، ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد عن الحكم بن بشير: حدثنا عمرو بن قيس عن ابن أبي ليلى عن رجل عن جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله ﷺ ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي ﷺ فقال: «اخرج يا أبا بكر، فهذا حين دلكت","vol":"5","page":92},{"text":"الشمس» (^١).\nثم رواه عن سهل بن بكار عن أبي عوانة عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي عن جابر عن رسول الله ﷺ نحوه، فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلوات الخمس فمن قوله:\n﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وهو ظلامه، وقيل غروب الشمس، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء.\nوقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يعني صلاة الفجر، وقد بينت السنة عن رسول الله ﷺ تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم مما تلقوه خلفا من سلف وقرنا بعد قرن، كما هو مقرر في مواضعه، ولله الحمد. ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ قال الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود، وعن أبي صالح عن أبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ في هذه الآية ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ، وحدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ قال: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» (^٤). ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، ثلاثتهم عن عبيد بن أسباط بن محمد عن أبيه به، وقال الترمذي: حسن صحيح وفي لفظ في الصحيحين من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» (^٥) وقال عبد الله بن مسعود يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء، وكذا قال إبراهيم النخعي ومجاهد وقتادة وغير واحد في تفسير هذه الآية.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٢٥.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٧، باب ١٠.\n(^٣) المسند ٢/ ٤٧٤.\n(^٤) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٧، باب ٥، وابن ماجة في الصلاة باب ٢، والجنائز باب ٦٥.\n(^٥) أخرجه البخاري في المواقيت باب ١٦، ومسلم في المساجد حديث ٢١٠.","vol":"5","page":93},{"text":"وأما الحديث الذي رواه ابن جرير (^١) هاهنا من حديث الليث بن سعد عن زيادة عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ فذكر حديث النزول، وأنه تعالى يقول: من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطيه، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر، فلذلك يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ فيشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار، فإنه تفرد به زيادة، وله بهذا حديث في سنن أبي داود.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد في صحيح مسلم (^٢) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أن سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال «صلاة الليل»، ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد ما كان بعد النوم. قاله علقمة والأسود وإبراهيم النخعي وغير واحد، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان يتهجد بعد نومه، عن ابن عباس وعائشة وغير واحد من الصحابة ﵃، كما هو مبسوط في موضعه، ولله الحمد والمنة.\nوقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء ويحمل على ما كان بعد النوم، واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ فقيل معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجبا في حقه دون الأمة، رواه العوفي عن ابن عباس، وهو أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي ﵀، واختاره ابن جرير، وقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وغيره من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه. قاله مجاهد: وهو في المسند (^٣) عن أبي أمامة الباهلي ﵁.\nوقوله: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ أي افعل هذا الذي أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقاما محمودا، يحمدك في الخلائق كلهم وخالقهم ﵎. قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1098>[ذكر من قال ذلك]</span>\nحدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: يجمع الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ١٢٧.\n(^٢) كتاب الصيام حديث ٢٠١.\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ٥/ ٢٥٥، ٢٥٦.","vol":"5","page":94},{"text":"خلقوا، قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادي: يا محمد، فيقول: «لبيك وسعديك، والخير في يديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، ومنك وإليك لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله ﷿ (^١).\nثم رواه عن بندار، عن غندر عن شعبة، عن أبي إسحاق به، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق به، وقال ابن عباس: هذا المقام المحمود مقام الشفاعة، وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال الحسن البصري.\nوقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قلت لرسول الله ﷺ تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد، فهو أول من تنشق عنه الأرض ويبعث راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما تسأل الناس آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فكل يقول: لست لها، حتى يأتوا إلى محمد ﷺ فيقول «أنا لها أنا لها» كما سنذكر ذلك مفصلا في هذا الموضع إن شاء الله تعالى. ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيردون عنها، وهو أول الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وهو أول شفيع في الجنة كما ثبت في صحيح مسلم.\nوفي حديث الصور أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته، وهو أول داخل إليها، وأمته قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة لا تليق إلا له، وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة، شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك، وقد بسطت ذلك مستقصى في آخر كتاب السيرة في باب الخصائص، ولله الحمد والمنة.\nولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود وبالله المستعان. قال البخاري (^٢):\nحدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي، سمعت ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد ﷺ فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا. ورواه حمزة بن عبد الله عن أبيه،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٣١.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٧، باب ١١.","vol":"5","page":95},{"text":"عن النبي ﷺ.\nقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا شعيب بن الليث، ثنا الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر، أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد ﷺ فيشفع بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا». وهكذا رواه البخاري في الزكاة عن يحيى بن بكير وعلقمة عن عبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد به، وزاد. فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا، يحمده أهل الجمع كلهم (^٢).\nقال البخاري (^٣): حدثنا علي بن عياش، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» انفرد به دون مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1099>[حديث أبي بن كعب]</span>\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» (^٥)، وأخرجه الترمذي من حديث أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجة من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل به، وقد قدمنا في حديث أبي بن كعب في قراءة القرآن على سبعة أحرف، قال ﷺ في آخره: «فقلت اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇» (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1100>[حديث أنس بن مالك]</span>\nقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، حدثنا قتادة عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ١٣٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٥٢.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٧، باب ١١.\n(^٤) المسند ٥/ ١٣٧، ١٣٨.\n(^٥) أخرجه الترمذي في المناقب باب ١، وابن ماجة في الزهد باب ٣٧.\n(^٦) المسند ٥/ ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩.\n(^٧) المسند ٣/ ١١٦.","vol":"5","page":96},{"text":"أنس، عن النبي ﷺ قال: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك، فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول لهم آدم: لست هناكم ويذكر ذنبه الذي أصاب فيستحيي ربه ﷿ من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتونه فيقول: لست هناكم، لكن ائتوا موسى عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة.\nفيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول:\nلست هناكم، ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني-قال الحسن هذا الحرف-فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين-قال أنس-حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له-أو خررت-ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني-قال- ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، قال: ثم أعود إليه ثانية فإذا رأيت ربي وقعت له أو خررت ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة.\nقال: ثم أعود الثالثة فإذا رأيت ربي وقعت-أو خررت-ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن»، فحدثنا أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «فيخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» (^١)، أخرجاه من حديث سعيد به.\nوهكذا رواه الإمام أحمد (^٢) عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بطوله.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٣، والتوحيد باب ١٩، ومسلم في الإيمان حديث ٣٢٦.\n(^٢) المسند ٣/ ٢٤٤.\n(^٣) المسند ٣/ ١٧٨.","vol":"5","page":97},{"text":"الأنصاري عن النضر بن أنس، عن أنس قال: حدثني نبي الله ﷺ قال: «إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى ﵇ فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون-أو قال: يجتمعون إليك-ويدعون الله أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله لغم ما هم فيه، فالخلق ملجمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزحمة، وأما الكافر فيغشاه الموت، فقال:\nانتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبي الله ﷺ فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملك مصطفى ولا نبي مرسل، فأوحى الله ﷿ إلى جبريل أن اذهب إلى محمد، وقل له ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع، فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانا واحدا، فما زلت أتردد إلى ربي ﷿، فلا أقوم منه مقاما إلا شفعت حتى أعطاني الله ﷿، من ذلك أن قال: يا محمد أدخل من أمتك من خلق الله ﷿ من شهد أن لا إله إلا الله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك».\n\n<span data-type='title' id=toc-1101>[حديث بريدة ﵁]</span>\nقال الإمام أحمد بن حنبل (^١): حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل عن الحارث بن حصيرة، عن ابن بريدة، عن أبيه أنه دخل على معاوية، فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة:\nيا معاوية تأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم، وهو يرى أنه يتكلم بمثل ما قال الآخر، فقال بريدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة»، قال: فترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها علي ﵁».\n[حديث ابن مسعود]-قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا سعيد بن الفضل، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا علي بن الحكم البناني عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ فقالا: إن أمنا تكرم الزوج وتعطف على الولد، قال: وذكرا الضيف غير أنها كانت وأدت في الجاهلية، فقال «أمكما في النار» قال: فأدبرا والسوء يرى في وجوههما، فأمر بهما فردا فرجعا والسرور يرى في وجوههما رجاء أن يكون قد حدث شيء، فقال «أمي مع أمكما» فقال رجل من المنافقين:\nوما يغني هذا عن أمه شيئا ونحن نطأ عقبيه. فقال رجل من الأنصار: ولم أر رجلا قط أكثر سؤالا منه يا رسول الله، هل وعدك ربك فيها أو فيهما؟ قال: فظن أنه من شيء قد سمعه، فقال: «ما سألته ربي وما أطمعني فيه، وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة».\nفقال الأنصاري: يا رسول الله وما ذاك المقام المحمود؟ قال: ذاك إذا جيء بكم حفاة\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٤٧.\n(^٢) المسند ١/ ٣٩٨، ٣٩٩.","vol":"5","page":98},{"text":"عراة غرلا، فيكون أول من يكسى إبراهيم ﵇، فيقول: اكسوا خليلي فيؤتى بريطتين بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعده مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها فأقوم عن يمينه مقاما لا يقومه أحد، فيغبطني فيه الأولون والآخرون» قال: ويفتح لهم من الكوثر إلى الحوض، فقال المنافق: إنه ما جرى ماء قط إلا على حال أو رضراض، فقال رسول الله ﷺ: «حاله المسك، ورضراضه اللؤلؤ» فقال المنافق: لم أسمع كاليوم، فإنه قلما جرى ماء على حال أو رضراض إلا كان له نبت؟ فقال الأنصاري، يا رسول الله هل له نبت؟ فقال: «نعم قضبان الذهب» قال المنافق لم أسمع كاليوم، فإنه قلما ينبت قضيب إلا أورق وإلا كان له ثمر، وقال الأنصاري: يا رسول الله هل له ثمرة؟ قال: «نعم ألوان الجوهر، وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، من شرب منه شربا لا يظمأ بعده، ومن حرمه لم يرو بعده».\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه عن أبي الزعراء، عن عبد الله قال: ثم يأذن الله ﷿ في الشفاعة فيقوم روح القدس جبريل، ثم يقوم إبراهيم خليل الله ثم يقوم عيسى أو موسى، قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما، قال: ثم يقوم نبيكم ﷺ رابعا فيشفع لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله ﷿:\n﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1102>[حديث كعب بن مالك ﵁]</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي ﷿ حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود».\n\n<span data-type='title' id=toc-1103>[حديث أبي الدرداء ﵁]</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك» فقال رجل: يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: «هم غر\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٤٥٦.\n(^٢) المسند ٥/ ١٩٩.","vol":"5","page":99},{"text":"محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى من بين أيديهم ذريتهم».\n\n<span data-type='title' id=toc-1104>[حديث أبي هريرة ﵁]</span>\nقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو حيان، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة، ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ من الغم والكرب ما لا يطيقون، ولا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه مما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم ﵇ فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح.\nفيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله قط، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم.\nفيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ﵇ فيقولون: يا موسى أنت رسول الله اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى، إن ربي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى.\nفيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٣٥، ٤٣٦.","vol":"5","page":100},{"text":"فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ.\nفيأتون محمدا ﷺ فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي ﷿، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى، أخرجاه في الصحيحين (^١).\nوقال مسلم (^٢) ﵀: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا عقل بن زياد عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فروخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، وأول شافع وأول مشفع».\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن داود بن يزيد الزعافري عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ سئل عنها فقال: «هي الشفاعة» رواه الإمام أحمد عن وكيع ومحمد بن عبيد عن داود عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قال «هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه» (^٤).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ «إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه -قال النبي ﷺ-فأكون أول من يدعي، وجبريل عن يمين الرحمن ﵎ والله ما رآه قبلها، فأقول: أي رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي، فيقول الله ﷿، صدق، ثم أشفع فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال: فهو المقام المحمود» وهذا حديث مرسل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٧، باب ٥، ومسلم في الإيمان حديث ٣٢٧.\n(^٢) كتاب الفضائل حديث ٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ١٣٣.\n(^٤) المسند ٢/ ٤٤١، ٥٢٨.","vol":"5","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1105>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٠ إلى ٨١]</span>\n﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه، عن ابن عباس قال:\nكان النبي ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله ﷺ ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، فأراد الله قتال أهل مكة، أمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله ﷿:\n﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الآية (^٢).\nوقال قتادة ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني المدينة ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني مكة (^٣)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني الموت ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني الحياة بعد الموت، وقيل غير ذلك من الأقوال، والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير.\nوقوله ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له. وقال قتادة فيها: إن نبي الله ﷺ علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم (^٤)، قال مجاهد ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ حجة بينة، واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] الآية. وفي الحديث «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع.\nوقوله: ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ الآية، تهديد ووعيد لكفار قريش، فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع، وزهق باطلهم أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: دخل\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٢٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٣٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ١٣٥.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٣٧.","vol":"5","page":102},{"text":"النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد» (^١) وكذا رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع، ومسلم والترمذي والنسائي كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به، وكذا رواه عبد الرزاق عن ابن أبي نجيح به.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا شبابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير عن جابر ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما تعبد من دون الله. فأمر بها رسول الله ﷺ فأكبت على وجوهها، وقال: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1106>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]</span>\n﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا (٨٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، إنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي يذهب ما في القلب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيد سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا، والآفة من الكافر لا من القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقال تعالى:\n﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥] والآيات في ذلك كثيرة. قال قتادة في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1107>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]</span>\n﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)﴾\nيخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله تعالى في حالتي السراء والضراء، فإنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المظالم والغضب باب ٣٢، وتفسير سورة ١٧، باب ١٢، ومسلم في الجهاد حديث ٨٤، ٨٧، والترمذي في تفسير سورة ١٧، باب ٨، وأحمد في المسند ١/ ٣٧٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٣٩.","vol":"5","page":103},{"text":"طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه. قال مجاهد: بعد عنا، قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] وقوله: ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧] وبأنه إذا مسه الشر وهو المصائب، والحوادث والنوائب ﴿كانَ يَؤُسًا﴾ أي قنط أن يعود فيحصل له بعد ذلك خير، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد:\nعلى حدته وطبيعته. وقال قتادة: على نيته. وقال ابن زيد: دينه، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى وهذه الآية-والله أعلم-تهديد للمشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [هود: ١٢١ - ١٢٢] الآية، ولهذا قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا﴾ أي منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله فإنه لا تخفى عليه خافية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1108>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]</span>\n﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا (٨٥)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرث في المدينة، وهو متوكئ على عسيب، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه. قال فسألوه عن الروح، فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فما زال متوكئا على العسيب، قال: فظننت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ قال: فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به.\nولفظ البخاري عند تفسيره هذه الآية عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث وهو متوكئ على عسيب، إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض:\nسلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه، وقال بعضهم: لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه. فقالوا سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي ﷺ، فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية (^٢).\nوهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٨٩، ٤١٠، ٤٤٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٧، باب ١٣، والتوحيد باب ٢٨، ومسلم في صفات المنافقين حديث ٣٢.","vol":"5","page":104},{"text":"اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.\nومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا قتيبة، حدثنا يحيى بن زكريا عن داود عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فنزلت ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ قالوا: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، قال: وأنزل الله ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية.\nوقد روى ابن جرير (^٢) عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى، عن داود عن عكرمة قال:\nسأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية، فقالوا:\nتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قال: فنزلت ﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، قال ما أوتيتم من علم فنجاكم الله به من النار، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل.\nوقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار يهود وقالوا:\nيا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أفعنيتنا أم عنيت قومك، فقال «كلا قد عنيت» فقالوا: إنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله ﷺ: «هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم» وأنزل الله ﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٣) [لقمان: ٢٧].\nوقد اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا على أقوال [أحدها] أن المراد أرواح بني آدم. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية، وذلك أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: أخبرنا عن الروح وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يحر إليهم شيئا، فأتاه جبريل فقال له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ﴾\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٥٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ١٤١، ١٤٢.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٤٣.","vol":"5","page":105},{"text":"﴿رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ فأخبرهم النبي ﷺ بذلك، فقالوا: من جاءك بهذا؟ قال:\nجاءني به جبريل من عند الله، فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدونا، فأنزل الله ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] وقيل: المراد بالروح هاهنا جبريل، وقال قتادة: وكان ابن عباس يكتمه، وقيل المراد به هاهنا ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ يقول: الروح ملك.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب بن روق بن هبيرة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه سبحانك حيث كنت» وهذا حديث غريب بل منكر. وقال أبو جعفر بن جرير ﵀. حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني أبو مروان يزيد بن سمرة صاحب قيسارية عمن حدثه عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في قوله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة، وهذا أثر غريب عجيب، والله أعلم.\nوقال السهيلي: روي عن علي أنه قال: هو ملك له مائة ألف رأس، لكل رأس مائة ألف وجه، في كل وجه مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة.\nقال السهيلي: وقيل المراد بذلك طائفة من الملائكة على صور بني آدم، وقيل: طائفة يرون الملائكة ولا تراهم، فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم.\nوقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي من شأنه ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال:\n﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎، والمعنى أنه علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى، وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة فنقر في البحر نقرة، أي شرب منه بمنقاره، فقال: يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وقال السهيلي:\nقال بعض الناس لم يجبهم عما سألوا، لأنهم سألوا على وجه التعنت، وقيل: أجابهم. وعول السهيلي على أن المراد بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي من شرعه، أي فادخلوا فيه وقد علمتم ذلك، لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما ينال من جهة الشرع، وفي","vol":"5","page":106},{"text":"هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر، والله أعلم.\nثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء، كما أن الماء هو حياة الشجر ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسما خاصا، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارا (^١) أو خمرا، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه، فحاصل ما نقول: إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه لا من كل وجه، وهذا معنى حسن، والله أعلم.\nقلت: وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها، وصنفوا في ذلك كتبا، ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن مندة في كتاب سمعناه في الروح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1109>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٦ إلى ٨٩]</span>\n﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا (٨٩)﴾\nيذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم ﷺ فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. قال ابن مسعود ﵁: يطرق الناس ريح حمراء، يعني في آخر الزمان من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية، ثم قرأ ابن مسعود ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ الآية (^٢).\nثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزل على رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثال له ولا عديل له، وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا له: إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به، فأنزل الله هذه الآية، وفي هذا نظر، لأن هذه السورة مكية وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة، فالله أعلم. وقوله\n_________\n(^١) المصطار: الخمر الحديثة المتغيرة الطعم والريح، وقيل: المصطار: من أسماء الخمر.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٤٤.","vol":"5","page":107},{"text":"﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ﴾ الآية، أي بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا فأبى أكثر الناس إلا كفورا أي جحودا للحق وردا للصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1110>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ إلى ٩٣]</span>\n﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾\nقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر قدم منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة، عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج السهميين، اجتمعوا أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه (^٢).\nفبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء (^٣)، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم (^٤) حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبث؟؟؟ الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك-وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي-فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.\nفقال رسول الله ﷺ ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ١٤٩، ١٥٠، ١٥١.\n(^٢) حتى تعذروا فيه: أي حتى تقدموا العذر فيه، فلا تلامون بعد ذلك على ما يكون بينكم وبينه.\n(^٣) أي ظهر لهم ما لم يكن معروفا قبلا.\n(^٤) العنت: ما بشق على المرء فعله.","vol":"5","page":108},{"text":"الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» أو كما قال رسول الله ﷺ تسليما، فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: «ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول الله ﷺ: «ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك» فقالوا: يا محمد أما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلك أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا.\nفلما قالوا ذلك، قام رسول الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من عذاب، فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت بذلك لظننت أني لا أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما كان","vol":"5","page":109},{"text":"طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.\nوهكذا رواه زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس فذكر مثله سواء.\nوهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطالبون ذلك كفرا وعنادا له، فقيل لرسول الله ﷺ: إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة؟ فقال: «بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة، كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس والزبير بن العوام أيضا عند قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ٧ - ١١].\nوقوله تعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عيونا معينا في أرض الحجاز هاهنا وهاهنا وذلك سهل على الله تعالى يسير لو شاء لفعله ولأجابهم إلى جميع ما سألوه وطلبوا ولكن علم أنهم لا يهتدون كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ﴾ أي أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهوي وتدلي أطرافها، فاجعل ذلك في الدنيا وأسقطها كسفا، أي قطعا كقوله ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء:١٨٧] فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم، وأما نبي الرحمة ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجيلهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا، وكذلك وقع فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى عبد الله بن أمية الذي تبع النبي ﷺ وقال له ما قال، أسلم إسلاما تاما وأناب إلى الله ﷿.","vol":"5","page":110},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو الذهب، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود: أو يكون لك بيت من ذهب ﴿أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ﴾ أي تصعد في سلم ونحن ننظر إليك ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ قال مجاهد: أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة هذا كتاب من الله لفلان تصبح موضوعة عند رأسه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي ﷾ وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله ﷿.\nقال الإمام أحمد بن حنبل (^١): حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «عرض علي ربي ﷿ ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما-أو نحو ذلك-فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» ورواه الترمذي (^٢) في الزهد عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-1111>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]</span>\n﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ﴾ أي أكثرهم ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ويتابعوا الرسل إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلا، كما قال تعالى: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وقال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] الآية. وقال فرعون وملؤه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وكذلك قالت الأمم لرسلهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] والآيات في هذا كثيرة، ثم قال تعالى منبها على لطفه ورحمته بعباده أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ليفقهوا عنه لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال تعالى:\n﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ﴾\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٥٤.\n(^٢) كتاب الزهد باب ٣٥.","vol":"5","page":111},{"text":"﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] ولهذا قال هاهنا ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي كما أنتم فيها ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ أي من جنسهم. ولما كنتم أنتم بشرا بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفا ورحمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1112>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]</span>\n﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾\nيقول تعالى مرشدا نبيه ﷺ إلى الحجة على قومه في صدق ما جاءهم به: إنه شاهد علي وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبا عليه لا لانتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى:\n﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].\nوقوله ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي عليما بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال:\n\n<span data-type='title' id=toc-1113>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٧]</span>\n﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه أي يهدونهم، كما قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ قال الإمام أحمد (^١)، حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: «الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» (^٢)، وأخرجاه في الصحيحين.\nوقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا الوليد بن جميع القرشي عن أبيه عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذر فقال: يا بني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار، فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال «يلقي الله ﷿ الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف (^٤) ذات القتب (^٥) فلا يقدر عليها».\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٦٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٥، باب ١، ومسلم في المنافقين حديث ٥٤.\n(^٣) المسند ٥/ ١٦٤، ١٦٥.\n(^٤) الشارف: الناقة المسنة.\n(^٥) القتب للبعير: شبه الرحل.","vol":"5","page":112},{"text":"وقوله: ﴿عُمْيًا﴾ أي لا يبصرون، ﴿وَبُكْمًا﴾ يعني لا ينطقون، ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون، وهذا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكما وعميا وصما عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه ﴿مَأْواهُمْ﴾ أي منقلبهم ومصيرهم ﴿جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ﴾ قال ابن عباس: سكنت، وقال مجاهد طفئت، ﴿زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ أي لهبا ووهجا وجمرا، كما قال: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾ [النبأ: ٣٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1114>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]</span>\n﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُورًا (٩٩)﴾\nيقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به من البعث على العمي والبكم والصمم جزاؤهم الذي يستحقونه، لأنهم كذبوا ﴿بِآياتِنا﴾ أي بأدلتنا وحجتنا، واستبعدوا وقوع البعث ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا﴾ أي بالية نخرة ﴿أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي بعد ما صرنا إليه من البلى والهلاك والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية؟ فاحتج تعالى عليهم ونبههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السموات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك، كما قال:\n﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣] الآية، وقال ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨١ - ٨٢] إلى آخر السورة.\nوقال هاهنا ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى كما بدأهم. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلا مضروبا ومدة مقدرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]. وقوله: ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ﴾ أي بعد قيام الحجة عليهم ﴿إِلاّ كُفُورًا﴾ إلا تماديا في باطلهم وضلالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1115>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٠]</span>\n﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾\nيقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: قل لهم يا محمد لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس وقتادة: أي الفقر (^١)، خشية أن تذهبوها مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا، لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا﴾ قال ابن عباس وقتادة: أي بخيلا منوعا، وقال الله تعالى:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٥٤.","vol":"5","page":113},{"text":"﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] أي لو أن لهم نصيبا في ملك الله لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1116>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠١ إلى ١٠٤]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾\nيخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، قاله ابن عباس (^٢). وقال محمد بن كعب: هي اليد والعصا، والخمس في الأعراف والطمسة والحجر، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هي يده وعصاه والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري السنين ونقص الثمرات واحدة، وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا ما يأفكون ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا، وما نجعت فيهم: فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك ما سألوا، وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ قيل: بمعنى ساحر، والله تعالى أعلم.\nفهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المراد هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى:\n﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ -إلى قوله- ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٠ - ١٢] فذكر هاتين الآيتين العصا واليد وبين الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها. وقد أوتي موسى عليه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٢، والتوحيد باب ١٩، ٢٢، ومسلم في الزكاة حديث ٣٧، والترمذي في تفسير سورة ٥، باب ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٣، ٥٠٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ١٥٥.","vol":"5","page":114},{"text":"السلام آيات أخر كثيرة، منها ضربة الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر هاهنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال:\nسمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فقال: لا تقل له نبي، فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه، فقال النبي ﷺ:\n«لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة -أو قال لا تفروا من الزحف شعبة الشاك-وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت» فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي. قال: «فما يمنعكما أن تتبعاني؟» قالا: لأن دواد ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود (^٢). فهذا الحديث رواه هكذا الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم.\nولهذا قال موسى لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ أي حججا وأدلة على صدق ما جئتك به ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي هالكا، قاله مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: ملعونا، وقال أيضا هو والضحاك ﴿مَثْبُورًا﴾ أي مغلوبا، والهالك كما قال مجاهد يشمل هذا كله، قال الشاعر عبد الله بن الزبعرى: [الخفيف] إذ أجاري الشيطان في سنن الغي … ومن مال ميله مثبور (^٣)\nوقرأ بعضهم برفع التاء من قوله علمت، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب لفرعون، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] الآية، فهذا كله مما يدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا واليد والسنين ونقص من\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٧، باب ١٥، والنسائي في التحريم باب ١٨.\n(^٣) البيت لابن الزبعرى في تفسير البحر المحيط ٦/ ٦٧، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٣٨، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤١٩، وتفسير الطبري ٨/ ١٥٩.","vol":"5","page":115},{"text":"الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاءهم هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة، فإن له بعض ما ينكر، والله أعلم. ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات فحصل وهم في ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي يخليهم منها ويزيلهم عنها، ﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ وفي هذا بشارة لمحمد ﷺ بفتح مكة مع أن السورة مكية نزلت قبل الهجرة، وكذلك فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ الآيتين، ولهذا أورث الله رسوله مكة فدخلها عنوة على أشهر القولين، وقهر أهلها ثم أطلقهم حلما وكرما، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]، وقال هاهنا ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ أي جميعكم أنتم وعدوكم، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: لفيفا أي جميعا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1117>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]</span>\n﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز وهو القرآن المجيد أنه بالحق نزل، أي متضمنا للحق، كما قال تعالى: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] أي متضمنا علم الله الذي أراد أن يطلعكم عليه من أحكامه وأمره ونهيه. وقوله ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي ونزل إليك يا محمد محفوظا محروسا لم يشب بغيره ولا زيد فيه ولا نقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القوى الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى. وقوله:\n﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أي يا محمد ﴿إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ مبشرا لمن أطاعك من المؤمنين ونذيرا لمن عصاك من الكافرين.\nوقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ أما قراءة من قرأ بالتخفيف فمعناه فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا منجما على الوقائع إلى رسول الله ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، قاله عكرمة عن ابن عباس وعن ابن عباس أيضا أنه قرأ: فرقناه بالتشديد، أي أنزلناه آية آية مبينا ومفسرا، ولهذا قال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ﴾ أي لتبلغه الناس وتتلوه عليهم، أي ﴿عَلى مُكْثٍ﴾ أي مهل ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ أي شيئا بعد شيء.","vol":"5","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1118>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٩]</span>\n﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ أي سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه أنزله الله ونوه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة على رسله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه ولا حرفوه ﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هذا القرآن ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ﴾ جمع ذقن وهو أسفل الوجه ﴿سُجَّدًا﴾ أي لله ﷿ شكرا على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلا أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب، ولهذا يقولون ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ أي تعظيما وتوقيرا على قدرته التامة وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد ﷺ ولهذا قالوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾. وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ﴾ أي خضوعا لله ﷿ وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ اي إيمانا وتسليما، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ﴾ عطف صفة على صفة لا عطف السجود على السجود، كما قال الشاعر: [المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-1119>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١١٠ إلى ١١١]</span>\n﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله ﷿، المانعين من تسميته بالرحمن ﴿اُدْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ أي لا فرق بين دعائكم له باسم الله أو باسم الرحمن، فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ -إلى أن قال- ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] الآية، وقد روى مكحول أن رجلا من المشركين سمع النبي ﷺ وهو يقول في سجوده: «يا رحمن يا رحيم» فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو اثنين، فأنزل الله هذه الآية، وكذا روي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير.\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٦٩، وخزانة الأدب ١/ ٤٥١، ٥/ ١٠٧، ٦/ ٩١، وشرح قطر الندى ص ٢٩٥.","vol":"5","page":117},{"text":"وقوله: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ الآية قال الإمام أحمد (^١): حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متوار بمكة، ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾ قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيه ﷺ:\n﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القرآن ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به، وكذا رواه الضحاك عن ابن عباس، وزاد:\nفلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك يفعل أي ذلك شاء.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يسمع، فإن خفض صوته ﷺ لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فيتفرقوا عنك ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ فلا يسمع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك منهم فلعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٣) وهكذا قال عكرمة والحسن البصري وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة، وقال شعبة عن الأشعث بن أبي سليم عن الأسود بن هلال عن ابن مسعود لم يخافت بها من أسمع أذنيه.\nقال ابن جرير (^٤): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن سلمة بن علقمة (^٥) عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي ﷿ وقد علم حاجتي، فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ قيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا، وقال أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس: نزلت في الدعاء (^٦)،\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٣، ٢١٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢، ٣٤، ٤٤، ٥٢، ومسلم في الصلاة حديث ١٤٥، ١٤٦.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٦٨، ١٦٩.\n(^٤) تفسير الطبري ٨/ ١٦٨.\n(^٥) في الطبري: عن سلمة عن علقمة.\n(^٦) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٦٦.","vol":"5","page":118},{"text":"وهكذا روى الثوري ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها نزلت في الدعاء، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو عياض ومكحول وعروة بن الزبير. وقال الثوري عن ابن عياش العامري عن عبد الله بن شداد قال: كان أعرابي من بني تميم إذا سلم النبي ﷺ قال: «اللهم ارزقنا إبلا وولدا» قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾.\n[قول آخر] قال ابن جرير (^١): حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: نزلت هذه الآية في التشهد ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾، وبه قال حفص عن أشعث بن سوار عن محمد بن سيرين مثله.\n[قول آخر]: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾ قال: لا تصل مراءاة للناس ولا تدعها مخافة الناس. وقال الثوري عن منصور عن الحسن البصري ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾ قال: لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن الحسن به، وهشيم عن عوف عنه به، وسعيد عن قتادة عنه كذلك.\n[قول آخر] قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ قال: أهل الكتاب يخافتون ثم يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك الذي سن له جبريل من الصلاة.\nوقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لما اثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائض فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي ليس بدليل فيحتاج إلى أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبرها ومقدرها وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يحالف أحدا ولم يبتغ نصر أحد ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أى عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا.\nقال ابن جرير (^٢): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية، قال إن اليهود والنصارى يقولون اتخذ الله ولدا، وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ١٧٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ١٧٢.","vol":"5","page":119},{"text":"﴿يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وقال أيضا:\nحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يعلم أهله هذه الآية ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية، الصغير من أهله والكبير. قلت وقد جاء في حديث أن رسول الله ﷺ سمى هذه الآية آية العز، وفي بعض الآثار أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا بشر بن سيحان البصري، حدثنا حرب بن ميمون، حدثنا موسى بن عبيدة الزبيدي عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال: خرجت أنا ورسول الله ﷺ ويده في يدي، أو يدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة فقال: «أي فلان ما بلغ بك ما أرى؟» قال: السقم والضر يا رسول الله، قال: «ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟» قال: لا، قال: ما يسرني بها أن شهدت معك بدرا أو أحدا، قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: «وهل يدرك أهل بدر وأهل أحد ما يدرك الفقير القانع؟» قال: فقال أبو هريرة: يا رسول الله إياي فعلمني، قال: «فقل يا أبا هريرة توكلت على الحي الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا» قال: فأتى علي رسول الله وقد حسنت حالي قال: فقال لي «مهيم» (^١) قال: قلت يا رسول الله لم أزل أقول الكلمات التي علمتني»، إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة، والله أعلم. آخر تفسير سورة سبحان. ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) مهيم: كلمة يمنية، تعني ما شأنك وأمرك، وما بك.","vol":"5","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1120>سورة الكهف</span>\nوهي مكية\n\n<span data-type='title' id=toc-1121>[ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال]</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزل عند القرآن أو تنزلت للقرآن» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به، وهذا الرجل الذي كان يتلوها هو أسيد بن الحضير كما تقدم في تفسير سورة البقرة.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد، أخبرنا هشام بن يحيى عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» (^٤) رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث قتادة به، ولفظ الترمذي «من حفظ ثلاث آيات من أول الكهف» (^٥) وقال: حسن صحيح.\n[طريق أخرى]-قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن قتادة، سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال» ورواه مسلم (^٧) أيضا والنسائي من حديث قتادة به، وفي لفظ النسائي «من قرأ عشر آيات من الكهف» فذكره (حديث آخر) وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد عن شعبة عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان عن رسول الله ﷺ أنه قال «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٨١.\n(^٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٥، وفضائل القرآن باب ١١، ومسلم في المسافرين حديث ٢٤٠، ٢٤١.\n(^٣) المسند ٥/ ١٩٦.\n(^٤) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٢٥٧، وأبو داود في الملاحم باب ١٤.\n(^٥) أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب ٦. ولفظ الترمذي: «من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال».\n(^٦) المسند ٦/ ٤٤٦.\n(^٧) كتاب المسافرين حديث ٢٥٧.","vol":"5","page":121},{"text":"عصمة له من الدجال» فيحتمل أن سالما سمعه من ثوبان ومن أبي الدرداء.\nوقال أحمد (^١): حدثنا حسين، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ أول سورة الكهف وآخرها، كانت له نورا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورا ما بين السماء والأرض» انفرد به أحمد ولم يخرجوه، وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد له غريب عن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين» وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف.\nوهكذا روى الإمام سعيد بن منصور في سننه عن هشيم بن بشير عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق. هكذا وقع موقوفا، وكذا رواه الثوري عن أبي هاشم به من حديث أبي سعيد الخدري وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي بكر محمد بن المؤمل، حدثنا الفضيل بن محمد الشعراني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم، حدثنا أبو هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين» ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوهكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في سننه عن الحاكم، ثم قال البيهقي: ورواه يحيى بن كثير عن شعبة عن أبي هاشم بإسناده أن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف كما نزلت، كانت له نورا يوم القيامة» وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن مصعب عن منظور بن زيد بن خالد الجهني، عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي مرفوعا: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال عصم منه.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1122>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا (٥)﴾\nقد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتمها، فإنه\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤٣٩.","vol":"5","page":122},{"text":"المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور حيث جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم واضحا بينا جليا نذيرا للكافرين، بشيرا للمؤمنين، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أي لم يجعل فيه اعوجاجا ولا ميلا، بل جعله معتدلا مستقيما ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ أي مستقيما ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به ينذره بأسا شديدا عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي مثوبة عند الله جميلة ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ في ثوابهم عند الله، وهو الجنة خالدين فيه ﴿أَبَدًا﴾ دائما لا زوال له ولا انقضاء.\nوقوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه ﴿وَلا لِآبائِهِمْ﴾ أي لأسلافهم ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ نصب على التمييز تقديره كبرت كلمتهم هذه كلمة. وقيل: على التعجب تقديره أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلا، قاله بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة: كبرت كلمة، كما يقال عظم قولك وكبر شأنك، والمعنى على قراءة الجمهور أظهر، فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم، ولهذا قال:\n﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ أي ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة، فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول تروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاؤوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما","vol":"5","page":123},{"text":"أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ: «أخبركم غدا عما سألتم عنه» ولم يستثن فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبرائيل ﵇ حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبرائيل ﵇ من الله ﷿ بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله ﷿ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1123>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦ إلى ٨]</span>\n﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾\nيقول تعالى مسليا لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه كما قال تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر ٨] وقال:\n﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٢٧] وقال: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣].\nباخع أي مهلك نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن ﴿أَسَفًا﴾ يقول: لا تهلك نفسك أسفا. قال قتادة: قاتل نفسك غضبا وحزنا عليهم، وقال مجاهد: جزعا (^١)، والمعنى متقارب، أي لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارا فانية مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nقال قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (^٢)، ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخرابها، فقال تعالى: ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ أي وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكا صعيدا جرزا لا ينبت ولا ينتفع به.\nكما قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد: صعيدا جرزا بلقعا، وقال قتادة: الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال ابن زيد: الصعيد الأرض التي ليس فيها شيء، ألا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٧٧.\n(^٢) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٩٩، وأحمد في المسند ٣/ ٢٢.","vol":"5","page":124},{"text":"ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ يعني الأرض وأن ما عليها لفان وبائد، وأن المرجع لإلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1124>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩ إلى ١٢]</span>\n﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾\nهذا إخبار من الله تعالى عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يعني يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا﴾ أي ليس أمرهم عجيبا في قدرتنا وسلطانا فإن خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال ابن جريج عن مجاهد ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا﴾ يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا﴾ يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم (^١)، وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وأما الكهف فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم فقال العوفي عن ابن عباس: هو واد قريب من أيلة، وكذا قال عطية العوفي وقتادة. وقال الضحاك: أما الكهف فهو غار في الوادي، والرقيم اسم الوادي، وقال مجاهد: الرقيم كان بنيانهم، ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله الرقيم: كان يزعم كعب أنها القرية، وقال ابن جريج عن ابن عباس: الرقيم الجبل الذي فيه الكهف، وقال ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس، وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي أن اسم جبل الكهف بنجلوس (^٢)، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران. وقال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: القرآن أعلمه إلا حنانا والأواه والرقيم. وقال ابن جريج:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٨٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٨١.","vol":"5","page":125},{"text":"أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم؟ كتاب أم بنيان. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرقيم الكتاب. وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم الكتاب، ثم قرأ: كتاب مرقوم. وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: الرقيم فعيل بمعنى مرقوم، كما يقال للمقتول قتيل، وللمجروح جريح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا﴾ يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه فهربوا منهم فلجأوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم ﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا﴾ أي وقدر لنا من أمرنا هذا رشدا أي اجعل عاقبتنا رشدا، كما جاء في الحديث «وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدا» وفي المسند من حديث بسر بن أرطاة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة» (^١).\nوقوله: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة، ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أي من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاما يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ أي المختلفين فيهم ﴿أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا﴾ قيل: عددا، وقيل: غاية، فإنّ الأمد الغاية، كقوله: [البسيط] سبق الجواد إذا استولى على الأمد (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٨١.\n(^٢) صدره: إلا لمثلك أو من أنت سابقه والبيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٢١، ولسان العرب (أمد)، (سوا)، (ولي)، وجمهرة اللغة ص ٦٥٩، وتهذيب اللغة ١٤/ ٢٢٢، ١٥/ ٤٥٤، وتاج العروس (أمد)، (سند)، وتفسير الطبري ٨/ ١٨٧.","vol":"5","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1125>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٣ إلى ١٦]</span>\n﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾\nمن هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شبابا، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابا، وقال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة يعني الحلق، فألهمهم الله رشدهم وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم أي اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقال ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] وقال: ﴿لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤٠] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.\nوقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس أن قريشا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول تعالى:\nوصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس،. وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا الله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية.\nفكان أول من جلس منهم وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر وجاء الآخر،","vol":"5","page":127},{"text":"ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان.\nكما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقا من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (^١) وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ.\nوالناس يقولون: الجنسية علة الضم، والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفا منهم، ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدا واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ﷿، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا﴾ ولن لنفي التأبيد أي لا يقع منا هذا أبدا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلا، ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا﴾ أي باطلا وكذبا وبهتانا.\n﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا واضحا صحيحا ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفا على دينه، كما جاء في الحديث «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (^٢) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع، فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ أي وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٢، ومسلم في البر حديث ١٥٩، ١٦٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الفتن باب ٤، وأحمد في المسند ٣/ ٣٠.","vol":"5","page":128},{"text":"أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾ أي أمرا ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هرابا إلى الكهف فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال أنه لم يظفر بهم وعمى الله عليه خبرهم كما فعل بنبيّه محمد ﷺ، وصاحبه الصديق حين لجئا إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي ﷺ حين رأى جزع الصديق في قوله:\nيا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» (^١) وقد قال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف، وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم، فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم ففعلوا ذلك، وفي هذا نظر، والله أعلم، فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشيا، كما قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-1126>[سورة الكهف (١٨): آية ١٧]</span>\n﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾\nفهذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال، لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾ أي يتقلص الفيء يمنة، كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ﴿تَزاوَرُ﴾ أي تميل (^٢)، وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، ولهذا قال: ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ﴾ أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب، وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يمينا ولا شمالا، ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع بل بعد الزوال، ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد.\nوقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: تقرضهم تتركهم (^٣)، وقد أخبر الله تعالى بذلك، وأراد منا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ٩، وأحمد في المسند ١/ ٤.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٩٢.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٩٣.","vol":"5","page":129},{"text":"فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا، فتقدم عن ابن عباس أنه قال:\nهو قريب من أيلة. وقال ابن إسحاق: هو عند نينوى. وقيل: ببلاد الروم. وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال ﷺ: «ما تركت شيئا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به» فأعلمنا تعالى بصفته، ولم يعلمنا بمكانه، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ قال مالك عن زيد بن أسلم: تميل ﴿ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي في متسع منه داخلا بحيث لا تصبيهم، إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم، قاله ابن عباس.\n﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾، ثم قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الآية، أي هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى، ومن أضله فلا هادي له.\n\n<span data-type='title' id=toc-1127>[سورة الكهف (١٨): آية ١٨]</span>\n﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾\nذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينا ويفتح عينا، ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد، كما قال الشاعر: [الطويل] ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي … بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم (^١)\nوقوله: تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين. قال ابن عباس: لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض. قوله ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: الوصيد الفناء، وقال ابن عباس: بالباب.\nوقيل: بالصعيد وهو التراب، والصحيح أنه بالفناء وهو الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾\n_________\n(^١) يروى عجر البيت: بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع والبيت لحميد بن ثور في ديوانه ص ١٠٥، وأمالي المرتضى ٢/ ٢١٣، وخزانة الأدب ٤/ ٢٩٢، والشعر والشعراء ١/ ٣٩٨، والمقاصد النحوية ١/ ٥٦٢، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ٢١٤، وشرح الأشموني ١/ ١٠٦، وشرح ابن عقيل ص ١٣٢.","vol":"5","page":130},{"text":"[الهمزة: ٨] أي مطبقة مغلقة، ويقال: وصيد وأصيد، ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب.\nقال ابن جريج: يحرس عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب، لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، كما ورد في الصحيح: «ولا صورة ولا جنب ولا كافر» (^١)، كما ورد به الحديث الحسن، وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخبار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم، وهو الأشبه، وقيل: كلب طباخ الملك، وقد كان وافقهم على الدين وصحبه كلبه، فالله أعلم.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي: حدثنا صدقة بن عمر الغساني، حدثنا عباد المنقري، سمعت الحسن البصري يقول: كان اسم كبش إبراهيم ﵊ جرير، واسم هدهد سليمان ﵇ عنقز، واسم كلب أصحاب الكهف قطمير، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه بهموت، وهبط آدم ﵇ بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصفهان، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران، واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب.\nوقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم، لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1128>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]</span>\n﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾\nيقول تعالى كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبصارهم لم يفقدوا من أحوالهم وهيآتهم شيئا وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا تساءلوا بينهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أي كم رقدتم؟ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار، ولهذا استدركوا فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ٨٩، واللباس باب ١٢٩، والنسائي في الطهارة باب ١٦٧، والدارمي في الاستئذان باب ٣٤، وأحمد في المسند ١/ ٨٠، ٨٢، ١٠٧، ١٣٩، ١٥٠.","vol":"5","page":131},{"text":"أي الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي فضتكم هذه، وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها، فلهذا قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي مدينتكم التي خرجتم منها، والألف واللام للعهد.\n﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا﴾ أي أطيب طعاما. كقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٣١] وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره، وقيل: أكثر طعاما، ومنه زكا الزرع إذا كثر، قال الشاعر:\n[الطويل] قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة … والسّبع أزكى من ثلاث وأطيب (^١)\nوالصحيح الأول، لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال سواء كان كثيرا أو قليلا. وقوله ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، يقولون: وليختف كل ما يقدر عليه ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ﴾ أي ولا يعلمن ﴿بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي إن علموا بمكانكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ يعنون أصحاب دقيانوس يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها، أو يموتوا، وإن وافقتموهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1129>[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]</span>\n﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أي أطلعنا عليهم الناس ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة. وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك، وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء لهم ليأكلوه، تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى\n_________\n(^١) يروى البيت: قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة والسّبع خير من ثلاث وأكثر وهو للقتال الكلابي في ديوانه ص ٥٠، والإنصاف ٢/ ٧٧٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٧٠، والكتاب ٣/ ٥٦٥، والبيت برواية ابن كثير بلا نسبة في تفسير الطبري ٨/ ٢٠٤.","vol":"5","page":132},{"text":"إلى المدينة، وذكروا أن اسمها دقسوس، وهو يظن أنه قريب العهد بها، وكان الناس قد تبدلوا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها، كما قال الشاعر:\n[الطويل] أما الديار فإنها كديارهم … وأرى رجال الحي غير رجاله\nفجعل لا يرى شيئا من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحدا من أهلها: لا خواصها ولا عوامها، فجعل يتحير في نفسه ويقول: لعل بي جنونا أو مسا أو أنا حالم، ويقول: والله ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة. ثم قال: إن تعجيل الخروج من هاهنا لأولى لي، ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام، فدفع إليه ما معه من النفقة، وسأله أن يبيعه بها طعاما، فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضربها، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها بينهم ويقولون: لعل هذا وجد كنزا، فسألوه عن أمره ومن أين له هذه النفقة، لعله وجدها من كنز وممن أنت؟ فجعل يقول: أنا من أهل هذه البلدة، وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس، فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى ولي أمرهم فسأله عن شأنه وخبره حتى أخبرهم بأمره، وهو متحير في حاله وما هو فيه، فلما أعلمهم بذلك قاموا معه إلى الكهف-ملك البلد وأهلها-حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال لهم: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي فدخل، فيقال إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى الله عليهم خبرهم، ويقال بل دخلوا عليهم ورأوهم، وسلم عليهم الملك واعتنقهم، وكان مسلما فيما قيل، واسمه تيدوسيس، ففرحوا به وآنسوه بالكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه، وعادوا إلى مضاجعهم، وتوفاهم الله ﷿، فالله أعلم.\nقال قتادة: غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بكهف في بلاد الروم، فرأوا فيه عظاما فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلاثمائة سنة، رواه ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أي كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم ﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ أي سدوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين [أحدهما] أنهم المسلمون منهم. [والثاني] أهل الشرك منهم، فالله أعلم.\nوالظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟","vol":"5","page":133},{"text":"فيه نظر، لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» (^١) يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1130>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]</span>\n﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي قولا بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد. ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ﴿وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فدل على صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر. وقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به وإلا وقفنا.\nوقوله: ﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ أي من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله ﷿، كانوا سبعة. وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول أنا ممن استثنى الله ﷿ ويقول عدتهم سبعة، وقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن يسار حدثنا عبد الرحمن حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ قال أنا من القليل كانوا سبعة فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وضح الورق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله يبكون ويستغيثون بالله، وكانوا ثمانية نفر: مكسلمينا وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم، وتمليخا ومرطونس وكسطونس وبيرونس ودنيموس ويطونس وقالوش، هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل أن هذا من كلام ابن إسحاق أو من بينه وبينه، فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٩٦، ومسلم في المساجد حديث ١٩، ٢٠، ٢١.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٢٠٦.","vol":"5","page":134},{"text":"متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا﴾ أي سهلا هينا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجما بالغيب، أي من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1131>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤)﴾\nهذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله ﷺ إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله ﷿، علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة-وفي رواية:\nتسعين امرأة، وفي رواية: مائة امرأة-تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقيل له -وفي رواية قال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهم فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله ﷺ-والذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان دركا لحاجته» وفي رواية «ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين» (^١) وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف «غدا أجيبكم» فتأخر الوحي خمسة عشر يوما، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة، فأغنى عن إعادته.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ قيل معناه إذا نسيت الاستثناء، فاستثن عند ذكرك له، قاله أبو العالية والحسن البصري، وقال هشيم عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة، وكان يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ ذلك، قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟ فقال: حدثني به ليث بن أبي سليم يرى ذهب كسائي هذا، ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به. ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة، أي إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه إن شاء الله؟؟؟ وذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك، ليكون آتيا بسنة الاستثناء حتى ولو كان بعد الحنث، قاله ابن جرير ﵀، ونص على ذلك لا أن يكون رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه، والله أعلم.\nوقال عكرمة ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ إذا غضبت وهذا تفسير باللازم. وقال الطبراني:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأيمان باب ٣، والكفارات باب ٩، ومسلم في الإيمان حديث ٢٣، ٢٤.","vol":"5","page":135},{"text":"حدثنا محمد بن الحارث الجبلي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ أن تقول إن شاء الله، وروى الطبراني أيضا عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ الاستثناء فاستثن إذا ذكرت، وقال: هي خاصة برسول الله ﷺ وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه، ثم قال: انفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين، ويحتمل في الآية وجه آخر وهو أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى، لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذكر الله تعالى سبب للذكر، ولهذا قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ وقوله: ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا﴾ أي إذا سئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك، وقيل في تفسيره غير ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1132>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]</span>\n﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾\nهذا خبر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي الثلثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال: بعد الثلاثمائة وازدادوا تسعا. وقوله: ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ أي إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف.\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ الآية، هذا قول أهل الكتاب، وقد ردّه الله تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ قال: وفي قراءة عبد الله وقالوا: ﴿وَلَبِثُوا﴾، يعني أنه قاله الناس (^١)، وهكذا قال كما قال قتادة مطرف بن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: وازدادوا تسعا، والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله لا حكاية عنهم، وهذا اختيار ابن جرير ﵀، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٢١٠.","vol":"5","page":136},{"text":"هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور، فلا يحتج بها، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أي أنه لبصير بهم سميع لهم، قال ابن جرير (^١): وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روي عن قتادة في قوله:\n﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع. وقال ابن زيد ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا. وقوله: ﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.\n\n<span data-type='title' id=toc-1133>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]</span>\n﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أي لا مغير لها ولا محرّف ولا مزيل. وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ عن مجاهد ملتحدا قال: ملجأ. وعن قتادة: وليا ولا مولى. قال ابن جرير: يقول إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة.\nوقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا، من عباد الله سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء، أو ضعفاء يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم، وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآية.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن إسرائيل عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد هو ابن أبي وقاص قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢١٢.","vol":"5","page":137},{"text":"فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترءون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما يشاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله ﷿ ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ انفرد بإخراجه مسلم (^١) دون البخاري.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله ﷺ «قص، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب». وقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا هاشم: حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال:\nسمعت كردوس بن قيس، وكان قاص العامة بالكوفة، يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب» قال شعبة: فقلت أي مجلس؟ قال: كان قاصا.\nوقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن أجالس قوما يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا» فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين ألفا وهاهنا من يقول أربعة من ولد إسماعيل، والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم وهو الكوفي أن رسول الله ﷺ مر برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال النبي ﷺ: «هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم»، هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلا. وحدثنا يحيى بن المعلى عن المنصور، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، قالا:\nجاء رسول الله ﷺ ورجل يقرأ سورة الحجر، أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله ﷺ:\n«هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون المرئي، حدثنا ميمون بن سياه\n_________\n(^١) كتاب فضائل الصحابة حديث ٤٦.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٦١.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٧٣.\n(^٤) المسند ٣/ ١٤٢.","vol":"5","page":138},{"text":"عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات» تفرد به أحمد ﵀. وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب عن أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته.\n﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، فخرج يتلمسهم، فوجد قوما يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم» عبد الرحمن هذا، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة. وأما أبوه فمن سادات الصحابة ﵃.\nوقوله ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة، ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعا ولا محبا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [طه: ١٣١].\n\n<span data-type='title' id=toc-1134>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]</span>\n﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: وقل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا﴾ أي أرصدنا ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ أي سورها. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة» وأخرجه (^٢) الترمذي في صفة النار، وابن جرير (^٣) في تفسيره، من حديث دراج أبي السمح به.\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ قال: حائط من نار. قال ابن جرير (^٤): حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٩.\n(^٢) كتاب صفة جهنم باب ٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٢١٨.\n(^٤) تفسير الطبري ٨/ ٢١٨.","vol":"5","page":139},{"text":"أمية، حدثني محمد بن حيي بن يعلى عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ: «البحر هو جهنم» قال: فقيل له كيف ذلك؟ فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية ﴿نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ ثم قال «والله لا أدخلها أبدا أو ما دمت حيا لا تصيبني منها قطرة».\nوقوله ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية، قال ابن عباس: المهل:\nالماء الغليظ مثل دردي الزيت (^١)، وقال مجاهد: هو كالدم والقيح. وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره. وقال آخرون: هو كل شيء أذيب. وقال قتادة: أذاب ابن مسعود شيئا من الذهب في أخدود، فلما انماع وأزبد، قال: هذا أشبه شيء بالمهل. وقال الضحاك: ماء جهنم أسود وهي سوداء وأهلها سود، وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ أي من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه.\nكما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢) بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ماء كالمهل-قال-كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه» وهكذا رواه الترمذي (^٣) في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث، عن دراج به، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قبل حفظه هكذا، قال: وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد: عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن يسر، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾، قال: «يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ (^٤). وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا، فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها، فاختلت جلود وجوههم، فلو أن مارا مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أي بئس هذا الشراب، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وقال تعالى: ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢١٩.\n(^٢) المسند ٣/ ٧٠، ٧١.\n(^٣) كتاب صفة جهنم باب ٤.\n(^٤) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٧٠، وأحمد في المسند ٥/ ٢٦٥.","vol":"5","page":140},{"text":"[الغاشية: ٥] أي حارة، كما قال تعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي وساءت النار منزلا ومقيلا ومجتمعا وموضعا للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1135>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٠ إلى ٣١]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم جنات عدن، والعدن: الإقامة، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ أي من تحت غرفهم ومنازلهم، قال فرعون ﴿وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] الآية، ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أي من الحلية ﴿فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وقال في المكان الآخر ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣] وفصله هاهنا، فقال ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ فالسندس ثياب رفاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها. وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق.\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ الاتكاء قيل الاضطجاع، وقيل التربع في الجلوس وهو أشبه بالمراد هاهنا، ومنه الحديث الصحيح «أما أنا فلا آكل متكئا» (^١)، فيه القولان:\nوالأرائك جمع أريكة، وهي السرير تحت الحجلة، والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالباشخاناه، والله أعلم. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ قال: هي الحجال، قال معمر وقال غيره: السرر في الحجال.\nوقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي نعمت الجنة ثوابا على أعمالهم وحسنت مرتفقا، أي حسنت منزلا ومقيلا ومقاما، كما قال في النار ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]، ثم ذكر صفات المؤمنين، فقال ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ [الفرقان: ٧٥ - ٧٦].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأطعمة باب ١٣، وأبو داود في الأطعمة باب ١٦، والترمذي في الأطعمة باب ٢٨، وابن ماجة في الأطعمة باب ٦، والدارمي في الأطعمة باب ٣١، وأحمد في المسند ٤/ ٣٠٨، ٣٠٩","vol":"5","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1136>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٢ إلى ٣٦]</span>\n﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾\nيقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم مثلا برجلين جعل الله لأحدهما جنتين، أي بستانين من أعناب، محفوفتين بالنخيل، المحدقة في جنباتهما وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، ولهذا قال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أي أخرجت ثمرها، ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي ولم تنقص منه شيئا، ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أي والأنهار متفرقة فيهما هاهنا وهاهنا، ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قيل: المراد به المال، روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقيل: الثمار، وهو أظهر هاهنا ويؤيده القراءة الأخرى ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون جمع ثمرة كخشبة وخشب. وقرأ آخرون ثمر بفتح الثاء والميم، فقال أي صاحب هاتين الجنتين لصاحبه وهو يحاوره، أي يجادله، ويخاصمه يفتخر عليه ويترأس ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي أكثر خدما وحشما وولدا، قال قتادة: تلك والله أمنية الفاجر، كثرة المال وعزة النفر.\nوقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكار المعاد ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك اغترارا منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار، والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، ذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال:\n﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أي كائنة ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ أي ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] وقال ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] أي في الدار الآخرة تألى على الله ﷿. وكان سبب نزولها في العاص بن وائل، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1137>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٧ إلى ٤١]</span>\n﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما أجابه به صاحبه المؤمن، واعظا له وزاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ الآية، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود","vol":"5","page":142},{"text":"ربه الذي خلقه، وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية، أي كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوما، ثم وجد وليس وجوده من نفسه ولا مستندا إلى شيء من المخلوقات، لأنه بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال المؤمن ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ أي لكن أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية، ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.\nثم قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا﴾ هذا تحضيض وحث على ذلك، أي هلا إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، حمدت الله ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روي فيه حديث مرفوع، أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد، فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت» وكان يتأول هذه الآية ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح حديثه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا قوة إلا بالله» تفرد به أحمد. وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا بكر بن عيسى، حدثنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون قال: قال أبو هريرة: قال لي رسول الله ﷺ: «يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟» قال: قلت نعم فداك أبي وأمي. قال: «أن تقول لا قوة إلا بالله» قال أبو بلج: وأحسب أنه قال فإن الله يقول أسلم عبدي واستسلم» قال فقلت لعمرو: قال أبو بلج:\nقال عمرو: قلت لأبي هريرة لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: لا إنها في سورة الكهف ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٦٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٥١، ومسلم في الذكر حديث ٤٤، ٤٥، ٤٦.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٣٥.","vol":"5","page":143},{"text":"وقوله: ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ أي على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قال ابن عباس والضحاك وقتادة ومالك عن الزهري: أي عذابا من السماء، والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي بلقا ترابا أملس لا يثبت فيه قدم، وقال ابن عباس: كالجرز الذي لا ينبت شيئا وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أي غائرا في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها، كما قال تعالى:\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] أي جار وسائح، وقال هاهنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ والغور مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر: [المتقارب] تظل جياده نوحا عليه … تقلده أعنتها صفوفا (^١)\nبمعنى نائحات عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1138>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]</span>\n﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره على القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها وألهته عن الله ﷿ ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ وقال قتادة: يصفق كفيه متأسفا متلهفا على الأموال التي أذهبها عليها ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ أي عشيرة أو ولد، كما افتخر بهم واستعز ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ اختلف القراء هاهنا فمنهم من يقف على قوله: ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا هُنالِكَ﴾ أي في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله، فلا منقذ له منه، ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ ومنهم من يقف على ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ ثم اختلفوا في قراءة الولاية، فمنهم من فتح الواو من الولاية، فيكون المعنى هنالك الموالاة لله، أي هناك كل أحد مؤمن أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] وكقوله إخبارا عن فرعون:\n﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١] ومنهم من كسر الواو من الولاية، أي\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في تفسير الطبري ٨/ ٢٢٦.","vol":"5","page":144},{"text":"هنالك الحكم لله الحق، ثم منهم من رفع الحق على أنه نعت للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] ومنهم من خفض القاف على أنه نعت لله ﷿، كقوله ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أي جزاء ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي الأعمال التي تكون لله ﷿، ثوابها خير وعاقبتها حميدة رشيدة كلها خير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1139>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ يا محمد للناس ﴿مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في زوالها وفنائها وانقضائها ﴿كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ﴾ أي ما فيها من الحب، فشب وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله أصبح ﴿هَشِيمًا﴾ يابسا ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أي تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال، ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أي هو قادر على هذه الحال وهذه الحال، وكثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، كما قال تعالى في سورة يونس ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ﴾ [يونس: ٢٥] الآية، وقال في الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ﴾ [الزمر: ٢١] الآية، وقال في سورة الحديد ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٥٠] الآية، وفي الحديث الصحيح «الدنيا خضرة حلوة» (^١) وقوله ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] أي الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم، والجمع لهم، والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.\nقال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات الصلوات الخمس. وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس: الباقيات الصالحات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان\n_________\n(^١) أخرجه بلفظ: «إنّ الدنيا حلوة خضرة»: الترمذي في الفتن باب ٢٦، والزهد باب ٤١، وابن ماجة في الفتن باب ١٩، والدارمي في الرقاق باب ٣٧، وأحمد في المسند ٣/ ٧، ١٩، ٢٢، ٤٦، ٦١، ٧٤، ٢/ ٢٨؟؟؟.","vol":"5","page":145},{"text":"عن الباقيات الصالحات ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا حيوة، حدثنا أبو عقيل أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان ﵁ يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد، فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: «من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح: ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات» قالوا هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تفرد به.\nوروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (^٢)، وقال محمد بن عجلان عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات، فقلت: الصلاة والصيام، فقال لم تصب، فقلت الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (^٣). وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن نافع بن سرجس أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات. قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ابن جريج وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك.\nوقال مجاهد: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قال:\nلا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، هن الباقيات الصالحات، قال ابن جرير (^٤): وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات» قال: وحدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا\n_________\n(^١) المسند ١/ ٧١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٢٣١.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٢٣٢.\n(^٤) تفسير الطبري ٨/ ٢٣١.","vol":"5","page":146},{"text":"السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «استكثروا من الباقيات الصالحات» قيل: وما هن يا رسول الله قال «الملة» قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال «التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» وهكذا رواه أحمد (^١) من حديث دراج به.\nقال ابن وهب: أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة، فقال: قل له القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة، قال: فالتقيا فسلم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال: ما زلت أجعلها، قال: فراجعه مرتين أو ثلاثا فلم ينزع، قال: فأثبت؟ قال سالم: أجل فأثبت، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: «عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم ﵇، فقال:\nيا جبريل من هذا الذي معك؟ فقال: محمد، فرحب بي وسهل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله» (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن يزيد عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: «أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه. ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام، عن مولى لرسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان:\nلا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده -وقال-بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقنا بهن دخل الجنة: يؤمن بالله واليوم الآخر، وبالجنة والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب».\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٧٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٢٣١.\n(^٣) المسند ٤/ ٢٦٧، ٢٦٨.\n(^٤) المسند ٤/ ٢٣٧.","vol":"5","page":147},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية، قال: كان شداد بن أوس ﵁ في سفر، فنزل منزلا فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة نعبث بها، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» ثم رواه أيضا النسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه.\nوقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمي الحسين عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت في أول من أتى النبي ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر، فتصاعدت في الجبل: ثم هبطت فأتيت النبي ﷺ، فأسلمت وعلمني ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] و﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: «هن الباقيات الصالحات» وبهذا الإسناد «من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه، ثم قال سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، غفرت ذنوبه إلا الدماء فإنها لا تبطل».\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قال: هي ذكر الله قول لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض. وقال العوفي عن ابن عباس: هي الكلام الطيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها، واختاره ابن جرير ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-1140>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]</span>\n﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾\nيخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا﴾ [طور: ٩، ١٠] أي تذهب من أماكنها وتزول، كما قال\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٢٣.","vol":"5","page":148},{"text":"تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقال تعالى:\n﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٦ - ١٠٧] يذكر تعالى أنه تذهب الجبال، وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض قاعا صفصفا، أي سطحا مستويا لا عوج فيه ولا أمتا، أي لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ لا خمر فيها ولا غيابة قال قتادة:\nلا بناء ولا شجر.\nوقوله: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وأي وجمعناهم الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدا لا صغيرا ولا كبيرا، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] وقال: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفا واحدا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] ويحتمل أنهم يقومون صفوفا، كما قال:\n﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطبا لهم: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ أي ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.\nوقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أي من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا﴾ أي يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ﴿ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ أي لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر، إلا أحصاها، أي ضبطها وحفظها.\nوروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين، نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي ﷺ: «اجمعوا من وجد عودا فليأت به، ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به» قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما، فقال النبي ﷺ: «أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه».\nوقوله: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ أي من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] الآية، وقال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما","vol":"5","page":149},{"text":"قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أي تظهر المخبئات والضمائر. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به» (^٢) أخرجاه في الصحيحين، وفي لفظ «يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال هذه غدرة فلان بن فلان» (^٣).\nوقوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعا، ولا يظلم أحدا من خلقه بل يغفر ويصفح ويغفر ويرحم، ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] الآية، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ -إلى قوله- ﴿حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] والآيات في هذا كثيرة.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه عن النبي ﷺ، فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلا، فسرت عليه شهرا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال سمعت رسول الله يقول: «يحشر الله ﷿ الناس يوم القيامة-أو قال العباد-عراة غرلا بهما» قلت، وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند لأحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة «قال: قلنا كيف وإنما نأتي الله ﷿ حفاة عراة غرلا بهما؟ قال: «بالحسنات والسيئات».\nوعن شعبة عن العوام بن مزاحم عن أبي عثمان عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة» (^٥) رواه عبد الله ابن الإمام\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٤٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجزية باب ٢٢، والأدب باب ٩٩، والفتن باب ٢١، ومسلم في الجهاد حديث ٨، ١٠.\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ، الترمذي في الفتن باب ٢٦، وأحمد في المسند ٢/ ٤٩، ٣/ ٧، ٦١، ٦٤.\n(^٤) المسند ٣/ ٤٩٥.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٢.","vol":"5","page":150},{"text":"أحمد، وله شواهد من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وعند قوله تعالى: ﴿إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1141>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]</span>\n﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾\nيقول تعالى منبها بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه، وهو الذي أنشأه وابتداه وبألطافه رزقه وغذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ أي لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٨ - ٢٩]. وقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور.\nكما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (^١)، فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة، ونبه تعالى هاهنا على أنه من الجن أي على أنه خلق من نار، كما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢ - ٧٦] قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر، رواه ابن جرير (^٢) بإسناد صحيح عنه.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنا من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار (^٣)، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وقال الضحاك أيضا عن ابن عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفا على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، واستخرج الله ذلك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٠، وأحمد في المسند ٦/ ١٥٣، ١٦٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٢٣٦.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ٢٣٥.","vol":"5","page":151},{"text":"الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم ف ﴿اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾.\nقال ابن عباس قوله: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي من خزان الجنان، كما يقال للرجل مكي ومدني وبصري وكوفي. وقال ابن جريج عن ابن عباس نحو ذلك، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: هو من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا، رواه ابن جرير من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به. وقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة سماء الدنيا، وقال ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء عن طاوس عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جنا.\nوقال ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر، أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله عليه فمسخه شيطانا رجيما، لعنه الله ممسوخا، قال: وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت في معصية فارجه، وعن سعيد بن جبير أنه قال:\nكان من الجنانين الذين يعملون في الجنة، وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث، وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعفيه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل.\nوقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق هو الخروج، يقال:\nفسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وفسقت الفأرة من جحرها إذا خرجت منه للعيث والفساد، ثم قال تعالى مقرعا وموبخا لمن اتبعه وأطاعه ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾ الآية، أي بدلا عني، ولهذا قال: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٥٩ - ٦٢].","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1142>[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]</span>\n﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾\nيقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم لا يملكون شيئا، ولا أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها ومدبرها ومقدرها وحدي ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] الآية، ولهذا قال: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قال مالك: أعوانا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1143>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]</span>\n﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعا لهم وتوبيخا ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي في دار الدنيا ادعوهم اليوم ينقذوكم مما أنتم فيه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ كما قال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص: ٦٤] الآية، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] الآيتين، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢] وقوله:\n﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهلكا، وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر البكائي حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة. وقال قتادة: موبقا واديا في جهنم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم، وقال الحسن البصري: موبقا عداوة، والظاهر من السياق هاهنا أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديا في جهنم أو غيره، والمعنى أن الله تعالى بين أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير. وأما إن جعل الضمير في قوله بينهم عائدا إلى المؤمنين والكافرين كما قال عبد الله بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢٤٠.","vol":"5","page":153},{"text":"عمرو إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وقال ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٣٠].\nوقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أي أنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك فإذا ﴿رَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ﴾ تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أي ليس لهم طريق يعدل بهم عنها ولا بد لهم منها.\nقال ابن جرير (^١): حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة». وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة، كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة».\n\n<span data-type='title' id=toc-1144>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٤]</span>\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها كيلا يضلوا عن الحق ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان وهذا الفرقان الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل إلا من هدى الله بصره لطريق النجاة.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة، فقال: «ألا تصليان؟» فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (^٤) أخرجاه في الصحيحين.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢٤١.\n(^٢) المسند ٣/ ٧٥.\n(^٣) المسند ١/ ١١٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٨، باب ١، والاعتصام باب ١٨، والتهجد باب ٥، والتوحيد باب ٣١، ومسلم في المسافرين حديث ٢٠٦.","vol":"5","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1145>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]</span>\n﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾\nيخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانا، كما قال أولئك لنبيهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] وآخرون قالوا ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] وقالت قريش ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.\nثم قال ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا﴾ أي يرونه عيانا مواجهة ومقابلة، ثم قال تعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن بهم، ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم، ثم أخبر عن الكفار بأنهم يجادلون ﴿بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي ليضعفوا به الحق الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم، ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ أي اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب ﴿هُزُوًا﴾ أي سخروا منهم في ذلك وهو أشد التكذيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1146>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]</span>\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾\nيقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها، أي تناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالا، ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أي من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة، ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي قلوب هؤلاء ﴿أَكِنَّةً﴾ أي أغطية وغشاوة ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي صمما معنويا عن الرشاد ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.","vol":"5","page":155},{"text":"وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الرعد: ٦] والآيات في هذا كثيرة شتى، ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل. وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا﴾ أي الأمم السالفة والقرون الخالية، أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم، ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين، لا يزيد ولا ينقص، أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذري.\n\n<span data-type='title' id=toc-1147>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٠ إلى ٦٥]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا (٦٥)﴾\nسبب قول موسى لفتاه وهو يوشع بن نون، هذا الكلام أنه ذكر له أن عبدا من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل إليه، وقال لفتاه ذلك ﴿لا أَبْرَحُ﴾ أي لا أزال سائرا ﴿حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق: [الطويل] فما برحوا حتى تهادت نساؤهم … ببطحاء ذي قار عياب اللطائم (^١)\nقال قتادة وغير واحد: هما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب، وقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة، يعني في أقصى بلاد المغرب، فالله أعلم. وقوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ أي ولو أني أسير حقبا من الزمان. قال ابن جرير (^٢) ﵀: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس سنة، ثم روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون خريفا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ قال: دهرا، وقال قتادة وابن زيد مثل ذلك.\n_________\n(^١) البيت في ديوان الفرزدق ص ٥٤٣، وتفسير الطبري ٨/ ٢٤٦، وتفسير البحر المحيط ٦/ ١٣٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٢٤٦.","vol":"5","page":156},{"text":"وقوله: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما﴾ وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت، فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء، فاضطرب وكان في مكتل مع يوشع ﵇، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع ﵇ وسقط الحوت في البحر فجعل يسير في الماء والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال تعالى:\n﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي مثل السرب في الأرض. قال ابن جريج: قال ابن عباس:\nصار أثره كأنه حجر. وقال العوفي عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ حين ذكر حديث ذلك: ما انجاب ماء منذ كان الناس غير مسير مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكوة حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه، فقال: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ وقال قتادة: سرب من البر حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فيه فجعل لا يسلك طريقا فيه إلا صار ماء جامدا.\nوقوله: ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أي المكان الذي نسيا الحوت فيه، ونسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من المالح على أحد القولين، فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه بمرحلة ﴿قالَ﴾ موسى ﴿لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا﴾ أي الذي جاوزا فيه المكان ﴿نَصَبًا﴾ يعني تعبا ﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قال قتادة: وقرأ ابن مسعود أن أذكر له، ولهذا قال ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أي طريقه ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أي هذا هو الذي نطلب ﴿فَارْتَدّا﴾ أي رجعا ﴿عَلى آثارِهِما﴾ أي طريقهما ﴿قَصَصًا﴾ أي يقصان آثار مشيهما ويقفوان أثرهما ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهذا هو الخضر ﵇، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ.\nقال البخاري (^١): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ﵇، ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٨، باب ٢.","vol":"5","page":157},{"text":"بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله بمكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ﵇، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق.\nفلما استيقظ، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فكان الحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا، فقال ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام. فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. فقال موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\nفانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قال: وقال رسول الله ﷺ وعلى آله-فكانت الأولى من موسى نسيانا، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.\nثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال: وهذه أشد من الأولى، ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي مائلا، فقال الخضر بيده ﴿فَأَقامَهُ﴾ فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ: «وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما».","vol":"5","page":158},{"text":"قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا» وكان يقرأ «وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين».\nثم رواه البخاري (^١) عن قتيبة عن سفيان بن عيينة فذكر نحوه، وفيه: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه فنام، قال سفيان: وفي حديث عن عمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين، فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ قال: وساق الحديث، ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمامه بنحوه.\nوقال البخاري (^٢) أيضا: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير، يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته، إذ قال سلوني، فقلت: أي أبا عباس جعلني الله فداك، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل، أما عمرو فقال لي قال: كذب عدو الله وأما يعلى فقال لي قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «موسى رسول الله ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى، قال أي رب، وأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علما أعلم ذلك به. قال لي عمرو: قال حيث يفارقك الحوت، وقال لي يعلى: خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كبيرا، فذلك قوله: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ يوشع بن نون ليست عند سعيد بن جبير.\nقال: فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ يضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه، لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، ويضرب الحوت حتى دخل في البحر فأمسك الله عنه جرية الماء حتى كأن أثره في حجر، قال: فقال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر، وحلق بين إبهاميه واللتين تليهما، قال: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ قال: وقد قطع الله عنك النصب، ليست هذه عند سعيد بن جبير، أخبره فرجعا فوجدا خضرا قال: قال عثمان بن أبي سليمان: على طنفسه خضراء على كبد البحر، قال سعيد بن جبير: مسجى بثوب قد جعل\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٨، باب ٣.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٨، باب ٢.","vol":"5","page":159},{"text":"طرفه تحت رجليه وطرفه عند رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشدا.\nقال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى، إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد الله الصالح، قال: فقلنا لسعيد بن جبير خضر، قال: نعم لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتدا، قال موسى ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: منكرا، ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانت الأولى نسيانا، والثانية شرطا، والثالثة عمدا، ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾.\nقال يعلى: قال سعيد: وجد غلمانا يلعبون، فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال أقتلت نفسا زكية لم تعمل الحنث؟ وابن عباس قرأها زكية مسلمة كقولك غلاما زكيا، فانطلقا فوجدا جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال سعيد: بيده هكذا ودفع بيده فاستقام، قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال يعلى: حسبت أن سعيدا قال: فمسحه بيده فاستقام، قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال سعيد: أجرا نأكله، وكان وراءهم ملك، وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: أمامهم ملك يزعمون، عن غير سعيد، أنه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور ملك يأخذ كل سفينة غصبا، فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، منهم من يقول سدوها بقارورة، ومنهم من يقول بالقار، كان أبواه مؤمنين، وكان هو كافرا، فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة، كقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، وقوله: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر، وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:\nخطب موسى ﵇ بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقى هذا الرجل فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان، والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا، قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوف يقول هذا يا سعيد؟ فقلت له: نعم أنا سمعت نوفا يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: نعم،","vol":"5","page":160},{"text":"قال: كذب نوف.\nثم قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ أن موسى بني إسرائيل سأل ربه، فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه، فقال له: نعم في عبادي من هو أعلم منك، ثم نعت له مكانه وأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي، فاتخذ سبيله في البحر سربا، فانطلقا فلما جاوزا النقلة قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال الفتى وذكر: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجبا، قال ابن عباس فظهر موسى على الصخرة حتى إذا انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى عليه فرد عليه¬ السلام، ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل؟ قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدا. قال: إنك لن تستطيع معي صبرا، وكان رجلا يعلم علم الغيب، قد علم ذلك، فقال موسى: بلى.\nقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وإن رأيت ما يخالفني، قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ وإن أنكرته ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يخملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن، ولا أجعل ولا أوثق منها، فسأل أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها، أخرج منقارا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى ورأى أمرا أفظع به ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ أي بما تركت من عهدك ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.\nثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية، فإذا غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان أظرف منه، ولا أثرى ولا أوضأ منه فأخذه بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، قال: فرأى موسى أمرا فظيعا لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له، قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أي صغيرة ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي قد أعذرت في شأني ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا","vol":"5","page":161},{"text":"فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس له عليه صبر فأقامه، قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا وضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عمله.\nقال: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وفي قراءة أبي بن كعب «كل سفينة صالحة» وإنما عبتها لأرده عنها، فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها، ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا. وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي ما فعلته عن نفسي ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علما.\nوقال العوفي عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار أنزل الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلم الله نبيكم تكليما واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله من كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤون التوراة، فلم يترك نعمة أنعم الله عليهم إلا وعرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله قد عرفنا الذي تقول: فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا. فبعث الله جبرائيل إلى موسى ﵇ فقال: إن الله يقول: وما يدريك أين أضع علمي، بلى إن لي على شط البحر رجلا هو أعلم منك.\nقال ابن عباس: هو الخضر، فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شاطئ البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك، فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب. فلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا فأعجب من ذلك، فرجع موسى حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس عنه الماء حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر فلقى الخضر بها،","vol":"5","page":162},{"text":"فسلم عليه فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض، ومن أنت؟ قال:\nأنا موسى، قال الخضر: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم، فرحب به وقال: ما جاء بك؟ قال جئتك ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يقول: لا تطيق ذلك، قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال: فانطلق به، وقال له:\nلا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين شأنه، فذلك قوله: ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\nوقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول «بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا، فأوحى الله إلى موسى، بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت، قال موسى ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ فوجدا عبدنا خضرا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1148>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٦ إلى ٧٠]</span>\n﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن قيل موسى ﵇ لذلك الرجل العالم وهو الخضر، الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم. وقوله: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أي أصحبك وأرافقك ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أي مما علمك الله شيئا أسترشد به في أمري من علم نافع وعمل صالح، فعندها ﴿قالَ﴾ الخضر لموسى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أي إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك، لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي.\n﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فأنا أعرف أنك ستنكر علي ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك ﴿قالَ﴾ أي موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا﴾ أي على ما أرى من أمورك ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ أي","vol":"5","page":163},{"text":"ولا أخالفك في شيء فعند ذلك شارطه الخضر ﵇ ﴿قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ أي ابتداء ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب عن هارون بن عنترة عن أبيه، عن ابن عباس قال: سأل موسى ﵇ ربه ﷿ فقال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال:\nالذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.\nقال: أي رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى، قال: أي رب هل في أرضك أحد أعلم مني؟ قال: نعم قال: فمن هو؟ قال: الخضر. قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت. قال: فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أحب أن أصحبك، قال:\nإنك لن تطيق صحبتي قال: بلى. قال: فإن صحبتني ﴿فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل ما رزأ. قال: يا موسى، فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء، وكان موسى قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر، وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1149>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧١ إلى ٧٣]</span>\n﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن موسى وصاحبه وهو الخضر، أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه أن لا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول، يعني بغير أجرة، تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت، أي دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحا من ألواحها ثم رقعها، فلم يملك موسى ﵇ نفسه أن قال منكرا عليه ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها﴾ وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل، كما قال الشاعر: [الوافر] لدوا للموت وابنوا للخراب (^٢)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢٥١.\n(^٢) عجزه: فكلكم يصير إلى ذهاب والبيت لأبي العتاهية في ديوانه ص ٣٣، وللإمام علي بن أبي طالب في خزانة الأدب ٩/ ٥٢٩، ٥٣١، والدرر ٤/ ١٦٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٣، والجنى الداني ص ٩٨.","vol":"5","page":164},{"text":"﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: منكرا. وقال قتادة: عجبا، فعندها قال له الخضر مذكرا بما تقدم من الشرط ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يعني وهذا الصنيع فعلته قصدا، وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا تنكر علي فيها، لأنك لم تحط بها خبرا ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت ﴿قالَ﴾ أي موسى ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي لا تضيق علي ولا تشدد علي، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسيانا».\n\n<span data-type='title' id=toc-1150>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]</span>\n﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَانْطَلَقا﴾ أي بعد ذلك ﴿حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأضوأهم فقتله، وروي أنه احتز رأسه، وقيل رضخه بحجر، وفي رواية اقتلعه بيده، والله أعلم، فلما شاهد موسى ﵇ هذا، أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أي صغيرة لم تعمل الحنث ولا عملت إثما بعد فقتلته ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي بغير مستند لقتله ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أي ظاهر النكارة ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فأكد أيضا في التذكار بالشرط الأول، فلهذا قال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أي إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة ﴿فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي أعذرت إليّ مرة بعد مرة.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا حجاج بن محمد عن حمزة الزيات عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: كان النبي ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا».\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢٦١.","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1151>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]</span>\n﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عنهما إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين ﴿حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ روى ابن جرير عن ابن سيرين أنها الأيلة، وفي الحديث «حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما» (^١) أي بخلاء ﴿اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ إسناد الإرداة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو السقوط. وقوله: ﴿فَأَقامَهُ﴾ أي فرده إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي لأجل أنهم لم يضيفونا، كان ينبغي أن لا تعمل لهم مجانا ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها، فلا تصاحبني فهو فراق بيني وبينك ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾ أي بتفسير ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1152>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]</span>\n﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾\nهذا تفسير ما أشكل أمره على موسى ﵇، وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر ﵇ على حكمة باطنة، فقال: إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة أي جيدة ﴿غَصْبًا﴾ فأردت أن أعيبها لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل إنهم أيتام، وروى ابن جريج عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي أن اسم الملك هدد بن بدد (^٢)، وقد تقدم أيضا في رواية البخاري، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1153>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٠ إلى ٨١]</span>\n﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾\nقد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جيسور. وفي هذا الحديث عن ابن عباس عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا» رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق عن سعيد عن ابن عباس به، ولهذا قال: ﴿فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ أي يحملهما حبه على متابعته على الكفر، قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١١٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٢٦٥.","vol":"5","page":166},{"text":"قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب، وصح في الحديث «لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له» وقال تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] وقوله ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي ولدا أزكى من هذا، وهما أرحم به منه، قاله ابن جريج. وقال قتادة: أبرّ بوالديه، وقد تقدم أنهما بدلا جارية.\nوقيل: لما قتله الخضر كانت أمه حاملا بغلام مسلم، قاله ابن جريج.\n\n<span data-type='title' id=toc-1154>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]</span>\n﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾\nفي هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة، لأنه قال أولا ﴿حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وقال هاهنا ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني مكة والطائف، ومعنى الآية أن هذا الجدار إنما أصلحته لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما. قال عكرمة وقتادة وغير واحد: وكان تحته مال مدفون لهما، وهو ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nوقال العوفي عن ابن عباس: كان تحته كنز علم، وكذا قال سعيد بن جبير، وقال مجاهد:\nصحف فيها علم، وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي عن عياش بن عباس الغتباني، عن ابن حجيرة عن أبي ذر رفعه قال: «إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت، مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب، وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل، لا إله إلا الله محمد رسول الله».\nوبشر بن المنذر هذا يقال له قاضي المصيصة. قال الحافظ أبو جعفر العقيلي في حديثه وهم، وقد روي في هذا آثار عن السلف، فقال ابن جرير في تفسيره: حدثني يعقوب، حدثنا الحسن بن حبيب ابن ندبة، حدثنا سلمة عن نعيم العنبري وكان من جلساء الحسن قال: سمعت الحسن يعني البصري يقول في قوله: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قال لوح من ذهب مكتوب فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش عن عمر مولى غفرة قال: إن","vol":"5","page":167},{"text":"الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قال: كان لوحا من ذهب مصمت، مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجب لمن عرف النار ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن بالموت ثم أمن، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\nوحدثني أحمد بن حازم الغفاري، حدثتنا هنادة بنت مالك الشيبانية قالت سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قال سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للمؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت للمؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت للمؤمن بالموت كيف يفرح. وقد قال الله ﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكانت بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجا، وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة وورد به الحديث المتقدم، وإن صح لا ينافي قول عكرمة أنه كان مالا، لأنهم ذكروا أنه كان لوحا من ذهب، وفيه مال جزيل أكثر ما زادوا أنه كان مودعا فيه علم، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنة. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحا، وتقدم أنه كان الأب السابق، فالله أعلم. وقوله:\n﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما﴾ هاهنا أسند الإرادة إلى الله تعالى، لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، وقال في الغلام ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً﴾ وقال في السفينة ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة، إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة، ووالدي الغلام وولدي الرجل الصالح، وما فعلته عن أمري أي لكني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر ﵇ مع ما تقدم من قوله: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا﴾ وقال آخرون: كان رسولا. وقيل: بل كان ملكا، نقله الماوردي في تفسيره، وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيا، بل كان وليا، فالله أعلم.\nوذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن فالغ بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇، قالوا: وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء الملوك، ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقيا إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارا","vol":"5","page":168},{"text":"عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث التعزية، وإسناده ضعيف.\nورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وبقول النبي ﷺ يوم بدر «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» (^١) وبأنه لم ينقل أنه جاء رسول الله ﷺ ولا حضر عنده ولا قاتل معه، ولو كان حيا لكان من أتباع النبي ﷺ وأصحابه، لأنه ﵇ كان مبعوثا إلى جميع الثقلين:\nالجن والإنس، وقد قال: «لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي» وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الخضر قال: «إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من تحته خضراء» ورواه أيضا عن عبد الرزاق، وقد ثبت أيضا في صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة، فإذا هي تهتز من تحته خضراء» (^٣) والمراد بالفروة هاهنا الحشيش اليابس وهو الهشيم من النبات، قاله عبد الرزاق؟؟؟. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض. وقوله: ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أي هذا تفسير ما ضقت به ذرعا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال ﴿تَسْطِعْ﴾ وقبل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا، فقال ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ وهو الصعود إلى أعلاه ﴿وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] وهو أشق من ذلك، فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى، والله أعلم.\nفإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى ﵇، هذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة: حدثني ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث، وقد كان معه؟ قال ابن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجهاد حديث ٥٨، والترمذي في تفسير سورة ٨، باب ٣، وأحمد في المسند ١/ ٣٠، ٣٢، ١١٧.\n(^٢) المسند ٢/ ٣١٢، ٣١٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٢٧.","vol":"5","page":169},{"text":"عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب، إسناده ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف.\n\n<span data-type='title' id=toc-1155>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]</span>\n﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ أي عن خبره وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﷺ فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف، وقد أورد ابن جرير (^١) هاهنا والأموي في مغازيه حديثا أسنده، وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر أن نفرا من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شابا من الروم، وأنه بنى الاسكندرية، وأنه علا به ملك إلى السماء وذهب به إلى السد، ورأى أقواما وجوههم مثل وجه الكلاب، وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل.\nوالعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره، ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة، وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني، وهو ابن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم، فأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل ﵇ أول ما بناه وآمن به واتبعه، وكان وزيره الخضر ﵇، وأما الثاني فهو اسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور. والله أعلم. وهو الذي تؤرخ من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة، فأما الأول المذكور في القرآن، فكان في زمن الخليل، كما ذكره الأزرقي وغيره، وأنه طاف مع الخليل ﵇ بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم ﵇، وقرب إلى الله قربانا، وقد ذكرنا طرفا صالحا من أخباره في كتاب البداية والنهاية بما فيه كفاية، ولله الحمد.\nوقال وهب بن منبه: كان ملكا، وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: سئل علي ﵁ عن ذي القرنين. فقال: كان عبدا ناصحا لله، فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه، فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين، وكذا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢٧٠، ٢٧١.","vol":"5","page":170},{"text":"رواه شعبة عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمع عليا يقول ذلك. ويقال: إنه سمي ذا القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب.\nوقوله: ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي أعطيناه ملكا عظيما ممكنا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات، ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم، ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها. وقوله: ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وغيرهم: يعني علما. وقال قتادة أيضا في قوله ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال: منازل الأرض وأعلامها.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال: تعليم الألسنة، قال: كان لا يغزو قوما إلا كلمهم بلسانهم، وقال ابن لهيعة، حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله تعالى قال: ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب، يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السموات، وقد قال الله في حق بلقيس ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أنه مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين، يسر الله له الأسباب، أي الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي، وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض وإذلال أهل الشرك قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببا والله أعلم.\nوفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من طريق قتيبة عن أبي عوانة عن سماك بن حرب عن حبيب بن حماز قال: كنت عند علي ﵁ وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال سبحان الله سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد.","vol":"5","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1156>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٥ إلى ٨٨]</span>\n﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا (٨٨)﴾\nقال ابن عباس ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ يعني بالسبب المنزل، وقال مجاهد ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب، وفي رواية عن مجاهد ﴿سَبَبًا﴾ قال: طريقا في الأرض وقال قتادة: أي اتبع منازل الأرض ومعالمها، وقال الضحاك ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي المنازل، وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ قال: علما، وهكذا قال عكرمة وعبيد بن يعلى والسدي، وقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك.\nوقوله: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي فسلك طريقا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب وهو مغرب الأرض، وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة، والشمس تغرب من ورائه، فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاف زنادقتهم وكذبهم، وقوله: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه، والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين من الحمأة وهو الطين، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] أي طين أملس، وقد تقدم بيانه.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أنبأنا نافع بن أبي نعيم، سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول: كان ابن عباس يقول في عين حمئة ثم فسرها ذات حمئة، قال نافع: وسئل عنها كعب الأحبار، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وغير واحد. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع، عن ابن عباس عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ أقرأه حمئة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وجدها تغرب في عين حامية، يعني حارة، وكذا قال الحسن البصري. وقال ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان وأيهما قرأ القارئ فهو مصيب، قلت: ولا منافاة بين معنييهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام حدثني مولى لعبد الله بن عمرو عن عبد الله قال نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢٧٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٢٧٥.","vol":"5","page":172},{"text":"نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض».\nقلت: ورواه الإمام أحمد (^١) عن يزيد بن هارون وفي صحة رفع هذا الحديث نظر ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا محمد يعني ابن بشر حدثنا عمرو بن ميمون أنبأنا ابن حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف «تغرب في عين حامية» قال ابن عباس لمعاوية ما نقرؤها إلا حمئة، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها؟ فقال: عبد الله كما قرأتها، قال ابن عباس فقلت لمعاوية في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب قال ابن حاضر: لو أني عندك أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة، قال ابن عباس: وإذا ما هو؟ قلت: فيما يؤثر من قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه: [الكامل] بلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمر من حكيم مرشد (^٢)\nفرأى مغيب الشمس عند غروبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد\nفقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم، قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة، قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود، قال: فدعا ابن عباس رجلا أو غلاما فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل وقال سعيد بن جبير بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قال: كعب والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحدا يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس فإنا نجدها في التوراة تغرب في مدرة سوداء، وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف قال في تفسير ابن جريج ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ قال مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها لسمع الناس وجوب الشمس حين تجب، وقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ أي أمّة من الأمم ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم.\nوقوله: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ معنى هذا أن الله تعالى\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٠٧\n(^٢) البيتان لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص ٢٦، وفيه «سيد» بدل «مرشد»، والبيت الأول في لسان العرب (ثأط)، وتاج العروس (ثأط)، والبيت الثاني، في لسان العرب (حرمد)، (ثأط)، ومقاييس اللغة ١/ ١٥٤، وتهذيب اللغة ٧/ ٤١٨، وتاج العروس (أوب)، (حرمد)، (ثأط)، والبيت الثاني لتبعّ في تاج العروس (خلب)، ولسان العرب (أوب)، (خلب)، (حرمد)، وكتاب العين ٤/ ٢٧٠، ٨/ ٤١٧، وتهذيب اللغة ٥/ ٣٣٠، ١٤/ ٥، ١٥/ ٦٠٧، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ١/ ٣٩٨، وجمهرة اللغة ص ١١٤.","vol":"5","page":173},{"text":"مكنه منهم وحكمه فيهم وأظفره بهم وخيّره إن شاء قتل وسبي وإن شاء منّ أو فدى فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه في قوله: ﴿أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي من استمر على كفره وشركه بربه ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ قال قتادة بالقتل وقال السدي كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها حتى يذوبوا وقال وهب بن منبه كان يسلط الظلمة فتدخل أجوافهم وبيوتهم وتغشاهم من جميع جهاتهم والله أعلم، وقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أي شديدا بليغا وجيعا أليما وفي هذا إثبات المعاد والجزاء. وقوله: ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ﴾ أي اتبعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ أي في الدار الآخرة عند الله ﷿ ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا﴾ قال مجاهد معروفا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1157>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٩ إلى ٩١]</span>\n﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾\nيقول تعالى ثم سلك طريقا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها وكان كلما مر بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله ﷿ فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الأقاليم المتاخمة لهم، وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفا وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض حتى بلغ المشارق والمغارب ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال تعالى ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ﴾ أي أمة ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا﴾ أي ليس لهم بناء يكنهم ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس، وقال سعيد بن جبير كانوا حمرا قصارا مساكنهم الغيران أكثر معيشتهم من السمك.\nقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل بن أبي الصلت سمعت الحسن وسأل عن قول الله تعالى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا﴾ قال إن أرضهم لا تحمل البناء فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه فإذا غربت خرجوا يتراغون كما ترغى البهائم قال الحسن هذا حديث سمرة، وقال قتادة ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئا فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم. وعن سلمة بن كهيل أنه قال: ليست لهم أكنان إذا طلعت الشمس طلعت عليهم فلأحدهم أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا﴾ قال هم الزنج.\nوقال ابن جرير (^١) في قوله: ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا﴾ قال لم يبنوا فيها بناء قط ولم يبن عليهم بناء قط كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابا لهم حتى تزول\n_________\n(^١) في تفسير الطبري ٨/ ٢٧٧، قال ابن جريج وليس ابن جرير.","vol":"5","page":174},{"text":"الشمس أو دخلوا البحر وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل. جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها:\nلا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها، قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس ما هذه العظام؟ قالوا:\nهذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا … فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الأرض وقوله: ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ قال مجاهد والسدي: علما أي نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض فإنه تعالى ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-1158>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٢ إلى ٩٦]</span>\n﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن ذي القرنين ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي ثم سلك طريقا من مشارق الأرض حتى إذا بلغ بين السدين وهما جبلان متناوحان (^١) بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك فيعيثون فيها فسادا ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم ﵇ كما ثبت في الصحيحين «إن الله تعالى يقول: يا آدم فيقول لبيك وسعديك فيقول وما بعث النار فيقول ابعث بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها فقال إن فيكم أمّتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج» (^٢) وقد حكى النووي ﵀ في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب فخلقوا من ذلك، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء وهذا قول غريب جدا لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة والله أعلم.\nوفي مسند الإمام أحمد (^٣) عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: «ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك» قال بعض العلماء هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، وقال إنما سمي هؤلاء تركا لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة وإلا فهم أقرباء أولئك ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة، وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثرا\n_________\n(^١) جبلان متناوحان: أي متقابلان.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٢، باب ١، والرقاق باب ٤٥، والتوحيد باب ٣٢، ومسلم في الإيمان حديث ٣٧٩.\n(^٣) المسند ٥/ ٩.","vol":"5","page":175},{"text":"طويلا عجيبا في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس ﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أجرا عظيما يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا لهم من بينهم ما لا يعطونه إياه حتى يجعل بينه وبينهم سدا فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه كما قال سليمان ﵇ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النمل:٣٦] الآية وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه ولكن ساعدوني بقوة أي بعملكم وآلات البناء ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والزبر جمع زبرة وهي القطعة منه قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وهي كاللبنة يقال كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه.\n﴿حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي وضع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولا وعرضا واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أي أجج عليه النار حتى صار كله نارا ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي هو النحاس زاد بعضهم المذاب ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] ولهذا يشبه بالبرد المحبر.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا بشر عن يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا قال يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال «انعته لي» قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال «قد رأيته» هذا حديث مرسل.\nوقد بعث الخليفة الواثق في دولته أحد أمرائه وجهز معه جيشا سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا فتوصلوا من هناك إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيما وعليه أقفال عظيمة ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرسا من الملوك المتاخمة له وأنه عاقل منيف شاهق لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا أهوالا وعجائب. ثم قال الله تعالى.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٢٨٥.","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1159>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٧ إلى ٩٩]</span>\n﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلا بما يناسبه فقال ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا على شيء منه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله فيستثني فيعودون إليه كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في رقابهم فيقتلهم بها قال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم» (^١).\nورواه أحمد أيضا عن حسن هو ابن موسى الأشهب عن سفيان عن قتادة به وكذا رواه ابن ماجة عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: حدث أبو رافع وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة ثم قال غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه وإسناده جيد قوي ولكن متنه في رفعه نكارة لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون غدا نفتحه فيأتون من الغد وقد عاد كما كان فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون فذلك فيصبحون وهو كما كان فيلحسونه ويقولون غدا نفتحه ويلهمون أن يقولوا إن شاء الله فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه وهذا متجه ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرا ما كان يجالسه ويحدثه فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه والله أعلم.\nويؤيد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ-قال سفيان أربع نسوة-قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله ويل\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٨، باب ٥، وابن ماجة في الفتن باب ٣٣، وأحمد في المسند ٢/ ٥١٠، ٥١١.","vol":"5","page":177},{"text":"للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وحلق قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» (^١) هذا حديث صحيح اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الزهري ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة وأثبتها مسلم وفيه أشياء عزيزة قليلة نادرة الوقوع في صناعة الإسناد منها رواية الزهري عن عروة وهما تابعيان ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهم عن بعض ثم كل منهن صحابية ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان ﵅.\nقد روي نحو هذا عن أبي هريرة أيضا، فقال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا وهيب عن ابن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وعقد التسعين (^٢)، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب به، وقوله: ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي لما بناه ذو القرنين ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي بالناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من العيث في الأرض والفساد، ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي إذا اقترب الوعد الحق ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي ساواه بالأرض، تقول العرب: ناقة دكاء إذا كان ظهرها مستويا لا سنام لها، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ «جعله دكاء» [الأعراف: ١٤٣] أي مساويا للأرض.\nوقال عكرمة في قوله: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ قال: طريقا كما كان، ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي كائنا لا محالة. وقوله: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ أي الناس يومئذ، أي يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: ذاك حين يخرجون على الناس، وهذا كله قبل القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦] الآية، وهكذا قال هاهنا ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: هذا أول القيامة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ على أثر ذلك ﴿فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: إذا ماج الجن والإنس يوم القيامة يختلط الإنس والجن.\nوروى ابن جرير (^٣) عن محمد بن حميد عن يعقوب القمي عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: إذا ماج الإنس والجن قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر، فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد قطعوا الأرض، ثم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الفتن باب ٤، ٢٨، ومسلم في الفتن حديث ١، ٢، ومالك في الكلام حديث ٢٢، وأحمد في المسند ٦/ ٤٢٨، ٤٢٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٧، ومسلم في الفتن حديث ٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٢٨٩، ٢٩٠.","vol":"5","page":178},{"text":"يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص، ثم يظعن يمينا وشمالا إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض فيقول ما من محيص، فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كالشراك فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازنا من خزان النار، فقال: يا إبليس ألم تكن لك المنزلة عند ربك، ألم تكن في الجنان؟ فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه، فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة، فيقول: ما هي؟ فيقول يأمرك أن تدخل النار فيتلكأ عليه، فيقول: به وبذريته بجناحيه، فيقذفهم في النار، فتزفر النار زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى لركبتيه، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به، ثم رواه من وجه آخر عن يعقوب عن هارون عن عنترة، عن أبيه عن ابن عباس ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: الإنس والجن يموج بعضهم في بعض.\nوقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل وتأيس ومنسك» هذا حديث غريب، بل منكر ضعيف.\nوروى النسائي من حديث شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعا «إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا، وشجر يلقحون كما شاءوا، ولا يموت رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا».\nوقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ والصور كما جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، كما تقدم في الحديث بطوله، والأحاديث فيه كثيرة، وفي الحديث عن عطية عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعا «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته واستمع متى يؤمر؟» قالوا: كيف نقول؟ قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» (^١). وقوله: ﴿فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ أي أحضرنا الجميع للحساب ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٨، وتفسير سورة ٣٩، باب ٧، وأحمد في المسند ١/ ٣٢٦، ٣/ ٧، ٤/ ٣٧٤.","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1160>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٢]</span>\n﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما يفعله بالكفار يوم القيامة أنه يعرض عليهم جهنم، أي يبرزها لهم ويظهرها ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهمّ والحزن لهم. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك» (^١) ثم قال مخبرا عنهم ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي تغافلوا وتعاموا وتصامموا عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وقال هاهنا: ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أي لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم قال:\n﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ أي اعتقدوا أنهم يصلح لهم ذلك وينتفعون به ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد أعد لهم جهنم يوم القيامة منزلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1161>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٦]</span>\n﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾\nقال البخاري (^٢): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو عن مصعب قال: سألت أبي يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا﴾ أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا ﷺ، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، فكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين، وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية (^٣)، ومعنى هذا عن علي ﵁ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤] وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٢٩، والترمذي في جهنم باب ١.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٨، باب ٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ٢٩٤.","vol":"5","page":180},{"text":"﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أي نخبركم ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا﴾ ثم فسرهم، فقال ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون.\nوقوله ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ﴾ أي جحدوا آيات الله في الدنيا وبراهينه التي أقام على وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ أي لا نثقل موازينهم لأنها خالية عن الخير. قال البخاري (^١): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة-وقال-اقرءوا إن شئتم ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾». وعن يحيى بن بكير عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله، هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقا، وقد رواه مسلم (^٢) عن أبي بكر محمد بن إسحاق عن يحيى بن بكير به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها» قال وقرأ ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي الصلت عن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعا، فذكره بلفظ البخاري سواء.\nوقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عمارة، حدثنا هشيم بن حسان عن واصل عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له، فلما قام على النبي ﷺ قال: «يا بريدة هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا» ثم قال: تفرد به واصل مولى أبي عنبسة، وعون بن عمارة وليس بالحافظ ولم يتابع عليه.\nوقد قال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن شمر عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾. وقوله: ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا﴾ أي إنما جازيناهم بهذا الجزاء بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا،\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٨، باب ٦.\n(^٢) كتاب صفات المنافقين، حديث ١٨.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٢٩٥.","vol":"5","page":181},{"text":"استهزءوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1162>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨)﴾\nيخبر تعالى عن عباده السعداء وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به، أن لهم جنات الفردوس، قال مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية. وقال كعب والسدي والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب، وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنة، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها، وقد روي هذا مرفوعا من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ «الفردوس ربوة الجنة أوسطها وأحسنها».\nوهكذا رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة مرفوعا وروي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعا بنحوه روى ذلك كله ابن جرير ﵀، وفي الصحيحين «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة» (^١). وقوله تعالى:\n﴿نُزُلًا﴾ أي ضيافة، فإن النزل الضيافة. وقوله ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبدا ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ أي لا يختارون عنها غيرها ولا يحبون سواها، كما قال الشاعر: [الطويل] فحلت سويدا القلب لا أنا باغيا … سواها ولا عن حبها أتحوّل (^٢)\nوفي قوله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائما أنه قد يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا انتقالا ولا ظعنا ولا رحلة ولا بدلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1163>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]</span>\n﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لو كان ماء البحر مدادا للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمه وآياته الدالة عليه، لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابة ذلك ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ﴾ أي بمثل البحر آخر، ثم آخر وهلم جرا بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٢.\n(^٢) يروى البيت: وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا سواها ولا عن حبها متراخيا والبيت للنابغة الجعدي في ديوانه ص ١٧١، والأشباه والنظائر ٨/ ١١٠، وتخليص الشواهد ص ٢٩٤، والجنى الداني ص ٢٩٣، وخزانة الأدب ٣/ ٣٣٧، والدرر ٢/ ١١٤، وشرح الأشموني ١/ ١٢٥، وشرح التصريح ١/ ١٩٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦١٣، ومغني اللبيب ١/ ٣٤، والمقاصد النحوية ٢/ ١٤١، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ٢٤٧، وشرح ابن عقيل ص ١٥٩، وهمع الهوامع ١/ ١٢٥.","vol":"5","page":182},{"text":"[لقمان: ٢٧] وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ يقول لو كانت تلك البحور مدادا لكلمات الله، والشجر كله أقلام لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي حتى يكون هو الذي يثني نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1164>[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]</span>\n﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾\nروى الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان قال: هذه آخر آية أنزلت، يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي عما سألتم من قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين مما هو مطابق في نفس الأمر، ولولا ما أطلعني الله عليه، وإنما أخبركم ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ﴾ الذي أدعوكم إلى عبادته ﴿إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا شريك له ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ أي ثوابه وجزاءه الصالح ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ أي ما كان موافقا لشرع الله ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصا لله صوابا على شريعة رسول الله ﷺ.\nوقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر عن عبد الكريم الجزري عن طاوس قال: قال رجل يا رسول الله إني أقف المواقف أريد وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئا حتى نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد. وقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال:\nأنبئني عما أسألك عنه. أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق ويبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا كثير بن زيد عن ربيح بن\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٠.","vol":"5","page":183},{"text":"عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ، فنبيت عنده تكون له حاجة أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا، فكثر المحتسبون وأهل النوب، فكنا نتحدث فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما هذه النجوى؟» قال: فقلنا: تبنا إلى الله أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا منه فقال ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي قال قلنا بلى، فقال: «الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل».\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد يعني ابن بهرام قال: قال شهر ابن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى، والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين، يعني من وسط قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ، فأعاده وأبدأه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزله عند منازله لا يحور فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت.\nقال: فبينما نحن كذلك إذ طلع شداد بن أوس ﵁ وعوف بن مالك فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من الشهوة الخفية والشرك» فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفرا ألم يكن رسول الله ﷺ قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. أما الشهوة الخفية فقد عرفناها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي رجل أو يصوم لرجل أو يتصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله إن من صلى لرجل أو صام أو تصدق له لقد أشرك، فقال شداد فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك فقال عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد إليه إلى ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي من أشرك بي شيئا، فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني».\n[طريق أخرى لبعضه] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نسي عن شداد بن أوس ﵁ أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال شيء سمعته من رسول الله ﷺ فأبكاني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية» قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: «نعم أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا، ولكن يراءون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٢٥، ١٢٦.\n(^٢) المسند ٤/ ١٢٣، ١٢٤.","vol":"5","page":184},{"text":"يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه» ورواه ابن ماجة (^١) من حديث الحسن بن ذكوان عن عبادة بن نسي به، وعبادة فيه ضعف، وفي سماعه من شداد نظر.\n[حديث آخر] قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر الأحمر، حدثنا علي بن ثابت، حدثنا قيس بن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك من أشرك بي أحدا فهو له كله». وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن الله ﷿ أنه قال: «أنا خير الشركاء فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه، وهو للذي أشرك» تفرد به من هذا الوجه.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): «حدثنا يونس، حدثنا الليث عن يزيد يعني ابن الهاد عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن بكير، أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني أبي عن زياد بن ميناء عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» (^٥) وأخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث محمد وهو البرساني به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي -يعني عبد العزيز بن أبي بكرة-عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به» وقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا معاوية، حدثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: «من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به».\n_________\n(^١) كتاب الزهد باب ٢١.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٠١.\n(^٣) المسند ٥/ ٤٢٨.\n(^٤) المسند ٤/ ٢١٥.\n(^٥) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٨، باب ٦، وابن ماجة في الزهد باب ٤٦.\n(^٦) المسند ٥/ ٤٥.\n(^٧) المسند ٣/ ٤٠.","vol":"5","page":185},{"text":"[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت رجلا في بيت أبي عبيدة أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من سمع الناس بعمله سمع الله به، ساء خلقه وصغره وحقره» فذرفت عينا عبد الله. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله ﷿ يوم القيامة في صحف مختمة، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب والله ما رأينا منه إلا خيرا، فيقول: إن عمله كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي» ثم قال: الحارث بن غسان روى عنه جماعة وهو ثقة بصري، ليس به بأس، وقال ابن وهب: حدثني يزيد بن عياض عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رياء وسمعة، لم يزل في مقت الله حتى يجلس».\nوقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوض عن عوف بن مالك عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿».\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس الكندي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآية، وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة فروى بالمعنى على ما فهمه، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قرة عن سعيد بن المسيب عن عمرو بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من قرأ في ليلة ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآية، كان له من النور من عدن أبين إلى مكة حشو ذلك النور الملائكة» غريب جدا.\nآخر تفسير سورة الكهف.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٦٢، ١٩٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٣٠٠.","vol":"5","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1165>سورة مريم</span>\nوهي مكية\nوقد روى محمد بن إسحاق في السيرة (^١) من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل (^٢) عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1166>[سورة مريم (١٩): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقوله ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ أي هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا، وقرأ يحيى بن يعمر ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان وكان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري أنه كان نجارا يأكل من عمل يده في النجارة. وقوله ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي.\nوقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله، كما قال قتادة في هذه الآية ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي (^٣).\nوقال بعض السلف: قام من الليل ﵇ وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب، فقال الله له: لبيك لبيك لبيك ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعفت وخارت القوى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، أي اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دريد في مقصورته: [الطويل]\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٣٣٦.\n(^٢) المسند ١/ ٤٦١.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٠٦.","vol":"5","page":187},{"text":"أما ترى رأسي حاكى لونه … طرة صبح تحت أذيال الدجى\nواشتعل المبيضّ في مسودّة … مثل اشتعال النار في جمر الغضا (^١)\nوالمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة. وقوله ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك وقوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر: [رجز] كأن أيديهن في القاع القرق … أيدي جوار يتعاطين الورق (^٢)\nوقال الآخر: [الطويل] فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها … أو القمر الساري لألقى المقالدا (^٣)\nومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي: [الطويل] تغاير الشعر منه إذ سهرت له … حتى ظننت قوافيه ستقتتل (^٤)\nوقال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أنه كان يقرؤها ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ بتشديد الفاء بمعنى قلت عصباتي من بعدي، وعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا، فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.\n_________\n(^١) البيتان في شرح مقصورة ابن دريد ص ٢، وتفسير البحر المحيط ٦/ ١٦٤، البيت الثاني فقط، وروح المعاني للآلوسي ١٦/ ٦٠.\n(^٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٧٩، وخزانة الأدب ٨/ ٣٤٧، والدرر ١/ ١٦٦، وشرح شواهد الشافية ص ٤٠٥، وتاج العروس (زهق)، (قرق)، ولسان العرب (زهق)، وبلا نسبة في لسان العرب (قرق)، (ثمن)، والأشباه والنظائر ١/ ٢٦٩، وأمالي المرتضى ١/ ٥٦١، والخصائص ١/ ٣٠٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٢٩٤، ٩٧٠، ١٠٣٢، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٤، والمحتسب ١/ ١٢٦، ٢٨٩، ٢/ ٧٥، وهمع الهوامع ١/ ٥٣، وتهذيب اللغة ١٥/ ١٠٧، وكتاب العين ٥/ ٢٢، ومجمل اللغة ٤/ ١٥٦، ومقاييس اللغة ٥/ ٧٥، وتاج العروس (ثمن)\n(^٣) البيت للأعشى في ديوانه ص ١١٥، ولسان العرب (ندى)، وفيه «القلائد» بدل «المقالدا» وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٤١٢.\n(^٤) البيت في ديوان أبي تمام ص ٢٢٧.","vol":"5","page":188},{"text":"[الثاني] أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.\n[الثالث] أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» (^١) وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح «نحن معشر الأنبياء لا نورث» (^٢)، وعلى هذا فتعين حمل قوله ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة، ولهذا قال ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كقوله ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أي في النبوة إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة».\nقال مجاهد في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كان وراثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن الحسن يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وعن مالك عن زيد بن أسلم ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال نبوتهم. وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي ﷺ قال «يرحم الله زكريا وما كان عليه من وراثة ماله، ويرحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد». وقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح عن مبارك هو ابن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ «رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من وراثة ماله حين قال: هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب» وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم. وقوله ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي مرضيا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1167>[سورة مريم (١٩): آية ٧]</span>\n﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾\nهذا الكلام يتضمن محذوفا وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه، فقيل له: ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ كما قال تعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الخمس باب ١، ومسلم في الجهاد حديث ٤٩، ٥٢.\n(^٢) أخرجه الترمذي في السير باب ٤٤، وأحمد في المسند ٢/ ٤٦٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٣٠٨.","vol":"5","page":189},{"text":"﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨ - ٣٩] وقوله ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال قتادة وابن جريج وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير ﵀.\nقال مجاهد ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي شبيها، وأخذه من معنى قوله ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي شبيها، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله، وهذا دليل على أن زكريا ﵇ كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم، وسارة ﵉، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرهما، ولهذا قال ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة، وقالت امرأته ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢ - ٧٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1168>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨ إلى ٩]</span>\n﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾\nهذا تعجب من زكريا ﵇ حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحا شديدا، وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي: عسا عظمه ونحل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتيا وعتوا، وعسا يعسو عسوا وعسيا، وقال مجاهد: عتيا يعني نحول العظم، وقال ابن عباس وغيره: عتيا، يعني الكبر، والظاهر أنه أخص من الكبر.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أو عسيا، ورواه الإمام أحمد (^٢) عن سريج بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به، ﴿قالَ﴾ أي الملك مجيبا لزكريا عما استعجب منه ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، ﴿هَيِّنٌ﴾ أي يسير سهل على الله، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٣١١.\n(^٢) المسند ١/ ٢٥٧، ٢٥٨.","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1169>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن زكريا ﵇ أنه ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي علامة ودليلا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية ﴿قالَ آيَتُكَ﴾ أي علامتك ﴿أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ أي أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ أي متتابعات، والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح، كما قال تعالى في آل عمران ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١] وقال مالك عن زيد بن أسلم ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ من غير خرس، وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ﴿إِلاّ رَمْزًا﴾ أي إشارة، ولهذا قال في هذه الآية الكريمة ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ﴾ أي الذي بشر فيه بالولد ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ أي أشار إشارة خفية سريعة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله شكرا لله على ما أولاه. قال مجاهد: «فأوحى إليهم» أي أشار وبه قال وهب وقتادة. وقال مجاهد في رواية عنه: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ أي كتب لهم في الأرض، وكذا قال السدي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1170>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٢ إلى ١٥]</span>\n﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾\nوهذا أيضا تضمن محذوفا تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى ﵇، وأن الله علمه الكتاب وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيرا فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه فقال: ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ أي تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث، قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقت، فلهذا أنزل الله ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (^١)\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣١٥.","vol":"5","page":191},{"text":"وقوله: ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ يقول:\nورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا، وزاد قتادة:\nرحم الله بها زكريا. وقال مجاهد: ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ وتعطفا من ربه عليه. وقال عكرمة:\n﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ قال: محبة عليه. وقال ابن زيد أما الحنان فالمحبة، وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ قال: تعظيما من لدنا، وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا والله ما أدري ما حنانا (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن منصور، سألت سعيد بن جبير عن قوله: ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئا، والظاهر من السياق أن قوله وحنانا معطوف على قوله ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي وآتيناه الحكم وحنانا وزكاة، أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل، كما تقول العرب: حنت الناقة على ولدها وحنت المرأة على زوجها، ومنه سميت المرأة حنة من الحنّة، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر: [المتقارب] تحنّن عليّ هداك المليك … فإن لكلّ مقام مقالا (^٣)\nوفي المسند للإمام أحمد (^٤) عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان» وقد يثني، ومنهم من يجعل ما ورد في ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة: [الطويل] أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض (^٥)\nوقوله: ﴿وَزَكاةً﴾ معطوف على وحنانا، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب، وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح، وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَزَكاةً﴾ قال: بركة، ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ ذا طهر فلم يهمّ بذنب.\nوقوله ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣١٦.\n(^٢) هذا الأثر لم أجده بهذا اللفظ في تفسير الطبري.\n(^٣) البيت للحطيئة في ديوانه ص ٧٢، وتخليص الشواهد ص ٢٠٦، والدرر ٣/ ٦٤، ولسان العرب (قول)، (حنن)، وتاج العروس (قول)، (حنن)، وبلا نسبة في العقد الفريد ٥/ ٤٩٣، والمقتضب ٣/ ٢٢٤، وهمع الهوامع ١/ ١٨٩، وتفسير الطبري ٨/ ٣١٧.\n(^٤) المسند ٣/ ٢٣٠.\n(^٥) البيت في ديوان طرفة بن العبد ص ٦٦، والدرر ٣/ ٦٧، والكتاب ١/ ٣٤٨، ولسان العرب (حنن) وهمع الهوامع ١/ ١٩٠، وتاج العروس (حنن)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ١٢٧٣، وشرح المفصل ١/ ١١٨، والمقتضب ٣/ ٢٢٤.","vol":"5","page":192},{"text":"وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولا وفعلا، أمرا ونهيا، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال. وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال:\nفأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصّه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿جَبّارًا عَصِيًّا﴾ قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله ﷺ «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا» قال قتادة: ما أذنب ولا هم بامرأة (^١)، مرسل، وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع النبي ﷺ قال: «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا بن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» وهذا أيضا ضعيف، لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى ﵉ التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي، وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-1171>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٦ إلى ٢١]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾\nلما ذكر تعالى قصة زكريا ﵇، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى ﵉ منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا، وفي سورة الأنبياء يقرن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣١٨.\n(^٢) المسند ١/ ٢٥٤.","vol":"5","page":193},{"text":"بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر، فقال ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ وهي مريم بنت عمران من سلالة داود ﵇. وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران، وأنها نذرتها محررة، أي تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدؤوب، وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك، وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره.\n﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في سورة آل عمران، فلما أراد الله تعالى وله الحكمة والحجة البالغة، أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇ أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام ﴿اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أي اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. وقال السدي لحيض أصابها، وقيل لغير ذلك.\nقال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: ﴿اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مريم مكانا شرقيا، فصلوا قبل مطلع الشمس، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال ابن جرير (^١) أيضا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله عن داود عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله تعالى: ﴿اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ واتخذوا ميلاد عيسى قبلة. وقال قتادة ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ شاسعا منتحيا، وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها لتستقي الماء. وقال نوف البكالي: اتخذت لها منزلا تتعبد فيه، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أي استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أي على صورة إنسان تام كامل. قال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا﴾ يعني جبرائيل ﵇، وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن، فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى:\n﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] وقال أبو جعفر\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٣١٩.","vol":"5","page":194},{"text":"الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: إن روح عيسى ﵇ من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم ﵇، وهو الذي تمثل لها بشرا سويا، أي روح عيسى، فحملت الذي خاطبها، وحل في فيها، وهذا في غاية الغرابة والنكارة وكأنه إسرائيلي ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي لما تبدى لها الملك في صورة بشر وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت:\n﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي إن كنت تخاف الله تذكيرا له بالله وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل، فالأسهل، فخوفته أولا بالله ﷿.\nقال ابن جرير (^١): حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: قال أبو وائل وذكر قصة مريم، فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي فقال لها الملك مجيبا لها ومزيلا لما حصل عندها من الخوف على نفسها لست مما تظنين ولكني رسول ربك أي بعثني الله إليك، ويقال إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا وعاد إلى هيئته وقال «إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا» هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء، وقرأ الآخرون ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى.\n﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أي فتعجبت مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام؟ أي على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولهذا قالت: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ والبغي هي الزانية، ولهذا جاء في الحديث نهي عن مهر البغي ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت:\nإن الله قد قال إنه سيوجد منك غلاما وإن لم يكن لك بعل، ولا توجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، ولهذا قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى، فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله ونبيا من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] أي يدعو إلى عبادة ربه في مهده وكهولته، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم، حدثنا مروان، حدثنا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٣٢١.","vol":"5","page":195},{"text":"العلاء بن الحارث الكوفي عن مجاهد: قال: قالت مريم ﵍: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.\nوقوله: ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد ﷺ وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] وقال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١] قال محمد بن إسحاق: ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد، واختار هذا أيضا ابن جرير في تفسيره ولم يحك غيره، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1172>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]</span>\n﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل ﵇ عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت به ضاقت ذرعا، ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا ﵇ كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم، فقامت إليها فاعتنقتها وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضا أني حبلى، وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن مريم، أي يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم ﵇، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع، قال أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ﵉ ابنا خالة، وكان حملهما جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇، لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة: ثمانية أشهر، قال: ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر. وقال ابن جريج:","vol":"5","page":196},{"text":"أخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت (^١)، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها.\nوقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوما، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] فالمشهور الظاهر، والله على كل شيء قدير أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن. ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها، وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول فقال: يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي.\nقالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر. وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه.\nأما قولك: هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر، فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم، فصدقها وسلم لها حالها، ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكانا قصيا، أي قاصيا منهم بعيدا عنهم لئلا تراهم ولا يروها.\nقال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون، حتى فطر لسانها فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا: إنما صاحبها يوسف ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجابا، فلا يراها أحد ولا تراه. وقوله: ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة في المكان الذي تنحت إليه، وقد اختلفوا فيه، فقال السدي:\nكان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس. وقال وهب بن منبه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها بيت لحم، قلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء من\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٢٥.","vol":"5","page":197},{"text":"رواية النسائي عن أنس ﵁، والبيهقي عن شداد بن أوس ﵁ أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا تشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح.\nوقوله تعالى إخبارا عنها: ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾ أي قبل هذا الحال، ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي لم أخلق ولم أك شيئا، قاله ابن عباس. وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل، ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي. وقال قتادة: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي شيئا لا يعرف ولا يذكر ولا يدري من أنا. وقال الربيع بن أنس: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ هو السقط. وقال ابن زيد: لم أكن شيئا قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n\n<span data-type='title' id=toc-1173>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]</span>\n﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾\nقرأ بعضهم: «من تحتها» بمعنى الذي تحتها، وقرأ الآخرون: ﴿مِنْ تَحْتِها﴾ على أنه حرف جر، واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها﴾ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة: إنه الملك جبرائيل ﵊، أي ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها﴾ قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها، وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير أنه ابنها، قال: أو لم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩] واختاره ابن زيد وابن جرير (^١) في تفسيره.\nوقوله: ﴿أَلاّ تَحْزَنِي﴾ أي ناداها قائلا لا تحزني ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال:\nالجدول، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السري النهر، وبه قال عمرو بن ميمون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٣٢٧.","vol":"5","page":198},{"text":"نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير: السري النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية. وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير. وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز، وقال وهب بن منبه: السري هو ربيع الماء. وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير.\nوقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول، سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن السري الذي قال الله لمريم ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نهر أخرجه الله لتشرب منه» وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه.\nوأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث.\nوقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون المراد بالسري عيسى ﵇، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والقول الأول أظهر. ولهذا قال بعده: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة.\nقال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى: كانت صرفانة، والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه، ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاما وشرابا فقال: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي طيبي نفسا، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها» وقال رسول الله ﷺ: «أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران» هذا حديث منكر جدا ورواه أبو يعلى عن شيبان به. وقرأ بعضهم ﴿تُساقِطْ﴾ بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها. وقرأ أبو نهيك «تسقط عليك رطبا جنيا» وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها «يسّاقط» أي الجذع، والكل متقارب.\nوقوله: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي مهما رأيت من أحد ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال أنس بن مالك في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ﴾","vol":"5","page":199},{"text":"﴿صَوْمًا﴾ قال: صمتا، وكذا قال ابن عباس والضحاك، وفي رواية عن أنس: صوما وصمتا، وكذا قال قتادة وغيرهما، والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو إسحاق عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم ﵍، ليكون عذرا لها إذا سئلت. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١) رحمها الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: لا تحزني قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة؟ أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال هذا كله من كلام عيسى لأمه، وكذا قال وهب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1174>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٧ إلى ٣٣]</span>\n﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك وأن لا تكلم أحدا من البشر، فإنها ستكفي أمرها ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله ﷿ واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جدا، و﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، أي أمرا عظيما، قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، قال: وكانت من أهل بيت نبوة وشرف فلم يحسوا منها شيئا، فلقوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي.\nقال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيّار أنه قال: رأيت نورا ساطعا فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها فجاؤوا حتى قاموا عليها و﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أمرا عظيما ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ أي يا شبيهة هارون في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٣٣٣.","vol":"5","page":200},{"text":"العبادة ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟ قال علي بن أبي طلحة والسدي: قيل لها: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ أي أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري يا أخا مضر (^١)، وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة، وحكى ابن جرير عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له هارون (^٢).\nورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثنا أبو صخر عن القرظي في قوله الله ﷿: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثا، وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا أولى الناس بابن مريم إلا أنه ليس بيني وبينه نبي» ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرا عن الرسل سوى محمد، ولكان قبل سليمان وداود، فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] وذكر القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١] الآية، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر وإغراق فرعون وقومه.\nقال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى وهذه هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم» (^٤) انفرد بإخراجه مسلم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٣٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٣٣٦.\n(^٣) المسند ٤/ ٢٥٢.\n(^٤) أخرجه بلفظ «يسمّون» بدل «يتسمون»، مسلم في الأدب حديث ٩، والترمذي في تفسير سورة ١٩، باب ١.","vol":"5","page":201},{"text":"والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك به، وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال أنبئت أن كعبا قال إن قوله: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى قال فقالت له عائشة كذبت قال يا أم المؤمنين إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة قال فسكتت وفي هذا التاريخ نظر.\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ الآية، قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحا محببا في عشيرته وليس بهارون أخي موسى ولكنه هارون آخر، قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل.\nوقوله: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ قال ميمون بن مهران: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ قالت كلموه، فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا، وقال السدي لما «أشارت إليه» غضبوا وقالوا:\nلسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾، أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.\nوقوله: ﴿آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه واتكأ على جنبه الأيسر وقال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ -إلى قوله- ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ وقال حماد بن سلمة عن ثابت البناني: رفع إصبعه السبابة فوق منكبه وهو يقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية، وقال عكرمة: ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ أي قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد هو العطار\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٣٣٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٣٣٥.","vol":"5","page":202},{"text":"عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمها وهو في بطن أمه، فذلك قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ يحيى بن سعيد العطار الحمصي متروك.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري: وجعلني معلما للخير. وفي رواية عن مجاهد: نفاعا. وقال ابن جرير (^١): حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان. وقوله: ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ كقوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وقال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس في قوله ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ما أبينها لأهل القدر.\nوقوله: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ أي وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه، لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ أي ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك. قال سفيان الثوري: الجبار الشقي الذي يقتل على الغضب. وقال بعض السلف: لا تجد أحدا عاقا لوالديه إلا وجدته جبارا شقيا، ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ قال: ولا تجد سيئ الملكة (^٢) إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ:\n﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].\nقال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهن وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، وطوبى للثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى ﵇ يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله فاتبع ما فيه، ولم يكن جبارا شقيا (^٣). وقوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ إثبات منه لعبوديته لله ﷿، وأنه مخلوق من خلق الله يحيى ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، صلوات الله وسلامه عليه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٣٣٨.\n(^٢) سيئ الملكة: هو الذي يسيء صحبة ومعاملة المماليك.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٣٩، ٣٤٠.","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1175>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]</span>\n﴿ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ذلك الذي قصصناه عليك من خبر عيسى ﵇ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به، ولهذا قرأ الأكثرون قول الحق برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر قول الحق، وعن ابن مسعود أنه قرأ ذلك عيسى ابن مريم، قال: الحق، والرفع أظهر إعرابا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدا نبيا نزه نفسه المقدسة فقال: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ﴾ أي عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوا كبيرا ﴿إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي إذا أراد شيئا، فإنما يأمر به فيصير كما يشاء، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠].\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته، فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي قويم من اتبعه رشد وهدى، ومن خالفه ضل وغوى. وقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي اختلف أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة منهم، وهم جمهور اليهود. -عليهم لعائن الله-على أنه ولد زنية، وقالوا:\nكلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: بل هو ابن الله. وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله، وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث:\nقل أنت فيه قال: هو ابن الله وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله. قال الرابع: كذبت بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته وهم","vol":"5","page":204},{"text":"المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا وظهروا على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ قال قتادة: وهم الذين قال الله:\n﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ قال اختلفوا فيه فصاروا أحزابا (^١).\nوقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعن عروة بن الزبير وعن بعض أهل العلم قريبا من ذلك، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم ﵇ اختلافا متباينا جدا، فقالت كل شرذمة فيه قولا، فمائة تقول فيه شيئا، وسبعون تقول فيه قولا آخر، وخمسون تقول شيئا آخر ومائة وستون تقول شيئا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة، وثمانية منهم اتفقوا على قول وصمموا عليه، فمال إليهم الملك وكان فيلسوفا فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعا كثيرة، وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها، بلاد الشام والجزيرة والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قمامة (^٢) على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي يزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا بل رفعه الله إلى السماء.\nوقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى وزعم أن له ولدا، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة، وأجلهم حلما وثقة بقدرته عليهم، فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (^٣) [هود: ١٠٢]. وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم» (^٤) وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ولهذا قال هاهنا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي يوم القيامة. وقد\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٤١.\n(^٢) القمامة: الدير.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٢، والترمذي في تفسير سورة ١١، باب ٢، وابن ماجة في الفتن باب ٢٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣، والأدب باب ٧١، ومسلم في المنافقين حديث ٤٩، وأحمد في المسند ٤/ ٤٠١، ٤٠٥.","vol":"5","page":205},{"text":"جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1176>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار يوم القيامة: إنهم يكونون أسمع شيء وأبصره، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة:١٢] الآية، أي يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لكان نافعا لهم ومنقذا من عذاب الله، ولهذا قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي ما أسمعهم وأبصرهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ يعني يوم القيامة ﴿لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أي في الدنيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي أنذر الخلائق يوم الحسرة ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي فصل بين أهل الجنة وأهل النار وصار كل إلى ما صار إليه مخلدا فيه، ﴿وَهُمْ﴾ أي اليوم ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لا يصدقون به.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا، قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت-قال-فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت-قال-فيؤمر به فيذبح، قال: ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت» ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأشار بيده (^٣) ثم قال «أهل الدنيا في غفلة الدنيا» هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٤٧، ومسلم في الإيمان حديث ٤٦، وأحمد في المسند ٥/ ٣١٤.\n(^٢) المسند المسند ٣/ ٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٩، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٤٠، والترمذي في الجنة باب ٢٠.","vol":"5","page":206},{"text":"عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا مثله، وفي سنن ابن ماجة وغيره من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه، وهو في الصحيحين عن ابن عمر.\nورواه ابن جريج قال: قال ابن عباس فذكر من قبله نحوه، ورواه أيضا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة فيذبح والناس ينظرون، وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل: حدثنا أبو الزعراء عن عبد الله هو ابن مسعود في قصة ذكرها، قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة، ويقال لهم لو عملتم، فتأخذهم الحسرة، قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم لولا أن الله من عليكم.\nوقال السدي عن زياد عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادي مناد: يا أهل النار هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادي: يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتا من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتا من شهقة ماتوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقول إذا ذبح الموت، رواه ابن أبي حاتم في تفسيره.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٦].\nوقوله: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا، بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة. قال ابن أبي حاتم: ذكر هدبة بن خالد القيسي، حدثنا حزم بن أبي حزم القطعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذي خلقه بعلمه وأشهد ملائكته على حفظه: إنه يرث الأرض","vol":"5","page":207},{"text":"ومن عليها وإليه يرجعون (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1177>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤١ إلى ٤٥]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ﴾ واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن. الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته، وقد كان صديقا نبيا مع أبيه، كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ أي لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ يقول: وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك، فاعلم أني قد أطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت، ولا أطلعت عليه ولا جاءك ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ أي طريقا مستقيما موصلا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أي لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧].\nوقوله ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا﴾ أي مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ﴾ أي على شركك وعصيانك لما آمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ يعني فلا يكون لك مولى ولا ناصرا ولا مغيثا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1178>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]</span>\n﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال: ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ﴾ يعني إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٤/ ٤٩٠.","vol":"5","page":208},{"text":"وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله ابن عباس والسدي وابن جريج والضحاك وغيرهم، وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق: يعني دهرا. وقال الحسن البصري: زمانا طويلا. وقال السدي ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدا. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سويا سالما قبل أن تصيبك مني عقوبة، وكذا قال الضحاك وقتادة وعطية الجدلي ومالك وغيرهم، واختاره ابن جرير، فعند ما قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] وقال تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] ومعنى قول إبراهيم لأبيه ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ يعني أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى وذلك لحرمة الأبوة ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ ولكن سأسأل الله فيك أن يهديك ويغفر ذنبك ﴿إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال ابن عباس وغيره: لطيفا، أي في أن هداني لعبادته والإخلاص له.\nوقال قتادة ومجاهد وغيرهما: ﴿إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال عوده الإجابة. وقال السدي:\nالحفي الذي يهتم بأمره، وقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة وبعد أن هاجر إلى الشام، وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ -إلى قوله- ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] الآية، يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤]. وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي﴾. أي وأعبد ربي وحده لا شريك له ﴿عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ وعسى هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇ سيد الأنبياء بعد محمد ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1179>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]</span>\n﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾\nيقول تعالى: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾","vol":"5","page":209},{"text":"[الأنبياء: ٧٢] وقال ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ [البقرة:١٣٣] ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي جعلنا له نسلا وعقبا أنبياء أقر الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ فلو لم يكن يعقوب ﵇ قد نبئ في حياة إبراهيم لما اقتصر عليه ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضا.\nكما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته حين سئل عن خير الناس، فقال:\n«يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله» (^١)، وفي اللفظ الآخر «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» (^٢).\nوقوله ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الثناء الحسن، وكذا قال السدي ومالك بن أنس، وقال ابن جرير (^٣): إنما قال عليا لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1180>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥١ إلى ٥٣]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾\nلما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ قرأ بعضهم بكسر اللام من الإخلاص في العبادة. قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي لبابة قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن المخلص لله؟ قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس، وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنه كان مصطفى، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] ﴿وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ جمع الله له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين.\nوقوله: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ﴾ أي الجبل ﴿الْأَيْمَنِ﴾ من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح، فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن منه عند شاطئ الوادي، فكلمه الله تعالى وناداه وقربه فناجاه. روى ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٨، ١٤، ومسلم في الفضائل حديث ١٥٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ١٩، والمناقب باب ١٣، وتفسير سورة ١٢ باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٣٥٠.","vol":"5","page":210},{"text":"هو القطان، حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قال: أدنى حتى سمع صريف القلم (^١)، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم: يعنون صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه.\nوقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قال: نجا بصدقه. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي واصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى نجيا بطور سيناء قال:\nيا موسى إذا خلقت لك قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئا، ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئا.\nوقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ أي وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيا، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] وقال: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه:٣٦] وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٣ - ١٤] ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيا، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال: قال ابن عباس قوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب نبوته له، وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقا عن يعقوب وهو ابن إبراهيم الدّورقي به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1181>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾\nهذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه كان صادق الوعد. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها. وقال ابن جرير (^٢): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي ﵇ وعد رجلا مكانا أن يأتيه فيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت قال: لم أكن أبرح حتى تأتيني، فلذلك ﴿كانَ صادِقَ الْوَعْدِ﴾ وقال سفيان الثوري: يلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولا حتى\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٥١.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٣٥١، ٣٥٢.","vol":"5","page":211},{"text":"جاءه وقال ابن شوذب: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنا.\nوقد روى أبو داود في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم الأخلاق، من طريق إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم يعني ابن عبد الله بن شقيق، عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء، قال: بايعت رسول الله ﷺ قبل أن يبعث، فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: «يا فتى لقد شققت عليّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» (^١) لفظ الخرائطي وساق آثارا حسنة في ذلك، ورواه ابن مندة أبو عبد الله في كتاب معرفة الصحابة بإسناده عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم به.\nوقال بعضهم: إنما قيل له: ﴿صادِقَ الْوَعْدِ﴾ لأنه قال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فصدق في ذلك، فصدق الوعد من الصفات الحميدة كما أن خلفه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] وقال رسول الله ﷺ «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» (^٢) ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله ﷺ صادق الوعد أيضا لا يعد أحدا شيئا إلا وفي له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب، فقال: «حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي» (^٣) ولما توفي النبي ﷺ قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاء جابر بن عبد الله فقال إن رسول الله ﷺ قال: «لو كان جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا» يعني ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرا فغرف بيديه من المال، ثم أمره بعده فإذا هو خمسمائة درهم فأعطاه مثليها معها.\nوقوله: ﴿وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق، لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل» (^٤) وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه. وقوله: ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ هذا أيضا من الثناء الجميل والصفة الحميدة، والخلة السديدة، حيث كان مثابرا على طاعة ربه ﷿،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٨٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في الشهادات باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٧، ١٠٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في الشروط باب ٦، والشهادات باب ٢٨، وفضائل أصحاب النبي باب ١٦، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٩٥.\n(^٤) أخرجه مسلم في الفضائل حديث ١، والترمذي في المناقب باب ١، وأحمد في المسند ٤/ ١٠٧.","vol":"5","page":212},{"text":"آمرا بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] الآية، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] أي مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ولا تدعوهم هملا، فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» (^١) أخرجه أبو داود وابن ماجة. وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات» (^٢) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة واللفظ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-1182>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾\nذكر إدريس ﵇ بالثناء عليه بأنه كان صديقا نبيا، وأن الله رفعه مكانا عليا، وقد تقدم في الصحيح أن رسول الله ﷺ مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة. وقد روى ابن جرير (^٣) هاهنا أثرا غريبا عجيبا فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له: ما قول الله ﷿ لإدريس ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ فقال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملا، فأتاه خليل له من الملائكة فقال له: إن الله أوحى إلى كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملا، فحمله بين جناحيه حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هوذا على ظهري. قال ملك الموت: العجب، بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أنه سأل كعبا فذكر نحو ما تقدم، غير أنه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في التطوع باب ١٨، والوتر باب ١٣، والنسائي في قيام الليل باب ٥، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٠، ٤٣٦، وابن ماجة في الإقامة باب ١٧٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود في التطوع باب ١٨، وابن ماجة في الإقامة باب ١٧٥.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٣٥٢.","vol":"5","page":213},{"text":"قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله، يعني ملك الموت، كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل، وذكر باقيه وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر، فنظر ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه فإذا هو قد قبض ﵇ وهو لا يشعر به، ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس أن إدريس كان خياطا، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملا منه، وذكر بقيته كالذي قبله أو نحوه.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى، وقال سفيان عن منصور عن مجاهد ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ قال: السماء الرابعة، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها وهكذا قال الضحاك بن مزاحم وقال الحسن وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ قال: الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1183>[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]</span>\n﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾\nيقول تعالى: هؤلاء النبيون-وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط بل جنس الأنبياء ﵈ استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس- ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ الآية، قال السدي وابن جرير ﵀. فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم، قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم، لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس، فإنه جد نوح (قلت) هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح ﵉، وقد قيل إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذ من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي ﷺ: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، ولم يقل والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم ﵉.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن محمد أن إدريس أقدم من نوح، فبعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاؤوا، فأبوا فأهلكهم الله ﷿، ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيّا﴾","vol":"5","page":214},{"text":"﴿وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ -إلى قوله- ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٩٠] وقال ﷾: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨].\nوفي صحيح البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي ﴿ص﴾ سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فنبيكم من أمر أن يقتدى بهم، قال: وهو منهم، يعني داود (^١).\nوقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعا واستكانة وحمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة، والبكي جمع باك، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم. قال سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ سورة مريم، فسجد وقال: هذا السجود فأين البكي؟ يريد البكاء، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وسقط من رواته ذكر أبي معمر فيما رأيت، فالله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1184>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]</span>\n﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾\nلما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء ﵈، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره، ذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي قرون أخر ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع، لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيا، أي خسارا يوم القيامة، وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي، واختاره ابن جرير ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة للحديث «بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة» (^٢). والحديث الآخر «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٣٩، وتفسير سورة ٦، باب ٥، وسورة ٣٨، باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٣٦٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٣٤، وأبو داود في السنة باب ١٥، والترمذي في الإيمان باب ٩، وابن ماجة في الإقامة باب ١٧، والدارمي في الصلاة باب ٢٩.","vol":"5","page":215},{"text":"فمن تركها فقد كفر» (^١) وليس هذا محل بسط هذه المسألة.\nوقال الأوزاعي عن موسى بن سليمان عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ قال: أي أضاعوا المواقيت ولو كان تركا كان كفرا (^٢). وقال وكيع عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] و﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] و﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] فقال ابن مسعود: على مواقيتها.\nقالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال ذلك الكفر، قال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن إضاعتهن عن وقتهن.\nوقال الأوزاعي عن إبراهيم بن يزيد: أن عمر بن عبد العزيز قرأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا الوقت، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ قال: عند قيام الساعة وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ ينزو بعضهم على بعض في الأزقة، وكذا روى ابن جريج عن مجاهد مثله، وروى جابر الجعفي عن مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح أنهم من هذه الأمة، يعنون في آخر الزمان.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون من الناس في الأرض وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا حيوة، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون خلف بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق وفاجر» وقال بشير: قلت للوليد:\nما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به. والفاجر يأكل به» وهكذا رواه أحمد (^٤) عن أبي عبد الرحمن المقري به.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الإيمان باب ٩، والنسائي في الصلاة باب ٨، وابن ماجة في الإقامة باب ٧٧، ٧٨، والفتن باب ٢٣، وأحمد في المسند ٥/ ٣٤٦، ٣٥٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٥٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٣٥٥.\n(^٤) المسند ٣/ ٣٨، ٣٩.","vol":"5","page":216},{"text":"حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن وهب عن مالك عن أبي الرجال أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربريا، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هم الخلف الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ هذا الحديث غريب. وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك، حدثنا الوليد حدثنا حريز عن شيخ من أهل المدينة أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول في قول الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية، قال: هم أهل الغرب يملكون وهم شر من ملك.\nوقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله ﷿: شرّابين للقهوات (^١)، ترّاكين للصّلوات، لعّابين بالكعبات، رقّادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تاركين للجماعات، قال: ثم تلا هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد ولزموا الضيعات.\nوقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله إلى داود ﵇: يا داود حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته أن أحرمه من طاعتي.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو السمح التميمي عن أبي قبيل أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن، واللبن» أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلاة، أما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين، ورواه عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة: حدثنا أبو قبيل عن عقبة به، مرفوعا بنحوه، تفرد به.\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي خسرانا، وقال قتادة: شرا، وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم. وقال الأعمش عن زياد عن أبي عياض في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد، حدثنا شرقي بن قطامي عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي، فقلت: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، فدعا بطعام، ثم قال قال\n_________\n(^١) القهوة: هي الخمرة.\n(^٢) المسند ٤/ ١٤٦، ١٥٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٣٥٦.","vol":"5","page":217},{"text":"رسول الله ﷺ: «لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا، ثم تنتهي إلى غي وآثام» قال: قلت ما غي وآثام؟ قال: قال: «بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار» وهما اللذان ذكرهما الله في كتابه ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وقوله في الفرقان: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] حديث غريب ورفعه منكر.\nوقوله: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أي إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال:\n﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وذلك لأن التوبة تجبّ ما قبلها، وفي الحديث الآخر «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (^١) ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها، لأن ذلك ذهب هدرا وترك نسيا، وذهب مجانا من كرم الكريم وحلم الحليم، وهذا الاستثناء هاهنا كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ -إلى قوله- ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1185>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦١ إلى ٦٣]</span>\n﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾\nيقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم هي جنات عدن، أي إقامة التي وعد الرحمن عباده بظهر الغيب، أي هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] أي كائنا لا محالة، وقوله هاهنا: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أي العباد صائرون إليه وسيأتونه، ومنهم من قال ﴿مَأْتِيًّا﴾ بمعنى آتيا، لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى واحد.\nوقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ أي هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له كما قد يوجد في الدنيا. وقوله: ﴿إِلاّ سَلامًا﴾ استثناء منقطع كقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] وقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي في مثل وقت البكرات ووقت العشيات لا أن هناك ليلا ونهارا، ولكنهم في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣٠.\n(^٢) المسند ٢/ ٣١٦.","vol":"5","page":218},{"text":"همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها، ولا يتمخطون فيها. ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوّة (^١) ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: مقادير الليل والنهار.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا علي بن سهم، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدا ولهم مقدار الليل والنهار، ويعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب، وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها فتكلم وتكلم فتهمهم، انفتحي انغلقي فتفعل، وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فيها ساعتان بكرة وعشي، ليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور، وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشي، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.\nوقال الحسن وقتادة وغيرهما: كانت العرب الأنعم فيهم من يتغدى ويتعشى، فنزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم فقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ وقال ابن مهدي عن حماد بن زيد عن هشام عن الحسن ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثني أبي حدثني محمد بن زياد قاضي أهل شمشاط عن عبد الله بن حدير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:\n«ما من غداة من غدوات الجنة وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله، فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من الزعفران» قال أبو محمد: هذا حديث غريب منكر.\n_________\n(^١) الألوة: العود الذي يتبخر به.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، ومسلم في الجنة حديث ١٤، ١٦.\n(^٣) المسند ١/ ٢٦٦.\n(^٤) تفسير الطبري ٨/ ٣٥٨.","vol":"5","page":219},{"text":"وقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ أي هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة، هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله ﷿ في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ، والعافون عن الناس، وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنين ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].\n\n<span data-type='title' id=toc-1186>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]</span>\n﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبرائيل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» قال: فنزلت ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (^٢) إلى آخر الآية.\nانفرد بإخراجه البخاري فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم عن عمر بن ذر به ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عمر بن ذر به وعندهما زيادة في آخر الحديث فكان ذلك الجواب لمحمد ﷺ وقال العوفي عن ابن عباس احتبس جبرائيل عن رسول الله ﷺ فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية.\nوقال مجاهد لبث جبرائيل عن محمد ﷺ اثنتي عشرة ليلة، ويقولون أقل، فلما جاءه قال:\n«يا جبرائيل لقد رثت (^٣) علي حتى ظن المشركون كل ظن» فنزلت ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال: وهذه الآية كالتي في الضحى، وكذلك قال الضحاك بن مزاحم وقتادة والسدي وغير واحد: إنها نزلت في احتباس جبرائيل. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبرائيل النزول على النبي ﷺ: أربعين يوما، ثم نزل، فقال له النبي ﷺ «ما نزلت حتى اشتقت إليك» فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبرائيل أن قل له ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية، ورواه ابن أبي حاتم ﵀ وهو غريب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مجاهد قال: أبطأت الرسل على النبي ﷺ، ثم أتاه جبريل فقال له «ما حبسك يا جبريل؟» فقال له جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم (^٤)، ولا تأخذون\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٣١، ٣٣٤، ٣٥٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٩، باب ٢، والتوحيد باب ٢٨، وبدء الخلق باب ٦، والترمذي في تفسير سورة ١٩، باب ٤.\n(^٣) لقد رئت علىّ: أي لقد أبطأت عليّ.\n(^٤) البراجم: هي العقود التي في ظهور الأصابع، يجتمع فيها الوسخ، الواحدة: برجمة، وإنقاؤها: تنظيفها.","vol":"5","page":220},{"text":"شواربكم، ولا تستاكون. ثم قرأ ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر الآية. وقد قال الطبراني:\nحدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم عن أبي كعب مولى ابن عباس، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أن جبرائيل أبطأ عليه فذكر له ذلك، فقال: وكيف وأنتم لا تستنون، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم؟ (^١) وهكذا رواه الإمام أحمد (^٢) عن أبي اليمان عن إسماعيل بن عياش عن ابن عباس بنحوه.\nوقال الإمام احمد (^٣): حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب عن مالك بن دينار، حدثني شيخ من أهل المدينة عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله ﷺ:\n«أصلحي لنا المجلس فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط».\nوقوله: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ قيل: المراد ما بين أيدينا أمر الدنيا، وما خلفنا أمر الآخرة، ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ ما بين النفختين، هذا قول أبي العالية وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في رواية عنهما، والسدي والربيع بن أنس، وقيل: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ ما يستقبل من أمر الآخرة ﴿وَما خَلْفَنا﴾ أي ما مضى من الدنيا ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي ما بين الدنيا والآخرة، ويروى نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن جريج والثوري، واختاره ابن جرير أيضا، والله اعلم.\nوقوله: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال مجاهد معناه ما نسيك ربك (^٤)، وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ [الضحى: ١ - ٣]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان يعني أبا الجماهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء يرفعه قال «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا» ثم تلا هذه الآية ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (^٥).\nوقوله: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي خالق ذلك ومدبره والحاكم فيه والمتصرف الذي لا معقب لحكمه ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هل تعلم للرب مثلا أو شبيها، وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير\n_________\n(^١) الرواجب: ما بين عقد الأصابع من داخل، واحدها: راجبة.\n(^٢) المسند ١/ ٢٤٣.\n(^٣) المسند ٦/ ٢٩٦.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦١.\n(^٥) انظر الدر المنثور ٤/ ٥٠٢.","vol":"5","page":221},{"text":"وقتادة وابن جريج وغيرهم. وقال عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد يسمى الرحمن غيره ﵎ وتقدس اسمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1187>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٦ إلى ٧٠]</span>\n﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩] وقال هاهنا:\n﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ يستدل تعالى بالبداءة على الإعادة، يعني أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئا، أفلا يعيده وقد صار شيئا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وفي الصحيح «يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من آخره، وأما أذاه إياي فقوله إن لي ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (^١).\nوقوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ﴾ أقسم الرب ﵎ بنفسه الكريمة أنه لا بد أن يحشرهم جميعا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قال العوفي عن ابن عباس: يعني قعودا كقوله: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] وقال السدي في قوله جثيا: يعني قياما، وروي عن مرة عن ابن مسعود مثله. وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ يعني من كل أمة، قال مجاهد ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ قال الثوري عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: يحبس الأول على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أتاهم جميعا، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرما، وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾.\nوقال قتادة: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم في الشر، وكذا قال ابن جريج وغير واحد من السلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢، باب ٨، وسورة ١١٢، باب ١، ٢، والنسائي في الجنائز باب ١١٧، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٧، ٣٥٠.","vol":"5","page":222},{"text":"﴿عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ -إلى قوله- ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨ - ٣٩] وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ ثم هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب، كما قال في الآية المتقدمة ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1188>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ إلى ٧٢]</span>\n﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم:\nيدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعا، وقال سليمان بن مرة: يدخلونها جميعا، وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا» غريب ولم يخرجوه.\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية عن بكار بن أبي مروان عن خالد بن معدان قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة (^٢)، وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته، فبكى فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله ﷿ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ فلا أدري أنجو منها أم لا-وفي رواية، وكان مريضا (^٣).\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان عن مالك بن مغول عن أبي إسحاق كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنّا صادرون عنها، وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رئي ضاحكا حتى لحق بالله (^٥).\nوقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٢٨، ٣٢٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦٤.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦٥.\n(^٤) تفسير الطبري ٨/ ٣٦٥.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦٧.","vol":"5","page":223},{"text":"نافع بن الأزرق فقال ابن عباس: الورود الدخول، فقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وردوا أم لا، وقال:\n﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] أوردها أم لا، أما أنا وأنت فسندخلها.\nفانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، فضحك نافع (^١).\nوروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري وهو نافع بن الأزرق ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ فقال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما، وأدخلني الجنة غانما (^٢). وقال ابن جرير (^٣): حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أسباط عن عبد الملك عن عبيد الله عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل يقال له أبو راشد وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾؟ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ وقال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: أخبرني عبد الله بن السائب عمن سمع ابن عباس يقرؤها «وإن منهم إلا واردها» يعني الكفار (^٤)، وهكذا روى عمر بن الوليد الشنّي أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك «وإن منهم إلا واردها» قال وهم الظلمة كذلك كنا نقرؤها، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقال العوفي عن ابن عباس: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ يعني البر والفاجر، ألا تسمع إلى قول الله لفرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] الآية، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] فسمى الورود على النار دخولا وليس بصادر (^٥).\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عبد الرحمن عن إسرائيل عن السدي، عن مرة عن عبد الله هو ابن مسعود ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قال رسول الله ﷺ: «يرد الناس كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم» (^٧) ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبيد الله عن إسرائيل عن السدي به. ورواه من طريق شعبة عن السدي عن مرة عن ابن مسعود موقوفا، هكذا وقع هذا الحديث هاهنا مرفوعا.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦٤.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٣٦٧.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦٦.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦٤.\n(^٦) المسند ١/ ٤٣٤، ٤٣٥.\n(^٧) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٩، باب ٥، ٦، والدارمي في الرقاق باب ٨٩.","vol":"5","page":224},{"text":"وقد رواه أسباط عن السدي عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل حتى إن آخرهم مرّا رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفأ به الصراط، والصراط دحض (^١) مزلة عليه حسك كحسك القتاد (^٢)، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس. وذكر تمام الحديث رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم، ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر وغيرهم من الصحابة ﵃.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن الجريري عن أبي السليل عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار الناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق: برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، قال فتخسف بكل ولي لها، وهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم. قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو شعبتين، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن أم مبشر عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية» قالت: فقلت أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قالت: فسمعته يقول ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾.\nوقال أحمد (^٦) أيضا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن أم مبشر امرأة زيد بن حارثة قالت: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة فقال: «لا يدخل النار أحد\n_________\n(^١) دحض: زلق.\n(^٢) الحسك: الشوك، والقتاد: شجر له شوك.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٣٦٥، ٣٦٦.\n(^٤) تفسير الطبري ٨/ ٣٦٥.\n(^٥) المسند ٦/ ٢٨٥.\n(^٦) المسند ٦/ ٣٦٢.","vol":"5","page":225},{"text":"شهد بدرا والحديبية» قالت حفصة: أليس الله يقول ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية، وفي الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تحلة القسم» (^١).\nوقال عبد الرزاق قال معمر أخبرني الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلّة القسم» يعني الورود (^٢)، وقال أبو داود الطيالسي حدثنا زمعة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» قال الزهري كأنه يريد هذه الآية ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا أبو المغيرة حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم حدثنا إسماعيل بن عبيد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة قال:\nخرج رسول الله ﷺ يعود رجلا من أصحابه وعك وأنا معه ثم قال «إن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة» غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.\nوحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾. وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال:\n«من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات، بني الله له قصرا في الجنة» فقال عمر: إذا نستكثر يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ «الله أكثر وأطيب» وقال رسول الله ﷺ «من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا إن شاء الله، ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا بأجر سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم». قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ وإن الذكر في سبيل الله يضاعف فوق النفقة بسبعمائة ضعف. وفي رواية بسبعمائة ألف ضعف (^٥).\nوروى أبو داود عن أبي الطاهر عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب، كلاهما عن زبان عن سهل عن أبيه عن رسول الله ﷺ «إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٦، والأيمان باب ٩، ومسلم في البر حديث ١٥٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٦٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٣٦٦.\n(^٤) المسند ٣/ ٤٣٧.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٣٧، ٤٣٨.","vol":"5","page":226},{"text":"بسبعمائة ضعف» (^١) وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قال:\nهو الممر عليها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قال:\nورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهرانيها وورود المشركين أن يدخلوها، وقال النبي ﷺ: «الزالون والزالات يومئذ كثير وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة دعاؤهم يا الله سلم سلم» وقال السدي عن مرة عن ابن مسعود في قوله ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ قال: قسما واجبا. وقال مجاهد: حتما، قال قضاء، وكذا قال ابن جريج.\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي إذا مر الخلائق كلهم على النار وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون فيخرجون خلقا كثيرا قد أكلتهم النار إلا دارأت وجوههم وهي مواضع السجود، وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار من قال يوما من الدهر: لا إله إلا الله وإن لم يعمل خيرا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1189>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]</span>\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا (٧٤)﴾\nيخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم ﴿خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي أحسن منازل وأرفع دورا وأحسن نديا وهو مجتمع الرجال للحديث أي ناديهم أعمر وأكثر واردا وطارقا يعنون فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق كما قال تعالى مخبرا عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وقال قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ولهذا قال تعالى رادا على شبهتهم ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ١٣.","vol":"5","page":227},{"text":"بكفرهم ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا﴾ أي كانوا أحسن من هؤلاء أموالا وأمتعة ومناظر وأشكالا.\nقال الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس ﴿خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال المقام المنزل والندي المجلس والأثاث المتاع والرئي المنظر (^١).\nوقال العوفي عن ابن عباس المقام المسكن والندي المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص شأنهم في القرآن: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٣٥] فالمقام المسكن والنعيم، والندي المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال تعالى فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط:\n﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] والعرب تسمي المجلس النادي (^٢)، وقال قتادة: لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة وفيهم قشافة فعرض أهل الشرك ما تسمعون ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وكذا قال مجاهد والضحاك ومنهم من قال في الأثاث هو المال ومنهم من قال الثياب ومنهم من قال المتاع والرئي المنظر كما قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وقال الحسن البصري يعني الصور وكذا قال مالك: ﴿أَثاثًا وَرِءْيًا﴾ أكثر أموالا وأحسن صورا والكل متقارب صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1190>[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]</span>\n﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على حق وأنكم على باطل: ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ أي منا ومنكم ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ أي فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ﴾ يصيبه ﴿وَإِمَّا السّاعَةَ﴾ بغتة تأتيه ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندى. قال مجاهد في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ فليدعه الله في طغيانه، وهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ﵀.\nوهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] أي ادعوا بالموت على المبطل منا أو منكم إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطا، ولله الحمد، وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد ذكر الله حججه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٧١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٧١.","vol":"5","page":228},{"text":"وبراهينه على عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٠] فنكلوا أيضا عن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1191>[سورة مريم (١٩): آية ٧٦]</span>\n﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾\nلما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥] الآيتين. وقوله: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها والكلام عليها وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ أي جزاء ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أي عاقبة ومردا على صاحبها.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم فأخذ عودا يابسا فحط ورقه، ثم قال: «إن قول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة» قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله، حتى إذ رآني الجاهل حسب أني مجنون (^١)، وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن أبي الدرداء، والله أعلم، وهكذا وقع في سنن ابن ماجة من حديث أبي معاوية عن عمر بن راشد عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي الدرداء، فذكر نحوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1192>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٧ إلى ٨٠]</span>\n﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠)﴾\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ -إلى قوله- ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ (^٣) أخرجه صاحبا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٧٤.\n(^٢) المسند ٥/ ١١١.\n(^٣) أخرجه البخاري في البيوع باب ٢٩، والإجارة باب ١٥، والخصومات باب ١٠، وتفسير سورة ١٩، باب ٤، ٥، ومسلم في المنافقين حديث ٣٦.","vol":"5","page":229},{"text":"الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به وفي لفظ البخاري: كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفا، فجئت أتقاضاه فذكر الحديث، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ قال: موثقا.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال خباب بن الأرت: كنت قينا بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم فجئت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ (^١) الآيات.\nوقال العوفي عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطالبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن، فقال ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ -إلى قوله- ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ (^٢) وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم: أنها نزلت في العاص بن وائل.\nوقوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ قرأ بعضهم بفتح الواو من ولدا، وقرأ آخرون بضمها، وهو بمعناه، قال رؤبة: [رجز] الحمد لله العزيز فردا … لم يتخذ من ولد شيء ولدا (^٣)\nوقال الحارث بن حلزة: [مجزوء الكامل] ولقد رأيت معاشرا … قد ثمّروا مالا وولدا (^٤)\nوقال الشاعر: [الطويل] فليت فلانا كان في بطن أمه … وليت فلانا كان ولد حمار (^٥)\nوقيل: إن الولد بالضم جمع، والولد بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٧٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٣٧٥.\n(^٣) الرجز في تفسير الطبري ٨/ ٣٧٦.\n(^٤) البيت للحارث بن حلزة في ديوانه ص ٤٦، وجمهرة اللغة ص ١٠٠٠، ١١٢٠، والأغاني ١١/ ٤٤، وشعراء النصرانية ص ٤١٧، وتفسير الطبري ٨/ ٣٧٦، وبلا نسبة في لسان العرب (ولد)، وتهذيب اللغة ١٤/ ١٧٧، وتاج العروس (ولد)\n(^٥) البيت بلا نسبة في لسان العرب (ولد)، وتهذيب اللغة ١٤/ ١٧٨، والمخصص ١٣/ ٢١٧، وتاج العروس (ولد)، وتفسير الطبري ٨/ ٣٧٦.","vol":"5","page":230},{"text":"﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ إنكار على هذا القائل ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ يعني يوم القيامة، أي أعلم ماله في الآخرة حتى تألى وحلف على ذلك ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك، وقد تقدم عند البخاري أنه الموثق. وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ قال: لا إله إلا الله فيرجو بها. وقال محمد بن كعب القرظي ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾.\nوقوله: ﴿كَلاّ﴾ هي حرف ردع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أي من طلبه ذلك وحكمه لنفسه بما يتمناه وكفره بالله العظيم، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ أي في الدار الآخرة على قوله ذلك وكفره بالله في الدنيا، ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أي من مال وولد نسلبه منه عكس ما قال إنه يؤتى في الدار الآخرة مالا وولدا زيادة على الذي له في الدنيا، بل في الآخرة يسلب منه الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ أي من المال والولد. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ قال: نرثه.\nقال مجاهد: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ ماله وولده. وذلك الذي قال العاص بن وائل. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ قال: ما عنده. وهو قوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾. وفي حرف ابن مسعود: ونرثه ما عنده وقال قتادة ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ لا مال له ولا ولد.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها، قال ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ قال: فردا من ذلك لا يتبعه قليل ولا كثير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1193>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨١ إلى ٨٤]</span>\n﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾\nيخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الآية ﴿عِزًّا﴾ يعتزون بها ويستنصرونها ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا ولا يكون ما طمعوا فقال: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أي بخلاف ما ظنوا فيهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥] وقرأ أبو نهيك «كل سيكفرون بعبادتهم». وقال السدي: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أي بعبادة الأوثان.\nوقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أي بخلاف ما رجوا منهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعوانا. قال مجاهد: عونا عليهم تخاصمهم وتكذبهم. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، قال: قرناء. وقال قتادة:","vol":"5","page":231},{"text":"قرناء في النار يلعن بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم ببعض. وقال السدي ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: الخصماء الأشداء في الخصومة، وقال الضحاك ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال:\nأعداء. وقال ابن زيد: الضد البلاء، وقال عكرمة: الضد الحسرة.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: تغويهم إغواء، وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال مجاهد:\nتشليهم إشلاء وقال قتادة: تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله، وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا. وقال السدي: تطغيهم طغيانا. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وقوله: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله. وقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] الآية، ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران:١٧٨] ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وقال السدي: إنما نعد لهم عدا: السنين والشهور والأيام والساعات.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ قال: نعد أنفاسهم في الدنيا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1194>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٥ إلى ٨٧]</span>\n﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٨٧)﴾\nيخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم، أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه، والوفد هم القادمون ركبانا، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفا إلى النار ﴿وِرْدًا﴾ عطاشا، قاله عطاء وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد، وهاهنا يقال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن\n_________\n(^١) هذا الأثر والآثار التي قبله في تفسير الطبري ٨/ ٣٧٩.","vol":"5","page":232},{"text":"العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني فيركبه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ قال: ركبانا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني ابن المثنى، حدثنا ابن مهدي عن شعبة عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ قال: على الإبل. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق. وقال قتادة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ قال: إلى الجنة. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد، قال: كنا جلوسا عند علي ﵁، فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة (^٢)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به. وزاد عليها رحائل من ذهب وأزمتها الزبرجد والباقي مثله.\nوروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا مرفوعا عن علي، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ، فقرأ هذه الآية ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفحة، فيسمع لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خر له-قال مسلمة أراه قال ساجدا-.\nفيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه، ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٣٨٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٥٥.","vol":"5","page":233},{"text":"التي لا أظعن، فيدخل بيتا من رأسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق:\nأحمر وأصفر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد أنهار من ماء غير آسن.\nقال: صاف لا كدر فيه، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ولم يخرج من ضروع الماشية وأنهار من خمر لذة للشاربين لم يعتصرها الرجال بأقدامهم، وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء متكئا، ثم تلا:\n﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض، وربما قال أخضر، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها، أي الألوان شاء، ثم يطير فتذهب فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض لأضاءت الشمس معها سواد في نور هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁ بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ أي عطاشا ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ أي ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرا عنهم: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١]. وقوله: ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ هذا استثناء منقطع بمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله ﷿ (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي حدثنا محمد بن الحسن الواسطي عن المسعودي، عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله يعني ابن مسعود هذه الآية ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ ثم قال: اتخذوا عند الله عهدا، فإن الله يوم القيامة يقول: من كان له عند الله عهد فليقم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن فعلمنا. قال: قولوا:\nاللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أن لا تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إليّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. وقال المسعودي: فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا ابن مسعود وكان يحلق بهن خائفا مستجيرا مستغفرا راهبا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٨١.","vol":"5","page":234},{"text":"راغبا إليك، ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1195>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ إلى ٩٥]</span>\n﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾\nلما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى ﵇ وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا، فقال: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ أي في قولكم هذا ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك: أي عظيما. ويقال إدا بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضا ثلاث لغات أشهرها الأولى وقوله: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾ أي يكاد ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظاما للرب وإجلالا، لأنهم مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد. [المتقارب] وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد (^١)\nقال ابن جرير (^٢): حدثني علي، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾ قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله ﷺ: «لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة»، فقالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال «تلك أوجب وأوجب». ثم قال «والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن» هكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة، والله أعلم.\nوقال الضحاك: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي يتشققن فرقا من عظمة الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾، أي غضبا له ﷿، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾، قال ابن عباس: هدما، وقال سعيد بن جبير: هدا ينكسر بعضها على بعض متتابعات.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا\n_________\n(^١) البيت لأبي العتاهية في ديوانه ص ١٠٤، وتاج العروس (عنه)\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ٣٨٣.","vol":"5","page":235},{"text":"مسعر عن عون عن عبد الله قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر الله ﷿؟ فيقول: نعم ويستبشر، قال عون: لهي للخير أسمع أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره، ثم قرأ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هوذة، حدثنا عوف عن غالب بن عجرد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة-أو قال-كان لهم فيها منفعة، ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم: اتخذ الرحمن ولدا، فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر. وقال كعب الأحبار: غضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنه يشرك به ويجعل له ولدا، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم» (^٢) أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ «أنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم».\nوقوله: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي لا يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته، لأنه لا كفء له من خلقه، لأن جميع الخلائق عبيد له، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ أي لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم أحدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1196>[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٦ إلى ٩٨]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾\nيخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله ﷿ لمتابعتها الشريعة المحمدية-يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤٠٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣، والأدب باب ٧١، ومسلم في المنافقين حديث ٤٩، ٥٠.","vol":"5","page":236},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: يا جبريل، إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل، قال: ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض» (^٢). ورواه مسلم من حديث سهيل، ورواه أحمد والبخاري من حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة، عن نافع مولى ابن عمر، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ نحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرائي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن العبد ليلتمس مرضاة الله ﷿، فلا يزال كذلك فيقول الله ﷿ لجبريل: إن فلانا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض» غريب. ولم يخرجوه من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك عن محمد بن سعد الواسطي عن أبي ظبية، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ «إن المقة من الله-قال شريك: هي المحبة-والصيت في السماء، فإذا أحب الله عبدا قال لجبريل ﵇: إني أحب فلانا، فينادي جبريل: إن ربكم يمق-يعني يحب-فلانا فأحبوه-أرى شريكا قد قال: فتنزل له المحبة في الأرض-وإذا أبغض عبدا قال لجبريل: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلانا فأبغضوه-أرى شريكا قال-: فيجري له البغض في الأرض» غريب، ولم يخرجوه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو داود الحفري، حدثنا عبد العزيز-يعني ابن محمد-وهو الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله ﷿:\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ٤١، ومسلم في البر حديث ١٥٧.\n(^٣) المسند ٥/ ٢٧٩.\n(^٤) المسند ٥/ ٢٦٣.","vol":"5","page":237},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (^١)، رواه مسلم والترمذي، كلاهما عن عبد الله عن قتيبة، عن الدراوردي به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ قال: حبا، وقال مجاهد عنه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾، قال: محبة في الناس في الدنيا، وقال سعيد بن جبير عنه، يحبهم ويحببهم، يعني إلى خلقه المؤمنين، كما قال مجاهد أيضا والضحاك وغيرهم. وقال العوفي عن ابن عباس أيضا: الود من المسلمين في الدنيا والرزق الحسن واللسان الصادق. وقال قتادة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ إي والله في قلوب أهل الإيمان، وذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم وقال قتادة: وكان عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما من عبد يعمل خيرا أو شرا إلا كساه الله ﷿ رداء عمله.\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصري ﵀ قال: قال رجل: والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها، فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائما يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي، فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أذكر إلا بشر، لأجعلن عملي كله لله ﷿، فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمر بعد بالقوم فيقولون:\nرحم الله فلانا الآن، وتلا الحسن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ وقد روى ابن جرير أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف، وهو خطأ، فإن هذه السورة بكمالها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ يعني القرآن ﴿بِلِسانِكَ﴾ أي يا محمد وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي المستجيبين لله، المصدقين لرسوله، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي عوجا عن الحق مائلين إلى الباطل وقال ابن أبي نجيج عن مجاهد ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ لا يستقيمون وقال الثوري عن إسماعيل وهو السدي عن أبي صالح ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ عوجا عن الحق، وقال الضحاك: الألد الخصم. وقال القرظي: الألد الكذاب. وقال الحسن البصري ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ صما، وقال غيره: ثم آذان القلوب. وقال قتادة: قوما لدا يعني قريشا وقال العوفي عن ابن عباس ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ فجارا، وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد.\nوقال ابن زيد: الألد الظلوم، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في البر حديث ١٥٧، والترمذي في تفسير سورة ١٩، باب ٧.","vol":"5","page":238},{"text":"وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي هل ترى منهم أحدا أو تسمع لهم ركزا. وقال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد: يعني صوتا، وقال الحسن وقتادة: هل ترى عينا أو تسمع صوتا، والركز في أصل اللغة هو الصوت الخفي.\nقال الشاعر: [الكامل] فتوجست ركز الأنيس فراعها … عن ظهر غيب والأنيس سقامها (^١)\nآخر تفسير سورة مريم ولله الحمد والمنة ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة طه والحمد لله.\n_________\n(^١) يروى صدر البيت: وتسمّعت رزّ الأنيس فراعها وهو للبيد في ديوانه ص ٣١١، ولسان العرب (غيب) (ظهر)، والتنبيه والإيضاح ١/ ١٢٥، وتاج العروس (غيب)، (ظهر)، (سمع)، وديوان الأدب ٣/ ٢٠٩، وكتاب العين ٧/ ٣٤٨، وبلا نسبة في المخصص ٢/ ١٣٧، وتفسير الطبري ٨/ ٣٨٨.","vol":"5","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1197>سورة طه</span>\nوهي مكية\nروى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد عن زياد بن أيوب عن إبراهيم بن المنذر الحزامي: حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار عن عمر بن حفص بن ذكوان عن مولى الحرقة-يعني عبد الرحمن بن يعقوب-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا» هذا حديث غريب وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1198>[سورة طه (٢٠): الآيات ١ إلى ٨]</span>\n﴿طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شيبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد-يعني الزبيري-أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: طه يا رجل، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبي مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى أنهم قالوا: طه بمعنى يا رجل (^١) … وفي رواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنها كلمة بالنبطية معناها يا رجل. وقال أبو صالح: هي معربة.\nوأسند القاضي عياض في كتابه الشفاء من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر عن الربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه﴾ يعني: طأ الأرض يا محمد ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ثم قال: ولا يخفى بما في هذا الإكرام وحسن المعاملة.\nوقوله: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قال جويبر عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٨٩، ٣٩٠.","vol":"5","page":240},{"text":"رسوله ﷺ قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرا كثيرا، كما ثبت في الصحيحين عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (^١).\nوما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال: حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا إبراهيم الطالقاني، حدثنا ابن المبارك عن سفيان عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي» إسناده جيد، وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي، ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال: نزل البصرة ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ هي كقوله: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة. وقال قتادة: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ إن الله أنزل كتابه وبعث رسوله رحمة رحم بها عباده ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه.\nوقوله: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو تنزيل من ربك، رب كل شيء ومليكه القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها، وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام (^٢)، وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله ﷺ ورضي الله عنه. وقوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل.\nوقوله: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ أي الجميع ملكه، وفي قبضته، وتحت تصرفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه لا إله سواه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العلم باب ١٠، والخمس باب ٧، والاعتصام باب ١٠، ومسلم في الإمارة حديث ١٧٥، والزكاة حديث ٩٨، ١٠٠.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥٧، باب ١.","vol":"5","page":241},{"text":"ولا رب غيره. وقوله: ﴿وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ قال محمد بن كعب: أي ما تحت الأرض السابعة.\nوقال الأوزاعي: إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعبا سئل فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ فقال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء، قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء، قيل: وما تحت الماء؟ قال:\nالأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الصخرة، قيل: وما تحت الصخرة؟ قال: ملك، قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت معلق طرفاه بالعرش، قيل: وما تحت الحوت؟ قال:\nالهواء والظلمة وانقطع العلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عياش، حدثنا عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه» وهذا حديث غريب جدا، ورفعه فيه نظر.\nوقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الهروي عن العباس بن الفضل قال:\nقلت ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم، عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين منتشرين، قال وكنت في أول العسكر إذا عارضنا رجل فسلم، ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله ﷺ قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر مقنع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل هذا رسول الله ﷺ قد أتاك، فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البكر الأحمر، فدنا منه فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله ﷺ فقال: أنت محمد؟ قال: «نعم».\nقال: إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان؟ فقال: رسول الله ﷺ «سل عما شئت» قال: يا محمد أينام النبي؟ فقال رسول الله ﷺ: «تنام عيناه ولا ينام قلبه» قال: صدقت ثم قال: يا محمد من أين يشبه الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله ﷺ: «ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأي الماءين غلب على الآخر نزع الولد» فقال: صدقت، فقال: ما للرجل من الولد، وما للمرأة منه؟ فقال «للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر» قال: صدقت، ثم قال: يا محمد","vol":"5","page":242},{"text":"ما تحت هذه؟ -يعني الأرض-.\nفقال رسول الله ﷺ: «خلق» فقال: فما تحتهم؟ قال «أرض». قال: فما تحت الأرض؟ قال: «الماء». قال: فما تحت الماء؟ قال: «ظلمة». قال: فما تحت الظلمة؟ قال:\n«الهواء». قال: فما تحت الهواء؟ قال: «الثرى». قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، وقال: «انقطع علم الخلق عند علم الخالق، أيها السائل ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال: فقال صدقت، أشهد أنك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «أيها الناس هل تدرون من هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «هذا جبريل ﵇». هذا حديث غريب جدا، وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس يساوي شيئا، وضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف.\nقلت: وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء وحديث في حديث، وقد يحتمل أنه تعمد ذلك أو أدخل عليه فيه، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ أي أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسموات العلى الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\n﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ قال: السر ما أسره ابن آدم في نفسه ﴿وَأَخْفى﴾ ما أخفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضي من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ (^١) [لقمان: ٢٨] وقال الضحاك ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ قال: السر ما تحدث به نفسك، وأخفى ما لم تحدث به نفسك بعد.\nوقال سعيد بن جبير: أنت تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا، والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غدا، وقال مجاهد ﴿وَأَخْفى﴾ يعني الوسوسة، وقال أيضا هو وسعيد بن جبير ﴿وَأَخْفى﴾ أي ما هو عالمه مما لم يحدث به نفسه. وقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ أي الذي أنزل عليك القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1199>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\n﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً (١٠)﴾\nمن هنا شرع ﵎ في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٣٩٣.","vol":"5","page":243},{"text":"وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله قيل:\nقاصدا بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطريق وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلا بين شعاب وجبال في برد وشتاء وسحاب وظلام وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليوري نارا كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئا ولا يخرج منه شرر ولا شيء، فبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا، أي ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ أي شهاب من نار. وفي الآية الأخرى ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ﴾ [القصص: ٢٩] وهي الجمر الذي معه لهب ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩] دل على وجود البرد.\nوقوله: ﴿بِقَبَسٍ﴾ دل على وجود الظلام، وقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ أي من يهديني الطريق، دل على أنه قد تاه عن الطريق، كما قال الثوري عن أبي سعيد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ قال: من يهديني إلى الطريق، وكانوا شاتين وضلوا الطريق، فلما رأى النار قال: إن لم أجد أحدا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار توقدون بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1200>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١ إلى ١٦]</span>\n﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلَمّا أَتاها﴾ أي النار، واقترب منها ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ وفي الآية الأخرى ﴿نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ﴾ [القصص: ٣٠] وقال هاهنا ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ أي الذي يكلمك ويخاطبك ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قال علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو أيوب وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكي، وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة. وقال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة، وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيا غير منتعل، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿طُوىً﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو اسم للوادي، وكذا قال غير واحد، فعلى هذا يكون عطف بيان، وقيل عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه، وقيل: لأنه قدس مرتين، وطوى له البركة وكررت، والأول أصح كقوله: ﴿إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [النازعات: ١٦]. وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ كقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي على جميع الناس من الموجودين في زمانه، وقد قيل: إن الله تعالى قال يا موسى أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ قال: لا، قال: لأني لم","vol":"5","page":244},{"text":"يتواضع إلي أحد تواضعك. وقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ أي استمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له.\nوقوله: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ أي وحدني، وقم بعبادتي من غير شريك ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قيل: معناه صل لتذكرني، وقيل: معناه وأقم الصلاة عند ذكرك لي، ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: وأقم الصلاة لذكري»، وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (^٢). وقوله: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أي قائمة لا محالة وكائنة لا بد منها.\nوقوله: ﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ قال الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: أكاد أخفيها من نفسي، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدا. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: من نفسه:\nوكذا قال مجاهد وأبو صالح ويحيى بن رافع. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ يقول: لا أطلع عليها أحدا غيري. وقال السدي: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة وهي في قراءة ابن مسعود إني أكاد أخفيها من نفسي، يقول: كتمتها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت. وقال قتادة:\nأكاد أخفيها، وهي في بعض القراءات: أخفيها من نفسي، ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين. قلت وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض، وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب، حدثنا أبو نميلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي عن وقاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير: أكاد أخفيها، يعني بنصب الألف وخفض الفاء، يقول أظهرها، ثم قال أما سمعت قول الشاعر: [الخفيف] دأب شهرين ثم شهرا دميكا … بأريكين يخفيان غميرا (^٣)\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٨٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في المواقيت باب ٣٧، ومسلم في المساجد حديث ٣١٤.\n(^٣) يروى البيت: دأب شهرين نم نصفا دميكا بأريكين يكلمان غميرا وهو لكعب بن زهير في ديوانه ص ١٧٤، وكتاب الجيم ١/ ٢٦٦، ولسان العرب (دمك)","vol":"5","page":245},{"text":"قال السدي: الغمير نبت رطب ينبت في خلال يبس، والأريكين موضع، والدميك الشهر التام، وهذا الشعر لكعب بن زهير. وقوله ﷾: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ أي أقيمها لا محالة لأجزي كل عامل بعمله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] و﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وقوله: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها﴾ الآية، المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين. أي لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر ﴿فَتَرْدى﴾ أي تهلك وتعطب، قال الله تعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١].\n\n<span data-type='title' id=toc-1201>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٧ إلى ٢١]</span>\n﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)﴾\nهذا برهان من الله تعالى لموسى ﵇، ومعجزة عظيمة، وخرق للعادة باهر دل على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله ﷿، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل. وقوله: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له، وقيل: وإنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ استفهام تقرير ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ أي أعتمد عليها في حال المشي ﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أي أهز بها الشجرة ليتساقط ورقها لترعاه غنمي. قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك: الهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود، فهذا الهش ولا يخبط، وكذا قال ميمون بن مهران أيضا.\nوقوله: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أي مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك، وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل وتحرس له النغم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى ﵊ صيرورتها ثعبانها فما كان يفر منها هاربا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية، وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم ﵊، وقول الآخر: إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان اسمها ماشا، والله أعلم بالصواب.\nوقوله تعالى: ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى﴾ أي هذه العصا التي في يدك يا موسى ألقها ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ أي صارت في الحال حية عظيمة ثعبانا طويلا يتحرك حركة سريعة، فإذا","vol":"5","page":246},{"text":"هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة، ﴿تَسْعى﴾ أي تمشي وتضطرب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبرا، ونودي: أن يا موسى خذها فلم يأخذها، ثم نودي الثانية: أن خذها ولا تخف، فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين، فأخذها.\nوقال وهب بن منبه في قوله: ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ قال فألقاها على وجه الأرض ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون فدب يلتمس كأنه يبتغي شيئا يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارا، وقد عاد المحجن منها عرفا، قيل: شعره مثل النيازك، وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ولم يعقب، فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية.\nثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي يا موسى أن ارجع حيث كنت فرجع موسى وهو شديد الخوف فقال: ﴿خُذْها﴾ بيمينك ﴿وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها، أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعيف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حسن الأضراس والأنياب، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين، ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ أي إلى حالها التي تعرف قبل ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1202>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٢ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَاُضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاِجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا (٣٥)﴾\nوهذا برهان ثان لموسى ﵇، وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه كما صرح به في الآية الأخرى، وهاهنا عبر عن ذلك بقوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ﴾ وقال في مكان آخر ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ [القصص: ٣٢] وقال مجاهد: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ﴾ كفه تحت عضدك، وذلك أن موسى ﵇ كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر.","vol":"5","page":247},{"text":"وقوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي من غير برص ولا أذى ومن غير شين، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم، وقال الحسن البصري: أخرجها والله كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه ﷿، ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ وقال وهب: قال له ربه: ادنه فلم يزل يدنيه حتى أسند ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يده في العصا وخضع برأسه وعنقه.\nوقوله: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ أي اذهب إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فارا منه وهاربا فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الرب الأعلى. قال وهب بن منبه:\nقال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بسمعي وعيني، وإن معك أيدي ونصري، وإني قد ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته.\nولكنه هان علي وسقط من عيني ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحقي إني أنا الغني لا غني غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي، وتوحيدي وإخلاصي وذكره أيامي، وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له أجب ربك فإنه واسع المغفرة وقد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزة بالمحاربة، تسبه وتتمثل به، وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب، ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم.\nوجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة، ولا قليل مني، تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي وقديما ما جرت عادتي في ذلك، فإني لأذودهم عن نعيمها وزخارفها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العناء، وما ذاك لهوانهم علي ولكن","vol":"5","page":248},{"text":"ليستكملوا نصيبهم في دار كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا، واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقا حقا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل قلبك ولسانك.\nوأعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني، أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني، وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري، رواه ابن أبي حاتم.\n﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ هذا سؤال من موسى ﵇ لربه ﷿ أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك وأجبرهم وأشدهم كفرا، وأكثرهم جنودا، وأعمرهم ملكا، وأطغاهم وأبلغهم تمردا، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلها غيره، هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدا عندهم في حجر فرعون على فراشه، ثم قتل منهم نفسا فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها، ثم بعد هذا بعثه ربه ﷿ إليهم نذيرا يدعوهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ أي إن لم تكن أنت عوني ونصيري وعضدي وظهيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ وذلك لما كان أصابه، من اللثغ حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أي يفصح بالكلام.\nوقال الحسن البصري ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ قال: حل عقدة واحدة. ولو سأل أكثر من ذلك أعطي. وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله فحل عقدة من لسانه.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمرو بن عثمان، حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال: أتاه ذو قرابة له: فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك، فقال القرظي: يا ابن أخي ألست أفهمك إذا حدثتك؟ قال: نعم. قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحلّ عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه، ولم يزد عليها، هذا لفظه.","vol":"5","page":249},{"text":"وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي﴾ وهذا أيضا سؤال من موسى ﵇ في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له. قال الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال فنبئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى ﵉. وقال ابن أبي حاتم:\nذكر عن ابن نمير، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلا يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: لا ندري. قال: أنا والله أدري. قالت: فقلت في نفسي في حلفه لا يستثني إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه، قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة، فقلت: صدق والله. قلت:\nوفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى ﵇: ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾.\nوقوله: ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال مجاهد: ظهري، ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي في مشاورتي ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا. وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ أي في اصطفائك لنا وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون فلك الحمد على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1203>[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]</span>\n﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)﴾\nهذه إجابة من الله لرسوله موسى ﵇ فيما سأل من ربه ﷿، وتذكير له بنعمه السالفة عليه فيما كان ألهم أمه حين كانت ترضعه وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه، لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان، فاتخذت له تابوتا، فكانت ترضعه ثم تضعه فيه وترسله في البحر وهو النيل، وتمسكه إلى منزلها بحبل، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت منها وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ [القصص: ١٠] فذهب به البحر إلى دار فرعون.\n﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أي قدرا مقدورا من الله حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل حذرا من وجود موسى، فحكم الله وله السلطان العظيم والقدرة التامة أن لا يربى إلا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه مع محبته وزوجته له، ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أي عند عدوك جعلته يحبك، قال سلمة بن كهيل ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال: حببتك إلى عبادي ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله وقال قتادة: تغذى على عيني.","vol":"5","page":250},{"text":"وقال معمر بن المثنى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ بحيث أرى، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:\nيعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، وغذاؤه عندهم غذاء الملك فتلك الصنعة.\nوقوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون عرضوا عليه المراضع فأباها، قال الله تعالى:\n﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] فجاءت أخته وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] تعني هل أدلكم على من يرضعه لكم بالأجرة، فذهبت به وهم معها إلى أمه فعرضت عليه ثديها، فقبله ففرحوا بذلك فرحا شديدا، واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة أغنى وأجزل، ولهذا جاء في الحديث «مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» وقال تعالى هاهنا: ﴿فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ﴾ أي عليك ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني القبطي ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله، ففر منهم هاربا حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح:\n﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].\nوقوله: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ﵀ في كتاب التفسير من سننه قوله ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾.\n(حديث الفتون) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله ﷿ لموسى ﵇ ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثا طويلا، فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك لا يشكون فيه.\nوكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم ﵇، فقال فرعون: كيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: ليوشكن أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولد ذكر، واتركوا بناتهم، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة.","vol":"5","page":251},{"text":"فلما كان من قابل، حملت بموسى ﵇ فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون-يا ابن جبير-ما دخل عليه وهو في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها أن لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها:\nما فعلت يا بني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.\nفانتهى الماء به حتى أوفى به عند فرضة مستقي جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه، فأردن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن: إن في هذا مالا، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت لهم: أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت فرعون فقالت: قرة عين لي ولك، فقال فرعون: يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله ﷺ: «والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك»، فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها، فلم يقبل.\nوأصبحت أم موسى والها فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا: أحي ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظئورات: أنا أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها فقالوا ما يدريك ما نصحهم له هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك ورجاء منفعة الملك فتركوها.\nفانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها فأتت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئا حبه قط. قالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك","vol":"5","page":252},{"text":"أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا، فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز وعده، فرجعت به إلى بيتها من يومها، وأنبته الله نباتا حسنا، وحفظه لما قد قضى فيه.\nفلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أتريني ابني فدعتها يوما تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤورها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك، وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به.\nوأريد به فتونا فجاءت امرأة فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا يعرف الحق به، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقدمهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين، عرفت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرت إليه الجمرتين واللؤلؤتين، فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به، وكان الله بالغا فيه أمره، فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى ﵇ يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا، لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا إنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله ﷿ والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].\nفأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار، فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتا إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر،","vol":"5","page":253},{"text":"رجلا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى فندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨]، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغوي مبين، أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني.\nفخاف الإسرائيلي وقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس، وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس، فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره، وذلك من الفتون يا ابن جبير.\nفخرج موسى متوجها نحو مدين ولم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه ﷿، فإنه قال: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] يعني بذلك حابستين غنمهما، فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم وإنما نسقي من فضول حياضهم فسقى لهما فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى ﵇ فاستظل بشجرة وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا، فقال: إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته.\nفلما كلمه قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]؟ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا.\nقال سعيد وهو ابن جبير: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال: هل تدري أي","vol":"5","page":254},{"text":"الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت له ذلك، فقال: أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا، ويعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي كان وعده، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى.\nفلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يحذر من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ﵉، فانطلقا جميعا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن؟ قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معنا بني إسرائيل، فأبى عليه وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة، فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون.\nفلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني من غير برص، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران ﴿يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾، يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة، فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى.\nقال سعيد بن جبير: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض:\nانطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠] يعنون موسى وهارون استهزاء بهما؟ ف ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] قال: بل ألقوا ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت","vol":"5","page":255},{"text":"جزرا إلى الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحرا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكن هذا أمر من الله ﷿، آمنا بالله وبما جاء به موسى من عند الله، ونتوب إلى الله مما كنا عليه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٩] وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى.\nفلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل، فيصير عاصيا لله.\nفلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: إنا لمدركون افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفلق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفلق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه.\nثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٨] الآية. قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم، ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان، قال: يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال: أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، ارجع فصم عشرا ثم ائتني.","vol":"5","page":256},{"text":"ففعل موسى ﵇ ما أمر به، فلما رأى قومه أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ولكم فيهم مثل ذلك، فإني أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقته، فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة، فمر بهارون فقال له هارون ﵇: يا سامري ألا تلقي ما في يدك، وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك؟ فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن يكون عجلا، فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف ليس فيه روح وله خوار، قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقا، فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأينا، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به.\nفقال لهم هارون: ﴿يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا، هذه أربعون يوما قد مضت، وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه: يتبعه، فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا﴾ فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له، وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها وعميت عليكم ﴿فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾، ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه.\nفاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض! فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل","vol":"5","page":257},{"text":"بهم ما فعل، فقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ﴾ [الأعراف: ٣] وفيهم من كان اطلع الله منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فقال: يا رب سألتك التوبة لقومي، فقلت إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟ فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول.\nثم سار بهم موسى ﵇ متوجها نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون، ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها، فقالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون.\nقال رجلان من الذين يخافون قيل ليزيد هكذا قرأه؟ قال: نعم من الجبارين آمنا بموسى وخرجا إليه فقالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ويقول أناس: إنهم من قوم موسى، فقال الذين يخافون من بني إسرائيل: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ، فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم موسى فاسقين، وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، وظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا، وأمر موسى فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس.\nرفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي ﷺ، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به، ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك","vol":"5","page":258},{"text":"فغضب ابن عباس فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره.\nوهكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير (^١) وابن أبي حاتم في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ﵄ مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار، أو غيره، والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا. وقوله ﷿:\n\n<span data-type='title' id=toc-1204>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٠ إلى ٤٤]</span>\n﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤)﴾\nيقول تعالى مخاطبا لموسى ﵇: إنه لبث مقيما في أهل مدين فارا من فرعون وملئه، يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم جاء موافقا لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله ﵎، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ قال مجاهد: أي على موعد. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ قال: على قدر الرسالة والنبوة (^٢). وقوله:\n﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي اصطفيتك واجتبيتك رسولا لنفسي أي كما أريد وأشاء.\nوقال البخاري عند تفسيرها: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «التقى آدم وموسى فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال فوجدته مكتوبا عليّ قبل أن يخلقني، قال: نعم فحج آدم موسى» (^٣) أخرجاه.\nوقوله: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي﴾ أي بحججي وبراهيني ومعجزاتي ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وقال مجاهد عن ابن عباس: لا تضعفا، والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانا كاسرا له، كما جاء في الحديث «إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٨/ ٤١٥، ٤١٦، ٤١٧، وانظر الدر المنثور ٤/ ٥٣٠ - ٥٣٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤١٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٠، باب ١، ٣، ومسلم في القدر حديث ١٣، ١٥.","vol":"5","page":259},{"text":"وهو مناجز قرنه». وقوله: ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ أي تمرد وعتا وتجبر على الله وعصاه ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: [رجز] يا من يتحبب إلى من يعاديه … فكيف بمن يتولاه ويناديه؟\nوقال وهب بن منبه: قولا له إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.\nوعن عكرمة في قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ قال: لا إله إلا الله، وقال عمرو بن عبيد عن الحسن البصري ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ أعذرا إليه قولا له: إن لك ربا ولك معادا، وإن بين يديك جنة ونارا، وقال بقية عن علي بن هارون عن رجل عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن علي في قوله ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ قال: كنه، وكذا روي عن سفيان الثوري: كنه بأبي مرة، والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رقيق، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ أي لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، أو يخشى أي يوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى: لمن أراد أن يذكر أو يخشى! (^١) فالتذكر الرجوع عن المحذور، والخشية تحصيل الطاعة، وقال الحسن البصري: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر إليه، وهاهنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل، ويروى لأمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن إسحاق: [الطويل] وأنت الذي من فضل منّ ورحمة … بعثت إلى موسى رسولا مناديا (^٢)\nفقلت له: فاذهب وهارون فادعوا … إلى الله فرعون الذي كان باغيا\nفقولا له: هل أنت سويت هذه … بلا وتد حتى استقلت كما هيا\nوقولا له: آأنت رفعت هذه … بلا عمد أرفق إذن بك بانيا\nوقولا له: آأنت سويت وسطها … منيرا إذا ما جنه الليل هاديا\nوقولا له: من يخرج الشمس بكرة … فيصبح ما مسّت من الأرض ضاحيا\nوقولا له: من ينبت الحب في الثرى … فيصبح منه البقل يهتز رابيا\nويخرج منه حبة في رؤوسه؟ … ففي ذاك آيات لمن كان واعيا\nوقوله ﷿:\n_________\n(^١) هذه ليست آية، وهي مزيج من آيتين الأولى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا [الفرقان: ٦٢]، والثانية: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى [الأعلى: ١٠].\n(^٢) الأبيات في سيرة ابن هشام ١/ ٢٨٨.","vol":"5","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1205>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]</span>\n﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٤٨)﴾\nيقول تعالى إخبارا عن موسى وهارون ﵉، أنهما قالا مستجيرين بالله تعالى شاكيين إليه: ﴿إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة أو يعتدي عليهما، فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن يفرط يعجل. وقال مجاهد: يبسط علينا. وقال الضحاك عن ابن عباس أو أن يطغى: يعتدي ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ أي لا تخافا منه، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: لما بعث الله ﷿ موسى إلى فرعون قال: رب أي شيء أقول؟ قال: قل هيا شراهيا. قال الأعمش: فسر ذلك: أنا الحي قبل كل شيء والحي بعد كل شيء (^١)، إسناده جيد، وشيء غريب ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال: مكثا على بابه حينا لا يؤذن لهما حتى أذن لهما بعد حجاب شديد.\nوذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن موسى وأخاه هارون خرجا فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه، وهما يقولان: إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل، فمكثا فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبا يزعم أن له إلها غيرك أرسله إليك. قال ببابي؟ قال: نعم، قال: أدخلوه، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه، فلما وقف على فرعون قال: إني رسول رب العالمين، فعرفه فرعون.\nوذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر ضاف أمه وأخاه، وهما لا يعرفانه، وكان طعامهما ليلتئذ الطعثلل وهو اللفت، ثم عرفاه وسلما عليه، فقال له موسى: يا هارون إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى الله وأمرك أن تعاونني. قال: افعل ما أمرك ربك، فذهبا وكان ذلك ليلا، فضرب موسى باب القصر بعصاه فسمع فرعون، فغضب وقال: من يجترئ على هذا الصنيع الشديد، فأخبره السدنة والبوابون بأن هاهنا رجلا مجنونا يقول إنه رسول الله، فقال علي به، فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما ما ذكر الله في كتابه.\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٤/ ٥٣٧.","vol":"5","page":261},{"text":"وقوله: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي بدلالة ومعجزة من ربك ﴿وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى﴾ أي والسلام عليك إن اتبعت الهدى، ولهذا لما كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم كتابا كان أوله «بسم الله الرحمن الرحمن، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين» وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله ﷺ كتابا صورته من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركتك في الأمر، فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله ﷺ «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» (^١) ولهذا قال موسى وهارون ﵉ لفرعون ﴿وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب متمحض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٣٩] وقال تعالى:\n﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦] وقال تعالى:\n﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢] أي كذب بقلبه، وتولى بفعله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1206>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]</span>\n﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى منكرا وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه ومليكه، قال ﴿فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ أي الذي بعثك وأرسلك من هو، فإني لا أعرفه وما علمت لكم من إله غيري ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول خلق لكل شيء زوجه (^٢). وقال الضحاك عن ابن عباس: جعل الإنسان إنسانا، والحمار حمارا، والشاة شاة. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: أعطى كل شيء صورته. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: سوى خلق كل دابة.\nوقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئا من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح. وقال بعض المفسرين: أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أي قدر قدرا وهدى\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠٠، ٦٠١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤٢١.","vol":"5","page":262},{"text":"الخلائق إليه، أي كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك لا يحيدون عنه ولا يقدر أحد على الخروج منه.\nيقول ربنا الذي خلق الخلق وقدر القدر وجبل الخليفة على ما أراد ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ أصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي الذين لم يعبدوا الله، أي فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره، فقال له موسى في جواب ذلك، هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ أي لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئا يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئا، ﵎ وتقدس وتنزه، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1207>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٣ إلى ٥٦]</span>\n﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣) كُلُوا وَاِرْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)﴾\nهذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه ﷿ حين سأله فرعون عنه، فقال: ﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ وفي قراءة بعضهم مهادا أي قرارا تستقرون عليها، وتقومون وتنامون عليها، وتسافرون على ظهرها ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا﴾ أي جعل لكم طرقا تمشون في مناكبها كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ أي من أنواع النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو ومر وسائر الأنواع ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ أي شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرا ويابسا ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي لدلالات وحججا وبراهين ﴿لِأُولِي النُّهى﴾ أي لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ أي من الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض وفيها نعيدكم أي وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله ﷺ حضر جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: منها خلقناكم، ثم أخذ أخرى، وقال: وفيها نعيدكم، ثم أخرى، وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ يعني فرعون أنه قامت","vol":"5","page":263},{"text":"عليه الحجج والآيات والدلالات، وعاين ذلك وأبصره فكذب بها وأباها كفرا وعنادا وبغيا، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1208>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]</span>\n﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانا عظيما، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء، فقال: هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك، وتكاثرنا بهم ولا يتم هذا معك، فإن عندنا سحرا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أي يوما نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين ووقت معين، فعند ذلك ﴿قالَ﴾ لهم موسى ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وهو يوم عيدهم ونيروزهم (^١) وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم، ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء ومعجزات الأنبياء وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ أي جميعهم ﴿ضُحًى﴾ أي ضحوة من النهار، ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح.\nوهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بين واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل ليلا ولكن نهارا ضحى، قال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء. وقال السدي وقتادة وابن زيد: كان يوم عيدهم. وقال سعيد بن جبير: كان يوم سوقهم، ولا منافاة. قلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده، كما ثبت في الصحيح، وقال وهب بن منبه: قال فرعون: يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه. قال موسى لم أومر بهذا إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك، فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا، وقل له أن يجعل هو، قال فرعون: اجعله إلى أربعين يوما ففعل، وقال مجاهد وقتادة: مكانا سوى منصفا. وقال السدي: عدلا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: مكانا سوى مستو بين الناس وما فيه لا يكون صوب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1209>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٠ إلى ٦٤]</span>\n﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اِسْتَعْلى (٦٤)﴾\n_________\n(^١) النوروز: من أعياد الفرس، وقد عرب إلى نيروز.","vol":"5","page":264},{"text":"يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه لما تواعد هو وموسى ﵇ إلى وقت ومكان معلومين تولى، أي شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب إلى السحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيرا نافقا جدا، كما قال تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] ﴿ثُمَّ أَتى﴾، أي اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة، وأقبل موسى ﵊ متوكئا على عصاه ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفا، وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم، يقولون ﴿أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢] ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها مخلوقة، وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ أي يهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له ﴿وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل يقول ليس هذا بكلام ساحر إنما هذا كلام نبي، وقائل يقول بل هو ساحر، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ وهذه لغة لبعض العرب، جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ «إن هذين لساحران» وهذه اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه.\nوالغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه-يعنون موسى وهارون- ساحران عالمان، خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده، فينتصرا عليه، ويخرجاكم من أرضكم.\nوقوله: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ أي ويستبدا بهذه الطريقة وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردا بذلك وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم، وقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عباس قال في قوله: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق، سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما.\nوقال مجاهد ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ قال: أولو الشرف والعقل والأسنان. وقال أبو صالح: بطريقتكم المثلى أشرافكم وسرواتكم. وقال عكرمة: بخيركم. وقال قتادة: وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال عدو الله يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما. وقال عبد الرحمن بن زيد: بطريقتكم المثلى بالذي أنتم عليه. ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي اجتمعوا كلكم صفا واحدا، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة لتبهروا","vol":"5","page":265},{"text":"الأبصار، وتغلبوا هذا وأخاه ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ أي منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1210>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٥ إلى ٧٠]</span>\n﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن السحرة حين توافقوا هم وموسى ﵇، أنهم قالوا لموسى ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ أي أنت أولا ﴿وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ أي أنتم أولا لنرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا ﴿قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤] وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال هاهنا: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كان حيلة، وكانوا جما غفيرا وجمعا كثيرا، فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضا.\nوقوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألق ما في يمينك يعني عصاك، فإذا هي تلقف ما صنعوا وذلك أنها صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الخبال والعصي حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ضحوة، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السحر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن موسى الشيباني حدثنا حماد بن خالد حدثنا ابن معاذ أحسبه الصائغ عن الحسن عن جندب عن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إذا أخذتم يعني الساحر فاقتلوه ثم قرأ ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ قال: لا يؤمن به حيث وجد» (^١) وقد روى أصله الترمذي موقوفا ومرفوعا. فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجدا لله، و﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧ -\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الحدود باب ٢٧.","vol":"5","page":266},{"text":"٤٨]، ولهذا قال ابن عباس وعبيد بن عمير: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. وقال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفا، وقال القاسم بن أبي بزة: كانوا سبعين ألفا، وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفا، وقال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة: كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفا، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفا، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن حمزة، حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلا، أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح بمكة، حدثنا ابن المبارك قال: قال الأوزاعي: لما خر السحرة سجدا، رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها، قال: وذكر عن سعيد بن سلام، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ قال:\nرأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم، وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1211>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧١ إلى ٧٣]</span>\n﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل، حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم، وغلب كل الغلب، شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة، فتهددهم وتوعدهم وقال: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي صدقتموه ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي ما أمرتكم بذلك وأفتنم علي في ذلك، وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، ثم أخذ يتهددهم فقال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي لأجعلنكم مثلة، ولأقتلنكم ولأشهرنكم، قال ابن عباس: فكان أول من فعل ذلك، ورواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى﴾ أي أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة وأنتم مع موسى وقومه على الهدى، فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه، فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله ﷿ و﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾","vol":"5","page":267},{"text":"أي لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ يحتمل أن يكون قسما، ويحتمل أن يكون معطوفا على البينات، يعنون لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم المبتدئ خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت.\n﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ أي فافعل ما شئت، وما وصلت إليه يدك، ﴿إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ أي ما كان منا من الآثام خصوصا ما أكرهتنا عليه من الحسر لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ قال: أخذ فرعون أربعين غلاما من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالفرماء، وقال: علموهم تعليما لا يعلمه أحد في الأرض، قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا بموسى وهم من الذين قالوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقوله: ﴿وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي خير لنا منك وأبقى أي أدوم ثوابا مما كنت وعدتنا ومنيتنا، وهو رواية عن ابن إسحاق ﵀. وقال محمد بن كعب القرظي ﴿وَاللهُ خَيْرٌ﴾ أي لنا منك إن أطيع ﴿وَأَبْقى﴾ أي منك عذابا إن عصي، وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضا.\nوالظاهر أن فرعون-لعنه الله-صمم على ذلك، وفعله بهم رحمة لهم من الله، ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1212>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]</span>\n﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى (٧٦)﴾\nالظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أي يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ كقوله: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] وقال:\n﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣] وقال تعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nوقال الإمام أحمد بن حنبل (^١): حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم فتميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١١.","vol":"5","page":268},{"text":"الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية (^١)، وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل، كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي، حدثنا حيان، سمعت سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ خطب فأتى على هذه الآية ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ قال النبي ﷺ:\n«أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تمسهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهرا يقال له الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل».\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ أي ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله ﴿فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ أي الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، أنبأنا همام، حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتهم الله فاسألوه الفردوس» (^٣) ورواه الترمذي من حديث يزيد بن هارون عن همام به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال: كان يقال: الجنة مائة درجة في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد.\nوفي الصحيحين: «إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء لتفاضل ما بينهم-قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء قال-بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (^٤) وفي السنن: وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما (^٥).\nوقوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أي إقامة، وهي بدل من الدرجات العلى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣٠٦، وابن ماجة في الزهد باب ٣٧.\n(^٢) المسند ٥/ ٣١٦.\n(^٣) أخرجه الترمذي في صفة الجنة باب ٤.\n(^٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، والرقاق باب ٥١، ومسلم في الجنة حديث ١١.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الحروف باب ١٩، وابن ماجة في المقدمة باب ١١، وأحمد في المسند ٣/ ٢٦، ٢٧.","vol":"5","page":269},{"text":"أي ماكثين أبدا ﴿وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له. واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خير وطلب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1213>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا أنه أمر موسى ﵇ حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون، وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة، وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون غضبا شديدا، وأرسل في المدائن حاشرين، أي من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه، يقول: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٥٥].\nثم لما جمع جنده واستوسق له جيشه، ساق في طلبهم فأتبعوهم مشرقين، أي عند طلوع الشمس ﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ﴾ أي نظر كل من الفريقين إلى الآخر ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٠ - ٦٢] ووقف موسى ببني إسرائيل البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه أن اضرب ﴿لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ فضرب البحر بعصاه، وقال: انفلق علي بإذن الله، ﴿فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي الجبل العظيم، فأرسل الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يبسا كوجه الأرض، فلهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا﴾ أي من فرعون ﴿وَلا تَخْشى﴾ يعني من البحر أن يغرق قومك، ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾ أي البحر ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ أي الذي هو معروف ومشهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤ - ٥٥] وقال الشاعر: [رجز] أنا أبو النجم وشعري شعري (^١)\nأي الذي يعرف وهو مشهور. وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨].\n_________\n(^١) الرجز لأبي النجم في أمالي المرتضى ١/ ٣٥٠، وخزانة الأدب ١/ ٤٣٩، والخصائص ٣/ ٣٣٧، والدرر ١/ ١٨٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٦١٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٤٧، وشرح المفصل ١/ ٩٨، ٩/ ٨٣، والمنصف ١/ ١٠، وهمع الهوامع ١/ ٦٠، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٨/ ٣٠٧، ٩/ ٤١٢، والدرر ٥/ ٧٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٠٣، ٢٩٠، ومغني اللبيب ١/ ٣٢٩، ٢/ ٤٣٥، ٤٣٧، وهمع الهوامع ٢/ ٥٩.","vol":"5","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1214>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٠ إلى ٨٢]</span>\n﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اِهْتَدى (٨٢)﴾\nيذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام ومننه الجسام، حيث أنجاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وجد اليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا:\nهذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال: «نحن أولى بموسى فصوموه» (^١) رواه مسلم أيضا في صحيحه.\nثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه الله تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هنالك، وفي غضون ذلك عبد بنو إسرائيل العجل كما يقصه الله تعالى قريبا، وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها (^٢)، فالمن حلوى كانت تنزل عليهم من السماء، والسلوى طائر يسقط عليهم فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد، لطفا من الله ورحمة بهم وإحسانا إليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما أمرتكم به ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي أغضب عليكم ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: أي فقد شقي. وقال شفي بن مانع: إن في جهنم قصرا يرمي الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أي كل من تاب إلي، تبت عليه من أي ذنب كان، حتى أنه تاب تعالى على من عبد العجل من بني إسرائيل. وقوله تعالى: ﴿تابَ﴾ أي رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق. وقوله: ﴿وَآمَنَ﴾ أي بقلبه. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أي بجوارحه. وقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي ثم لم يشكك. وقال سعيد بن جبير ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أي استقام على السنة والجماعة وروي نحوه عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٠، باب ٢، ومسلم في الصيام حديث ١٢٧، ١٢٨.\n(^٢) في تفسير الآية ٥٧ من سورة البقرة، والآية ١٦٠ من سورة الأعراف.","vol":"5","page":271},{"text":"مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف وقال قتادة ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أي لزم الإسلام حتى يموت وقال سفيان الثوري ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أي علم أن لهذا ثوابا، وثم هاهنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-1215>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٣ إلى ٨٩]</span>\n﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩)﴾\nلما سار موسى ﵇ ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون ﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧ - ١٣٨] وواعده ربه ثلاثين ليلة، ثم أتبعها عشرا، فتمت أربعين ليلة، أي يصومها ليلا ونهارا، وقد تقدم في حديث الفتون بيان ذلك، فسارع موسى ﵇ مبادرا إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ أي قادمون ينزلون قريبا من الطور ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ أي لتزداد عنى رضا ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك السامري.\nوفي الكتب الإسرائيلية أنه كان اسمه هارون أيضا، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] أي عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري.\nوقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا﴾ أي بعد ما أخبره تعالى بذلك في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير الله، ما يعلم كل عاقل له لب وحزم بطلان ما هم فيه وسخافة عقولهم وأذهانهم، ولهذا قال: رجع إليهم غضبان أسفا، والأسف شدة الغضب. وقال مجاهد: غضبان أسفا أي جزعا، وقال قتادة والسدي: أسفا حزينا على ما صنع قومه من بعده ﴿قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ أي أما وعدكم على لساني كل خير في","vol":"5","page":272},{"text":"الدنيا والآخرة وحسن العاقبة، كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم وإظهاركم عليه وغير ذلك من أيادي الله.\n﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي في انتظار ما وعدكم الله ونسيان ما سلف من نعمه وما بالعهد من قدم، ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أم هاهنا بمعنى بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي، قالوا أي بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم ﴿ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ أي عن قدرتنا واختيارنا، ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر، فقذفناها أي ألقيناها عنا.\nوقد تقدم في حديث الفتون أن هارون ﵇ هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار، وهي في رواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس، إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة، ويجعل حجرا واحدا، حتى إذا رجع موسى ﵇، رأى فيه ما يشاء ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل من هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوته، فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد فأجيب له، فقال السامري عند ذلك: أسأل الله أن يكون عجلا، فكان عجلا له خوار أي صوت استدراجا، وإمهالا ومحنة واختبارا، ولهذا قال: ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبادة بن البختري، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع، فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على ما في نفسه، ومضى هارون. وقال السامري: اللهم إني أسألك ان يخور فخار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم. ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال: أعمل ما ينفع ولا يضر. وقال السدي كان يخور ويمشي فقالوا: أي الضّلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ أي نسيه هاهنا وذهب يتطلبه، كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾، أي نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم.\nوقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فقال: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾ قال: فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط يعني مثله، يقول الله:\n﴿فَنَسِيَ﴾ أي ترك ما كان عليه من الإسلام يعني السامري. قال الله تعالى ردا عليهم وتقريعا لهم وبيانا لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ","vol":"5","page":273},{"text":"لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أي العجل، أفلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه ولا إذا خاطبوه، ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾، أي في دنياهم ولا في أخراهم. قال ابن عباس ﵄: لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره. فيخرج من فمه فيسمع له صوت.\nوقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه بهموت، وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب، يعني هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله يعني الحسين، وهم يسألون عن دم البعوضة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1216>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٠ إلى ٩١]</span>\n﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)﴾\nيخبر تعالى عما كان من نهي هارون ﵇ لهم عن عبادتهم العجل وإخباره إياهم، إنما هذا فتنة لكم وإن ربكم الرحمن الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، ذو العرش المجيد الفعال لما يريد ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ أي فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه، ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾ أي لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1217>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]</span>\n﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾\nيخبر تعالى عن موسى ﵇ حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غضبا وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقد قدمنا في سورة الأعراف بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث «ليس الخبر كالمعاينة» وشرع يلوم أخاه هارون، فقال: ﴿ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي فيما كنت قدمت إليك، وهو قوله: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].\n﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ﴾ ترقق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه، لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف، ولهذا قال: ﴿يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ الآية، هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ١٨، وأحمد في المسند ٢/ ٩٣، ١١٤.","vol":"5","page":274},{"text":"الجسيم، قال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم، قال ابن عباس:\nوكان هارون هائبا مطيعا له (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1218>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٥ إلى ٩٨]</span>\n﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾\nيقول موسى ﵇ للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟ قال محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان السامري رجلا من اهل باجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل، وكان اسمه موسى بن ظفر، وفي رواية عن ابن عباس أنه كان من كرمان، وقال قتادة: كان من قرية سامرا.\n﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي من أثر فرسه، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، أخبرني عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن السدي عن أبي بن عمارة عن علي ﵁ قال: إن جبريل ﵇ لما نزل فصعد بموسى ﵇ إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، قال: وحمل جبريل موسى ﵉ خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده قال: نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه، غريب.\nوقال مجاهد: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل، قال:\nوالقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع، قال مجاهد: نبذ السامري، أي ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار حفيف الريح فيه فهو خواره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمارة، حدثنا عكرمة أن السامري رأى الرسول، فألقي في روعه أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء فقلت له كن فكان، فقبض قبضة من أثر الرسول فيبست\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤٤٩.","vol":"5","page":275},{"text":"أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات.\nوكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي آل فرعون، فقال لهم السامري: إنما أصابكم من أجل هذا الحلي، فاجمعوه فجمعوه، فأوقدوا عليه فذاب، فرآه السامري فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت كن فيكون، فقذف القبضة وقال كن فكان عجلا جسدا له خوار، فقال: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾ ولهذا قال ﴿فَنَبَذْتُها﴾ أي ألقيتها مع من ألقى ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي حسنته وأعجبها، إذا ذاك ﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ أي كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول فعقوبتك في الدنيا أن تقول لا مساس، أي لا تماس الناس ولا يمسونك ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أي يوم القيامة ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي لا محيد لك عنه. وقال قتادة ﴿أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ قال: عقوبة لهم وبقاياهم اليوم يقولون لا مساس (^١).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قال الحسن وقتادة وأبو نهيك: لن تغيب عنه. وقوله:\n﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ﴾ أي معبودك ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ أي أقمت على عبادته يعني العجل ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس والسدي: سحله بالمبارد وألقاه على النار. وقال قتادة: استحال العجل من الذهب لحما ودما، فحرقه بالنار، ثم القى رماده في البحر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن عن علي ﵁ قال:\nإن موسى لما تعجل إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، ثم صوره عجلا، قال: فعمد موسى إلى العجل فوضع عليه المبارد، فبرده بها وهو على شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضا، وهكذا قال السدي، وقد تقدم في تفسير سورة البقرة، ثم في حديث الفتون بسط ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يقول لهم موسى ﵇: ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه عبد له. وقوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ نصب على التمييز، أي هو عالم بكل شيء، ﴿أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، و﴿أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، فلا ﴿يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]، ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، والآيات\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤٥٢.","vol":"5","page":276},{"text":"في هذا كثيرة جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1219>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٩ إلى ١٠١]</span>\n﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا وقد آتيناك من لدنا، أي من عندنا ذكرا، وهو القرآن العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، الذي لم يعط نبي من الأنبياء منذ بعثوا إلى أن ختموا بمحمد ﷺ كتابا مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه.\nولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أي كذب به وأعرض عن اتباعه أمرا وطلبا، وابتغى الهدى من غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم، ولهذا قال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا﴾ أي إثما كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم، كما قال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي ومن خالفه وأعرض عنه، ضل وشقي في الدنيا والنار موعده يوم القيامة، ولهذا قال:\n﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا خالِدِينَ فِيهِ﴾ أي لا محيد لهم عنه ولا انفكاك ﴿وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا﴾ أي بئس الحمل حملهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1220>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٤]</span>\n﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا (١٠٤)﴾\nثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ سئل عن الصور، فقال: «قرن ينفخ فيه» (^١). وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم، الدائرة منه بقدر السموات والأرض، ينفخ فيه إسرافيل ﵇ وجاء في الحديث «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له» فقالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٨، وتفسير سورة ٣٩، باب ٨، والدارمي في الرقاق باب ٧٩، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٢، ١٩٢.\n(^٢) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٨، وتفسير سورة ٣٩، باب ٧، وأحمد في المسند ١/ ٣٢٦، ٣/ ٧، ٤/ ٣٧٤.","vol":"5","page":277},{"text":"وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ قيل: معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يتسارون بينهم، أي يقول بعضهم لبعض: إن لبثتم إلا عشرا أي في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها، قال الله تعالى:\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ أي في حال تناجيهم بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أي العاقل الكامل فيهم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا﴾ أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد، لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها، كأنها يوم واحد، ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة، وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٥ - ٥٦] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] الآية، وقال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:\n١١٢ - ١١٤] أي إنما كان لبثكم فيها قليلا، لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فاسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1221>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٨]</span>\n﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا (١٠٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾ أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ أي يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرا ﴿فَيَذَرُها﴾ أي الأرض ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ أي بساطا واحدا، والقاع هو المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل الذي لا نبات فيه، والأول أولى وإن كان الآخر مرادا أيضا باللازم، ولهذا قال: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ أي لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية ولا مكانا منخفضا ولا مرتفعا، كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف.\n﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ [القمر: ١٠٥] وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت يؤمونه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ وقال قتادة: لا عوج له، لا يميلون","vol":"5","page":278},{"text":"عنه. وقال أبو صالح: لا عوج له أي لا عوج عنه.\nوقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ﴾ قال ابن عباس: سكنت، وكذا قال السدي ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني وطء الأقدام، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا﴾ الصوت الخفي، وهو رواية عن عكرمة والضحاك. وقال سعيد بن جبير ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا﴾ الحديث وسره ووطء الأقدام، فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-1222>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٩ إلى ١١٢]</span>\n﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (١١٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ أي عنده ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].\nوقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨].\nوفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله ﷿ أنه قال «آتي تحت العرش، وأخر لله ساجدا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع-فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة ثم أعود» فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء (^١).\nوفي الحديث أيضا «يقول تعالى أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٣، والتوحيد باب ١٩، ومسلم في الإيمان حديث ٣٢٦، وأحمد في المسند ٣/ ١١٦، ٢٤٤.","vol":"5","page":279},{"text":"إيمان» (^١) الحديث.\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي يحيط علما بالخلائق كلهم ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به. وقوله: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي الحديث «يقول الله ﷿: وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم» وفي الصحيح «إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (^٢)، والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون، أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة وغير واحد، فالظلم الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم النقص.\n\n<span data-type='title' id=toc-1223>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]</span>\n﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾\nيقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعا لا محالة، أنزلنا القرآن بشيرا ونذيرا بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عي، ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي يتركون المآثم والمحارم والفواحش ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق ووعده حق، ووعيده حق ورسله حق، والجنة حق والنار حق وكل شيء منه حق، وعدله تعالى أن لا يعذب أحدا قبل الإنذار وبعثة الرسل، والإعذار إلى خلقه لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.\nوقوله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، كقوله تعالى في سورة لا أقسم بيوم القيامة ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] وثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ، كان يعالج\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢، وأحمد في المسند ٣/ ٩٤، ٩٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في البر حديث ٥٦، ٥٧.","vol":"5","page":280},{"text":"من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية (^١) يعني أنه ﵇ كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه، فقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئا ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ وقال في هذه الآية ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أي بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أي زدني منك علما، قال ابن عيينة ﵀ ولم يزل ﷺ في زيادة حتى توفاه الله ﷿، ولهذا جاء في الحديث «إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله ﷺ» (^٢) وقال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كل حال» (^٣). وأخرجه الترمذي عن أبي كريب، عن عبد الله بن نمير به. وقال: غريب من هذا الوجه، ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة به، وزاد في آخره «وأعوذ بالله من حال أهل النار».\n\n<span data-type='title' id=toc-1224>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٥ إلى ١٢٢]</span>\n﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي، وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه. وقال مجاهد والحسن: ترك. وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ يذكر تعالى تشريف آدم، وتكريمه وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا، وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وفي الحجر والكهف (^٤)، وسيأتي في آخر سورة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب ٤، والتوحيد باب ٤٣، ومسلم في الصلاة حديث ١٤٨، والنسائي في الافتتاح باب ٣٧، وأحمد في المسند ١/ ٣٤٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ١، ومسلم في التفسير حديث ١، وأحمد في المسند ٣/ ٢٣٦.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ١٢٨ وابن ماجة في المقدمة باب ٢٣، والدعاء باب ٢.\n(^٤) انظر تفسير الآيات ٣٠ - ٣٨ من سورة البقرة، والآيات ١١ - ٢٤ من سورة الأعراف، والآيات ٢٨ - ٤٠ من سورة الحجر، والآيات ٦١ - ٦٥ من سورة الإسراء والآية ٥٠ من سورة الكهف.","vol":"5","page":281},{"text":"ص (^١) يذكر تعالى فيها خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له تشريفا وتكريما، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديما، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ أي امتنع واستكبر ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يعني حواء ﵉ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ أي إياك أن تسعى في إخراجك منها فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى﴾ إنما قرن بين الجوع والعري، لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر، ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ وهذان أيضا متقابلان، فالظمأ حر الباطن وهو العطش، والضحى حر الظاهر.\nوقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ قد تقدم أنه دلاهما بغرور ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها وكانت شجرة الخلد، يعني التي من أكل منها خلد ودام مكثه، وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي الضحاك، سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد» ورواه الإمام أحمد (^٢).\nوقوله: ﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم مني تفر، فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياء، أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال:\nنعم» فذلك قوله: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضا.\nوقوله: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب، وكذا قال قتادة والسدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوآتهما. وقوله: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير،\n_________\n(^١) الآيات ٧١ - ٨٥ من سورة ص.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٥٥، ٤٦٢.","vol":"5","page":282},{"text":"عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «حاج موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني أو قدره الله عليّ قبل أن يخلقني؟ -قال رسول الله ﷺ-فحج آدم موسى» (^١)، وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما من المسانيد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض عن الحارث بن أبي ذئاب، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك، قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما، قال آدم: فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم، قال:\nأفتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ-فحج آدم موسى»، قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1225>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]</span>\n﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦)﴾\nيقول تعالى لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا منها جميعا، أي من الجنة كلكم، وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته. وقوله: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى﴾ قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أي ضنكا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: الشقاء (^٢). وقال العوفي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٠، باب ١، ٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٤٧٠.","vol":"5","page":283},{"text":"عن ابن عباس: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: كلما أعطيته عبدا من عبادي قل أو كثر، لا يتقيني فيه، فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وقال أيضا: إن قوما ضلالا أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفا لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به والثقة به، اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك. وقال الضحاك: هو العمل السيئ والرزق الخبيث، وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار.\nوقال سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه، وقال أبو حاتم الرازي: النعمان بن أبي عياش يكنى أبا سلمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة، عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله ﷿ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: ضمة القبر له، والموقوف أصح.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح عن ابن حجيرة واسمه عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويفسح له في قبره سبعون ذراعا، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيم أنزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا. أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون» رفعه منكر جدا.\nوقال البزار: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي: حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قول الله ﷿:\n﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال «المعيشة الضنك الذي قال الله إنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة». وقال أيضا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: «عذاب القبر» إسناد جيد.\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ قال مجاهد وأبو صالح والسدي: لا حجة له، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم، ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضا، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧] الآية، ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي في الدنيا ﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك، تناسيتها وأعرضت عنها","vol":"5","page":284},{"text":"وأغفلتها، كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ [الأعراف: ٥١] فإن الجزاء من جنس العمل. فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن رجل عن سعد بن عبادة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم»، ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ فذكر مثله سواء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1226>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٧]</span>\n﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)﴾\nيقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ولهذا قال:\n﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ أي أشد ألما من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1227>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٨ إلى ١٣٠]</span>\n﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ﴾ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها يمشون فيها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ أي العقول الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وقال في سورة الم السجدة: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦] الآية.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٨٥، ٣٢٣، ٣٢٧، ٣٢٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في اللعان حديث ٤، وأبو داود في الطلاق باب ٢٧، والترمذي في تفسير سورة ٢٤، باب ٢، والطلاق باب ٢٢، والدارمي في النكاح باب ٣٩، وأحمد في المسند ١/ ٣١٠، ٢/ ١٩.","vol":"5","page":285},{"text":"تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة، لجاءهم العذاب بغتة، ولهذا قال لنبيه مسليا له:\n﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أي من تكذيبهم لك ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يعني صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ يعني صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال:\n«إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» (^١) ثم قرأ هذه الآية.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عمارة بن رؤيبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» رواه مسلم (^٣) من حديث عبد الملك بن عمير به، وفي المسند والسنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر الى أقصاه كما ينظر الى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين» (^٤).\nوقوله: ﴿وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ أي من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء، ﴿وَأَطْرافَ النَّهارِ﴾ في مقابلة آناء الليل ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وفي الصحيح «يقول الله تعالى يا أهل الجنة، فيقولون:\nلبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (^٥) وفي الحديث الآخر «يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه: فيقولون: وما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة، فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم خيرا من النظر إليه، وهي الزيادة» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة باب ٢٦، والرقاق باب ٥٢، والتوحيد باب ٢٤، ومسلم في المساجد حديث ٢١١.\n(^٢) المسند ٤/ ١٣٦، ٤/ ٢٦١.\n(^٣) كتاب الصلاة حديث ١٣، ٢١.\n(^٤) أخرجه الترمذي في الجنة باب ١٧، وتفسير سورة ٧٥ باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ١٣، ٦٤، ٤٥٠.\n(^٥) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣٧، والرقاق باب ٥١، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢، والجنة حديث ٩.\n(^٦) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٠، باب ١، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣، وأحمد في المسند ٤/ ٣٣٣.","vol":"5","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1228>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣١ إلى ١٣٢]</span>\n﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور. وقال مجاهد: ﴿أَزْواجًا مِنْهُمْ﴾، يعني الأغنياء، فقد آتاك خيرا مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٧ - ٨٨] الآية، وكذلك ما ادخره الله تعالى لرسوله ﷺ في الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾.\nوفي الصحيح أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله ﷺ في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن (^١)، فرآه متوسدا مضطجعا على رمال حصير (^٢)، وليس في البيت إلا صبرة من قرظ (^٣) وأهب (^٤) معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك يا عمر؟» فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال: «أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» (^٥) فكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئا لغد.\nقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا» قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال «بركات الأرض». وقال قتادة والسدي: زهرة الحياة الدنيا، يعنى زينة الحياة الدنيا. وقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنبتليهم.\nوقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أي استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾ [التحريم: ٦].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم، فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ أقام يعني أهله، وقال «وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها».\n_________\n(^١) آلى منهن: أي أقسم لا يدخل عليهن شهرا.\n(^٢) الرمال، بضم الراء: ما رمل: أي ما نسج.\n(^٣) القرظ: ما يدبغ به.\n(^٤) الأهب، جمع إهاب: وهو الجلد من البقر، والغنم، ما لم يدبغ.\n(^٥) أخرجه البخاري في المظالم، باب ٢٥، وتفسير سورة ٦٦.","vol":"5","page":287},{"text":"وقوله: ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] ولهذا قال: ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾.\nوقال الثوري: ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا﴾، أي لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفا، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار قرأ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ -إلى قوله- ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ ثم يقول: الصلاة. الصلاة رحمكم الله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار، حدثنا جعفر عن ثابت قال: كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله: يا أهلاه صلوا، صلوا. قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وقد روى الترمذي وابن ماجة من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل، ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك» (^١) وروى ابن ماجة من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك» (^٢)، وروي أيضا من حديث شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه عن زيد بن ثابت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع له أمره وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (^٣).\nوقوله: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ أي وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة لمن اتقى الله. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأنا أتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٣٠، وابن ماجة في الزهد باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣٥٨.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٢.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٢.\n(^٤) أخرجه مسلم في الرؤيا حديث ١٨.","vol":"5","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1229>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٥]</span>\n﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى (١٣٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار في قولهم: ﴿لَوْلا﴾ أي هلا يأتينا محمد بآية من ربه، أي بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ يعني القرآن الذي أنزله عليه الله، وهو أمي لا يحسن الكتابة ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩ - ٥٠] وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (^١) وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ﵇، وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه ومقرر في مواضعه.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا﴾ أي لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم، لكانوا قالوا: ﴿رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا﴾ قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه كما قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٧] كما قال تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧] وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] الآية، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠] الآيتين، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي منا ومنكم ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي فانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ أي الطريق المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدى﴾ إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢] وقال:\n﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].\nآخر تفسير سورة طه ولله الحمد والمنة ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة الأنبياء ولله الحمد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١، وفضائل القرآن باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٣٩.","vol":"5","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1230>سورة الأنبياء</span>\nوهي مكية\nقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال بنو إسرائيل والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأول وهن من تلادي (^١).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1231>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾\nهذا تنبيه من الله ﷿ على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي لا يعملون لها ولا يستعدون من أجلها. وقال النسائي: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ قال: «في الدنيا». وقال تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقال ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر: ١ - ٢] الآية، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نواس الشاعر أنه قال:\nأشعر الناس الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول: [مجزوء الكامل] الناس في غفلاتهم … ورحا المنيّة تطحن (^٢)\nفقيل له: من أين أخذ هذا؟ قال من قول الله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ وروي في ترجمة عامر بن ربيعة من طريق موسى بن عبيد الآمدي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٧، باب ١، وسورة ٢١، باب ١، وفضائل القرآن باب ٦.\n(^٢) البيت في ديوان أبي العتاهية ص ٤٢٩، وهو بلا نسبة في كتاب العين ٣/ ٢٩٠.","vol":"5","page":290},{"text":"مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت من رسول الله ﷺ واديا في العرب، وقد أردت أن اقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.\nثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار، فقال ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي جديد إنزاله ﴿إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرؤونه محضا لم يشب، رواه البخاري (^١) بنحوه.\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي قائلين فيما بينهم خفية ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعنون رسول الله ﷺ يستبعدون كونه نبيا لأنه بشر مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم، ولهذا قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر، فقال تعالى مجيبا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب.\n﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله إلا الذي يعلم السر في السموات والأرض.\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لأقوالكم والعليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد. وقوله: ﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ﴾ هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه وضلالهم عنه، فتارة يجعلونه سحرا، وتارة يجعلونه شعرا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨ والفرقان: ٩].\nوقوله ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ يعنون كناقة صالح وآيات موسى وعيسى وقد قال الله: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي ما آتينا قرية من القرى التي بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها بل كذبوا، فأهلكناهم بذلك أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلا، بل ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] هذا كله وقد شاهدوا من الآيات الباهرات والحجج القاطعات والدلائل البينات على يدي رسول الله ﷺ ما هو أظهر وأجلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢٥، والتوحيد باب ٤٢.","vol":"5","page":291},{"text":"وأبهر وأقطع وأقهر مما شوهد مع غيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nقال ابن أبي حاتم ﵀: ذكر عن زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة: حدثنا الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي، حدثني من شهد عبادة بن الصامت يقول: كنا في المسجد ومعنا أبو بكر الصديق ﵁ يقرئ بعضنا بعضا القرآن، فجاء عبد الله بن أبي ابن سلول ومعه نمرقة وزربية، فوضع واتكأ، وكان صبيحا فصيحا جدلا، فقال: يا أبا بكر، قل لمحمد يأتينا بآية كما جاء الأولون، جاء موسى بالألواح، وجاء دواد بالزبور، وجاء صالح بالناقة، وجاء عيسى بالإنجيل وبالمائدة، فبكى أبو بكر ﵁.\nفخرج رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: قوموا بنا إلى رسول الله ﷺ نستغيث به من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: «إنه لا يقام لي إنما يقام لله ﷿» فقلنا: يا رسول الله إنا لقينا من هذا المنافق، فقال: «إن جبريل قال لي اخرج فأخبر بنعم الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني أني بعثت إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أمي، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، وأمدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أكثر الحياض يوم القيامة ورودا، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعون مقنعون رؤوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة في جنات النعيم، فليس فوقي أحد إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحل لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا» وهذا الحديث غريب جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1232>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾\nيقول تعالى رادا على من أنكر بعثة الرسل من البشر: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ أي جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالا من البشر لم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف:١٠٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم، لأنهم أنكروا ذلك فقالوا ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] ولهذا قال تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرا أو ملائكة؟ وإنما كانوا بشرا، وذلك من تمام نعمة الله على خلقه إذ بعث فيهم رسلا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم.","vol":"5","page":292},{"text":"وقوله: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ أي بل قد كانوا أجسادا يأكلون الطعام كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] أي قد كانوا بشرا من البشر يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئا، كما توهمه المشركون في قولهم ﴿ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها﴾ [الفرقان: ٧ - ٨] الآية.\nوقوله: ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ أي في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله ﷿، تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكمه في خلقه مما يأمر به وينهى عنه، وقوله: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي الذي وعدهم ربهم ليهلكن الظالمين صدقهم الله وعده وفعل ذلك، ولهذا قال ﴿فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ﴾ أي أتباعهم من المؤمنين ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ أي المكذبين بما جاءت به الرسل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1233>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠ إلى ١٥]</span>\n﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَاِرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (١٥)﴾\nيقول تعالى منبها على شرف القرآن ومحرضا لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال ابن عباس: شرفكم. وقال مجاهد: حديثكم. وقال الحسن: دينكم (^١)، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي هذه النعمة، وتتلقونها بالقبول، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقوله ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ هذه صيغة تكثير، كما قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧] وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [الحج: ٤٥] الآية.\nوقوله ﴿وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أي أمة أخرى بعدهم ﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا﴾ أي تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما وعدهم نبيهم ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ أي يفرون هاربين ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ﴾ هذا تهكم بهم نزرا، أي قيل لهم نزرا لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة. قال قتادة استهزاء بهم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ أي عما كنتم فيه من أداء شكر النعم، ﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٨.","vol":"5","page":293},{"text":"﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ أي ما زالت تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم هجيراهم حتى حصدناهم حصدا، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1234>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٦ إلى ٢٠]</span>\n﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾\nيخبر تعالى أنه خلق السموات والأرض بالحق، أي بالعدل والقسط، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولا لعبا كما قال: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ قال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ يعني من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا. وقال الحسن وقتادة وغيرهما ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ اللهو المرأة بلسان أهل اليمن (^١). وقال إبراهيم النخعي ﴿لاتَّخَذْناهُ﴾ من الحور العين.\nوقال عكرمة والسدي: والمراد باللهو هاهنا الولد، وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقا ولا سيما عما يقولون من الإفك والباطل من اتخاذ عيسى أو العزيز أو الملائكة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ قال قتادة والسدي وإبراهيم النخعي ومغيرة بن مقسم: أي ما كنا فاعلين. وقال مجاهد كل شيء في القرآن ﴿أَنْ﴾ فهو إنكار. وقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ﴾ أي نبين الحق فيدحض الباطل، ولهذا قال: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ أي ذاهب مضمحل ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ أي أيها القائلون لله ولد ﴿مِمّا تَصِفُونَ﴾ أي تقولون وتفترون. ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ودأبهم في طاعته ليلا ونهارا، فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني الملائكة ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أي لا يستنكفون عنها، كما قال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢].\nوقوله: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي لا يتعبون ولا يملون ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١١.","vol":"5","page":294},{"text":"فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا، مطيعون قصدا وعملا، قادرون عليه، كما قال تعالى:\n﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله رسول الله ﷺ بين أصحابه إذ قال لهم «هل تسمعون ما أسمع؟» قالوا: ما نسمع من شيء، فقال رسول الله ﷺ «إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» غريب، ولم يخرجوه.\nثم رواه-أعني ابن أبي حاتم-من طريق يزيد بن أبي زريع عن سعيد عن قتادة مرسلا.\nوقال أبو إسحاق عن حسان بن مخارق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى للملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل. فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا من بني عبد المطلب، قال فقبل رأسي ثم قال: يا بني إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس؟ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-1235>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢١ إلى ٢٣]</span>\n﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾\nينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي أهم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض، أي لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها لله ندا وعبدوها معه؟ ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السموات والأرض، فقال: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾ أي في السموات والأرض ﴿لَفَسَدَتا﴾ كقوله تعالى:\n﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وقال هاهنا: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي عما يقولون أن له ولدا أو شريكا ﷾ وتقدس وتنزه عن الذي يفترون ويأفكون علوا كبيرا.\nوقوله ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ أي هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وكبريائه وعلمه وحكمته وعدله ولطفه، ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ أي وهو سائل خلقه عما يعملون كقوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨].\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٤.","vol":"5","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1236>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]</span>\n﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ﴾ يا محمد ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أي دليلكم على ما تقولون ﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يعني القرآن ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولونه وتزعمون، فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله، ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق فأنتم معرضون عنه، ولهذا قال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ كما قال: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضا، والمشركون لا برهان لهم، وحجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1237>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٢٩)﴾\nيقول تعالى ردا على من زعم أن له تعالى وتقدس ولدا من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب:\nإن الملائكة بنات الله فقال: ﴿سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أي الملائكة عباد الله مكرمون عنده في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولا وفعلا ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم فلا يخفى عليه منهم خافية ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ كقوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] في آيات كثيرة في معنى ذلك ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي من خوفه ورهبته ﴿مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي من ادعى منهم أنه إله من دون الله أي مع الله ﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أي كل من قال ذلك، وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].","vol":"5","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1238>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾\nيقول تعالى منبها على قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره، أو يشرك به ما سواه، ألم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقا أي كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، فجعل السموات سبعا، والأرض سبعا، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض، ولهذا قال ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أي وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء: [المتقارب] ففي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد (^١)\nقال سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة قال: سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرايتم السموات والأرض حين كانتا رتقا هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار (^٢). وقال ابن ابي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا حاتم عن حمزة بن أبي محمد، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلا أتاه يسأله عن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما. قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني بما قال لك، قال: فذهب إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس: نعم كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علما، صدق هكذا كانت، قال ابن عمر: قد كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه قد أوتي في القرآن علما. وقال عطية العوفي: كانت هذه رتقا لا تمطر فأمطرت، وكانت هذه رتقا لا تنبت فأنبتت.\nوقال إسماعيل بن أبي خالد: سألت أبا صالح الحنفي عن قوله: ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سموات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين، وهكذا قال مجاهد، وزاد: ولم تكن السماء والأرض\n_________\n(^١) البيت لأبي العتاهية في ديوان ص ١٠٤، وتاج العروس (عنه)؟؟؟.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢١.","vol":"5","page":297},{"text":"متماستين (^١). وقال سعيد بن جبير: بل كانت السماء والأرض ملتزقتين، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض، كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه. وقال الحسن وقتادة: كانتا جميعا ففصل بينهما بهذا الهواء.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي أصل كل الأحياء. قال ابن أبي حاتم: حدثنا ابي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أنه قال: يا نبي الله إذا رأيتك قرت عيني وطابت نفسي، فأخبرنا عن كل شيء قال: «كل شيء خلق من ماء».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد، حدثنا همام عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال:\n«كل شيء خلق من ماء» قال: قلت أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة قال: «أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام» ورواه أيضا عن عبد الصمد وعفان وبهز عن همام، تفرد به أحمد، وهذا إسناد على شرط الصحيحين إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن واسمه سليم، والترمذي يصحح له، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ أي جبالا أرسى الأرض بها وقررها وثقلها لئلا تميد بالناس، أي تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم قرار عليها لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع. فإنه باد للهواء والشمس ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات والحكم والدلالات، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي لئلا تميد بهم. وقوله: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ أي ثغرا في الجبال يسلكون فيها طريقا من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلا بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجوة ثغرة ليسلك الناس فيها من هاهنا إلى هاهنا، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ أي على الأرض وهي كالقبة عليها، كما قال:\n﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ [الشمس:٥] ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] والبناء هو نصب القبة، كما قال رسول الله ﷺ «بني الإسلام على خمس» (^٣) أي خمسة دعائم، وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب ﴿مَحْفُوظًا﴾ أي عاليا محروسا أن ينال. وقال\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٩، ٢٠.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٩٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في الإيمان باب ١، ٢، ومسلم في الإيمان حديث ١٩ - ٢٢.","vol":"5","page":298},{"text":"مجاهد: مرفوعا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث يعني ابن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال رجل: يا رسول الله ما هذه السماء؟ قال: «موج مكفوف عنكم» إسناده غريب.\nوقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكامله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها. وقد ذكر ابن أبي الدنيا ﵀ في كتابه التفكر والاعتبار: أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة، وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة، فلم ير ذلك الرجل شيئا مما كان يحصل لغيره، فشكى ذلك إلى أمه فقالت له: يا بني فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه؟ فقال: لا والله ما أعلمه، قالت: فلعلك هممت؟ قال: لا ولا هممت، قالت: فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر؟ فقال: نعم كثيرا.\nقالت: فمن هاهنا أتيت، ثم قال منبها على بعض آياته: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ أي هذا في ظلامه وسكونه وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وعكسه الآخر ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هذه لها نور يخصها وفلك بذاته وزمان على حدة وحركة وسير خاص، وهذا بنور آخر وفلك آخر وسير آخر وتقدير آخر ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1239>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي يا محمد ﴿الْخُلْدَ﴾ أي في الدنيا بل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر ﵇ مات وليس بحي إلى الآن، لأنه بشر سواء كان وليا أو نبيا أو رسولا. وقد قال تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الكهف:٨٢]. وقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ﴾ أي يا محمد ﴿فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ أي يؤملون أن يعيشوا بعدك لا يكون هذا بل كل إلى الفناء، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقد روي عن الشافعي","vol":"5","page":299},{"text":"﵀ أن أنشد واستشهد بهذين البيتين: [الطويل] تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بأوحد (^١)\nفقل للذي يبغي خلاف الذي مضى … تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد\nوقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أي نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\n﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ يقول نبتليكم ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال (^٢). وقوله: ﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أي فنجازيكم بأعمالكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1240>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني كفار قريش كأبي جهل وأشباهه ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا﴾ أي يستهزئون بك وينتقصونك، يقولون: ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم، قال تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي وهم كافرون بالله ومع هذا يستهزئون برسول الله، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢].\nوقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] أي في الأمور. قال مجاهد: خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار من يوم خلق الخلائق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن سنان. حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي-وقبض أصابعه يقللها- فسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه».\n_________\n(^١) البيتان للإمام الشافعي في ملحق ديوانه ص ١٥٩، ١٦٠، والبيت الأول للشافعي في تاج العروس (وحد)، وللإمام علي في ديوانه ص ٦٧، ولطرفة بن العبد في بهجة المجالس ٢/ ٧٤٦، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في كتاب العين (وحد)، والبيت الثاني لطرفة بن العبد في بهجة المجالس ٢/ ٧٤٧، وبلا نسبة في لسان العرب (خلف)، ونوادر القالي ص ٢١٨ وتاج العروس (خلف)\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٦.","vol":"5","page":300},{"text":"قال أبو سلمة: فقال عبد الله بن سلام: قد عرفت تلك الساعة، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، وهي التي خلق الله فيها آدم، قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامة عليه، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك، فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي﴾ أي نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1241>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾\nيخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضا بوقوع العذاب بهم تكذيبا وجحودا وكفرا وعنادا واستبعادا، فقال ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا به. ولو يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقال في هذه الآية: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ وقال: ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] فالعذاب محيط لهم من جميع جهاتهم ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي لا ناصر لهم، كما قال: ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]. وقوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ أي تأتيهم النار بغتة أي فجأة، ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي تذعرهم، فيستسلمون لها حائرين ولا يدرون ما يصنعون، ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أي ليس لهم حيلة في ذلك، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1242>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤١ إلى ٤٣]</span>\n﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾\nيقول تعالى مسليا لرسوله عما آذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ يعني من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] ثم ذكر","vol":"5","page":301},{"text":"تعالى نعمته على عبيده في حفظه بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام، فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ﴾ أي بدل الرحمن يعني غيره، كما قال الشاعر: [رجز] جارية لم تلبس المرقّقا … ولم تذق من البقول الفستقا (^١)\nأي لم تذق بدل البقول الفستق. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي لا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، بل يعرضون عن آياته وآلائه، ثم قال ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا، ولا كما زعموا، ولهذا قال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أن هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم. وقوله: ﴿وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: ولا هم منا يصحبون أي يجارون. وقال قتادة: لا يصبحون من الله بخير. وقال غيره: ولا هم منا يصحبون يمنعون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1243>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]</span>\n﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين: إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم متعوا في الحياة الدنيا ونعموا وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، ثم قال واعظا لهم ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه في سورة الرعد وأحسن ما فسر بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] وقال الحسن البصري: يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر، والمعنى أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين، ولهذا قال: ﴿أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ يعني بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون والأرذلون.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ أي إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب\n_________\n(^١) الرجز لرؤبة في ديوانه ص ١٨٠، ولأبي نخيلة في شرح شواهد المغني ٢/ ٧٣٥، والشعر والشعراء ٢/ ٦٠٦، ولسان العرب (سكف)، (فستق)، (بقل)، وتاج العروس (فستق)، ولهميان بن قحافة في المخصص ١١/ ١٣٩، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ١٣٢٩، والجنى الداني ص ٣١١، وجواهر الأدب ص ٢٧٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٢٤، وشرح ابن عقيل ص ٣٦٠، ومغني اللبيب ١/ ٣٢٠.","vol":"5","page":302},{"text":"والنكال، ليس ذلك إلا عما أوحاه الله إلي، ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى الله بصيرته وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله ليعترفن بذنوبهم وأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا. وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه.\nوقوله: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وقال لقمان ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك عن ليث بن سعد بن عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب. قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فيبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فيقول أحضروه، فيقول يا رب في هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع بسم الله الرحمن الرحيم» (^٣) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث الليث بن سعد، وقال الترمذي: حسن غريب.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «توضع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٥٨، ومسلم في الدعوات حديث ٣١.\n(^٢) المسند ٢/ ٢١٣.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الإيمان باب ١٧، وابن ماجة في الزهد باب ٣٥.\n(^٤) المسند ٢/ ٢٢١، ٢٢٢.","vol":"5","page":303},{"text":"الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه فيمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن ﷿ يقول:\nلا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان».\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا أبو نوح مرارا، أنبأنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه، فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله ﷺ: «يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم، كان فضلا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف، فقال رسول الله ﷺ «ما له لا يقرأ كتاب الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئا خير من فراق هؤلاء-يعني عبيده- إني أشهدك أنهم أحرار كلهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1244>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾\nقد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وبين كتابيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ﴾ قال مجاهد: يعني الكتاب. وقال أبو صالح: التوراة. وقال قتادة: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل. وقال ابن زيد يعني النصر (^٣):\nوجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نورا في القلوب وهداية وخوفا وإنابة وخشية، ولهذا قال: ﴿الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي تذكيرا لهم وعظة، ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ كقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٥٠]. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] ﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أي خائفون وجلون، ثم قال تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾ يعني\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٢٨٠، ٢٨١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٢١، باب ٢.\n(^٣) انظر هذه الآثار في تفسير الطبري ٩/ ٣٤.","vol":"5","page":304},{"text":"القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء والظهور؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-1245>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ إلى ٥٦]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٥٦)﴾\nيخبر تعالى عن خليله إبراهيم ﵇ أنه آتاه رشده من قبل، أي من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصر فيها، وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق، مما بأيدينا عن المعصوم، قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه بل نجعله وقفا، وما كان من هذا الضرب منها فقد رخص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة، والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة. والمقصود هاهنا أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل، أي من قبل ذلك.\nوقوله: ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أي وكان أهلا لذلك، ثم قال: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله ﷿، فقال: ﴿ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ أي معتكفون على عبادتها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا سعيد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: مر علي ﵁ على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها ﴿قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال.\nولهذا قال: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم","vol":"5","page":305},{"text":"وضلل آباءهم واحتقر آلهتهم ﴿قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ﴾ يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعبا أو محقا فيه، فإنا لم نسمع به قبلك ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي ربكم الذي لا إله غيره، وهو الذي خلق السموات والأرض وما حوت من المخلوقات الذي ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1246>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٧ إلى ٦٣]</span>\n﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾\nثم أقسم الخليل قسما أسمعه بعض قومه ليكيدن أصنامهم، أي ليحرصن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين، أي إلى عيدهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه، قال السدي:\nلما اقترب وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض، وقال: إني سقيم فجعلوا يمرون عليه وهو صريع فيقولون: مه (^١)، فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: ﴿تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ فسمعه أولئك (^٢). وقال ابن إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه، فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم، وقد كان بالأمس، قال: ﴿تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فسمعه ناس منهم.\nوقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا﴾ أي حطاما كسرها كلها، إلا كبيرا لهم يعني إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣]. وقوله ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها ﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها وعلى سخافة عقول عابديها.\n﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي في صنيعه هذا، ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ أي قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم: سمعنا فتى أي شابا، يذكرهم يقال له إبراهيم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا شابا ولا أوتي\n_________\n(^١) مه: أي ما بك؟.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٧.","vol":"5","page":306},{"text":"العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾.\nوقوله ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ أي على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ﵇ أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام. التي لا تدفع عن نفسها ضرا، ولا تملك لها نصرا، فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟ ﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ يعني الذي تركه لم يكسره ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، وأن هذا لا يصدر عن هذا الصنم لأنه جماد.\nوفي الصحيحين من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم ﵇ لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله قوله:\n﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ -قال-وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه سارة، إذ نزل منزلا فأتى الجبار رجل فقال: إنه قد نزل هاهنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها فتناولها فأخذ أخذا شديدا، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له، فأرسل فأهوى إليها، فتناولها فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل ذلك الثالثة، فأخذ فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر. فأخرجت وأعطيت هاجر فأقبلت، فلما أحس إبراهيم بمجيئها، انفتل من صلاته، وقال: مهيم. قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر وأخدمني هاجر». قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: تلك أمكم يا بني ماء السماء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1247>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٤ إلى ٦٧]</span>\n﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها، ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ أي ثم أطرقوا في الأرض فقالوا:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٨، والنكاح باب ١٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٥٤.","vol":"5","page":307},{"text":"﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾. قال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء، فقالوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾.\nوقال السدي ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ أي في الفتنة. وقال ابن زيد: أي في الرأي، وقول قتادة أظهر في المعنى، لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزا، ولهذا قالوا له ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فكيف تقول لنا سلوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم انها لا تنطق، فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ أي إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر، فلم تعبدونها من دون الله؟ ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر. فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٩٣] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1248>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]</span>\n﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾\nلما دحضت حجتهم وبان عجزهم وظهر الحق واندفع الباطل عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾، فجمعوا حطبا كثيرا جدا، قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبا لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في جوبة (^١) من الأرض وأضرموها نارا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم ﵇ في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد. قال شعيب الجبائي، اسمه هيزن: فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فلما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، كما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال:\nحسبي الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﵉ حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.\nوروى الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو هشام، حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك» ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت، سبحانك لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك، وقال شعيب الجبائي: كان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة، فالله أعلم، وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما من الله فبلى.\nوقال سعيد بن جبير-ويروى عن ابن عباس أيضا-قال: لما ألقي إبراهيم، جعل خازن\n_________\n(^١) الجوبة: الحفرة.","vol":"5","page":308},{"text":"المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ قال: فكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ﴾ قال: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت (^١). وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أحد يومئذ بنار، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه (^٢).\nوقال الثوري عن الأعمش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ﴾ قال: لا تضريه. وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله ﷿ قال:\nوسلاما لآذى إبراهيم بردها، وقال جويبر عن الضحاك: كوني بردا وسلاما على إبراهيم، قالوا: صنعوا له حظيرة من حطب جزل، وأشعلوا فيه النار من كل جانب، فأصبح ولم يصبه منها شيء حتى أخمدها الله، قال: ويذكرون أن جبريل كان معه يمسح وجهه من العرق، فلم يصبه منها شيء غير ذلك. وقال السدي: كان معه فيها ملك الظل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فقال: كان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال: ما كنت أياما وليالي قط أطيب عيشا إذ كنت فيها وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها (^٣).\nوقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: إن أحسن شيء قال أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار: وجده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم.\nوقال قتادة: لم يأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ، وقال الزهري: أمر النبي ﷺ بقتله، وسماه فويسقا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله ابن أخى ابن وهب، حدثني عمي، حدثنا جرير بن حازم أن نافعا حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت:\nدخلت على عائشة، فرأيت في بيتها رمحا، فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم» فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله.\nوقوله: ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ أي المغلوبين الأسفلين، لأنهم أرادوا بنبي الله كيدا، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك، وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار، جاء ملكهم لينظر إليه، فطارت شرارة فوقعت على إبهامه، فأحرقته مثل الصوفة.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٤.\n(^٣) انظر الدر المنثور ٤/ ٥٧٩.","vol":"5","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1249>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧١ إلى ٧٥]</span>\n﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن إبراهيم أنه سلمه الله من نار قومه وأخرجه من بين أظهرهم مهاجرا إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها. كما قال الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ قال: الشام وما من ماء عذب إلا يخرج من تحت الصخرة، وكذا قال أبو العالية أيضا وقال قتادة: كان بأرض العراق، فأنجاه الله إلى الشام، وكان يقال للشام عماد دار الهجرة، وما نقص من الأراضي زيد في الشام، وما نقص من الشام زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى ابن مريم ﵇، وبها يهلك المسيح الدجال.\nوقال كعب الأحبار في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ إلى حران. وقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على أن لا يغيرها، رواه ابن جرير، وهو غريب، والمشهور أنها ابنة عمه، وأنه خرج بها مهاجرا مر بلاده. وقال العوفي عن ابن عباس: إلى مكة، ألا تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ (^١) [آل عمران: ٩٦].\nوقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ قال عطاء ومجاهد وعطية وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عيينة: النافلة ولد الولد، يعني أن يعقوب ولد إسحاق، كما قال: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: سأل واحدا، فقال ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة، ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ أي الجميع أهل خير وصلاح، ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي يقتدى بهم.\n﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ أي يدعون إلى الله بإذنه، ولهذا قال: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ﴾ من باب عطف الخاص على العام، ﴿وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ أي فاعلين لما يأمرون الناس به، ثم عطف بذكر لوط، وهو لوط بن هاران بن آزر. كان قد آمن بإبراهيم ﵇ واتبعه وهاجر معه، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٦.","vol":"5","page":310},{"text":"[العنكبوت: ٢٦] فآتاه الله حكما وعلما، وأوحى إليه وجعله نبيا وبعثه إلى سدوم وأعمالها، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودمر عليهم، كما قص خبرهم في غير موضع من كتابه العزيز، ولهذا قال: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1250>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]</span>\n﴿وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾\nيخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح ﵇ حين دعا على قومه لما كذبوه ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧] ولهذا قال هاهنا:\n﴿إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي الذين آمنوا به، كما قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. وقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ﷿ فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يتصدون لأذاه ويتواصون قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل على خلافه، وقوله: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي ونجيناه وخلصناه منتصرا من القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي أهلكهم الله بعامة، ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد، كما دعا عليهم نبيهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1251>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٨ إلى ٨٢]</span>\n﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)﴾\nقال ابن إسحاق عن مرة عن ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرما قد تدلت عناقيده (^١)، وكذا قال شريح. وقال ابن عباس: النفش الرعي. وقال شريح والزهري وقتادة: النفش لا يكون إلا بالليل، زاد قتادة: والهمل بالنهار. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم، قالا حدثنا المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن مرة عن ابن مسعود في قوله:\n﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله: قال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٩.","vol":"5","page":311},{"text":"وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ وكذا روى العوفي عن ابن عباس.\nوقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد: حدثني خليفة عن ابن عباس قال: قضى داود بالغنم لصحاب الحرث فخرج الرعاة معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضى بينكم؟ فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا، فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها (^١) ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه، أخذه أصحاب الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا خديج عن أبي إسحاق عن مرة عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، إنما كان كرما نفشت فيه الغنم فلم تدع فيه ورقة ولا عنقودا من عنب إلا أكلته، فأتوا داود فأعطاهم رقابها، فقال سليمان:\nلا بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم فيكون لهم لبنها ونفعها ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمروه ويصلحوه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم، وهكذا قال شريح ومرة ومجاهد وقتادة وابن زيد وغير واحد.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا إسماعيل عن عامر قال: جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما: إن شياه هذا قطعت غزلا لي، فقال شريح: نهارا أم ليلا؟ فإن كان نهارا فقد برئ صاحب الشياه، وإن كان ليلا فقد ضمن، ثم قرأ ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية، وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث الليث بن سعد عن الزهري، عن حرام بن محيصة، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (^٣)، وقد علل هذا الحديث وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب الأحكام، وبالله التوفيق.\nوقوله: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن حميد أن إياس بن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار،\n_________\n(^١) سلاؤها: أي سمنها.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٥١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في البيوع باب ٩٠، وابن ماجة في الأحكام باب ١٣، ومالك في الأقضية حديث ٣٦، ٣٧، وأحمد في المسند ٤/ ٢٩٥، ٥/ ٤٣٥.","vol":"5","page":312},{"text":"ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان ﵉ والأنبياء حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود، ثم قال: -يعني الحسن-: إن الله اتخذ على الحكام ثلاثا: لا يشتروا به ثمنا قليلا، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحدا، ثم تلا ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: ٢٦] وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وقال ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤].\nقلت: أما الأنبياء ﵈، فكلهم معصومون مؤيدون من الله ﷿، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجرا» (^١) فهذا الحديث يرد نصا ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم.\nوفي السنن: «القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى خلافه فهو في النار» (^٢)، وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد (^٣) في مسنده حيث قال: حدثنا علي بن حفص، أخبرنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ: «بينما امرأتان معهما ابنان لهما، إذ جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكمتا إلى داود، فقضى به الكبرى، فخرجتا فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينكما:\nفقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها لا تشقه، فقضى به للصغرى» (^٤) وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وبوب عليه النسائي في كتاب القضاء: [باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق].\nوهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة سليمان ﵇ من تاريخه من طريق الحسن بن سفيان عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكر قصة مطولة، ملخصها: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢١، ٢٢، ومسلم في الأقضية حديث ١٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأقضية باب ٢، وابن ماجة في الأحكام باب ٣.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٢٢، ٣٤٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٤٠، ومسلم في الأقضية حديث ٢٠، والنسائي في القضاة باب ١٤.","vol":"5","page":313},{"text":"بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود ﵇ أنها مكنت من نفسها كلبا لها قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها، فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان مثله، فانتصب حاكما وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبا، فقال سليمان فرقوا بينهم، فسأل أولهم ما كان لون الكلب؟ فقال أسود، فعزله واستدعى الآخر فسأله عن لونه، فقال: أحمر، وقال الآخر: أغبش، وقال الآخر: أبيض، فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكي ذلك لداود ﵇ فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه فأمر بقتلهم.\nوقوله: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ الآية، وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا، ولهذا لما مر النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من الليل وكان له صوت طيب جدا، فوقف واستمع لقراءته، وقال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا (^١). وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى ﵁، ومع هذا قال ﵊: «لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود».\nوقوله: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ يعني صنعة الدروع. قال قتادة:\nإنما كانت الدروع قبله صفائح: وهو أول من سردها حلقا، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١] أي لا توسع الحلقة فتقلق المسمار ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة، ولهذا قال: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ يعني في القتال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أي نعم الله عليكم لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم.\nوقوله: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح العاصفة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ يعني أرض الشام ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ وذلك أنه كان له بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته ثم تحمله وترفعه وتسير به، وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل وتوضع آلاته وحشمه، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص: ٣٦] وقال تعالى: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].\nقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن عيينة عن أبي سنان عن سعيد بن جبير قال: كان\n_________\n(^١) أخرج القسم الأول من الحديث: البخاري في فضائل القرآن باب ٣١، ومسلم في المسافرين حديث ٢٣٥، ٢٣٦، والترمذي في المناقب باب ٥٥، والنسائي في الافتتاح باب ٨٣، وابن ماجة في الإقامة باب ١٧٦، والدارمي في الصلاة باب ١٧١، وفضائل القرآن باب ٣٤، وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٩، ٤٥٠، ٥/ ٣٤٩، ٣٥١، ٣٥٩، ٦/ ٣٧، ١٦٧.","vol":"5","page":314},{"text":"يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي، فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمر الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحمله ﷺ. قال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم كالجبل، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة فيرتفع حتى يصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء، وهو مطأطئ رأسه ما يلتفت يمينا ولا شمالا، تعظيما لله ﷿، وشكرا لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله ﷿، حتى تضعه الريح حيث شاء أن تضعه.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي في الماء يستخرجون اللئالئ والجواهر وغير ذلك، ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ﴾ أي غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ [ص: ٣٧ - ٣٨]. وقوله: ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ أي يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه، بل هو يحكم فيهم إن شاء أطلق وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1252>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]</span>\n﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)﴾\nيذكر تعالى عن أيوب ﵇، ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد ومنازل مرضية، فابتلى في ذلك كله وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله ﷿، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجته كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت، فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي ﷺ: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» (^١).\nوفي الحديث الآخر «يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه» (^٢) وقد كان نبي الله أيوب ﵇ غاية في الصبر. وبه يضرب المثل في ذلك. وقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب ﵇ بذهاب الأهل والمال والولد، ولم يبق شيء له أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب، الذي أحسنت إليّ، أعطيتني المال والولد فلم يبق من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٥٧، وابن ماجة في الفتن باب ٢٣، والدارمي في الرقاق باب ٦٧، وأحمد في المسند ١/ ١٧٢، ١٧٤، ١٨٠، ١٨٥.\n(^٢) راجع التخريج السابق.","vol":"5","page":315},{"text":"قلبي شعبة إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرغت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء، ولو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكرا (^١).\nقال: وقال أيوب ﵇: يا رب إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها، وأقول لنفسي يا نفس إنك لم تخلقي لوطء الفراش ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك. رواه ابن أبي حاتم.\nوقد روي عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول، وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهرا، ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن عليه الثناء.\nوقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص وقال السدي: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالرماد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب لو دعوت ربك يفرج عنك، فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحا، فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة، فجزعت من ذلك، فخرجت فكانت تعمل للناس بالأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من أهل فلسطين، كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخو كما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه، واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن شرب منه برئ، فأتياه فلما نظرا إليه بكيا، فقال:\nمن أنتما؟ فقالا: نحن فلان وفلان، فرحب بهما وقال: مرحبا بمن لا يجفوني عند البلاء، فقالا: يا أيوب لعلك كنت تسر شيئا وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء فقال: هو يعلم، ما أسررت شيئا أظهرت غيره، ولكن ربي ابتلاني لينظر أصبر أم أجزع. فقالا له: يا أيوب اشرب من خمرنا، فإنك إن شربت منه برأت.\nقال: فغضب، وقال: جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما علي حرام، فقاما من عنده، وخرجت امرأته تعمل للناس، فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصا، وكان ابنهم نائما، فكرهوا أن يوقظوه فوهبوه لها، فأتت به إلى أيوب فأنكره وقال:\nما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر، قال: فلعل الصبي قد استيقظ فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله، فانطلقي به إليه، فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء، فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص ويبكي على أهله لا يقبل منهم شيئا غيره، فقالت: ﵀، يعني أيوب،\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٤/ ٥٨٩.","vol":"5","page":316},{"text":"فدفعت إليه القرص ورجعت، ثم إن إبليس أتاها في صورة طيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سقمه، فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذبابا فليذبحه باسم صنم بني فلان، فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك، فقالت ذلك لأيوب.\nفقال: قد أتاك الخبيث، لله عليّ إن برأت أن أجلدك مائة جلدة، فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها، فلما اشتد عليها ذلك وخافت على أيوب الجوع حلقت من شعرها قرنا فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعاما طيبا كثيرا، فأتت به إلى أيوب، فلما رآه أنكره وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني، فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد، فحلقت أيضا قرنا فباعته من تلك الجارية، فأعطوها أيضا من ذلك الطعام، فأتت به أيوب فقال: والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو، فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقا جزع جزعا شديدا، فعند ذلك دعا الله ﷿، فقال: ﴿نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له مسوط، قال: وكانت امرأة أيوب تقول: ادع الله فيشفيك، فجعل لا يدعو حتى مر به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: ﴿نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾. وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ﵇ أخوان، فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شيء قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عار، فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللهم بعزتك، ثم خر ساجدا، فقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف عنه.\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعا بنحو هذا، فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه:\nوما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر له، فقال أيوب ﵇: ما أدري ما تقول، غير أن الله ﷿ يعلم أني","vol":"5","page":317},{"text":"كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، قال: وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن «اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب» رفع هذا الحديث غريب جدا.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله أين ذهب هذا المبتلى الذي كان هاهنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب، فجعلت تكلمه ساعة. فقال: ويحك أنا أيوب.\nقالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي، وبه قال ابن عباس، ورد عليه ماله وولده عيانا ومثلهم معهم. وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى أيوب قد رددت عليك أهلك ومالك، ومثلهم معهم. فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك قربانا، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال أيضا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب، فجعل يأخذ منه بيده ويجعله في ثوبه، قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال:\nيا رب ومن يشبع من رحمتك» أصله في الصحيحين وسيأتي في موضع آخر.\nوقوله: ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قد تقدم عن ابن عباس أنه قال: ردوا عليه بأعيانهم، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس أيضا، وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقتادة، وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب وصح ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب، وقد سماها ابن عساكر في تاريخه رحمه الله تعالى: قال: ويقال اسمها ليا بنت منشّا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ويقال ليا بنت يعقوب ﵇ زوجة أيوب كانت معه بأرض البثنية، وقال مجاهد: قيل له: يا أيوب إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم؟ قال: لا بل اتركهم لي في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا.\nوقال حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني عن نوف البكالي قال: أوتى أجرهم في الآخرة وأعطي مثلهم في الدنيا. قال: فحدثت به مطرفا، فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم، وكذا روي عن قتادة والسدي وغير واحد من السلف، والله أعلم. قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي فعلنا به ذلك رحمة من الله به ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما","vol":"5","page":318},{"text":"يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1253>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]</span>\n﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٦)﴾\nوأما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل ﵉، وقد تقدم ذكره في سورة مريم، وكذا إدريس ﵇، وأما ذو الكفل، فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي. وقال آخرون: إنما كان رجلا صالحا، وكان ملكا عادلا، وحكما مقسطا، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم. قال ابن جريج عن مجاهد في قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي ذا الكفل، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا.\nوروى ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا داود عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يفعل، فجمع الناس فقال: من يتقبل مني بثلاث أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه الأعين فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فرده ذلك اليوم وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا، فاستخلفه. قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة (^٢) -وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدق الباب.\nفقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا بي، وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح (^٣) وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم، ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني، قال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق، فإذا رحت فأتني.\nقال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينتظره ولا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٧١.\n(^٢) القائلة: نصف النهار.\n(^٣) الرواح: آخر النهار.","vol":"5","page":319},{"text":"لا تدع أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق عليّ النوم، فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: وراءك، وراءك، قال: إني قد أتيته أمس وذكرت له أمري، فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، قال: واستيقظ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك؟ قال: أما من قبلي والله فلم تؤت فانظر من أين أتيت، قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت فعرفه، فقال: أعدو الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبك، فسماه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث زهير بن إسحاق عن داود عن مجاهد بمثله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن مسلم قال: قال ابن عباس: كان قاض في بني إسرائيل فحضره الموت فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ قال: فقال رجل: أنا، فسمي ذا الكفل، قال: فكان ليله جميعا يصلي، ثم يصبح صائما فيقضي بين الناس، قال: وله ساعة يقيلها، قال: فكان كذلك، فأتاه الشيطان عند نومته، فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق، وقد غلبني عليه، قالوا: كما أنت حتى يستيقظ، قال: وهو فوق نائم، قال: فجعل يصيح عمدا حتى يوقظه، قال: فسمع، فقال: ما لك؟ قال إنسان مسكين له على رجل حق، قال: فاذهب فقل له يعطيك.\nقال: قد أبى، قال: اذهب أنت إليه، قال: فذهب ثم جاء من الغد فقال: ما لك؟ قال:\nذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأسا. قال: اذهب إليه فقل له يعطيك حقك، فذهب ثم جاء من الغد حين قال، قال: فقال له أصحابه: اخرج فعل الله بك تجيء كل يوم حين ينام لا تدعه ينام، قال: فجعل يصيح من أجل أني إنسان مسكين لو كنت غنيا، قال: فسمع أيضا فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فضربني، قال: امش حتى أجيء معك، قال: فهو ممسك بيده فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففر. وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابي حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحو هذه القصة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة عن كنانة بن الأخنس قال: سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي ولكن كان-يعني في بني إسرائيل-رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل، وقد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال أبو موسى الأشعري فذكره منقطعا، والله أعلم.","vol":"5","page":320},{"text":"وقد روى الإمام أحمد (^١) حديثا غريبا فقال: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر قال: سمعت من رسول الله ﷺ حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عدّ سبع مرات، ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك أكرهتك؟ قالت:\nلا ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة، قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ ثم نزل فقال: اذهبي بالدنانير لك، ثم قال: والله لا يعصي الله الكفل أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: غفر الله للكفل» هكذا وقع في هذه الرواية الكفل من غير إضافة، والله أعلم، وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث إن كل الكفل، ولم يقل ذو الكفل فلعله رجل آخر والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1254>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]</span>\n﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾\nهذه القصة مذكورة هنا وفي سورة الصافات (^٢) وفي سورة ن (^٣)، وذلك أن يونس بن متى ﵇، بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ﷿ وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وسخالها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].\nوأما يونس ﵇ فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا، قال الله تعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] أي وقعت عليه القرعة فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر-فيما قاله ابن\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٣.\n(^٢) الآيات ١٣٩ - ١٤٨.\n(^٣) سورة القلم الآيات ٤٨ - ٥٠.","vol":"5","page":321},{"text":"مسعود-حوتا يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحما ولا تهشم له عظما، فإن يونس ليس لك رزقا وإنما بطنك تكون له سجنا.\nوقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني الحوت صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ قال الضحاك لقومه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] وقال عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، أي نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر: [الطويل] فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى … تبارك ما تقدر يكن فلك الأمر\nومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أي قدر. ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل، وكذا روي عن ابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والضحاك والحسن وقتادة. وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في بطن حوت آخر في ظلمة البحر، قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى يا رب اتخذت لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس. وقال سعيد بن أبي الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يوما. رواهما ابن جرير (^١).\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر، قال: وسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، قال:\nفشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ رواه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٧٧.","vol":"5","page":322},{"text":"ابن جرير (^١)، ورواه البزار في مسنده من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، ثنا عمي، حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشي قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ أن يونس النبي ﵇ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال:\nأما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا رب ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة، قالوا: يا رب أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء.\nوقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي أخرجناه من بطن الحوت وتلك الظلمات ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء به عن سيد الأنبياء.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد عن أبيه سعد هو ابن أبي وقاص ﵁ قال: مررت بعثمان بن عفان ﵁ في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شيء، مرتين قال: لا وما ذاك؟ قلت لا، إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام، قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت بلى حتى حلف وحلفت.\nقال: ثم إن عثمان ذكر فقال بلى وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله ﷺ فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله ﷺ فقال: «من هذا، أبو إسحاق؟» قال: قلت نعم يا رسول الله، قال: «فمه» قلت: لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: «نعم دعوة ذي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٧٧، ٧٨.\n(^٢) المسند ١/ ١٧٠.","vol":"5","page":323},{"text":"النون إذ هو في بطن الحوت ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له» (^١) ورواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه سعد به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد عن المطلب بن حنطب، قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب يعني ابن سعد عن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: «من دعا بدعاء يونس استجيب له» قال أبو سعيد: يريد به ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال:\nسمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى» قال قلت يا رسول الله. هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: «هي ليونس بن متى خاصة، ولجماعة المؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله ﷿ ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط من الله لمن دعاه به».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا داود بن المحبر بن قحذم المقدسي عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن فقلت: يا أبا سعيد اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى؟ قال: ابن أخي أما تقرأ القرآن قول الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ -إلى قوله- ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1255>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]</span>\n﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)﴾\nيخبر تعالى عن عبده زكريا حين طلب أن يهبه الله ولدا يكون من بعده نبيا، وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم (^٣) وفي سورة آل عمران (^٤) أيضا، وهاهنا أخصر منها\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٨١.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٧٨.\n(^٣) انظر تفسير الآيات ٢ - ١٥ من سورة مريم.\n(^٤) انظر تفسير الآيات ٣٧ - ٤١ من سورة آل عمران.","vol":"5","page":324},{"text":"﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ أي خفية عن قومه ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ دعاء وثناء مناسب للمسألة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي امرأته، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: كانت عاقرا لا تلد فولدت. وقال عبد الرحمن بن مهدي عن طلحة بن عمرو عن عطاء: كان في لسانها طول، فأصلحها الله وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله، وهكذا قال محمد بن كعب والسدي، والأظهر من السياق الأول.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ أي في عمل القربات وفعل الطاعات ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال الثوري: رغبا فيما عندنا ورهبا مما عندنا ﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي مصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: مؤمنين حقا.\nوقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدا.\nوعن مجاهد أيضا: خاشعين أي متواضعين. وقال الحسن وقتادة والضحاك: خاشعين أي متذللين لله ﷿، وكل هذه الأقوال متقاربة.\nوقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الله القرشي عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر ﵁. ثم قال: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله ﷿ أثنى على زكريا وأهل بيته فقال:\n﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1256>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩١]</span>\n﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)﴾\nهكذا يذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى ﵉ مقرونة بقصة زكريا وابنه يحيى ﵉، فيذكر أولا قصة زكريا ثم يتبعها بقصة مريم، لأن تلك مربوطة بهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طعن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر لم تكن تلد في حال شبابها، ثم يذكر قصة مريم وهي أعجب فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر، هكذا وقع في سورة آل عمران وفي سورة مريم، وهاهنا ذكر قصة زكريا ثم أتبعها بقصة مريم بقوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ يعني مريم ﵍، كما قال في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢].\nوقوله ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أي دلالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾، و﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهذا كقوله:\n﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن علي، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن شعيب يعني ابن بشر، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله:","vol":"5","page":325},{"text":"﴿لِلْعالَمِينَ﴾ قال: العالمين الجن والإنس.\n\n<span data-type='title' id=toc-1257>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]</span>\n﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)﴾\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله:\n﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ يقول: دينكم دين واحد وقال الحسن البصري في هذه الآية يبين لهم ما يتقون وما يأتون، ثم قال: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي سنتكم سنة واحدة، فقوله إن هذه إن واسمها، وأمتكم خبر إن، أي هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم. وقوله أمة واحدة نصب على الحال، ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ كما قال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢] وقال رسول الله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» (^١) يعني أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\nوقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي اختلفت الأمم على رسلها فمن بين مصدق لهم ومكذب، ولهذا قال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ أي يوم القيامة، فيجازي كل بحسب عمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي قلبه مصدق وعمل صالحا ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ كقوله: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] أي لا يكفر سعيه وهو عمله بل يشكر فلا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ أي يكتب جميع عمله فلا يضيع عليه منه شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1258>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٥ إلى ٩٧]</span>\n﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ (٩٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: وجب، يعني قد قدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرح به ابن عباس وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد. وفي رواية عن ابن عباس: أنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والقول الأول أظهر، والله أعلم. وقوله: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ قد قدمنا أنهم من سلالة آدم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤٦٣، ٥٤١. وأولاد العلات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد، أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة.","vol":"5","page":326},{"text":"﵇، بل هم من نسل نوح أيضا من أولاد يافث، أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين، وقال: ﴿هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٨ - ٩٩] الآية، وقال في هذه الآية الكريمة ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أي يسرعون في المشي إلى الفساد، والحدب هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس وعكرمة وأبو صالح والثوري وغيرهم، وهذه صفتهم في حال خروجهم كأن السامع مشاهد لذلك ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض لا إله إلا هو.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عبيد الله بن يزيد قال: رأى ابن عباس صبيانا ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ابن عباس:\nهكذا يخرج يأجوج ومأجوج، وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية.\n[فالحديث الأول] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «تفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله ﷿:\n﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيغشون الناس وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسا، حتى أن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان هاهنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء.\nقال: ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دما للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك بعث الله ﷿ دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشرى لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسبا نفسه قد أوطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله ﷿ قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لهم رعي إلا لحومهم، فتشكر عنهم كأحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط»، ورواه ابن ماجة (^٣) من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق به.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٨٤.\n(^٢) المسند ٣/ ٧٧.\n(^٣) كتاب الفتن باب ٣٣.","vol":"5","page":327},{"text":"[الحديث الثاني] قال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه، أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال:\nذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل.\nفقال: «غير الدجال أخوفني عليكم. فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه شاب جعد قطط عينه طافية، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وشمالا يا عباد الله اثبتوا-قلنا:\nيا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ -قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، يوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم» قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي هو كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: «لا اقدروا له قدره» قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في الأرض؟ قال كالغيث اشتد به الريح، قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت ذرى، أمده خواصر، وأسبغه ضروعا، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل-.\nقال-ويأمر برجل فيقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ﷿ المسيح عيسى ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا يديه على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي-قال-فبينما هم كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم ﵇ أني قد أخرجت عبادا من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فحوّز عبادي إلى الطور، فيبعث الله ﷿ يأجوج ومأجوج، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿، فيرسل عليهم نغفا في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتا إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم.\nفيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿، فيرسل الله عليهم طيرا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله»، قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: فتطرحهم بالمهبل، قال ابن جابر: فقلت يا أبا يزيد، وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس. قال: «ويرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر أربعين يوما، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ويقال للأرض: أنبتي ثمرك ودري بركتك، قال: فيومئذ يأكل النفر من الرمانة فيستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس،\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٨١، ١٨٢.","vol":"5","page":328},{"text":"واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ﷿ ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم-أو قال: كل مؤمن-ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة» (^١)، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، ورواه مع بقية أهل السنن من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\n[الحديث الثالث] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو عن ابن حرملة، عن خالته قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب، فقال: «إنكم تقولون لا عدو لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى يأتي يأجوج ومأجوج:\nعراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشغاف، من كل حدب ينسلون كأن وجوههم المجان المطرقة»، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث محمد بن عمرو عن خالد بن عبد الله بن حرملة المدلجي، عن خالة له، عن النبي ﷺ، فذكره مثله سواء.\n[الحديث الرابع] قد تقدم في آخر تفسير سورة الأعراف من رواية الإمام أحمد عن هشيم، عن العوام، عن جبلة بن سحيم، عن موثر بن عفازة، عن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈-قال فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى، فقال:\nلا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلى ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال:\nفيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا، فتعال فاقتله.\nقال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم-قال-فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه-قال-ثم يرجع الناس إليّ يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلا أو نهارا».\nورواه ابن ماجة (^٣) عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به نحوه، وزاد: قال العوام: ووجد تصديق ذلك في كتاب الله ﷿ ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١١٠، والترمذي في الفتن باب ٥٩، وابن ماجة في الفتن باب ٣٣.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٧١.\n(^٣) كتاب الفتن باب ٣٣.","vol":"5","page":329},{"text":"﴿وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ورواه ابن جرير (^١) هاهنا من حديث جبلة به. والأحاديث في هذا كثيرة جدا والآثار عن السلف كذلك.\nوقد روى ابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم من حديث معمر عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي الصيف قال: قال كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول نجيء غدا فنخرج فيعيده الله كما كان، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدا فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا، فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون: قد كان هاهنا مرة ماء، فيفر الناس منهم فلا يقوم لهم شيء، ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع إليهم مخضبة بالدماء، فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم ﵇، فيقول: اللهم لا طاقة ولا يد لنا بهم، فاكفناهم بما شئت.\nفيسلط الله عليهم دودا يقال له النغف، فيفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيرا تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عينا يقال لها الحياة يطهر الله الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن، وقيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت، قال: فبينما الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، قال فيبعث عيسى ابن مريم طليعة سبعمائة أو بين السبعمائة والثمانمائة حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله ريحا يمانية طيبة فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج الناس، فيتسافدون كما تتسافد البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه متى تضع، قال كعب: فمن قال بعد قولي هذا شيئا أو بعد علمي هذا شيئا فهو المتكلف، وهذا من أحسن سياقات كعب الأحبار لما شهد له من صحيح الأخبار.\nوقد ثبت في الحديث أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمران عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج» انفرد بإخراجه البخاري (^٤) وقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني يوم القيامة إذا حصلت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت فإذا كانت ووقعت، قال الكافرون: ﴿هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي من شدة ما يشاهدونه من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٨٥، ٨٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٨٦.\n(^٣) المسند ٣/ ٢٧، ٢٨.\n(^٤) كتاب الحج باب ٤٧.","vol":"5","page":330},{"text":"الأمور العظام ﴿يا وَيْلَنا﴾ أي يقولون يا ويلنا ﴿قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾ أي في الدنيا ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ يعترفون بظلمهم لأنفسهم حيث لا ينفعهم ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1259>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٨ إلى ١٠٣]</span>\n﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾\nيقول تعالى مخاطبا لأهل مكة من مشركي قريش ومن دان بدينهم من عبدة الأصنام والأوثان: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: أي وقودها (^١) يعني كقوله: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وقال ابن عباس أيضا: حصب جهنم يعني شجر جهنم، وفي رواية قال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يعني حطب جهنم بالزنجية. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها، وهي كذلك في قراءة علي وعائشة ﵄، وقال الضحاك:\nحصب جهنم أي ما يرمى به فيها، وكذا قال غيره، والجميع قريب. وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ أي داخلون ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها﴾ يعني لو كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله آلهة صحيحة لما وردوا النار وما دخلوها ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أي العابدون ومعبوداتهم كلهم فيها خالدون ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] والزفير خروج أنفاسهم، والشهيق ولوج أنفاسهم ﴿وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عبد الرحمن يعني المسعودي عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن خبّاب عن ابن مسعود، فذكره.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ قال عكرمة: الرحمة. وقال غيره السعادة ﴿أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقال:\n﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٨٩.","vol":"5","page":331},{"text":"مآبهم وثوابهم، ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب، فقال: ﴿أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أي حريقها في الأجساد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن أبيه عن الحريري عن أبي عثمان ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال حس حس. وقوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا محمّد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن ليث بن أبي سليم عن ابن عم النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير قال: وسمر مع علي ذات ليلة، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ قال: أنا منهم وعمر منهم وعثمان منهم والزبير منهم وطلحة منهم وعبد الرحمن منهم، أو قال: سعد منهم، قال: أقيمت الصلاة، فقام وأظنه يجر ثوبه وهو يقول: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾.\nوقال شعبة عن أبي بشر عن يوسف المكي عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليا يقول في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ قال: عثمان وأصحابه، ورواه ابن أبي حاتم أيضا، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد، وليس بابن ماهك عن محمد بن حاطب عن علي فذكره ولفظه عثمان منهم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فأولئك أولياء الله يمرون على الصراط مرا هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثيا، فهذا مطابق لما ذكرناه.\nوقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزيز والمسيح، كما قال حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ فيقال: هم الملائكة وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله ﷿، وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج.\nوقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ قال نزلت في عيسى ابن مريم وعزيز ﵉، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ عن علي في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى ابن مريم إسناده ضعيف. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ قال:\nعيسى وعزيز والملائكة. وقال الضحاك: عيسى ومريم والملائكة والشمس والقمر.\nوكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وغير واحد، وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك","vol":"5","page":332},{"text":"حديثا غريبا جدا، فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرخاني، حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، حدثنا الليث بن أبي سليم عن مغيث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ قال: عيسى وعزيز والملائكة، وذكر بعضهم قصة ابن الزبعرى ومناظرة المشركين قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي ﷺ فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ فقال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزيز وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ثم نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه الأحاديث المختارة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان يعني الثوري عن الأعمش عن أصحابه عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قال المشركون: فالملائكة وعزيز وعيسى يعبدون من دون الله فنزلت ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها﴾ الآلهة التي يعبدون ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ وروي عن أبي كدينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل ذلك وقال: فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀ في كتاب السيرة: وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغني يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ ثم قال رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي حتى جلس معهم، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا ولا قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا كل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيزا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته».","vol":"5","page":333},{"text":"وأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ أي عيسى وعزيز ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله، ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ونزل فيما ذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ [الزخرف: ٥٩] أي ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] وهذا الذي قاله ابن الزبعرى خطأ كبير، لأن الآية إنما نزلت خطابا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعا وتوبيخا لعابديها، ولهذا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فكيف يورد على هذا المسيح وعزيز ونحوهما من له عمل صالح ولم يرض بعبادة من عبده، وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن (ما) لما لا يعقل عند العرب (^١)، وقد أسلم عبد الله بن الزبعرى بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين، وقد كان يهاجي المسلمين أولا ثم قال معتذرا: [الخفيف] يا رسول المليك إن لساني … راتق ما فتقت إذ أنا بور (^٢)\nإذ أجاري الشيطان في سنن الغيّ … ومن مال ميله مثبور\nوقوله: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ قيل: المراد بذلك الموت، رواه عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة عن عطاء وقيل: المراد بالفزع الأكبر النفخة في الصور، قاله العوفي عن ابن عباس وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره، وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار، قاله الحسن البصري، وقيل: حين تطبق النار على أهلها، قاله سعيد بن جبير وابن جريج، وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار، قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه ابن أبي\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٣٥٨ - ٣٦٠، وتفسير الطبري ٩/ ٩١، ٩٢.\n(^٢) البيتان في ديوان عبد الله بن الزبعرى ص ٣٦، والبيت الأول من لسان العرب (بور)، وجمهرة اللغة ص ١٠٢٠، والمخصص ٣/ ٤٨، ٧/ ٣٠، ٣١١، ١٤/ ٣٣، وتاج العروس (ملك)، ومقاييس اللغة ١/ ٣١٦. وسمط اللآلي ص ٣٨٨، وهو لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص ٩٥، ولعبد الله بن رواحة أو لعبد الله بن الزبعرى في تاج العروس (بور)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣٣٠، وتهذيب اللغة ١٥/ ٢٦٧.","vol":"5","page":334},{"text":"حاتم عنه، وقوله ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ يعني تقول لهم الملائكة تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي فأملوا ما يسركم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1260>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]</span>\n﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ (١٠٤)﴾\nيقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] وقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه» (^١) انفرد به من هذا الوجه البخاري ﵀.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن سلمة عن أبي واصل عن أبي المليح الأزدي عن أبي الجوزاء الأزدي عن ابن عباس قال: يطوي الله السموات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه يكون ذلك كله في يديه بمنزلة خردلة.\nوقوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قيل: المراد بالسجل الكتاب، وقيل المراد بالسجل هاهنا ملك من الملائكة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا أبو الوفاء الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: أكتبها نورا، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان به.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن السجل ملك، وقال السدي في هذه الآية السجل ملك موكل بالصحف فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل، فطواه ورفعه إلى يوم القيامة، وقيل: المراد به اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي ﷺ الوحي.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: السجل هو الرجل، قال نوح: وأخبرني يزيد بن كعب هو العوذي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبي ﷺ، وهكذا رواه أبو داود والنسائي، كلاهما عن قتيبة بن سعد عن نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٦.","vol":"5","page":335},{"text":"الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: السجل كاتب للنبي ﷺ، ورواه ابن جرير عن نصر بن علي الجهضمي، كما تقدم، ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ كاتب يسمى السجل، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: كما يطوي السجل الكتاب كذلك تطوى السماء، ثم قال: وهو غير محفوظ.\nوقال الخطيب البغدادي في تاريخه: أنبأنا أبو بكر البرقاني، أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي أن حمدان بن سعيد، حدثهم عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: السجل كاتب للنبي ﷺ، وهذا منكر جدا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لا يصح أيضا، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه وإن كان في سنن أبي داود منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي فسح الله في عمره ونسأ في أجله، وختم له بصالح عمله، وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدته ولله الحمد.\nوقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) للإنكار على هذا الحديث، ورده أتم رد، وقال:\nلا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي ﷺ معروفون وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق ﵀ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكره في أسماء الصحابة، فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره، والله أعلم، والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة، والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ يعني هذا كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقا جديدا كما بدأهم هو القادر على إعادتهم. وذلك واجب الوقوع لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾. وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع وابن جعفر المعني قالا حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة:\nفقال: «إنكم محشورون إلى الله ﷿ حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٩٥.\n(^٢) المسند ١/ ٢٣٥.","vol":"5","page":336},{"text":"علينا، إنا كنا فاعلين» (^١) وذكر تمام الحديث، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، ذكره البخاري عند هذه الآية في كتابه، وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة عن رسول الله ﷺ نحو ذلك، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ قال: يهلك كل شيء كما كان أول مرة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1261>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]</span>\n﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] وقال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية وهو كائن لا محالة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾.\nقال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فقال الزبور: التوراة والإنجيل، والقرآن وقال مجاهد: الزبور الكتاب، وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور الذي أنزل على داود، والذكر التوراة.\nوعن ابن عباس: الذكر القرآن، وقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء. وقال مجاهد:\nالزبور الكتب بعد الذكر والذكر أم الكتاب عند الله، واختار ذلك ابن جرير ﵀، وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول، وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والذكر أمّ الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر الله ﷾ في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة محمد ﷺ الأرض، ويدخلهم الجنة وهم الصالحون. وقال مجاهد عن ابن عباس ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ قال: أرض الجنة، وكذا قال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح والربيع بن أنس والثوري، وقال أبو الدرداء نحن الصالحون. وقال السدي: هم المؤمنون.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥، باب ١٤، وسورة ٢١ باب ٢، والرقاق باب ٤٥، ومسلم في الجنة حديث ٥٨، والترمذي في القيامة باب ٣، وتفسير سورة ٢١، باب ٤، والنسائي في الجنائز باب ١١٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٩٦.","vol":"5","page":337},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أي إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد ﷺ لبلاغا: لمنفعة وكفاية لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان، وشهوات أنفسهم.\nوقوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يخبر تعالى أن الله جعل محمدا ﷺ رحمة للعالمين أي أرسله رحمة لهم كلهم فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩] وقال تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال مسلم في صحيحه حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن ابن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين. قال «إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة» انفرد بإخراجه مسلم (^١). وفي الحديث الآخر «إنما أنا رحمة مهداة» (^٢) رواه عبد الله بن أبي عوانة وغيره عن وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا. قال إبراهيم الحربي. وقد رواه غيره عن وكيع فلم يذكر أبا هريرة. وكذا قال البخاري وقد سئل عن هذا الحديث، فقال: كان عند حفص بن غياث مرسلا.\nقال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه مالك بن سعيد الخمس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا، ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقرئ وأبي أحمد الحاكم، كلاهما عن بكر بن محمد بن إبراهيم الصوفي، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري عن أبي أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما أنا رحمة مهداة» ثم أورده من طريق الصلت بن مسعود عن سفيان بن عيينة عن مسعر عن سعيد بن خالد، عن رجل عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله بعثني رحمة مهداة بعثت برفع قوم وخفض آخرين».\nقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان، حدثنا أحمد بن صالح قال: وجدت كتابا بالمدينة عن عبد العزيز الدراوردي وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن صالح التمار عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدا نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئا، فاحذروا أن تمروا طريقه\n_________\n(^١) كتاب البر حديث ٨٧.\n(^٢) أخرجه الدارمي في المقدمة باب ٣.","vol":"5","page":338},{"text":"أو تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، إنه حق عليكم لأنكم نفيتموه نفي القردان عن المناسم، والله إن له لسحرة ما رأيته قط ولا أحدا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة يعني الأوس والخزرج، فهو عدو استعان بعدو، فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم والله ما رأيت أحدا أصدق لسانا، ولا أصدق موعدا من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم، فكونوا أكف الناس عنه.\nقال أبو سفيان بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه إن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، وإن أطعتموني ألجأتموهم حير كنانة أو تخرجوا محمدا من بين ظهرانيهم، فيكون وحيدا مطرودا، وأما ابنا قيلة فوالله ما هما وأهل دهلك في المذلة إلا سواء وسأكفيكم حدهم، وقال:\nسأمنح جانبا مني غليظا … على ما كان من قرب وبعد\nرجال الخزرجية أهل ذلّ … إذا ما كان هزل بعد جدّ\nفبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال «والذي نفسي بيده، لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» وقال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحا.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثني عمرو بن قيس عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ، فجاء حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة إن رسول الله ﷺ خطب فقال: «أيما رجل من أمتي سببته في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، وإنما بعثني الله رحمة للعالمين فأجعلها صلاة عليه يوم القيامة».\nورواه أبو داود (^٢) عن أحمد بن يونس عن زائدة، فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا إسحاق الأزرق عن المسعودي عن رجل يقال له سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قال: من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث المسعودي عن أبي سعد وهو سعيد بن المرزبان البقال\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٤٣٧.\n(^٢) كتاب السنة باب ١٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٩/ ١٠٠.","vol":"5","page":339},{"text":"عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره بنحوه، والله أعلم، وقد رواه أبو القاسم الطبراني عن عبدان ابن أحمد عن عيسى بن يونس الرملي عن أيوب بن سويد عن المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف.\n\n<span data-type='title' id=toc-1262>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٨ إلى ١١٢]</span>\n﴿قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله صلواته وسلامه عليه أن يقول للمشركين ﴿إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي متبعون على ذلك مستسلمون منقادون له ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي تركوا ما دعوتهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي بريء منكم كما أنتم برآء مني، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا هاهنا ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي أعلمتكم ببراءتي منكم وبراءتكم مني لعلمي بذلك.\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أي هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ اي إن الله يعلم الغيب جميعه ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك القليل والجليل. وقوله:\n﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ أي وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين.\nقال ابن جرير (^١): لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى، وحكاه عون عن ابن عباس فالله أعلم ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق. قال قتادة: كانت الأنبياء ﵈ يقولون: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وأمر رسول الله ﷺ أن يقول ذلك، وعن مالك عن زيد بن أسلم:\nكان رسول الله ﷺ إذا شهد قتالا ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي على ما يقولون ويفترون من الكذب ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك.\nآخر تفسير سورة الأنبياء ﵈ ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٠٢.","vol":"5","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1263>سورة الحج</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1264>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١ إلى ٢]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده بتقواه ومخبرا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة: هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟ كما قال تعالى: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ [الزلزلة: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٤ - ١٥] الآية، وقال تعالى: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥٤ - ٥٦] الآية، فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ قال: قبل الساعة، ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن علقمة فذكره، قال: وروي عن الشعبي وإبراهيم وعبيد بن عمير نحو ذلك. وقال أبو كدينة عن عطاء بن عامر الشعبي ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.\nوقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر» قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: قرن. قال: فكيف هو؟ قال: «قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى. فيقول: انفخ نفخة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٠٤.","vol":"5","page":341},{"text":"الفزع، فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ فتسير الجبال فتكون سرابا، وترج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح فيمتد الناس على ظهرها.\nفتذهل المراضع وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب في وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣] فبينما هم على ذلك إذا انصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به. ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم-قال رسول الله ﷺ: «والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك» قال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [النمل: ٨٧] قال «أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾».\nوهذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير (^١) وابن أبي حاتم وغير واحد مطولا جدا، والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال أشراط الساعة ونحو ذلك، والله أعلم، وقال آخرون بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث:\n[الأول] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى عن هشام، حدثنا قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير (^٣) رفع بهاتين الآيتين صوته. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ فلما سمع أصحابه بذلك حثوا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٠٥.\n(^٢) المسند ٤/ ٤٣٥.\n(^٣) تفاوت بين أصحابه السير: أي بعدوا عن بعضهم.","vol":"5","page":342},{"text":"المطي (^١)، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما دنوا حوله قال: «أتدرون أي يوم ذاك، ذاك يوم ينادى آدم ﵇ فيناديه ربه ﷿، فيقول: يا آدم ابعث بعثك إلى النار، فيقول:\nيا رب وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة» قال: فأبلس أصحابه (^٢) حتى ما أوضحوا بضاحكة (^٣)، فلما رأى ذلك قال: «أبشروا واعملوا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس».\nقال: فسري عنهم (^٤)، ثم قال: «اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو الرقمة (^٥) في ذراع الدابة» (^٦) وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما عن محمد بن بشار عن يحيى وهو القطان، عن هشام وهو الدستوائي عن قتادة به بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n[طريق آخر] لهذا الحديث. قال الترمذي (^٧): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا ابن جدعان عن الحسن عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر، فقال: «أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال-ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة» فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ: «قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت، وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم الا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» -فكبروا ثم قال-: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» -فكبروا ثم قال-: «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» فكبروا ثم قال:\nولا أدري قال الثلثين أم لا.\nوكذا رواه الإمام أحمد (^٨) عن سفيان بن عيينة به. ثم قال الترمذي أيضا: هذا حديث حسن\n_________\n(^١) حثوا المطي: أي دفعوها لتسرع.\n(^٢) أبلس أصحابه: أي احتاروا وسكتوا.\n(^٣) ما أوضحوا بضاحكة: الضاحكة: الأسنان والأضراس الخلفية التي تبدو عند الضحك.\n(^٤) سري عنهم: أي كشف وأزيل عنهم وارتاحوا.\n(^٥) الرقمة، بفتح الراء، وسكون القاف: الدائرة الناتئة في ذراع الدابة من الداخل.\n(^٦) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٢٢، باب ٢.\n(^٧) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٢، باب ١.\n(^٨) المسند ٤/ ٤٣٢.","vol":"5","page":343},{"text":"صحيح. وقد روي عن سعيد بن أبي عروبة عن الحسن عن عمران بن الحصين وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن والعلاء بن زياد العدوي عن عمران بن الحصين فذكره، وهكذا روى ابن جرير عن بندار عن غندر عن عوف عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة العسرة ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة قرأ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وذكر الحديث فذكر نحو سياق ابن جدعان، والله أعلم.\n[الحديث الثاني] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن الطباع، حدثنا أبو سفيان المعمري، عن معمر عن قتادة عن أنس قال: نزلت ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وذكر، يعني نحو سياق الحسن عن عمران غير أنه قال: ومن هلك من كفرة الجن والإنس. ورواه ابن جرير (^١) بطوله من حديث معمر.\n[الحديث الثالث] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد يعني ابن العوام، حدثنا هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية فذكر نحوه، وقال فيه «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة-ثم قال-إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة-ثم قال-إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ففرحوا، وزاد أيضا «وإنما أنتم جزء من ألف جزء».\n[الحديث الرابع] قال البخاري (^٢) عند تفسير هذه الآية: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف-أراه قال-تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم. قال النبي ﷺ «من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة-فكبرنا ثم قال-ثلث أهل الجنة-فكبرنا ثم قال-شطر أهل الجنة» فكبرنا (^٣)، وقد رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع، ومسلم والنسائي في تفسيره من طرق عن الأعمش به.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٠٧.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٢، باب ١.\n(^٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٥، ٤٦، والتوحيد باب ٣٢، ومسلم في الإيمان حديث ٣٧٩، والفتن حديث ١١٦.","vol":"5","page":344},{"text":"[الحديث الخامس] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عمارة بن محمد ابن أخت سفيان الثوري وعبيدة المعنى، كلاهما عن إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي: يا آدم إن الله يأمرك أن تبعث بعثا من ذريتك إلى النار، فيقول آدم: يا رب من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعون» فقال رجل من القوم: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟ قال: «هل تدرون ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير» انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد.\n[الحديث السادس] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى عن حاتم بن أبي صفيرة، حدثنا ابن أبي مليكة أن القاسم بن محمد أخبره عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قالت عائشة: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال «يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك» (^٣) أخرجاه في الصحيحين.\n[الحديث السابع] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه، يوم القيامة؟ قال: «يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطي بيمينه وإما يعطي بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر، وكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد-قال-فينطوي عليهم. ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذون من شاء الله، والناس عليه كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم، سلم. فناج مسلم، ومخدوش مسلم، مكور في النار على وجهه».\nوالأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جدا لها موضع آخر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ أي أمر عظيم، وخطب جليل، وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب، والزلزال هو ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١].\nثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرا له: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ﴾\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٨٨.\n(^٢) المسند ٦/ ٥٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٥، ومسلم في الجنة حديث ٥٦.\n(^٤) المسند ٦/ ١١٠.","vol":"5","page":345},{"text":"﴿مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ أي فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ ولم يقل مرضع، وقال:\n﴿عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ أي عن رضيعها قبل فطامه.\nوقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أي قبل تمامه لشدة الهول ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ وقرئ ﴿سُكارى﴾ أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم، فمن رآهم حسب أنهم سكارى ﴿وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1265>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣ إلى ٤]</span>\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)﴾\nيقول تعالى ذاما لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضا عما أنزل الله على أنبيائه متبعا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل البدع والضلال المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي علم صحيح ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قال مجاهد: يعني الشيطان (^١)، يعني كتب عليه كتابة قدرية ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ﴾ أي اتبعه وقلده ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أي يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المقلق المزعج، وقد قال السدي عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، وكذلك قال ابن جريج.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن مسلم البصري، حدثنا عمرو بن المحرم أبو قتادة، حدثنا المعمر، حدثنا أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش أخبرنا عن ربكم من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فقعقعت السماء قعقعة-والقعقعة في كلام العرب الرعد-فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو من در أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٠٩.","vol":"5","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1266>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥ إلى ٧]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾\nلما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي في شك ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ وهو المعاد، وقيام الأرواح والأجساد، يوم القيامة ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي أصل برئه لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم ﵇ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي ثم ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ … ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت أربعين يوما كذلك يضاعف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يوما، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء، فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي كما تشاهدونها ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق (^١)، فإذا مضى عليها أربعون يوما وهي مضغة، أرسل الله تعالى ملكا إليها فنفخ فيها الروح وسواها كما يشاء الله ﷿ من حسن وقبح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد.\nكما ثبت في الصحيحين من حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح» (^٢).\nوروى ابن أبي حاتم وابن جرير (^٣) من حديث داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله قال: النطفة إذا استقرت في الرحم، أخذها ملك بكفه فقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما، وإن قيل: مخلقة قال: أي رب ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، ما الأجل وما الأثر، وبأي أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال من رازقك؟ فتقول الله، فيقال له: اذهب إلى أم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١١٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ١، ومسلم في القدر حديث ١.\n(^٣) تفسير الطبري ٩/ ١١٠.","vol":"5","page":347},{"text":"الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها وتطأ أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان، ثم تلا عامر الشعبي ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن كانت مخلقة نكست في الخلق.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي ﷺ قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين يوما أو خمس وأربعين، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول الله ويكتبان، فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص» (^١) ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة ومن طريق آخر عن أبي الطفيل بنحو معناه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي ضعيفا في بدنه وسمعه وبصره وبطشه وعقله، ثم يعطيه الله القوة شيئا فشيئا، ويلطف به ويحنن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي يتكامل القوي ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المظهر، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ أي في حال شبابه وقواه، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا قال: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].\nوقد قال الحافظ أبو يعلى بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد الزيات، حدثني داود أبو سليمان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري عن أنس بن مالك رفع الحديث قال: «المولود حتى يبلغ الحنث (^٢) ما عمل من حسنة كتبت لوالده أو لوالدته، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث أجرى الله عليه القلم أمر الملكان اللذان معه أن يحفظا وأن يشددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام أمنه الله من البلايا الثلاث: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين، خفف الله حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب. فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء. فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكتب أمين الله وكان أسير الله في أرضه، فإذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في القدر حديث ٢، وأحمد في المسند ٤/ ٧.\n(^٢) يبلغ الحنث: أي يبلغ مبلغ الرجال.","vol":"5","page":348},{"text":"بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا كتب الله مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه».\nهذا حديث غريب جدا، وفيه نكارة شديدة، ومع هذا قد رواه الإمام أحمد بن حنبل (^١) في مسنده موقوفا ومرفوعا، فقال: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا محمد بن عامر عن محمد بن عبد الله العامري، عن عمرو بن جعفر عن أنس قال: «إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة، أمنه الله من أنواع البلايا: من الجنون، والبرص، والجذام، فإذا بلغ الخمسين لين الله حسابه، وإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه الله عليها، وإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، وإذا بلغ الثمانين تقبل الله حسناته ومحا عنه سيئاته وإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمي أسير الله في أرضه وشفع في أهله» ثم قال: حدثنا هاشم، حدثنا الفرج، حدثني محمد بن عبد الله العامري عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ مثله.\nرواه الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا أنس بن عياض، حدثني يوسف بن أبي بردة الأنصاري عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والبرص، والجذام» وذكر تمام الحديث كما تقدم سواء، رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبد الله بن شبيب عن أبي شيبة عن عبد الله بن عبد الملك عن أبي قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري عن عمه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة لين الله له الحساب، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين تقبل الله منه حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في أرضه وشفع في أهل بيته».\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً﴾ هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى كما يحيي الأرض الميتة الهامدة، وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء. وقال قتادة: غبراء متهشمة. وقال السدي: ميتة، ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي فإذا أنزل الله عليها المطر، اهتزت أي تحركت بالنبات، وحييت بعد موتها، وربت أي ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون من ثمار وزروع وأشتات\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٨٩.\n(^٢) المسند ٣/ ٢١٧، ٢١٨.","vol":"5","page":349},{"text":"النبات في اختلاف ألوانها وطعومه وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي حسن المنظر طيب الريح.\nوقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي الخالق المدبر الفعال لما يشاء ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ أي كائنة لا شك فيها ولا مرية، ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمما ويوجدهم بعد العدم، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٠] والآيات في هذا كثيرة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين العقيلي واسمه لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول الله أكلنا يرى ربه ﷿ يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول الله ﷺ: «أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليا به؟» قلنا: بلى، قال: «فالله أعظم» قال: قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي أهلك محلا؟» (^٢) قال: بلى. قال:\nثم مررت به يهتز خضرا؟» قال: بلى. قال «فكذلك يحيي الله الموتى وذلك آيته في خلقه» (^٣).\nورواه أبو داود وابن ماجة من حديث حماد بن سلمة به.\nثم رواه الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر عن سليمان بن موسى عن أبي رزين العقيلي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال «أمررت بأرض من أرض قومك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة؟» قال: نعم. قال «كذلك النشور» والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيس بن مرحوم، حدثنا بكير بن السميط عن قتادة عن أبي الحجاج عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل الجنة.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١١.\n(^٢) المحل: انقطاع المطر، ويقال: أرض محل، وزمن محل وماحل.\n(^٣) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٩، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣.\n(^٤) المسند ٤/ ١١.","vol":"5","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1267>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ إلى ١٠]</span>\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾\nلما ذكر تعالى حال الضلال الجهال المقلدين في قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبدع فقال: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي بلا عقل صحيح، ولا نقل صحيح صريح، بل بمجرد الرأي والهوى. وقوله: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قال ابن عباس وغيره: مستكبر عن الحق إذا دعي إليه، وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي لاوي عنقه (^١) وهي رقبته، يعني يعرض عما يدعى إليه من الحق، ويثني رقبته استكبارا، كقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٨ - ٣٩] الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] وقال تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] وقال لقمان لابنه ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] أي تميله عنهم استكبارا عليهم، وقال تعالى:\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧] الآية.\nوقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ قال بعضهم: هذه لام العاقبة، لأنه قد لا يقصد ذلك، ويحتمل أن تكون لام التعليل. ثم إما أن يكون المراد بها المعاندين أو يكون المراد بها أن هذا الفاعل لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق الدنيء لنجعله ممن يضل عن سبيل الله. ثم قال تعالى:\n﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ وهو الإهانة والذل، كما أنه لما استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا وعاقبه فيها قبل الآخرة، لأنها أكبر همه ومبلغ علمه ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أي يقال له هذا تقريعا وتوبيخا ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٤٧ - ٥٠]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام عن الحسن قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1268>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١١ إلى ١٣]</span>\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾\nقال مجاهد وقتادة وغيرهما: ﴿عَلى حَرْفٍ﴾ على شك، وقال غيرهم: على طرف، ومنه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١١٤.","vol":"5","page":351},{"text":"حرف الجبل أي طرفه، أي دخل في الدين على طرف فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر.\nوقال البخاري (^١): حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن ابي بكير، حدثنا إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي ﷺ فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ الآية.\nوقال العوفي عن ابن عباس: كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما رضي به، واطمأن إليه، وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرا، ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ والفتنة البلاء، أي وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرا، وذلك الفتنة (^٢)، وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر (^٣).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ أي ارتد كافرا.\nوقوله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ﴾ أي فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أي هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة وقوله: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ أي من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها وهي لا تنفعه ولا تضره ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ وقوله: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ أي ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٢، باب ٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ١١٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٩/ ١١٦.","vol":"5","page":352},{"text":"وقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ قال مجاهد: يعني الوثن (^١)، يعني بئس هذا الذي دعاه من دون الله مولى، يعني وليا وناصرا، ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ وهو المخالط والمعاشر، واختار ابن جرير أن المراد لبئس ابن العم والصاحب ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ وقول مجاهد إن المراد به الوثن أولى وأقرب إلى سياق الكلام، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1269>[سورة الحج (٢٢): آية ١٤]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾\nلما ذكر أهل الضلالة الأشقياء عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضات الجنات، ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1270>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٥ إلى ١٦]</span>\n﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾\nقال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ﷺ في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب أي بحبل ﴿إِلَى السَّماءِ﴾ أي سماء بيته ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ يقول ثم ليختنق به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وأبو الجوزاء وقتادة وغيرهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ﴾ أي ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإن النصر إنما يأتي محمدا من السماء ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ذلك عنه إن قدر على ذلك، وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم، فإن المعنى من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه، فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة، قال الله تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] الآية، ولهذا قال: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قال السدي: يعني من شأن محمد ﷺ.\nوقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيط. وقوله:\n﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾ أي القرآن ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس، ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] أما هو فلحكمته ورحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١١٧.","vol":"5","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1271>[سورة الحج (٢٢): آية ١٧]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾\nيخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين ومن سواهم من اليهود والصابئين، وقد قدمنا في سورة البقرة (^١) التعريف بهم واختلاف الناس فيهم، والنصارى والمجوس والذين أشركوا فعبدوا مع الله غيره، فإنه تعالى: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1272>[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)﴾\nيخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء مما يختص به، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] وقال هاهنا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي من الملائكة في أقطار السموات، والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ إنما ذكر هذه على التنصيص، لأنها قد عبدت من دون الله فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] الآية.\nوفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «أتدري أين تذهب هذه الشمس؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت» (^٢) وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة في حديث الكسوف «إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله ﷿ إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له» (^٣).\nوقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم\n_________\n(^١) انظر تفسير الآية ٦٢ من سورة البقرة.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٤، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٠، ٢٥١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الاستسقاء باب ٣، والنسائي في الكسوف باب ١٦، وابن ماجة في الإقامة باب ١٥٢، وأحمد في المسند ٤/ ٢٦٧، ٢٦٩.","vol":"5","page":354},{"text":"لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه (^١)، وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل، وعن ابن عباس قال: جاء رجل فقال:\nيا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس: فقرأ رسول الله ﷺ:\nسجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة (^٢)، رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه.\nوقوله: ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ أي الحيوانات كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ، نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر (^٣)، فرب مركوبة خير وأكثر ذكرا لله تعالى من راكبها.\nوقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ أي يسجد لله طوعا مختارا متعبدا بذلك ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾ أي ممن امتنع وأبى واستكبر ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدثنا القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال: قيل لعلي: إن هاهنا رجلا يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله خلقك الله كما يشاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء. قال: فيمرضك إذ شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث يشاء أو حيث شاء؟ قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف.\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (^٤) رواه مسلم.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا:\nحدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا مشرح بن هاعان أبو مصعب المعافري قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال «نعم فمن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٢٢.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الجمعة باب ٥٥، والدعوات باب ٣٣، وابن ماجة في الإقامة باب ٧٠.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٥٥.\n(^٤) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٣٣، وابن ماجة في الإقامة باب ٧٠، وأحمد في المسند ٦/ ٤٠٠.\n(^٥) المسند ٤/ ١٥١، ١٥٢.","vol":"5","page":355},{"text":"لم يسجد بهما فلا يقرأهما» (^١) ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن لهيعة به. وقال الترمذي: ليس بقوي، وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح فيه بالسماع، وأكثر ما نقموا عليه تدليسه.\nوقد قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن عامر بن جشب عن خالد بن معدان ﵀ أن رسول الله ﷺ قال:\n«فضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين» ثم قال أبو داود: وقد أسند هذا، يعني من غير هذا الوجه ولا يصح. وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثني ابن أبي داود، حدثنا يزيد بن عبد الله، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو، حدثنا حفص بن عنان، حدثني نافع قال:\nحدثني أبو الجهم أن عمر سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين.\nوروى أبو داود وابن ماجة من حديث الحارث بن سعيد العتقي عن عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ، أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج (^٢) سجدتان، فهذه شواهد يشد بعضها بعضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1273>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢]</span>\n﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾\nثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر: أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر (^٣)، لفظ البخاري عند تفسيرها، ثم قال البخاري (^٤): حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد به البخاري.\nوقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال:\nاختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، فنحن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجمعة باب ٥٤.\n(^٢) أخرجه أبو داود في السجود باب ١، وابن ماجة في الإقامة باب ٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٢، باب ٣، ومسلم في التفسير حديث ٣٤.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٢، باب ٣.","vol":"5","page":356},{"text":"أولى بالله منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج (^١) الله الإسلام على من ناوأه، وأنزل ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ وكذا روى العوفي عن ابن عباس: وقال شعبة عن قتادة في قوله: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: مصدق ومكذب وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون.\nوقال عكرمة: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هي الجنة والنار، قالت النار:\nاجعلني للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة. وقول مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله ﷿، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو حسن، ولهذا قال ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ أي فصلت لهم مقطعات من النار، قال سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أي إذا صب على رؤوسهم الحميم وهو الماء الحار في غاية الحرارة. وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم، وكذلك تذوب جلودهم، وقال ابن عباس وسعيد: تساقط.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني محمد بن المثنى، حدثني إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» (^٣) ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك وقال: حسن صحيح، وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي نعيم عن ابن المبارك به. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن أبي الحواري.\nقال: سمعت عبد الله بن السري قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن\n_________\n(^١) أفلج: أي نصر.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ١٢٥.\n(^٣) أخرجه الترمذي في جهنم باب ٤.\n(^٤) المسند المسند ٣/ ٢٩.","vol":"5","page":357},{"text":"لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض» وقال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت، ثم عاد كما كان، ولو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالثبور (^٢).\nوقوله: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ قال الأعمش عن أبي ظبيان عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ وقال زيد بن أسلم في هذه الآية ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون، وقال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها. وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ومعنى الكلام أنهم يهانون بالعذاب قولا وفعلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1274>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾\nلما أخبر تعالى عن حال أهل النار عياذا بالله من حالهم وما هم فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال وما أعد لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنة، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاؤوا وأين أرادوا ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ من الحلية ﴿مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي في أيديهم، كما قاله النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (^٣). وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكا لو شئت أن أسميه لسميته يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة لو أبرز قلب منها-أي سوار منها-لرد شعاع الشمس كما ترد الشمس نور القمر.\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٨٣.\n(^٢) الثبور: الهلاك.\n(^٣) أخرجه مسلم في الطهارة حديث ٤٠، والنسائي في الطهارة باب ١٠٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٢، ٣٧١.","vol":"5","page":358},{"text":"وقوله: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه، كما قال: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢١ - ٢٢] وفي الصحيح «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (^١) قال عبد الله بن الزبير: من لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾. وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ كقوله تعالى:\n﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، وقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به ويقرعون به يقال لهم: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ أي إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم كما جاء في الحديث الصحيح «إنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النّفس» (^٢) وقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي القرآن وقيل: لا إله إلا الله وقيل: الأذكار المشروعة ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ أي الطريق المستقيم في الدنيا وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1275>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾\nيقول تعالى منكرا على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام وقضاء مناسكهم فيه ودعواهم أنهم أولياؤه ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] الآية، وفي هذه الآية دليل على أنها مدنية، كما قال في سورة البقرة: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي ومن صفتهم أنهم مع كفرهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في اللباس باب ٢٥، ومسلم في اللباس حديث ١١، ١٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ١٨، ١٩، والدارمي في الرقاق باب ١٠٤، وأحمد في المسند ٣/ ٣٤٩، ٣٥٤، ٣٨٤.","vol":"5","page":359},{"text":"التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] أي ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله.\nوقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ أي يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعا سواء لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام. وقال مجاهد: ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل، وكذا قال أبو صالح وعبد الرحمن بن سابط وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله.\nوهذه المسألة هي التي اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف، وأحمد بن حنبل حاضر أيضا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله أتنزل غدا في دارك بمكة؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع؟» ثم قال: «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» (^١) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارا بمكة، فجعلها سجنا، بأربعة آلاف درهم، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن (^٢).\nوقال عبد الرزاق عن ابن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها، وقال أيضا عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهي عن تبويب دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فلك ذلك إذا.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الحج باب ٤٤، والفرائض باب ٢٦، ومسلم في الفرائض حديث ١، وابن ماجة في الفرائض باب ٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في المناسك باب ١٠٢.","vol":"5","page":360},{"text":"قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول: ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ قال: ينزلون حيث شاؤوا، وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو موقوفا «من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا» وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث ولا تؤجر جمعا بين الأدلة، والله أعلم. وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء هاهنا زائدة، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي تنبت الدهن، وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ﴾ تقديره إلحادا، وكما قال الأعشى: [الكامل] ضمنت برزق عيالنا أرماحنا … بين المراجل والصريح الأجرد (^١)\nوقال الآخر: [الطويل] بواد يمان ينبت الشّثّ صدره … وأسفله بالمرخ والشّبهان (^٢)\nوالأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى يهم، ولهذا عداه بالباء فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ﴾ أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار: وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي عامدا قاصدا أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال ابن جريج عن ابن عباس هو التعمد.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بظلم بشرك، وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله، وكذا قال قتادة وغير واحد. وقال العوفي عن ابن عباس: بظلم هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم، وقال مجاهد: بظلم يعمل فيه عملا سيئا، وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر إذا كان عازما عليه وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة عن السدي أنه سمع مرة يحدث عن عبد الله يعني ابن مسعود في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين، لأذاقه الله من العذاب الأليم، قال شعبة: هو رفعه لنا وأنا لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد عن يزيد بن هارون به.\nقلت: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة\n_________\n(^١) يروى البيت: ضمنت لنا أعجازه أرماحنا ملء المراجل والصريح الأجردا وهو للأعشى في ديوانه ص ٣٤، ولسان العرب (جرد)، وتهذيب اللغة ١٠/ ٦٤٠، وتاج العروس (جرد)، وتفسير الطبري برواية ابن كثير ٩/ ١٣٠.\n(^٢) البيت للأحول اليشكري في لسان العرب (شبه) وبلا نسبة في لسان العرب (شئث)، وتهذيب اللغة ٦/ ٩٣، وتاج العروس (شئث)، وجمهرة اللغة ص ٨٣، ١٢٣٦، وكتاب العين ٣/ ٤٠٤، ومجمل اللغة ٣/ ١٩٦، وديوان الأدب ٢/ ٢١، وتفسير الطبري ٩/ ١٣٠.","vol":"5","page":361},{"text":"على وقفه من كلام ابن مسعود، وكذلك رواه أسباط وسفيان الثوري عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفا، والله أعلم.\nوقال الثوري عن السدي عن مرة عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعدن أبين همّ أن يقتل رجلا بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم، وكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال سفيان الثوري عن منصور، عن مجاهد: إلحاد فيه لا والله وبلى والله، وروي عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مثله، وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه، وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: تجارة الأمير فيه. وعن ابن عمر: بيع الطعام بمكة إلحاد.\nوقال حبيب بن أبي ثابت: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: المحتكر بمكة، وكذا قال غير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان عن يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ قال: «احتكار الطعام بمكة إلحاد» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله ﷺ بعثه مع رجلين: أحدهما مهاجر، والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب فغضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة، فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ يعني من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني بميل عن الإسلام.\nوهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيرا أبابيل، ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٤ - ٥]، أي دمرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال:\n«يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم» (^١) الحديث.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن كناسة، حدثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير إياك والإلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيلحد فيه رجل من قريش، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت»\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في البيوع باب ٤٩، ومسلم في الفتن حديث ٦ - ٨.\n(^٢) المسند ٢/ ١٣٦.","vol":"5","page":362},{"text":"فانظر لا تكن هو، وقال (^١) أيضا في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص: حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد، حدثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير وهو جالس في الحجر فقال: يا ابن الزبير، إياك والإلحاد في الحرم، فاني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحلها ويحل به رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها» قال: فانظر لا تكن هو، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1276>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾\nهذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي أرشده إليه وسلمه له وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال: إن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله، كما ثبت في الصحيحين عن أبي ذر، قلت:\nيا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «بيت المقدس». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» (^٢).\nوقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] الآيتين، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ٢١٥] وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته هاهنا، وقال تعالى هاهنا ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي ابنه على اسمي وحدي ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قال قتادة ومجاهد: من الشرك ﴿لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي اجعله خالصا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ أي في الصلاة، ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب وفي النافلة في السفر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي ناد في الناس بالحج، داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال:\nناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢١٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في المساجد حديث ١، وأحمد في المسند ٥/ ١٥٠، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠.","vol":"5","page":363},{"text":"قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة، لبيك اللهم لبيك، وهذا مضمون ما روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، والله أعلم، أوردها ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم مطولة.\nوقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ الآية، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم، وقال وكيع عن أبي العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما أساء علي شيء إلا أن وددت أني كنت حججت ماشيا، لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ والذي عليه الأكثرون أن الحج راكبا أفضل، اقتداء برسول الله ﷺ فإنه حج راكبا مع كمال قوته ﵇. وقوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ يعني طريق، كما قال: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] وقوله: ﴿عَمِيقٍ﴾ أي بعيد، قاله مجاهد وعطاء والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان والثوري وغير واحد، وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.\n\n<span data-type='title' id=toc-1277>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]</span>\n﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾\nقال ابن عباس: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن، والذبائح والتجارات، وكذا قال مجاهد وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾، قال شعبة وهشيم عن أبي بشر، عن سعيد، عن ابن عباس ﵄:\nالأيام المعلومات أيام العشر، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به. وروي مثله عن أبي موسى الأشعري ومجاهد وقتادة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والضحاك وعطاء الخراساني وإبراهيم النخعي، وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد بن حنبل.\nوقال البخاري: حدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة عن سليمان، عن مسلم البطين، عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٣٤، ١٣٥.","vol":"5","page":364},{"text":"سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه» قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» (^١)، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بنحوه. وقال الترمذي: حديث حسن، غريب، صحيح، وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر.\nقلت: وقد تقصيت هذه الطرق، وأفردت لها جزءا على حدته، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عثمان أنبأنا أبو عوانة عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» وروي من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه. وقال البخاري (^٣): وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.\nوقد روى أحمد عن جابر مرفوعا أن هذا هو العشر الذي أقسم به في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]. وقال بعض السلف: أنه المراد بقوله: ﴿وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] وفي سنن أبي داود (^٤) أن رسول الله ﷺ كان يصوم هذا العشر، وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم (^٥) عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة، فقال: أحتسب على الله أن يكفر به السنة الماضية والآتية، ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله وبالجملة (^٦)، فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضله كثير على عشر رمضان الأخير، لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه. وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل، وبهذا يجتمع شمل الأدلة، والله أعلم.\n[قول ثان] في الأيام المعلومات. قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: الأيام المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ويروى هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب أحمد بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العيدين باب ١١، وأبو داود في الصوم باب ٦٠، والترمذي في الصوم باب ٥١، وابن ماجة في الصوم باب ٥٢.\n(^٢) المسند ٢/ ٧٥، ١٣١، ١٣٢.\n(^٣) كتاب العيدين باب ١١.\n(^٤) كتاب الصوم باب ٦٠.\n(^٥) كتاب الصيام حديث ١٩٦.\n(^٦) انظر أحمد في المسند ٤/ ٣٥٠.","vol":"5","page":365},{"text":"حنبل في رواية عنه.\n[قول ثالث] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن عجلان، حدثني نافع أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده، والأيام المعدودات ثلاثة أيام بعد يوم النحر، هذا إسناد صحيح إليه، وقاله السدي، وهو مذهب الإمام مالك بن أنس، ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ يعني ذكر الله عند ذبحها.\n[قول رابع] أنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: المعلومات يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.\nوقوله: ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ يعني الإبل والبقر والغنم كما فصلها تعالى في سورة الأنعام ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] الآية، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله ﷺ لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها وحسا من مرقها (^١). قال عبد الله بن وهب:\nقال لي مالك: أحب أن يأكل من أضحيته، لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ قال ابن وهب:\nوسألت الليث، فقال لي مثل ذلك، وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن لم يشأ لم يأكل، وروي عن مجاهد وعطاء نحو ذلك.\nقال هشيم عن حصين عن مجاهد في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ قال: هي كقوله: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) [الجمعة: ١٠] وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره، واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق فيها بالنصف بقوله في هذه الآية:\n﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ فجزأها نصفين: نصف للمضحي ونصف للفقراء، والقول الآخر أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له وثلث يهديه وثلث يتصدق به، لقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وسيأتي الكلام عليها عندها إن شاء الله وبه الثقة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الحج حديث ١٤٧، وأبو داود في المناسك باب ٥٦، والترمذي في الحج باب ٦، وابن ماجة في المناسك باب ٨٤، والأضاحي باب ١٥، والدارمي في المناسك باب ٣٤.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٣٨.","vol":"5","page":366},{"text":"وقوله: ﴿الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قال عكرمة: هو المضطر الذي يظهر عليه البؤس والفقير المتعفف، وقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده، وقال قتادة: هو الزمن، وقال مقاتل بن حيان: هو الضرير. وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وهو وضع الإحرام من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظافر ونحو ذلك، وهكذا روى عطاء ومجاهد عنه، وكذا قال عكرمة ومحمد بن كعب القرظي. وقال عكرمة عن ابن عباس ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال: التفث المناسك.\nوقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني نحر ما نذر من أمر البدن. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج. وقال إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: الذبائح. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ كل نذر إلى أجل وقال عكرمة ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: حجهم. وكذا روى الإمام أحمد وابن أبي حاتم: حدثنا أبي.\nحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: نذور الحج، فكل من دخل الحج فعليه من العمل فيه الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وعرفة والمزدلفة ورمي الجمار على ما أمروا به، وروي عن مالك نحو هذا.\nوقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال مجاهد: يعني الطواف الواجب يوم النحر، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فإن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق.\nقلت: وهكذا صنع رسول الله ﷺ فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت، وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف (^١) إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.\nوقوله: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر، لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت حين قصرت بهم النفقة، ولهذا طاف رسول الله ﷺ من وراء الحجر وأخبر أن الحجر من البيت ولم يستلم الركنين الشاميين لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة، ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان عن هشام بن حجر عن رجل عن ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في المناسك باب ٨٢، ومالك في الحج حديث ١٢٢، وأحمد في المسند ٣/ ٤١٦، ٤١٧، ٦/ ٤٣١.","vol":"5","page":367},{"text":"قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ طاف رسول الله ﷺ من ورائه، وقال قتادة عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال: لأنه أول بيت وضع للناس، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح، وقال خصيف: إنما سمي بالبيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار قط.\nوقال ابن أبي نجيح وليث عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يسلطوا عليه، وكذا قال قتادة.\nوقال حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن بن مسلم عن مجاهد: لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك، وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن الزبير قال: إنما سمي البيت العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة.\nوقال الترمذي (^١): حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني الليث عن عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن محمد بن عروة عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار» وكذا رواه ابن جرير (^٢) عن محمد بن سهل النجاري عن عبد الله بن صالح به، وقال: إن كان صحيحا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ثم رواه من وجه آخر عن الزهري مرسلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1278>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٠ إلى ٣١]</span>\n﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾\nيقول تعالى: هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك وما لفاعلها من الثواب الجزيل ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ﴾ أي ومن يجتنب معاصيه، ومحارمه ويكون ارتكابها عظيما في نفسه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على تلك المحرمات واجتناب المحظورات، قال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ﴾ قال: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها، وكذا قال ابن زيد.\nوقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي أحللنا لكم جميع الأنعام وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. وقوله: ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة الآية، قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة. وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ من هاهنا لبيان\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٢، باب ٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ١٤٢.","vol":"5","page":368},{"text":"الجنس، أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ومنه شهادة الزور. وفي الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين-وكان متكئا فجلس فقال-ألا وقول الزور.\nألا وشهادة الزور». فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد عن فاتك بن فضالة عن أيمن بن خريم قال: قام رسول الله ﷺ خطيبا، فقال: «يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكا بالله» ثلاثا، ثم قرأ ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وهكذا رواه الترمذي (^٣) عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية به، ثم قال: غريب إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبي ﷺ.\nوقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العصفري عن أبيه عن حبيب بن النعمان الأسدي عن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فلما انصرف قام قائما فقال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ﷿» ثم تلا هذه الآية ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وقال سفيان الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن وائل بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ هذه الآية.\nوقوله: ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ﴾ أي مخلصين له الدين منحرفين عن الباطل قصدا إلى الحق، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال:\n﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ أي سقط منها ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ أي تقطعه الطيور في الهواء ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أي بعيد مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء: إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء بل تطرح روحه طرحا من هناك، ثم قرأ هذه الآية، وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه. وقد ضرب تعالى للمشركين مثلا آخر في سورة الأنعام. وهو قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاستتابة باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ١٤٣، ١٤٤.\n(^٢) المسند ٤/ ١٧٨، ٢٣٣.\n(^٣) كتاب الشهادات باب ٣.\n(^٤) المسند ٤/ ٣٢١.","vol":"5","page":369},{"text":"﴿اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ [الأنعام: ٧١] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1279>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]</span>\n﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾\nيقول تعالى هذا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ أي أوامره ﴿فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها (^١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبي ليلى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ قال:\nالاستسمان والاستحسان والاستعظام. وقال أبو أمامة بن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون، رواه البخاري (^٢)، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين» رواه أحمد (^٣) وابن ماجة، قالوا: والعفراء هي البيضاء بياضا ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضا لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين (^٤)، وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ ضحى بكبش أقرن فحيل، يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد (^٥)، رواه أهل السنن وصححه الترمذي-أي فيه نكتة سوداء في هذه الأماكن.\nوفي سنن ابن ماجة عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين (^٦)، وكذا روى أبو داود وابن ماجة عن جابر: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين موجوءين (^٧). قيل: هما الخصيان، وقيل اللذان رض خصياهما ولم يقطعهما، والله أعلم.\nوعن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء (^٨)، رواه أحمد وأهل السنن، وصححه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٤٦.\n(^٢) كتاب الأضاحي باب ٧.\n(^٣) المسند ٢/ ٤١٧.\n(^٤) أخرجه البخاري في الحج باب ١١٧، ١١٩، ومسلم في الأضاحي حديث ١٧، ١٨.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٣، والترمذي في الأضاحي باب ٤، والنسائي في الضحايا باب ١٤، وابن ماجة في الأضاحي باب ٤.\n(^٦) أخرجه ابن ماجة في الأضاحي باب ٤، وأحمد في المسند ٦/ ٨، ٣٩١.\n(^٧) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٤، وابن ماجة في الأضاحي باب ١.\n(^٨) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٦، والترمذي في الأضاحي باب ٦، والنسائي في الضحايا باب ١٢، ١٤، ١٥، وابن ماجة في الأضاحي باب ٨.","vol":"5","page":370},{"text":"الترمذي ولهم عنه، قال: نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن (^١)، وقال سعيد بن المسيب: العضب النصف فأكثر، وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فأما العضب فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن قطع بعضها. وعند الشافعي أن الأضحية بذلك مجزئة لكن تكره. وقال أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث. وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ وإلا أجزأ، والله أعلم.\nوأما المقابلة فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة من مؤخر أذنها، والشرقاء هي التي قطعت أذنها طولا، قاله الشافعي، وأما الخرقاء فهي التي خرقت السمة أذنها خرقا مدورا، والله أعلم.\nوعن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي» (^٢) رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي، وهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو ظاهر الحديث.\nواختلف قول الشافعي في المريضة مرضا يسيرا على قولين، وروى أبو داود عن عتبة بن عبد السلمي أن رسول الله ﷺ نهى عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء (^٣)، فالمصفرة قيل الهزيلة، وقيل المستأصلة الأذن، والمستأصلة مكسورة القرن، والبخقاء هي العوراء، والمشيعة هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم ولا تتبع لضعفها، والكسراء العرجاء، فهذه العيوب كلها مانعة من الإجزاء، فأما إن طرأ العيب بعد تعيين الأضحية فإنه لا يضر عند الشافعي خلافا لأبي حنيفة.\nوقد روى الإمام أحمد (^٤) عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشا أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي ﷺ فقال: «ضح به» ولهذا جاء في الحديث أمرنا النبي ﷺ أن نستشرف\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الأضاحي باب ٩، وأبو داود في الأضاحي باب ٦، والنسائي في الضحايا باب ١٢، وابن ماجة في الأضاحي باب ٨، وأحمد في المسند ١/ ٨٣، ١٠٩، ١٢٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٥، والنسائي في الضحايا باب ٥، ٦، وابن ماجة في الأضاحي باب ٨، والدارمي في الأضاحي باب ٣، ومالك في الضحايا حديث ١، وأحمد في المسند ٤/ ٢٨٤، ٢٨٩، ٣٠١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٦، وأحمد في المسند ٤/ ١٨٥.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٢.","vol":"5","page":371},{"text":"العين والأذن (^١)، أي أن تكون الهدية أو الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبا فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: لا «أنحرها إياها» (^٢) وقال الضحاك عن ابن عباس البدن من شعائر الله. وقال محمد بن أبي موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن من شعائر الله. وقال ابن عمر:\nأعظم الشعائر البيت.\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ أي لكم في البدن منافع من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها إلى أجل مسمى. قال مقسم عن ابن عباس في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: ما لم تسم بدنا. وقال مجاهد في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هديا ذهب ذلك كله، وكذا قال عطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني وغيرهم. وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كانت هديا إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة قال «اركبها» قال: إنها بدنة. قال «اركبها ويحك» (^٣) في الثانية أو الثالثة. وفي رواية لمسلم عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها» (^٤) وقال شعبة عن زهير عن أبي ثابت الأعمى عن المغيرة بن حذف عن علي أنه رأى رجلا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها.\nوقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق، وهو الكعبة، كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٨٥] وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريبا، ولله الحمد. وقال ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٦، والترمذي في الأضاحي باب ٦، ٩، والنسائي في الضحايا باب ٨، ٩، ١١، وابن ماجة في الأضاحي باب ٨، وأحمد في المسند ١/ ٩٥، ١٠٥، ١٠٨، ١٢٥، ١٢٨، ١٣٢، ١٤٩، ١٥٢.\n(^٢) أخرجه أبو داود في المناسك باب ١٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٤٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في الحج باب ١١٢، ومسلم في الحج حديث ٣٧١.\n(^٤) أخرجه مسلم في الحج حديث ٣٧٣.","vol":"5","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1280>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾\nيخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل.\nوقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا﴾ قال: عيدا. وقال عكرمة: ذبحا.\nوقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا﴾ إنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكا غيرها.\nوقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما (^١). وقال الإمام أحمد بن حنبل (^٢): حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سلام بن مسكين عن عائذ الله المجاشعي عن أبي داود-وهو نفيع بن الحارث-عن زيد بن أرقم قال: قلت أو قالوا: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم» قالوا: ما لنا منها؟ قال:\n«بكل شعرة حسنة قال فالصوف؟ قال «بكل شعرة من الصوف حسنة» (^٣) وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه من حديث سلام بن مسكين به.\nوقوله: ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ولهذا قال: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال مجاهد: المطمئنين. وقال الضحاك وقتادة: المتواضعين. وقال السدي: الوجلين. وقال عمرو بن أوس: المخبتين الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا (^٤). وقال الثوري ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله المستسلمين له، وأحسن بما يفسر بما بعده وهو قوله: ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي خافت منه قلوبهم ﴿وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ﴾ أي من المصائب.\nقال الحسن البصري: والله لنصبرن أو لنهلكن ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ قرأ الجمهور بالإضافة السبعة وبقية العشرة أيضا وقرأ ابن السميقع ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ بالنصب وعن الحسن البصري ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ وإنما حذفت النون هاهنا تخفيفا، ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة ولكن على سبيل التخفيف، فنصبت، أي المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأضاحي باب ٩، ١٣، ١٤، ومسلم في الأضاحي حديث ١٧، ١٨.\n(^٢) المسند ٤/ ٣٦٨.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الأضاحي باب ٣، والترمذي في الأضاحي باب ١.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٥١.","vol":"5","page":373},{"text":"وأرقائهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله كما تقدم تفسيره في سورة براءة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1281>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]</span>\n﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾\nيقول تعالى ممتنا على عباده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى إليه، كما قال تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ [المائدة: ٢] الآية، قال ابن جريج، قال عطاء في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ قال البقرة والبعير، وكذا روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري، وقال مجاهد: وإنما البدن من الإبل.\n(قلت) أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح الحديث، ثم جمهور العلماء على أنه تجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، كما ثبت به الحديث عند مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الأضاحي البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (^٢). وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة والبعير عن عشرة، وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ أي ثواب في الدار الآخرة، وعن سليمان بن يزيد الكعبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إهراق دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا» (^٣) رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه، وقال سفيان الثوري: كان أبو حازم يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟ فقال: إني سمعت الله يقول لكم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾. وعن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ:\n«ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» رواه الدارقطني في سننه. وقال مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: أجر ومنافع، وقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها.\nوقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن\n_________\n(^١) انظر تفسير الآيات ٦٧، ٧٥ - ٧٩ من سورة براءة.\n(^٢) أخرجه مسلم في الحج حديث ٣٥٠، ٣٥٢، ٣٥٣. والنسائي في الضحايا باب ١٦، وأحمد في المسند ١/ ٢٧٥.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الأضاحي باب ١، وابن ماجة في الأضاحي باب ٣.","vol":"5","page":374},{"text":"جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: «باسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» (^١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن عباس عن جابر قال: ضحّى رسول الله ﷺ بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته» ثم سمى الله وكبّر وذبح (^٢).\nوعن علي بن الحسين عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلّى وخطب الناس، أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه، فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: «اللهم هذا عن أمتي جميعها: من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ» ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول «هذا عن محمد وآل محمد» فيطعمهما جميعا للمساكين ويأكل هو وأهله منهما (^٣)، رواه أحمد وابن ماجة.\nوقال الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ قال: قياما على ثلاث قوائم، معقولة يدها اليسرى، يقول: باسم الله والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك، وكذلك روي عن مجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس نحو هذا. وقال ليث عن مجاهد: إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث، وروى ابن أبي نجيح عنه نحوه. وقال الضحاك: تعقل رجل واحدة فتكون على ثلاث.\nوفي الصحيحين عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته وهو ينحرها فقال: ابعثها قياما مقيدة، سنة أبي القاسم ﷺ (^٤)، وعن جابر أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، رواه أبو داود (^٥). وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار أن سالم بن عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك: قف من شقها الأيمن وانحر من شقها الأيسر.\nوفي صحيح مسلم عن جابر في صفة حجة الوداع قال فيه: فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٣، والترمذي في الأضاحي باب ٢٠، وأحمد في المسند ٣/ ٣٥٦، ٣٦٢.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الأضاحي باب ٤.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الأضاحي باب ١، ٩، وأحمد في المسند ٦/ ٨، ٣٩١، ٣٩٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الحج باب ١١٨، ومسلم في الحج حديث ٢٧٩، ٢٨١.\n(^٥) كتاب المناسك باب ٢٠.","vol":"5","page":375},{"text":"وستين بدنة جعل يطعنها بحربة في يده (^١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود «صوافن» أي معقلة قياما. وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد من قرأها صوافن قال: معقولة، ومن قرأها صواف قال تصف بين يديها، وقال طاوس والحسن وغيرهما «فاذكروا اسم الله عليها صوافي» يعني خالصة لله ﷿، وكذا رواه مالك عن الزهري. وقال عبد الرحمن بن زيد: صوافي ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامهم.\nوقوله: ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: يعني سقطت إلى الأرض، وهو رواية عن ابن عباس، وكذا قال مقاتل بن حيان وقال العوفي عن ابن عباس: فإذا وجبت جنوبها يعني نحرت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فإذ وجبت جنوبها، يعني ماتت، وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها. وقد جاء في حديث مرفوع «لا تعجلوا النفوس أن تزهق» وقد رواه الثوري في جامعه عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن فرافصة الحنفي، عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك، ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح مسلم «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (^٢) وعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» (^٣) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.\nوقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال بعض السلف: قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ أمر إباحة. وقال مالك: يستحب ذلك، وقال غيره: يجب، وهو وجه لبعض الشافعية.\nواختلفوا في المراد بالقانع والمعتر، فقال العوفي عن ابن عباس: القانع المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر الذي يتعرض لك ويلم بك أن تعطيه من اللحم ولا يسأل، وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: القانع المتعفف، والمعتر السائل، وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه. وقال ابن عباس وعكرمة وزيد بن أسلم وابن الكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس: القانع هو الذي يقنع إليك ويسألك، والمعتر الذي يعتريك يتضرع ولا يسألك، وهذا لفظ الحسن.\nوقال سعيد بن جبير: القانع هو السائل، قال: أما سمعت قول الشماخ: [الوافر]\n_________\n(^١) لم أجد الحديث بهذا اللفظ في صحيح مسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصيد حديث ٥٧.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٢٤، والترمذي في الصيد باب ١٢، وابن ماجة في الصيد باب ٨، والدارمي في الصيد باب ٩، وأحمد في المسند ٥/ ٢١٨.","vol":"5","page":376},{"text":"لمال المرء يصلحه فيغني … مفاقره أعفّ من القنوع (^١)\nقال: يغني من السؤال، وبه قال ابن زيد. وقال زيد بن أسلم: القانع المسكين الذي يطوف، والمعتر الصديق والضعيف الذي يزور، وهو رواية عن ابنه عبد الله بن زيد أيضا. وعن مجاهد أيضا: القانع جارك الغني الذي يبصر ما يدخل بيتك، والمعتر الذي يعتريك من الناس، وعنه: أن القانع هو الطامع، والمعتر هو الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير، وعن عكرمة نحوه، وعنه: القانع أهل مكة، واختار ابن جرير أن القانع هو السائل، لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، والمعتر من الاعتراء وهو الذي يتعرض لأكل اللحم. وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء، لأنه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.\nوفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال للناس: «إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم». وفي رواية «فكلوا وادخروا وتصدقوا».\nوفي رواية «فكلوا وأطعموا وتصدقوا» (^٢). والقول الثاني: أن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف، لقوله في الآية المتقدمة: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ولقوله في الحديث: فكلوا وادخروا وتصدقوا» فإن أكل الكل، فقيل: لا يضمن شيئا، وبه قال ابن سريج من الشافعية. وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها. وقيل يضمن نصفها وقيل ثلثها. وقيل أدنى جزء منها، وهو المشهور من مذهب الشافعي. وأما الجلود ففي مسند أحمد (^٣) عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي «فكلوا وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها» ومن العلماء من رخص في بيعها، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم.\n[مسألة] عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن\n_________\n(^١) البيت للشماخ في ديوانه ص ٢٢١، ولسان العرب (ضيع)، (قنع)، وتهذيب اللغة ١/ ٢٥٩، ٣/ ٧١، وجمهرة اللغة ص ٩٤٢، وكتاب العين ١/ ١٧٠، ومقاييس اللغة ٥/ ٣٣، وكتاب الجيم ٣/ ٧٨، وأساس البلاغة (فقر)، وحماسة البحتري ص ٢١٦، وبلا نسبة في لسان العرب (فقر)، (ضيع)، والمخصص ١٢/ ٢٨٧، وتاج العروس (فقر)، (ضيع)، (كنع)، (حفف)\n(^٢) أخرجه البخاري في الأضاحي باب ١٦، ومسلم في الأضاحي حديث ٣٧، وأبو داود في الأضاحي باب ١، والترمذي في الأضاحي باب ١٤، والنسائي في الضحايا باب ٣٦، وابن ماجة في الأضاحي باب ١٦، وأحمد في المسند ٣/ ٢٣، ٤٨، ٥٧، ٦٣، ٦٦، ٨٥، ٣٨٨، ٥/ ٧٥، ٧٦، ٣٥٥، ٣٥٦، ٦/ ٥١.\n(^٣) المسند ٤/ ١٥.","vol":"5","page":377},{"text":"نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس هو من النسك في شيء» (^١) أخرجاه، فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء:\nإن أول وقت ذبح الأضاحي إذا طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك لما جاء في صحيح مسلم: وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام. وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم. وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام، والله أعلم.\nثم قيل: لا يشرع بالذبح إلا يوم النحر وحده. وقيل: يوم النحر لأهل الأمصار لتيسر الأضاحي عندهم، وأما اهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه قال سعيد بن جبير.\nوقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع، وقيل: ويومان بعده، وبه قال الإمام أحمد. وقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده، وبه قال الشافعي لحديث جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: «أيام التشريق كلها ذبح» رواه أحمد (^٢) وابن حبان.\nوقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة، وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو قول غريب. وقوله: ﴿كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول تعالى من أجل هذا ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ أي ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1282>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]</span>\n﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾\nيقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ أي يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العيدين باب ٨، ١٠، ومسلم في الأضاحي حديث ٧.\n(^٢) المسند ٤/ ٨٢.","vol":"5","page":378},{"text":"قلوبكم وأعمالكم» (^١). وجاء في الحديث «إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض» كما تقدم في الحديث، رواه ابن ماجة والترمذي، وحسنه عن عائشة مرفوعا، فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم.\nوقال وكيع عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك: سألت عامرا الشعبي عن جلود الأضاحي، فقال: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق. وقوله: ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ أي من أجل ذلك سخر لكم البدن ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه. وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي وبشر يا محمد المحسنين أي في عملهم القائمين بحدود الله المتبعين ما شرع لهم المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه ﷿.\n[مسألة] وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصابا، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضا، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجة بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعا: «من وجد سعة فلم يضح، فلا يقربن مصلانا» (^٢) على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل، وقال ابن عمر: أقام رسول الله ﷺ عشر سنين يضحي، رواه الترمذي. وقال الشافعي وأحمد: لا تجب الأضحية بل هي مستحبة لما جاء في الحديث: «ليس في المال حق سوى الزكاة» وقد تقدم أنه ﵊ ضحى عن أمته، فأسقط ذلك وجوبها عنهم. وقال أبو سريحة: كنت جارا لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما، وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت، سقطت عن الباقين لأن المقصود إظهار الشعار.\nوقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن مخنف بن سليم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول بعرفات: «على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تدعونها الرجبية» (^٣) وقد تكلم في إسناده. وقال أبو أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهي الناس، فصار كما ترى، رواه الترمذي وصححه وابن ماجة، وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، رواه البخاري.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في البر حديث ٣٣، وابن ماجة في الزهد باب ٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٨٥، ٥٣٩.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الأضاحي باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣٢١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأضاحي باب ٦، والترمذي في الأضاحي باب ١٨، وابن ماجة في الأضاحي باب ٢، وأحمد في المسند ٤/ ٢١٥، ٥/ ٧٦.","vol":"5","page":379},{"text":"وأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (^١) ومن هاهنا ذهب الزهري إلى أن الجذع لا يجزئ، وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس، وهما غريبان. والذي عليه الجمهور إنما يجزئ الثني من الإبل والبقر والمعز، أو الجذع من الضأن، فأما الثني من الإبل فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر ما له سنتان ودخل في الثالثة، وقيل ما له ثلاث ودخل في الرابعة، ومن المعز ما له سنتان، وأما الجذع من الضأن فقيل ما له سنة، وقيل عشرة أشهر، وقيل ثمانية، وقيل ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه، وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم. والجذع شعر ظهره نائم. قد انفرق صدعين والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1283>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٨]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾\nيخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وقال:\n﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ أي لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق لا يفي بما قال، والكفر الجحد للنعم، فلا يعترف بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1284>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]</span>\n﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة (^٢). وقال مجاهد والضحاك، وغير واحد من السلف كابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية. وقال ابن جرير (^٣): حدثني يحيى بن داود الواسطي، حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان عن الأعمش عن مسلم هو البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن. قال ابن عباس: فأنزل الله ﷿ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الأضاحي حديث ١٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٦١.\n(^٣) تفسير الطبري ٩/ ١٦١.","vol":"5","page":380},{"text":"أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال.\nوقال الإمام أحمد (^١) عن إسحاق بن يوسف الأزرق به، وزاد: قال ابن عباس وهي أول آية نزلت في القتال (^٢). ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد الترمذي ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري وليس فيه ابن عباس.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦] وقال تعالى: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥] وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦] وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] والآيات في هذا كثيرة.\nولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وقد فعل، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا فلو أمر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله ﷺ. وكانوا نيفا وثمانين، قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي، يعنون أهل منى، ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: «إني لم أومر بهذا» فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله ﷺ واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلا يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.\nقال العوفي عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني محمدا وأصحابه\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢١٦.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٢٢، باب ٤، ٥، والنسائي في الجهاد باب ١.","vol":"5","page":381},{"text":"﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ١٥] ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:\n[رجز] اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا (^١)\nفأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا\nإن الألى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا\nفيوافقهم رسول الله ﷺ ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا:\nإذا أرادوا فتنة أبينا\nيقول: أبينا يمد بها صوته، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق ﴿وَبِيَعٌ﴾ وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضا، قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم. وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره أنها كنائس اليهود، وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَصَلَواتٌ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: الصلوات الكنائس وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود، وهم يسمونها صلوتا (^٢). وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس أنها كنائس النصارى. وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: الصلوات مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾ فقد قيل: الضمير في قوله يذكر فيها عائد إلى المساجد لأنها أقرب المذكورات. وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرا. وقال\n_________\n(^١) الرجز لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص ١٠٨، ولعامر بن الأكوع في المقاصد النحوية ٤/ ٤٥١، وله أو لعبد الله في الدرر ٤/ ٢٣٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٨٧، وبلا نسبة في الأزهية ص ١٦٧، وشرح الأشموني ٣/ ٥٩٣، وشرح المفصل ٣/ ١١٨، وهمع الهوامع ٢/ ٤٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٦٥.","vol":"5","page":382},{"text":"ابن جرير (^١): الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا، لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد وهي أكثر عمارا وأكثر عبادا وهم ذوو القصد الصحيح.\nوقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨]. وقوله:\n﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديرا، وبعزته لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].\n\n<span data-type='title' id=toc-1285>[سورة الحج (٢٢): آية ٤١]</span>\n﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا: ربنا الله ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور فهي لي ولأصحابي. وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد ﷺ.\nوقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكره بها، ولا المخالف سرها علانيتها. وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقوله: ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وقال زيد بن أسلم ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ وعند الله ثواب ما صنعوا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٦٦.","vol":"5","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1286>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾\nيقول تعالى مسليا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من خالفه من قومه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ -إلى أن قال- ﴿وَكُذِّبَ مُوسى﴾ أي مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أي أنظرتهم وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي فيكف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى، وبين إهلاك الله له أربعون سنة.\nوفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (^١) ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ أي كم من قرية أهلكتها ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي مكذبة لرسلها ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قال الضحاك: سقوفها، أي قد خربت وتعطلت حواضرها ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي لا يستقي منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال عكرمة يعني المبيض بالجص، وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك. وقال آخرون: هو المنيف المرتفع. وقال آخرون:\nالمشيد المنيع الحصين، وكل هذه الأقوال متقاربة ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [هود: ١٠٢].\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي بأبدانهم وبفكرهم أيضا، وذلك كاف كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران ﵇ أن يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سح في الأرض، ثم اطلب الآثار والعبر، حتى يتخرق النعلان وتنكسر العصا. وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالتفكر، وموته بالزهد، وقوّه باليقين، وذلله بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٢، والترمذي في تفسير سورة ١١، باب ٢.","vol":"5","page":384},{"text":"كان قبله، وسيره في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا وأين حلوا وعم انقلبوا، أي فانظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال.\n﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي فيعتبرون بها ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أي ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة:\nيا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقد … نادى به الناعيان الشيب والكبر\nإن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ترى … في رأسك الواعيان السمع والبصر\nليس الأصمّ ولا الأعمى سوى رجل … لم يهده الهاديان العين والأثر\nلا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك … الأعلى ولا النيّران الشمس والقمر\nليرحلن عن الدنيا وإن كرها … فراقها الثاويان البدو والحضر\n\n<span data-type='title' id=toc-1287>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]</span>\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ أي هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ [ص: ١٦]. وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ أي الذي قد وعد من إقامة الساعة والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه. قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو، هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، أما سمعت قول الشاعر: [الطويل] ولا يرهب ابن العم والجار سطوتي … ولا أنثنى عن سطوة المتهدّد (^١)\nفإني وإن أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أي هو تعالى لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حلمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه\n_________\n(^١) البيتان لعامر بن الطفيل في ديوانه ص ٥٨، ولسان العرب (ختأ)، (وعد)، (ختا)، وتاج العروس (ختأ)، وبلا نسبة في إنباه الرواة ٤/ ١٣٩، ومراتب النحويين ص ٣٨، وتاج العروس (وحد)","vol":"5","page":385},{"text":"لا يفوته شيء وإن أجل وأنظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام» (^١) ورواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري عن محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير (^٢) عن أبي هريرة موقوفا فقال: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال أوما تقرأ القرآن؟ قلت، بلى، قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾.\nوقال أبو داود (^٣) في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: «إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم» قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال:\nخمسمائة سنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ورواه ابن جرير عن ابن بشار عن ابن المهدي، وبه قال مجاهد وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية، وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم محمد بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال: إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾. فقد مضف الستة الأيام وأنتم في اليوم السابع فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها ففي أية لحظة ولدت كان تماما (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٧، وابن ماجة في الزهد باب ٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ١٧١.\n(^٣) كتاب الملاحم باب ١٨، وأخرجه أحمد في المسند ١/ ١٧٠.\n(^٤) انظر الدر المنثور ٤/ ٦٥٩.","vol":"5","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1288>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٩ إلى ٥١]</span>\n﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستعجلوه به ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي إنما أرسلني الله إليكم نذيرا لكم، بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [الرعد: ٤١] و﴿إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم. قال محمد بن كعب القرظي: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فهو الجنة.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ قال مجاهد: يثبطون الناس عن متابعة النبي ﷺ، وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين. وقال ابن عباس: معاجزين مراغمين ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ وهي النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، أجارنا الله منها.\nقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1289>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾\nقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق (^١)، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] قال: فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى﴾\n_________\n(^١) الغرانيق: في الأصل الذكور في طيور الماء، واحدها: غرنوق، سمي الطائر به لبياضه، وكان العرب يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع.","vol":"5","page":387},{"text":"﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nرواه ابن جرير (^١) عن بندار عن غندر عن شعبة به بنحوه، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث، أن النبي ﷺ قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى﴾ وذكر بقيته، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور، وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ثم رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية وعن السدي مرسلا، وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلا أيضا.\nوقال قتادة: كان النبي ﷺ يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه وإن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون وأجرى الشيطان أن النبي ﷺ قد قرأها: فذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ الآية، فدحر الله الشيطان.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله ﷺ اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك.\nغير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا فرفع على كفه ترابا فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٧٤، ١٧٥.","vol":"5","page":388},{"text":"الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع رسول الله ﷺ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعا، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وحفظه من الفرية، وقال الله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم، وهذا أيضا مرسل.\nوفي تفسير ابن جرير عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة، فلم يجز به موسى بن عقبة ساقه من مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة.\n(قلت) وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، والله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالا: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا من رسول الرحمن ﷺ، والله أعلم.\nوهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض ﵀ في كتاب الشفاء لهذا، وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها. وقوله: ﴿إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، أي لا يهيدنك ذلك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.\nقال البخاري (^١): قال ابن عباس ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وقال مجاهد ﴿إِذا تَمَنّى﴾ يعني إذا قال، ويقال ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته ﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ يقولون ولا يكتبون. قال البغوي وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: ﴿تَمَنّى﴾ أي تلا وقرأ كتاب الله و﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل: [الطويل] تمنى كتاب الله أول ليلة … وآخرها لاقى حمام المقادر (^٢)\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٢، في الترجمة.\n(^٢) البيت لحسان بن ثابت في تفسير البحر المحيط ٦/ ٣٨٢، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في لسان العرب (من)، ومقاييس اللغة ٥/ ٢٧٧، وكتاب العين ٨/ ٣٩٠، وتاج العروس (من)","vol":"5","page":389},{"text":"وقال الضحاك: ﴿إِذا تَمَنّى﴾ إذا تلا. قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام. وقوله ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ حقيقة النسخ لغة الإزالة والرفع، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي فيبطل الله ﷾ ما ألقى الشيطان. وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته.\nوقوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي بما يكون من الأمور والحوادث لا تخفى عليه خافية ﴿حَكِيمٌ﴾ أي في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ولهذا قال: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي شك وشرك وكفر ونفاق، كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان. قال ابن جريج: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المنافقون، ﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون.\nوقال مقاتل بن حيان: هم اليهود ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي من الحق والصواب، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به وغيره بل هو كتاب حكيم ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.\nوقوله: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي يصدقوه وينقادوا له، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي تخضع وتذل له قلوبهم، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1290>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]</span>\n﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار أنهم لا يزالون في مرية، أي في شك من هذا القرآن، قاله ابن جريج واختاره ابن جرير (^١). وقال سعيد بن جبير وابن زيد منه، أي مما ألقى الشيطان ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ قال مجاهد: فجأة، وقال قتادة ﴿بَغْتَةً﴾ بغت القوم أمر الله وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٨٠.","vol":"5","page":390},{"text":"وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير. قال عكرمة ومجاهد في رواية عنهما: هو يوم القيامة، لا ليل له، وكذا قال الضحاك والحسن البصري، وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به لكن هذا هو المراد، ولهذا قال:\n﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ كقوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].\nوقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي آمنت قلوبهم وصدقوا بالله ورسوله وعملوا بمقتضى ما علموا، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي لهم النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي كفرت قلوبهم بالحق وجحدوا به، وكذبوا به وخالفوا الرسل واستكبروا عن اتباعهم ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦] أي صاغرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1291>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٨ إلى ٦٠]</span>\n﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾\nيخبر تعالى عمن خرج مهاجرا في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطلبا لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله ثم قتلوا، أي في الجهاد، أو ماتوا أي حتف أنفهم أي من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. وقوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ أي الجنة كما قال تعالى: ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال هاهنا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ثم قال ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ﴾ أي بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك ﴿حَلِيمٌ﴾ أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه.\nفأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حي عند ربه يرزق كما قال تعالى:\n﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]","vol":"5","page":391},{"text":"والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم، وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه وعظيم إحسان الله إليه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن ابن الحارث-يعني عبد الكريم-عن ابن عقبة يعني أبا عبيدة بن عقبة قال: قال حدثنا شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان يعني الفارسي ﵁، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات مرابطا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن من الفتانين، واقرءوا إن شئتم ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾».\nوقال أيضا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني همام أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ، فمر بجنازتين إحداهما قتيل، والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت؟ اسمعوا كتاب الله ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا﴾ حتى بلغ آخر الآية.\nوقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثنا سلامان بن عامر الشعباني أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين أحدهما أصيب بمنجنيق، والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآيتين.\nفما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلا ترضاه، ورزقت رزقا حسنا، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت.\nورواه ابن جرير (^١) عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى، فذكر نحو ما تقدم. وقوله: ﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ الآية، ذكر مقاتل بن حيان وابن جرير أنها نزلت في سرية من الصحابة لقوا جمعا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون فنصرهم الله عليهم ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٨٢.","vol":"5","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1292>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦١ إلى ٦٢]</span>\n﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾\nيقول تعالى منبها على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] ومعنى إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل إدخاله من هذا في هذا ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل كما في الصيف.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع بأقوال عباده. بصير بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ولما بين أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه قال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له، لأنه ذو السلطان العظيم الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ﴾ أي من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل، لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ كما قال ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه ﷿ عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1293>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٦]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾\nوهذا أيضا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، فإنه يرسل الرياح فتثير سحابا فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء ممحلة، ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]. وقوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون:١٤] الآية، وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل شيئين أربعين يوما (^١)، ومع هذا هو معقب\n_________\n(^١) انظر الحديث بلفظه مع تخريجه عند تفسير الآية الخامسة من سورة الحج.","vol":"5","page":393},{"text":"بالفاء، وهكذا هاهنا قال ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أي خضراء بعد يباسها ومحولها. وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، ولا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء فينبته به، كما قال لقمان: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] وقال: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] ولهذا قال أمية بن أبي الصلت أو زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته: [الطويل] وقولا له من ينبت الحب في الثرى؟ … فيصبح منه البقل يهتز رابيا\nويخرج منه حبه في رؤوسه … ففي ذاك آيات لمن كان واعيا\nوقوله: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه وكل شيء فقير إليه عبد لديه، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ أي من حيوان وجماد وزروع وثمار، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي من إحسانه وفضله وامتنانه ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أي بتسخيره وتسييره، أي في البحر العجاج وتلاطم الأمواج تجري الفلك بأهلها بريح طيبة ورفق وتؤدة فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع من بلد إلى بلد وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك مما يحتاجون إليه ويطلبونه ويريدونه ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى:\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الرعد: ٦].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].\nوقوله: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦].\nوقوله: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] ومعنى الكلام: كيف تجعلون لله أندادا وتعبدون معه غيره وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ﴾ أي خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر، فأوجدكم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أي جحود.","vol":"5","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1294>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]</span>\n﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾\nيخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا، قال ابن جرير (^١): يعني لكل أمة نبي منسكا، قال:\nوأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو شر، قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها، فإن كان كما قال من أن المراد لكل أمة نبي جعلنا منسكا، فيكون المراد بقوله فلا ينازعنك في الأمر أي هؤلاء المشركين، وإن كان المراد لكل أمة جعلنا منسكا جعلا قدريا كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨] ولهذا قال هاهنا: ﴿هُمْ ناسِكُوهُ﴾ أي فاعلوه، فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ أي طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود، وهذا كقوله:\n﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧].\nوقوله: ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾. كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]. وقوله: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد، كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨] ولهذا قال: ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥]. الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1295>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٠]</span>\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ١٨٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٦. ولفظه: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض».","vol":"5","page":395},{"text":"وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش ﵎: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال:\nعلمي في خلقي إلى يوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله للنبي ﷺ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدرها وكتبها أيضا، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده وأحاط بكل شيء علما، وهو سهل عليه يسير لديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1296>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧١ إلى ٧٢]</span>\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا وعبدوا من دون الله ما لم ينزل به سلطانا، يعني حجة وبرهانا، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ولهذا قال هاهنا: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ و﴿ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم.\nولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العذاب والنكال، ثم قال: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أي وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد لهؤلاء ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي النار وعذابها\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في القدر باب ١٧، وتفسير سورة ٦٨، وأحمد في المسند ٥/ ٣١٧.","vol":"5","page":396},{"text":"ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي وبئس النار مقيلا ومنزلا ومرجعا وموئلا ومقاما ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ [الفرقان:٦٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1297>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾\nيقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي أنصتوا وتفهموا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك.\nكما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة مرفوعا قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة». وأخرجه صاحبا الصحيح من طريق عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «قال الله ﷿ ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة» (^٢).\nثم قال تعالى أيضا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والإنتصار منه لو سلبها شيئا من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال ابن عباس: الطالب الصنم، والمطلوب الذباب، واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق.\nوقال السدي وغيره: الطالب العابد، والمطلوب الصنم، ثم قال: ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٣] ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي قد عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٩١.\n(^٢) أخرجه البخاري في اللباس باب ٩٠، والتوحيد باب ٥٦، ومسلم في اللباس حديث ١٠١.","vol":"5","page":397},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1298>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]</span>\n﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾\nيخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالته ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1299>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾\nاختلف الأئمة ﵏ في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها، أم لا؟ على قولين، وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ «فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما» (^١). وقوله: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ أي بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢].\nوقوله: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أي يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعا، وفي السفر تقصر إلى اثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال ﵇: «بعثت\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجمعة باب ٥٤، وأحمد في المسند ٤/ ١٥١، ١٥٢.","vol":"5","page":398},{"text":"بالحنيفية السمحة» (^١) وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن «بشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسرا» (^٢)، والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يعني من ضيق.\nوقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ قال ابن جرير (^٣): نصب على تقدير ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي من ضيق بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم، قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير الزموا ملة أبيكم إبراهيم. (قلت) وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] الآية، وقوله: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ وفي هذا قال الإمام عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: الله ﷿، وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني إبراهيم، وذلك قوله: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] قال ابن جرير:\nوهذا لا وجه له، لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا﴾ قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، ﴿وَفِي هذا﴾ يعني القرآن، وكذا قال غيره.\n(قلت) وهذا هو الصواب، لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن ﴿وَفِي هذا﴾ روى النسائي عند تفسير هذه الآية:\nأنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن أبي سلام أنه أخبره، قال: أخبرني الحارث الأشعري عن رسول الله ﷺ قال «من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم» قال رجل: يا رسول الله ﷺ وإن صام وصلى؟ قال «نعم وإن صام وصلى» فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله، وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٦٦، ٦/ ١١٦، ٢٣٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١٦٤، والمغازي باب ٦٠، والأدب باب ٨٠، والأحكام باب ٢٢، ومسلم في الجهاد حديث ٧١، وأبو داود في الأدب باب ١٧، والدارمي في المقدمة باب ٢٤، وأحمد في المسند ٣/ ١٣١، ٢٠٩، ٤/ ٣٩٩، ٤١٢، ٤١٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٩/ ١٩٣.","vol":"5","page":399},{"text":"[البقرة: ٢١] من سورة البقرة، ولهذا قال ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة ﴿شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته.\nوقوله ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أي قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها فأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض وطاعة ما أوجب وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقير على الغني من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة.\nوقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ [الحج: ٧٨] أي اعتضدوا بالله واستعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ أي حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ يعني نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء. قال وهيب بن الورد يقول الله تعالى: ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم، والله اعلم.\nآخر تفسير سورة الحج ولله الحمد والمنة.","vol":"5","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1300>سورة المؤمنون</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1301>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ إلى ١١]</span>\n﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم قال: أملى علي يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري؟ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فلبثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا-ثم قال-لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم العشر، ورواه الترمذي في تفسيره، والنسائي في الصلاة من حديث عبد الرزاق به، وقال الترمذي: منكر لا تعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه.\nوقال النسائي في تفسيره: أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر عن أبي عمران عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق رسول الله ﷺ؟ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ -حتى انتهت إلى- ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ.\nوقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد وأبي العالية وغيرهم: لما خلق الله جنة عدن وغرسها بيده نظر إليها وقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال كعب الأحبار: لما أعد لهم من الكرامة فيها. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه (^٢).\nوقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب عن الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٤.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٩٦.","vol":"5","page":401},{"text":"قال: خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها وقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فدخلتها الملائكة، فقالت: طوبى لك منزل الملوك، ثم قال: وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري، حدثنا عدي بن الفضل، حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك-قال البزار: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث-حائط الجنة لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك. فقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقالت الملائكة:\nطوبى لك منزل الملوك» ثم قال البزار: لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي بن الفضل وليس هو بالحافظ. وهو شيخ متقدم الموت.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي، فقالت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾» بقية عن الحجازيين ضعيف. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا حماد بن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي عن أبي صالح عن ابن عباس يرفعه «لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل».\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البزار، حدثنا محمد بن زياد الكلبي، حدثنا يعيش بن حسين عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الله جنة عدن بيده: لبنة من درة بيضاء ولبنة من ياقوتة حمراء ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها انطقي، قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿خاشِعُونَ﴾ خائفون ساكنون، وكذا روي عن مجاهد والحسن وقتادة والزهري. وعن علي بن أبي طالب ﵁: الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح، وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم، إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم.","vol":"5","page":402},{"text":"قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضا مرسلا أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لما واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «حبب إليّ الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم أن رسول الله ﷺ قال: يا بلال «أرحنا بالصلاة» وقال الإمام أحمد (^٣) أيضا:\nحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال:\nيا جارية ائتيني بوضوء لعلي أصلي فأستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قم يا بلال فأرحنا بالصلاة».\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أي عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى:\n﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقفهم عن ذلك. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] وكقوله ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] على أحد القولين في تفسيرهما، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في عشرة النساء باب ١، وأحمد في المسند ٣/ ١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٦٤.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٧١.","vol":"5","page":403},{"text":"فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم أو ما ملكت أيمانهم من السراري ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال:\n﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ﴾ أي غير الأزواج والإماء ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ أي المعتدون.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد عن قتادة أن امرأة اتخذت مملوكها وقالت: تأولت آية من كتاب الله ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ: تأولت آية من كتاب الله ﷿ على غير وجهها، قال: فغرب العبد وجز رأسه، وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم، هذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة وهو هاهنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.\nوقد استدل الإمام الشافعي ﵀ ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور حيث قال:\nحدثني علي بن ثابت الجزري عن مسلمة بن جعفر عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا ومن تاب تاب الله عليه الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره» هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أي إذا اؤتمنوا لم يخونوا بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله ﷺ «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (^٢). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أي يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله؟ قال «الصلاة على وقتها». قلت:\nثم أي؟ قال «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (^٣). أخرجاه في الصحيحين. وفي مستدرك الحاكم قال: «الصلاة في أول وقتها».\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٤٤٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الشهادات باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٧، ١٠٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة باب ٥، والجهاد باب ١، والأدب باب ١، والتوحيد باب ٤٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٣٧، ١٤٠.","vol":"5","page":404},{"text":"وقال ابن مسعود ومسروق في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يعني في مواقيت الصلاة، وكذا قال أبو الضحى وعلقمة بن قيس وسعيد بن جبير وعكرمة. وقال قتادة:\nعلى مواقيتها وركوعها وسجودها، وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة واختتمها بالصلاة فدل على أفضليتها كما قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (^١) ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾»\nوقال ابن جريج عن ليث عن مجاهد ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة ويبني بيته الذي في النار.\nوروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.\nفالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ﷿ بل أبلغ من هذا أيضا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى» (^٣)، وفي لفظ له: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا، فيقال: هذا فكاكك من النار» فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ بذلك قال: فحلف له (^٤)، قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] وكقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير، الجنة بالرومية هي الفردوس، وقال بعض السلف: لا يسمى البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الطهارة باب ٤، وأحمد في المسند ٥/ ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٨٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٤، والتوحيد باب ٢٢.\n(^٣) أخرجه مسلم في التوبة حديث ٥١.\n(^٤) أخرجه مسلم في التوبة حديث ٤٩.","vol":"5","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1302>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ إلى ١٦]</span>\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم ﵇ خلقه الله من صلصال من حمإ مسنون. وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي يحيى عن ابن عباس ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قال: من صفوة الماء. وقال مجاهد: من سلالة أي من مني آدم. وقال ابن جرير (^١): إنما سمي آدم طينا لأنه مخلوق منه وقال قتادة: استل آدم من الطين وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق، فإن آدم ﵇ خلق من طين لازب (^٢)، وهو الصلصال من الحمإ المسنون، وذلك مخلوق من التراب كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠].\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عوف، حدثنا قسامة بن زهير عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك» (^٤) وقد رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه. وقال الترمذي:\nحسن صحيح ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ هذا الضمير عائد على جنس الإنسان كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨] أي ضعيف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ يعني الرحم معد لذلك مهيأ له ﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢١] أي مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنقل من حال إلى حال وصفة إلى صفة، ولهذا قال هاهنا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أي ثم صبرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وهو ظهره، وترائب المرأة وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى السرة، فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة، قال عكرمة: وهي دم ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ وهي قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا﴾ يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها.\nوقرأ آخرون ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا﴾ قال ابن عباس: وهو عظم الصلب، وفي الصحيح\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٢٠٢.\n(^٢) الطين اللازب: هو الطين اللاصق الصلب.\n(^٣) المسند ٤/ ٤٠٠، ٤٠٦.\n(^٤) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في تفسير سورة ٢، باب ١.","vol":"5","page":406},{"text":"من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب (^١) منه خلق ومنه يركب» (^٢) ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا﴾ أي وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا النضر يعني ابن كثير مولى بني هاشم، حدثنا زيد بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا نمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فنفخ فيها الروح في ظلمات ثلاث، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني نفخنا فيه الروح، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه نفخ الروح، قال ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني فنفخنا فيه الروح، وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني ننقله من حال إلى حال إلى أن خرج طفلا ثم نشأ صغيرا، ثم احتلم ثم صار شابا، ثم كهلا ثم شيخا ثم هرما. وعن قتادة والضحاك نحو ذلك، ولا منافاة فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه شرع في هذه التنقلات والأحوال، والله أعلم.\nقال الإمام أحمد (^٣) في مسنده: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله-هو ابن مسعود ﵁-قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق:\n«إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وهل هو شقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها» (^٤) أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش.\n_________\n(^١) عجب الذنب: أصله.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٩، باب ٣، وسورة ٧٨ باب ١، ومسلم في الفتن حديث ١٤١ - ١٤٣، وأبو داود في السنة باب ٢٢، والنسائي في الجنائز باب ١١٧، وابن ماجة في الزهد باب ٣٢، ومالك في الجنائز حديث ٤٩، وأحمد في المسند ٢/ ٣٢٢، ٤٢٨، ٤٩٩.\n(^٣) المسند ١/ ٣٨٢، ٤١٤ - ٤٣٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٦، والأنبياء باب ١، والقدر باب ١، والتوحيد باب ٢٨، ومسلم في القدر حديث ١.","vol":"5","page":407},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة قال:\nقال عبد الله-يعني ابن مسعود-إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر وظفر، فتمكث أربعين يوما، ثم تعود في الرحم فتكون علقة.\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا أبو كدينة عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو يحدث أصحابه، فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي، فقال: لأسألته عن شيء لا يعلمه إلا نبي، قال: فجاءه حتى جلس، فقال: يا محمد مم يخلق الإنسان؟ فقال «يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم» فقال: هكذا كان يقول من قبلك.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة، فيقول: يا رب ماذا؟ أشقي أم سعيد، أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص» وقد رواه مسلم (^٣) في صحيحه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو هو ابن دينار به نحوه، ومن طريق أخرى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وكل بالرحم ملكا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله خلقها قال: أي رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ قال: فذلك يكتب في بطن أمه» (^٤) أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به.\nوقوله: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ يعني حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال وشكل إلى شكل حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق، قال: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤٦٥.\n(^٢) المسند ٤/ ٦، ٧.\n(^٣) كتاب القدر حديث ٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الحيض باب ١٧، والأنبياء باب ١، والقدر باب ١، ومسلم في القدر حديث ٥.","vol":"5","page":408},{"text":"علي بن زيد عن أنس قال: قال عمر، يعني ابن الخطاب ﵁: وافقت ربي ووافقني في أربع: نزلت هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية، قلت أنا فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (^١).\nوقال أيضا: حدثنا أبي حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي، عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى علي رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ -إلى قوله- ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ فقال معاذ ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ فضحك رسول الله ﷺ، فقال له معاذ: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: «بها ختمت فتبارك الله أحسن الخالقين» وفي إسناد جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جدا، وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضا، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ يعني بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يعني النشأة الآخرة ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ يعني يوم المعاد. وقيام الأرواح إلى الأجساد، فيحاسب الخلائق، ويوفي كل عامل عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1303>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٧]</span>\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧)﴾\nلما ذكر تعالى خلق الإنسان، عطف بذكر خلق السموات السبع، وكثيرا ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإنسان كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وهكذا في أول ألم السجدة التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها صبيحة يوم الجمعة في أولها خلق السموات والأرض، ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين، وفيها أمر المعاد والجزاء وغير ذلك من المقاصد.\nوقوله: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ قال مجاهد: يعني السموات السبع، وهذه كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] وهكذا قال هاهنا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ أي ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير، وهو سبحانه لا يحجب عنه سماء سماء ولا أرض أرضا، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال والبحار والقفار\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ١٢.","vol":"5","page":409},{"text":"والأشجار ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1304>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٨ إلى ٢٢]</span>\n﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾\nيذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر، أي بحسب الحاجة لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر ويقال لها الأرض الجرز، يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طينا أحمر فيسقي أرض مصر ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور.\nوقوله: ﴿فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى. وقوله: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أي لو شئنا أن لا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض بل ينجر على وجهها لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبا فراتا زلالا، فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار ويسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون منه وتتنظفون، فله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ يعني فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات أي بساتين وحدائق ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أي ذات منظر حسن. وقوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ أي فيها نخيل وأعناب، وهذا ما كان يألف أهل الحجاز ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما يعجزون عن القيام بشكره. وقوله: ﴿لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أي من جميع الثمار، كما قال: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ١١]. وقوله: ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ كأنه معطوف على شيء مقدر تقديره تنظرون إلى حسنه ونضجه ومنه تأكلون.","vol":"5","page":410},{"text":"وقوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ﴾ يعني الزيتونة، والطور هو الجبل. وقال بعضهم:\nإنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عري عنها سمي جبلا لا طورا، والله أعلم، وطور سيناء هو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره تنبت الدهن كما في قول العرب: ألقى فلان بيده، أي يده، وأما على قول من يضمن الفعل، فتقديره تخرج بالدهن أو تأتي بالدهن، ولهذا قال: ﴿وَصِبْغٍ﴾ أي أدم، قاله قتادة، ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ أي فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع عن عبد الله بن عيسى عن عطاء الشامي، عن أبي أسيد واسمه مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة».\nوقال عبد بن حميد في مسنده وتفسيره: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة» (^٢)، ورواه الترمذي وابن ماجة من غير وجه عن عبد الرزاق. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر، وربما لم يذكره. قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا سفيان بن عيينة حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة عن أبيه عن جده قال: ضفت عمر بن الخطاب ﵁ ليلة عاشوراء فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه ﷺ.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، ويأكلون من حملانها ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها، ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٤٩٧.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الأطعمة باب ٤٣، وابن ماجة في الأطعمة باب ٣٤.","vol":"5","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1305>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ (٢٥)﴾\nيخبر تعالى عن نوح ﵇ حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي ألا تخافون من الله في إشراككم به؟ فقال الملأ وهم السادة والأكابر منهم ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يعنون يترفع عليكم، ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف أوحي إليه دونكم.\n﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أي لو أراد أن يبعث نبيا لبعث ملكا من عنده ولم يكن بشرا ما سمعنا بهذا، أي ببعثة البشر في آبائنا الأولين، يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية. وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي مجنون فيما يزعمه من أن الله أرسله إليكم واختصه من بينكم بالوحي ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أي انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1306>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]</span>\n﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى عن نوح ﵇ أنه دعا ربه ليستنصره على قومه، كما قال تعالى مخبرا عنه في الآية الأخرى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وقال هاهنا: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فعند ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، أي ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي من سبق عليه القول من الله بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله كابنه وزوجته، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي عند معاينة إنزال المطر العظيم لا تأخذنك رأفة بقومك وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك هاهنا. وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤] وقد امتثل نوح ﵇ هذا، كما قال تعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ [هود: ٤١] فذكر الله تعالى عند ابتداء","vol":"5","page":412},{"text":"سيره وعند انتهائه، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. وقوله:\n﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي إن في هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لآيات أي لحججا ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء قادر على كل شيء عليم بكل شيء. وقوله: ﴿وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1307>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣١ إلى ٤١]</span>\n﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤١)﴾\nيخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنا آخرين، قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل: المراد بهؤلاء ثمود لقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ وأنه تعالى أرسل فيهم رسولا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه وأبوا عن اتباعه لكونه بشرا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشرى، وكذبوا بلقاء الله في القيامة وأنكروا المعاد الجثماني وقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أي بعيد بعيد ذلك ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ أي استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أي بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ أي وكانوا يستحقون ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم، والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وقوله:\n﴿فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً﴾ أي صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ كقوله: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] أي بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1308>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]</span>\n﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾","vol":"5","page":413},{"text":"يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ أي أمما وخلائق ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ يعني بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ، وعلمه قبل كونهم أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، وخلفا بعد سلف، ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ قال ابن عباس يعني يتبع بعضهم بعضا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]. وقوله: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ يعني جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [يس: ٣٠].\nوقوله: ﴿فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أي أهلكناهم كقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧]. وقوله: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ أي أخبارا وأحاديث للناس كقوله:\n﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1309>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٩]</span>\n﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾\nيخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى ﵇ وأخاه هارون إلى فرعون وملئه بالآيات والحجج الدامغات والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما لكونهما بشرين، كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب وهو التوراة، فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد أن قصم الله فرعون والقبط وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وبعد أن أنزل الله التوراة لهم يهلك أمة بعامة بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1310>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٠]</span>\n﴿وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵉ أنه جعلهما آية للناس، أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. وقوله:\n﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة.\nقال ابن عباس: وقوله: ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ يقول ذات خصب ﴿وَمَعِينٍ﴾ يعني ماء ظاهرا، وكذا","vol":"5","page":414},{"text":"قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة. وقال مجاهد: ربوة مستوية، وقال سعيد بن جبير ﴿ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ استوى الماء فيها. وقال مجاهد وقتادة ﴿وَمَعِينٍ﴾ الماء الجاري. ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة: من أي أرض هي؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر، والماء حين يسيل يكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا، وهو بعيد جدا.\nوروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي دمشق، قال: وروي عن عبد الله بن سلام والحسن وزيد بن أسلم وخالد بن معدان نحو ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﴿ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: أنهار دمشق. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ﴾ قال: عيسى ابن مريم وأمه حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها. وقال عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله تعالى: ﴿إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي الرملة من فلسطين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا عباد بن عباد الخواص أبو عتبة، حدثنا السيباني عن ابن وعلة عن كريب السحولي عن مرة البهزي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لرجل: «إنك تموت بالربوة، فمات بالرملة»، وهذا حديث غريب جدا وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] وكذا قال الضحاك وقتادة ﴿إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ وهو بيت المقدس، فهذا-والله أعلم-هو الأظهر، لأنه المذكور في الآية الأخرى والقرآن يفسر بعضه بعضا، وهذا أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة ثم الآثار.\n\n<span data-type='title' id=toc-1311>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥١ إلى ٥٦]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾\nيأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء ﵈ بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولا وعملا ودلالة ونصحا، فجزاهم الله عن العباد خيرا. قال الحسن البصري في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ قال: أما والله ما أمركم بأصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه. وقال سعيد بن جبير والضحاك ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ يعني الحلال. وقال أبو إسحاق","vol":"5","page":415},{"text":"السبيعي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه (^١).\nوفي الصحيح «وما من نبي إلا رعى الغنم» قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (^٢). وفي الصحيح «إن داود ﵇ كان يأكل من كسب يده» (^٣). وفي الصحيحين «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى» (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب أن أم عبد الله أخت شداد بن أوس قال: بعثت إلى النبي ﷺ بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها أنى كانت لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن، مرثية لك من طول النهار، وشدة الحر، فرددت إلي الرسول فيه، فقال لها: «بذلك أمرت الرسل: أن لا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا».\nوقد ثبت في صحيح مسلم وجامع الترمذي ومسند الإمام أحمد واللفظ له، من حديث فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك» (^٥) وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا قال ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأنبياء، وأن قوله ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ منصوب على الحال. وقوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ أي الأمم الذين بعثت إليهم الأنبياء ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٢٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في التجارات باب ٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في البيوع باب ١٥.\n(^٤) أخرجه البخاري في الصوم باب ٥٧، والأنبياء باب ٣٧، ومسلم في الصوم حديث ١٨٦، ١٨٧.\n(^٥) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٦٥، والترمذي في تفسير سورة ٢، باب ٣٦، والأدب باب ٤١، وأحمد في المسند ٢/ ٣٢٨.","vol":"5","page":416},{"text":"يفرحون بما هم فيه من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولهذا قال متهددا لهم ومتوعدا:\n﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أي في غيهم وضلالهم ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي إلى حين حينهم وهلاكهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].\nوقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يعني أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟ كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٠] لقد أخطئوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء، ولهذا قال: ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة: ٥٥] الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [القلم: ٤٤ - ٤٥] الآية، وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ -إلى قوله- ﴿عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٦] وقال تعالى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧] الآية، والآيات في هذا كثيرة.\nقال قتادة في قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ قال: مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني، حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال: «غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيء ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث».\n\n<span data-type='title' id=toc-1312>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٧ إلى ٦١]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)﴾\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٨٧.","vol":"5","page":417},{"text":"يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري:\nإن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنا ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، كقوله تعالى إخبارا عن مريم ﵍:\n﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] أي أيقنت أن ما كان، إنما هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه الله فهو إن كان أمرا فمما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خيرا فهو حق، كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ أي لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه لا نظير له ولا كفء له.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك بن مغول، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ﷿؟ قال: «لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله ﷿» وهكذا رواه الترمذي (^٢) وابن أبي حاتم من حديث مالك بن مغول بنحوه، وقال «لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ وقال الترمذي: وروي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا، وهكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية.\nوقد قرأ آخرون هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قرأها كذلك. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جويرية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثنا أبو خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة ﵂، فقالت: مرحبا بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا؟ فقال: أخشى أن أملك، فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسألك عن آية من كتاب الله ﷿: كيف كان رسول الله ﷺ يقرؤها؟ قال: أية آية؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ «والذين يأتون ما أتوا» فقالت: أيتهما أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده\n_________\n(^١) المسند ٦/ ١٥٩، ٢٠٥.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٣، في الترجمة.\n(^٣) المسند ٦/ ٩٥.","vol":"5","page":418},{"text":"لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعا، أو الدنيا وما فيها. قالت وما هي؟ فقلت: «والذين يأتون ما أتوا» فقالت: أشهد أن رسول الله ﷺ كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف، فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.\nوالمعنى على القراءة الأولى، وهي قراءة الجمهور السبعة وغيرهم أظهر، لأنه قال:\n﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1313>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٢ إلى ٦٧]</span>\n﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، أي إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء، ولهذا قال: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يعني كتاب الأعمال، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين، ثم قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي في غفلة وضلالة ﴿مِنْ هذا﴾، أي القرآن الذي أنزله على رسوله ﷺ.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ﴾ أي سيئة من دون ذلك يعني الشرك ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ قال: لا بد أن يعملوها، كذا روي عن مجاهد والحسن وغير واحد. وقال آخرون ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ أي قد كتبت عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب، وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ظاهر قوي حسن، وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: «فوالذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها».\nوقوله: ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني حتى إذا جاء مترفيهم وهم السعداء المنعمون في الدنيا عذاب الله وبأسه ونقمته بهم ﴿إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ أي يصرخون ويستغيثون كما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١١ - ١٣] الآية، وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ","vol":"5","page":419},{"text":"حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣].\nوقوله ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أي لا يجيركم أحد مما حل بكم سواء جأرتم أو سكتم لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال:\n﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ أي إذا دعيتم أبيتم وإن طلبتم امتنعتم ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].\nوقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ في تفسيره قولان. [أحدهما] أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه استكبارا عليه، واحتقارا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في به فيه ثلاثة أقوال [أحدهما] أنه الحرم أي مكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون فيه بالهجر من الكلام. [والثاني] أنه ضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة. [والثالث] أنه محمد ﷺ كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر أو كاهن أو ساحر أو كذاب أو مجنون، فكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله الذي أظهره الله عليهم وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء.\nوقيل المراد بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي بالبيت يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه وليسوا به، كما قال النسائي من التفسير في سننه: أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبد الله عن إسرائيل عن عبد الأعلى أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله سامرا قال: كانوا يتكبرون ويسمرون فيه ولا يعمرونه ويهجرونه، وقد أطنب ابن أبي حاتم هاهنا بما هذا حاصله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1314>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٨ إلى ٧٥]</span>\n﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾\nيقول تعالى منكرا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم وتدبرهم له وإعراضهم عنه مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف لا سيما آباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن","vol":"5","page":420},{"text":"يقابلوا النعمة التي أسداها الله عليهم بقبولها والقيام بشكرها وتفهمها والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول ﷺ ورضي عنهم.\nوقال قتادة ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ إذ والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه ولكنهم أخذوا بما تشابه منه فهلكوا عند ذلك.\nثم قال منكرا على الكافرين من قريش: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي أفهم لا يعرفون محمدا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم أي أفيقدرون على إنكار ذلك والمباهتة فيه، ولهذا قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك إن الله بعث فينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن صفات النبي ﷺ ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارا لم يسلموا، ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك.\nوقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يحكي قول المشركين عن النبي ﷺ أنه تقول القرآن أي افتراه من عنده أو أن به جنونا لا يدري ما يقول، وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يطاق ولا يدافع وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله إن استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين ولهذا قال: ﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يحتمل أن تكون هذه جملة حالية أي في حالة كراهة أكثرهم للحق ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة والله أعلم.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلا فقال له «أسلم» فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره، فقال نبي الله ﷺ: «وإن كنت كارها». وذكر لنا أنه لقي رجلا فقال له «أسلم» فتصعده ذلك، وكبر عليه، فقال له نبي الله ﷺ «أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلا تعرف وجهه وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت تتبعه؟» قال:\nنعم. قال «فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه» وذكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلا فقال له «أسلم» فتصعده ذلك، فقال له نبي الله ﷺ: «أرأيت لو كان فتيان أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدى إليك، أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك وإذا ائتمنته خانك؟» قال:\nبل فتاي الذي إذا حدثني صدقني وإذا ائتمنته أدى إلي، فقال نبي الله ﷺ «كذاكم أنتم عند ربكم» (^١).\nوقوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ قال مجاهد وأبو\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ٢٥.","vol":"5","page":421},{"text":"صالح والسدي: الحق هو الله ﷿، والمراد لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك لفسدت السموات والأرض ومن فيهن أي لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] الآية. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] ففي هذا كله تبين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه، تعالى وتقدس، فلا إله غيره ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ أي القرآن ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nوقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ قال الحسن: أجرا. وقال قتادة: جعلا ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلا ولا شيئا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال: ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ [سبأ: ٤٧] وقال: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقال: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] وقال: ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠ - ٢١].\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتاه فيما يرى النائم ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه:\nاضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضا معشبة وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم وأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني، قال: فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٦٢.","vol":"5","page":422},{"text":"عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني ممسك بحجزكم هلم عن النار هلم عن النار، وتغلبونني وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين أي رب قومي أي رب أمتي، فيقال: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد.\nفأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت» وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي (قلت) بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح، ووثقه النسائي وابن حبان.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ أي لعادلون جائرون منحرفون، تقول العرب: نكب فلان عن الطريق إذا زاغ عنها. وقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم بأنه لو أزاح عنهم الضر وأفهمهم القرآن لما انقادوا له ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ -إلى قوله- ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٩] فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون ولو كان كيف يكون، قال الضحاك عن ابن عباس: كل ما فيه ﴿لَوْ﴾ فهو مما لا يكون أبدا.","vol":"5","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1315>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٦ إلى ٨٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ﴾ أي ابتليناهم بالمصائب والشدائد ﴿فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على غيهم وضلالهم ﴿فَمَا اسْتَكانُوا﴾، أي ما خشعوا ﴿وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي ما دعوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٣] الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبي عن يزيد-يعني النحوي-عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز-يعني الوبر والدم- فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا﴾ الآية، وكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين عن أبيه به، وأصله في الصحيحين أن رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا، فقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، حدثني وهب بن عمر بن كيسان قال حبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ قال:\nوصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال: أحدث لنا فأحدثنا، يعني أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة.\nوقوله: ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة، فأخذهم من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون فعند ذلك أبلسوا (^٢) من كل خير وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم، ثم ذكر تعالى نعمه على عباده بأن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم التي يذكرون بها الأشياء ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله وأنه الفاعل المختار لما يشاء.\nوقوله: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أي ما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم، كقوله:\n﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر في برئه (^٣) الخليقة وذرئه (^٤) لهم في سائر أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٥٨.\n(^٢) أبلسوا: أي يئسوا.\n(^٣) البرء: الخلق.\n(^٤) الذرء: الخلق، وذرأ الشيء: كثّره ومنه الذّريّة.","vol":"5","page":424},{"text":"ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيرا ولا كبيرا، ولا ذكرا ولا أنثى، ولا جليلا ولا حقيرا، إلا أعاده كما بدأه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي يحيي الرمم ويميت الأمم، ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، يتعاقبان لا يفتران ولا يفترقان بزمان غيرهما، كقوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠] الآية.\nوقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم الذي قد قهر كل شيء، وعز كل شيء وخضع له كل شيء، ثم قال مخبرا عن منكري البعث الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلافهم وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله إخبارا عنهم ﴿أَإِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١١ - ١٤] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩] الآيات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1316>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ إلى ٩٠]</span>\n﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠)﴾\nيقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال لرسوله محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئا ولا يملكون شيئا ولا يستبون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] فقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها﴾ أي من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك ﴿قُلْ أَفَلا","vol":"5","page":425},{"text":"تَذَكَّرُونَ﴾ أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرزاق لا لغيره.\n﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾؟ أي من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات والملائكة الخاضعين له في سائر الإفطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم، يعني الذي هو سقف المخلوقات، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن رسول الله ﷺ أنه قال: «شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا» وأشار بيده مثل القبة (^١)، وفي الحديث الآخر «ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة» ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وقال الضحاك عن ابن عباس: إنما سمي عرشا لارتفاعه.\nوقال الأعمش عن كعب الأحبار: إن السموات والأرض في العرش كالقنديل المعلق بين السماء والأرض. وقال مجاهد: ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري عن عمار الدّهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر قدره أحد، وفي رواية: إلا الله ﷿، وقال بعض السلف: العرش من ياقوتة حمراء، ولهذا قال هاهنا:\n﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي الكبير. وقال في آخر السورة ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ أي الحسن البهي، فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع والعلو والحسن الباهر، ولهذا قال من قال إنه من ياقوتة حمراء. وقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه.\nوقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرني عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل معها ابن لها يرعى غنما، فقال لها ابنها:\nيا أمه من خلقك؟ قالت: الله. قال فمن خلق أبي. قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله. قال: فمن خلق السموات؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله.\nقال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله. قال: فإني أسمع لله شأنا ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحدثنا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٨.","vol":"5","page":426},{"text":"هذا الحديث، قال عبد الله بن دينار: كان ابن عمر كثيرا ما يحدثنا بهذا الحديث، قلت: في إسناده عبد الله بن جعفر المديني والد الإمام علي بن المديني، وقد تكلموا فيه، فالله أعلم.\n﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي بيده الملك ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أي متصرف فيها وكان رسول الله ﷺ يقول: «لا والذي نفسي بيده» وكان إذا اجتهد في اليمين قال «لا ومقلب القلوب» فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدا لا يحفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يفتات عليه، ولهذا قال الله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أي وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقال الله: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] أي لا يسأل عما يفعل لعظمته وكبريائه وغلبته وقهره وحكمته وعدله، فالخلق كلهم يسألون عن أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].\nوقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ أي سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له ﴿قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك، ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي في عبادتهم مع الله غيره ولا دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك اتباعا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال، كما قال الله عنهم: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1317>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩١ إلى ٩٢]</span>\n﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾\nينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة، فقال تعالى:\n﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض والمتكلمون ذكروا هذا المعنى، وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدا فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد","vol":"5","page":427},{"text":"منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزا ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالا فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب والآخر المغلوب ممكنا، لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوا كبيرا ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تقدس وتنزه وتعالى وعز وجل عما يقول الظالمون والجاحدون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1318>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٣ إلى ٩٨]</span>\n﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٩٤) وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾\nيقول تعالى آمرا نبيه محمدا ﷺ أن يدعو بهذا الدعاء عند حلول النقم ﴿رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ أي إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك، فلا تجعلني فيهم كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفّني إليك غير مفتون» (^١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ أي لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحن. ثم قال تعالى مرشدا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه، ليستجلب خاطره فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ وهذا كما قال في الآية الأخرى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥] الآية، اي وما يلهم هذه الوصية أو هذه الخصلة أو الصفة ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي على أذى الناس فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم القبيح ﴿وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي في الدنيا والآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أمره الله أن يستعيذ من الشياطين.\nلأنهم لا تنفع معهم الحيل ولا ينقادون بالمعروف، وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ أي في شيء من أمري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور وذلك لطرد الشيطان عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، ولهذا روى أبو داود أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٨، باب ٢، ٤، وأحمد في المسند ٥/ ٢٤٣.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١١٩، والترمذي في المواقيت باب ٦٥، وابن ماجة في الإقامة باب ٢، وأحمد في المسند ١/ ٤٠٣، ٤٠٤، ٣/ ٥٠، ٥/ ٢٥٣، ٦/ ٢٥٦.","vol":"5","page":428},{"text":"ومن الغرق، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: «باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» قال فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه (^٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق. وقال الترمذي: حسن غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1319>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]</span>\n﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾\nيخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى، وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، ولهذا قال:\n﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١] وقال تعالى ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ﴾ -إلى قوله- ﴿ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ -إلى قوله- ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقال تعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١ - ١٢] والآية بعدها. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند الاحتضار ويوم النشور ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار وهم في غمرات عذاب الجحيم.\nوقوله هاهنا: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ كلا حرف ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى ما طلب\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٣٢.\n(^٢) المسند ٢/ ١٨١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الطب باب ١٩، والترمذي في الدعوات باب ٩٣.","vol":"5","page":429},{"text":"ولا نقبل منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم، ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله كلا، أي لأنها كلمة، أي سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه وقول لا عمل معه، ولو رد لما عمل صالحا ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ قال قتادة: والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله ﷿، فرحم الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار.\nوقال محمد بن كعب القرظي ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ قال: فيقول الجبار: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ وقال عمر بن عبد الله مولى غفرة: إذا قال الكافر رب ارجعون لعلي أعمل صالحا، يقول الله تعالى: كلا كذبت.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: كان العلاء بن زياد يقول:\nلينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة طلا بالله، وعن محمد بن كعب القرظي نحوه.\nوقال محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا فضيل-يعني ابن عياض-عن ليث عن طلحة بن مصرف، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: إذا وضع-يعني الكافر-في قبره فيرى مقعده من النار، قال: فيقول: رب ارجعون أتوب وأعمل صالحا، قال:\nفيقال قد عمرت ما كنت معمرا، قال: فيضيق عليه قبره ويلتئم، فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها (^١).\nوقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثني سلمة بن تمام، حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة ﵂ أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم، حية عند رأسه وحية عند رجليه يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ﴾ يعني أمامهم. وقال مجاهد:\nالبرزخ الحاجز ما بين الدنيا والآخرة. وقال محمد بن كعب: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم. وقال أبو صخر:\nالبرزخ المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون، وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ٢٨.","vol":"5","page":430},{"text":"تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧]. وقوله تعالى: ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث «فلا يزال معذبا فيها» (^١) أي في الأرض.\n\n<span data-type='title' id=toc-1320>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠١ إلى ١٠٤]</span>\n﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)﴾\nيخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ أي لا تنفع الأنساب يومئذ ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠ - ١١] أي لا يسأل القريب عن قريبه وهو يبصره ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعز الناس عليه في الدنيا ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] الآية، وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه-قال فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله قال الله تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثتنا أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن عبد الله بن أبي رافع عن المسور-هو ابن مخرمة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري» وهذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني، يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما آذاها» (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير عن عبد الله بن محمد عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر: «ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه؟ بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجنائز باب ٧٠.\n(^٢) المسند ٤/ ٣٢٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في النكاح باب ١٠٩، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٩٣.\n(^٤) المسند ٣/ ١٨.","vol":"5","page":431},{"text":"وإني أيها الناس فرط لكم إذا جئتم» قال رجل: يا رسول الله أنا فلان بن فلان، فأقول لهم: أما النسب فقد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى» وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه ﵁ أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» رواه الطبراني والبزار والهيثم بن كليب والبيهقي، والحافظ الضياء في المختارة وذكر أنه أصدقها أربعين ألفا إعظاما وإكراما ﵁.\nفقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ من طريق أبي القاسم البغوي: حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ:\n«كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري» وروي فيها من طريق عمار بن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا «سألت ربي ﷿ أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي ولا يتزوج إلي أحد منهم إلا كان معي في الجنة فأعطاني ذلك» ومن حديث عمار بن سيف عن إسماعيل عن عبد الله بن عمرو.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة، وقال ابن عباس: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي ثقلت سيئاته على حسناته ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي خابوا وهلكوا وفازوا بالصفقة الخاسرة. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا صالح المري عن ثابت البناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان عن أنس بن مالك يرفعه قال: إن الله ملكا موكلا بالميزان، فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمعه الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، إسناده ضعيف فإن داود بن المحبر ضعيف متروك، ولهذا قال تعالى:\n﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ أي ماكثون فيها دائمون مقيمون فلا يظعنون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩] الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن جهنم لما سيق لها أهلها تلقاهم لهبها، ثم تلفحهم لفحة فلم يبق لهم لحم إلا سقط","vol":"5","page":432},{"text":"على العرقوب» وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز، حدثنا الخضر بن علي بن يونس القطان، حدثنا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القطان، حدثنا سعيد بن سعيد المقبري عن أخيه عن أبيه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ قال: تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني عابسون (^١). وقال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه (^٢). وقال الإمام أحمد (^٣): أخبرنا علي بن إسحاق أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك ﵀، أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ -قال-تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته» (^٤) ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به، وقال: حسن غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1321>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]</span>\n﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ (١٠٧)﴾\nهذا تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم الكتب، وأزلت شبهكم، ولم يبق لكم حجة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ -إلى قوله- ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨ - ١١] ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ أي قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فضللنا عنها ولم نرزقها. ثم قالوا: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ أي ارددنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قال:\n﴿فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ -إلى قوله- ﴿فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:\n١١ - ١٢] أي لا سبيل إلى الخروج لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٤٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٤٦.\n(^٣) المسند ٣/ ٨٨.\n(^٤) أخرجه الترمذي في جهنم باب ٥، وتفسير سورة ٢٣، باب ٤.","vol":"5","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1322>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٨ إلى ١١١]</span>\n﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)﴾\nهذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار. يقول ﴿اِخْسَؤُا فِيها﴾ أي امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء، ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب لكم عندي. قال العوفي عن ابن عباس ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يرد عليهم إنكم ماكثون، قال هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحدا يعني من جهنم، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيقول: يا رب، فيقول الله: من عرف أحدا فليخرجه، فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحدا، فيناديه الرجل: يا فلان أنا فلان، فيقول ما أعرفك، قال: فعند ذلك يقولون ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ فعند ذلك يقول الله تعالى: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد.\nثم قال تعالى مذكرا لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي ﴿حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ أي من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠] أي يلمزونهم استهزاء: ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ أي على أذاكم لهم","vol":"5","page":434},{"text":"واستهزائكم بهم ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة من النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-1323>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٢ إلى ١١٦]</span>\n﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾\nيقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي كم كانت إقامتكم في الدنيا ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ أي الحاسبين ﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي مدة يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لما آثرتم الفاني على الباقي ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيئ ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه سمعه يخطب الناس فقال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم-قال-لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم قال: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين».\nوقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا﴾ أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، وقيل: للعبث، أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله ﷿ ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ أي لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة: ٣٦] يعني هملا. وقوله: ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي تقدس أن يخلق شيئا عبثا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم أي حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ق: ٧].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن سليمان شيخ من أهل العراق، أنبأنا شعيب بن صفوان عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما","vol":"5","page":435},{"text":"بعد، أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه الله من رحمته، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن عذاب الله غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافدا بباق وقليلا بكثير وخوفا بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين حتى تردون إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله ﷿، قد قضى نحبه وانقضى أجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، ووجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم، ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن نصير الخولاني، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن حنش بن عبد الله أن رجلا مصابا مر به عبد الله بن مسعود فقرأ في أذنه هذه الآية ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ حتى ختم السورة فبرأ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «بماذا قرأت في أذنه؟» فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال».\nوروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حدثنا أبو المسيب سلمة بن سلام، حدثنا بكر بن حنيس عن نهشل بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة باسم الله الملك الحق، وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعا فقبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون، باسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم».\n\n<span data-type='title' id=toc-1324>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٧ إلى ١١٨]</span>\n﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١١٨)﴾\nيقول تعالى متوعدا من أشرك به غيره وعبد معه سواه، ومخبرا أن من أشرك بالله لا برهان له، أي لا دليل له على قوله، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ وهذه جملة معترضة، وجواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي الله يحاسبه على ذلك،","vol":"5","page":436},{"text":"ثم أخبر ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ أي لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال لرجل: «ما تعبد؟» قال: أعبد الله وكذا وكذا حتى عد أصناما، فقال رسول الله ﷺ: «فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟» قال: الله ﷿. قال «فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟». قال: الله ﷿، قال: «فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه، أم حسبت أن تغلب عليه؟» قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله ﷺ «تعلمون ولا يعلمون» فقال الرجل بعد ما أسلم: لقيت رجلا خصمني، هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندا عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول الله ﷺ نحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء، فاغفر إذا أطلق ومعناه محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناها أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال.\n\nآخر تفسير سورة المؤمنون.","vol":"5","page":437},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1325>سورة النور</span>\n<span data-type='title' id=toc-1326>[سورة النور (٢٤): الآيات ١ إلى ٢]</span>\n﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾\nيقول تعالى: هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ما عداها ﴿وَفَرَضْناها﴾. قال مجاهد وقتادة: أي بينا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود. وقال البخاري (^١): ومن قرأ فرضناها، يقول فرضناها عليكم وعلى من بعدكم ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي مفسرات واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرا وهو الذي لم يتزوج، أو محصنا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان بكرا لم يتزوج، فإن حده مائة جلدة كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يغرب عاما عن بلده عند جمهور العلماء خلافا لأبي حنيفة ﵀، فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام: إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب.\nوحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول الله ﷺ: فقال أحدهما: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفا-يعني أجيرا-على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس-لرجل من أسلم-إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها «فغدا عليها فاعترفت فرجمها» (^٢).\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة النور ٢٤، باب ١.\n(^٢) أخرجه البخاري في الصلح باب ٥، ومسلم في الحدود حديث ٢٥.","vol":"6","page":3},{"text":"ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرا لم يتزوج، فأما إذا كان محصنا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل فإنه يرجم. كما قال الإمام مالك:\nحدثني محمد بن شهاب، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره أن.\nعمر قام فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف (^١). أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولا، وهذه قطعة منه فيها مقصودنا هاهنا.\nوروى الإمام أحمد (^٢) عن هشيم عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس:\nحدثني عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وإن أناسا يقولون ما بال الرجم؟ في كتاب الله الجلد، وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت به وأخرجه النسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله به.\nوقد روى الإمام أحمد (^٣) أيضا عن هشيم عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فذكر الرجم، فقال: لا تخدعن عنه فإنه حد من حدود الله تعالى، ألا وإن رسول الله ﷺ قد رجم ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله ﷺ قد رجم ورجمناه بعده، ألا إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم، وبالدجال وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا.\nوروى أحمد (^٤) أيضا عن يحيى القطان عن يحيى الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب «إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم» الحديث رواه الترمذي (^٥) من حديث سعيد عن عمر، وقال صحيح. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون عن محمد هو ابن سيرين، قال: نبئت عن كثير بن الصلت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الحدود باب ٣٠، ومسلم في الحدود حديث ٢٥، ومالك في الحدود حديث ٦.\n(^٢) المسند ١/ ٢٩.\n(^٣) المسند ١/ ٢٣.\n(^٤) المسند ١/ ٢٦.\n(^٥) كتاب الحدود باب ١٠.","vol":"6","page":4},{"text":"قال: كنا عند مروان وفينا زيد، فقال زيد بن ثابت: كنا نقرأ: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب، فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال: قلنا فكيف؟ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ قال:\nفذكر كذا وكذا وذكر الرجم، فقال: يا رسول الله اكتب لي آية الرجم، قال «لا أستطيع الآن» هذا أو نحو ذلك. وقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت عن زيد بن ثابت به، وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولا به، والله أعلم.\nوقد أمر رسول الله ﷺ برجم هذه المرأة وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير، ورجم رسول الله ﷺ ماعزا والغامدية، وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنهم جلدهم قبل الرجم، وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم وليس فيها ذكر الجلد، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏، وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية، والرجم للسنة.\nكما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما أتى بشراحة، وكانت قد زنت وهي محصنة، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ.\nوقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة ومسلم من حديث قتادة عن الحسن عن حطّان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ أي في حكم الله، أي لا ترجموهما وترأفوا بهما في شرع الله، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد فلا يجوز ذلك. قال مجاهد ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل، وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح. وقد جاء في الحديث «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب» (^٢)، وفي الحديث الآخر «لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الحدود حديث ٢٥، وأبو داود في الحدود باب ٢٥، والترمذي في الحدود باب ٨، والنسائي في القضاة باب ٢٢، وابن ماجة في الحدود باب ٧، والدارمي في الحدود باب ١٢، ومالك في الحدود حديث ٦، وأحمد في المسند ٥/ ٣١٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الحدود باب ٦، والنسائي في السارق باب ٥.","vol":"6","page":5},{"text":"صباحا» (^١). وقيل المراد ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح.\nقال عامر الشعبي ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ قال: رحمة في شدة الضرب. وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح. وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع ثيابه، ثم تلا ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ فقلت هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم، والجلد يعني في إقامة الحد وفي شدة الضرب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمرو عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها، قال نافع: أراه قال وظهرها، قال قلت ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ قال: يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربت (^٢). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي فافعلوا ذلك وأقيموا الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب ولكن ليس مبرحا ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها: فقال «ولك في ذلك أجر» (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورا. قال الحسن البصري في قوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني علانية: ثم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة الرجل فما فوقه. وقال مجاهد: الطائفة رجل إلى ألف، وكذا قال عكرمة، ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد، وقال عطاء بن أبي رباح: اثنان، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكذا قال سعيد بن جبير ﴿طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: يعني رجلين فصاعدا، وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعدا.\nوقال عبد الرزاق: حدثني ابن وهب عن الإمام مالك في قوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: الطائفة أربعة نفر فصاعدا، لأنه لا يكفي شهادة في الزنا دون أربعة شهداء فصاعدا، وبه قال الشافعي. وقال ربيعة: خمسة. وقال الحسن البصري: عشرة وقال قتادة:\nأمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي نفر من المسلمين ليكون ذلك موعظة وعبرة\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في السارق باب ٧، وابن ماجة في الحدود باب ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٢، ٤٠٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٥٦.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٣٦، ٥/ ٣٤.","vol":"6","page":6},{"text":"ونكالا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا بقية قال: سمعت نصر بن علقمة يقول في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1327>[سورة النور (٢٤): آية ٣]</span>\n﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾\nهذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك ﴿الزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ﴾ أي عاص بزناه. ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ لا يعتقد تحريمه، قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁ ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضا. وقد روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي تعاطيه والتزوج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالرجال الفجار، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا قيس عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: حرم الله الزنا على المؤمنين. وقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدم في ذلك فقال ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ [النساء:٢٥]. وقوله ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ [المائدة: ٥] الآية، ومن هاهنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان قال أبي حدثنا الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلا من المؤمنين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه قال فاستأذن رسول الله ﷺ أو ذكر له أمرها قال: فقرأ عليه رسول الله ﷺ ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال النسائي: أخبرنا عمر بن عدي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح فأراد\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٥٩، ٢٢٥.","vol":"6","page":7},{"text":"رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن يتزوجها فأنزل الله ﷿: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال الترمذي (^١): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا روح بن عبادة عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وإنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إلي عرفتني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحبا وأهلا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: يا عناق حرم الله الزنا، فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم.\nقال: فتبعني ثمانية ودخلت الخندمة فانتهيت إلى غار أو كهف، فدخلت فيه فجاؤوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا: فظل بولهم على رأسي، فأعمالهم الله عني، قال: ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أحبله، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا أنكح عناقا-مرتين؟ -فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ «يا مرثد: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فلا تنكحها» (^٢). ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسدد أبو الحسن حدثنا عبد الوارث عن حبيب المعلم، حدثني عمرو بن شعيب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» وهكذا أخرجه أبو داود (^٣) في سننه عن مسدد وأبي معمر عن عبد الله بن عمرو كلاهما عن عبد الوارث به. وقال الإمام أحمد: (^٤) حدثنا يعقوب، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أخيه عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار مولى ابن عمر قال: أشهد لسمعت سالما يقول: قال عبد الله: قال\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٤، باب ١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في النكاح باب ٤، والنسائي في النكاح باب ١٢.\n(^٣) كتاب النكاح باب ٤.\n(^٤) المسند ٢/ ١٣٤.","vol":"6","page":8},{"text":"رسول الله ﷺ «ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث، وثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى» ورواه النسائي (^١) عن عمرو بن علي الفلاس، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري، عن عبد الله بن يسار به.\nوقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا يعقوب، حدثنا الوليد بن كثير عن قطن بن وهب عن عويمر بن الأجدع، عمن حدثه عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال «ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث الذي يقر في أهله الخبث». وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثني شعبة، حدثني رجل من آل سهل بن حنيف عن محمد بن عمار، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ «لا يدخل الجنة ديوث» يستشهد به لما قبله من الأحاديث.\nوقال ابن ماجة (^٣): حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سلام بن سوار، حدثنا كثير بن سليم عن الضحاك بن مزاحم، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من أراد أن يلقى الله وهو طاهر متطهر، فليتزوج الحرائر» في إسناده ضعف. وقال الإمام أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح في اللغة: الديوث القنزع، وهو الذي لا غيرة له، فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب النكاح من سننه: أخبرنا محمد بن إسماعيل ابن علية عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الكريم عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس. عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه، قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس؟ قال «طلقها» قال:\nلا صبر لي عنها. قال «استمتع بها» (^٤) ثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت وعبد الكريم ليس بالقوي وهارون أثبت منه وقد أرسل الحديث وهو ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم. قلت: وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي، لكن قد رواه النسائي في كتاب الطلاق، عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مسندا، فذكره بهذا الإسناد، فرجاله على شرط مسلم إلا أن النسائي بعد روايته له قال: هذا خطأ والصواب\n_________\n(^١) كتاب الزكاة باب ٦٩.\n(^٢) المسند ٢/ ٦٩.\n(^٣) كتاب النكاح باب ٨.\n(^٤) أخرجه النسائي في النكاح باب ١٢، والطلاق باب ٣٤.","vol":"6","page":9},{"text":"مرسل، ورواه غير النضر على الصواب.\nوقد رواه النسائي أيضا وأبو داود عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ فذكره وهذا الإسناد جيد. وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له كما تقدم عن النسائي، ومنكر كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر، وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلا، وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم فقال وقيل: سخية تعطي، ورد هذا بأن لو كان المراد لقال: لا تردّ يد ملتمس، وقيل المراد أن سجيتها لا ترديد لامس لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة، فإن رسول الله ﷺ لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثا، وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمره رسول الله ﷺ بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها متوهم فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل، والله ﷾ أعلم.\nقالوا فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج، كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة مولى ابن عباس ﵁ قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال: إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله ﷿ علي، فرزقني الله ﷿ من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها فما كان من إثم فعلي، وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قال:\nكان يقال نسختها التي بعدها ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ قال: كان يقال الأيامى من المسلمين، وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ له عن سعيد بن المسيب، ونص على ذلك أيضا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1328>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤ إلى ٥]</span>\n﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nهذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضا، وليس في هذا نزاع بين العلماء، فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فأوجب على القاذف، إذا لم يقم","vol":"6","page":10},{"text":"البينة على صحة ما قال، ثلاثة أحكام: [أحدها] أن يجلد ثمانين جلدة. [الثاني] أنه ترد شهادته أبدا. [الثالث] أن يكون فاسقا ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس.\nثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية.\nواختلف العلماء في هذا الاستثناء. هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط ويبقى مردود الشهادة دائما وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟ أما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصر ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين، وجماعة من السلف أيضا. وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدا، وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1329>[سورة النور (٢٤): الآيات ٦ إلى ١٠]</span>\n﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾\nهذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله ﷿ وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين أي فيما رماها به من الزنا ﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدا، ويعطيها مهرها ويتوجب عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي فيما رماها به ﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ولهذا قال ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ﴾ يعني الحد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه.\nثم ذكر تعالى رأفته بخلقه ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي لحرجتم ولشق عليكم كثير","vol":"6","page":11},{"text":"من أموركم ﴿وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ﴾ أي على عباده، وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه، وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية وذكر سبب نزولها وفيمن نزلت فيه من الصحابة.\nفقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال:\nلما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا﴾ قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار ﵁: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟» فقالوا:\nيا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.\n-قال: فما لبثوا إلا يسيرا-حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلا، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به واشتد عليه، واجتمعت عليه الأنصار وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن، يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا. وقال هلال يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق. فوالله إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسوله ﷺ الوحي، وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه، يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي.\nفنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ الآية، فسري عن رسول الله ﷺ فقال «أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا» فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي ﷿، فقال رسول الله ﷺ «أرسلوا إليها» فأرسلوا إليها فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها، فقالت:\nكذب.\nفقال رسول الله ﷺ «لاعنوا بينهما» فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل له: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٣٨، ٢٣٩.","vol":"6","page":12},{"text":"الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة:\nاشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أن يفترقا من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال «إن جاءت به أصيهب أريشح حمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فهو الذي رميت به فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله ﷺ «لولا الايمان لكان لي ولها شأن» قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب. ورواه أبو داود (^١) عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرا.\nولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة، فمنها ما قال البخاري (^٢): حدثني محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن هشام بن حسان، حدثني عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء، فقال النبي ﷺ «البينة أو حد في ظهرك» فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول «البينة وإلا حد في ظهرك» فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ -فقرأ حتى بلغ- ﴿إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي ﷺ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ثم قامت فشهدت، فلما كان في الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النبي ﷺ «أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الآليتين خدلج الساقين، فهو لشريك ابن سحماء» فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» انفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه من غير وجه عن ابن عباس وغيره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثا صالح وهو ابن عمر، حدثنا عاصم يعني ابن كليب عن أبيه، حدثني ابن عباس قال: جاء رجل الى رسول الله ﷺ فرمى امرأته برجل، فكره ذلك رسول الله ﷺ، فلم يزل يردده حتى أنزل الله\n_________\n(^١) كتاب الطلاق باب ٢٧.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٤، باب ١، ٣.","vol":"6","page":13},{"text":"تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ﴾ فقرأ حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما فدعاهما فقال: «إن الله تعالى قد أنزل فيكما» فدعا الرجل فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، فقال له «كل شيء أهون عليه من لعنة الله» ثم أرسله فقال «لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين» ثم دعاها فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين، ثم أمر فأمسك على فيها فوعظها وقال: «ويحك كل شيء أهون من غضب الله» ثم أرسلها فقالت: غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فقال رسول الله ﷺ «أما والله لأقضين بينكما قضاء فصلا» قال: فولدت فما رأيت مولودا بالمدينة أكثر غاشية منه، فقال «إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا» فجاءت به يشبه الذي قذفت به.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال:\nسمعت سعيد بن جبير قال: سئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما في إمارة ابن الزبير، فما دريت ما أقول، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ فقال: سبحان الله إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك فسكت فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله تعالى هذه الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فبدأ بالرجل فوعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبتك، ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقالت المرأة: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، قال: فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما (^٢)، رواه النسائي في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به، وأخرجاه في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا جلوسا عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ،\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الطلاق باب ٢٥، ومسلم في الطلاق حديث ٤، ١٠.\n(^٣) المسند ١/ ٤٢١، ٤٢٢.","vol":"6","page":14},{"text":"والله لئن أصبحت صالحا لأسألن رسول الله ﷺ، قال: فسأله، فقال: يا رسول الله إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا فقتل قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم احكم، قال: فأنزلت آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به. انفرد بإخراجه مسلم (^١)، فرواه من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش به.\nوقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال له: سل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد رجلا مع امرأته فقتله أيقتل به، أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ فعاب رسول الله ﷺ المسائل، قال: فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت إنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله ﷺ فعاب المسائل، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه.\nفآتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما قال: فدعا بهما فلاعن بينهما. قال عويمر: لئن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول الله ﷺ فصارت سنة المتلاعنين، وقال رسول الله ﷺ «أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذبا» فجاءت به على النعت المكروه (^٣). أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن الزهري به.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن زيد بن يثيع عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر «لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به؟» قال: كنت والله فاعلا به شرا، قال «فأنت يا عمر؟» قال: كنت والله فاعلا، كنت أقول: لعن الله الأعجز فإنه خبيث. قال: فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ﴾ ثم قال: لا نعلم أحدا أسنده إلا النضر بن شميل عن يونس بن إسحاق، ثم رواه من حديث الثوري عن ابن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع مرسلا، فالله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك ﵁ قال: لأول لعان كان في الإسلام أن شريك ابن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعه إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «أربعة شهود، وإلا فحد في ظهرك» فقال: يا رسول الله إن الله يعلم إني لصادق، ولينزلن الله\n_________\n(^١) كتاب اللعان حديث ١٠.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٣٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٤، باب ١، ومسلم في اللعان حديث ١٢، وأبو داود في الطلاق باب ٢٧، وابن ماجة في الطلاق باب ٢٧.","vol":"6","page":15},{"text":"عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد، فأنزل الله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ إلى أخر الآية، قال: فدعاه النبي ﷺ فقال «اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا» فشهد بذلك أربع شهادات.\nثم قال له في الخامسة «ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا» ففعل، ثم دعاها رسول الله ﷺ فقال «قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا» فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا» قال: فلما كانت الرابعة أو الخامسة، سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقال «انظروا فإن جاءت به جعدا حمش الساقين، فهو لشريك ابن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطا قضي العينين، فهو لهلال بن أمية» فجاءت به جعدا حمش الساقين، فقال رسول الله ﷺ «لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن».\n\n<span data-type='title' id=toc-1330>[سورة النور (٢٤): آية ١١]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾\nهذه العشر آيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂ حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله ﷿ لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي جماعة منكم يعني ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت لها اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا، ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعد ما\n_________\n(^١) المسند ٦/ ١٩٤ - ١٩٧.","vol":"6","page":16},{"text":"أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوة وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار (^١) قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركبه، وهم يحسبون أني فيه.\nقالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج (^٢) فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (^٣) حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة (^٤)، فهلك من هلك في شأني.\nوكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمناها شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله ﷺ اللطف الذي أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول «كيف تيكم؟» فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت (^٥)، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه (^٦) في البرية وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا.\nفانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن\n_________\n(^١) الجزع: الخرز، وظفار: مدينة باليمن.\n(^٢) أدلج: سار في آخر الليل.\n(^٣) استرجع: أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.\n(^٤) يقال: وغرت الهاجرة وغرا، وأوغر الرجل: إذا دخل في الهاجرة، والهاجرة: وقت توسط الشمس السماء.\n(^٥) نقهت: أي أفقت وبرأت.\n(^٦) التنزه: التباعد، أي كانوا يقضون الحاجة في مكان بعيد.","vol":"6","page":17},{"text":"عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها (^١)، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت تسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه (^٢) ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم، ثم قال «كيف تيكم؟» فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ، فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس به؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت سبحان الله أو قد تحدث الناس بها، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقا (^٣) لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي (^٤) ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال أسامة:\nيا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال «أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟» فقالت له بريرة:\nوالذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا قط أغمصه عليها (^٥) أكثر من جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن (^٦) فتأكله.\nفقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر «يا معشر المسلمين من يعذرني (^٧) من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي».\nفقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك، قالت: فقام سعد بن\n_________\n(^١) المرط: الكساء.\n(^٢) أي هنتاه: أي: يا هذه، أو يا بلهاء.\n(^٣) لا يرقأ: لا ينقطع.\n(^٤) استلبث الوحي: أي أبطأ وتأخر.\n(^٥) أغمصه عليها: أي أعيبها، وأطعن به عليها.\n(^٦) الداجن: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم.\n(^٧) من يعذرني: أي من يلومني إذا كافأته بسوء صنيعه.","vol":"6","page":18},{"text":"عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ:\nلعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت (!) لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان:\nالأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت رسول الله ﷺ، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي.\nقال: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت:\nولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال «أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه» قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة.\nفقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ، فقال والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله ﷺ فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أحفظ كثيرا من القرآن، والله لقد عرفت، أنكم قد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله تعالى مبرئى ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال «أبشري يا عائشة أما الله ﷿ فقد برأك» قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ﷿ هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العشر آيات كلها، فأنزل الله هذه الآيات في براءتي قالت: فقال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله","vol":"6","page":19},{"text":"تعالى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى﴾ -إلى قوله- ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.\nقالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري، فقال «يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟» فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله تعالى بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك (^١).\nقال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري، وهكذا رواه ابن إسحاق (^٢) عن الزهري، كذلك قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة ﵂، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عن عمرة، عن عائشة بنحو ما تقدم، والله أعلم.\nثم قال البخاري (^٣): وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة ﵂ قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله ﷺ فيّ خطيبا، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي (^٤)، وايم الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي.\nفقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله ﷺ ائذن لنا أن نضرب أعناقهم، فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم، حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد وما علمت، فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم أتسبين ابنك؟. فسكتت، ثم عثرت الثانية فقالت: تعس مسطح فقلت لها أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فانتهرتها، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الشهادات باب ١٥، والمغازي باب ٣٤، وتفسير سورة ١٢، باب ٣، وسورة ٢٤، باب ٥، والأيمان والنذور باب ١٨، والتوحيد باب ٣٥، ٥٢، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٥٥، والتوبة حديث ٥٦، وأبو داود في الصلاة باب ١٢٢.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧، ٣٠٧.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٤، باب ٦.\n(^٤) أبنوا أهل: أي اتهموا أهلي.","vol":"6","page":20},{"text":"قالت: فبقرت لي الحديث (^١)، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا، ووعكت وقلت لرسول الله ﷺ أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أم رومان: ما جاء بك بنية، فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن فإنه والله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها، وقيل فيها، فقلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت:\nورسول الله ﷺ؟. قالت: نعم ورسول الله ﷺ.\nفاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمي:\nما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه ﵁ وقال: أقسمت عليك -أي بنية-إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت، ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي فسأل عني خادمتي فقالت: لا والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به. فقالت:\nسبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ عن تبر الذهب الأحمر، وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط.\nقالت عائشة ﵂: فقتل شهيدا في سبيل الله وقالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله ﷺ وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد يا عائشة إن كنت قارفت سوءا أو ظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده» قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئا؟ فوعظ رسول الله ﷺ فالتفت إلى أبي فقلت له: أجبه قال: فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه قالت: ماذا أقول؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد فوالله إن لئن قلت لكم إني لم أفعل والله ﷿ يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم، وإن قلت لكم إني قد فعلت، والله يعلم أني لم أفعل، لتقولن قد باءت به على نفسها، وإنني والله ما أجد لي ولكم مثلا، والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ وأنزل الله على رسوله ﷺ من ساعته، فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول «أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك» قالت: وكنت أشد ما كنت غضبا فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لقد سمعتموه فما\n_________\n(^١) بقرت لي الحديث: أي فتحته وكشفته.","vol":"6","page":21},{"text":"أنكرتموه ولا غيرتموه.\nوكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فقد عصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما أختها حمنة بنت جحش فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم به مسطح وحسان بن ثابت وأما المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة، قالت: وحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا، فأنزل الله تعالى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ يعني أبا بكر ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ﴾ يعني مسطحا إلى قوله ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر:\nبلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع.\nهكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أسامة أحد الأئمة الثقات. وقد رواه ابن جرير (^١) في تفسيره عن سفيان بن وكيع عن أبي أسامة به مطولا مثله أو نحوه. ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة ببعضه.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هشيم، أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري من السماء جاءني النبي ﷺ فأخبرني بذلك، فقلت:\nنحمد الله لا نحمدك. وقال الإمام أحمد (^٣): حدثني ابن أبي عدي عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أيضا عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم (^٤)، وأخرجه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ووقع عند أبي داود تسميتهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها.\nوقد روي من حديث أمها أم رومان ﵂، فقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا علي بن عاصم، أخبرنا حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان، قالت بينا أنا عند عائشة إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن حدث الحديث، قالت: وأي الحديث؟ قالت: كذا وكذا، قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، قالت: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم، فخرت عائشة ﵂ مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فقمت فدثرتها، قالت: فجاء النبي ﷺ قال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٢٨١، ٢٨٢.\n(^٢) المسند ٦/ ٣٠.\n(^٣) المسند ٦/ ٣٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الحدود باب ٣٤، والترمذي في تفسير سورة ٢٤، باب ٥.\n(^٥) المسند ٦/ ٣٦٧، ٣٦٨.","vol":"6","page":22},{"text":"«فما شأن هذه؟» فقلت: يا رسول الله أخذتها حمى بنافض (^١)، قال «فلعله في حديث تحدث به» قالت: فاستوت له عائشة قاعدة، فقالت: والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالت: فخرج رسول الله ﷺ وأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر، فدخل فقال: يا عائشة «إن الله تعالى قد أنزل عذرك» فقالت:\nبحمد الله لا بحمدك، فقال لها أبو بكر: تقولين هذا لرسول الله ﷺ؟ قالت: نعم. قالت:\nفكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر فحلف أن لا يصله، فأنزل الله ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى آخر الآية، فقال أبو بكر: بلى فوصله. تفرد به البخاري (^٢) دون مسلم من طريق حصين.\nوقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة وعن محمد بن سلام عن محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به: وفي لفظ أبي عوانة حدثتني أم رومان، وهذا صريح في سماع مسروق منها، وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي، وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي ﷺ قال الخطيب: وقد كان مسروق يرسله فيقول:\nسئلت أم رومان ويسوقه فلعل بعضهم كتب سئلت بألف اعتقد الراوي أنها سألت فظنه متصلا، قال الخطيب: وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته كذا قال، والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ﴾ أي بالكذب والبهت والافتراء ﴿عُصْبَةٌ﴾ أي جماعة منكم ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ أي يا آل أبي بكر ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي في الدنيا والآخرة لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين ﵂، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] الآية، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس ﵁ وعنها وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله ﷺ، وكان يحبك ولم يتزوج بكرا غيرك، وأنزل براءتك من السماء.\nوقال ابن جرير (^٣) في تفسيره: حدثني محمد بن عثمان الواسطي، حدثنا جعفر بن عون عن المعلى بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب ﵄ فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين حملني صفوان بن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت كلمة المؤمنين.\n_________\n(^١) عليها حمى بنافض: أي عليها حمى أصابتها برعدة شديدة، كأنها نفضتها، أي حركتها.\n(^٢) كتاب الأنبياء باب ١٩، والمغازي باب ٣٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٩/ ٢٧٧.","vol":"6","page":23},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل ابتدأ به، وقيل الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه ﴿لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول قبحه الله تعالى ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد وغير واحد، وقيل المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله ﷺ بشعره، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ «هاجهم وجبريل معك».\nوقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة ﵂، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني يدخل عليك، وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك، وقد قال الله ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: وأي عذاب أشد من العمى، وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم ثم قالت إنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ، وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرا يمتدحها به، فقال [الطويل]:\nحصان رزان ما تزنّ بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (^١)\nفقالت: أما أنت فلست كذلك، وفي رواية، لكنك لست كذلك، وقال ابن جرير (^٢): حدثنا الحسن بن قزعة، حدثنا سلمة بن علقمة، حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت:\nما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب [الوافر]:\nهجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء (^٣)\nفإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء\n_________\n(^١) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص ٢٢٨، والإنصاف ٢/ ٧٥٩، ولسان العرب (حصن)، وتاج العروس (حصن)، (رزن)، وتفسير الطبري ٩/ ٢٧٧ (الشطر الثاني فقط)، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص ٢٨٩، ولسان العرب (غرث)\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٢٧٦.\n(^٣) الأبيات في ديوان حسان بن ثابت ص ٧٦، والبيت الأول في مقاييس اللغة ٤/ ٢٧٤، والبيت الثاني في لسان العرب (عرض)، وأمالي المرتضى ١/ ٦٣٢، وتاج العروس (عرض) ويروى صدر البيت الثالث: أتهجوه ولست له بندّ وهو في خزانة الأدب ٩/ ٢٣٢، ٢٣٦، ٢٣٧، وشرح الأشموني ٣/ ٣٨٨، ولسان العرب (ندد)، (عرش)","vol":"6","page":24},{"text":"أتشتمه ولست له بكفء؟ … فشركما لخيركما الفداء\nلساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدره الدلاء\nفقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغوا؟ قالت: لا إنما اللغو ما قيل عند النساء، قيل:\nأليس الله يقول ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره، وكنع بالسيف؟ تعني الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك، فعلاه بالسيف وكاد أن يقتله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1331>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٢ إلى ١٣]</span>\n﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣)﴾\nهذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة ﵂ حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السيئ، وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى: ﴿لَوْلا﴾ يعني هلا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين ﵂ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأخرى.\nوقد قيل: إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته ﵄، كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن بعض رجال بني النجار: إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ﵂؟ قال: نعم وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك، قال: فلما نزل القرآن ذكر ﷿ من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية، أي كما قال أبو أيوب وصاحبته (^١).\nوقال محمد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي حبيب عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة والله خير منك، فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله ﷿ ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال، ويقال إنما قالها أبيّ بن كعب.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٤٨.","vol":"6","page":25},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلخ أي هلا ظنوا الخير فإن أم المؤمنين أهله وأولى به.\nهذا ما يتعلق بالباطن، وقوله ﴿وَقالُوا﴾ أي بألسنتهم ﴿هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أي كذب ظاهر على أم المؤمنين ﵂، فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة، والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جهرة ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رؤوس الأشهاد، بل كان يكون هذا لو قدر خفية مستورا، فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت، والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، والصفقة الخاسرة، قال الله تعالى: ﴿لَوْلا﴾ أي هلا ﴿جاؤُ عَلَيْهِ﴾ أي على ما قالوه ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ يشهدون على صحة ما جاءوا به ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي في حكم الله كذبة فاجرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1332>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٤ إلى ١٥]</span>\n﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أيها الخائضون في شأن عائشة بأن قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من قضية الإفك ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه التوبة إليه، كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينت بنت جحش، فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي ابن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية، لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه، وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقا مشروطا بعدم التوبة أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه.\nثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي يرويه بعضكم عن بعض، يقول هذا سمعته من فلان، وقال فلان كذا، وذكر بعضهم كذا، وقرأ آخرون ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ وفي صحيح البخاري (^١) عن عائشة أنها كانت تقرؤها كذلك، وتقول: هو من ولق اللسان يعني الكذب الذي يستمر صاحبه عليه، تقول العرب: ولق فلان في السير إذا استمر فيه، والقراءة الأولى أشهر وعليها الجمهور، ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة أنها كانت تقرأ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ وتقول: إنما هو ولق القول-والولق الكذب-.\nقال ابن أبي مليكة: هي أعلم به من غيرها.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٤، باب ٧، ٨.","vol":"6","page":26},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون ما لا تعلمون، ثم قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ أي تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين وتحسبون ذلك يسيرا سهلا ولو لم تكن زوجة النبي ﷺ لما كان هينا، فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل! فإن الله ﷾ يغار لهذا، وهو ﷾ لا يقدّر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك حاشا وكلا، ولما لم يكن ذلك، فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ وفي الصحيحين «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض». وفي رواية «لا يلقي لها بالا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1333>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٦ إلى ١٨]</span>\n﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾\nهذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير، أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيرا، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك وسوسة أو خيالا، فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله ﷺ قال «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل» (^٢) أخرجاه في الصحيحين. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا﴾ أي ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد ﴿سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله.\nثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدا أي فيما يستقبل، فلهذا قال ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه، وتعظمون رسوله ﷺ، فأما من كان متصفا بالكفر فذاك حكم آخر، ثم قال تعالى:\n﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ أي يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1334>[سورة النور (٢٤): آية ١٩]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾\nهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ، فقام بذهنه شيء منه وتكلم به فلا يكثر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢٣، ومسلم في الزهد حديث ٥٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأيمان باب ١٥، ومسلم في الإيمان حديث ٢٠١، ٢٠٢.","vol":"6","page":27},{"text":"منه ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا﴾ أي بالحد، وفي الآخرة بالعذاب الأليم ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي فردوا الأمور إليه ترشدوا. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن بكير، حدثنا ميمون بن موسى المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان عن النبي ﷺ قال «لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته، حتى يفضحه في بيته».\n\n<span data-type='title' id=toc-1335>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]</span>\n﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾\nيقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي لولا هذا لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية، وطهر من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم، ثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ يعني طرائقه ومسالكه وما يأمر به ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ عمله.\nوقال عكرمة: نزغاته. وقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان. وقال أبو مجلز:\nالنذور في المعاصي من خطوات الشيطان. وقال مسروق: سأل رجل ابن مسعود فقال: إني حرمت أن آكل طعاما وسماه، فقال: هذا من نزغات الشيطان، كفّر عن يمينك وكل وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده: هذا من نزغات الشيطان، وأفتاه أن يذبح كبشا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا السري بن يحيى عن سليمان التيمي عن أبي رافع قال: غضبت علي امرأتي فقالت هي يوما يهودية ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من نزغات الشيطان، وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة، وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ أي لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها، وفجورها ودنسها، وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرا ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ أي\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٧٩.","vol":"6","page":28},{"text":"من خلقه، ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي. وقوله ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق منهم الهدى والضلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1336>[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]</span>\n﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ من الألية وهي الحلف، أي لا يحلف ﴿أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي الطّول والصدقة والإحسان ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي الجدة ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين. وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ أي عما تقدم منهم من الإساءة والأذى؟ وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم، وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعد ما قال في عائشة ما قال، كما تقدم في الحديث.\nفلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه-شرع ﵎ وله الفضل والمنة، يعطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر ﵁، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد ولق ولقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان الصديق ﵁ معروفا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك، فعند ذلك قال الصديق: بلى والله إنا نحب-يا ربنا- أن تغفر لنا ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا، في مقابلة ما كان، قال والله لا أنفعه بنافعة أبدا. فلهذا كان الصديق هو الصديق ﵁ وعن بنته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1337>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾\nهذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات-خرج مخرج الغالب- المؤمنات فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ﵄، وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على","vol":"6","page":29},{"text":"أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية، كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الآية. وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة ﵂، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ قال: نزلت في عائشة خاصة، وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، وقد ذكره ابن جرير (^١) عن عائشة فقال:\nحدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: قالت عائشة: رميت بما رميت به وأنا غافلة فبلغني بعد ذلك، قالت: فبينا رسول الله ﷺ جالس عندي إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسا يمسح وجهه، وقال «يا عائشة أبشري» قالت: فقلت بحمد الله لا بحمدك، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ -حتى قرأ- ﴿أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هكذا أورده وليس فيه أن الحكم خاص بها، وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها كغيرها، ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله، والله أعلم. وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط: المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء.\nوقال العوفي عن ابن عباس في الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ الآية، يعني أزواج النبي ﷺ رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ، ثم نزل بعد ذلك ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ -إلى قوله- ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد (^٢).\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا العوام بن حوشب عن شيخ من بني أسد عن ابن عباس قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ الآية، قال: في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ، وهي مبهمة وليست لهم توبة، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الآية، قال: فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة، قال: فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٢٩٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٩١.\n(^٣) تفسير الطبري ٨/ ٢٩١.","vol":"6","page":30},{"text":"ما فسر به سورة النور. فقوله وهي مبهمة أي عامة في تحريم قذف كل محصنة ولعنته في الدنيا والآخرة، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا في عائشة ومن صنع مثل هذا أيضا اليوم في المسلمات فله ما قال الله تعالى ولكن عائشة كانت إمام في ذلك.\nوقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، حدثني عمي، حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال به.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحذاء الحراني، حدثني أبي وحدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا جدي أحمد بن أبي شعيب، حدثني موسى بن أعين عن ليث عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة عن النبي ﷺ قال «قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة». وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنهم يعني المشركين إذ رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة قالوا: تعالوا حتى نجحد فيجحدون، فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا.\nوقال ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢) أيضا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال «إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فيجحد ويخاصم، فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول كذبوا، فيقال أهلك وعشيرتك، فيقول كذبوا، فيقال احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار».\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأسدي، حدثنا سفيان بن عبيد المكتب عن فضيل بن عمرو الفقيمي عن الشعبي عن أنس بن مالك قال: كنا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون مم أضحك؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال «من مجادلة العبد لربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليّ إلا شاهدا من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الوصايا باب ٢٣، ومسلم في الإيمان حديث ١٤٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٢٩٢.","vol":"6","page":31},{"text":"نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام عليك شهودا، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل» (^١) وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبيه، عن عبد الله الأشجعي عن سفيان الثوري به، ثم قال النسائي: لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله أعلم، هكذا قال، وقال قتادة: ابن آدم، والله إن عليك لشهودا غير متهمة في بدنك، فراقبهم واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل ولا قوة إلا بالله.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس ﴿دِينَهُمُ﴾ أي حسابهم وكل ما في القرآن دينهم أي حسابهم، وكذا قال غير واحد، ثم إن قراءة الجمهور بنصب الحق على أنه صفة لدينهم، وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة، وقرأها بعض السلف في مصحف أبيّ بن كعب: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، وقوله ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1338>[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]</span>\n﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾\nقال ابن عباس: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول -قال-ونزلت في عائشة وأهل الإفك، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن بن أبي الحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ (^٢) وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال. والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، وهذا أيضا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعا ولا قدرا، ولهذا قال تعالى:\n﴿أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ١٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٩٣.","vol":"6","page":32},{"text":"بسبب ما قيل فيهم من الكذب، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي عند الله في جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله ﷺ في الجنة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن الحكم إلى يحيى بن الجزار قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد الله، فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم اليوم بكلام أعجبني، فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما يستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل عنده يتلها فيضمها إليه وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الخبيثة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه ثم قرأ عبد الله ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ الآية، ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعا «مثل هذا الذي يسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشرّ ما سمع كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم فقال اجزرني شاة، فقال: اذهب فخذ بأذن أيها شئت، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم» (^١) وفي الحديث الآخر «الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1339>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾\nهذه آداب شرعية، أدب الله بها عباده المؤمنين وذلك في الاستئذان أمرهم أن لا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي يستأذنوا قبل الدخول، ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما رجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، وإني سمعت النبي ﷺ يقول «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف» فقال عمر لتأتيني على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربا، فذهب إلى ملإ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر فقالوا لا يشهد لك إلا أصغرنا فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال:\nألهاني عنه الصفق بالأسواق (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ١٥ وأحمد في المسند ٢/ ٣٥٣، ٤٠٥، ٤٠٨.\n(^٢) أخرجه الترمذي في العلم باب ١٩، وابن ماجة في الزهد باب ١٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في الاستئذان باب ١٣، ومسلم في الآداب حديث ٣٢، ٣٤، ٣٥، ٣٧.","vol":"6","page":33},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عمر عن ثابت عن أنس أو غيره أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال «السلام عليك ورحمة الله» فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا ولم يسمعه فرجع النبي ﷺ واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبا فأكل نبي الله، فلما فرغ قال «أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون».\nوقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال:\nزارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال «السلام عليكم ورحمة الله» فرد سعد ردا خفيا، قال قيس:\nفقلت ألا تأذن لرسول الله ﷺ؟ فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ «السلام عليكم ورحمة الله» فرد سعد ردا خفيا ثم قال رسول الله ﷺ «السلام عليكم ورحمة الله» ثم رجع رسول الله ﷺ، واتبعه سعد فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام. قال فانصرف معه رسول الله ﷺ وأمر له سعد بغسل فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس، فاشتمل بها ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول «اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة». قال: ثم أصاب رسول الله ﷺ من الطعام، فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حمارا قد وطئ عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله ﷺ، قال قيس: فقال رسول الله ﷺ «اركب» فأبيت، فقال «إما أن تركب وإما أن تنصرف» قال: فانصرفت (^٢)، وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوي، والله أعلم.\nثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا:\nحدثنا بقية، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بسر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول «السلام عليكم، السلام عليكم» وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور، تفرد به أبو داود (^٣).\nوقال أبو داود (^٤) أيضا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير- (ح) -حينئذ، قال أبو\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٣٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٢٨.\n(^٣) كتاب الأدب باب ١٢٨.\n(^٤) كتاب الأدب باب ١٢٧.","vol":"6","page":34},{"text":"داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال: جاء رجل، قال عثمان: سعد فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن فقام على الباب قال عثمان:\nمستقبل الباب، فقال له النبي ﷺ «هكذا عنك-أو هكذا-فإنما الاستئذان من النظر» وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد عن النبي ﷺ، رواه أبو داود من حديثه.\nوفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح» (^١) وأخرج الجماعة من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب، فقال «من ذا؟» فقلت: أنا، قال «أنا أنا» كأنه كرهه (^٢)، وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية، وقال العوفي عن ابن عباس:\nالاستئناس الاستئذان، وكذا قال غير واحد، وقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ قال: إنما هي خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا، وهكذا رواه هشيم عن أبي بشر-وهو جعفر بن إياس-به عن سعيد عن ابن عباس بمثله، وزاد: كان ابن عباس يقرأ «حتى تستأذنوا وتسلموا» وكان يقرأ على قراءة أبيّ بن كعب ﵁، وهذا غريب جدا عن ابن عباس، وقال هشيم: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وهذا أيضا رواية عن ابن عباس وهو اختيار ابن جرير.\nوقد قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان أن عمرو بن أبي صفوان أخبره أن كلدة بن الحنبل أخبره أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ (^٥) وجداية (^٦) وضغابيس (^٧)، والنبي ﷺ بأعلى الوادي، قال: فدخلت على النبي ﷺ ولم أسلم ولم أستأذن، فقال ﷺ «ارجع فقل السلام عليكم أأدخل؟» وذلك بعد ما أسلم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الديات باب ١٥، ومسلم في الأدب حديث ٤٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الاستئذان باب ١٧، وأبو داود في الأدب باب ١٢٨، وأحمد في المسند ٣/ ٣٦٣.\n(^٣) تفسير الطبري ٩/ ٢٩٦.\n(^٤) المسند ٤/ ٤١٤.\n(^٥) اللبأ: أول ما يحلب عند الولادة.\n(^٦) الجداية: من أولاد الضباء ما بلغ ستة أشهر أو سبعة، ذكرا كان أو أنثى.\n(^٧) الضغابيس، جمع ضغبوس: صغار القثاء.","vol":"6","page":35},{"text":"صفوان (^١)، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال الترمذي:\nحسن غريب، لا نعرفه إلا من حديثه. وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال: أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله ﷺ وهو في بيته، فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل السلام عليكم أأدخل؟» فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ، فدخل.\nوقال هشيم: أخبرنا منصور عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج أو أنلج؟ فقال النبي ﷺ لأمة له يقال لها روضة «قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له: يقول السلام عليكم أأدخل؟» فسمعها الرجل فقالها فقال «ادخل». وقال الترمذي: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا سعيد بن زكريا عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «السلام قبل الكلام» (^٢) ثم قال الترمذي: عنبسة ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث. وقال هشيم: قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام، فأعاد فأعادت وهو يراوح بين قدميه، قال: قولي ادخل.\nقالت: ادخل فدخل (^٣).\nولابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم الأحوال، حدثني خالد بن إياس، حدثتني جدتي أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة، فقلت: ندخل؟ فقالت: لا قلن لصاحبتكن تستأذن، فقالت: السلام عليكم أندخل قالت: ادخلوا، ثم قالت:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ الآية.\nوقال هشيم: أخبرنا أشعث بن سوار عن كردوس عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، قال أشعث عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، قال فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ الآية.\nوقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵁ قال: ثلاث آيات جحدهن الناس. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ قال: ويقولون إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتا، قال والأذن كله قد جحده الناس قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٢٧، والترمذي في الاستئذان باب ١٨.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الاستئذان باب ١١.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٩٧.","vol":"6","page":36},{"text":"في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم فرددت عليه ليرخص لي فأبى، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن قال: فراجعته أيضا. فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت نعم، قال: فاستأذن. قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عريتها من ذات محرم، قال: وكان يشدد في ذلك.\nوقال ابن جريج عن الزهري. سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته قال: لا وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. وقال أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن حازم عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي زينب-امرأة عبد الله بن مسعود-عن زينب ﵂، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، إسناده صحيح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي هبيرة. قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس وتكلم ورفع صوته، وقال مجاهد: حتى تستأنسوا، قال: تنحنحوا أو تنخموا. وعن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه، ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا-وفي رواية-ليلا يتخونهم (^٢)، وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ قدم المدينة نهارا، فأناخ بظاهرها، وقال «انتظروا حتى ندخل عشاء-يعني آخر النهار-حتى تمشط الشعثة وتستحد المغيبة» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن واصل بن السائب، حدثني أبو ثورة ابن أخي أبي أيوب عن أبي أيوب قال: قلت:\nيا رسول الله هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال «يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت» (^٤) هذا حديث غريب. وقال قتادة في قوله ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ هو الاستئذان ثلاثا، فمن لم يؤذن له منهم فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٢٩٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في العمرة باب ١٦، والنكاح باب ١٢٠، ومسلم في الإمارة حديث ١٨٠، ١٨٤، والترمذي في الاستئذان باب ١٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في النكاح باب ١٢١، ١٢٢، ومسلم في الإمارة حديث ١٨١، ١٨٢.\n(^٤) انظر الدر المنثور ٥/ ٦٩.","vol":"6","page":37},{"text":"عن بابهم، فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أولى بالعذر.\nوقال مقاتل بن حيان في قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ويقول:\nحييت صباحا وحييت مساء، وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت، ونحو ذلك، فيشق ذلك على الرجل ولعله يكون مع أهله فغير الله ذلك كله في ستر وعفة، وجعله نقيا نزها من الدنس والقذر والدرن، فقال تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ الآية، وهذا الذي قاله مقاتل: حسن، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني الاستئذان خير لكم بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ أي إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ﴿فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ أي رجوعكم أزكى لكم وأطهر ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال قتادة: قال بعض المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع، فأرجع وأنا مغتبط ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال سعيد بن جبير ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ الآية أي لا تقفوا على أبواب الناس.\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ الآية، هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى. قال ابن جريج: قال ابن عباس ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ثم نسخ واستثنى، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري، وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك، واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة، والأول أظهر، والله أعلم. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1340>[سورة النور (٢٤): آية ٣٠]</span>\n﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾\nهذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعا، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جده جرير بن عبد الله","vol":"6","page":38},{"text":"البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري (^١).\nوكذا رواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس بن عبيد به. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضا. وقال الترمذي حسن صحيح، وفي رواية لبعضهم فقال «أطرق بصرك» يعني أنظر إلى الأرض، والصرف أعم، فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى، والله أعلم.\nوقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا شريك عن أبي ربيعة الإيادي، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي «يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة» (^٢) ورواه الترمذي من حديث شريك وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وفي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «إياكم والجلوس على الطرقات» قالوا: يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله ﷺ «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه» قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ فقال «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام؛ والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» (^٣).\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضل بن جبير، سمعت أبا أمامة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «اكفلوا لي ستا أكفل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيدكم، واحفظوا فروجكم» وفي صحيح البخاري «من يكفل لي ما بين لحييه وما بين رجليه، أكفل له الجنة» (^٤) وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: كل ما عصي الله به فهو كبيرة، وقد ذكر الطرفين فقال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: النظر سهام سم إلى القلب، ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣٠] الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» (^٥) ﴿ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ﴾ أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل من حفظ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الأدب حديث ٤٥، وأبو داود في النكاح باب ٤٣، والترمذي في الأدب باب ٢٨، والدارمي في الاستئذان باب ١٥، وأحمد في المسند ٤/ ٣٥٨، ٣٦١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في النكاح باب ٤٣، والترمذي في الأدب باب ٢٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في المظالم باب ٢٢، والاستئذان باب ٢، ومسلم في اللباس حديث ١١٤.\n(^٤) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢٣.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الحمام باب ٢، والأدب باب ٢٢، والترمذي في الأدب باب ٢٢، ٣٩، وابن ماجة في النكاح باب ٢٨، وأحمد في المسند ٥/ ٣، ٤.","vol":"6","page":39},{"text":"بصره أورثه الله نورا في بصيرته، ويروى في قلبه.\nوروى الإمام أحمد (^١): حدثنا عتاب، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة (أول مرة) ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها» وروي هذا مرفوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة ﵃، ولكن في إسنادها ضعف إلا أنها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه. وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا «لتغضن أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمن وجوهكم، أو لتكسفن وجوهكم».\nوقال الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التستري قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا هريم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه». وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [النور: ٣٠].\nوفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (^٢) رواه البخاري تعليقا، ومسلم مسندا من وجه آخر بنحو ما تقدم، وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى الأمرد، وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرا جدا.\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني، حدثنا عمر بن سهل المازني، حدثني عمر بن محمد بن صهبان عن صفوان بن سليم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضت عن محارم الله، وعينا سهرت في سبيل الله، وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ﷿» (^٣).\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٦٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الاستئذان باب ١٢، والقدر باب ٩، ومسلم في القدر حديث ٢٠، ٢١، وأبو داود في النكاح باب ٤٣، وأحمد في المسند ٢/ ٢٧٦، ٣٤٣، ٣٧٩، ٤٣١، ٥٤٦.\n(^٣) انظر الدر المنثور ٥/ ٧٤.","vol":"6","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1341>[سورة النور (٢٤): آية ٣١]</span>\n﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾\nهذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركين وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيان قال:\nبلغنا-والله أعلم-أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرشدة كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل وتبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء: ما أقبح هذا فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ﴾ الآية، فقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ﴾ أي عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا.\nواحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدث أن أم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة قالت فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله ﷺ «احتجبا منه» فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ «أو عميا وان أنتما؟ ألستما تبصرانه» (^١) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت (^٢).\nوقوله ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قال سعيد بن جبير: عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل: عن الزنا، وقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الآية ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أن لا يراها أحد، وقوله تعالى:\n﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب. فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٣٤، والترمذي في الأدب باب ٢٩، وأحمد في المسند ٦/ ٢٩٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في العيدين باب ٢، ومسلم في العيدين حديث ١٩.","vol":"6","page":41},{"text":"ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم.\nوقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ قال:\nوجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال في قوله ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب. وقال الزهري لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر وأما عامة الناس فلا يبدين منها إلا الخواتم.\nوقال مالك عن الزهري ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا» (^١) وأشار إلى وجهه وكفيه، لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي هذا مرسل؛ خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني المقانع يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية فإنهن لم يكن يفعلن ذلك بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وقال في هذه الآية الكريمة ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخمر جمع خمار وهو ما يخمر به أي يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع.\nقال سعيد بن جبير ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ وليشددن ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء وقال البخاري (^٢): حدثنا أحمد بن شبيب حدثنا أبي عن يونس عن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٣١.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٤، باب ١٢، في الترجمة.","vol":"6","page":42},{"text":"ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها (^١). وقال أيضا:\nحدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أن عائشة ﵂ كانت تقول: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا الزنجي بن خالد حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂ إن لنساء قريش لفضلا وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان. ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بنت شيبة به.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن قرة بن عبد الرحمن أخبره عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها، ورواه أبو داود (^٣) من حديث ابن وهب به.\nوقوله تعالى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي أزواجهن ﴿أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ﴾ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير اقتصاء وتبهرج. وقد روى ابن المنذر حدثنا موسى يعني ابن هارون حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا داود عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ حتى فرغ منها وقال لم يذكر العم ولا الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال، فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره.\nوقوله ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ يعني تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة لئلا تصفهن لرجالهن. وذلك وإن كان محذورا في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه، وقد قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٤، باب ١٢.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٣٠٦.\n(^٣) كتاب اللباس باب ٣٣.","vol":"6","page":43},{"text":"رسول الله ﷺ «لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» (^١) أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغازي عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها.\nوقال مجاهد في قوله ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ قال نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة، وروى عبد الله في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ قال هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية وهو النحر والقرط والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم.\nوروى سعيد حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد قال لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن، وعن مكحول وعبادة بن نسي أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة، فأما ما رواه ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو عمير حدثنا ضمرة قال: قال ابن عطاء عن أبيه قال: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ بيت المقدس كان قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات، فهذا إن صح فمحمول على حال الضرورة أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر زينتها لها، وإن كانت مشركة لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال الأكثرون: بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود (^٢): حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى، قال «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك».\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة حديج الحمصي مولى معاوية: أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي ﷺ وهبه لابنته فاطمة، فربته ثم أعتقته، ثم قد كان بعد ذلك كله برز مع معاوية أيام صفين، وكان من أشد الناس على عليّ بن أبي طالب ﵁.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في النكاح باب ١١٨، وأبو داود في النكاح باب ٤٣.\n(^٢) كتاب اللباس باب ٣٢.","vol":"6","page":44},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن نبهان، عن أم سلمة، ذكرت أن رسول الله ﷺ قال «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه» ورواه أبو داود (^٢) عن مسدد، عن سفيان به. وقوله تعالى: ﴿أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وله وخوث، ولا هم لهم إلى النساء ولا يشتهونهن، قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له.\nوقال مجاهد: هو الأبله، وقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم ذكره، وكذلك قال غير واحد من السلف، وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة، أن مخنثا كان يدخل على أهل رسول الله ﷺ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ وهو ينعت امرأة يقول: إنها إذا أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله ﷺ «ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا لا يدخلن عليكم» فأخرجه، فكان بالبيداء يدخل كل يوم جمعة ليستطعم (^٣).\nوروى الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: دخل عليها رسول الله ﷺ وعندها (أخوها) مخنث، وعندها عبد الله بن أبي أمية، والمخنث يقول: يا عبد الله، إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، قال: فسمعه رسول الله ﷺ فقال لأم سلمة «لا يدخلن هذا عليك» (^٥) أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، فقال إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي ﷺ «ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا لا يدخلن عليكم هذا» فحجبوه (^٧)، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به عن أم سلمة.\nوقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٢٨٩.\n(^٢) كتاب العتاق باب ١، وأخرجه الترمذي في البيوع باب ٣٥، وابن ماجة في العتق باب ٣.\n(^٣) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٣٣.\n(^٤) المسند ٦/ ٢٩٠.\n(^٥) أخرجه البخاري في المغازي باب ٥٦، ومسلم في السلام حديث ٣٣.\n(^٦) المسند ٦/ ١٥٢.\n(^٧) أخرجه مسلم في السلام حديث ٣٢، وأبو داود في اللباس باب ٨٤.","vol":"6","page":45},{"text":"كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك: فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقا، أو قريبا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «إياكم والدخول على النساء» قيل:\nيا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال «الحمو الموت» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ الآية، كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته، ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ إلى آخره ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها، فقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ثابت بن عمارة الحنفي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال «كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا» (^٢) يعني زانية، قال وفي الباب عن أبي هريرة: وهذا حسن صحيح، رواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به.\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة ﵁ قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار، فقال: يا أمة الجبار جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال لها: وله تطيبت؟ قالت:\nنعم، قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: «لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة» (^٣). ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان هو ابن عيينة به. وروى الترمذي أيضا من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله ﷺ قال «الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها» (^٤)، ومن ذلك أيضا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج.\nقال أبو داود (^٥): حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن ابن أبي اليمان عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في النكاح باب ١١١، ومسلم في السلام حديث ٢٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الترجل باب ٧، والترمذي في الأدب باب ٣٥، والنسائي في الزينة باب ٣٥، والدارمي في الاستئذان باب ١٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الترجل باب ٧، وابن ماجة في الفتن باب ١٩.\n(^٤) أخرجه الترمذي في الرضاع باب ١٣، وابن ماجة في الفتن باب ١٩.\n(^٥) كتاب الأدب باب ١٦٨.","vol":"6","page":46},{"text":"رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله ﷺ للنساء «استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق» فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.\nوقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1342>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]</span>\n﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾\nاشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ إلى آخره، هذا أمر بالتزويج. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه. واحتجوا بظاهر قوله ﵇ «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (^١)، أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود.\nوقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال «تزوجوا توالدوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة» (^٢). وفي رواية: «حتى بالسقط»، الأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها وللرجل الذي لا زوجة له، سواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما، حكاه الجوهري عن أهل اللغة، يقال رجل أيم وامرأة أيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى، فقال ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد الأزرق، حدثنا عمر بن عبد الواحد عن سعيد-يعني ابن عبد العزيز-قال: بلغني أن أبا بكر الصديق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصوم باب ١٠، ومسلم في النكاح حديث ١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في النكاح باب ٣.","vol":"6","page":47},{"text":"﵁ قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح.\nيقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رواه ابن جرير، وذكر البغوي عن عمر بنحوه.\nوعن الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله» (^١) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة. وقد زوج النبي ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن. والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث «تزوجوا فقراء يغنكم الله» فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا بالتعفف عن الحرام كما قال ﷺ «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» الحديث، وهذه الآية مطلقة، والتي في سورة النساء أخص منها وهي قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أي صبركم عن تزوج الإماء خير لكم، لأن الولد يجيء رقيقا ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال عكرمة في قوله ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة، إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه قال الثوري عن جابر عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه. وكذا قال ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن رجل عن عطاء بن أبي رباح: إن يشأ يكاتبه وإن يشأ لم يكاتبه. وكذا قال مقاتل بن حيان والحسن البصري، وذهب آخرون إلى\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب ٢٠، والنسائي في الجهاد باب ١٢، والنكاح باب ٥، وابن ماجة في العتق باب ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥١، ٤٣٧.","vol":"6","page":48},{"text":"أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذا بظاهر هذا الأمر.\nوقال البخاري: وقال روح عن ابن جريج قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه، قال: ما أراه إلا واجبا. وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة، وكان كثير المال فأبى، فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه، فأبى فضربه بالدرة، ويتلو عمر ﵁ ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فكاتبه (^١) هكذا ذكره البخاري تعليقا، ورواه عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه فقال له عمر: لتكاتبنه، إسناد صحيح.\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم بن جويبر عن الضحاك قال: هي عزمة، وهذا القول القديم من قولي الشافعي، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله ﵇ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه». وقال ابن وهب: قال مالك: الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده. قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله تعالى وإذن منه للناس وليس بواجب. وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال بعضهم: أمانة، وقال بعضهم: صدقا، وقال بعضهم: مالا، وقال بعضهم: حيلة وكسبا. وروى أبو داود في المراسيل، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال «إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلا على الناس»، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ اختلف المفسرون فيه، فقال بعضهم: معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها، ثم قال بعضهم: مقدار الربع، وقيل الثلث، وقيل النصف، وقيل جزء من الكتابة من غير حد.\nوقال آخرون: بل المراد من قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكاة، وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل بن حيان، واختاره ابن جرير، وقال إبراهيم النخعي في قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ قال: حث الناس عليه مولاه وغيره، وكذا قال بريدة بن الحصيب الأسلمي وقتادة، وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقد تقدم في الحديث عن النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المكاتب باب ١.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٣١٢.","vol":"6","page":49},{"text":"أنه قال «ثلاثة حق على الله عونهم» فذكر منهم المكاتب يريد الأداء، والقول الأول أشهر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وكيع عن ابن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر: أنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية، فجاء بنجمه حين حل فقال: يا أبا أمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك، فقال: يا أمير المؤمنين، ولو تركته حتى يكون من آخر نجم؟ قال: أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ قال عكرمة: فكان أول نجم أدي في الإسلام.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ قال: يعني ضعوا عنهم في مكاتبتهم، وكذا قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي، وقال محمد بن سيرين في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان المقرئ، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج، أخبرني عطاء بن السائب: أن عبد الله بن جندب أخبره عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال «ربع الكتابة» وهذا حديث غريب ورفعه منكر والأشبه أنه موقوف على علي ﵁ كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة، فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن، ورغبة في أولادهن ورئاسة منه فيما يزعم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1343>ذكر الآثار الواردة في ذلك</span>\nقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ﵀ في مسنده: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج، حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ ابن سلول، يقال لها معاذة يكرهها على الزنا، فلما جاء الإسلام نزلت ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ الآية، وقال الأعمش عن أبي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٣١٦.","vol":"6","page":50},{"text":"سفيان عن جابر في هذه الآية، قال: نزلت في أمة لعبد الله بن أبيّ ابن سلول يقال لها مسيكة، كان يكرهها على الفجور، وكانت لا بأس بها فتأبى، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وروى النسائي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر نحوه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا الأعمش، حدثني أبو سفيان عن جابر قال: كان لعبد الله بن أبيّ ابن سلول، جارية يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على البغاء، فأنزل الله ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان بن طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه إنما هو صحيفة حكاه البزار. وقال أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادا من الزنا، فقال لها مالك: لا تزنين، قالت: والله لا أزني، فضربها فأنزل الله ﷿ ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾.\nوقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أن رجلا من قريش أسر يوم بدر وكان عند عبد الله بن أبيّ أسيرا، وكانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها معاذة وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها وكانت مسلمة وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبيّ يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده، فقال ﵎:\n﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.\nوقال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين وكانت له جارية تدعى معاذة وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له.\nفأقبلت الجارية إلى أبي بكر ﵁ فشكت إليه فذكره أبو بكر للنبي ﷺ فأمره بقبضها فصاح عبد الله بن أبيّ من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا فأنزل الله فهيم هذا، وقال مقاتل بن حيان: بلغني-والله أعلم-أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصار، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبيّ وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي ﷺ فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ يعني الزنا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وقوله تعالى:\n﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي من خراجهن ومهورهن وأولادهن وقد نهى رسول الله ﷺ عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن (^١)، وفي رواية «مهر البغي خبيث وكسب الحجام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في البيوع باب ١١٣، والإجارة، باب ٢٠، والطب باب ٤٦، ومسلم في المساقاة حديث ٣٩.","vol":"6","page":51},{"text":"خبيث، وثمن الكلب خبيث» (^١) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لهن كما تقدم في الحديث عن جابر. وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من أكرههن وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة.\nوقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق عن عوف عن الحسن في هذه الآية ﴿فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال لهن والله لهن والله. وعن الزهري قال غفور لهن ما أكرهن عليه.\nوعن زيد بن أسلم قال غفور رحيم للمكرهات، حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء عن سعيد بن جبير قال في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهن وإثمهن على من أكرههن، وفي الحديث المرفوع عن رسول الله ﷺ أنه قال «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^٢).\nولما فصل ﵎ هذه الأحكام وبينها قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ يعني القرآن فيه آيات واضحات مفسرات ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي خبرا عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى كما قال تعالى ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ … ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أي زاجرا عن ارتكاب المآثم والمحارم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي لمن اتقى الله وخافه. قال علي بن أبي طالب ﵁ في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم وخبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1344>[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]</span>\n﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول هادي أهل السموات والأرض. قال ابن جريج: قال مجاهد وابن عباس في قوله ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما. وقال ابن جرير: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، حدثنا وهب بن راشد عن فرقد عن أنس بن مالك قال: إن الله يقول نوري\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساقاة حديث ٤١، وأبو داود في البيوع باب ٣٨، والترمذي في البيوع باب ٤٦، وأحمد في المسند ٤٦٤، ٤٦٥.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الطلاق باب ١٦.","vol":"6","page":52},{"text":"هداي واختار هذا القول ابن جرير.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب في قوله تعالى:\n﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قال هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أبيّ بن كعب يقرؤها «مثل نور من آمن به» فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره، وهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد عن ابن عباس أنه قرأها كذلك «مثل نور من آمن بالله» وقرأ بعضهم «الله نور السموات والأرض» وعن الضحاك ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nوقال السدي في قوله ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبنوره أضاءت السموات والأرض.\nوفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله ﷺ أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله».\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يقول: اللهم لك الحمد، أنت قيّم السموات والأرض أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ومن فيهن» (^١) الحديث، وعن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه.\nوقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في هذا الضمير قولان [أحدهما] أنه عائد إلى الله ﷿ أي مثل هداه في قلب المؤمن قاله ابن عباس ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ [والثاني] أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام تقديره مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف، فقوله ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل هذا هو المشهور ولهذا قال بعده ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ وهو الذبالة التي تضيء.\nوقال العوفي عن ابن عباس قوله ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ وذلك أن اليهود قالوا لمحمد ﷺ: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل [ذلك] لنوره فقال ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ والمشكاة كوة في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التهجد باب ١، والتوحيد باب ٨، ٣٥، وأحمد في المسند ١/ ٣٥٨.","vol":"6","page":53},{"text":"البيت، قال وهو مثل ضربه الله لطاعته فسمى الله طاعته نورا ثم سماها أنواعا شتى (^١)، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هن الكوة بلغة الحبشة وزاد بعضهم فقال: المشكاة الكوة التي لا منفذ لها، وعن مجاهد المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل، والقول الأول أولى وهو أن المشكاة هو موضع الفتيلة من القنديل ولهذا قال ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ وهو النور الذي في الذبالة.\nقال أبيّ بن كعب: المصباح النور وهو القرآن والإيمان الذي في صدره، وقال السدي: هو السراج ﴿الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ﴾ أي هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية، وقال أبيّ بن كعب وغير واحد: وهي نظير قلب المؤمن ﴿الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة من الدر أي كأنها كوكب من درّ، وقرأ آخرون دريء ودريء بكسر الدال وضمها مع الهمزة من الدرء وهو الدفع، وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال.\nوالعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري، قال أبيّ بن كعب: كوكب مضيء، وقال قتادة: مضيء مبين ضخم ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل أو عطف بيان ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي ليست في شرقى بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار ولا في غربيها فيقلص عنها الفيء قبل الغروب بل هي في مكان وسط تفرعه الشمس من أول النهار إلى آخره فيجيء زيتها صافيا معتدلا مشرقا.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، أخبرنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء وهو أجود لزيتها. وقال يحيى بن سعيد القطان عن عمران بن حدير عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي بصحراء وذلك أصفى لزيتها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة وسأله رجل عن قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: تلك بأرض فلاة إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها فإذا غربت غربت عليها، فذلك أصفى ما يكون من الزيت. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: ليست بشرقية لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولكنها شرقية وغربية تصيبها إذا طلعت وإذا غربت.\nوعن سعيد بن جبير في قوله ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ قال هو أجود الزيت، قال إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي فتلك لا تعد شرقية ولا غربية. وقال السدي قوله ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ يقول ليست بشرقية يحوزها المشرق ولا غربية يحوزها المغرب\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٢٢، ولفظه: ثم سماها أنوارا شتى.","vol":"6","page":54},{"text":"دون المشرق ولكنها على رأس جبل أو في صحراء تصيبها الشمس النهار كله. وقيل المراد بقوله تعالى: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ أنها في وسط الشجر ليست بادية للمشرق ولا للمغرب.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب في قول الله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال هي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت قال فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها فيثبته الله فيها فهو بين أربع خلال، إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات، قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال هي وسط الشجر لا تصيبها شرقا ولا غربا، وقال عطية العوفي ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال هي شجرة في موضع من الشجر يرى ظل ثمرها في ورقها، وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:\n﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ ليست شرقية ليس فيها غرب، ولا غربية ليس فيها شرق، ولكنها شرقية غربية، وقال محمد بن كعب القرظي ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال هي القبلية، وقال زيد بن أسلم ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال الشام، وقال الحسن البصري لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه مثل ضربه الله تعالى لنوره، وقال الضحاك «توقد من شجرة مباركة» قال رجل صالح ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: لا يهودي ولا نصراني، وأولى هذه الأقوال القول الأول، وهو أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح باد ظاهر ضاح للشمس تفرعه من أول النهار إلى آخره ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف كما قال غير واحد ممن تقدم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني لضوء إشراق الزيت.\nوقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس يعني بذلك إيمان العبد وعمله، وقال مجاهد والسدي: يعني نور النار ونور الزيت، وقال أبيّ بن كعب ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال:\nحدثني عن قول الله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ قال: يكاد محمد ﷺ يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء. وقال السدي في قوله تعالى ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه.","vol":"6","page":55},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يرشد الله إلى هدايته من يختاره، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن زيد عن عبد الله الديلمي عن عبد الله بن عمرو:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأ ضل فلذلك أقول: جف القلم على علم الله ﷿».\n[طريق أخرى عنه] قال البزار: حدثنا أيوب عن سويد عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورا من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل» ورواه البزار عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر بلفظه وحروفه. وقوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لما ذكر تعالى هذا مثلا لنور هداه في قلب المؤمن ختم الآية بقوله ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية حدثنا شيبان عن ليث عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» إسناده جيد ولم يخرجوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1345>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]</span>\n﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)﴾\nلما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٧٦.\n(^٢) المسند ٣/ ١٧.","vol":"6","page":56},{"text":"التي لا تليق فيها. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال نهى الله سبحانه عن اللغو فيها، وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسفيان بن حسين وغيرهم من العلماء المفسرين.\nوقال قتادة: هي هذه المساجد أمر الله ﷾ ببنائها وأخر بعمارتها وتطهيرها. وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول: مكتوب في التوراة ألا إن بيوتي في الأرض المساجد وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته وحق على المزور كرامة الزائر رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره.\nوقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها وذلك له محل مفرد يذكر فيه وقد كتبت في ذلك جزءا على حدة، ولله الحمد والمنة، ونحن بعون الله تعالى نذكر هاهنا طرفا من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان، فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة» (^١) أخرجاه في الصحيحين.\nوروى ابن ماجة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة» (^٢) وللنسائي عن عمرو بن عنبسة مثله، والأحاديث في هذا كثيرة جدا، وعن عائشة ﵂ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب (^٣). رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي، ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه، وقال البخاري: قال عمر: ابن للناس ما يكنهم، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس (^٤)، وروى ابن ماجة قال: قال رسول الله ﷺ «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم» (^٥) وفي إسناده ضعف.\nوروى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «ما أمرت بتشييد المساجد» قال ابن عباس أزخرفها كما زخرفت اليهود والنصارى (^٦). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٥، ومسلم في المساجد حديث ٢٤، ٢٥.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٣، والترمذي في الجمعة باب ٦٥، وابن ماجة في المساجد باب ٩، وأحمد في المسند ٥/ ١٧.\n(^٤) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٢، ولفظه: «أكنّ الناس من المطر».\n(^٥) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ٢.\n(^٦) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٢، وأبو داود في الصلاة باب ١٢.","vol":"6","page":57},{"text":"المساجد» (^١). رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي. وعن بريدة أن رجلا أنشد في المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي ﵌ «لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له» (^٢) رواه مسلم، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد (^٣). رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حسن.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردّ الله عليك» (^٤) رواه الترمذي وقال حسن غريب، وقد روى ابن ماجة وغيره من حديث ابن عمر مرفوعا قال: خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقا ولا يشهر فيه سلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل ولا يمر فيه بلحم نيئ ولا يضرب فيه حد ولا يقتص فيه أحد ولا يتخذ سوقا (^٥)، وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ قال «جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع» ورواه ابن ماجة (^٦) أيضا وفي إسنادهما ضعف، أما أنه لا يتخذ طريقا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه.\nوفي الأثر إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه، وأما أنه لا يشهر فيه السلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله ﷺ إذا مر أحد بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدا (^٧)، كما ثبت ذلك في الصحيح، وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث، وأما أنه لا يضرب فيه حد أو يقتص فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع.\nوأما أنه لا يتخذ سوقا فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه فإنه إنما بني لذكر الله\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٢، والنسائي في المساجد باب ٢، وابن ماجة في المساجد باب ٢، وأحمد في المسند ٣/ ١٣٤، ١٤٥، ١٥٢، ٢٣٠، ٢٨٣.\n(^٢) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٧٩، ٨١، وابن ماجة في المساجد باب ١١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ١٢٣، والنسائي في المساجد باب ٢٣، وابن ماجة في المساجد باب ٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٧٩، ٢١٢.\n(^٤) أخرجه الترمذي في البيوع باب ٧٥.\n(^٥) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ٥، ولفظه: «ولا ينشر فيه نبل».\n(^٦) كتاب المساجد باب ٥.\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٩٢.","vol":"6","page":58},{"text":"والصلاة فيه كما قال النبي ﷺ لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد «إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها» ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله (^١)، وفي الحديث الثاني «جنبوا مساجدكم صبيانكم» (^٢) وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدرة، وكان يعد المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدا «ومجانينكم» يعني لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم فيؤدي إلى اللعب فيها ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك «وبيعكم وشراءكم» كما تقدم «وخصوماتكم» يعني التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد بل يكون في موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه، ولهذا قال بعده «ورفع أصواتكم».\nوقال البخاري (^٣): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن قال: حدثني يزيد بن حفصة عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف. قال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ.\nوقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال:\nأتدري أين أنت؟ وهذا أيضا صحيح. وقوله «وإقامة حدودكم وسل سيوفكم» تقدما. وقوله «واتخذوا على أبوابها المطاهر» يعني المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة.\nوقد كانت قريبا من مسجد رسول الله ﷺ آبار يستقون منها فيشربون ويتطهرون ويتوضؤون وغير ذلك.\nوقوله «وجمروها في الجمع» يعني بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ، وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ كل جمعة. إسناده حسن لا بأس به والله أعلم، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال «صلاة الرجل في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الوضوء باب ٥٧، ٥٨، والأدب باب ٣٥، ٨٠، ومسلم في الطهارة حديث ٩٨، ١٠٠، وأبو داود في الطهارة باب ١٣٦، والترمذي في الطهارة باب ١١٢، والنسائي في الطهارة باب ٤٤، وابن ماجة في الطهارة باب ٧٨، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٩، ٢٨٢، ٥٠٣، ٣/ ١١٠، ١١٤.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ٥.\n(^٣) كتاب الصلاة باب ٨٣.","vol":"6","page":59},{"text":"الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا» (^١) وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا للصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه. ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة. وعند الدارقطني مرفوعا «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».\nوفي السنن «بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة» (^٢) ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى وأن يقول كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد يقول «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» [قال: أقط قال نعم] قال فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم (^٣).\nوروى مسلم بسنده عن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله ﷺ «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك: وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك فضلك» (^٤) ورواه النسائي عنهما عن النبي ﷺ. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ. وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» (^٥) ورواه ابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن حسن عن أمه فاطمة بنت حسين عن جدتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم ثم قال: «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك» وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك» (^٧) ورواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ٣٠، وأحمد في المسند ١/ ٣٧٦، ٤٦٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٤٩، والترمذي في المواقيت باب ٥١، وابن ماجة في المساجد باب ١٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٨، ولم نجده في صحيح البخاري.\n(^٤) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٦٨، وأبو داود في الصلاة باب ١٨، والنسائي في المساجد باب ٣٦، وأحمد في المسند ٣/ ٤٩٧، ٥/ ٤٢٥.\n(^٥) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ١٣.\n(^٦) المسند ٦/ ٢٨٢.\n(^٧) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ١١٧، وابن ماجة في المساجد باب ١٣.","vol":"6","page":60},{"text":"لأن فاطمة بنت حسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك كله محاذرة الطول داخل في قوله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.\nوقوله ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي اسم الله كقوله ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وقوله ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] وقوله ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ [الجن: ١٨] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عباس يعني فيها يتلى كتابه، وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ أي في البكرات والعشيات. والآصال جمع أصيل وهو آخر النهار. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بالغدوّ صلاة الغداة ويعني بالآصال صلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده (^١). وكذا قال الحسن والضحاك ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ يعني الصلاة، ومن قرأ من القراء ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ بفتح الباء من «يسبح» على أنه مبني لما لم يسم فاعله وقف على قوله ﴿وَالْآصالِ﴾ وقفا تاما وابتدأ بقوله ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ وكأنه مفسر للفاعل المحذوف كما قال الشاعر [الطويل]:\nليبك يزيد ضارع لخصومة … ومختبط مما تطيح الطوائح (^٢)\nكأنه قال: من يبكيه؟ قال هذا يبكيه، وكأنه قيل من يسبح له فيها؟ قال رجال. وأما على قراءة من قرأ ﴿يُسَبِّحُ﴾ بكسر الباء فجعله فعلا وفاعله ﴿رِجالٌ﴾ فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل لأنه تمام الكلام فقوله تعالى: ﴿رِجالٌ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمارا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٣١.\n(^٢) البيت للحارث بن نهيك في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، وشرح شواهد الإيضاح ص ٩٤، وشرح المفصل ١/ ٨٠، والكتاب ١/ ٢٨٨، وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ص ٣٦٢، ولنهشل بن حري في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، ولضرار بن نهشل في الدرر ٢/ ٢٨٦، ومعاهد التنصيص ١/ ٢٠٢، وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه ١/ ١١٠، ولنهشل، أو للحارث، أو لضرار، أو لمزرد بن ضرار، أو للمهلهل في المقاصد النحوية ٢/ ٤٥٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٤٥، ٧/ ٢٤، وأمالي ابن الحاجب ص ٤٤٧، ٧٨٩، وأوضح المسالك ٢/ ٩٣، وتخليص الشواهد ص ٤٧٨، وخزانة الأدب ٨/ ١٣٩، والخصائص ٢/ ٣٥٣، ٤٢٤، وشرح الأشموني ١/ ١٧١، وشرح المفصل ١/ ٨٠، والشعر والشعراء ص ١٠٥، ١٠٦، والكتاب ١/ ٣٦٦، ٣٩٨، ولسان العرب (طوح)، والمحتسب ١/ ٢٣٠، ومغني اللبيب ص ٦٢٠، والمقتضب ٣/ ٢٨٢، وهمع الهوامع ١/ ١٦٠.","vol":"6","page":61},{"text":"٢٣] الآية، وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو عن أبي السمح عن السائب مولى أم سلمة عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» وقال أحمد أيضا: حدثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، حدثنا داود بن قيس عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي» قال: فأمرت فبنى لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى، لم يخرجوه.\nهذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (^٣) رواه البخاري ومسلم، ولأحمد وأبي داود «وبيوتهن خير لهن» (^٤). وفي رواية «وليخرجن وهن تفلات» (^٥) أي لا ريح لهن. وقد ثبت في صحيح مسلم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ﷺ «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا» (^٦). وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (^٧)، وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بين إسرائيل (^٨).\nوقوله تعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ كقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٥٣.\n(^٢) المسند ٨/ ٣٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري في الجمعة باب ١٣، ومسلم في الصلاة حديث ١٣٦.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٥٢، وأحمد في المسند ٢/ ٧٦، ٧٧.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٥٢، وأحمد في المسند ٢/ ٤٣٨، ٤٧٥، ٥٢٨.\n(^٦) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١٤٢.\n(^٧) أخرجه البخاري في المواقيت باب ٢٧، والأذان باب ١٦٥، ومسلم في المساجد حديث ٢٣٢.\n(^٨) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٦٣، ومسلم في الصلاة حديث ١٤٤.","vol":"6","page":62},{"text":"﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [المنافقون: ٩] الآية. وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، يقول تعالى لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم، لأن ما عندهم ينفد وما عند الله باق، ولهذا قال تعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ﴾ أي يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم.\nقال هشيم عن شيبان قال: حدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ (^١) الآية، وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله بن بكير الصنعاني، حدثنا أبو سعيد مولى بن هاشم، حدثنا عبد الله بن بجير، حدثنا أبو عبد رب قال: قال أبو الدرداء ﵁: إني قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا سالم هذه الآية ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ ثم قال، هم هؤلاء، وكذا قال سعيد بن أبي الحسن والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها. وقال مطر الورّاق: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ يقول عن الصلاة المكتوبة، وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس. وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها. وقوله تعالى: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ أي يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار، أي من شدّة الفزع وعظمة الأهوال، كقوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] الآية.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٣١، ٣٣٢.","vol":"6","page":63},{"text":"وقوله ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٨ - ١٢]. وقوله تعالى هاهنا: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي هؤلاء من الذين يتقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم. وقوله ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] الآية، وقال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآية، وقال ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] الآية، وقال ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] وقال هاهنا ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾. وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدا واحدا، فكلهم لم يشربه لأنه كان صائما، فتناوله ابن مسعود فشربه لأنه كان مفطرا، ثم تلا قوله ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ رواه النسائي وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عنه.\nوقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله ﷺ «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق» وروى الطبراني من حديث بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1346>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾\nهذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين:\nناريا ومائيا، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين: مائيا وناريا (^١)، وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة. فأما الأول من هذين المثلين، فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم على شيء من\n_________\n(^١) انظر تفسير الآية ١٧ من سورة الرعد.","vol":"6","page":64},{"text":"الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض من بعد كأنه بحر طام.\nوالقيعة: جمع قاع كجار وجيرة، والقاع أيضا واحد القيعان، كما يقال جار وجيران، وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار، وأما الآل فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء قصده ليشرب منه، فلما انتهى إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حصل شيئا، فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله، لم يجد له شيئا بالكلية قد قبل إما لعدم الإخلاص أو لعدم سلوك الشرع، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال هاهنا ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ وهكذا روي عن أبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد.\nوفي الصحيحين أنه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزيز ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون؟ فيقولون: يا رب عطشنا فاسقنا، فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فينطلقون فيتهافتون فيها (^١)، وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب، فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قال قتادة ﴿لُجِّيٍّ﴾ هو العميق ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط، المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده، ولا يدري أين يذهب، بل كما يقال في المثل للجاهل أين تذهب؟ قال معهم، قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال لا أدري.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﵄ ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ الآية، يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] الآية، وكقوله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] الآية، وقال أبيّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من الظلم فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار، وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضا. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤، باب ٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢.","vol":"6","page":65},{"text":"أي من لم يهده الله فهو هالك جاهل، حائل، بائر، كافر، كقوله ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورا، وعن أيماننا نورا، وعن شمائلنا نورا، وأن يعظم لنا نورا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1347>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤١ إلى ٤٢]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾\nيخبر تعالى أنه يسبح له من في السموات والأرض أي من الملائكة والأناسي والجان والحيوان حتى الجماد، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾ أي في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله ﷿. ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض، فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا﴾ [النجم: ٣١] الآية، فهو الخالق المالك، ألا له الحكم في الدنيا والأخرى، وله الحمد في الأولى والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1348>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)﴾\nيذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي يجمعه بعد تفرقه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أي متراكما، أي يركب بعضه بعضا ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أي المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أي من خلله، وكذا قرأها ابن عباس والضحاك. قال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قما (^١)، ثم يبعث الله الناشئة فتنشئ السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله.\nوقوله ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾ قال بعض النحاة من الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس، وهذا إنما يجيء على قول من ذهب من المفسرين إلى أن قوله ﴿مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾ معناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها\n_________\n(^١) تقم الأرض قما: أي تكنسها كنسا.","vol":"6","page":66},{"text":"البرد. وأما من جعل الجبال هاهنا كناية عن السحاب، فإن من الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضا، لكنها بدل من الأولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ﴾ يحتمل أن يكون المراد بقوله ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد، فيكون قوله ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ رحمة لهم ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يؤخر عنهم الغيث، ويحتمل أن يكون المراد بقوله ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من نثر ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم، ويصرفه عمن يشاء رحمة بهم.\nوقوله ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ أي يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته. وقوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ أي يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتى يعتدلا، ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول الذي كان قصيرا ويقصر الذي كان طويلا، والله هو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي لدليلا على عظمته تعالى، كما قال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وما بعدها من الآيات الكريمات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1349>[سورة النور (٢٤): آية ٤٥]</span>\n﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾\nيذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحية وما شاكلها، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام وسائر الحيوانات، ولهذا قال ﴿يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ أي بقدرته لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1350>[سورة النور (٢٤): آية ٤٦]</span>\n﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾\nيقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والحكم والأمثال البينة المحكمة كثيرا جدا، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى، ولهذا قال ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.","vol":"6","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1351>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٢]</span>\n﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)﴾\nيخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولا بألسنتهم ﴿آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية، أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ -إلى قوله- ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]. وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء عن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا «من دعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له».\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم جاءوا سامعين مطيعين، وهو معنى قوله ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي ﷺ ليروج باطله ثم فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه، ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية، يعني لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وما هو منطو عليه من هذه الصفات.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور تعالى الله ورسوله عن ذلك. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدعي إلى النبي ﷺ وهو محق، أذعن وعلم أن النبي ﷺ سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي ﷺ أعرض وقال: انطلق إلى فلان، فأنزل الله هذه الآية فقال النبي ﷺ «من كان بينه وبين أخيه شيء فدعي إلى حكم من حكام المسلمين فأبى أن يجيب، فهو ظالم لا حق له» وهذا حديث غريب، وهو مرسل.\nثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله، فقال ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أي سمعا وطاعة. ولهذا وصفهم تعالى بالفلاح، وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب، فقال تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال قتادة في هذه الآية ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ ذكر لنا أن عبادة بن الصامت، وكان عقبيا بدريا أحد نقباء الأنصار، أنه","vol":"6","page":68},{"text":"لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك؟ قال:\nبلى. قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأن لا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحا، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة، قال: وقد ذكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، رواه ابن أبي حاتم، والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله وسنة رسوله وللخلفاء الراشدين والأئمة إذا أمروا بطاعة الله كثير جدا أكثر من أن تحصر في هذا المكان.\nوقوله ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي فيما أمراه به، وترك ما نهياه عنه، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل. وقوله ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ يعني الذين فازوا بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1352>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]</span>\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول ﷺ: لئن أمرتهم بالخروج في الغزو ليخرجن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ أي لا تحلفوا. وقوله ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قيل معناه طاعتكم طاعة معروفة، أي قد علم طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦] الآية. وقال تعالى:\n﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] الآية، فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١١ - ١٢].\nوقيل المعنى في قوله ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي ليكن أمركم طاعة معروفة، أي بالمعروف من غير حلف ولا أقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة والباطن بخلافه وإن راج على المخلوق، فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيء من","vol":"6","page":69},{"text":"التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم به ﴿فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾ أي إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة ﴿وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ﴾ أي بقبول ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم ﴿صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. وقوله ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢].\nقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعياء أن قم في بني إسرائيل، فإني سأطلق لسانك بوحي، فقام فقال: يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأنا ويدبر أمرا هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام (^١) في الغيطان (^٢)، والأنهار في الصحارى، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أميا من الأميين ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، لو يمر على السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا، لا يقول الخنا (^٣)، أفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وأسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به من الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيما من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين بما جاءت به رسلي، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1353>[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]</span>\n﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)﴾\nهذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض،\n_________\n(^١) الآجام، جمع أجمة: وهي الشجر الكثيف الملتف.\n(^٢) الغيطان: هي الأرض المنبتة.\n(^٣) الخنا: الفحش في القول.","vol":"6","page":70},{"text":"أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعله ﵎، وله الحمد والمنة، فإنه ﷺ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه.\nثم لما مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلمّ شعث ما وهي بعد موته ﷺ، وأطّد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ﵁، ففتحوا طرفا منها، وقتلوا خلقا من أهلها. وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة ﵁ ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها وتوفاه الله ﷿ واختار له ما عنده من الكرامة.\nومنّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قياما تاما، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله. وتمّ في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس. وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة.\nثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، ويبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» (^١) فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله فنسأل الله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٩، وأبو داود في الفتن باب ١، والترمذي في الفتن باب ١٤، وابن ماجة في الفتن باب ٩، وأحمد في المسند ٥/ ٢٧٨، ٢٨٤، ٤/ ١٢٣.","vol":"6","page":71},{"text":"يرضيه عنا.\nقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا» ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عني، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله ﷺ فقال: قال «كلهم من قريش» (^١). ورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به، وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أخر، وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادلا وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر، فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش يلون فيعدلون، وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا، وقد وجد منهم أربعة على الولاء وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵁، ثم كانت بعدهم فترة، ثم وجد منهم من شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى.\nومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله ﷺ، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا» (^٢).\nوقال الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الآية، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سرا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموها فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فصبروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا من الصحابة قال:\nيا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال: رسول الله ﷺ «لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيه حديدة» وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله تعالى قبض نبيه ﷺ، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ٦، وأحمد في المسند ٥/ ٩٨، ١٠١.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٢٠، ٢٢١، بلفظ: «الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك»، وأخرجه أبو داود في السنة والترمذي في الفتن باب ٤٨، بلفظ: «خلافة النبوة ثلاثون سنة».","vol":"6","page":72},{"text":"حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا فغير ما بهم (^١)، وقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية.\nوقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كما قال تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٢٩] الآية، وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥ - ٦] الآيتين.\nوقوله ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ الآية، كما قال رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم حين وفد عليه «أتعرف الحيرة؟» قال: لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها. قال «فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز» قلت: كسرى بن هرمز، قال «نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد». قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله ﷺ قد قالها (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن أبي سلمة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب».\nوقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان، حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا أنا رديف النبي ﷺ على حمار ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، قال «يا معاذ». قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ثم سار ساعة، ثم قال «يا معاذ بن جبل». قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال «يا معاذ بن جبل». قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال «هل تدري ما حق الله على\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ١٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٥، والترمذي في تفسير سورة ١، باب ٢، وأحمد في المسند أحمد في المسند ٤/ ٢٥٧.\n(^٣) المسند ٥/ ١٣٤.\n(^٤) المسند ٥/ ٢٤٢.","vol":"6","page":73},{"text":"العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم .. قال «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». قال: ثم سار ساعة، ثم قال «يا معاذ بن جبل». قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك.\nقال «فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال «فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم» (^١)، أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد خرج عن أمر ربه، وكفى بذلك ذنبا عظيما، فالصحابة ﵃ لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله ﷿ وأطوعهم لله، كان نصرهم بحسبهم أظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييدا عظيما، وحكموا في سائر العباد والبلاد، ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ أنه قال «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة-وفي رواية حتى يأتي أمر الله وهم كذلك-وفي رواية -حتى يقاتلوا الدجال-وفي رواية-حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون» (^٢) وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1354>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]</span>\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله ﷺ أي سالكين وراءه فيما به أمرهم، وتاركين ما عنه زجرهم، لعل الله يرحمهم بذلك، ولا شك أن من فعل هذا، أن الله سيرحمه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ [التوبة: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ أي لا تظن يا محمد أن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي خالفوك وكذبوك ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا يعجزون الله، بل الله قادر عليهم وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ﴾ أي في الدار الآخرة ﴿النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي بئس المآل مآل الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في اللباس باب ١٠١، ومسلم في الإيمان حديث ٥٠.\n(^٢) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١٠، والتوحيد باب ٢٩، والمناقب باب ٢٨، والخمس باب ٧، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤٧، والإمارة حديث ١٧٠، ١٧١، ١٧٣، ١٧٥، وأبو داود في الفتن باب ١، والجهاد باب ٤، والترمذي في الفتن باب ٥١، وابن ماجة في المقدمة باب ١، والدارمي في الجهاد باب ٣٨، وأحمد في المسند ٤/ ٩٣، ٩٩، ١٠٤، ٢٤٤، ٢٤٨، ٢٥٢، ٣١٩، ٤٢٠، ٤٣٤، ٤٣٧، ٥/ ٢٦٩، ٢٧٨، ٢٧٩.","vol":"6","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1355>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٨ إلى ٦٠]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اِسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾\nهذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال [الأول] من قبل صلاة الغداة، لأن الناس إذ ذاك يكونون نياما في فرشهم ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ اي في وقت القيلولة، لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله.\n﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ﴾ لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال، ولهذا قال ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال، فلا جناح عليكم في تمكينكم من ذلك إياهم ولا عليهم إن رأوا شيئا في غير تلك الأحوال. لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم طوافون عليكم أي في الخدمة وغير ذلك.\nويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم، ولهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن النبي ﷺ قال في الهرة «إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم أو والطوافات» (^١). ولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء وكان عمل الناس بها قليلا جدا، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس.\nكما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى﴾ [النساء: ٨] الآية، والآية في الحجرات ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وروي أيضا من حديث\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ٣٨، والترمذي في الطهارة باب ٦٩، والنسائي في الطهارة باب ٥٣، والمياه باب ٨، وابن ماجة في الطهارة باب ٣٢، والدارمي في الوضوء باب ٥٨، ومالك في الطهارة حديث ١٣، وأحمد في المسند ٥/ ٢٩٦، ٣٠٣، ٣٠٩.","vol":"6","page":75},{"text":"إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف، عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال:\nغلب الشيطان الناس على ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ إلى آخر الآية.\nوروى أبو داود: حدثنا ابن الصباح وابن سفيان وابن عبدة وهذا حديثه: أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي. قال أبو داود (^١): وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس يأمر به، وقال الثوري عن موسى بن أبي عائشة: سألت الشعبي ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾؟ قال:\nلم تنسخ. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. فقال: الله المستعان.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر. كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله. ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود (^٢) عن القعنبي عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به.\nوقال السدي: كان أناس من الصحابة ﵃ يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن، وقال مقاتل بن حيان: بلغنا-والله أعلم-أن رجلا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرثد صنعا للنبي ﷺ طعاما فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا، إنه ليدخل على المرأة وزوجها-وهما في ثوب واحد-غلامهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ إلى آخرها، ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ قوله ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث.\n_________\n(^١) كتاب الأدب باب ١٣٠.\n(^٢) كتاب الحمام باب ١.","vol":"6","page":76},{"text":"قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعيا، فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال. وهكذا قال سعيد بن جبير. وقال في قوله ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه. وقوله ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والضحاك وقتادة: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد ﴿اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ أي لم يبق لهن تشوف إلى التزوج ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء.\nقال أبو داود (^١): حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ﴾ الآية، فنسخ واستثنى من ذلك ﴿الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ الآية، قال ابن مسعود في قوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب أو الرداء وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم. وقال أبو صالح: تضع الجلباب وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار.\nوقال سعيد بن جبير وغيره في قراءة عبد الله بن مسعود «أن يضعن من ثيابهن» وهو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد ان يكون عليها خمار صفيق، وقال سعيد بن جبير في الآية ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب ليرى ما عليهن من الزينة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبد الله، حدثنا ابن المبارك حدثني سوار بن ميمون، حدثنا طلحة بن عاصم عن أم الضياء أنها قالت: دخلت على عائشة ﵂، فقلت: يا أم المؤمنين ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق؟ فقالت: يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات، أي لا يحل لكن ان يروا منكن محرما.\nوقال السدي: كان شريك لي يقال له مسلم، وكان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان، فجاء يوما إلى السوق وأثر الحناء في يده، فسألته عن ذلك فأخبرني أنه خضب رأس مولاته وهي امرأة حذيفة، فأنكرت ذلك، فقال: إن شئت ادخلتك عليها؟ فقلت: نعم، فأدخلني عليها فإذا هي امرأة جليلة، فقلت لها: إن مسلما حدثني أنه خضب لك رأسك؟ فقالت: نعم يا بني إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا، وقد قال الله تعالى في ذلك ما سمعت. وقوله ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي وترك وضعهن لثيابهن وإن كان جائزا خير وأفضل لهن ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) كتاب اللباس باب ٣٤.","vol":"6","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1356>[سورة النور (٢٤): آية ٦١]</span>\n﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾\nاختلف المفسرون ﵏ في المعنى الذي لأجله رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض هاهنا، فقال عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنها: نزلت في الجهاد، وجعلوا هذه الآية هاهنا كالتي في سورة الفتح (^١)، وتلك في الجهاد لا محالة، أي إنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة براءة ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ -إلى قوله- ﴿أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] وقيل: المراد هاهنا أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية، رخصة في ذلك، وهذا قول سعيد بن جبير ومقسم.\nوقال الضحاك: كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرا وتعززا، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ الآية، قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو بالأعرج أو بالمريض إلى بيت أبيه أو أخيه أو بيت أخته أو بيت عمته أو بيت خالته، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم (^٢). وقال السدي:\nكان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فلا يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم، فقال الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إنما ذكر هذا وهو معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ، وليساويه ما بعده في الحكم، وتضمن هذا بيوت الأبناء لأنه لم ينص عليهم، ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند\n_________\n(^١) انظر الآية ١٧ من سورة الفتح.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٥٢.","vol":"6","page":78},{"text":"والسنن من غير وجه عن رسول الله ﷺ أنه قال «أنت ومالك لأبيك» (^١).\nوقوله ﴿أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ هذا ظاهر، وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنهما، وأما قوله ﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ فقال سعيد بن جبير والسدي: هو خادم الرجل من عبد وقهرمان، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف. وقال الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يذهبون في النفير مع رسول الله ﷺ فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله ﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾.\nوقوله ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ذلك. وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه. وقوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ -إلى قوله- ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾.\nوكانوا أيضا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك، فقال ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا﴾ وقال قتادة:\nكان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا﴾ فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة وإن كان الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل.\nكما رواه الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي ﷺ: إنا نأكل ولا نشبع. قال «لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه» (^٣) ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث الوليد بن مسلم به، وقد روى ابن ماجة أيضا من حديث عمرو بن دينار القهرماني\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب ٦٤، وأحمد في المسند ٢/ ١٧٩، ٢٠٤، ٢١٤.\n(^٢) المسند ٣/ ٥٠١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب ١٤، وابن ماجة في الأطعمة باب ١٧.","vol":"6","page":79},{"text":"عن سالم عن أبيه عن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال «كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة» (^١).\nوقوله ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: يعني فليسلم بعضكم على بعض. وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة، قال:\nما رأيته إلا يوجبه. قال ابن جريج: وأخبرني زياد عن ابن طاوس أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم بيته فليسلم، قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا، ولا آثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إلي وما أدعه إلا ناسيا.\nوقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\nوروى الثوري عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد، إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: بسم الله والحمد لله، السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عويد بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن أنس قال: أوصاني النبي ﷺ بخمس خصال قال «يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت-يعني بيتك-فسلم على أهلك يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك. يا أنس ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة».\nوقوله ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول: ما أخذت التشهد، إلا من كتاب الله سمعت الله يقول ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ فالتشهد في الصلاة، التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم يدعو لنفسه ويسلم. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث ابن إسحاق. والذي في صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ يخالف هذا، والله أعلم. وقوله ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لما ذكر تعالى ما في هذه السور الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع المتقنة المبرمة، نبه تعالى عباده على أنه يبين لعباده الآيات بيانا شافيا ليتدبروها\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة باب ١٧.","vol":"6","page":80},{"text":"ويتعقلوها، لعلهم يعقلون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1357>[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]</span>\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾\nوهذا أيضا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك، أمرهم الله تعالى أن لا يتفرقوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته وإن من يفعل ذلك فإنه من المؤمنين الكاملين، ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء، ولهذا قال ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ﴾ الآية.\nوقد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حدثنا بشر هو ابن المفضل عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» (^١) وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به. وقال الترمذي: حديث حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1358>[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]</span>\n﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾\nقال الضحاك عن ابن عباس: كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله ﷿ عن ذلك إعظاما لنبيه ﷺ، قال: فقولوا يا نبي الله، يا رسول الله، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه ﷺ، وأن يبجل وأن يعظم وأن يسود. وقال مقاتل في قوله ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ يقول: لا تسموه إذا دعوتموه يا محمد ولا تقولوا يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله يا رسول الله.\nوقال مالك عن زيد بن أسلم في قوله ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ قال: أمرهم الله أن يشرفوه، هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] إلى آخر الآية. وقوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب با ١٣٩، والترمذي في الاستئذان باب ١٥، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٠، ٢٨٧، ٤٣٩.","vol":"6","page":81},{"text":"[الحجرات: ٤ - ٥] الآية، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته. والقول الثاني في ذلك أن المعنى في ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ اي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا، حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي، والله أعلم.\nوقوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا﴾ قال مقاتل بن حيان: هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة، ويعني بالحديث الخطبة، فيلوذون ببعض أصحاب محمد ﷺ حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي ﷺ في يوم الجمعة بعد ما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بإصبعه إلى النبي ﷺ فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل، لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي ﷺ يخطب بطلت جمعته. وقال السدي: كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض حتى يتغيبوا عنه فلا يراهم، وقال قتادة في قوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا﴾ يعني لواذا عن نبي الله وعن كتابه. وقال سفيان ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا﴾ قال: من الصف، وقال مجاهد في الآية ﴿لِواذًا﴾ خلافا.\nوقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي عن أمر رسول الله ﷺ وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ أنه قال «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^١) أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا. ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك. كما روى الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويقتحمن فيها -قال-فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها» (^٣) أخرجاه من حديث عبد الرزاق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢٠، والبيوع باب ٦٠، والصلح باب ٥، ومسلم في الأقضية حديث ١٧، ١٨، وأبو داود في السنة باب ٥، وابن ماجة في المقدمة باب ٢. وأحمد في المسند ٦/ ١٤٦.\n(^٢) المسند ٢/ ٣١٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٤٠، والرقاق باب ٢٦، ومسلم في الفضائل حديث ١٧، ١٨، ١٩، والترمذي في الأدب باب ٨٢.","vol":"6","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1359>[سورة النور (٢٤): آية ٦٤]</span>\n﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقد للتحقيق، كما قال قبلها ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] الآية، وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] الآية، وقال ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وقال ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية، فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بقد، كقول المؤذن تحقيقا وثبوتا: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. فقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي هو عالم به مشاهد له لا يعزب عنه مثقال ذرة.\nكما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [السجدة: ٢١٧ - ٢٢٠] وقوله ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أي هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر.\nوقال تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] وقال تعالى: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] الآية، وقال تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] وقال ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا.\nوقوله ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي ويوم ترجع الخلائق إلى الله وهو يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ أي يخبرهم بما فعلوا في الدنيا من جليل وحقير وصغير وكبير، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقال ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] ولهذا قال هاهنا ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والحمد لله رب العالمين ونسأله التمام.\nآخر تفسير سورة النور ولله الحمد والمنة.","vol":"6","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1360>سورة الفرقان</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1361>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ إلى ٢]</span>\n﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾\nيقول تعالى حامدا لنفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ [الكهف: ١ - ٢] الآية، وقال هاهنا ﴿تَبارَكَ﴾ وهو تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾ نزل فعل من التكرر والتكثر كقوله ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل منجما مفرقا مفصلا آيات بعد آيات، وأحكاما بعد أحكام، وسورا بعد سور، وهذا أشد وأبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه، كما قال في أثناء هذه السورة ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢] ولهذا سماه هاهنا الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال، والغي والرشاد والحلال والحرام.\nوقوله ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ هذه صفة مدح وثناء لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله وهي ليلة الإسراء، فقال ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه، فقال ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أي إنما خصه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] الذي جعله فرقانا عظيما إنما خصه به ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء ويستقل على الغبراء.\nكما قال ﷺ «بعثت إلى الأحمر والأسود» (^١) وقال «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٣، والدارمي في السير باب ٢٨، وأحمد في المسند ١/ ٢٥٠، ٣٠١، ٤/ ٤١٦، ٥/ ١٤٥، ١٤٨، ١٦٢.","vol":"6","page":84},{"text":"الأنبياء قبلي» فذكر منهن أنه «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (^١) كما قال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] الآية، أي الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض الذي يقول للشيء كن فيكون وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال هاهنا ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ونزه نفسه عن الولد وعن الشريك. ثم أخبر أنه ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1362>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣]</span>\n﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا (٣)﴾\nيخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء، المالك لأزمة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، فكيف يملكون لعابديهم؟ ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا﴾ أي ليس لهم من ذلك شيء بل ذلك كله مرجعه إلى الله ﷿ الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] كقوله ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقوله ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤] ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي لا ولد ولا والد له ولا عديل ولا نديد، ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1363>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤ إلى ٦]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن ﴿إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ﴾ أي كذب ﴿اِفْتَراهُ﴾ يعنون النبي ﷺ ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أي واستعان على جمعه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التيمم باب ١، والصلاة باب ٥٦، والغسل باب ٢٦.","vol":"6","page":85},{"text":"بقوم آخرين، فقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي فقد افتروا هم قولا باطلا، وهم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ يعنون كتب الأوائل أي استنسخها ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي في أول النهار وآخره.\nوهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم يعلم كل أحد بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن محمدا رسول الله ﷺ لم يكن يعاني شيئا من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته وبره وأمانته وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره وإلى أن بعث الأمين، لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا له العداوة ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون ساحر، وتارة يقولون شاعر، وتارة يقولون مجنون، وتارة يقولون كذاب، وقال الله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١٨] وقال تعالى في جواب ما عاندوا هاهنا وافتروا ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، أي أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارا حقا صدقا مطابقا للواقع في الخارج ماضيا ومستقبلا ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ دعاء لهم إلى التوبة والإنابة وإخبار لهم بأن رحمته واسعة وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتانهم وكفرهم وعنادهم وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة.","vol":"6","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1364>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧ إلى ١٤]</span>\n﴿وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَاُدْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾\nيخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم ﴿ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ يعنون كما نأكله ويحتاج إليه كما نحتاج إليه ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ أي يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يقولون: هلا أنزل إليه ملك من عند الله فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه، وهذا كما قال فرعون ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] وكذلك قال هؤلاء على السواء تشابهت قلوبهم، ولهذا قالوا ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي علم كنز ينفق منه ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها﴾ أي تسير معه حيث سار، وهذا كله سهل يسير على الله ولكن له الحكمة في ترك ذلك وله الحجة البالغة ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.\nقال الله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا﴾ أي جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك من قولهم ساحر مسحور مجنون كذاب شاعر، وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك، ولهذا قال ﴿فَضَلُّوا﴾ عن طريق الهدى ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى، فإنه ضال حيثما توجه، لأن الحق واحد ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضا.\nثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه إن شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ﴾ الآية، قال مجاهد: يعني في الدنيا، قال:\nوقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا كبيرا كان أو صغيرا (^١)، قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة: قيل للنبي ﷺ إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبيا قبلك، ولا نعطي أحدا من بعدك ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال «اجمعوها لي في الآخرة» فأنزل الله ﷿ في ذلك ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ﴾ (^٢) الآية.\nوقوله ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ أي إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيبا وعنادا لا أنهم يطلبون ذلك تبصرا واسترشادا بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال ﴿وَأَعْتَدْنا﴾ أي أرصدنا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أي عذابا أليما حارا لا يطاق في نار\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٦٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٦٩.","vol":"6","page":87},{"text":"جهنم. قال الثوري عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير (السعير) واد من قيح جهنم. وقوله ﴿إِذا رَأَتْهُمْ﴾ أي جهنم ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ يعني في مقام المحشر. قال السدي: من مسيرة مائة عام ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أي حنقا عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي يكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها على من كفر بالله.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم بن الأحنف الواسطي أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي عن أصبغ بن زيد عن خالد بن كثير، عن خالد بن دريك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله: «من يقل علي ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار-وفي رواية-فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا» قيل:\nيا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال «أما سمعتم الله يقول ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ الآية، ورواه ابن جرير (^١) عن محمد بن خداش عن محمد بن يزيد الواسطي به.\nوقال أيضا: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله يعني ابن مسعود ومعنا الربيع بن خيثم، فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خيثم إليها، فتمايل الربيع ليسقط، فمر عبد الله على أتون على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه، قرأ هذه الآية ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ فصعق، يعني الربيع، وحملوه إلى أهل بيته، فرابطه عبد الله إلى الظهر، فلم يفق ﵁.\nوحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف، هكذا رواه ابن أبي حاتم بأسناده مختصرا، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك، فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف، وهذا إسناد صحيح.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٣٧٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٣٧٠.","vol":"6","page":88},{"text":"﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرّ لوجهه ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم ﵇ ليجثو على ركبتيه ويقول: رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. وقوله ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قال قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: مثل الزج في الرمح، أي من ضيقه، وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد عن يحيى بن أبي أسيد يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ، أنه سئل عن قول الله ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قال «والذي نفسي بيده، إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط» وقوله ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قال أبو صالح: يعني مكتفين ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ أي بالويل والحسرة والخيبة ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ الآية. روى الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، وينادون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار، فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم، فيقال لهم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا، وادعوا ثبورا كثيرا» لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\nورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن عفان به، ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ الآية، أي لا تدعوا اليوم ويلا واحدا، وادعوا ويلا كثيرا، وقال الضحاك: الثبور الهلاك، والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار، كما قال موسى لفرعون ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي هالكا. وقال عبد الله بن الزبعرى [الخفيف]:\nإذ أجاري الشيطان في سنن الغي … ومن مال ميله مثبور\n\n<span data-type='title' id=toc-1365>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٥ إلى ١٦]</span>\n﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا (١٦)﴾\nيقول تعالى: يا محمد هذا الذي وصفناه لك من حال الأشقياء الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، فتتلقاهم بوجه عبوس وبغيظ وزفير، ويلقون في أماكنها الضيق مقرنين لا يستطيعون حراكا ولا استنصارا ولا فكاكا مما هم فيه، أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم وجعلها لهم جزاء ومصيرا على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ من الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب ومناظر، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد، وهم في ذلك خالدون أبدا دائما سرمدا بلا انقطاع ولا زوال ولا انقضاء ولا يبغون عنها\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٥٢.","vol":"6","page":89},{"text":"حولا، وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم وأحسن به إليهم، ولهذا قال ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا﴾ أي لا بد أن يقع وأن يكون كما حكاه أبو جعفر بن جرير عن بعض علماء العربية أن معنى قوله ﴿وَعْدًا مَسْؤُلًا﴾ أي وعدا واجبا.\nوقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا﴾ يقول: سلوا الذي وعدتكم-أو قال وعدناكم-ننجز وعدهم وتنجزوه، وقال محمد بن كعب القرظي في قوله ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا﴾ إن الملائكة تسأل لهم ذلك ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ وقال أبو حازم: إذا كان يوم القيامة، قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا، فذلك قوله ﴿وَعْدًا مَسْؤُلًا﴾ وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار، ثم التنبيه على حال أهل الجنة، كما ذكر تعالى في سورة الصافات حال أهل الجنة وما فيها من النضرة والحبور، ثم قال ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٧٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1366>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٧ إلى ١٩]</span>\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (١٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم، فقال ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ قال مجاهد: هو عيسى والعزيز والملائكة ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ﴾ الآية، أي فيقول ﵎ للمعبودين: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآية.\nولهذا قال تعالى مخبرا عما يجيب به المعبودون يوم القيامة ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ قرأ الأكثرون بفتح النون من قوله ﴿نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أي ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدا سواك لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن","vol":"6","page":90},{"text":"عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] الآية، وقرأ آخرون ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أي ما ينبغي لأحد أن يعبدنا فإنا عبيد لك فقراء إليك، وهي قريبة المعنى من الأولى.\n﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ﴾ أي طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر، أي نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك ﴿وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قال ابن عباس: أي هلكى، وقال الحسن البصري ومالك عن الزهري: أي لا خير فيهم. وقال ابن الزبعرى حين أسلم [الخفيف]:\nيا رسول المليك إن لساني … راتق ما فتقت إذ أنا بور (^١)\nإذ أجاري الشيطان في سنن الغي … ومن مال ميله مثبور\nوقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ﴾ أي فقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى، كقوله تعالى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] وقوله ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا﴾ أي لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ أي يشرك بالله ﴿نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1367>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين: أنهم كانوا يأكلون الطعام ويحتاجون إلى التغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم، فإن الله تعالى جعل لهم من السمات الحسنة والصفات الجميلة والأقوال الفاضلة والأعمال الكاملة والخوارق الباهرة والأدلة الظاهرة، ما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة مستقيمة على صدق ما جاءوا به من الله، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى:\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقوله ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الأنبياء: ٨] الآية. وقوله تعالى:\n_________\n(^١) البيتان لعبد الله بن الزبعرى السهمي في ديوانه ص ٣٦، والبيت الأول في لسان العرب (بور)، وجمهرة اللغة ص ١٠٢٠، والمخصص ٣/ ٤٨، ٧/ ٣٠، ٣١١، ١٤/ ٣٣، وتاج العروس (ملك)، ومقاييس اللغة ١/ ٣١٦، وسمط اللآلي ص ٣٨٨، والبيت لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص ٩٥، ولعبد الله بن رواحة أو لعبد الله بن الزبعرى في تاج العروس (بور)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣٣٠، وتهذيب اللغة ١٥/ ٢٦٧","vol":"6","page":91},{"text":"﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ أي اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال ﴿أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ قال: يقول الله:\nلو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول الله ﷺ «يقول الله تعالى إني مبتليك ومبتل بك» (^١) وفي المسند عن رسول الله ﷺ «لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة» وفي الصحيح أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1368>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢١ إلى ٢٤]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن تعنت الكفار في كفرهم، وعنادهم في قولهم ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ أي بالرسالة كما تنزل على الأنبياء، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ويحتمل أن يكون مرادهم هاهنا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ فنراهم عيانا فيخبرونا أن محمدا رسول الله، كقولهم ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] وقد تقدم تفسيرها في سورة سبحان، ولهذا قالوا: ﴿أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ وقد قال تعالى:\n﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ [الأنعام: ١١١] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرونهم لا بشرى يومئذ لهم، وذلك يصدق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، والغضب من الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه، اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتأبى الخروج وتتفرق في البدن فيضربونه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] الآية، وقال تعالى:\n﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ أي بالضرب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣.","vol":"6","page":92},{"text":"[الأنعام: ٩٣] ولهذا قال في هذه الآية الكريمة ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وهذا بخلاف حال المؤمنين حال احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب إن كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان. وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\nوقال آخرون: بل المراد بقوله ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ يعني يوم القيامة، قاله مجاهد والضحاك وغيرهما، ولا منافاة بين هذا وما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين: يوم الممات ويوم المعاد، تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي وتقول الملائكة للكافرين: حرام محرم عليكم الفلاح اليوم. وأصل الحجر المنع ومنه يقال حجر القاضي على فلان إذا منعه التصرف، إما لفلس أو سفه أو صغر أو نحو ذلك، ومنه سمي الحجر عند البيت الحرام، لأنه يمنع الطواف أن يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه، ومنه يقال للعقل حجر، لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق، والغرض أن الضمير في قوله ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عائد على الملائكة، هذا قول مجاهد وعكرمة والحسن والضحاك وقتادة وعطية العوفي وعطاء الخراساني وخصيف وغير واحد واختاره ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى يعني ابن قيس، عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري في الآية ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قال: حراما محرما أن يبشر بما يبشر به المتقون. وقد حكى ابن جرير عن ابن جريج أنه قال ذلك من كلام المشركين ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ﴾ أي يتعوذون من الملائكة، وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة يقول ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وهذا القول وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد لا سيما وقد نص الجمهور على خلافه، ولكن قد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال في قوله ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي عوذا معاذا فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج، ولكن في رواية ابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ عوذا معاذا الملائكة تقول ذلك، فالله أعلم.\nوقوله تعالى ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ الآية، هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر، فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي","vol":"6","page":93},{"text":"ظنوا أنها منجاة لهم شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ قال مجاهد والثوري ﴿وَقَدِمْنا﴾ أي عمدنا، وكذا قال السدي، وبعضهم يقول: أتينا عليه.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ في قوله ﴿هَباءً مَنْثُورًا﴾ قال: شعاع الشمس إذا دخل الكوة، وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي وروي مثله عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والضحاك وغيرهم، وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿هَباءً مَنْثُورًا﴾ قال: هو الماء المهراق. وقال أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﴿هَباءً مَنْثُورًا﴾ قال: الهباء رهج الدواب، وروي مثله عن ابن عباس أيضا والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال قتادة في قوله ﴿هَباءً مَنْثُورًا﴾ قال: أما رأيت يبيس الشجر إذا ذرته الريح؟ فهو ذلك الورق. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم عن أبي سريع الطائي عن يعلى بن عبيد قال: وإن الهباء الرماد إذا ذرته الريح، وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا إذا إنها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨] الآية. وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ -إلى قوله- ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة:٢٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. [النور: ٣٩] وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي يوم القيامة ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وذلك أن أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين حسن المنظر طيب المقام ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ [الفرقان: ٧٦] وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] أي بئس المنزل منظرا، وبئس المقيل مقاما، ولهذا قال تعالى:\n﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي بما عملوه من الأعمال المتقبلة نالوا","vol":"6","page":94},{"text":"ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنهم ليس لهم عمل واحد يقتضي دخول الجنة لهم والنجاة من النار، فنبه تعالى بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: إنما هي ضحوة فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.\nوقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة فينطلق بهم إلى الجنة فكانت قيلولتهم في الجنة، وأطعموا كبد حوت فأشبعهم كلهم، وذلك قوله ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقال سفيان عن ميسرة عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨].\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٨]. وقال قتادة ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مأوى ومنزلا.\nوقال قتادة: وحدث صفوان بن محرز أنه قال: يجاء برجلين يوم القيامة أحدهما كان ملكا في الدنيا إلى الحمرة والبياض، فيحاسب فإذا عبد لم يعمل خيرا قط فيؤمر به إلى النار، والآخر كان صاحب كساء في الدنيا فيحاسب فيقول: يا رب ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به، فيقول الله: صدق عبدي فأرسلوه فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار فإذا هو مثل الحممة السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شر مقيل، فيقال له:\nعد، ثم يدعى بصاحب الجنة فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول:\nرب خير مقيل، فيقال له: عد. رواها ابن أبي حاتم كلها.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يونس أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث أن سعيدا الصواف حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٣٨٢.","vol":"6","page":95},{"text":"الشمس، وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1369>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩)﴾\nيخبر تعالى عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها انشقاق السماء وتفطرها، وانفراجها بالغمام وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السموات يومئذ فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب ﵎ لفصل القضاء. قال مجاهد: وهذا كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] الآية.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قال ابن عباس رضي الله: عنهما يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد: الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلق، فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلق، ثم كذلك كل سماء على ذلك التضعيف، حتى تنشق السماء السابعة فينزل أهلها وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السموات ومن الجن والإنس ومن جميع الخلق، فيحطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات وبالجن والإنس وجميع الخلق كلهم، وينزل ربنا ﷿ في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم أكثر من أهل السموات السبع ومن الجن والإنس، وجميع الخلق لهم قرون كأكعب القنا، وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله ﷿، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، وما بين كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام، وما بين ركبته إلى حجزته (^١) مسيرة خمسمائة عام، وما بين حجزته إلى ترقوته (^٢) مسيرة خمسمائة عام، وما بين ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام. وما فوق ذلك مسيرة\n_________\n(^١) الحجزة: موضع شد الإزار.\n(^٢) الترقوة: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق.","vol":"6","page":96},{"text":"خمسمائة عام وجهنم مجنبته (^١)، وهكذا رواه ابن حاتم بهذا السياق.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج عن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران أنه سمع ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت ينزل منها من الملائكة أكثر من الإنس والجن، وهو يوم التلاق يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا؟ فيقولون: لم يجيء وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية، ثم سماء سماء على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، فينزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نزل من السموات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون، ثم يأتي ربنا في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة.\nقال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس، وعلى رؤوسهم شيء مبسوط كأنه القباء، والعرش فوق ذلك، ثم وقف، فمداره على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف وفي سياقاته غالبا، وفيها نكارة شديدة، وقد ورد في حديث الصور المشهور قريب من هذا، والله أعلم، وقد قال الله تعالى:\n﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٧] قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ورواه ابن جرير عنه.\nوقال أبو بكر بن عبد الله: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم من فوقهم، شخصت إليه أبصارهم، ورجفت كلاهم في أجوافهم، وطارت قلوبهم من مقرها من صدورهم إلى حناجرهم. قال ابن جرير (^٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا المعتمر بن سليمان عن عبد الجليل عن أبي حازم عن عبد الله بن عمرو قال: يهبط الله ﷿ حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له القلوب، وهذا موقوف على عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعله من الزاملتين، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ الآية، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وفي الصحيح أن الله تعالى يطوي السموات بيمينه، ويأخذ الأرضين بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك أنا الديان، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون،\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ١٢٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٣٨٦.\n(^٣) تفسير الطبري ٩/ ٣٨٣.","vol":"6","page":97},{"text":"أين المتكبرون؟ (^١) وقوله ﴿وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أي شديدا صعبا، لأنه يوم عدل وقضاء فصل، كما قال تعالى: ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠] فهذا حال الكافرين في هذا اليوم، وأما المؤمنون فكما قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٣] الآية.\nوروى الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسين بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا».\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول ﷺ، وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفا، وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨] الآيتين، فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلا ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ يعني من صرفه عن الهدى وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، وسواء في ذلك أمية بن خلف أو أخوه أبي بن خلف أو غيرهما، ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ وهو القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾ أي بعد بلوغه إليّ، قال الله تعالى: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا﴾ أي يخذله عن الحق ويصرفه عنه، ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1370>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٠ إلى ٣١]</span>\n﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن رسوله ونبيه محمد ﷺ أنه قال «يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا» وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما قال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] الآية، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه وترك الإيمان به وترك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المنافقين حديث ٢٤، وأبو داود في السنة باب ١٩، وابن ماجة في المقدمة باب ١٤، والزهد باب ٣٣.\n(^٢) المسند ٣/ ٧٥.","vol":"6","page":98},{"text":"تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره، من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما يسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه، إنه كريم وهاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن، كذلك كان في الأمم الماضين، لأن الله جعل لكل نبي عدوا من المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣] الآيتين، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أي لمن اتبع رسوله وآمن بكتابه وصدقه واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، وإنما قال ﴿هادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لأن المشركين كانوا يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن، فلهذا قال ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1371>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم وكلامهم فيما لا يعنيهم، حيث قالوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ أي هلا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله جملة واحدة، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية، فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنه إنما نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام ليثبت قلوب المؤمنين به، كقوله ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] الآية، ولهذا قال ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾، قال قتادة: بيناه تبيينا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وفسرناه تفسيرا ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي بحجة وشبهة ﴿إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي ولا يقولون قولا يعارضون به الحق، إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم.\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول ﴿إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، أي إلا نزل جبريل من الله تعالى بجوابهم وما هذا إلا اعتناء وكبير شرف للرسول ﷺ، حيث كان يأتيه الوحي من الله ﷿ بالقرآن صباحا ومساء، وليلا ونهارا، سفرا وحضرا، وكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن لا كإنزال كتاب مما","vol":"6","page":99},{"text":"قبله من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى وأجل وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمد ﷺ أعظم نبي أرسله الله تعالى، وقد جمع الله للقرآن الصفتين معا، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجما بحسب الوقائع والحوادث.\nوقال أبو عبد الرحمن النسائي أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾.\nثم قال تعالى مخبرا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة، وحشرهم إلى جهنم في أسوأ الحالات وأقبح الصفات ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. وفي الصحيح عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال «إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» (^١) وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من المفسرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1372>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٥ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾\nيقول تعالى متوعدا من كذب رسوله محمدا ﷺ من مشركي قومه ومن خالفه، ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه مما أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله، فبدأ بذكر موسى وأنه بعثه وجعل معه أخاه هارون وزيرا، أي نبيا موازرا ومؤيدا وناصرا، فكذبهما فرعون وجنوده ف ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] وكذلك فعل بقوم نوح حين كذبوا رسوله نوحا ﵇، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع الرسل، إذ لا فرق بين رسول ورسول، ولو فرض أن الله تعالى بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ﷿، ويحذرهم نقمه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٥، باب ١، ومسلم في المنافقين حديث ٥٤، والترمذي في تفسير سورة ١٧، باب ١٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣٥٤، ٣٦٣.","vol":"6","page":100},{"text":"﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ ولهذا أغرقهم الله جميعا ولم يبق منهم أحدا، ولم يترك من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط ﴿وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً﴾ أي عبرة يعتبرون بها، كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢] أي وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق، وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق أمره.\nوقوله تعالى: ﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ﴾ قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة، كسورة الأعراف بما أغنى عن الإعادة. وأما أصحاب الرس، فقال ابن جريج عن ابن عباس: هم أهل قرية من قرى ثمود. وقال ابن جريج: قال عكرمة: أصحاب الرس بفلج، وهم أصحاب يس. وقال قتادة: فلج من قرى اليمامة. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم حدثنا شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ﴾ قال: بئر بأذربيجان. وقال الثوري عن أبي بكير، عن عكرمة: الرس بئر رسوا فيها نبيهم (^١)، أي دفنوه بها.\nوقال محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت، قال: فكان ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما، ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب واحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع، ثم إنه ذهب إلى الحفيرة موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده، وكان قد بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه، قال: فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل، فيقولون له: لا ندري، حتى قبض الله النبي، أهب الأسود من نومته بعد ذلك» فقال رسول الله ﷺ «إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٢) عن ابن حميد عن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٩٠.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٣٩٠، ٣٩١.","vol":"6","page":101},{"text":"مرسلا، وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجا، والله أعلم. وقال ابن جرير: لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس الذين ذكروا في القرآن، لأن الله أخبر عنهم أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم اللهم إلا أن يكون حدث لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم، والله أعلم. واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج، فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا﴾ أي وأمما أضعاف من ذكر أهلكناهم كثيرة، ولهذا قال ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ أي بينا لهم الحجج ووضحنا لهم الأدلة، كما قال قتادة: وأزحنا الأعذار عنهم ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ أي أهلكنا إهلاكا، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧] والقرن هو الأمة من الناس، كقوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة. وقيل بمائة. وقيل بثمانين، وقيل أربعين، وقيل غير ذلك، والأظهر أن القرن هم الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهم قرن آخر، كما ثبت في الصحيحين «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^١) الحديث.\n﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ يعني قرية قوم لوط، وهي سدوم ومعاملتها التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي من سجيل، كما قال تعالى:\n﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] وقال ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وقال ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] ولهذا قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أي فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول وبمخالفتهم أوامر الله ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني المارين بها من الكفار لا يعتبرون لأنهم لا يرجون نشورا، أي معادا يوم القيامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1373>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤١ إلى ٤٤]</span>\n﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾\nيخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول ﷺ إذا رأوه كما قال تعالى: ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] الآية، يعنونه بالعيب والنقص. وقال هاهنا ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾؟ أي على سبيل التنقيص والازدراء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الشهادات باب ٩، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢١٠.","vol":"6","page":102},{"text":"فقبحهم الله، كما قال ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الرعد: ٣٢] الآية. وقوله تعالى:\n﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ يعنون أنه كاد يثنيهم عن عبادة الأصنام لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها. قال الله تعالى متوعدا لهم ومتهددا ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ﴾ الآية.\nثم قال تعالى لنبيه منبها أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال، فإنه لا يهديه أحد إلا الله ﷿ ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] الآية، ولهذا قال هاهنا ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ الآية، أي هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة، فإن تلك تعقل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1374>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا (٤٧)﴾\nمن هاهنا شرع ﷾ في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قال ابن عباس وابن عمر وأبو العالية وأبو مالك ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ أي دائما لا يزول، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١ - ٧٢] الآيات. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف، فإن الضد لا يعرف إلا بضده، وقال قتادة والسدي: دليلا تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي الظل. وقيل الشمس ﴿يَسِيرًا﴾ أي سهلا، قال ابن عباس: سريعا. وقال مجاهد: خفيا. وقال السدي: قبضا خفيا حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه. وقال أيوب بن موسى في الآية ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قليلا قليلا. وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ أي يلبس الوجود ويغشاه، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ [الشمس: ٤] ﴿وَالنَّوْمَ سُباتًا﴾ أي قاطعا للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش، فإذا جاء الليل وسكن، سكنت الحركات فاستراحت، فحصل النوم الذي فيه راحة","vol":"6","page":103},{"text":"البدن والروح معا ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1375>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا (٥٠)﴾\nوهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات، أي بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرا، ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ أي آلة يتطهر بها كالسحور والوقود وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك. وأما من قال إنه فعول بمعنى فاعل، أو إنه مبني للمبالغة والتعدي، فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم (^١)، ليس هذا موضع بسطها، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي عن أبي جعفر الرازي إلى حميد الطويل عن ثابت البناني قال: دخلت مع أبي العالية في يوم مطير، وطرق البصرة قذرة، فصلى فقلت له، فقال ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ قال: طهره ماء السماء، وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب عن داود عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال: أنزله الله طهورا لا ينجسه شيء. وعن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها النتن ولحوم الكلاب؟ فقال «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (^٢) رواه الشافعي وأحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي.\nوروى ابن أبي حاتم بإسناده: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشعث حدثنا معتمر، سمعت أبي يحدث عن سيار عن خالد بن يزيد قال: كان عند عبد الملك بن مروان فذكروا الماء، فقال خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه يسقيه الغيم من البحر فيغذ به الرعد والبرق، فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات، فأما النبات فمما كان من السماء. وروي عن عكرمة قال:\nما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة. وقال غيره: في البر بر وفي البحر در.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٣٩٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ٣٤، والترمذي في الطهارة باب ٤٩، والنسائي في المياه باب ١، ٢، وابن ماجة في الطهارة باب ٧٦، وأحمد في المسند ٣/ ١٥ - ١٦، ٣١، ٨٦.","vol":"6","page":104},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي أرضا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء فلما جاءها الحياء عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] الآية، ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أي وليشرب منه الحيوان من أنعام، وأناسيّ محتاجين إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وثمارهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى:٢٨] الآية، وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب يمر على الأرض ويتعداها ويتجاوزها إلى الأرض الأخرى، فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقا، والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة. قال ابن عباس وابن مسعود ﵃: ليس عام بأكثر مطرا من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ أي ليذكروا بإحياء الله الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات، أو ليذكر من منع المطر إنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيقلع عما هو فيه.\nوقال عمر مولى غفرة: كان جبريل ﵇ في موضع الجنائز، فقال له النبي ﷺ «يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب» قال: فقال له جبريل: يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله، فقال: تأتينا صكاك مختمة، اسق بلاد كذا وكذا، كذا وكذا قطرة. رواه ابن أبي حاتم وهو حديث مرسل.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ قال عكرمة: يعني الذين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا الذي قاله عكرمة كما صح في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه يوما على أثر سماء أصابتهم من الليل «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال:\nمطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكواكب» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1376>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥١ إلى ٥٤]</span>\n﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٢٥.","vol":"6","page":105},{"text":"يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ يدعوهم إلى الله ﷿، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم القرآن ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الأنعام: ٩٣] ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]. وفي الصحيحين «بعثت إلى الأحمر والأسود» (^١)، وفيهما «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» ولهذا قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ يعني القرآن، قاله ابن عباس، ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أي خلق الماءين: الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو العذب الفرات الزلال، قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير، وهذا المعنى لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات، والله ﷾ إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه الله تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارا وعيونا في كل أرض، بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأرضيهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أي مالح مر زعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب: البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق، وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر، وما شاكلها وما شابهها من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة، ثم تشرع في النقص، فأجرى الله ﷾ -وهو ذو القدرة التامة-العادة بذلك، فكل هذه البحار الساكنة، خلقها الله ﷾ مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ولما كان ماؤها مالحا، كان هواؤها صحيحا وميتتها طيبة، ولهذا قال رسول الله ﷺ وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (^٢) رواه الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن بإسناد جيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾ أي بين العذب والمالح ﴿بَرْزَخًا﴾ أي حاجزا\n_________\n(^١) تقدم الحديثان مع تخريجهما عند الآية الأولى من هذه السورة.\n(^٢) تقدم الحديث مع تخريجه عند تفسير الآية الثالثة من سورة المائدة. الجزء الثالث.","vol":"6","page":106},{"text":"وهو اليبس من الأرض، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي مانعا من أن يصل أحدهما إلى الآخر، كقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢١] وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا﴾ الآية، أي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسواه وعدله وجعله كامل الخلقة ذكرا وأنثى، كما يشاء، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1377>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٥ إلى ٦٠]</span>\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾\nيخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك له ضرا ولا نفعا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم ويقاتلون في سبيلهم، ويعادون الله ورسوله والمؤمنين فيهم، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ أي عونا في سبيل الشيطان على حزب الله وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥] أي آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم، ويذبون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله وللمؤمنين في الدنيا والآخرة.\nقال مجاهد ﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه (^١). وقال سعيد بن جبير: ﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يقول: عونا للشيطان على ربه بالعداوة والشرك وقال زيد بن أسلم ﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: مواليا، ثم قال تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أي بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين، مبشرا بالجنة لمن أطاع الله ونذيرا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٠١.","vol":"6","page":107},{"text":"﴿إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي طريقا ومسلكا ومنهجا يقتدي فيها بما جئت به.\nثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ أي في أمورك كلها كن متوكلا على الله الحي الذي. لا يموت أبدا، الذي هو ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم ورب كل شيء ومليكه اجعله ذخرك وملجأك، وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال:\nقرأت على معقل يعني ابن عبيد الله، عن عبد الله بن أبي حسين عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمان النبي ﷺ في بعض فجاج المدينة فسجد له، فقال «لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت» وهذا مرسل حسن. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أي اقرن بين حمده وتسبيحه، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك» أي أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ أي بعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية، أي هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين.\nوقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ أي استعلم عنه من هو خبير به عالم به، فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما قاله فهو الحق، وما أخبر به فهو الصدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب رد نزاعهم إليه، فما وافق أقواله وأفعاله فهو الحق، وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: ٥٩] الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [الشورى: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.","vol":"6","page":108},{"text":"قال مجاهد: في قوله ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك وكذا قال ابن جريج. وقال شمر بن عطية في قوله ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ هذا القرآن خبير به. ثم قال تعالى منكرا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ﴾ أي لا نعرف الرحمن، وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي ﷺ للكاتب «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم، ولهذا أنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] أي هو الله وهو الرحمن وقال في هذه الآية ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ﴾ أي لا نعرفه ولا نقر به ﴿أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ أي لمجرد قولك ﴿وَزادَهُمْ نُفُورًا﴾ فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإلهية، ويسجدون له، وقد اتفق العلماء ﵏ على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1378>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦١ إلى ٦٢]</span>\n﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢)﴾\nيقول تعالى ممجدا نفسه ومعظما على جميل ما خلق في السموات من البروج، وهي الكواكب العظام في قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة. وقيل: هي قصور في السماء للحرس، يروى هذا عن علي وابن عباس ومحمد بن كعب وإبراهيم النخعي وسليمان بن مهران الأعمش، وهو رواية عن أبي صالح أيضا، والقول الأول أظهر. اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود، كما قال تعالى:\n﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وَهّاجًا﴾ [النبأ: ١٣].\n﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أي مشرقا مضيئا بنور آخر من غير نور الشمس، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وقال مخبرا عن نوح ﵇، أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦] ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ أي يخلف كل واحد منهما صاحبه، يتعاقبان لا يفتران، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] الآية، وقال ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] الآية، وقال ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس:","vol":"6","page":109},{"text":"٤٠] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا﴾ أي جعلهما يتعاقبان توقيتا لعبادة عباده له ﷿، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل، وقد جاء في الحديث الصحيح «إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» (^١).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو حره عن الحسن أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي علي من وردي شيء، فأحببت أن أتمه، أو قال أقضيه، وتلا هذه الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: يقول من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحسن، وقال مجاهد وقتادة: خلفة، أي مختلفين، أي هذا بسواده وهذا بضيائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1379>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٣ إلى ٦٧]</span>\n﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧)﴾\nهذه صفات عباد الله المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] الآية، فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشر ولا بطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم ﷺ إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا، فقال: ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة، وإنما المراد بالهون هنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله ﷺ «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم منها فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (^٢).\nوقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن البصري في قوله ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ الآية، قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت منهم-والله-الأسماع والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم والله أصحاء، ولكنهم دخلهم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في التوبة حديث ٣١، وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٥، ٤٠٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجمعة باب ١٨، ومسلم في المساجد حديث ١٥١ - ١٥٥.","vol":"6","page":110},{"text":"من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله، تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو مشرب، فقد قل علمه وحضر عذابه (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرا، كما كان رسول الله ﷺ لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلما، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] الآية.\nوروى الإمام أحمد (^٢): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله ﷺ، وسب رجل رجلا عنده، فجعل قال: المسبوب يقول: عليك السلام، الرجل فقال رسول الله ﷺ «أما إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل أنت وأنت أحق به، وإذا قلت له وعليك السلام، قال: لا بل عليك وأنت أحق به». إسناده حسن، ولم يخرجوه.\nوقال مجاهد ﴿قالُوا سَلامًا﴾ يعني قالوا سدادا. وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفا من القول. وقال الحسن البصري: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ حلماء لا يجهلون إن جهل عليهم حلموا، يصاحبون عباد الله نهارهم بما يسمعون، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا﴾ أي في طاعته وعبادته، كما قال تعالى:\n﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨] وقوله ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] الآية، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أي ملازما دائما، كما قال الشاعر [الخفيف]:\nإن يعذب يكن غراما، وإن يعط … جزيلا، فإنه لا يبالي (^٤)\nولهذا قال الحسن في قوله ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٠٩.\n(^٢) المسند ٥/ ٤٤٥.\n(^٣) انظر الدر المنثور ٥/ ١٤١.\n(^٤) البيت للأعشى في ديوانه ص ٥٩، ولسان العرب (عزم)، ومقاييس اللغة ٤/ ٤١٩، وتاج العروس (غرم)، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٨/ ١٣١، والمخصص ٤/ ٦٢، ١٢/ ٩٨، ويروى «إن يعاقب» بدل «إن يعذب».","vol":"6","page":111},{"text":"فليس بغرام، وإنما الغرام الملازم ما دامت السموات والأرض، وكذا قال سليمان التيمي.\nوقال محمد بن كعب ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ يعني ما نعموا في الدنيا، إن الله تعالى سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ أي بئس المنزل منظرا، وبئس المقيل مقاما.\nوقال ابن أبي حاتم عند قوله ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأسا من سم الأساود والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مجاهد، عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لجبابا فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدلم، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام يعني ابن مسكين، عن أبي ظلال عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال «إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة:\nيا حنان يا منان، فيقول الله ﷿ لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل فيجد أهل النار مكبين يبكون، فيرجع إلى ربه ﷿ فيخبره، فيقول الله ﷿، ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا، فيجيء به فيوقفه على ربه ﷿، فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان وشر مقيل، فيقول الله ﷿، ردوا عبدي، فيقول: يا رب ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها، فيقول الله ﷿، دعوا عبدي».\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية، أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، ﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾ كما قال تعالى ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] الآية.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن ضمرة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال «من فقه الرجل رفقه في معيشته». ولم\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٣٠.\n(^٢) المسند ٥/ ١٩٤.","vol":"6","page":112},{"text":"يخرجوه. وقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سكين بن عبد العزيز العبدي، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «ما عال من اقتصد» لم يخرجوه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، حدثنا سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب عن بلال-يعني العبسي-عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ «ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في العبادة» ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة ﵁. وقال الحسن البصري:\nليس في النفقة في سبيل الله سرف. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى، فهو سرف. وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1380>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٨ إلى ٧١]</span>\n﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتابًا (٧١)﴾\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ أي الذنب أكبر؟ قال «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قال: ثم أي؟ قال «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ (^٣) الآية، وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري عن أبي معاوية به، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش ومنصور زاد البخاري وواصل ثلاثتهم عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود به، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ الحديث، طريق غريب.\nقال ابن جرير (^٤): حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤٤٧.\n(^٢) المسند ١/ ٣٨٠، ٤٣١، ٤٣٤، ٤٦٢، ٤٦٤.\n(^٣) أخرجه بلفظ: «أي الذنب أعظم»: البخاري في تفسير سورة ٢، باب ٣، وسورة ٢٥ باب ٢، والأدب باب ٢٠، والديات باب ١، والحدود باب ١٩، والتوحيد باب ٤٠، ٤٦، ومسلم في الإيمان حديث ١٤١، ١٤٢، وأبو داود في الطلاق باب ٥٠، والترمذي في تفسير سورة ٢٥، باب ١، ٢، والنسائي في التحريم باب ٤٤.\n(^٤) تفسير الطبري ٩/ ٤١٥.","vol":"6","page":113},{"text":"يعني ابن إسماعيل، حدثنا الشعبي عن مسروق قال: قال عبد الله، خرج رسول الله ﷺ ذات يوم فاتبعته، فجلس على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت خلوته وقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أي الذنب أكبر؟ قال «أن تدعو لله ندا وهو خلقك» قلت: ثم مه؟ قال «أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك» قلت: ثم مه؟ قال «أن تزاني حليلة جارك» ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ﴾ الآية، وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع «ألا إنما هي أربع» فما أنا بأشح عليهن مني منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ، «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا».\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا علي بن المديني ﵀، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه «ما تقولون في الزنا؟» قالوا:\nحرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره». قال «فما تقولون في السرقة؟» قالوا:\nحرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره». وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي ﷺ قال «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له».\nوقال ابن جريج: أخبرني يعلى عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يحدث أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ الآية، ونزلت ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي فاختة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل «إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك». قال سفيان: وهو قوله ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا﴾ روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: أثاما: واد في جهنم. وقال عكرمة ﴿يَلْقَ أَثامًا﴾ أودية في جهنم يعذب فيها الزناة. وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد. وقال قتادة ﴿يَلْقَ أَثامًا﴾ نكالا، كنا نحدث أنه واد في جهنم.\nوقد ذكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني، إياك والزنا، فإن أوله مخافة وآخره ندامة، وقد\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٨.","vol":"6","page":114},{"text":"ورد في الحديث الذي رواه ابن جرير (^١) وغيره عن أبي أمامة الباهلي موقوفا ومرفوعا: أن غيا وآثاما بئران في قعر جهنم، أجارنا الله منهما بمنه وكرمه. وقال السدي ﴿يَلْقَ أَثامًا﴾ جزاء، وهذا أشبه بظاهر الآية، وبهذا فسره بما بعده مبدلا منه، وهو قوله تعالى: ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي يكرر عليه ويغلظ ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ أي حقيرا ذليلا.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ أي جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ أي في الدنيا إلى الله ﷿ من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه، وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية، فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] الآية. قد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، فقبل الله توبته، وغير ذلك من الأحاديث.\nوقوله تعالى: ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ في معنى قوله ﴿يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قولان [أحدهما] أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات (^٢)، وروي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية [رجز]:\nبدلن بعد حره خريفا … وبعد طول النفس الوجيفا (^٣)\nيعني تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها، وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة ثم يبدله الله بها خيرا. وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا، وبالكفر إسلاما، وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرين.\n[والقول الثاني] أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٤١٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤١٨.\n(^٣) الرجز بلا نسبة في تفسير الطبري ٩/ ٤١٩.","vol":"6","page":115},{"text":"الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه، فإنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف ﵃، وهذا سياق الحديث.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول نحوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها هاهنا» قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، انفرد بإخراجه مسلم (^٢).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثني هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة فتلك مائة» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة وعارم، قالا: حدثنا ثابت يعني ابن يزيد أبو زيد، حدثنا عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال: يعطى الرجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال: ليأتين الله ﷿ بأناس الزهري أبو داود، حدثنا أبو العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال: ليأتين الله ﷿ بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة عن أبي الضيف-قلت: وكان من أصحاب معاذ بن جبل-قال.\nيدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف المتقين ثم الشاكرين ثم أصحاب اليمين قالت: لم سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم قد عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم فقرؤوا سيئاتهم حرفا حرفا، وقالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ فهم أكثر أهل الجنة.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٧٠.\n(^٢) كتاب الإيمان حديث ٣٠٨، ٣٠٩.\n(^٣) انظر الدر المنثور ٥/ ١٤٧.","vol":"6","page":116},{"text":"وقال علي بن الحسين زين العابدين ﴿يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قال: في الآخرة، وقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات، رواهما ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير عن سعيد بن المسيب مثله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو جابر، أنه سمع مكحولا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله، رجل غدر وفجر ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله ﷺ «أأسلمت؟» فقال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فقال النبي «فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات» فقال:\nيا رسول الله وغدراتي وفجراتي؟ فقال «وغدراتك وفجراتك» فولى الرجل يهلل ويكبر.\nوروى الطبراني من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي فروة شطب أنه أتى رسول الله ﷺ، فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال «أسلمت؟» فقال: نعم، قال: «فافعل الخيرات واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها» قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال «نعم» فما زال يكبر حتى توارى.\nورواه الطبراني من طريق أبي فروة الرهاوي عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحمصي عن يحيى بن جابر عن سلمة بن نفيل مرفوعا. وقال أيضا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان عن فليح الشماس عن عبيد بن أبي عبيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءتني امرأة فقالت: هل لي من توبة؟ إني زنيت، وولدت وقتلته، فقلت: لا، ولا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي تدعو بالحسرة، ثم صليت مع النبي ﷺ الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول الله ﷺ «بئسما قلت، أما كنت تقرأ هذه الآية؟» ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ الآية، فقرأتها عليها، فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجا، هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله من لا يعرف، والله أعلم.\nوقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجت تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله ﷺ، تطلّبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله ﷺ فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجا وتوبة مما عملت، وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله ﷿.\nثم قال تعالى مخبرا عن عموم رحمته بعباده، وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب","vol":"6","page":117},{"text":"كان جليلا أو حقيرا، كبيرا أو صغيرا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتابًا﴾ أي فإن الله يقبل توبته، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، أي لمن تاب إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1381>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٢ إلى ٧٤]</span>\n﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤)﴾\nوهذه أيضا من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام، وقيل الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل، وقال محمد ابن الحنفية: هو اللغو والغناء. وقال أبو العالية وطاوس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد المشركين .. وقال عمرو بن قيس، هي مجالس السوء والخنا. وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر».\nوقيل المراد بقوله تعالى: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي شهادة الزور، وهي الكذب متعمدا على غيره، كما في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله. قال «الشرك بالله وعقوق الوالدين» وكان متكئا، فجلس فقال «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (^١). والأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور أي لا يحضرونه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ أي لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء، ولهذا قال ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو الحسن العجلي عن محمد بن مسلم، أخبرني إبراهيم بن ميسرة أن ابن مسعود مر بلهو معروضا، فقال رسول الله ﷺ «لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما» وحدثنا الحسين بن محمد بن سلمة النحوي، ثنا حبان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد بن مسلم، أخبرني ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف، فقال رسول الله ﷺ «لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما». ثم تلا إبراهيم بن ميسرة ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾.\n_________\n(^١) تقدم الحديث مع تخريجه في تفسير الآية ٣١ من سورة النساء.","vol":"6","page":118},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا﴾ وهذه أيضا من صفات المؤمنين ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] بخلاف الكافر، فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يتغير عما كان عليه بل يبقى مستمرا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].\nفقوله ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا﴾ أي بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله فلا تؤثر فيه، فيستمر على حاله كأن لم يسمعها أصم أعمى.\nقال مجاهد قوله ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا﴾ قال: لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئا. وقال الحسن البصري ﵁: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى. وقال قتادة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا﴾ يقول: لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم والله قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما سمعوا من كتابه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن حمران، حدثنا ابن عون قال سألت الشعبي قلت: الرجل يرى القوم سجودا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال:\nفتلا هذه الآية: يعني أنه لا يسجد معهم، لأنه لم يتدبر أمر السجود، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة بل يكون على بصيرة من أمره ويقين واضح بين.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يعني الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له. قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال: أن يرى الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، لا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا أو ولد ولدا أو أخا أو حميما مطيعا لله ﷿. قال ابن جريج في قوله ﴿هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ لوددنا أنا رأينا ما رأيت\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٢، ٣.","vol":"6","page":119},{"text":"وشهدنا ما شهدت، فاستغضب المقداد، فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيرا، ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه لا يدري لو شهده كيف يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم قد كفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي ﷺ على أشد حال بعث عليها نبيا من الأنبياء في فترة جاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرا وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها التي قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا﴾ قال ابن عباس والحسن والسدي وقتادة والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير. وقال غيرهم: هداة مهتدين دعاة إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابا، وأحسن مآبا، ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1382>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٥ إلى ٧٧]</span>\n﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا (٧٧)﴾\nلما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة، والأقوال والأفعال الجليلة، قال بعد ذلك كله ﴿أُوْلئِكَ﴾ أي المتصفون بهذه ﴿يُجْزَوْنَ﴾ يوم القيامة ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وهي الجنة، قال أبو جعفر الباقر وسعيد بن جبير والضحاك والسدي: سميت بذلك لارتفاعها ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي على القيام بذلك ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها﴾ أي في الجنة ﴿تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ أي يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويلقون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وقوله تعالى:\n﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي مقيمين لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون ولا يزولون عنها ولا يبغون عنها حولا، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٨] الآية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الوصية حديث ١٤.","vol":"6","page":120},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ أي حسنت منظرا وطابت مقيلا ومنزلا، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي﴾ أي لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا. قال مجاهد وعمرو بن شعيب ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي﴾ يقول: ما يفعل بكم ربي (^١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي﴾ الآية، يقول: لولا إيمانكم. وأخبر تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أيها الكافرون ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ أي فسوف يكون تكذيبكم لزاما لكم، يعني مقتضيا لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومحمد بن كعب القرظي ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم. وقال الحسن البصري ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ أي يوم القيامة، ولا منافاة بينهما.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٢٧.","vol":"6","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1383>سورة الشعراء</span>\nوهي مكية\n(ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة)\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1384>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ إلى ٩]</span>\n﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذه آيات القرآن المبين، أي البين الواضح الجلي الذي يفصل بين الحق والباطل، والغي والرشاد. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ أي مهلك ﴿نَفْسَكَ﴾ أي مما تحرص وتحزن عليهم ﴿أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وهذه تسلية من الله لرسوله ﷺ في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] كقوله ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] الآية. قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحاك والحسن وغيرهم ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي قاتل نفسك. قال الشاعر [الطويل]:\nألا أيهذا الباخع الحزن نفسه … لشيء نحته عن يديه المقادر (^١)\nثم قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ أي لو نشاء لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهرا، ولكن لا نفعل ذلك لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾\n_________\n(^١) البيت لذي الرمة في ديوانه ص ١٠٣٧، وشرح المفصل ٢/ ٧، ولسان العرب (بخع)، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٧، وتفسير الطبري ٩/ ٤٣٠، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٤٧٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٥٣، ولسان العرب (نحا)، والمقتضب ٤/ ٢٥٩.","vol":"6","page":122},{"text":"[هود: ١١٨ - ١١٩] الآية، فنفذ قدره، ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.\nثم قال تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ أي كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس، كما قال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [يس: ٣٠] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: ٤٤] الآية، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ثم نبه تعالى على عظمة سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترءوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم من زروع وثمار وحيوان.\nقال سفيان الثوري عن رجل عن الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ أي دلالة على قدرة الخالق للأشياء الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره، وارتكبوا نهيه. وقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي الذي عز كل شيء وقهره وغلبه ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي بخلقه فلا يعجل على من عصاه بل يؤجله وينظره، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره. وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1385>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ إلى ٢٢]</span>\n﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ اِئْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢)﴾\nيخبر تعالى عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي","vol":"6","page":123},{"text":"أَمْرِي﴾ -إلى قوله- ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٢٥ - ٢٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي بسبب قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر ﴿قالَ كَلاّ﴾ أي قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك كقوله ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ -أي برهانا- ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] ﴿فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ كقوله ﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه: ٤٦] أي إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي.\n﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ كقوله في الآية الأخرى ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أي كل منا أرسل إليك ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين، فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنا لك بالكلية، ونظر إليه بعين الازدراء والغمص، فقال ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا﴾ الآية، أي أما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا وعلى فراشنا، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة أن قتلت منا رجلا، وجحدت نعمتنا عليك، ولهذا قال ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي الجاحدين. قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير (^١)، ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذًا﴾ أي في تلك الحال ﴿وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة.\nقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم ﴿وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي الجاهلين. قال ابن جريج: وهو كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية، أي انفصل الحال الأول وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت، ثم قال موسى ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي وما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدا وخدما تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم، أي ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1386>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٣ إلى ٢٨]</span>\n﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٤٣٧.","vol":"6","page":124},{"text":"وذلك أنه كان يقول لقومه ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] وكانوا يجحدون الصانع جل وعلا، ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون فلما قال له موسى: إني رسول رب العالمين. قال له فرعون: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه:٤٩].\nومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ أي خالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف فيه، وإلهه لا شريك له، هو الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار وجبال وأشجار وحيوانات ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطير، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي إن كانت لكم قلوب موقنة وأبصار نافذة، فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ أي ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلها غيري؟ فقال لهم موسى ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين، الذين كانوا قبل فرعون وزمانه.\n﴿قالَ﴾ أي فرعون لقومه ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أي ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري. ﴿قالَ﴾ أي موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة، فأجاب موسى بقوله ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب: ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا، فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغربا والمغرب مشرقا، كما قال تعالى عن ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] الآية. ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ﵇، فقال ما أخبر الله تعالى عنه:","vol":"6","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1387>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٧]</span>\n﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾\nلما قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال، فقال ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فعند ذلك قال موسى ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي ببرهان قاطع واضح ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم، وفم كبير، وشكل هائل مزعج ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي من جيبه ﴿فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أي تتلألأ كقطعة من القمر، فبادر فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد، ف ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي فاضل بارع في السحر، فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر به.\nفقال ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ الآية، أي أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه، ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أي أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت، وتكون لك النصرة والتأييد، فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1388>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٨ إلى ٤٨]</span>\n﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨)﴾\nذكر الله تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى ﵇ والقبط في سورة الأعراف، وفي سورة طه، وفي هذه السورة، وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وهذا شأن الكفر والإيمان ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] الآية، ولهذا لما جاء السحرة وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك من أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك، وكان","vol":"6","page":126},{"text":"السحرة جمعا كثيرا وجما غفيرا، قيل: كانوا اثني عشر ألفا، وقيل خمسة عشر ألفا، وقيل سبعة عشر ألفا، وقيل تسعة عشر ألفا، وقيل بضعة وثلاثين ألفا، وقيل ثمانين ألفا، وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم.\nقال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم، وهم: سابور، وعاذور، وحطحط، ويصفى، واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ ولم يقولوا نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ أي إلى مجلس فرعون، وقد ضربوا له وطاقا (^١)، وجمع خدمه وحشمه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، فقام السحرة بين يدي فرعون يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا، أي هذا الذي جمعتنا من أجله، فقالوا ﴿أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي، فعادوا إلى مقام المناظرة ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٥ - ٦٦] وقد اختصر هذا هاهنا، فقال لهم موسى ﴿أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ وهذا كما تقول الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئا هذ بثواب فلان، وقد ذكر الله تعالى في سورة الأعراف أنهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦].\nوقال في سورة طه ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ -إلى قوله- ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه: ٦٦ - ٦٩] وقال هاهنا ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي تخطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئا. قال الله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١٢٢] فكان هذا أمرا عظيما جدا، وبرهانا قاطعا للعذر، وحجة دامغة، وذلك أن الذي استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا، غلبوا وخضعوا، وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة، فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحا جريئا، عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم ويقول ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] وقال ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأعراف: ١٢٣] الآية.\n_________\n(^١) الوطاق: في التركية أوتاق وأوتاغ، والأطاق في التركية اسم للخيمة الكبيرة المزخرفة تعد للعظماء، والوطاق في العربية: الخيمة والمعسكر المكون من خيام. (انظر تأصيل الدخيل لما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل ص ١٩٨)","vol":"6","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1389>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٩ إلى ٥١]</span>\n﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾\nتهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما، وذلك إنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه، ولهذا لما قال لهم فرعون ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم فإذني أنا الحاكم المطاع ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل.\nثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب فقالوا ﴿لا ضَيْرَ﴾ أي لا حرج، ولا يضرنا ذلك، ولا نبالي به ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي المرجع إلى الله ﷿، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء، ولهذا قالوا ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ أي ما قارفناه من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر ﴿أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فقتلهم كلهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1390>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٢ إلى ٥٩]</span>\n﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩)﴾\nلما طال مقام موسى ﵇ ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله تعالى موسى ﵇ أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى ﵇ ما أمره به ربه ﷿، خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا، وكان خروجه بهم فيما ذكره غير واحد من المفسرين وقت طلوع القمر، وذكر مجاهد ﵀ أنه كسف القمر تلك الليلة، فالله أعلم، وأن موسى ﵇ سأل عن قبر يوسف ﵇، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه ﵉، وكان يوسف ﵇ قد أوصى بذلك، إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم.\nوقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم ﵀ فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا ابن فضيل عن يونس بن أبي إسحاق، عن ابن","vol":"6","page":128},{"text":"أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: نزل رسول الله ﷺ بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله ﷺ «تعاهدنا؟» فأتاه الأعرابي، فقال له رسول الله ﷺ «ما حاجتك؟» قال: ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي، فقال «أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟» فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال «إن موسى ﵇ لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف ﵇ لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل.\nفأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف، فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، فقال لها: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة، فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها-قال-فانطلقت معهم إلى بحيرة-مستنقع ماء-فقالت لهم: انضبوا هذا الماء، فلما أنضبوه قالت: احفروا، فلما حفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار» وهذا حديث غريب جدا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.\nفلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون، واشتد غضبه على بني إسرائيل لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعا في بلاده حاشرين، أي من يحشر الجند ويجمعه كالنقباء والحجاب، ونادى فيهم ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ أي لطائفة قليلة ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ أي كل وقت يصل منهم إلينا ما يغيظنا ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أي نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خضراءهم، فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق، والملك والجاه الوافر في الدنيا ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥ - ٦] الآيتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1391>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٠ إلى ٦٨]</span>\n﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾\nذكر غير واحد من المفسرين أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير، هو عبارة عن","vol":"6","page":129},{"text":"مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحل والعقد والدول من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خير دهم، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم، وفي ذلك نظر، والظاهر أن ذلك من مجازفات بني إسرائيل، والله ﷾ أعلم، والذي أخبر به القرآن هو النافع، ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم.\n﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ أي وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها، ﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ﴾ أي رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وذلك أنهم انتهى بهم السير إلى سيف البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر وقد أدركهم فرعون بجنوده، فلهذا قالوا ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو ﷾ لا يخلف الميعاد، وكان هارون ﵇ في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، ومؤمن آل فرعون، وموسى ﵇ في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون أو مؤمن آل فرعون، يقول لموسى ﵇:\nيا نبي الله هاهنا أمرك ربك أن تسير؟ فيقول، نعم، فاقترب فرعون وجنوده ولم يبق إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى ﵇ أن يضرب بعصاه البحر، فضربه وقال: انفلق بإذن الله.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف عن عبد الله بن سلام أن موسى ﵇ لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾. وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة وله اضطراب، ولا يدري من أي جانب يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى، قال له فتاه يوشع بن نون:\nيا نبي الله أين أمرك ربك ﷿؟ قال: أمرني أن أضرب البحر، قال: فاضربه. وقال محمد بن إسحاق، أوحى الله-فيما ذكر لي-إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له، قال: فبات البحر يضطرب ويضرب بعضه بعضا فرقا من الله تعالى، وانتظارا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه بها، ففيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق، ذكر غير واحد أنه جاء فكناه، فقال: انفلق عليّ أبا خالد بحول الله.\nقال الله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي كالجبل الكبير، قاله ابن مسعود وابن عباس ومحمد بن كعب والضحاك وقتادة وغيرهم. وقال عطاء الخراساني: هو","vol":"6","page":130},{"text":"الفج بين الجبلين. وقال ابن عباس صار البحر اثني عشر طريقا لكل سبط طريق، وزاد السدي:\nوصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيلة كالحيطان. وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يبسا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧]. وقال في هذه القصة ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أي هنا لك. قال ابن عباس وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ﴿وَأَزْلَفْنا﴾ أي قربنا من البحر فرعون وجنوده، وأدنيناهم إليه ﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم، فلم يهلك منهم احد، وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله هو ابن مسعود أن موسى ﵇ حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك، فأمر بشاة فذبحت، وقال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط، فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق، فقال له البحر: قد استكبرت يا موسى، وهل انفرقت لأحد من ولد آدم، فأنفرق لك؟ قال، ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرجل، أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه، قال: والله ما كذب ولا كذبت، ثم اقتحم الثانية فسبح ثم خرج، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال: والله ما كذب ولا كذبت، قال: فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه موسى بعصاه، فانفلق، فكان فيه اثنا عشر سبطا لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى، وتتام أصحاب فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم.\nوفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: فلما خرج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، انطم عليهم البحر، فما رئي سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه الله، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ أي في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين، لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تقدم تفسيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1392>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ إلى ٧٧]</span>\n﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧)﴾\nهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵇ إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمدا ﷺ أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده","vol":"6","page":131},{"text":"لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله ﷿ ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ أي ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أي مقيمين على عبادتها ودعائها ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ يعني اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون، فعند ذلك قال لهم إبراهيم ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أي إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها.\nوهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١] الآية، وقال هود ﵇ ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ [الأنعام: ٨١] الآية. وقال تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ﴾ -إلى قوله- ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعني لا إله إلا الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1393>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٨ إلى ٨٢]</span>\n﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾\nيعني لا. أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أي هو الخالق الذي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ أي هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبا زلالا ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾.\nوقوله ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرا للمصلي أن يقول ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، فأسند الأنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدبا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] وكذا قال إبراهيم ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أي إذا وقعت في","vol":"6","page":132},{"text":"مرض، فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أي هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1394>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٣ إلى ٨٩]</span>\n﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (٨٣) وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾\nوهذا سؤال من إبراهيم ﵇ أن يؤتيه ربه حكما. قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب، وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أي اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار «اللهم في الرفيق الأعلى» (^١) قالها ثلاثا. وفي الحديث في الدعاء «اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدلين» (^٢) وقوله ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى:\n﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠].\nقال مجاهد وقتادة ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ يعني الثناء الحسن. قال مجاهد: كقوله تعالى ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢] الآية، وكقوله ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآية، قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه، وكذا قال عكرمة. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ أي نعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ الآية، كقوله ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١] وهذا مما رجع عنه إبراهيم ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وقد قطع تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى:\n﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ -إلى قوله- ﴿وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤].\nوقوله: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي أجرني من الخزي يوم القيامة يوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. وقال البخاري عند هذه الآية: قال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٢، ومسلم في السلام حديث ٤٦.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٢٣.","vol":"6","page":133},{"text":"سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال «إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة» (^١). وفي رواية أخرى: حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أنك لا تخزيني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» (^٢) هكذا رواه عند هذه الآية. وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردا به، ولفظه «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصيني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم انظر تحت رجلك، فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار» وقال عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير.\nوقوله ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني، قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة، قال: يا رب وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم إني حرمتها على الكافرين فأخذ منه. قال: يا إبراهيم أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني، قال: انظر أسفل منك، فنظر، فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار» وهذا إسناد غريب، وفيه نكارة، والذيخ هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته فيلقى في النار كذلك، وقد رواه البزار بإسناده من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وفيه غرابة، ورواه أيضا من حديث قتادة عن جعفر بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي ﷺ بنحوه.\nوقوله ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ أي لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهبا ﴿وَلا بَنُونَ﴾ أي ولو افتدى بمن على الأرض جميعا، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك وأهله، ولهذا قال ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي سالم من الدنس والشرك. قال ابن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ حيي أن يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد والحسن وغيرهما ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يعني من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٢٦، في الترجمة.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٨.","vol":"6","page":134},{"text":"قلب المنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب السالم من البدعة، المطمئن إلى السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1395>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٠ إلى ١٠٤]</span>\n﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾\n﴿أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي قربت وأدنيت من أهلها مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها على ما في الدنيا، وعملوا لها في الدنيا ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أي أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق فزفرت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر، وقيل لأهلها تقريعا وتوبيخا ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئا، ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون.\nوقوله ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ قال مجاهد: يعني فدهوروا فيها. وقال غيره: كبّبوا فيها، والكاف مكررة، كما يقال صرصر، والمراد أنه ألقى بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ أي ألقوا فيها عن آخرهم ﴿قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي يقول الضعفاء للذين استكبروا: ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة ﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين ﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ قال بعضهم: يعني من الملائكة كما يقولون ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وكذا قالوا ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أي قريب.\nقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع (^١) ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك أنهم يتمنون أن يردوا إلى دار الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله تعالى يعلم أنهم لو ردّهم إلى دار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، وقد أخبر الله تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة (ص) ثم قال تعالى:\n﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٥٦.","vol":"6","page":135},{"text":"أي إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد لآية، أي لدلالة واضحة جلية على أن لا إله إلا الله ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1396>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ إلى ١١٠]</span>\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ عن عبده ورسوله نوح ﵇، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد، فبعثه الله ناهيا عن ذلك ومحذرا من وبيل عقابه، فكذبه قومه، فاستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى:\nونزل الله تعالى تكذيبهم له منزلة تكذيبهم جميع الرسل، فلهذا قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ أي ألا تخافون الله في عبادتكم غيره ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني الله به، أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد فيها ولا أنقص منها ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الآية، أي لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدّخر ثواب ذلك عند الله ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1397>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١١ إلى ١١٥]</span>\n﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾\nيقولون: لا نؤمن لك، ولا نتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل، الذين اتبعوك وصدقوك وهم أراذلنا، ولهذا ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي؟ ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه، لا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص، إنما علي أن أقبل منهم تصديقهم إياي، وأكل سرائرهم إلى الله ﷿ ﴿إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ويتابعوه، فأبى عليهم ذلك وقال ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي إنما بعثت نذيرا، فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وأنا منه، سواء كان شريفا أو وضيعا، أو جليلا أو حقيرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1398>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٦ إلى ١٢٢]</span>\n﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾\nلما طال مقام نبي الله بين أظهرهم، يدعوهم إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا،","vol":"6","page":136},{"text":"وكلما كرر عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ والامتناع الشديد، وقالوا في الآخر ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي لئن لم تنته من دعوتك إيانا إلى دينك، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي لنرجمنك، فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ الآية، كما قال في الآية الأخرى ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] إلى آخر الآية. وقال هاهنا ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ﴾ والمشحون هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيها من كل زوجين اثنين، أي أنجينا نوحا ومن اتبعه كلهم، وأغرقنا من كفر به وخالف أمره كلهم أجمعين ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1399>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٣ إلى ١٣٥]</span>\n﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاِتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾\nوهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله هود ﵇، أنه دعا قومه عادا، وكان قومه يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريبا من حضرموت، من جهة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩] وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هودا إليهم رجلا منهم رسولا وبشيرا ونذيرا، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه.\nفقال لهم كما قال نوح لقومه إلى أن قال ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ اختلف المفسرون في الريع بما حاصله أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، يبنون هناك بنيانا محكما هائلا باهرا، ولهذا قال ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ أي معلما بناء مشهورا ﴿تَعْبَثُونَ﴾ أي وإنما تفعلون ذلك عبثا لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليه نبيهم ﵈ ذلك، لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال مجاهد:\nوالمصانع البروج المشيدة والبنيان المخلد، وفي رواية عنه: بروج الحمام. وقال قتادة: هي مأخذ الماء.\nقال قتادة: وقرأ بعض الكوفيين «وتتخذون مصانع كأنكم خالدون». وفي القراءة المشهورة ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي لكي تقيموا فيها أبدا وذلك ليس بحاصل","vol":"6","page":137},{"text":"لكم بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم. وروى ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة أن أبا الدرداء ﵁ لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون، ألا تستحيون، تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورا، وأصبح جمعهم بورا، وأصبحت مساكنهم قبورا، ألا إن عادا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابا، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟.\nوقوله ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ أي يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم، ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم، فقال ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1400>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣٦ إلى ١٤٠]</span>\n﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن جواب قوم هود له بعد ما حذرهم وأنذرهم، ورغبهم ورهبهم، وبين لهم الحق ووضحه ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ أي لا نرجع عما نحن عليه ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] وهكذا الأمر، فإن الله تعالى قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] الآية، وقولهم ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ قرأ بعضهم ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بفتح الخاء وتسكين اللام.\nقال ابن مسعود والعوفي عن عبد الله بن عباس وعلقمة ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق الأولين، كما قال المشركون من قريش ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وقال ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٤] وقال ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤].\nوقرأ آخرون ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضم الخاء واللام، يعنون دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأولين من الآباء والأجداد، ونحن تابعون لهم سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد، ولهذا قالوا ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة وعطاء","vol":"6","page":138},{"text":"الخراساني وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ أي استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه أرسل عليهم ريحا صرصرا عاتية، أي ريحا شديدة الهبوب، ذات برد شديد جدا، فكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٧] وهم عاد الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى﴾ [النجم: ٥٠] وهم من نسل إرم بن سام بن نوح ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ الذين كانوا يسكنون العمد، ومن زعم أن إرم مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك أصل أصيل.\nولهذا قال ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ أي لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد، وقال تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] وقد قدمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا مقدار أنف الثور، عتت على الخزنة، فأذن الله لها في ذلك، فسلكت فحصبت بلادهم، فحصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية، وقال تعالى: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ -إلى قوله- ﴿حُسُومًا﴾ -أي كاملة- ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أي بقوا أبدانا بلا رؤوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه، فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر، وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئا ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٧١] ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1401>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤١ إلى ١٤٥]</span>\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥)﴾\nوهذا إخبار من الله ﷿ عن عبده ورسوله صالح ﵇، أنه بعثه إلى قومه ثمود، وكانوا عربا يسكنون مدينة الحجر التي بين وادي القرى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة، وقد قدمنا في سورة الأعراف الأحاديث المروية في مرور رسول الله ﷺ بهم حين أراد غزو الشام، فوصل إلى تبوك ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك، وكانوا بعد عاد وقبل الخليل ﵇. فدعاهم نبيهم صالح إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن","vol":"6","page":139},{"text":"يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه، وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرا منهم، وإنما يطلب ثواب ذلك من الله ﷿، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم، فقال:\n\n<span data-type='title' id=toc-1402>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٦ إلى ١٥٢]</span>\n﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾\nيقول لهم واعظا لهم، ومحذرهم نقم الله أن تحل بهم، ومذكرا بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة وجعلهم في أمن من المحذورات، وأنبت لهم من الجنات، وفجر لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع والثمرات، ولهذا قال ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾. قال العوفي عن ابن عباس: أينع وبلغ، فهو هضيم (^١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ يقول: معشبة. وقال إسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن أبي عمرو -وقد أدرك الصحابة-عن ابن عباس في قوله ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ قال: إذا رطب واسترخى، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن أبي صالح نحو هذا.\nوقال أبو إسحاق عن أبي العلاء ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ قال: هو المذنب من الرطب، وقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر، وقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم، وأبا أمية، سمعت مجاهدا يقول ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه، فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم، تقبض عليه فتهشمه. وقال عكرمة وقتادة:\nالهضيم الرطب اللين. وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة وركب بعضها بعضا، فهو هضيم.\nوقال مرة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر. وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له، وقال أبو صخر: ما رأيت الطلع حين ينشق عنه الكم؟ فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض، فهو الهضيم.\nوقوله ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني حاذقين. وفي رواية عنه: شرهين أشرين، وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرا وبطرا وعبثا من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم، ولهذا قال ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتعبدوه وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلا ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ يعني رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر ومخالقة الحق.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٦٥.","vol":"6","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1403>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٩]</span>\n﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح ﵇ حين دعاهم إلى عبادة ربهم ﷿ أنهم ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين. وروى أبو صالح عن ابن عباس ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يعني من المخلوقين (^١)، واستشهد بعضهم على هذا بقول الشاعر [الطويل]:\nفإن تسألينا: فيم نحن؟ فإننا … عصافير من هذا الأنام المسحّر (^٢)\nيعني الذين لهم سحور، والسحر هو الرئة. والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك، ثم قالوا ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ يعني فكيف أوحي إليك دوننا؟ كما قالوا في الآية الأخرى ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [البقرة: ٢٥ - ٢٦] ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وقد اجتمع ملؤهم، وطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء إلى صخرة عندهم-من صفتها كذا وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح ﵇ فصلى، ثم دعا الله ﷿ أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم.\n﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يعني ترد ماءكم يوما، ويوما تردونه أنتم ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينا من الدهر، ترد الماء وتأكل الورق والمرعى-وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شربا وريا، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالئوا على قتلها وعقرها ﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ وهو أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، وأصبحوا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٦٨.\n(^٢) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٥٦، ولسان العرب (سحر)، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٩٢، وديوان الأدب ٢/ ٣٥٣، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٥١١، ومقاييس اللغة ٣/ ١٣٨، ومجمل اللغة ٣/ ١٢٣، وكتاب العين ٣/ ١٣٥، والمخصص ١/ ٢٧.","vol":"6","page":141},{"text":"في ديارهم جاثمين ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1404>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٤]</span>\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله لوط ﵇، وهو لوط بن هاران بن آزار وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم ﵉، وكانوا يسكنون سدوم وأعمالها التي أهلكها الله بها، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية متاخمة لجبال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكرك والشوبك، فدعاهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله، من إتيان الذكور دون الإناث، ولهذا قال تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-1405>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٥ إلى ١٧٥]</span>\n﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾\nلما نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم، ما كان جوابهم له إلا أن قالوا ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ أي عما جئتنا به ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أي ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ منهم وقال ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ أي المبغضين، لا أحبه ولا أرضى به، وإني بريء منكم، ثم دعا الله عليهم فقال ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي كلهم.\n﴿إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ﴾ وهي امرأته، وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت مع من بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأعراف وهود، وكذا في الحجر حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتوا إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ -إلى قوله- ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.","vol":"6","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1406>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ إلى ١٨٠]</span>\n﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)﴾\nهؤلاء-يعني أصحاب الأيكة-هم أهل مدين على الصحيح وكان نبي الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل هاهنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: كذب أصحاب الآية المرسلين لم يقل:\nإذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبا ﵇ بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم.\nوقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي-وهو ضعيف-حدثني ابن السدي عن أبيه، وزكريا بن عمر عن خصيف عن عكرمة، قالا: ما بعث الله نبيا مرتين إلا شعيبا، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة، فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، وروى أبو القاسم البغوي عن هدبة عن همام عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ﴾ قوم شعيب.\nوقوله ﴿أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ قوم شعيب، وقاله إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر:\nأصحاب الأيكة ومدين هما واحد، والله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان، بعث الله إليهما شعيبا النبي ﵇» وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفا، والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1407>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨١ إلى ١٨٤]</span>\n﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾\nيأمرهم الله تعالى بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي إذا دفعتم للناس فكملوا الكيل لهم، ولا تبخسوا الكيل فتعطوه ناقصا، وتأخذوه إذا كان لكم تاما وافيا، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ والقسطاس هو الميزان، وقيل هو القبان. قال بعضهم: هو معرب من الرومية. قال مجاهد: القسطاس المستقيم هو العدل بالرومية. وقال قتادة القسطاس العدل. وقوله ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ أي لا تنقصوهم أموالهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ","vol":"6","page":143},{"text":"مُفْسِدِينَ﴾ يعني قطع الطريق، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].\nوقوله ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى ﵇ ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والسدي وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: خلق الأولين وقرأ ابن زيد ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-1408>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٥ إلى ١٩١]</span>\n﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾\nيخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها، تشابهت قلوبهم حيث قالوا ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يعنون من المسحورين كما تقدم ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي تتعمد الكذب فيما تقوله لا أن الله أرسلك إلينا ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قال الضحاك: جانبا من السماء. وقال قتادة: قطعا من السماء. وقال السدي:\nعذابا من السماء. وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى أن قالوا ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] وقوله ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، وهكذا قال هؤلاء الكفار الجهلة ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ الآية، ﴿قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به، وهو غير ظالم لكم، وهكذا وقع بهم جزاء كما سألوا جزاء وفاقا.\nولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله ﷾ جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم مدة سبعة أيام، لا يكنهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها شررا من نار ولهبا ووهجا عظيما، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nوقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا","vol":"6","page":144},{"text":"﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] فأرجفوا بنبي الله ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة، وفي سورة هود قال ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣ - ٨٣] وذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ الآية، وهاهنا قالوا ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ الآية، على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nقال قتادة: قال عبد الله بن عمر ﵁: إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم فاستظل بها فأصاب تحتها بردا وراحة، فأعلم بذلك قومه فأتوها جميعا فاستظلوا تحتها فأججت عليهم نارا، وهكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى (^١).\nوقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلا أطيب ولا أبرد من هذا، هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعا تحت الظلة، فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا جميعا، ثم تلا محمد بن كعب ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nوقال محمد بن جرير (^٢): حدثني الحارث، حدثني الحسن، حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، حدثني يزيد الباهلي، سألت ابن عباس عن هذه الآية ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ الآية، قال: بعث الله عليهم رعدا وحرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا. قال ابن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٧٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٤٧٤.","vol":"6","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1409>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ إلى ١٩٥]</span>\n﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن ذكره في أول السورة في قوله ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ﴾ الآية ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي أنزله الله عليك وأوحاه إليك ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ وهو جبريل ﵇، قاله غير واحد من السلف: ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك والزهري وابن جريج، وهذا مما لا نزاع فيه.\nقال الزهري: وهذه كقوله ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] وقال مجاهد: من كلمه الروح الأمين لا تأكله الأرض ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي نزل به ملك كريم أمين ذو مكانة عند الله مطاع في الملأ الأعلى ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ يا محمد سالما من الدنس والزيادة والنقص ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له.\nوقوله تعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ أي هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، أنزلناه بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بينا واضحا ظاهرا، قاطعا للعذر، مقيما للحجة دليلا إلى المحجة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي، حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن موسى بن محمد عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه في يوم دجن إذ قال لهم «كيف ترون بواسقها؟» قالوا: ما أحسنها وأشد تراكمها.\nقال «فكيف ترون قواعدها؟» قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها. قال «فكيف ترون جونها؟» قالوا: ما أحسنه وأشد سواده. قال «فكيف ترون رحاها استدارت» قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها. قال «فكيف ترون برقها: أو ميض أم خفو أم يشق شقا؟» قالوا: بل يشق شقا. قال «الحياء الحياء إن شاء الله». قال: فقال رجل: يا رسول الله، بأبي وأمي، ما أفصحك، ما رأيت الذي هو أعرب منك. قال: فقال «حق لي وإنما أنزل القرآن بلساني والله يقول ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾» وقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبي لقومه، واللسان يوم القيامة بالسريانية، فمن دخل الجنة تكلم بالعربية، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1410>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٦ إلى ١٩٩]</span>\n﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾\nيقول تعالى: وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك حتى قام آخرهم","vol":"6","page":146},{"text":"خطيبا في ملئه بالبشارة بأحمد ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] والزبر هاهنا هي الكتب، وهي جمع زبور، وكذلك الزبور وهو كتاب داود، وقال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] أي مكتوب عليهم في صحف الملائكة، ثم قال تعالى:\n﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي أوليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها، والمراد العدول منهم الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد ﷺ ومبعثه وأمته، كما أخبر بذلك من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي عمن أدركه منهم ومن شاكلهم، وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية.\nثم قال تعالى مخبرا عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن: أنه لو نزل على رجل من الأعاجم ممن لا يدري من العربية كلمة وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته لا يؤمنون به، ولهذا قال ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ كما أخبر عنهم في الآية الأخرى ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ [الأنعام: ١١١] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1411>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٠ إلى ٢٠٩]</span>\n﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ (٢٠٩)﴾\nيقول تعالى: كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد، أي أدخلناه في قلوب المجرمين ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالحق ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أي حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي عذاب الله بغتة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي يتمنون حين يشاهدون العذاب أن لو أنظروا قليلا ليعملوا في زعمهم بطاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ﴾ -إلى قوله- ﴿ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] فكل ظالم وفاجر إذا شاهد عقوبته ندم ندما شديدا، هذا فرعون لما دعا عليه الكليم بقوله ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ -إلى قوله- ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩] فأثرت هذه الدعوة في فرعون، فما آمن حتى رأى العذاب الأليم ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو","vol":"6","page":147},{"text":"إِسْرائِيلَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١] وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] الآيات.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إنكار عليهم وتهديد لهم، فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيبا واستبعادا: ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، كما قال تعالى:\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] الآيات، ثم قال ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أي لو أخرناهم وأنظرناهم وأملينا لهم برهة من الدهر وحينا من الزمان وإن طال، ثم جاءهم أمر الله أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦] وقال تعالى:\n﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] وقال تعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] ولهذا قال تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.\nوفي الحديث الصحيح «يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت خيرا قط؟ هل رأيت نعيما قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا والله يا رب» (^١) أي ما كأن شيئا كان. ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمثل بهذا البيت:\nكأنك لم تؤثر من الدهر ليلة … إذا أنت أدركت الذي أنت تطلب\nثم قال تعالى مخبرا عن عدله في خلقه أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم، والإنذار لهم، وبعثة الرسل إليهم، وقيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1412>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٠ إلى ٢١٢]</span>\n﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ثم ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم، أي ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم، لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٠٣، ٢٥٣.","vol":"6","page":148},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي ولو انبغى لهم ما استطاعوا ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر: ٢١] ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في مدة إنزال القرآن على رسول الله، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ كما قال تعالى مخبرا عن الجن ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ -إلى قوله- ﴿أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ - ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1413>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٣ إلى ٢٢٠]</span>\n﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾\nيقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له، ومخبرا أن من أشرك به عذبه. ثم قال تعالى آمرا لرسوله ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين، أي الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحدا منهم إلا إيمانه بربه ﷿، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله كائنا من كان فليتبرأ منه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها، كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ [يس: ٦]، وقال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الأنعام: ٩٢] وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى:\n﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [هود: ١٩]، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]. وفي صحيح مسلم «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» (^١) وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة فلنذكرها:\n[الحديث الأول] قال الإمام أحمد (^٢) ﵀: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁ قال: لما أنزل الله ﷿ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى النبي ﷺ الصفا، فصعد عليه ثم نادى «يا صباحاه» فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ «يا بني\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٤٠.\n(^٢) المسند ١/ ٣٠٧.","vol":"6","page":149},{"text":"عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟» قالوا: نعم. قال «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^١) [المسد: ١] ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الأعمش به.\n[الحديث الثاني] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت:\nلما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم» انفرد بإخراجه مسلم (^٣).\n[الحديث الثالث] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا، فعم وخص فقال «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها» (^٥). ورواه مسلم والترمذي من حديث عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلا، ولم يذكر فيه أبا هريرة، والموصول هو الصحيح، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا يزيد، حدثنا محمد يعني ابن إسحاق، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئا، سلاني من مالي ما شئتما» تفرد به من هذا الوجه، وتفرد به\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٦، باب ٢، وسورة ٣٤، باب ٢، وسورة ١١١، باب ١، ٢، ومسلم في حديث ٣٥١، والترمذي في تفسير سورة ١١١.\n(^٢) المسند ٦/ ١٨٧.\n(^٣) كتاب الإيمان حديث ٣٥٠.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٦٠.\n(^٥) أخرجه البخاري في الأدب باب ١٤، ومسلم في الإيمان حديث ٣٤٨، والترمذي في تفسير سورة ٢٦، باب ٢، والنسائي في الوصايا باب ٦.\n(^٦) المسند ٢/ ٣٥٠، ٣٩٨، ٤٤٨، ٤٤٩.","vol":"6","page":150},{"text":"أيضا عن معاوية عن زائدة، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه، ورواه أيضا عن حسن حدثنا ابن لهيعة: عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا، وقال أبو يعلى:\nحدثنا سويد بن سعيد، حدثنا همام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ «يا بني قصي، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت المغير، والساعة الموعد».\n[الحديث الرابع] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن سعيد التيمي عن أبي عثمان عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، قالا: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد رسول الله ﷺ رضمة من جبل على أعلاها حجر، فجعل ينادي: «يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، وإنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو فذهب يربأ أهله يخشى أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف: يا صباحاه» (^٢) ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن طرخان التيمي عن أبي عثمان عبد الرحمن بن سهل النهدي، عن قبيصة وزهير بن عمرو الهلالي به.\n[الحديث الخامس] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جمع النبي ﷺ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا، قال:\nوقال لهم «من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟» فقال رجل لم يسمه شريك: يا رسول الله أنت كنت بحرا من يقوم بهذا، قال: ثم قال الآخر-ثلاثا-قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: أنا.\n[طريق أخرى بأبسط من هذا السياق] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ماجد عن علي ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ-أو دعا رسول الله-بني عبد المطلب وهم رهط، وكلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب، وقال «يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، فقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي» قال: فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت إليه وكنت أصغر القوم، قال:\nفقال «اجلس» ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي «اجلس» حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٦٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣٥٣، ٣٥٥.\n(^٣) المسند ١/ ١١١.\n(^٤) المسند ١/ ١٥٩.","vol":"6","page":151},{"text":"[طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر] قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ «عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره فصمت، فجاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك» قال علي ﵁ فدعاني، فقال: يا علي «إن الله تعالى قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمت عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعد لنا عس (^١) لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب».\nففعلت فاجتمعوا إليه، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ منها رسول الله ﷺ جذبة فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، وقال «كلوا بسم الله» فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ «اسقهم يا علي» فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهد ما سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ.\nفلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ «يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ «اسقهم يا علي» فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب بالكلام، فقال: لهد ما سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ.\nفلما كان من الغد، قال رسول الله ﷺ «يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا ثم سقيتهم من ذلك\n_________\n(^١) العس: القدح الكبير.","vol":"6","page":152},{"text":"القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة» قال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم عن المنهال عن عمرو عن عبد الله بن الحارث.\nوقد رواه أبو جعفر بن جرير (^١) عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب فذكر مثله، وزاد بعد قوله «إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا؟» قال: فأحجم القوم عنها جميعا وقلت-وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا-: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال «إن هذا أخي، وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا» قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة ﵏.\n[طريق. أخرى] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا الحسين عن عيسى بن ميسرة الحارثي، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث قال: قال علي ﵁: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال لي رسول الله ﷺ «اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنا» قال: ففعلت، ثم قال «ادع بني هاشم» قال: فدعوتهم وإنهم يومئذ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل، قال: وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذعة بإدامها، قال: فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله ﷺ من ذروتها ثم قال «فأكلوا حتى شبعوا، وهي على هيئتها لم يزرؤوا منها إلا اليسير، قال: ثم أتيتهم بالإناء فشربوا حتى رووا، قال: وفضل فضل، فلما فرغوا أراد رسول الله ﷺ أن يتكلم فبدروه الكلام، فقالوا ما رأينا كاليوم في السحر.\nفسكت رسول الله ﷺ ثم قال «اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام» فصنعت، قال: فدعاهم فلما أكلوا وشربوا، قال: فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى، فسكت رسول الله ﷺ، ثم قال لي «اصنع لي رجل شاة بصاع طعام» فصنعت، قال: فجمعتهم فلما أكلوا وشربوا بدرهم رسول الله ﷺ الكلام، فقال «أيكم يقضي عني ديني، ويكون خليفتي في أهلي؟» قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال: وسكت أنا لسن العباس. ثم قالها مرة أخرى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٤٨٣، ٤٨٤.","vol":"6","page":153},{"text":"فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله. قال: وإني يومئذ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين، فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي ﵁، ومعنى سؤاله ﷺ لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه ويخلفوه في أهله، يعني إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل.\nفلما أنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فعند ذلك أمن، وكان أو لا يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ ولم يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانا وإيقانا وتصديقا لرسول الله ﷺ من علي ﵁، ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله ﷺ ثم كان بعد هذا-والله أعلم-دعاؤه الناس جهرة على الصفا، وإنذاره لبطون قريش عموما وخصوصا، حتى سمى من سمى من أعمامه وعماته وبناته لينبه بالأدنى على الأعلى، أي إنما أنا نذير والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي-غير منسوب-من طريق عمرو بن سمرة، عن محمد بن سوقة عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء ﵁ يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول «أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم الأقربون» وذلك فيما أنزل الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي في جميع أمورك، فإنه مؤيدك وحافظك وناصرك ومظفرك ومعلي كلمتك. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي هو معتن بك كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] قال ابن عباس ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ يعني إلى الصلاة. وقال عكرمة يرى قيامه وركوعه وسجوده. وقال الحسن ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إذا صليت وحدك، وقال الضحاك ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي من فراشك أو مجلسك. وقال قتادة ﴿الَّذِي يَراكَ﴾ قائما وجالسا وعلى حالاتك.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ قال قتادة ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ قال: في الصلاة يراك وحدك، ويراك في الجمع، وهذا قول عكرمة وعطاء الخراساني والحسن البصري. وقال مجاهد: كان رسول الله ﷺ يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ويشهد لهذا ما صح في الحديث «سووا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري» (^١) وروى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ٧٤، ومسلم في الصلاة حديث ١٢٤.","vol":"6","page":154},{"text":"البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبيا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1414>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ إلى ٢٢٧]</span>\n﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾\nيقول تعالى مخاطبا لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ﷺ ليس بحق، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئي (^١) من الجان، فنزه الله ﷾ جناب رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم أمين عظيم، وأنه ليس من قبل الشياطين، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي أخبركم ﴿عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أي كذوب في قوله وهو الأفاك ﴿أَثِيمٍ﴾ وهو الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان، وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة، فإن الشياطين أيضا كذبة فسقة ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ أي يسترقون السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس، فيحدثون بها فيصدقهم الناس في كل ما قالوه بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء، كما صح بذلك الحديث.\nكما رواه البخاري من حديث الزهري: أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة ﵂: سأل ناس النبي ﷺ عن الكهان، فقال «إنهم ليسوا بشيء» قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا، فقال النبي ﷺ «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة» (^٢).\nوروى البخاري أيضا: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي ﷺ قال «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة\n_________\n(^١) الرئي: التابع من الجن، الذي يتراءى لمتبوعه.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٥٧.","vol":"6","page":155},{"text":"بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ [قالوا للذي قال]: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض-وصف سفيان بيده، فحرفها وبدد بين أصابعه-فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» تفرد به البخاري (^١). وروى مسلم من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار قريبا من هذا، وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] الآية.\nوقال البخاري: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود أخبره عن عروة عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال «إن الملائكة تحدث في العنان-والعنان:\nالغمام-بالأمر في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة» (^٢). ورواه البخاري في موضع آخر في كتاب بدء الخلق عن سعيد بن أبي مريم، عن الليث عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة عن عائشة بنحوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن، وكذا قال مجاهد ﵀ وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما. وقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان فينتصر لهذا فئام من الناس (^٣)، ولهذا فئام من الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾. وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا قتيبة، حدثنا ليث عن ابن الهاد عن يحنّس مولى مصعب بن الزبير، عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال النبي ﷺ «خذوا الشيطان-أو أمسكوا الشيطان-لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا».\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: في كل لغو يخوضون (^٥). وقال الضحاك عن ابن عباس: في كل فن من الكلام، وكذا قال مجاهد وغيره. وقال الحسن البصري: قد والله رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها مرة في شتمه فلان،\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٥، باب ١، وسورة ٣٤، باب ١.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٦، ١١.\n(^٣) فئام من الناس: أي جماعات من الناس.\n(^٤) المسند ٣/ ٨، ٤١.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٩٠.","vol":"6","page":156},{"text":"ومرة في مدحة فلان. وقال قتادة: الشاعر يمدح قوما بباطل ويذم قوما بباطل.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: كان رجلان على عهد رسول الله أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء، فقال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ (^١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه. وهذا الذي قاله ابن عباس ﵁ هو الواقع في نفس الأمر. فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم، ولهذا اختلف العلماء ﵏: فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حدا: هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا، لأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ على قولين. وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة، أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة، وكان يقول الشعر، فقال [الطويل]:\nألا هل أتى الحسناء أن حليلها … بميسان يسقى في زجاج وحنتم (^٢)\nإذا شئت غنتني دهاقين قرية … ورقاصة تجذو على كل منسم\nفإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني … ولا تسقني بالأصغر المتثلم\nلعل أمير المؤمنين يسوؤه … تنادمنا بالجوسق المتهدّم\nفلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: إي والله إنه ليسوؤني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ -أما بعد-قد بلغني قولك:\nلعل أمير المؤمنين يسوؤه … تنادمنا بالجوسق المتهدم\nوايم الله إنه ليسوؤني وقد عزلتك. فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر، فقال: والله يا أمير\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٤٨٩.\n(^٢) البيت الأول للنعمان بن نضلة العدوي في لسان العرب (جذا)، وللنعمان بن عدي في لسان العرب (ختم)، وتاج العروس (خثم) والمخصص ٩/ ١٠٠، والبيت الثاني، ويروى البيت الثاني\n: إذا شئت غنّتني دهاقين قرية … وصنّاجه تحدو على كل منسم\nوهو للنعمان بن نضلة العدوي في لسان العرب (جذ) وتاج العروس (جذا)، وبلا نسبة في لسان العرب (صنج)، (دهق)، (دهقن)، وتاج العروس (صنج)، (دهقن)، ومجمل اللغة ١/ ٤١٨، ومقاييس اللغة ١/ ٤٣٩، ٥١١، والمخصص ١٢/ ٨٦، ٢٦٢، والبيتان الثالث والرابع للنعمان بن نضلة العدوي في الأزهية ص ٢١٨، ولسان العرب (جسق) (ندم)، (جدا)، وبلا نسبة في لسان العرب (دهق)","vol":"6","page":157},{"text":"المؤمنين ما شربتها قط، وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا وقد قلت ما قلت، فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمه عمر ﵁ ولامه على ذلك وعزله به، ولهذا جاء في الحديث «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا» (^١).\nوالمراد من هذا أن الرسول ﷺ الذي أنزل عليه هذا القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر، لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة، كما قال تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣] وهكذا قال هاهنا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٤] إلى أن قال ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ إلى أن قال ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾.\nوقوله ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله ﷺ وهم يبكون، فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال «أنتم» ﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ قال «أنتم» ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ قال «أنتم» رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢) من رواية ابن إسحاق، وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة، عن الوليد بن أبي كثير عن يزيد عن عبد الله، عن أبي الحسن مولى بني نوفل أن حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، أتيا رسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ يبكيان، فقال رسول الله ﷺ وهو يقرؤها عليهما ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ حتى بلغ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال «أنتم».\nوقال أيضا حدثنا أبي، حدثنا أبو مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ قال\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في الأدب باب ٧١، وأخرجه أيضا البخاري في الأدب باب ٩٢، ومسلم في الشعر حديث ٧ - ٩، وأبو داود في الأدب باب ٨٧، وابن ماجة في الأدب باب ٤٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٨٨، ٣٩١، ٤٧٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٤٩٠، ٤٩١.","vol":"6","page":158},{"text":"عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الآية.\nوهكذا قال ابن عباس وعكرمة مجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وغير واحد: أن هذا استثناء مما تقدم. ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار؟ وفي ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم حتى يدخل فيه من كان متلبسا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب ورجع وأقلع وعمل صالحا، وذكر الله كثيرا في مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ. فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كان يذمه، كما قال عبد الله بن الزبعرى حين أسلم [الخفيف]:\nيا رسول المليك إن لساني … راتق ما فتقت إذ أنا بور (^١)\nإذ أجاري الشيطان في سنن الغي … ومن مال ميله مثبور\nوكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وهو ابن عمه وأكثرهم له هجوا، فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله ﷺ، وكان يمدح رسول الله ﷺ بعد ما كان يهجوه، ويتولاه بعد ما كان قد عاداه، وهكذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن، قال «نعم» قال: معاوية تجعله كاتبا بين يديك؟ قال «نعم» قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال «نعم» وذكر الثالثة (^٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ قيل: معناه ذكروا الله كثيرا في كلامهم، وقيل في شعرهم. وكلاهما صحيح مكفر لما سبق.\nوقوله تعالى: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ قال ابن عباس: يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين، وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد، وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لحسان: «اهجهم-أو قال-هاجهم وجبريل معك» (^٣). وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي ﷺ: إن الله ﷿ قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل».\n_________\n(^١) تقدم البيتان مع تخريجهما في تفسير الآية ١٩، من سورة الفرقان.\n(^٢) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ١٦٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٦، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٥٣، وأحمد في المسند ٤/ ٢٨٦، ٢٩٨، ٢٩٩، ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٣.\n(^٤) المسند ٦/ ٣٨٧.","vol":"6","page":159},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ الآية، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (^١)، قال قتادة بن دعامة في قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ يعني من الشعراء وغيرهم، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا إياس بن أبي تميمة قال:\nحضرت الحسن ومر عليه بجنازة نصراني، فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. وقال عبد الله بن أبي رباح عن صفوان بن محرز أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى، حتى أقول قد اندق قضيب زوره، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.\nوقال ابن وهب: أخبرنا شريح الإسكندراني عن بعض المشيخة أنهم كانوا بأرض الروم، فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها أو يصطلون، إذا بركاب قد أقبلوا فقاموا إليهم، فإذا فضالة بن عبيد فيهم، فأنزلوه فجلس معهم-قال-وصاحب لنا قائم يصلي حتى مر بهذه الآية ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ قال فضالة بن عبيد: هؤلاء الذين يخربون البيت.\nوقيل: المراد بهم أهل مكة، وقيل الذين ظلموا من المشركين. والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم.\nكما قال ابن أبي حاتم: ذكر عن زكريا بن يحيى الواسطي، حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد النهدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجبر، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. آخر تفسير سورة الشعراء، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في البر حديث ٥٦، ٥٧، وأحمد في المسند ٢/ ٩٢، ١٠٦، ٣/ ٣٢٣.","vol":"6","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1415>تفسير سورة النمل</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1416>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾\nقد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور. وقوله تعالى:\n﴿تِلْكَ آياتُ﴾ أي هذه آيات ﴿الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي بين واضح ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وأيقن بالدار الآخرة، والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال: خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٤٤] الآية. وقال تعالى: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].\nولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي يكذبون بها ويستبعدون وقوعها ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم، وكان هذا جزاء على ما كذبوا من الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] الآية. ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ﴾ أي في الدنيا والآخرة ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد قال قتادة:\n﴿لَتُلَقَّى﴾ أي لتأخذ ﴿الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي من عند حكيم عليم، أي حكيم في أمره ونهيه، عليم بالأمور: جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].","vol":"6","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1417>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧ إلى ١٤]</span>\n﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢) فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ مذكرا له ما كان من أمر موسى ﵇، كيف اصطفاه الله وكلمه وناجاه أعطاه من الآيات العظيمة الباهرة والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ﴾ أي اذكر حين سار موسى بأهله فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارا، أي رأى نارا تتأجج وتضطرم، فقال ﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ أي عن الطريق.\n﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ منها ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي تستدفئون به وكان كما قال. فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورا عظيما، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي فلما أتاها ورأى منظرا هائلا عظيما حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء لا تزداد النار إلا توقدا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه، فإذا نورها متصل بعنان السماء. قال ابن عباس وغيره: لم تكن نارا، وإنما كانت نورا يتوهج، وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين، فوقف موسى متعجبا مما رأى ف ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾. قال ابن عباس: تقدس ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي من الملائكة، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا شعبة والمسعودي عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل»، زاد المسعودي «وحجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» (^١). ثم قرأ أبو عبيدة ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٣، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣، وأحمد في المسند ٤/ ٤٠١، ٤٠٥.","vol":"6","page":162},{"text":"وأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة به. وقوله تعالى:\n﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ الذي يفعل ما يشاء، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات، ولا تكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات.\nوقوله تعالى: ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أقواله وأفعاله، ثم أمره أن يلقي عصاه من يده ليظهر له دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار القادر على كل شيء، فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة في غاية الكبر وسرعة الحركة مع ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطرابا. وفي الحديث نهي عن قتل جنان البيوت (^١)، فلما عاين موسى ذلك ﴿وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي لم يلتفت من شدة فرقه (^٢) ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطفيك رسولا وأجعلك نبيا وجيها.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سيئ ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ١٠٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآية، والآيات في هذا كثيرة جدا. وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هذه آية أخرى ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصدق من جعل له معجزة، وذلك أن الله تعالى أمره أن يدخل يده في جيب درعه، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة قمر لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف.\nوقوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ أي هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن وأجعلهن برهانا لك إلى فرعون وقومه ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] كما تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ أي بينة واضحة ظاهرة ﴿قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وأرادوا معارضته بسحرهم، فغلبوا وانقلبوا صاغرين ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ في ظاهر أمرهم ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾\n_________\n(^١) لفظ الحديث: «لا تقتلوا الجنّان إلا كل أبتر ذي طفيتين». أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٥، والمغازي باب ١٢، ومسلم في السلام حديث ١٣١، ١٣٤، ١٣٦، وأبو داود في الأدب باب ١٦٢، والنسائي في الحج باب ٨٧، ومالك في الاستئذان حديث ٣١، ٣٢، وأحمد في المسند ٢/ ١٤٦، ٣/ ٤٣٠، ٦/ ٨٣. والجنان، بكسر الجيم: جمع جان، وهي الحية الصغيرة.\n(^٢) من شدة فرقه: أي من شدة خوفه.","vol":"6","page":163},{"text":"أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها.\n﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ أي ظلما من أنفسهم سجية ملعونة، وعلوا أي استكبارا من اتباع الحق، ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة أمرهم في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة، وفحوى الخطاب يقول:\nاحذروا أيها المكذبون لمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى، فإن محمدا ﷺ أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1418>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٥ إلى ١٩]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ (١٩)﴾\nيخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه: داود وابنه سليمان ﵉، من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام، أخبرني أبي عن جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عبده نعمة فيحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان ﵉.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ أي في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداود مائة امرأة، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة» (^١) وقال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الفرائض باب ٣، والاعتصام باب ٥، ومسلم في الجهاد حديث ٤٩، ٥٢، ٥٤، ٥٦، وأحمد في المسند ١/ ٤، ٦، ٩، ١٠، ٢٥، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٦٠، ١٦٢، ١٦٤، ١٧٩، ١٩١، ٢٠٨، ٢/ ٤٦٣، ٦/ ١٤٥، ٢٦٢.","vol":"6","page":164},{"text":"﴿يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي أخبر سليمان بنعم الله عليه فيما وهبه له من الملك التام والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر فيما علمناه مما أخبر الله به ورسوله، ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود، كما قد يتفوه به كثير من الناس، فهو قول بلا علم، ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة، إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، وليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال. ولكن الله سبحانه كان قد أفهم سليمان ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها، ولهذا قال تعالى: ﴿عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي مما يحتاج إليه الملك ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي الظاهر البين لله علينا.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع-قال-فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب، فأقبلت امرأة تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود ﵇ فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ فقال: الذي لا يهاب الملوك ولا يمتنع من الحجاب، فقال داود: أنت إذا والله ملك الموت مرحبا بأمر الله، فتزمل داود مكانه حتى قبضت نفسه حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان ﵇ للطير: أظلي على داود، فظللت عليه الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال لها سليمان:\nاقبضي جناحا جناحا» قال أبو هريرة: يا رسول الله كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله يده وغلبت عليه يومئذ المضرحية. قال أبو الفرج بن الجوزي: المضرحية هن النسور الحمراء.\nوقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير، يعني ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حر أظلته منه بأجنحتها. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يكف أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة يردون أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما يفعل الملوك اليوم.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤١٩، ولفظه: المصرحية بدل المضرحية.","vol":"6","page":165},{"text":"وقوله: ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ أي حتى إذا مر سليمان ﵇ بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أورد ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن سعيد عن قتادة عن الحسن أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب، أي خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، ففهم ذلك سليمان ﵇ منها.\n﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أي ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها عليّ من تعليمي منطق الطير والحيوان. وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أي عملا تحبه وترضاه ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أي إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك، ومن قال من المفسرين أن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وأن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها.\nوعن نوف البكالي أنه قال: كان نمل سليمان أمثال الذئاب، هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت، وإنما هو بالباء الموحدة وذلك تصحيف، والله أعلم. والغرض أن سليمان ﵇ فهم قولها وتبسم ضاحكا من ذلك، وهذا أمر عظيم جدا. وقد قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مسعر عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود ﵉ يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقد ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قرصت نبيا من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه، أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة؟» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1419>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]</span>\n﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾\nقال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا يدل سليمان ﵇ على الماء إذا كان بأرض فلاة طلبه، فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في السلام حديث ١٤٨.","vol":"6","page":166},{"text":"دلهم عليه، أمر سليمان ﵇ الجان فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان ﵇ يوما بفلاة من الأرض فتفقد الطير ليرى الهدهد فلم يره ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ حدث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع بن الأزرق وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا ابن عباس غلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ ويحثو على الفخ ترابا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ فيصيده الصبي، فقال ابن عباس، لولا أن يذهب هذا فيقول رددت على ابن عباس لما أجبته، ثم قال له: ويحك إنه إذا نزل القدر عمي البصر وذهب الحذر، فقال له نافع:\nوالله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدا.\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البرزي من أهل برزة في غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم الاثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد أنه سأله عن سبب عوره، فامتنع عليه، فألح عليه شهورا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن واد بها فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخورا كثيرا حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يعزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع وعيناها تتوقدان مثل الدينار، فاستبشرا بها عظيما، وقالا الحمد لله الذي لم يخيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية، فأدخلا في عينها ميلا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة أنظر ما تحتها كما ترى المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلا، فسرت معهما وهما يحدثاني حتى إذا بعدت عن القرية أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها ورمى بها ومضيا، فلم أزل كذلك ملقى مكتوفا حتى مربي نفر ففك وثاقي، فهذا ما كان من خبر عيني.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان ﵇ عنبر، وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان ﵇ إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها من حضره إلا الهدهد ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر.\nوقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد عن ابن","vol":"6","page":167},{"text":"عباس: يعني نتف ريشه (^١)، وقال عبد الله بن شداد: نتف ريشه وتشميسه، وكذا قال غير واحد من السلف أنه نتف ريشه وتركه ملقى يأكله الذر والنمل. وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يعني قتله ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ بعذر بيّن واضح، وقال سفيان بن عيينة وعبد الله بن شداد: لما قدم الهدهد قالت له الطير: ما خلفك؟ فقد نذر سليمان دمك، فقال: هل استثنى؟ قالوا: نعم.\nقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قال: نجوت إذا، قال مجاهد: إنما دفع الله عنه ببره بأمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1420>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٦]</span>\n﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي غاب زمانا يسيرا، ثم جاء فقال لسليمان:\n﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي بخبر صدق حق يقين، وسبأ هم حمير وهم ملوك اليمن، ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ، وقال قتادة: كانت أمها جنية، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة من بيت مملكة، وقال زهير بن محمد: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية، وقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ وأمها بلتقة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة سليمان ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف مقاتل، وقال الأعمش: عن مجاهد كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل تحت كل قيل مائة ألف مقاتل وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلا، كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل، وكانت بأرض يقال لها مأرب على ثلاثة أميال من صنعاء، وهذا القول هو أقرب على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي من متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب وأنواع الجواهر واللئالئ.\nقال زهير بن محمد: كان من ذهب وصفحاته مرمولة بالياقوت والزبرجد طوله ثمانون ذراعا،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٥٠٧.","vol":"6","page":168},{"text":"وعرضه أربعون ذراعا، وقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبر جد واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، ولها ستمائة امرأة تلي الخدمة، قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، وكان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من مشرقه ومثلها من مغربه، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها فيسجدون لها صباحا ومساء، ولهذا قال: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي عن طريق الحق ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾.\nوقوله: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ﴾ معناه ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ﴾ أي لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وقرأ بعض القراء «ألا يا اسجدوا لله» جعلها ألا الاستفتاحية، ويا للنداء، وحذف المنادى تقديره عنده ألا يا قوم اسجدوا لله.\nوقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد، وقال سعيد بن المسيب: الخبء الماء، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:\nخبء السموات والأرض ما جعل فيهما من الأرزاق، المطر من السماء والنبات من الأرض (^١). وهذا مناسب من كلام الهدهد الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض وداخلها.\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ أي يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠] وقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي هو المدعو وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولما كان الهدهد داعيا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن قتل أربع من الدواب:\nالنملة والنحلة والهدهد والصرد (^٢)، وإسناده صحيح.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٥١١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٦٤، وابن ماجة في الصيد باب ١٠، وأحمد في المسند ١/ ٣٣٢، ٣٤٧.","vol":"6","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1421>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٧ إلى ٣١]</span>\n﴿قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قيل سليمان للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي صدقت في إخبارك هذا ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في مقالتك لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك؟ ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ وذلك أن سليمان ﵇ كتب كتابا إلى بلقيس وقومها. وأعطاه ذلك الهدهد فحمله، قيل في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل بمنقاره، وجاء إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدبا ورئاسة، فتحيرت مما رأت وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها.\nثم قالت لهم ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ تعني بكرمه ما رأته من عجيب أمره كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبا، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فعرفوا أنه من نبي الله سليمان ﵇، وأنه لا قبل لهم به، وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها. قال العلماء: لم يكتب أحد بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان ﵇.\nوقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا في تفسيره حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحنّاط. حدثنا أبو يوسف عن سلمة بن صالح عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: «إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود» قلت: يا نبي الله أي آية؟ قال «سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد» قال: فانتهى إلى الباب فأخرج إحدى قدميه، فقلت نسي ثم التفت إلي وقال: «إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم» هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف. وقال ميمون بن مهران:\nكان رسول الله ﷺ يكتب: باسمك اللهم حتى نزلت هذه الآية. فكتب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ وقوله: ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ قال قتادة: يقول لا تجبروا علي ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي وأتوني مسلمين. قال ابن عباس: موحدين، وقال غيره: مخلصين، وقال سفيان بن عيينة: طائعين.","vol":"6","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1422>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]</span>\n﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾\nلما قرأت عليهم كتاب سليمان، استشارتهم في أمرها وما قد نزل بها، ولهذا قالت ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أي حتى تحضرون وتشيرون ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي منوا إليها بعددهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أي نحن ليس لنا عاقة ولا بنا بأس إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة عنه. وبعد هذا فالأمر إليك مري فينا رأيك نمتثله ونطيعه.\nقال الحسن البصري ﵀: فوضوا أمرهم إلى علجة (^١) تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزم رأيا منهم وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه وما سخر له من الجن والإنس والطير. وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرا عجيبا بديعا، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه فيقصدنا بجنوده ويهلكنا بمن معه ويخلص إلي وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا. ولهذا قالت ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها﴾ قال ابن عباس: أي إذا دخلوا بلدا عنوة أفسدوه أي خربوه ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ أي وقصدوا من فيها من الولاة والجنود فأهانوهم غاية الهوان إما بالقتل أو بالأسر.\nقال ابن عباس: قالت بلقيس ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ قال الرب ﷿: ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ثم عدلت إلى المصالحة والمهادنة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي سأبعث إليه بهدية تليق بمثله وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه في كل عام ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة ﵀: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها، علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس. وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1423>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]</span>\n﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)﴾\nذكر غير واحد من المفسرين من السلف وغيرهم أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب، والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب. قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت جواري في زي الغلمان،\n_________\n(^١) العلج: هو الرجل من كفار العجم، والعلجة: مؤنث علج.","vol":"6","page":171},{"text":"وغلمان في زي الجواري فقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي، قالوا: فأمرهم سليمان فتوضؤوا، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء وجعل الغلام يغترف فميزهم بذلك، وقيل بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها والغلام بالعكس، وقيل بل جعلت الجواري يغسلن من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى كفوفهم ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم.\nوذكر بعضهم أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها ففعل ذلك والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، والظاهر أن سليمان ﵇، لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه. وقال منكرا عليهم ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ؟﴾ أي أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟ ﴿فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أي الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف.\nقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁: أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها ذلك، قالوا:\nما يصنع هذا بهديتنا، وفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أي بهديتهم ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ أي لا طاقة لهم بقتالهم ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً﴾ أي ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ أي مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلها بهديتها وبما قال سليمان سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان ناوية متابعته في الإسلام، ولما تحقق سليمان ﵇ قدومهم عليه، ووفودهم إليه فرح بذلك وسره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1424>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾\nقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سلميان قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكابرته شيئا، وبعثت إليه:\nإني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك، ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه. وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما","vol":"6","page":172},{"text":"قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يرينه أحد حتى آتيك ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\nوقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جاثية وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه. وكان من ذهب وقوائمه لؤلؤ وجوهر. وكان مسترا بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق، فكره أن يأخذ بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم ودماؤهم، فقال ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وهكذا قال عطاء الخراساني والسدي وزهير بن محمد ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فتحرم علي أموالهم بإسلامهم ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال مجاهد: أي مارد من الجن، قال شعيب الجبائي: وكان اسمه كوزن، وكذا قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان (^١)، وكذا قال أيضا وهب بن منبه. قال أبو صالح وكان كأنه جبل ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ قال ابن عباس ﵁: يعني قبل أن تقوم من مجلسك.\nوقال مجاهد: مقعدك، وقال السدي وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام، من أول النهار إلى أن تزول الشمس ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: أي قوي على حمله أمين على ما فيه من الجوهر، فقال سليمان ﵊ أريد أعجل من ذلك، ومن هاهنا يظهر أن سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهب الله له من الملك، وما سخر له من الجنود الذي لم يعطه أحد قبله ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه، هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة. فلما قال سليمان أريد أعجل من ذلك ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾ قال ابن عباس وهو آصف كاتب سليمان، وكذا روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان أنه آصف بن برخياء. وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم وقال قتادة: كان مؤمنا من الإنس واسمه آصف، وكذا قال أبو صالح والضحاك وقتادة أنه كان من الإنس، زاد قتادة من بني إسرائيل. وقال مجاهد كان اسمه أسطوم. وقال قتادة في رواية عنه كان اسمه بليخا، وقال زهير بن محمد هو رجل من الإنس يقال له ذو النور. وزعم عبد الله بن لهيعة أنه الخضر، وهو غريب جدا.\nوقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي ارفع بصرك وانظر، مد بصرك مما تقدر\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٥٢٢.","vol":"6","page":173},{"text":"عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك، وقال وهب بن منبه: امدد بصرك فلا يبلغ مداه حتى آتيك به، فذكروا أنه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب ثم قام فتوضأ ودعا الله تعالى. قال مجاهد: قال يا ذا الجلال والإكرام. وقال الزهري قال: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. قال: فمثل بين يديه، قال مجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق وزهير بن محمد وغيرهم: لما دعا الله تعالى وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس وكان في اليمن وسليمان ﵇ ببيت المقدس غاب السرير وغاص في الأرض ثم نبع من بين يدي سليمان.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم يشعر سليمان إلا وعرشها يحمل بين يديه، قال وكان هذا الذي جاء به من عباد البحر فلما عاين سليمان وملؤه ذلك ورآه مستقرا عنده ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أي هذا من نعم الله عليّ ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ أي ليختبرني ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وكقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي هو غني عن العباد وعبادتهم كريم أي كريم في نفسه وإن لم يعبده أحد فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].\nوفي صحيح مسلم «يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1425>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤١ إلى ٤٤]</span>\n﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)﴾\nلما جيء سليمان ﵇ بعرش بلقيس قبل قدومها أمر به أن يغير بعض صفاته ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس بعرشها فقال ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ قال ابن عباس نزع منه فصوصه ومرافقه، وقال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في البر حديث ٥٥.","vol":"6","page":174},{"text":"مجاهد أمر به فغير ما كان فيه أحمر جعل أصفر، وما كان أصفر جعل أحمر، وما كان أخضر جعل أحمر غير كل شيء عن حاله. وقال عكرمة زادوا فيه ونقصوا وقال قتادة جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره وزادوا فيه ونقصوا ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ﴾ أي عرض عليها عرشها وقد غير ونكر وزيد فيه ونقص منه فكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ونكر فقالت ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الذكاء والحزم.\nوقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ قال مجاهد يقوله سليمان (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ هذا من تمام كلام سليمان ﵇ في قول مجاهد وسعيد بن جبير رحمهما الله أي قال سليمان ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ وهي كانت قد صدها أي منعها من عبادة الله وحده ﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ وهذا الذي قاله مجاهد وسعيد: حسن وقاله ابن جرير أيضا، ثم قال ابن جرير ويحتمل أن يكون في قوله ﴿وَصَدَّها﴾ ضمير يعود إلى سليمان أو إلى الله ﷿ تقديره ومنعها ﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي صدها عن عبادة غير الله ﴿إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (قلت): ويؤيد قول مجاهد أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح كما سيأتي.\nوقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ وذلك أن سليمان ﵇ أمر الشياطين فبنوا لها قصرا عظيما من قوارير أي من زجاج وأجري تحته الماء فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه. واختلفوا في السبب الذي دعا سليمان ﵇ إلى اتخاذه فقيل: إنه لما عزم على تزوجها واصطفائها لنفسه، ذكر له جمالها وحسنها لكن في ساقيها هلب (^٢) عظيم ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة.\nفساءه ذلك فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا؟ هذا قول محمد بن كعب القرظي وغيره. فلما دخلت وكشفت عن ساقيها رأى أحسن الناس ساقا وأحسنهم قدما ولكن رأى على رجليها شعرا لأنها ملكة وليس لها زوج فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل لها الموسى فقالت لا أستطيع ذلك.\nوكره سليمان ذلك وقال للجن: اصنعوا شيئا غير الموسى يذهب بهذا الشعر فصنعوا له النورة.\nوكان أول من اتخذت له النورة (^٣)، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والسدي وابن جريج وغيرهم.\nوقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان ثم قال لها: ادخلي الصرح ليريها ملكا هو أعز\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٥٢٧.\n(^٢) هلب: أي شعر.\n(^٣) النورة: حجر يحلق به شعر العانة.","vol":"6","page":175},{"text":"من ملكها وسلطانا هو أعظم من سلطانها فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لا تشك أنه ماء تخوضه فقيل لها إنه صرح ممرد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده وعاتبها في عبادة الشمس من دون الله، وقال الحسن البصري: لما رأت العلجة الصرح عرفت والله أن قد رأت ملكا أعظم من ملكها، وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال: أمر سليمان بالصرح وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا ثم أرسل الماء تحته ثم وضع له فيه سريره فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس ثم قال لها ادخلي الصرح ليريها ملكا هو أعز من ملكها وسلطانا هو أعظم من سلطانها ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ لا تشك أنه ماء تخوضه، قيل لها ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ﴾.\nفلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله ﷿ وحده وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله فقالت بقول الزنادقة فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت وسجد معه الناس فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع فلما رفع سليمان رأسه قال ويحك ماذا قلت؟ قالت أنسيت ما قلت؟ فقالت ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فأسلمت وحسن إسلامها (^١).\nوقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في هذا أثرا غريبا عن ابن عباس فقال: حدثنا الحسين بن علي عن زائدة حدثني عطاء بن السائب حدثنا مجاهد ونحن في الأزد قال حدثنا ابن عباس قال: كان سليمان ﵇ يجلس على سريره ثم توضع كراسي حوله فيجلس عليها الإنس ثم يجلس الجن ثم الشياطين ثم تأتي الريح فترفعهم ثم تظلهم الطير ثم يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهرا ورواحها شهر، قال فبينما هو ذات يوم في مسير له إذ تفقد الطير ففقد الهدهد فقال ﴿ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قال: وكان عذابه إياه أن ينتفه ثم يلقيه في الأرض فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض.\nقال عطاء وذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل حديث مجاهد ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢]-فقرأ حتى انتهى إلى قوله- ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا﴾ [النمل: ٢٧ - ٢٨] وكتب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، إلى بلقيس ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها ألقي في روعها أنه كتاب كريم وأنه من سليمان وأن لا تعلوا علي وائتوني مسلمين قالوا نحن أولو قوة قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون، فلما جاءت الهدية سليمان قال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٥٣٨، ٥٣٩.","vol":"6","page":176},{"text":"أتمدونني بمال ارجع إليهم فلما نظر إلى الغبار أخبرنا ابن عباس قال وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة، قال عطاء ومجاهد حينئذ في الأزد.\nقال سليمان أيكم يأتيني بعرشها؟ قال وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما يجلس الأمراء ثم يقوم. فقال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ قال سليمان أريد أعجل من ذلك، فقال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره فنبع عرشها من تحت قدم سليمان من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله ثم يصعد إلى السرير، قال فلما رأى سليمان عرشها قال ﴿هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ الآية ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾.\nفلما جاءت قيل أهكذا عرشك؟ قالت كأنه هو قال فسألته حين جاءته عن أمرين قالت لسليمان أريد ماء ليس من أرض ولا سماء. وكان سليمان إذا سئل عن شيء سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين قال: فقالت الشياطين هذا هين أجر الخيل ثم خذ عرقها ثم املأ منه الآنية.\nقال فأمر بالخيل فأجريت ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية، قال وسألت عن لون الله ﷿، قال فوثب سليمان عن سريره فخر ساجدا فقال: يا رب لقد سألتني عن أمر إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك، فقال: ارجع فقد كفيتكهم قال فرجع إلى سريره قال ما سألت عنه؟ قالت ما سألتك إلا عن الماء فقال لجنوده ما سألت عنه؟ فقالوا ما سألتك إلا عن الماء، قال ونسوه كلهم. قال وقالت الشياطين إن سليمان يريد أن يتخذها لنفسه فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد لم ننفك من عبوديته، قال فجعلوا صرحا ممردا من قوارير فيه السمك قال فقيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها فإذا هي شعراء. فقال سليمان هذا قبيح فما يذهبه؟ قالوا يذهبه الموسى فقال أثر الموسى قبيح قال فجعلت الشياطين النورة. قال فهو أول من جعلت له النورة (^١)، ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة من أحسنه من حديث (قلت): بل هو منكر غريب جدا ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم.\nوالأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة. أصل الصرح في كلام العرب هو\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ٢٠٦، ٢٠٧.","vol":"6","page":177},{"text":"القصر وكل بناء مرتفع، قال الله ﷾ إخبارا عن فرعون لعنه الله أنه قال لوزيره هامان ﴿اِبْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] الآية. والصرح قصر في اليمن عالي البناء، والممرد المبنى بناء محكما أملس ﴿مِنْ قَوارِيرَ﴾ أي زجاج، وتمريد البناء تمليسه، ومارد: حصن بدومة الجندل، والغرض أن سليمان ﵇ اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه الملكة ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله وجلالة ما هو فيه وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، وأسلمت لله ﷿ وقالت ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أي بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها للشمس من دون الله ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده لا شريك له الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1426>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾\nيخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح ﵇ حين بعثه الله إليهم فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال مجاهد: مؤمن وكافر (^١) كقوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾؟ ﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦] ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي لم تدعون بحضور العذاب ولا تطلبون من الله رحمته ولهذا قال: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا، وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال هذا من قبل صالح وأصحابه.\nقال مجاهد: تشاءموا بهم وهذا كما قال الله تعالى إخبارا عن قوم فرعون: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النساء: ٧٨] أي بقضائه وقدره، وقال تعالى مخبرا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون ﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨ - ١٩] الآية، وقال هؤلاء ﴿اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي الله يجازيكم على ذلك ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية والظاهر أن المراد بقوله: ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أي تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٥٣١.","vol":"6","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1427>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٨ إلى ٥٣]</span>\n﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾\nيخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح، وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة وهموا بقتل صالح أيضا، بأن يبيتوه في أهله ليلا فيقتلوه غيلة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به من أنهم لم يشاهدوا ذلك فقال تعالى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أي مدينة ثمود ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي تسعة نفر ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود، لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم. قال العوفي عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة (^١)، أي الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم الله ولعنهم، وقد فعل ذلك. وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: كان أسماء هؤلاء التسعة: دعمي، ودعيم، وهرما، وهريم، وداب،.\nوصواب، ورئاب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة، أي الذي باشر ذلك بيده، قال الله تعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] وقال تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ [الشمس: ١٢].\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني، سمعت عطاء-هو ابن أبي رباح-يقول ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ قال: كانوا يقرضون الدراهم، يعني أنهم كانوا يأخذون منها وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددا كما كان العرب يتعاملون. وقال الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض (^٢). وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: أن رسول الله ﷺ نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس (^٣). والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة كان من صفاتهم الإفساد في الأرض، بكل طريق يقدرون عليها، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة وغير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي تحالفوا وتابعوا على قتل نبي الله صالح ﵇ من لقيه ليلا غيلة، فكادهم الله وجعل الدائرة عليهم، قال مجاهد: تقاسموا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ٩/ ٥٣٢.\n(^٢) أخرجه مالك في البيوع حديث ٣٧.\n(^٣) أخرجه أبو داود في البيوع باب ٤٨، وابن ماجة في التجارات باب ٥٢، وأحمد في المسند ٣/ ٤١٩.","vol":"6","page":179},{"text":"وتحالفوا على هلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين، وقال قتادة: تواثقوا على أن يأخذوه ليلا فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح ليفتكوا به إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم، قال العوفي عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، قالوا حين عقروها:\nلنبيتن صالحا وأهله فنقتلهم ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا، وما لنا به من علم فدمرهم الله أجمعين.\nوقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعد ما عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا، فإن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم هموا به فقامت عشيرته دونه، ولبسوا السلاح وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون، فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لما عقروا الناقة قال لهم صالح ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام، فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث، وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف، أي غار هناك ليلا فقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من الهضب حيالهم فخشوا أن تشدخهم فتبادروا، فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فعل بقومهم، فعذب الله هؤلاء هاهنا، وهؤلاء هاهنا، وأنجى الله صالحا ومن معه ثم قرأ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ أي فارغة ليس فيها أحد ﴿بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1428>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٨]</span>\n﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط ﵇ أنه أنذر قومه نقمة الله بهم في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي","vol":"6","page":180},{"text":"يرى بعضكم بعضا، وتأتون في ناديكم المنكر ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي لا تعرفون شيئا لا طبعا ولا شرعا كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء:\n١٦٥ - ١٦٦].\n﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي يتحرجون من فعل ما تفعلون، ومن إقراركم على صنيعكم فأخرجوهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم فعزموا على ذلك، فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي من الهالكين مع قومها، لأنها كانت ردءا لهم على دينهم وعلى طريقتهم، في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله ﷺ لا كرامة لها. وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أي حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ولهذا قال: ﴿فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليهم الإنذار فخالفوا الرسول وكذبوه وهموا بإخراجه من بينهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1429>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]</span>\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أي على نعمه على عباده من النعم التي لا تعد ولا تحصى وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى، هم الأنبياء، قال: وهو كقوله: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].\nوقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم أجمعين، وروي نحوه عن ابن عباس أيضا، ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى. والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار.\nوقد قال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾","vol":"6","page":181},{"text":"قال: هم أصحاب محمد ﷺ اصطفاهم الله لنبيه ﵃، وقوله تعالى: ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى. ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ﴾ أي خلق تلك السموات في ارتفاعها وصفائها. وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة. وخلق الأرض في استفالها وكثافتها وما جعل فيها من الجبال والأطواد والسهول والأوعار، والفيافي والقفار، والزروع والأشجار، والثمار والبحار، والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي جعله رزقا للعباد ﴿فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ أي بساتين ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أي منظر حسن وشكل بهي ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أي لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها. وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق المستقل بذلك المتفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد كما يعترف به هؤلاء المشركون كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أي هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة، من هو المتفرد بالخلق والرزق ولهذا قال تعالى:\n﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ؟﴾ أي أإله مع الله يعبد، وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعترفون به أيضا أنه الخالق الرازق.\nومن المفسرين من يقول معنى قوله: ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ فعل هذا وهو يرجع إلى معنى الأول لأن تقدير الجواب أنهم يقولون ليس ثم أحد فعل هذا معه بل هو المتفرد به فيقال فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] الآية. وقوله تعالى هاهنا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿أَمَّنْ﴾ في هذه الآيات كلها تقديره أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك. وقد قال الله تعالى:\n﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾.\nثم قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي يجعلون لله عدلا ونظيرا. وهكذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] أي أمن هو هكذا كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] وقال تعالى:\n﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أي أمن هو شهيد على أفعال الخلق","vol":"6","page":182},{"text":"حركاتهم وسكناتهم يعلم الغيب جليله وحقيره كمن هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها من دون الله؟ ولهذا قال ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1430>[سورة النمل (٢٧): آية ٦١]</span>\n﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا﴾ أي قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة بل جعلها من فضله ورحمته مهادا بساطا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً﴾ [غافر: ٦٤] ﴿وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا﴾ أي جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة شقها في خلالها وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها شرقا وغربا وجنوبا وشمالا بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في أرجاء الأرض وسير لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه ﴿وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أي جبالا شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بهم ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ أي جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزا، أي مانعا يمنعها من الاختلاط لئلا يفسد هذا بهذا، وهذا بهذا فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقضاء كل منها على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والمقصود منها أن تكون عذبة زلالا يسقي الحيوان والنبات والثمار منها.\nوالبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب، والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحا أجاجا لئلا يفسد الهواء بريحها كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ؟﴾ أي فعل هذا، أو يعبد على القول الأول والآخر؟. وكلاهما متلازم صحيح ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي في عبادتهم غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1431>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٢]</span>\n﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾\nينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] وهكذا قال هاهنا ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ﴾ أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.","vol":"6","page":183},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): أنبأنا عفان: أنبأنا وهيب، أنبأنا خالد الحذاء عن أبي تميمة الهجيمي، عن رجل من بلهجيم قال: قلت يا رسول الله إلام تدعو؟ قال: «أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك» قال: قلت أوصني، قال: «لا تسبن أحدا ولا تزهدن في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة».\nوقد رواه الإمام أحمد (^٢) من وجه آخر، فذكر اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس هو ابن عبيد، حدثنا عبيدة الهجيمي، عن أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو محتب بشملة، وقد وقع هدبها على قدميه فقلت: أيكم محمد رسول الله؟ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البادية وفيّ جفاؤهم فأوصني، قال: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك، فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحدا» قال: فما سببت بعده أحدا ولا شاة ولا بعيرا (^٣). وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقا وعندهما طرف صالح منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم، حدثنا عبدة بن نوح عن عمر بن الحجاج، عن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل علي طاوس يعودني فقلت له: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن، فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.\nوقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول أن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات بمن فيهن، والأرض بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه.\nوذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب، فسلكناها فانتهينا إلى مكان\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٦٤.\n(^٢) المسند ٥/ ٦٣، ٦٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود في اللباس باب ١٩.","vol":"6","page":184},{"text":"وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكينا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال هو لي: وإنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجل، فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفا متحيرا وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعا، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال:\nفأخذت البغل والحمل ورجعت سالما.\nوذكر في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجيلة قالت: هزم الكفار يوما المسلمين في غزوة فوقف جواد جيد بصاحبه وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء، فقال للجواد: ما لك؟ ويلك إنما كنت أعدك لمثل هذا اليوم، فقال له الجواد: وما لي لا أقصر وأنت تكل العلوفة إلى السواس فيظلمونني ولا يطعمونني إلا القليل؟ فقال: لك علي عهد الله أن لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حجري، فجرى الجواد عند ذلك ونجى صاحبه وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حجره.\nواشتهر أمره بين الناس وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك وبلغ ملك الروم أمره، فقال:\nما تضام بلدة يكون هذا الرجل فيها، واحتال ليحصله في بلده فبعث إليه رجلا من المرتدين عنده، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حسنت نيته في الإسلام وقومه حتى استوثق، ثم خرجا يوما يمشيان على جنب الساحل، وقد واعد شخصا آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره، فلما اكتنفاه ليأخذاه رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إنه إنما خدعني بك فاكفنيهما بما شئت. قال: فخرج سبعان فأخذاهما ورجع الرجل سالما.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ أي يخلف قرنا لقرن قبلهم وخلفا لسلف كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] أي قوما يخلف بعضهم بعضا كما قدمنا تقريره، وهكذا هذه الآية ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ أي أمة بعد أمة، وجيلا بعد جيل، وقوما بعد قوم، ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين كما خلق آدم من تراب، ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض، ولكن لا يميت أحدا حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد، فكانت تضيق عليهم الأرض، وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم،","vol":"6","page":185},{"text":"ويتضرر بعضهم ببعض، ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة، ويذرأهم في الأرض، ويجعلهم قرونا بعد قرون، وأمما بعد أمم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البرية، كما قدر ذلك ﵎، وكما أحصاهم وعدهم عدا، ثم يقيم القيامة ويوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي يقدر على ذلك أو أإله مع الله يعبد؟ وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك وحده لا شريك له؟ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1432>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٣]</span>\n﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية كما قال تعالى: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] الآية ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي بين يدي السحاب الذي فيه مطر يغيث الله به عباده المجدبين الأزلين القنطين ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1433>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٤]</span>\n﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)﴾\nأي هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [بروج: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي بما ينزل من مطر السماء وينبت من بركات الأرض كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ [الحديد: ٤] فهو ﵎ ينزل من السماء ماء مباركا فيسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به منها أنواع الزروع والثمار والأزاهير وغير ذلك من ألوان شتى ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي فعل هذا وعلى القول الآخر بعد هذا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذلك وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان كما قال تعالى:\n﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].","vol":"6","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1434>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]</span>\n﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول معلما لجميع الخلق أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ استثناء منقطع أي لا يعلم أحد ذلك إلا الله ﷿ فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخر السورة، والآيات في هذا كثيرة. وقوله تعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة كما قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂، قالت: من زعم أنه يعلم -يعني النبي ﷺ-ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء وجعلها يهتدى بها وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن أناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن والدميم، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله تعالى أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون. رواه ابن أبي حاتم بحروفه وهو كلام جليل متين صحيح.\nوقوله: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ أي انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها، وقرأ آخرون «بل أدرك علمهم» أي تساوى علمهم في ذلك كما في الصحيح لمسلم أن رسول الله ﷺ قال لجبريل وقد سأله عن وقت الساعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (^١) أي تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسؤول والسائل، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي غاب (^٢)، وقال قتادة ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٧، وتفسير سورة ٣١، باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ١، ٥، ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في الإيمان باب ٤، والنسائي في الإيمان باب ٥، ٦، وابن ماجة في المقدمة باب ٩، والفتن باب ٢٥، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٨.","vol":"6","page":187},{"text":"يعني بجهلهم بربهم، يقول لم ينفذ لهم علم في الآخرة، هذا قول، وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ حين لم ينفع العلم، وبه قال عطاء الخراساني والسدي أن علمهم إنما يدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨] وقال سفيان عن عمرو بن عبيد عن الحسن، أنه كان يقرأ «بل أدرك علمهم» قال:\nاضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ عائد على الجنس، والمراد الكافرون، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٨] أي الكافرون منكم. وهكذا قال هاهنا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ أي شاكون في وجودها ووقوعها ﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ أي في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1435>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ إلى ٧٠]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن منكري البعث من المشركين أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظاما ورفاتا وترابا، ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا ولا نرى له حقيقة ولا وقوعا، وقولهم ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون ما هذا الوعد بإعادة الأبدان ﴿إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي أخذه قوم عمن قبلهم من كتب يتلقاه بعض عن بعض وليس له حقيقة، قال الله تعالى مجيبا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي المكذبين بالرسل وبما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره كيف حلت بهم نقمة الله وعذابه ونكاله ونجى الله من بينهم رسله الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين، فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته، ثم قال تعالى مسليا لنبيه ﷺ ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي المكذبين بما جئت به ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أي في كيدك، ورد ما جئت به فإن الله مؤيدك وناصرك ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1436>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧١ إلى ٧٥]</span>\n﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾","vol":"6","page":188},{"text":"يقول تعالى مخبرا عن المشركين في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قال الله تعالى مجيبا لهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قال ابن عباس: أن يكون قرب أو أن يقرب لكم بعض الذي تستعجلون، وهكذا قال مجاهد والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] وإنما دخلت اللام في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ لأنه ضمن معنى عجل لكم، كما قال مجاهد في رواية عنه ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ عجل لكم.\nثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ أي في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧] ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه، فقال تعالى: ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ﴾ قال ابن عباس: يعني وما من شيء ﴿فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1437>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٦ إلى ٨١]</span>\n﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان أنه يقص على بني إسرائيل وهم حملة التوراة والإنجيل ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه فاليهود افتروا والنصارى غلوا فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، وقوله ﴿وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي هدى لقلوب المؤمنين به ورحمة لهم في العمليات.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتقامه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعال عباده وأقوالهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي في جميع أمورك وبلغ رسالة","vol":"6","page":189},{"text":"ربك ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي أنت على الحق المبين وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليه الشقاوة وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ أي لا تسمعهم شيئا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة وفي آذانهم وقر الكفر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي إنما يستجيب لك من هو سميع بصير، السمع والبصر النافع في القلب والبصيرة، الخاضع لله ولما جاء عنه على ألسنة الرسل ﵈.\n\n<span data-type='title' id=toc-1438>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]</span>\n﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾\nهذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض، قيل: من مكة، وقيل: من غيرها كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى فتكلم الناس على ذلك، قال ابن عباس والحسن وقتادة ويروى عن علي ﵁:\nتكلمهم كلاما، أي تخاطبهم مخاطبة، وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ويروى هذا عن علي واختاره ابن جرير (^١) وفي هذا القول نظر لا يخفى، والله أعلم. وقال ابن عباس في رواية: تجرحهم، وعنه رواية قال: كلاّ تفعل هذا وهذا، وهو قول حسن ولا منافاة، والله أعلم.\nوقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة فلنذكر منها ما تيسر والله المستعان.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سفيان عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابة! وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم ﵇، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا» (^٣) وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من طرق عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة موقوفا. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه مسلم أيضا من حديث عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عنه مرفوعا، فالله أعلم.\n[طريق أخرى] قال أبو داود الطيالسي عن طلحة بن عمرو وجرير بن حازم، فأما طلحة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٦.\n(^٢) المسند ٤/ ٦، ٧.\n(^٣) أخرجه مسلم في الفتن حديث ٣٩، ٤٠، وأبو داود في الملاحم باب ١٢، والترمذي في الفتن باب ٢١، وابن ماجة في الفتن باب ٢٨.","vol":"6","page":190},{"text":"فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عمير الليثي: أن أبا الطفيل حدثه عن حذيفة بن أسيد الغفاري أبي سريحة، وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عبيد عن رجل من آل عبد الله بن مسعود. وحديث طلحة أتم وأحسن قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: «لها ثلاث خرجات من الدهر: فتخرج خرجة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية-يعني مكة-ثم تكمن زمنا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية ويدخل ذكرها القرية» يعني مكة.\nقال رسول الله ﷺ: «ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي تدنو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتى ومعا، وبقيت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلي، فيقبل عليها فتسمه في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن ليقول: يا كافر اقضني حقي، وحتى إن الكافر ليقول: يا مؤمن اقضني حقي» ورواه ابن جرير (^١) من طريقين عن حذيفة بن أسيد موقوفا، والله أعلم. ورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعا، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم، وهو يطوف بالبيت ولكن إسناده لا يصح.\n[حديث آخر] قال مسلم بن الحجاج (^٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر عن أبي حيان عن أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا».\n[حديث آخر] روى مسلم (^٣) في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا، طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة» تفرد به، وله من حديث قتادة عن الحسن عن زياد بن رباح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم» (^٤).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٥، ١٦.\n(^٢) كتاب الفتن حديث ٣٩، ٤٠.\n(^٣) كتاب الفتن حديث ١١٨.\n(^٤) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٢٨.","vol":"6","page":191},{"text":"[حديث آخر] قال ابن ماجة (^١): حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة» تفرد به.\n[حديث آخر] قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉، فتخطم أنف الكافر بالعصا، وتجلي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر» ورواه الإمام أحمد (^٢) عن بهز وعفان ويزيد بن هارون ثلاثتهم عن حماد بن سلمة بن، وقال: «فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول: هذا يا مؤمن، ويقول: هذا يا كافر» ورواه ابن ماجة (^٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد المؤدب عن حماد بن سلمة به.\n[حديث آخر] قال ابن ماجة (^٤): حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو، حدثنا أبو نميلة، حدثنا خالد بن عبيد حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ذهب بي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله ﷺ: «تخرج الدابة من هذا الموضع» فإذا فتر في شبر، قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين فأرانا عصا له، فإذا هو بعصاي هذه كذا وكذا، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة أن ابن عباس قال: هي دابة ذات زغب لها أربع قوائم تخرج من بعض أودية تهامة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية قال: قال عبد الله: تخرج الدابة من صدع من الصفا، كجري الفرس ثلاثة أيام لم يخرج ثلثها، وقال محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح قال: سئل عبد الله بن عمرو عن الدابة فقال:\nالدابة تخرج من تحت صخرة بجياد، والله لو كنت معهم أو لو شئت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها. قيل: فتصنع ماذا يا عبد الله بن عمرو، فقال: تستقبل المشرق فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تروح من مكة فتصبح بعسفان، قيل ثم ماذا؟ قال لا أعلم، وعن عبد الله بن عمر أنه قال: تخرج الدابة ليلة جمع. رواه ابن أبي حاتم، وفي إسناده ابن البيلمان.\n_________\n(^١) كتاب الفتن باب ٢٥.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٥٩، ٤٩١.\n(^٣) كتاب الفتن باب ٢٨.\n(^٤) كتاب الفتن باب ٢٨.","vol":"6","page":192},{"text":"وعن وهب بن منبه: أنه حكى من كلام عزيز ﵇ أنه قال: وتخرج من تحت سدوم دابة تكلم الناس كل يسمعها، وتضع الحبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أجاجا، ويتعادى الأخلاء وتحرق الحكمة، ويرفع العلم، وتكلم الأرض التي تليها، وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعبون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون، رواه ابن أبي حاتم عنه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح عن أبي مريم أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: إن الدابة فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب. وقال ابن عباس: هي مثل الحربة الضخمة، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إنها دابة لها ريش، وزغب، وحافر، وما لها ذنب، ولها لحية، وإنها لتخرج حضر الفرس الجواد ثلاثا، وما خرج ثلثها، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جريج عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشوا تلك النكتة السوداء حتى يسود بها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق بكم ذا يا مؤمن، بكم ذا يا كافر؟ وحتى إن أهل البيت يجلسون على مائدتهم فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة: يا فلان أبشر أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار. فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1439>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٦]</span>\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن يوم القيامة وحشر الظالمين من المكذبين بآيات الله ورسله إلى بين يدي الله ﷿ ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعا وتوبيخا وتصغيرا وتحقيرا فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أي من كل قوم وقرن فوجا أي جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ كما قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] وقال تعالى:\n﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄: يدفعون (^١). وقال قتادة: وزعة يرد أولهم على آخرهم.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٧.","vol":"6","page":193},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون ﴿حَتّى إِذا جاؤُ﴾ ووقفوا بين يدي الله ﷿ في مقام المساءلة ﴿قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي فيسألون عن اعتقادهم وأعمالهم! فلما لم يكونوا من أهل السعادة وكانوا كما قال الله عنهم:\n﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ فحينئذ قامت عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، كما قال الله تعالى ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٧] الآية، وهكذا قال هاهنا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ أي بهتوا فلم يكن لهم جواب لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية.\nثم قال تعالى منبها على قدرته التامة وسلطانه العظيم وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته والانقياد لأوامره وتصديق أنبيائه فيما جاءوا به من الحق الذي لا محيد عنه، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي في ظلام الليل لتسكن حركاتهم بسببه وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نصب التعب في نهارهم ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أي منيرا مشرقا، فبسبب ذلك يتصرفون في المعاش والمكاسب والأسفار والتجارات وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1440>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٧ إلى ٩٠]</span>\n﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾\nيخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور، وهو كما جاء في الحديث «قرن ينفخ فيه» (^١). وفي حديث الصور: إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولا نفخة الفزع ويطولها وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء فيفزع من في السموات ومن في الأرض ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ وهم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون.\nقال الإمام مسلم بن الحجاج (^٢): حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم، سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو ﵁، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٨، وتفسير سورة ٣٩، باب ٨، والدارمي في الرقاق باب ٧٩، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٢، ١٩٢.\n(^٢) كتاب الفتن حديث ١١٦.","vol":"6","page":194},{"text":"تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت أنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يخرب البيت ويكون ويكون-ثم قال-قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين-لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما-فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه».\nقال: سمعتها من رسول الله ﷺ قال: «فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون:\nفما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا-قال-وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله-أو قال ينزل الله-مطرا كأنه الطل-أو قال: الظل، نعمان الشاك، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال:\nيا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال:\nكم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق».\nوقوله ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا. الليت هو صفحة العنق، أي أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدا، فهذه نفخة الفزع، ثم بعد ذلك نفخة الصعق وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين وهو النشور من القبور لجميع الخلائق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قرئ بالمد وبغيره على الفعل، وكل بمعنى واحد، وداخرين أي صاغرين مطيعين لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥].\nوفي حديث الصور أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعد ما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح تتوهج أرواح المؤمنين نورا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقول الله ﷿: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها. فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ، ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ أي تراها كأنها ثابتة","vol":"6","page":195},{"text":"باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب أي تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠] قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي يفعل ذلك بقدرته العظيمة ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي أتقن كل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ أي هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.\nثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ، فقال: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ قال قتادة: بالإخلاص، وقال زين العابدين: هي لا إله إلا الله، وقد بين تعالى في الموضع الآخر أن له عشر أمثالها ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ أي من لقي الله مسيئا لا حسنة له، أو قد رجحت سيئاته على حسناته كل بحسبه، ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقال ابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة ﵃، وأنس بن مالك وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي، وأبو وائل وأبو صالح ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم، والزهري والسدي والضحاك والحسن وقتادة وابن زيد في قوله: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني بالشرك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1441>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٩١ إلى ٩٣]</span>\n﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا رسوله وآمرا له أن يقول: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤] وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ أي الذي إنما صارت حراما شرعا وقدرا بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها","vol":"6","page":196},{"text":"ولا يختلى خلاها» (^١) الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ من باب عطف العام على الخاص، أي هو رب هذه البلدة ورب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له. وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ أي على الناس أبلغهم إياه كقوله تعالى: ﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] وكقوله تعالى:\n﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ [القصص: ٣] الآية، أي أنا مبلغ ومنذر، ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخلصوا من عهدتهم وحساب أممهم على الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ أي لله الحمد الذي لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، ولهذا قال تعالى:\n﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي بل هو شهيد على كل شيء. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر، حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس لا يغترن أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلا شيئا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة» وقال أيضا: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي قال أبي أخبرني خالد بن قيس عن مطر عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفلا شيئا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين إما له وإما لغيره:\nإذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل … خلوت ولكن قل علي رقيب\nولا تحسبن الله يغفل ساعة … ولا أن ما يخفى عليه يغيب\nآخر تفسير سورة النمل ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٧٧، ومسلم في الحج حديث ٤٤٥، ٤٤٧، ٤٦٤، وأبو داود في المناسك باب ٨٩، ٩٥، والنسائي في الحج باب ١١٠، وأحمد في المسند ١/ ٢٥٣، ٢٥٩، ٣١٥، ٣١٦.","vol":"6","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1442>سورة القصص</span>\nقال الإمام أحمد (^١) بن حنبل ﵀: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وكيع عن أبهى عن أبي إسحاق عن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله ﷺ خباب بن الأرت، قال: فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا ﵁.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1443>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾\nفقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة، وقوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه ﴿آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن. وقوله: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه كأنك تشاهد وكأنك حاضر، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي تكبر وتجبر وطغى ﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا﴾ أي أصنافا قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته.\nوقوله تعالى: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ﴾ يعني بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العتيد يستعملهم في أخس الأعمال، ويكدهم ليلا ونهارا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم ويستحيي نساءهم، إهانة.\nلهم واحتقارا وخوفا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه أن يوجد منهم غلام، يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل ﵇، حين ورد الديار\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤١٩.","vol":"6","page":198},{"text":"المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم ﵇ ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه.\nفكانت القبط تحدث بهذا عند فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل ولن ينفع حذر من قدر، لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل كتاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿يَحْذَرُونَ﴾ وقد فعل تعالى ذلك بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قدرة الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري ولا يغلب، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القدم بأن يكون هلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده وقتلت بسببه ألوفا من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفي دارك، وغذاؤه من طعامك وأنت تربيه وتدلله وتتفداه، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب السموات العلا هو القاهر الغالب العظيم القوي العزيز الشديد المحال، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1444>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)﴾\nذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفني بني إسرائيل، فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم وغلمانهم يقتلون. ونساؤهم لا يمكن أن تقمن بما تقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عاما وتركهم عاما، فولد هارون ﵇ في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون ناس موكلون بذلك، وقوابل يدرن على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يقبلها إلا نساء القبط، فإن ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلاما دخل أولئك الذباحون بأيديهم الشفار المرهفة فقتلوه ومضوا، قبحهم الله تعالى.\nفلما حملت أم موسى به ﵇ لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات ولكن لما وضعته ذكرا ضاقت به ذرعا، وخافت عليه خوفا شديدا، وأحبته حبا زائدا، وكان موسى ﵇ لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعا وشرعا، قال الله تعالى:","vol":"6","page":199},{"text":"﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] فلما ضاقت به ذرعا، ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتا ومهدت فيه مهدا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها.\nفلما كانت ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر، وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها، فلما كشف عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها، ولهذا قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية، قال محمد بن إسحاق وغيره: اللام هنا لام العاقبة، لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله عدوا لهم وحزنا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال تعالى:\n﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾.\nوقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب كتابا إلى قوم من القدرية في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ وقلتم أنتم لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليا وناصرا، والله تعالى يقول: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ الآية، يعني أن فرعون لما رآه هم بقتله خوفا من أن يكون من بني إسرائيل، فشرعت امرأته آسية بنت مزاحم تخاصم عنه وتذب دونه وتحببه إلى فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا، فكان كذلك، وهداها الله بسببه وأهلكه الله على يديه، وقد تقدم في حديث الفتون في سورة طه هذه القصة بطولها من رواية ابن عباس مرفوعا عند النسائي وغيره. وقوله: ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به وأسكنها الجنة بسببه. وقوله: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي أرادت أن تتخذه ولدا وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة والحجة القاطعة.","vol":"6","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1445>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٠ إلى ١٣]</span>\n﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن فؤاد أم موسى حين ذهب ولدها في البحر أنه أصبح فارغا، أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى، قاله ابن عباس ومجاهد، وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة، والضحاك والحسن البصري وقتادة وغيرهم. ﴿إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها لولا أن الله ثبتها وصبرها، قال الله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي أمرت ابنتها وكانت كبيرة تعي ما يقال لها، فقالت لها: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره، وخذي خبره، وتطلبي شأنه من نواحي البلد، فخرجت لذلك ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ قال ابن عباس: عن جانب. وقال مجاهد: بصرت به عن جنب عن بعد.\nوقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده، وذلك أنه لما استقر موسى ﵇ بدار فرعون وأحبته امرأة الملك واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم فلم يقبل منها ثديا، وأبى أن يقبل شيئا من ذلك، فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها. قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي تحريما قدريا، وذلك لكرامته عند الله وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أمه، ولأن الله ﷾ جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه لترضعه، وهي آمنة بعد ما كانت خائفة، فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه قالت ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: فلما قالت ذلك، أخذوها وشكوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في سرور الملك ورجاء منفعته، فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أم موسى وأحسنت إليها وأعطتها عطاء جزيلا، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها، ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها وقالت:\nإن لي بعلا وأولادا، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت.\nفأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوى والإحسان الجزيل، فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها أمنا، في عز وجاه","vol":"6","page":201},{"text":"ورزق دارّ. ولهذا جاء في الحديث «مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل يوم وليلة أو نحوه، والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجا وبعد كل ضيق مخرجا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي به ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ أي عليه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي فيما وعدها من رده إليها وجعله من المرسلين، فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعا وشرعا. وقوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي حكم الله في أفعاله وعواقبها المحمودة التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقال تعالى: ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1446>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٤ إلى ١٧]</span>\n﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾\nلما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى ﵇، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكما وعلما. قال مجاهد: يعني النبوة ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قدره له من النبوة والتكليم في قضية قتله ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ قال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء.\nوقال ابن المنكدر عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار (^١)، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ أي يتضاربان ويتنازعان ﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي إسرائيلي ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي قبطي، قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، فاستغاث الإسرائيلي بموسى ﵇، فوجد موسى فرصة وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قال مجاهد: فوكزه أي طعنه بجمع كفه. وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه، فقضى عليه، أي كان فيها حتفه فمات ﴿قالَ﴾ موسى ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣.","vol":"6","page":202},{"text":"أي بما جعلت لي من الجاه والعز والنعمة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ أي معينا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي الكافرين بك، المخالفين لأمرك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1447>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]</span>\n﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن موسى ﵇ لما قتل ذلك القبطي أنه أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا﴾ أي من معرة ما فعل ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أي يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر فمر في بعض الطرق، فإذا ذلك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر عليه موسى استصرخه على الآخر، فقال له موسى ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي ظاهر الغواية كثير الشر، ثم عزم موسى على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لخوره وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه ﴿يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى ﵇، فلما سمعها ذلك القبطي لقفها من فمه، ثم ذهب بها إلى باب فرعون وألقاها عنده، فعلم فرعون بذلك، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى، فطلبوه فبعثوا وراءه ليحضروه لذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1448>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٠]</span>\n﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠)﴾\nقال تعالى: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ﴾ وصفه بالرجولية، لأنه خالف الطريق، فسلك طريقا أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي يتشاورون فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ أي من البلد ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1449>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢١ إلى ٢٤]</span>\n﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢١) وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾\nلما أخبره ذلك الرجل بما تملأ عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قبله بل كان في رفاهية ونعمة ورئاسة ﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي يتلفت ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي من فرعون وملئه، فذكروا أن الله ﷾ بعث إليه ملكا على فرس، فأرشده إلى الطريق، فالله أعلم ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أي أخذ طريقا سالكا مهيعا، فرح بذلك ﴿قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي الطريق الأقوم،","vol":"6","page":203},{"text":"ففعل الله به ذلك وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هاديا مهديا.\n﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أي لما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر يرده رعاء الشاء ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أي جماعة يسقون، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أي تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا، فلما رآهما موسى ﵇ رق لهما ورحمهما ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾؟ أي ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؟ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أي لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء ﴿وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى، قال الله تعالى: ﴿فَسَقى لَهُما﴾.\nقال أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم، إسناد صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيا، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقوله ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾ قال ابن عباس وابن مسعود والسدي: جلس تحت شجرة.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله-هو ابن مسعود-قال: حثثت على جمل ليلتين حتى صبحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا هي شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي وكان جائعا فأخذها جملي فعالجها ساعة ثم لفظها، فدعوت الله لموسى ﵇ ثم انصرفت. وفي رواية عن ابن مسعود أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها موسى، كما سيأتي إن شاء الله، فالله أعلم. وقال السدي، كانت الشجرة من شجر السمر.\nوقال عطاء بن السائب لما قال موسى ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أسمع المرأة (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٦، ٥٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٥٧.","vol":"6","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1450>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]</span>\n﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾\nلما رجعت المرأتان سريعا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما بسبب مجيئهما سريعا، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى ﵇، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، قال الله تعالى: ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾ أي مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: كانت مستترة بكم درعها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر ﵁: جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع من النساء دلاجة ولاجة خراجة. هذا إسناد صحيح.\nقال الجوهري: السلفع من الرجال الجسور، ومن النساء الجارية السليطة، ومن النوق الشديدة. ﴿قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ وهذا تأدب في العبارة لم تطلبه طلبا مطلقا لئلا يوهم ريبة، بل قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، يعني ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ أي ذكر له ما كان من أمره وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يقول: طب نفسا وقر عينا، فقد خرجت من مملكتهم، فلا حكم لهم في بلادنا، ولهذا قال:\n﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾.\nوقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال أحدها أنه شعيب النبي ﵇ الذي أرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد، ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأوسي، حدثنا مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه موسى القصص، قال ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾. وقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد العنزي أنه وفد على رسول الله ﷺ فقال له «مرحبا بقوم شعيب وأختان موسى هديت» وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب.\nوقيل رجل مؤمن من قوم شعيب.\nوقال آخرون. كان شعيب قبل زمان موسى ﵇ بمدة طويلة لأنه قال لقومه ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل ﵇ بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى ﵉ مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل إن شعيبا عاش مدة طويلة، إنما هو-والله أعلم-احتراز من هذا الأشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في","vol":"6","page":205},{"text":"القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبا إن شاء الله، ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه ثيرون، والله أعلم. قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ثيرون هو ابن أخي شعيب ﵇، وعن أبي حمزة عن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين، رواه ابن جرير (^١) به، ثم قال: الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر تجب به الحجة في ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي قالت إحدى ابنتي هذا الرجل، قيل هي التي ذهبت وراء موسى ﵇، قالت لأبيها ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي لرعية هذه الغنم. قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد: لما قالت ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلفت علي الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه.\nوقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله هو ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عمر، وصاحب يوسف حين قال أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ قال ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ أي طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى غنمه ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين، قال شعيب الجبائي: وهما صفوريا وليا. وقال محمد بن إسحاق:\nصفوريا وشرفا، ويقال ليا، وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال بعتك أحد هذين العبدين بمائة، فقال: اشتريت، أنه يصح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي على أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي الثمان كفاية ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي لا أشاقك ولا أؤذيك ولا أماريك، وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح، وحمل الحديث المروي في سنن أبي داود «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» (^٢) على هذا المذهب، وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر ليس هذا موضع بسطه لطوله، والله أعلم.\nثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومن تبعهم في صحة استئجار الأجير بالطعمة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٦١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في البيوع باب ٥٣.","vol":"6","page":206},{"text":"والكسوة، بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (^١) في كتابه السنن حيث قال: باب استئجار الأجير على طعام بطنه، حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد عن مسلمة بن علي عن سعيد بن أبي أيوب عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن المنذر السلمي يقول: كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال: «إن موسى آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه» وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف، لأن مسلمة بن علي وهو الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد روي من وجه آخر، وفيه نظر أيضا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «إن موسى ﵇ آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه».\nوقوله تعالى إخبارا عن موسى ﵇ ﴿قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت من أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن أتممت عشرا فمن عندي فأنا متى فعلت أقلهما فقد برئت من العهد وخرجت من الشرط، ولهذا قال ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أي فلا حرج علي، مع أن الكامل وإن كان مباحا لكنه فاضل من جهة أخرى بدليل من خارج، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.\nوقال رسول الله ﷺ لحمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في السفر، فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» (^٢) مع أن فعل الصيام راجح من دليل آخر، هذا وقد دل الدليل على أن موسى ﵇ إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما.\nوقال البخاري (^٣): حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت على ابن عباس ﵁ فسألته، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل، هكذا رواه البخاري وهكذا رواه حكيم بن جبير وغيره عن سعيد بن جبير، ووقع في حديث الفتون من رواية القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير: أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية\n_________\n(^١) كتاب الرهون باب ٥.\n(^٢) أخرجه النسائي في الصيام باب ٥٦، وأحمد في المسند ٣/ ٤٩٤.\n(^٣) كتاب الشهادات باب ٢٨.","vol":"6","page":207},{"text":"والأول أشبه، والله أعلم، وقد روي من حديث ابن عباس مرفوعا.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «سألت جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما» ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن الحميدي عن سفيان وهو ابن عيينة: حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب وكان من أسناني أو أصغر مني فذكره. وفي إسناده قلب، وإبراهيم هذا ليس بمعروف.\nورواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن أعين عن الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي فذكره، ثم قال: لا نعرفه مرفوعا عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.\nثم قال ابن أبي حاتم: قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث عن يحيى بن ميمون الحضرمي عن يوسف بن تيرح أن رسول الله سئل: أي الأجلين قضي موسى؟ قال: «لا علم لي» فسأل رسول الله ﷺ جبريل، فقال جبريل: لا علم لي، فسأل جبريل ملكا فوقه، فقال: لا علم لي، فسأل ذلك الملك ربه ﷿ عما سأله عنه جبريل، عما سأله عنه محمد ﷺ فقال الرب ﷿: قضى أبرهما وأبقاهما، أو قال أزكاهما، وهذا مرسل، وقد جاء مرسلا من وجه آخر، وقال سنيد حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: قال مجاهد: إن النبي ﷺ، سأل جبريل، أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: سوف أسأل إسرافيل فسأله، فقال: سوف أسأل الرب ﷿، فسأله فقال: أبرهما وأوفاهما.\n[طريق أخرى مرسلة أيضا] قال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الأجلين قضى موسى؟ قال:\n«أوفاهما وأتمهما» فهذه طرق متعاضدة، ثم قد روي هذا مرفوعا من رواية أبي ذر ﵁. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عويذ بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ -قال- «أوفاهما وأبرهما -قال-وإن سئلت: أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما» ثم قال البزار: لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد. وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عويذ بن أبي عمران، وهو ضعيف.\nثم قد روي أيضا نحوه من حديث عتبة بن النّدر بزيادة غريبة جدا، فقال أبو بكر البزار:\nحدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٦٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٦٦.","vol":"6","page":208},{"text":"الحارث بن يزيد عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر يقول: إن رسول الله ﷺ سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» ثم قال النبي ﷺ: «إن موسى ﵇ لما أراد فراق شعيب ﵇، أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالب لون، قال: فما مرت شاة إلا ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قوالب ألوان كلها، وولدت ثنتين وثلاثا كل شاة ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا كميشة تفوت الكف ولا ثغول» وقال رسول الله ﷺ: «إذا فتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها وهي السامرية» هكذا أورده البزار.\nوقد رواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة (ح) وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «إن موسى ﵇ آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه، فلما وفي الأجل قيل: يا رسول الله أي الأجلين؟ -قال: أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى ﵇، إلى عصاه، فسماها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة إلا وضرب جنبها شاة شاة، قال: فأتأمت وألبنت ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، قال يحيى: ولا ضبون، وقال صفوان: ولا ضبوب، قال أبو زرعة: الصواب ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كميشة تفوت الكف، قال النبي ﷺ: «لو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية».\nوحدثنا أبو زرعة، أنبأنا صفوان قال: سمعت الوليد قال: سألت ابن لهيعة ما الفشوش؟ قال: التي تفش بلبنها واسعة الشخب، قلت: فما الضبوب؟ قال: الطويلة الضرع تجره، قلت: فما العزوز؟ قال: ضيقة الشخب. قلت: فما الثعول؟ قال: التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين، قلت: فما الكميشة؟ قال: التي تفوت الكف كميشة الضرع صغير لا يدركه الكف. مدار هذا الحديث على عبد الله بن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم. وينبغي أن يروى ليس فيها فشوش ولا عزوز ولا ضبوب ولا ثعول ولا كميشة، لتذكر كل صفة ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة.\nوقد روى ابن جرير (^١) من كلام أنس بن مالك موقوفا عليه ما يقارب بعضه بإسناد جيد،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٦٦.","vol":"6","page":209},{"text":"فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك ﵁، قال: لما دعا نبي الله موسى ﵇ صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها، فلك ولدها، فعمد موسى فرفع حبالا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1451>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٩ إلى ٣٢]</span>\n﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢)﴾\nقد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى ﵇ قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأبقاهما، وقد يستفاد هذا أيضا من الآية الكريمة حيث قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أي الأكمل منهما، والله أعلم. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قضى عشر سنين وبعدها عشرا أخر، وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن أبي حاتم وابن جرير، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ﴾ قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلا، فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئا، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك ﴿آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أي رأى نارا تضيء على بعد ﴿فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أي حتى أذهب إليها ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ وذلك لأنه قد أضل الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ﴾ أي قطعة منها ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي تستدفئون بها من البرد.\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ﴾ أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحف الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتا في أمرها، فناداه ربه ﴿مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٦٩.","vol":"6","page":210},{"text":"أبي عبيدة عن عبد الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى ﵇ سمرة خضراء ترف، إسناده مقارب. وقال محمد بن إسحاق عن بعض من لا يتهم عن وهب بن منبه قال:\nشجرة من العليق، وبعض أهل الكتاب يقول إنها من العوسج. وقال قتادة: هي من العوسج، وعصاه من العوسج.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين الفعال لما يشاء لا إله غيره ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله سبحانه.\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ﴾ أي التي في يدك كما قرره على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟ قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٧ - ١٨] والمعنى أما هذه عصاك التي تعرفها ألقها ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ فعرف وتحقق أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء: كن فيكون، كما تقدم بيان ذلك في سوره طه، وقال هاهنا: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ أي تضطرب ﴿كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا﴾ أي في حركتها السريعة مع عظم خلقتها وقوائمها، واتساع فمها واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، تنحدر في فيها تتقعقع كأنها حادرة في واد فعند ذلك ﴿وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي ولم يكن يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ذلك، فلما قال الله له: ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ رجع فوقف في مقامه الأول، ثم قال الله تعالى: ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها، فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق، ولهذا قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي من غير برص.\nوقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قال مجاهد: من الفزع، وقال قتادة:\nمن الرعب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية، والظاهر أن المراد أعم من هذا، وهو أنه أمر ﵇ إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب وهو يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده أو يخف إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ صالح، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم عن مجاهد قال: كان موسى ﵇ قد ملئ قلبه رعبا من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، فنزع الله ما كان في قلب موسى ﵇، وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار.\nوقوله تعالى: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني إلقاء العصا وجعلها حية تسعى وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار،","vol":"6","page":211},{"text":"وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ أي وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أي خارجين عن طاعة الله، مخالفين لأمره ودينه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1452>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]</span>\n﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)﴾\nلما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون الذي إنما خرج من ديار مصر فرارا منه وخوفا من سطوته ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ يعني ذلك القبطي ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي إذا رأوني ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ وذلك أن موسى ﵇ كان في لسانه لثغة بسبب ما كان تناول تلك الجمرة حين خير بينها وبين التمرة أو الدرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير، ولهذا قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٧ - ٣٢] أي يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد، ولهذا قال: ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا﴾ أي وزيرا ومعينا ومقويا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله ﷿، لأن خبر الاثنين أنجع في النفوس من خبر الواحد، ولهذا قال: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ أي يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم عني ما لا يفهمون، فلما سأل ذلك موسى قال الله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك الذي سألت له أن يكون نبيا معك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هارون ﵉، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيا ورسولا معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى في حق موسى ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ أي حجة قاهرة ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا﴾ أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] أي وكفى بالله ناصرا ومعينا ومؤيدا، ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ كما قال تعالى:","vol":"6","page":212},{"text":"﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] إلى آخر الآية، ووجه ابن جرير على أن المعنى: ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما، ثم يبتدئ فيقول: ﴿بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ تقديره أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا، ولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلى هذا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1453>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]</span>\n﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٣٧)﴾\nيخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة، والدلالة القاهرة على صدقهما فيما أخبرا به عن الله ﷿ من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من عند الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا ﴿ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً﴾ أي مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه فما صعد معهم ذلك.\nوقوله: ﴿وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون:\nما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى، فقال موسى ﵇ مجيبا لهم ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ﴾ يعني مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أي من النصرة والظفر والتأييد ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أي المشركون بالله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1454>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٨ إلى ٤٢]</span>\n﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾\nيخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعواه الإلهية لنفسه القبيحة لعنه الله، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] الآية، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: ﴿يا أَيُّهَا","vol":"6","page":213},{"text":"الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ وقال تعالى إخبارا عنه: ﴿فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٦] يعني أنه جمع قومه، ونادى فيهم بصوته العالي مصرحا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين، ولهذا انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.\nوقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ يعني أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، يعني يتخذ له آجرا لبناء الصرح وهو القصر المنيف الرفيع العالي، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون، ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي في قوله: إن ثم ربا غيري، لا أنه كذبه في أن الله تعالى أرسله لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع جل وعلا، فإنه قال: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وقال ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ وهذا قول ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ أي طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٣ - ١٤] ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ أي لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أي وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله، كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ قال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى:\n﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (^١) [هود: ٩٩].\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٧٦.","vol":"6","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1455>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾\nيخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلك فرعون وملأه. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ يعني أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ٩ - ١٠].\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا: حدثنا عوف عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى، ثم قرأ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ الآية.\nورواه ابن أبي حاتم من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي بنحوه، وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن علي الفلاس عن يحيى القطان عن عوف عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفا، ثم رواه عن نصر بن علي عن عبد الأعلى عن عوف، عن أبي نضرة عن أبي سعيد رفعه إلى النبي ﷺ قال: «ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى» ثم قرأ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ الآية. وقوله:\n﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي من العمى والغي، وهدى إلى الحق ورحمة، أي إرشادا إلى العمل الصالح ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي لعل الناس يتذكرون به ويهتدون بسببه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1456>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾\nيقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد ﷺ حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] الآية، أي وما كنت\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٧٦.","vol":"6","page":215},{"text":"حاضرا لذلك، ولكن الله أوحاه إليك، وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه، وما كان من إنجاء الله له وإغراق قومه، ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] الآية، وقال في آخر السورة ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠] وقال بعد ذكر قصة يوسف ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] الآية، وقال في سورة طه: ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] الآية.\nوقال هاهنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها، وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ يعني ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لذلك ولكن الله ﷾ أوحى إليك ذلك، ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين.\nوقوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي وما كنت مقيما في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قال لقومه وما ردوا عليه ﴿وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك وأرسلناك إلى الناس رسولا ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ قال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا عيسى بن يونس عن حمزة الزيات عن الأعمش، عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ قال: نودوا أن: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث جماعة عن حمزة وهو ابن حبيب الزيات، عن الأعمش. ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى عن الأعمش، عن علي بن مدرك عن أبي زرعة وهو ابن عمرو بن جرير أنه قال ذلك من كلامه، والله أعلم.\nوقال مقاتل بن حيان ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت. وقال قتادة ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ موسى وهذا-والله أعلم-أشبه بقوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ ثم أخبر هاهنا بصيغة أخرى أخص من ذلك وهو النداء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقال تعالى: ﴿إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [النازعات: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي ما كنت مشاهدا لشيء من ذلك، ولكن الله تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك وبالعباد وبإرسالك إليهم ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ","vol":"6","page":216},{"text":"نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله ﷿ ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا﴾ الآية، أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة، ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى بعد ذكره إنزال كتابه المبارك وهو القرآن ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦ - ١٥٧] وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] الآية، والآيات في هذا كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1457>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٨ إلى ٥١]</span>\n﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول أنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد ﷺ، قالوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ الآية، يعنون-والله أعلم- من الآيات كثيرة مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وتنقيص الزروع والثمار، مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى على يدي موسى ﵇ حجة وبرهانا له على فرعون وملئه وبني إسرائيل.\nومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما ﴿أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] ولهذا قال هاهنا:\n﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي أو لم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ أي تعاونا ﴿وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ أي بكل منهما كافرون، ولشدة التلازم والتصاحب والمقاربة بين موسى وهارون، دل ذكر أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر [الوافر]:","vol":"6","page":217},{"text":"فما أدري إذا يمّمت أرضا … أريد الخير أيهما يليني (^١)\nأي فما أدري يليني الخير أو الشر. قال مجاهد بن جبر: أمرت اليهود قريشا أن يقولوا لمحمد ﷺ ذلك، فقال الله: «أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا» قال يعني موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم ﴿تَظاهَرا﴾ أي تعاونا وتناصرا وصدق كل منهما الآخر؟ وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رزين في قوله «ساحران» يعنون موسى وهارون، وهذا قول جيد قوي، والله أعلم. وقال مسلم بن يسار عن ابن عباس «قالوا ساحران تظاهرا» قال:\nيعنون موسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم، وهذه رواية الحسن البصري. وقال الحسن وقتادة: يعني عيسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم، وهذا فيه بعد، لأن عيسى لم يجر له ذكر هاهنا، والله أعلم.\nوأما من قرأ ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ فقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يعنون التوراة والقرآن، وكذا قال عاصم الجندي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. قال السدي: يعني صدق كل واحد منهما الآخر. وقال عكرمة: يعنون التوراة والإنجيل، وهو رواية عن أبي زرعة، واختاره ابن جرير. وقال الضحاك وقتادة: الإنجيل والقرآن، والله ﷾ أعلم بالصواب.\nوالظاهر على قراءة ﴿سِحْرانِ﴾ أنهم يعنون التوراة والقرآن، لأنه قال بعده: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ﴾ وكثيرا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ﴾ -إلى أن قال- ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢] وقال في آخر السورة: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ الآية، وقال: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] وقال الجن ﴿إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠].\nوقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتابا من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل على محمد ﷺ، وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران ﵇، وهو الكتاب الذي قال الله فيه:\n_________\n(^١) البيت للمثقب العبدي في ديوانه ص ٢١٢، وخزانة الأدب ١١/ ٨٠، وشرح اختيارات المفضل ص ١٢٦٧، وشرح شواهد المغني ١/ ١٩١، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ١٤٥، وخزانة الأدب ٦/ ٣٧.","vol":"6","page":218},{"text":"﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة: ٤٤] والإنجيل إنما أنزل متمما للتوراة، ومحلا لبعض ما حرم على بني إسرائيل، ولهذا قال تعالى:\n﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أي فإن لم يجيبوك عما قلت لهم، ولم يتبعوا الحق ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ﴾ أي بلا دليل ولا حجة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ أي بغير حجة مأخوذة من كتاب الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قال مجاهد: فصلنا لهم القول. وقال السدي:\nبينا لهم القول. وقال قتادة: يقول تعالى: أخبرهم كيف صنع بمن مضى، وكيف هو صانع ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ قال مجاهد وغيره ﴿وَصَّلْنا لَهُمُ﴾ يعني قريشا، وهذا هو الظاهر، لكن قال حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن رفاعة، رفاعة هذا هو ابن قرظة القرظي، وجعله ابن مندة: رفاعة بن سموأل خال صفية بنت حيي وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير-قال: نزلت ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ في عشرة أنا أحدهم، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1458>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٢ إلى ٥٥]</span>\n﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)﴾\nيخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى:\n﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨] وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ -إلى قوله- ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣].\nقال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي ﷺ قرأ عليهم ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ يعني من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي","vol":"6","page":219},{"text":"موحدين مخلصين لله مستجيبين له.\nقال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم الثاني، ولهذا قال: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي على اتباع الحق، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس، وقد ورد في الصحيح من حديث عامر الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين:\nرجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها» (^١). وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا، وقال فيما قال: «من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين وله ما لنا وعليه وما علينا ومن أسلم من المشركين فله أجره وله ما لنا وعليه ما علينا».\nوقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي لا يقابلون السيئ بمثله، ولكن يعفون ويصفحون ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات. وقوله تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أي لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] ﴿وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ أي إذا سفه عليهم سفيه وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب، ولهذا قال عنهم إنهم قالوا ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ أي لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها.\nقال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله ﷺ عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم:\nخيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال: قال: ما نعلم ركبا أحمق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العلم باب ٣١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤١.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٥٩.","vol":"6","page":220},{"text":"منكم، أو كما قالوا لهم فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيرا. قال: ويقال إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ويقال-والله أعلم-أن فيهم نزلت هذه الآيات ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه ﵃ والآيات اللاتي في سورة المائدة ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا﴾ -إلى قوله- ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (^١) [آل عمران: ٥٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1459>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]</span>\n﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ إنك يا محمد ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى:\n﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وهذه الآية أخص من هذا كله، فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية.\nوقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله ﷺ، وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حبا شديدا طبعيا لا شرعيا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله ﷺ إلى الإيمان والدخول في الإسلام. فسبق القدر فيه واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة.\nقال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه، وهو المسيب بن حزن المخزومي ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ: يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبي أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] وأنزل في أبي طالب\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٢.","vol":"6","page":221},{"text":"﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (^١) أخرجاه من حديث الزهري، وهكذا رواه مسلم في صحيحه، والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله ﷺ فقال: «يا عماه قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة» فقال: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، لا أقولها إلا لأقر بها عينك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان، ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان عن يزيد بن كيسان: حدثني أبو حازم عن أبي هريرة فذكره بنحوه، وهكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله ﷺ أن يقول لا إله إلا الله، فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي ملة الأشياخ، وكان آخر ما قاله هو على ملة عبد المطلب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي، قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله ﷺ كتابا، فأتيته فدفعت الكتاب فوضعه في حجره، ثم قال: «ممن الرجل؟» قلت: من تنوخ. قال: «هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟» قلت: إني رسول قوم وعلى دينهم حتى أرجع إليهم، فضحك رسول الله ﷺ ونظر إلى أصحابه، وقال: «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء».\nوقوله تعالى: ﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾ يقول تعالى مخبرا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله ﷺ ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾ أي نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال الله تعالى مجيبا لهم:\n﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنا لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ وقوله تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنّا﴾ أي من عندنا ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا قالوا ما قالوا.\nوقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بن شعيب عن ابن عباس، ولم يسمعه منه، إن الحارث بن عامر بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٤٠، وتفسير سورة ٢٨، باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٣٩، ٤١، والترمذي في تفسير سورة ٢٨، باب ١، وأحمد في المسند ٣/ ٤٣٤.","vol":"6","page":222},{"text":"نوفل الذي قال ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1460>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]</span>\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩)﴾\nيقول تعالى معرضا بأهل مكة في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أي طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ -إلى قوله- ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣] ولهذا قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم. وقوله تعالى: ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ أي رجعت خرابا ليس فيها أحد.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا عن ابن مسعود أنه سمع كعبا يقول لعمر: إن سليمان ﵇ قال للهامة-يعني البومة-: ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم من الجنة بسببه، قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله تعالى أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت لأنه ميراث الله تعالى، ثم تلا ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ ثم قال تعالى مخبرا عن عدله وأنه لا يهلك أحدا ظالما له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم.\nولهذا قال: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها﴾ وهي مكة ﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ فيه دلالة على أن النبي الأمي وهو محمد ﷺ المبعوث من أم القرى رسول إلى جميع القرى من عرب وأعجام، كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى: ٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال:\n﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٠] وتمام الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٨] الآية، فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة.\nوقد قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى، لأنه رسول إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (^١) ولهذا ختم به النبوة والرسالة، فلا نبي من بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة، وقيل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٣، والدارمي في السير باب ٢٨، وأحمد في المسند ١/ ٢٥٠، ٣٠١، ٤/ ٤١٦، ٥/ ١٤٥، ١٤٨، ١٦٢.","vol":"6","page":223},{"text":"المراد بقوله: ﴿حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا﴾ أي أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم، حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما، وليس ببعيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1461>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٠ إلى ٦١]</span>\n﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا، وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال تعالى:\n﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقال: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وقال: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ الأعلى: ١٦ - ١٧] وقال رسول الله ﷺ «والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة. وقوله تعالى:\n﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ يقول تعالى: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح الأعمال من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياما قلائل ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ قال مجاهد وقتادة: من المعذبين. ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله ﷺ وفي أبي جهل. وقيل في حمزة وعلي وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد، الظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه وهو في الدرجات، وذاك في الدركات، فقال: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1462>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٧]</span>\n﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ يعني أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٢٨، ٢٢٩.","vol":"6","page":224},{"text":"والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال تعالى:\n﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤].\nوقوله: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يعني الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ فشهدوا عليهم أنه أغووهم فاتبعوهم ثم تبرءوا من عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].\nوقال الخليل ﵇ لقومه ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] الآية، وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ -إلى قوله- ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧] ولهذا قال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أي ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ أي وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة.\nوقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٢ - ٥٣]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم، وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك، ومن نبيك، وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن من كان في هذه أعمى، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ قال مجاهد:\nفعميت عليهم الحجج، فهم لا يتساءلون بالأنساب. وقوله ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أي في الدنيا ﴿فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي يوم القيامة وعسى من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنته لا محالة.","vol":"6","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1463>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]</span>\n﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾\nيخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ﴾ أي ما يشاء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، وقوله: ﴿ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦٠] وقد اختار ابن جرير أن (ما) هاهنا بمعنى الذي تقديره:\nويختار الذي لهم فيه خيرة، وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره أيضا. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال ﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئا.\nثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠]. وقوله ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار سواه ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ﴾ أي في جميع ما يفعله هو المحمود عليه بعدله وحكمته ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ورحمته ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي جميعكم يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1464>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧١ إلى ٧٣]</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾\nيقول تعالى ممتنا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما وبيّن أنه لو جعل الليل دائما عليهم سرمدا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ﴾ أي تبصرون به وتستأنسون بسببه ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمدا، أي دائما مستمرا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أي تستريحون من حركاتكم وأشغالكم","vol":"6","page":226},{"text":"﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي بكم ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ أي خلق هذا وهذا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] والآيات في هذا كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1465>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]</span>\n﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾\nوهذا أيضا نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلها آخر، يناديهم الرب تعالى على رؤوس الأشهاد فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي في دار الدنيا ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مجاهد: يعني رسولا ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أي على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ﴾ أي لا إله غيره، فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي ذهبوا فلم ينفعوهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1466>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]</span>\n﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾\nقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى﴾ قال: كان ابن عمه (^١)، وهكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه كان ابن عم موسى ﵇. قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عرمان بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار أن قارون كان عم موسى بن عمران ﵇، قال ابن جريج:\nوأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه، والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه.\nوقوله: ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ أي الأموال ﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٠٠.","vol":"6","page":227},{"text":"ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلا أغر محجلا (^١)، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي وعظه فيما هو فيه صالحو قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.\nوقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ أي أحسن إلى خلقه، كما أحسن هو إليك ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض، وتسيء إلى خلق الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1467>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٨]</span>\n﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن جواب قارون لقومه حين نصحوه، وأرشدوه إلى الخير ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه ولمحبته لي، فتقديره إنما أعطيته لعلم الله فيّ أني أهل له، وهذا كقوله تعالى:\n﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] أي على علم من الله بي، وكقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ [فصلت: ٥٠] أي هذا أستحقه.\nوقد روي عن بعضهم أنه أراد ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي أنه كان يعاني علم الكيمياء، وهذا القول ضعيف، لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٠١.","vol":"6","page":228},{"text":"فليخلقوا شعيرة» (^١).\nوهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى؟ هذا زور ومحال، وجهل وضلال، وإنما يقدرون على الصبغ في الصور الظاهرة، وهي كذب وزغل وتمويه وترويج أنه صحيح في نفس الأمر وليس كذلك قطعا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون.\nفأما ما يجريه الله سبحانه من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله، كما روي عن حيوة بن شريح المصري رحمه الله تعالى أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل، فإذا هي ذهب أحمر، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول ذكرها.\nوقال بعضهم: إن قارون كان يعرف الاسم الأعظم، فدعا الله به فتمول بسببه. والصحيح المعنى الأول، ولهذا قال الله تعالى رادا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ أي قد كان من هو أكثر منه مالا، وما كان ذلك عن محبة منّا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم، ولهذا قال: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي لكثرة ذنوبهم قال قتادة ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ على خير عندي. وقال السدي: على علم أني أهل لذلك.\nوقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله:\n﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، وقرأ ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ الآية، وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1468>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]</span>\n﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ (٨٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قارون أنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في اللباس باب ٩٠، والتوحيد باب ٥٦، ومسلم في اللباس حديث ١٠١.","vol":"6","page":229},{"text":"زخارفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي قالوا ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي ذو حظ وافر من الدنيا، فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم ﴿وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أي جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. كما في الحديث الصحيح «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرءوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١) [السجدة: ١٧]. وقوله:\n﴿وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ قال السدي: ولا يلقى الجنة إلا الصابرون، كأنه جعل ذلك من تمام الكلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون، عن محبة الدنيا الراغبون في الدار الآخرة وكأنه جعل ذلك مقطوعا من كلام أولئك، وجعله من كلام الله ﷿ وإخباره بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1469>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨١ إلى ٨٢]</span>\n﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)﴾\nلما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» (^٢). ثم رواه من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة» تفرد به أحمد، وإسناده حسن.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو يعلى بن منصور، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زياد النميري يحدث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شابا في مسجد نجران، فجعلت أنظر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣٥، ومسلم في الإيمان حديث ٣١٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في اللباس باب ٥.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٠.","vol":"6","page":230},{"text":"إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني، قال فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب به.\nوقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي الله ﵇، واختلف في سببه فعن ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله تعالى، فتقول يا موسى إنك فعلت بي كذا وكذا، فلما قالت ذلك في الملأ لموسى ﵇ أرعد من الفرق، وأقبل عليها بعد ما صلى ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا وكذا لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت؟ فقالت: أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا على أن أقول ذلك لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فعند ذلك خر موسى لله ﷿ ساجدا، وسأل الله في قارون، فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره، فكان ذلك.\nوقيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب، وعليه وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة، فمر في محفله ذلك على مجلس نبي الله موسى ﵇ وهو يذكرهم بأيام الله، فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه، فدعاه موسى ﵇ وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لنخرجن فلتدعون علي وأدعو عليك، فخرج موسى وخرج قارون في قومه، فقال موسى ﵇: تدعو أو أدعو أنا، فقال: بل أدعو أنا، فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى: أدعو؟ قال: نعم، فقال موسى: اللهم مر الأرض أن تطيعني اليوم، فأوحى الله إليه أني قد فعلت، فقال موسى:\nيا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أقدامهم ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إلى مناكبهم، ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها، ثم أشار موسى بيده، ثم قال: اذهبوا بني لاوي فاستوت بهم الأرض.\nوعن ابن عباس قال: خسف بهم إلى الأرض السابعة. وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة، وقد ذكر هاهنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحا. وقوله تعالى: ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أي ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه، ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصرا لنفسه، فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أي الذين لما رأوه في زينته قالوا ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ فلما خسف به أصبحوا يقولون ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ","vol":"6","page":231},{"text":"يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ﴾، أي ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع ويضيق ويوسع ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب» (^١).\n﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا﴾ أي لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف به لأنا وددنا أن نكون مثله ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ يعنون أنه كان كافرا، ولا يفلح الكافرون عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقد اختلف النحاة في معنى قوله هاهنا ويكأن، فقال بعضهم: معناه ويلك اعلم أن، ولكن خفف فقيل ويك ودل فتح أن على حذف اعلم، وهذا القول ضعفه ابن جرير، والظاهر أنه قوي ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة ويكأن، والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم، وقيل معناها ويكأن أي ألم تر أن، قاله قتادة. وقيل معناها وي كأن ففصلها وجعل حرف وي للتعجب أو للتنبيه، وكأن بمعنى أظن وأحتسب. قال ابن جرير (^٢): وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة إنها بمعنى ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر [الخفيف]:\nسألتاني الطلاق إذ رأتاني … قلّ مالي قد جئتماني بنكر (^٣)\nويكأن من يكن له نشب يحبب … ومن يفتقر يعش عيش ضر\n\n<span data-type='title' id=toc-1470>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]</span>\n﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾\nيخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوا في الأرض أي ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم ولا فسادا فيهم، كما قال عكرمة العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: العلو البغي. وقال سفيان بن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين: العلو في الأرض التكبر\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٨٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ١١٣.\n(^٣) البيت الأول لزيد بن عمرو بن نفيل في الكتاب ٢/ ١٥٥، ٣/ ٥٥٥، وله أو لسعيد ابنه أو لنبيه بن الحجاج في خزانة الأدب ٦/ ٤١٠، ٤١٢، أو لنبيه بن الحجاج في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١١، وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٤٨، والصاحبي في فقه اللغة ص ١٧٦، والبيت الثاني لزيد بن عمرو بن نفيل في خزانة الأدب ٦/ ٤٠٤، ٤٠٨، ٤١٠، والدرر ٥/ ٣٠٥، وذيل سمط اللآلي ص ١٠٣، والكتاب ٢/ ١٥٥، ولنبيه بن الحجاج في الأغاني ١٧/ ٢٠٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١١، ولسان العرب (وا)، (ويا)، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٣٥٣، والخصائص ٣/ ٤١، ١٦٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤٨٦، وشرح المفصل ٤/ ٧٦، ومجالس ثعلب ١/ ٣٨٩، والمحتسب ٢/ ١٥٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٦.","vol":"6","page":232},{"text":"بغير حق، والفساد أخذ المال بغير حق. وقال ابن جريج ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ تعظما وتجبرا ﴿وَلا فَسادًا﴾ عملا بالمعاصي.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبي سلام الأعرج عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه أوحي إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» (^٢) وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال» (^٣). وقال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي يوم القيامة ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ أي ثواب الله خير من حسنة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافا كثيرة، وهذا مقام الفضل ثم قال: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا مقام الفضل والعدل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1471>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٥ إلى ٨٨]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبرا له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ أي افترض عليك أداءه إلى الناس ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ أي إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقال: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩].\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ١١٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٤، وأبو داود في الأدب باب ٤٠، وابن ماجة في الزهد باب ١٦، ٢٣.\n(^٣) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٤٧، وابن ماجة في الدعاء باب ١٠، وأحمد في المسند ٤/ ١٣٣، ١٣٤، ١٥١.","vol":"6","page":233},{"text":"وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ يقول لرادك إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن. قاله السدي، وقال أبو سعيد مثلها، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ قال: إلى يوم القيامة، ورواه مالك عن الزهري، وقال الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ إلى الموت، ولهذا طرق عن ابن عباس ﵄، وفي بعضها لرادك إلى معدنك من الجنة. وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة، وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح. وقال الحسن البصري: أي والله إن له لمعادا فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة. وقد روي عن ابن عباس غير ذلك.\nكما قال البخاري (^١) في التفسير من صحيحه: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري عن عكرمة عن ابن عباس ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ قال: إلى مكة، وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه، وابن جرير من حديث يعلى وهو ابن عبيد الطنافسي به، وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ أي لرادك إلى مكة كما أخرجك منها. وقال محمد بن إسحاق عن مجاهد في قوله: ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ إلى مولدك بمكة. وقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس ويحيى بن الجزاز وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك.\nوحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ إلى مكة، وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيا، والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها.\nوقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ أنه قال في قوله: ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ قال إلى بيت المقدس، وهذا-والله أعلم-يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة، لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر والله الموفق للصواب. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي ﷺ، كما فسر ابن عباس سورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [الفتح: ١] إلى آخر السورة، أنه أجل رسول الله ﷺ نعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم، ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٨، باب ١.","vol":"6","page":234},{"text":"وأشرف خلق الله على الإطلاق.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى مذكرا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ﴾ أي ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك ﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي إنما أنزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾ أي معينا ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك لا تلوي على ذلك ولا تباله، فإن الله معل كلمتك ومؤيد دينك ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ أي إلى عبادة ربك وحده لا شريك له ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله هاهنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي إلا إياه. وقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ: «أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد [الطويل]:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل» (^١) وقال مجاهد والثوري في قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له، قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر [البسيط]:\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه … رب العباد إليه الوجه والعمل (^٢)\n_________\n(^١) عجزه: وكل نعيم لا محالة زائل والبيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٢٥٦، والحديث أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٢٦، ومسلم في البر حديث ٢ - ٦، والترمذي في الأدب باب ٧٠، وابن ماجة في الأدب باب ٤١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٨، ٣٩١، ٣٩٣، ٤٤٤، ٤٥٨، ٤٧٠، ٤٨١.\n(^٢) البيت بلا نسبة في أدب الكاتب ص ٥٢٤، والأشباه والنظائر ٤/ ١٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٠، والكتاب ١/ ٣٧، ولسان العرب (غفر)، وتفسير الطبري ١٠/ ١١٩.","vol":"6","page":235},{"text":"وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.\nقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عمر بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة، فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي الملك والتصرف ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم معادكم، فيجزيكم بأعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\nآخر تفسير سورة القصص ولله الحمد والمنة.","vol":"6","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1472>سورة العنكبوت</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1473>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ استفهام إنكار، ومعناه أن الله ﷾ لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء» (^١) وهذه الآية كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ … ﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [براءة: ١٦] ومثلها في سورة براءة. وقال في البقرة:\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] ولهذا قال هاهنا ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله ﷾ يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة، وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله: ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣] إلا لنرى وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المرضى باب ٣، والترمذي في الزهد باب ٥٧، وابن ماجة في الفتن باب ٢٣، وأحمد في المسند ١/ ١٧٢، ١٧٤، ١٨٠، ١٨٥.","vol":"6","page":237},{"text":"ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم، ولهذا قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا﴾ أي يفوتونا ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يظنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1474>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥ إلى ٧]</span>\n﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ أي في الدار الآخرة، وعمل الصالحات ورجا ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملا موفرا، فإن ذلك كائن لا محالة لأنه سميع الدعاء بصير بكل الكائنات، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية: ١٥] أي من عمل صالحا فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله تعالى غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾.\nقال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوما من الدهر بسيف. ثم أخبر تعالى أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم، ومع بره وإحسانه بهم، يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أن يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذين كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وقال هاهنا:\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1475>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٨ إلى ٩]</span>\n﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (٩)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] ومع هذه","vol":"6","page":238},{"text":"الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أي وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، فلا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب أي حبا دينيا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾.\nوقال الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصته وقال: قالت أم سعد: أليس الله قد أمرك بالبر؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فنزلت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ (^١) الآية، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا. وقال الترمذي حسن صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1476>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ قال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أو ذي في الله (^٢)، وكذا قال غيره من علماء السلف، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١١].\nثم قال ﷿: ﴿لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أي ولئن جاء نصر قريب من ربك يا محمد، وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم، أي إخوانكم في الدين، كما قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٤٤، والترمذي في تفسير سورة ٢٩، باب ١، وأحمد في المسند ١/ ١٨١، ١٨٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٢٤.","vol":"6","page":239},{"text":"﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] وقال تعالى مخبرا عنهم هاهنا: ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ أي أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم وما تكنه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ أي وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، من يطيع الله في الضراء والسراء، ومن إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وقال تعالى بعد وقعة أحد التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1477>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٢ إلى ١٣]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أي وآثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك علينا وفي رقابنا، كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي، قال الله تعالى تكذيبا لهم ﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي: فيما قالوه إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨] وقال تعالى: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠ - ١١].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزارا أخر بسبب ما أضلوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا، كما قال تعالى، ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] الآية، وفي الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئا» (^١). وفي الصحيح «ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في العلم حديث ١٥، ١٦، وأبو داود في الصلاة باب ٥١، والسنة باب ٦، والترمذي في العلم باب ١٥، والنسائي في الإمامة باب ٥٢، وابن ماجة في المقدمة باب ١٤، ١٥، والتجارات باب ٥٦، ومالك في القرآن حديث ٤١، وأحمد في المسند ٢/ ٣٨٠، ٣٩٧، ٥٠٥، ٥٢١، ٦/ ٤٤.","vol":"6","page":240},{"text":"أول من سن القتل» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي يكذبون ويختلقون من البهتان، وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن حفص بن أبي العالية، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ بلغ ما أرسل به، ثم قال: «إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الرحمن ﷿، ثم يأمر المنادي فينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان فهلم، فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي، فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول: خذوا لهم من حسناته، فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي، فيقولون: لم يبق له حسنة، فيقول خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه» ثم نزع النبي ﷺ بهذه الآية الكريمة ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النساء: ٤٠]. وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه «إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال وقد ظلم هذا، وأخذ من مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء عن أبي حمزة الثمالي عن معاذ بن جبل ﵁ قال:\nقال لي رسول الله ﷺ: «يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعين، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك الله منك».\n\n<span data-type='title' id=toc-1478>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)﴾\nهذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ، يخبره عن نوح ﵇ أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٣، والديات باب ٢، والاعتصام باب ١٥، ومسلم في القسامة حديث ٢٧، والترمذي في العلم باب ١٤، والنسائي في التحريم باب ١، وابن ماجة في الديات باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٣، ٤٣٠، ٤٣٣.","vol":"6","page":241},{"text":"فرارا عن الحق وإعراضا عنه وتكذيبا له، وما آمن معه منهم إلا قليل، ولهذا قال تعالى:\n﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ أي بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنت يا محمد لا تأسف على من كفر بك من قومك ولا تحزن عليهم، فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر، وإليه ترجع الأمور ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] الآية، واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ويؤيدك، ويذل عدوك ويكبتهم، ويجعلهم أسفل السافلين.\nقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين عاما حتى كثر الناس وفشوا. وقال قتادة: يقال إن عمره كله ألف سنة إلا خمسين عاما لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاثمائة سنة، ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين عاما، وهذا قول غريب، وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما. وقال عون بن أبي شداد: إن الله تعالى أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة، وهذا أيضا غريب، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقول ابن عباس أقرب، والله أعلم.\nوقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاما، قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ أي الذين آمنوا بنوح ﵇، وقد تقدم ذكر ذلك مفصلا في سورة هود، وتقدم تفسيره بما أغنى عن إعادته.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أي وجعلنا تلك السفينة باقية إما عينها، كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق كيف أنجاهم من الطوفان، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ [يس: ٤١ - ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢] وقال هاهنا: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وهذا من باب التدريج من الشخص إلى الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥٥] أي وجعلنا نوعها رجوما فإن التي يرمى بها ليست هي زينة للسماء، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ","vol":"6","page":242},{"text":"مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣] ولهذا نظائر كثيرة. وقال ابن جرير (^١): لو قيل إن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْناها﴾ عائد إلى العقوبة لكان وجها، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1479>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٦ إلى ١٨]</span>\n﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له والإخلاص له في التقوى وطلب الرزق منه وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر، فإنه المشكور على النعم لا مسدي لها غيره، فقال لقومه: ﴿اُعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي أخلصوا له العبادة والخوف ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة، ثم أخبر تعالى أن الأصنام التي يعبدونها لا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء فسميتموها آلهة وإنما هي مخلوقة مثلكم، هكذا رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد والسدي، وروى الوالبي عن ابن عباس: وتصنعون إفكا أي تنحتونها أصناما، وبه قال مجاهد في رواية، وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم، واختاره ابن جرير ﵀. وهي لا تملك لكم رزقا ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ وهذا أبلغ في الحصر كقوله ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [مريم: ١١] ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا﴾ أي فاطلبوا ﴿عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ أي لا عند غيره، فإن غيره لا يملك شيئا ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي كلوا من رزقه واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ يعني إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء. وقال قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال: يعزي نبيه ﷺ، وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول واعترض بهذا إلى قوله:\n﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ وهكذا نص على ذلك ابن جرير أيضا. والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل ﵇، يحتج عليهم لإثبات المعاد لقوله بعد هذا كله ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ١٢٨.","vol":"6","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1480>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٩ إلى ٢٣]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الخليل ﵇ أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، ثم وجدوا وصاروا أناسا سامعين مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهل عليه يسير لديه، ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبراري وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء كن فيكون.\nولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ أي يوم القيامة ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وكقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فله الخلق والأمر مهما فعل فعدل، لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن «إن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» (^١) ولهذا قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي ترجعون يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ أي لا يعجزه أحد من أهل سمواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، فكل شيء خائف منه فقير إليه، وهو الغني عما سواه ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ﴾ أي جحدوها\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٦، وابن ماجة في المقدمة باب ١٠، وأحمد في المسند ٥/ ١٨٢، ١٨٥، ١٨٦.","vol":"6","page":244},{"text":"وكفروا بالمعاد ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي لا نصيب لهم فيها ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي موجع شديد في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1481>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]</span>\n﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم ودفعهم الحق بالباطل، أنهم ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ وذلك لأنهم قام عليهم البرهان وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم ف ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٧ - ٩٨] وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحوطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى عنان السماء، ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوه فيها، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وخرج منها سالما بعد ما مكث فيها أياما، ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما، فإنه بذل نفسه للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ أي سلمه منها بأن جعلها عليه بردا وسلاما ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ يقول لقومه مقرعا لهم وموبخا على سوء صنيعهم في عبادتهم للأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا، وهذا على قراءة من نصب مودة بينكم على أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع، فمعناه إنما اتخاذكم هذا لتحصل لكم المودة في الدنيا فقط ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضا وشنآنا ثم ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي تتجاحدون ما كان بينكم ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف:٣٨] وقال تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقال هاهنا:\n﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾ الآية، أي ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار وما لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله، وهذا حال الكافرين، وأما المؤمنون فبخلاف ذلك.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو عاصم الثقفي، حدثنا","vol":"6","page":245},{"text":"الربيع بن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن جعدة بن هبيرة المخزومي عن أبيه عن جده، عن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب قالت: قال لي النبي ﷺ: «أخبرك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أين الطرفان؟ -قالت: الله ورسوله أعلم- ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد، فيشرئبون-قال أبو عاصم يرفعون رؤوسهم- ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم-قال- فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلمات الدنيا-يعني المظالم-ثم ينادي: يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض، وعلى الله الثواب».\n\n<span data-type='title' id=toc-1482>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (٢٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن إبراهيم أنه آمن له لوط، يقال إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون هو لوط بن هاران بن آزر، يعني ولم يؤمن به، من قومه سواه وسارة امرأة إبراهيم الخليل، لكن يقال كيف الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الوارد في الصحيح أن إبراهيم حين مر على ذلك الجبار فسأل إبراهيم عن سارة ما هي منه، فقال: أختي، ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له إنك أختي فلا تكذبيني، فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في الدين. وكأن المراد من هذا-والله أعلم-أنه ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطا ﵇ آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل سدوم وأقام بها، وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي.\nوقوله تعالى: ﴿وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ يحتمل عود الضمير في قوله ﴿وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ﴾ على لوط. لأنه هو أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم، قال ابن عباس والضحاك، وهو المكنى عنه بقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي من قومه، ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، الحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية.\nوقال قتادة: هاجروا جميعا من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى الشام. قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها حتى تلفظهم أرضهم، وتقذرهم روح الله ﷿، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم».\nوقد أسند الإمام أحمد (^١) هذا الحديث فرواه مطولا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٩٨، ١٩٩، ٢٠٩.","vol":"6","page":246},{"text":"قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته إذ جاء رجل فانتبذ (^١) الناس وعليه خميصة (^٢)، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم أرضهم تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، فتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف منهم» قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم (^٣)، كلما خرج منهم قرن قطع كلما خرج منهم قرن قطع-حتى عدها زيادة على عشرين مرة-كلما خرج منهم قرن قطع (^٤) حتى يخرج الدجال في بقيتهم» ورواه الإمام أحمد عن أبي داود وعبد الصمد كلاهما عن هشام الدستوائي عن قتادة به.\nوقد رواه أبو داود (^٥) في سننه فقال في كتاب الجهاد باب ما جاء في سكنى الشام حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول لله ﷺ يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، وتقذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير».\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا يزيد، أخبرنا أبو جناب يحيى بن أبي حية عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بآخرة الآن والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى الله تعالى» وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم حيث\n_________\n(^١) انتبذ: تنحى، وانتبذ فلان: أي ذهب ناحية، وانتبذ عن قومه: تحنى عنهم.\n(^٢) الخميصة: كساء أسود مربع.\n(^٣) التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها، فكأنها لم تتجاوز حلوقهم.\n(^٤) أي لا يأتي قرن آخر على شاكلته.\n(^٥) كتاب الجهاد باب ٣.\n(^٦) المسند ٢/ ٨٤.","vol":"6","page":247},{"text":"يبيتون، وما سقط منهم فلها» ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتي يسيئون الأعمال، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم-قال يزيد: لا أعلمه إلا قال-يحقر أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قتله الله» فردد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرة وأكثر، وأنا أسمع.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا أبو الحسن بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيان قالا: حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي عن نافع، وقال أبو النضر عمن حدثه عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى إلا شرار أهلها، تلفظهم الأرضون، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم» غريب من حديث نافع، والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، والله أعلم. وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] أي أنه لما فارق قومه، أقر الله عينه بوجود ولد صالح نبي، وولد له ولد صالح نبي في حياة جده، وكذلك قال تعالى:\n﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] أي زيادة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي ويولد لهذا الولد ولد في حياتكما، تقر به أعينكما، وكون يعقوب ولد لإسحاق نص عليه القرآن وثبتت به السنة النبوية، قال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا﴾ [البقرة: ١٣٣] الآية، وفي الصحيحين «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام» (^١) فأما ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قال:\nهما ولدا إبراهيم، فمعناه أن ولد الولد بمنزلة الولد، فإن هذا الأمر لا يكاد يخفى على من هو دون ابن عباس.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ هذه خلعة سنية عظيمة مع اتخاذ الله إياه خليلا، وجعله للناس إماما أن جعل في ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم ﵇ إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن\n_________\n(^١) تقدم الحديث مع تخريجه عند تفسير الآية الرابعة من سورة يوسف.","vol":"6","page":248},{"text":"إبراهيم، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم، فقام في ملئهم مبشرا بالنبي العربي القرشي الهاشمي خاتم الرسل على الإطلاق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، الذي اصطفاه الله من صميم العرب العرباء من سلالة إسماعيل بن إبراهيم ﵉، ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه، عليه أفضل الصلاة والسلام.\nوقوله: ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي جمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني، والمنزل الرحب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن، وكل أحد يحبه ويتولاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم: ٣٢] أي قام بجميع ما أمر به وكمل طاعة ربه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ وكما قال تعالى:\n﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-1483>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]</span>\n﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نبيه لوط ﵇، أنه أنكر على قومه سوء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال في إتيانهم الذكران من العالمين، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم، وكانوا مع هذا يكفرون بالله ويكذبون رسله، ويخالفون ويقطعون السبيل، أي يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ أي يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم على بعض شيئا من ذلك، فمن قائل كانوا يأتون بعضهم بعضا في الملأ، قاله مجاهد، ومن قائل كانوا يتضارطون ويتضاحكون، قالته عائشة ﵂ والقاسم، ومن قائل كانوا يناطحون بين الكباش ويناقرون بين الديوك، وكل ذلك يصدر عنهم وكانوا شرا من ذلك.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حماد بن أسامة، أخبرني حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا سماك بن حرب عن أبي صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال «يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، وذلك\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٣٤١.","vol":"6","page":249},{"text":"المنكر الذي كانوا يأتونه» (^١) ورواه الترمذي وابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة، عن أبي يونس القشيري عن حاتم بن أبي صغيرة به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك. وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير عن عمرو بن قيس عن الحكم عن مجاهد ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: الصفير ولعب الحمام والجلاهق والسؤال في المجلس، وحل أزرار القباء. وقوله تعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم، ولهذا استنصر عليهم نبي الله فقال: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1484>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣١ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾\nلما استنصر لوط ﵇ بالله ﷿ عليهم، بعث الله لنصرته ملائكة فمروا على إبراهيم ﵇ في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للضيف، فلما رآهم أنه لا همة لهم إلى الطعام، نكرهم وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة، وكانت حاضرة، فتعجبت من ذلك كما تقدم بيانه في سورة هود والحجر، فلما جاءت إبراهيم البشرى وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم ينظرون لعل الله أن يهديهم، ولما قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي من الهالكين، لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم.\nثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شبان حسان، فلما رآهم كذلك ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧] أي اغتم بأمرهم إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة ﴿قالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وذلك أن جبريل ﵇ اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٢٩، باب ٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ١٣٦.","vol":"6","page":250},{"text":"عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل الله مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي واضحة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1485>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب ﵇، أنه أنذر قومه أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قال ابن جرير (^١): قال بعضهم معناه واخشوا اليوم الآخر، وهذا كقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦] وقوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد وهو السعي فيها والبغي على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله برجفة عظيمة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة أخرجت القلوب من حناجرها، وعذاب يوم الظلة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان عذاب يوم عظيم، وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف وهود والشعراء. وقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قال قتادة: ميتين، وقال غيره: قد ألقى بعضهم على بعض.\n\n<span data-type='title' id=toc-1486>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾\nيخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم، وأخذهم بالانتقام منهم، فعاد قوم هود ﵇ كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قريبة من حضر موت بلاد اليمن، وثمود قوم صالح كانوا يسكنون الحجر قريبا من وادي القرى، وكانت العرب تعرف مساكنهما جيدا، وتمر عليها كثيرا، وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله تعالى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ١٣٩.","vol":"6","page":251},{"text":"ورسوله ﷺ ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أي كانت عقوبته بما يناسبه ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ وهم عاد، وذلك أنهم قالوا: من أشد منا قوة؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد، عاتية الهبوب جدا، تحمل عليهم حصباء الأرض فتلقيها عليهم، وتقتلعهم من الأرض، فترفع الرجل منهم من الأرض إلى عنان السماء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه، فيبقى بدنا بلا رأس، كأنهم أعجاز نخل منقعر.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثمود، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة مثل ما سألوه سواء بسواء، ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبي الله صالحا ومن آمن معه وتوعدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ﴾ وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا، وعصى الرب الأعلى، ومشى في الأرض مرحا، وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ وهو فرعون ووزيره هامان وجنودهما عن آخرهم أغرقوا في صبيحة واحدة فلم ينج منهم مخبر ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي فيما فعل بهم ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. أي إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم، وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أي من هؤلاء المذكورين، وإنما نبهت على هذا لأنه قد روى ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ قال قوم لوط ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ قال: قوم نوح، وهذا منقطع عن ابن عباس: فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر الله في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وأطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق، وقال قتادة ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ قال: قوم لوط، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قوم شعيب، وهذا بعيد أيضا لما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1487>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤١ إلى ٤٣]</span>\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)﴾\nهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم، إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله وهو مع ذلك يحسن","vol":"6","page":252},{"text":"العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها.\nثم قال تعالى متوعدا لمن عبد غيره وأشرك به، إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال ويعلم ما يشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم، ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ أي وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عمرو بن العاص ﵁ قال: عقلت عن رسول الله ﷺ ألف مثل، وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص ﵁ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبي، حدثنا ابن سنان عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1488>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]</span>\n﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أنه خلق السموات والأرض بالحق، يعني لا على وجه العبث واللعب ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣ ب]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية، ثم قال تعالى آمرا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن، وهو قراءته وإبلاغه للناس ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ يعني أن الصلاة تشتمل على شيئين على ترك الفواحش والمنكرات، أي مواظبتها تحمل على ترك ذلك. وقد جاء في الحديث من رواية عمران وابن عباس مرفوعا «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعدا».\n\n<span data-type='title' id=toc-1489>[ذكر الآثار الواردة في ذلك]</span>\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد، حدثنا عمر بن أبي عثمان، حدثنا الحسن عن عمران بن حصين قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٠٣.","vol":"6","page":253},{"text":"والمنكر فلا صلاة له». وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا يحيى بن أبي طلحة اليربوعي، حدثنا أبو معاوية عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدا» ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا خالد بن عبد الله عن العلاء بن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال:\nفمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا، فهذا موقوف. قال ابن جرير (^٢): وحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا علي بن هاشم بن البريد عن جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة» وطاعة الصلاة أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر. قال: قال سفيان ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ قال: فقال سفيان: أي والله تأمره وتنهاه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن جويبر عن الضحاك عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ-وقال أبو خالد مرة عن عبد الله-: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر» والموقوف أصح، كما رواه الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لعبد الله: إن فلانا يطيل الصلاة، قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا علي، حدثنا إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدا» والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش وغيرهم، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، أنبأنا جرير-يعني ابن عبد الحميد- عن الأعمش عن أبي صالح قال: أراه عن جابر، شك الأعمش، قال: قال رجل للنبي ﷺ: إن فلانا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق. قال: «سينهاه ما تقول». وحدثنا محمد بن موسى الجرشي، أخبرنا زياد بن عبد الله عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يشك، ثم قال: وهذا الحديث قد رواه عن الأعمش غير واحد، واختلفوا في إسناده، فرواه غير واحد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو غيره. وقال قيس عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر قال جرير وزياد عن عبد الله عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ١٤٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ١٤٥.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ١٤٥.","vol":"6","page":254},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، أخبرنا الأعمش قال: أخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن فلانا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: «إنه سينهاه ما تقول». وتشتمل الصلاة أيضا على ذكر الله تعالى وهو المطلوب الأكبر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي أعظم من الأول ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ أي يعلم جميع أعمالكم وأقوالكم. وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخصال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه وقال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في صلاة، فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر.\nوقال حماد بن أبي سليمان ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ يعني ما دمت فيها.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ يقول: ولذكر الله لعباده أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه (^٢)، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وغيره، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن داود بن أبي هند عن رجل عن ابن عباس ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ قال: ذكر الله عند طعامك وعند منامك، قلت:\nفإن صاحبا لي في المنزل يقول غير الذي تقول، قال: وأي شيء يقول؟ قلت: يقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه، قال: صدق، قال: وحدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا إسماعيل عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى:\n﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ قال: لها وجهان، قال: ذكر الله عندما حرمه، قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه.\nقال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾؟ قال: قلت نعم، قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك. قال: لقد قلت قولا عجيبا وما هو كذلك ولكنه إنما يقول ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه، وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس، وروي أيضا عن ابن مسعود وأبي الدرداء وسلمان الفارسي وغيرهم، واختاره ابن جرير.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٤٧.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٤٦.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ١٤٥، ١٤٦.","vol":"6","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1490>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٦]</span>\n﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾\nقال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف. وقال آخرون: بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وهذا القول اختاره ابن جرير، وحكاه عن ابن زيد.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم، قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف، قال مجاهد ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني أهل الحرب، ومن امتنع منهم من أداء الجزية. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ يعني إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقا، ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلا، ولكن نؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط وهو أن يكون منزلا لا مبدلا ولا مؤولا.\nقال البخاري ﵀: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون» وهذا الحديث تفرد به البخاري (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عثمان بن عمرو، أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ: «الله أعلم» قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم».\n(قلت) وأبو نملة هذا هو عمارة. وقيل عمار، وقيل عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري\n_________\n(^١) كتاب الشهادات باب ٢٩، وتفسير سورة ٢، باب ١، والاعتصام باب ٢٥، والتوحيد باب ٥١.\n(^٢) المسند ٤/ ١٣٦.","vol":"6","page":256},{"text":"﵁، ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، وما أقل الصدق فيه، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحا.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا سفيان عن سليمان بن عامر عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير عن عبد الله-هو ابن مسعود-قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله ﷺ أحدث تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم.\nوقال البخاري (^٣): وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.\n(قلت) معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد، لأنه يحدث عن صحف يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة، لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة، ومع ذلك وقرب العهد، وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة لا يعلمها إلا الله ﷿، ومن منحه الله تعالى علما بذلك كل بحسبه، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1491>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]</span>\n﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ (٤٩)﴾\nقال ابن جرير (^٤): يقول الله تعالى كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب، وهذا الذي قاله حسن ومناسبته وارتباطه جيد. وقوله تعالى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ١٥١.\n(^٢) كتاب الاعتصام باب ٢٥، والتوحيد باب ٤٢.\n(^٣) كتاب الاعتصام باب ٢٥.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ١٥١.","vol":"6","page":257},{"text":"﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي الذين أخذوه فتلوه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني العرب من قريش وغيرهم ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ أي ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل وهيهات.\nثم قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، وهكذا كان رسول الله ﷺ دائما إلى يوم الدين، لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم.\nومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه ﵇ كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: ثم أخذ فكتب. وهذه محمولة على الرواية الأخرى: ثم أمر فكتب. ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في محافلهم، وإنما أراد الرجل-أعني الباجي-فيما يظهر عنه، أنه كتب ذلك على وجه المعجزة لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال ﷺ إخبارا عن الدجال: «مكتوب بين عينيه كافر» وفي رواية «ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن» (^١) وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت ﷺ حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له، قال الله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا﴾ أي تقرأ ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ لتأكيد النفي ولا تخطه بيمينك، تأكيد أيضا، وخرج مخرج الغالب كقوله تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس، فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] الآية، وقال هاهنا: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمرا ونهيا وخبرا، يحفظه العلماء يسره الله عليهم حفظا وتلاوة وتفسيرا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] وقال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ١٧، والفتن باب ٢٦، ومسلم في الإيمان حديث ٢٧٠، والفتن حديث ٤٥، ٩٥، ١٠١، ١٠٥.","vol":"6","page":258},{"text":"«ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا» (^١) وفي حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم يقول الله تعالى: «إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا» (^٢) أي لو غسل الماء المحل المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل، لأنه قد جاء من الحديث الآخر «لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار» (^٣) ولأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظا ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذه الأمة أناجيلهم في صدورهم.\nواختار ابن جرير (^٤): أن المعنى في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا، ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، ونقله عن قتادة وابن جريج، وحكى الأول عن الحسن البصري فقط، قلت وهو الذي رواه العوفي عن ابن عباس، وقاله الضحاك وهو الأظهر والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ أي ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون، أي المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-1492>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]</span>\n﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات، يعنون ترشدهم إلى أن محمدا رسول الله كما أتى صالح بناقته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي إنما أمر ذلك إلى الله، فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن هذا سهل عليه يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنكم إنما قصدتم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١، وفضائل القرآن باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣، وأحمد في المسند ٤/ ١٦٢.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٥١، ١٥٥.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ١٥٣.","vol":"6","page":259},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي إنما بعثت نذيرا لكم بين النذارة، فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ثم قال تعالى مبينا كثرة جهلهم وسخافة عقلهم حيث طلبوا آيات تدلهم على صدق محمد ﷺ فيما جاءهم، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته بل عن معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي أو لم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى ببيان الصواب مما اختلفوا فيه وبالحق الواضح البين الجلي، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] وقال تعالى:\n﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ … ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ [طه: ١٣٣].\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (^٢) أخرجاه من حديث الليث. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في هذا القرآن لرحمة أي بيانا للحق وإزاحة للباطل، وذكرى بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين لقوم يؤمنون.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أي هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا تخفى عليه خافية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي يوم القيامة سيجزيهم على ما فعلوا ويقابلهم على ما صنعوا في تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، فسيجزيهم على ذلك إنه حكيم عليم.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٤١، ٤٥١.\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ١، والاعتصام باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٣٩.","vol":"6","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1493>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٣ إلى ٥٥]</span>\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم وبأس الله أن يحل عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقال هاهنا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي لولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبا سريعا كما استعجلوه، ثم قال: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي فجأة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ أي يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة.\nقال شعبة عن سماك عن عكرمة: قال في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ قال:\nالبحر (^١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا أبي عن مجالد عن الشعبي أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، وتكور فيه الشمس والقمر، ثم يوقد فيكون هو جهنم. وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حيي، أخبرني صفوان بن يعلى عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «البحر هو جهنم» قالوا ليعلى، فقال: ألا ترون أن الله تعالى يقول: ﴿نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ قال: لا والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبدا حتى أعرض على الله ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على الله تعالى، هذا تفسير غريب، وحديث غريب جدا، والله أعلم.\nثم قال ﷿: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ كقوله تعالى:\n﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩] الآية، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسي. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تهديد وتقريع وتوبيخ، وهذا عذاب معنوي على النفوس، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٥٥.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٢٣.","vol":"6","page":261},{"text":"﴿اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1494>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٦ إلى ٦٠]</span>\n﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾\nهذا أمر من الله تعالى المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ:\n«البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرا فأقم» ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين هناك: أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، فآواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم سيوما ببلاده (^٢)، ثم بعد ذلك هاجر رسول الله ﷺ والصحابة الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة.\nثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أي أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله، فهو خير لكم، فإن الموت لا بد منه ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتم الثواب ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ نعمت هذه الغرف أجرا على أعمال المؤمنين ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي على دينهم. وهاجروا إلى الله ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده وتصديق موعوده.\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، أخبرنا صفوان المؤذن، أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام الأسود، حدثني أبو معاوية الأشعري أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله ﷺ، حدثه أن في الجنة غرفا يرى\n_________\n(^١) المسند ١/ ١٦٦.\n(^٢) جعلهم سيوما ببلاده: أي جعلهم آمنين.","vol":"6","page":262},{"text":"ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وتابع الصلاة والصيام، وقام بالليل والناس نيام.\n﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أحوالهم كلها في دينهم ودنياهم ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب، فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تدخر شيئا لغد ﴿اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ﴾ أي الله يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء. قال تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، حدثنا يزيد يعني ابن هارون، حدثنا الجراح بن منهال الجزري-هو أبو العطوف-عن الزهري عن رجل عن ابن عمر قال:\nخرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: «يا ابن عمر ما لك لا تأكل؟» قال: قلت لا أشتهيه يا رسول الله، قال لكني أشتهيه، وهذا صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين؟» قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية، فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز دينارا ولا درهما ولا أخبأ رزقا لغد» هذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف.\nوقد ذكروا أن الغراب إذا فقس عن فراخه البيض خرجوا وهم بيض، فإذا رآهم أبواهم كذلك نفرا عنهم أياما حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحا فاه يتفقد أبويه فيقيض الله تعالى طيرا صغارا كالبرغش، فيغشاه فيتقوت به تلك الأيام حتى يسود ريشه، والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه، فإذا رأوه قد اسود ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق، ولهذا قال الشاعر:\nيا رازق النعاب في عشه … وجابر العظم الكسير المهيض\nوقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر كقول النبي ﷺ: «سافروا تصحوا وترزقوا» قال البيهقي: أخبرنا إملاء أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا محمد بن غالب، حدثني محمد بن سنان، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن رداد شيخ من أهل","vol":"6","page":263},{"text":"المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «سافروا تصحوا وتغنموا» قال: ورويناه عن ابن عباس.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا قتيبة، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «سافروا تربحوا وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا» وقد ورد مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعا، وعن معاذ بن جبل موقوفا، وفي لفظ «سافروا مع ذوي الجد والميسرة» قال: ورويناه عن ابن عباس: وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لأقوال عباده العليم بحركاتهم وسكناتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1495>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦١ إلى ٦٣]</span>\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾\nيقول تعالى مقررا أنه لا إله إلا هو، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم، واختلافها واختلاف أرزاقهم، فتفاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير وهو العليم بما يصلح كلا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك، فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1496>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]</span>\n﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها وغاية ما فيها لهو ولعب ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ أي الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي لآثروا ما يبقى على ما يفنى، ثم أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فهلا يكون هذا منهم دائما ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧] الآية،\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٨٠، ولفظه: «سافروا تصحوا واغزوا تستغنوا».","vol":"6","page":264},{"text":"وقال هاهنا: ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق عن عكرمة بن أبي جهل، أنه لما فتح رسول الله ﷺ مكة ذهب فارا منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربهم الدعاء، لا ينجي فإنه هاهنا إلا هو، فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه. لا ينجي في البر أيضا غيره، اللهم لك علي عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رؤوفا رحيما، فكان كذلك، وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة، لأنهم لا يقصدون ذلك، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل، وقد قدمنا تقرير ذلك في قوله ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1497>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾\nيقول تعالى ممتنا على قريش فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمنا فهم في أمن عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤] وقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد و﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وأن لا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه، وأخرجوه من بين ظهرهم، ولهذا سلبهم الله تعالى ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدر، ثم صارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أي لا احد أشد عقوبة ممن كذب على الله، فقال: إن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله، وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه، فالأول مفتر والثاني مكذب، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ يعني الرسول ﷺ وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ أي لنبصرنهم سبلنا، أي طرقنا في الدنيا والآخرة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، أخبرنا عباس الهمداني أبو","vol":"6","page":265},{"text":"أحمد من أهل عكا في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: الذين يعملون بما يعملون يهديهم الله لما لا يعلمون. قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان الداراني، فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حتى وافق ما في نفسه.\nوقوله ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن جعفر قاضي الري، حدثنا أبو جعفر الرازي عن المغيرة عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، والله أعلم. آخر تفسير سورة العنكبوت. ولله الحمد والمنة.","vol":"6","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1498>سورة الروم</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1499>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ إلى ٧]</span>\n﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)﴾\nنزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم. واضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتي. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال غلبت وغلبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ، «أما إنهم سيغلبون» فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ، فقال «ألا جعلتها إلى دون-أراه قال العشر-» قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد قال: فذلك قوله ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢) هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن الحسين بن حريث عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري عن سفيان بن سعيد الثوري به.\nوقال الترمذي: حسن غريب إنما نعرفه من حديث سفيان عن حبيب ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق الصاغاني عن معاوية بن عمرو به.\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٧٦، ٣٠٤.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٠، باب ٢.","vol":"6","page":267},{"text":"ورواه ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن سعيد أو سعيد الثعلبي، الذي يقال له أبو سعد من أهل طرسوس، حدثنا أبو إسحاق الفزاري فذكره، وعندهم قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر.\n[حديث آخر] قال سليمان بن مهران الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله:\nخمس قد مضين، الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم (^٢)، أخرجاه. وقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي عن داود بن أبي هند، عن عامر-هو الشعبي-عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان فارس ظاهرا على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟ قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، وشق على المسلمين، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال «ما بضع سنين عندكم؟» قالوا: دون العشر. قال «اذهب فزايدهم، وازدد سنتين في الأجل» قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ﴾.\n[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا مؤمن عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لما نزلت ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك يزعم أن الروم تغلب فارس؟ قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك؟ فجعل بينه وبينهم أجلا، فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارس، فبلغ ذلك النبي ﷺ فساءه ذلك وكرهه، وقال لأبي بكر «ما دعاك إلى هذا؟» قال: تصديقا لله ولرسوله. قال «تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين» فأتاهم أبو بكر فقال لهم: هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا:\nنعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: هذا السحت، قال «تصدق به» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ١٦٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٥، باب ٤، ومسلم في المنافقين حديث ٤١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ١٦٥، ١٦٦.\n(^٤) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٩.","vol":"6","page":268},{"text":"[حديث آخر] قال أبو عيسى الترمذي (^١): حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، أخبرني ابن أبي الزناد عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قوله الله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية، خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قال ناس من قريش لأبي بكر: فذاك بيننا وبينكم، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، ودلك قبل تحريم الرهان.\nفارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه؟ قال: فسموا بينهم ست سنين، قال:\nفمضت ست السنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس: فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لأن الله قال في بضع سنين، قال: فأسلم عند ذلك ناس كثير. هكذا ساقه الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد.\nوقد روي نحو هذا مرسلا عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم، ومن أغرب هذه السياقات ما رواه الإمام سنيد بن داود في تفسيره حيث قال: حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبد الله عن عكرمة قال: كان في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل؟! فقالت: هذا فلان وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر، وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان، وهذا شهريراز وهو أحلم من كذا، تعني أولادها الثلاثة، فاستعمل أيهم شئت، قال: فإني قد استعملت الحليم، فاستعمل شهريراز فسار إلى الروم بأهل فارس، فظهر عليهم فقتلهم وخرب مدائنهم، وقطع زيتونهم.\nقال أبو بكر بن عبد الله: فحدثت بهذا الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت: لا، قال أما إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع، فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته. قال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلا يدعى قطمة بجيش من الروم، وبعث كسرى شهريراز فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٠، باب ٤.","vol":"6","page":269},{"text":"إليكم، فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس، ففرحت بذلك كفار قريش، وكرهه المسلمون.\nقال عكرمة: ولقي المشركون أصحاب النبي ﷺ وقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخواننا من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾ فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله ليظهرن الله الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا ﷺ، فقام إليه أبي بن خلف فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال:\nأناحبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال «ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر ومادة في الأجل» فخرج أبو بكر فلقي أبيا، فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت، فظهرت الروم على فارس قبل ذلك، فغلبهم المسلمون.\nقال عكرمة: لما أن ظهرت فارس على الروم، جلس فرخان يشرب وهو أخو شهريراز، فقال: لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كسرى، فكتب كسرى إلى شهريراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلى برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان له نكاية وصوت في العدو، فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفا منه، فعجل إلي برأسه. فراجعه، فغضب كسرى فلم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان، ثم دفع إلى البريد صحيفة لطيفة صغيرة، فقال: إذا ولي فرخان الملك وانقاد إليه أخوه، فأعطه هذه.\nفلما قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان، ودفع إليه الصحيفة قال: ائتوني بشهريراز، وقدمه ليضرب عنقه، قال، لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه الصحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فرد الملك إلى أخيه شهريراز، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد، ولا تحملها الصحف فالقني ولا تلقني إلا في خمسين روميا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق.\nوخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، مع كل واحد منهما سكين فدعيا ترجمانا بينهما، فقال","vol":"6","page":270},{"text":"شهريراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني وقد خلعناه جميعا، فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال: أجل، فقتلا الترجمان جميعا بسكينيهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ففرح والمسلمون معه (^١). فهذا سياق غريب وبناء عجيب.\nولنتكلم عن كلمات هذه الآيات الكريمة، فقوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة البقرة، وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم أبناء عم بني إسرائيل، ويقال لهم بنو الأصفر، وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك، وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة، ويقال لها المتحيرة، ويصلون إلى القطب الشمالي، وهو الذين أسسوا دمشق، وبنوا معبدها، وفيه محاريب إلى جهة الشمال، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة.\nوكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له قيصر، فكان أول من دخل في دين النصارى من الملوك. قسطنطين بن قسطس وأمه مريم الهيلانية الشدقانية من أرض حران، كانت قد تنصرت قبله، فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفا فتابعها، يقال تقية، واجتمعت به النصارى وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس، واختلفوا اختلافا منتشرا متشتتا لا ينضبط، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها الأمانة الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين يعنون كتب الأحكام من تحريم وتحليل، وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغيروا دين المسيح ﵇، وزادوا فيه ونقصوا منه، فصلوا إلى المشرق، واعتاضوا عن السبت بالأحد، وعبدوا الصليب وأحلوا الخنزير، واتخذوا أعيادا أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس وغير ذلك من البواعيث والشعانين، وجعلوا له الباب، وهو كبيرهم، ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم الأساقفة والقساقسة، ثم الشمامسة، وابتدعوا الرهبانية، وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية، يقال إنه بنى في أيامه اثني عشر ألف كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاث محاريب، وبنت أمه القمامة، وهؤلاء هم الملكية يعنون الذين هم على دين الملك.\nثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الإسكاف، ثم النسطورية أصحاب نسطورا، وهم فرق وطوائف كثيرة، كما قال رسول الله ﷺ «إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة» (^٢)\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٦٤، ١٦٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنة باب ١، وابن ماجة في الفتن باب ١٧.","vol":"6","page":271},{"text":"والغرض أنهم استمروا على النصرانية، كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى كان آخرهم هرقل، وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم، وأبعدهم غورا، وأقصاهم رأيا، فتملك عليهم في رئاسة عظيمة وأبهة كبيرة، فناوأه كسرى ملك الفرس وملك البلاد كالعراق وخراسان والري وجميع بلاد العجم، وهو سابور ذو الأكتاف، وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وله رئاسة العجم، وحماقة الفرس، وكانوا مجوسا يعبدون النار.\nفتقدم عن عكرمة أنه: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده، فقهره وكسره وقصره، حتى لم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية، فحاصره بها مدة طويلة، حتى ضاقت عليه، وكانت النصارى تعظمه تعظيما زائدا، ولم يقدر كسرى على فتح البلد، ولا أمكنه ذلك لحصانتها لأن نصفها من ناحية البر، ونصفها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هنالك، فلما طال الأمر، دبر قيصر مكيدة، ورأى في نفسه خديعة، فطلب من كسرى أن يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه ويشترط عليه ما شاء، فأجابه إلى ذلك، وطلب منه أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا من ذهب وجواهر وأقمشة وجوار وخدام وأصناف كثيرة، فطاوعه قيصر وأوهمه أن عنده جميع ما طلب، واستقل عقله لما طلب منه ما طلب، ولو اجتمع هو وإياه لعجزت قدرتهما عن جمع عشره، وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله ودفائنه، فأطلق سراحه.\nفلما عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينة فجمع أهل ملته وقال: إني خارج في أمر قد أبرمته في جند قد عينته من جيشي، فإن رجعت إليكم قبل الحول، فأنا ملككم، وإن لم أرجع إليكم قبلها، فأنتم بالخيار: إن شئتم استمررتم على بيعتي، وإن شئتم وليتم عليكم غيري، فأجابوه بأنك ملكنا ما دمت حيا، ولو غبت عشرة أعوام، فلما خرج من القسطنطينية خرج جريدة في جيش متوسط هذا، وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فركب قيصر من فوره وسار مسرعا حتى انتهى إلى بلاد فارس، فعاث في بلادهم قتلا لرجالها ومن بها من المقاتلة أولا فأولا.\nولم يزل يقتل حتى انتهى إلى المدائن وهي كرسي مملكة كسرى، فقتل من بها وأخذ جميع حواصله وأمواله، وأسر نساءه وحريمه، وحلق رأس ولده وركبه على حماره، وبعث معه من الأساورة من قومه في غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخذه، فلما بلغ ذلك كسرى أخذه من الغم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، واشتد حنقه على البلد، فاشتد في حصارها بكل ممكن، فلم يقدر على ذلك، فلما عجز ركب ليأخذ عليه الطريق من مخاضة جيحون التي لا سبيل لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها، فلما علم قيصر بذلك، احتال بحيلة عظيمة لم يسبق إليها وهو أنه أرصد جنده وحواصله التي معه عند فم المخاضة، وركب في","vol":"6","page":272},{"text":"بعض الجيش، وأمر بأحمال من التبن والبعر والروث، فحملت معه، وسار إلى قريب من يوم في الماء مصعدا.\nثم أمر بإلقاء تلك الأحمال في النهر، فلما مرت بكسرى ظن وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك، فركبوا في طلبهم فشغرت المخاضة عن الفرس، وقدم قيصر فأمرهم بالنهوض والخوض، فخاضوا وأسرعوا السير، ففاتوا كسرى وجنوده، ودخلوا القسطنطينية، فكان ذلك يوما مشهودا عند النصارى، وبقي كسرى وجيوشه حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، لم يحصلوا على بلاد قيصر، وبلادهم قد خربتها الروم، وأخذوا حواصلهم، وسبوا ذراريهم، ونساءهم، فكان هذا من غلب الروم لفارس، وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم، وكانت الوقعة الكائنة بين فارس والروم حين غلبت الروم بين أذرعات وبصرى على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز، وقال مجاهد: كان ذلك في الجزيرة، وهي أقرب بلاد الروم من فارس، فالله أعلم.\nثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع، فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلى التسع، وكذلك جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وغيرهما من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر في مناحبة (^١) ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآية «ألا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع؟» (^٢) ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وروى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو أنه قال ذلك،.\nوقوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أي من قبل ذلك ومن بعده، فبني على الضم لما قطع المضاف، وهو قوله قبل عن الإضافة ونويت ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ﴾ أي للروم أصحاب قيصر ملك الشام على فارس أصحاب كسرى، وهم المجوس، وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قوله طائفة كثيرة من العلماء، كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم. وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي (^٣) وابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم والبزار من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين ففرحوا به، وأنزل الله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال الآخرون: بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية. قاله عكرمة والزهري وقتادة\n_________\n(^١) المناحبة: المراهنة.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٠، باب ١، ٣.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٠، باب ١.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ١٦٦.","vol":"6","page":273},{"text":"وغير واحد. ووجه بعضهم هذا القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى إيليا وهو بيت المقدس، شكرا لله تعالى ففعل، فلما بلغ بيت المقدس لم يخرج منه حتى وافاه كتاب رسول الله ﷺ الذي بعثه مع دحية بن خليفة، فأعطاه دحية لعظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر. فلما وصل إليه سأل من بالشام من عرب الحجاز، فأحضر له أبو سفيان صخر بن حرب الأموي في جماعة من كبار قريش، وكانوا بغزة، فجيء بهم إليه فجلسوا بين يديه. فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان:\nأنا، فقال لأصحابه وأجلسهم خلفه: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذب فكذبوه، فقال أبو سفيان، فوالله لولا أن يأثروا علي الكذب لكذبت، فسأله هرقل عن نسبه وصفته، فكان فيما سأله أن قال: فهل يغدر؟ قال: قلت لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، يعني بذلك الهدنة التي كانت قد وقعت بين رسول الله ﷺ وكفار قريش عام الحديبية على وضع الحرب بينهم عشر سنين، فاستدلوا بهذا على أن نصر الروم على فارس كان عام الحديبية، لأن قيصر إنما وفي بنذره بعد الحديبية، والله أعلم.\nولأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن هذا بأن بلاده كانت قد خربت وتشعثت، فما تمكن من وفاء نذره حتى أصلح ما ينبغي له إصلاحه وتفقد بلاده، ثم بعد أربع سنين من نصرته وفي بنذره، والله أعلم، والأمر في هذا سهل قريب، إلا أنه لما انتصرت فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس، فرح المؤمنون بذلك، لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ -إلى قوله- ﴿رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣]. وقال تعالى هاهنا ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثني أسيد الكلابي قال: سمعت العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس ثم رأيت غلبة المسلمين فارس، والروم كل ذلك في خمس عشرة سنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتصاره وانتقامه من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ أي هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أنا سننصر الروم على فارس وعد من الله حق، وخبر صدق لا يخلف ولا بد من كونه ووقوعه، لأن الله قد جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي بحكم الله في كونه، وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه","vol":"6","page":274},{"text":"مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة، قال الحسن البصري: والله لبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1500>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٨ إلى ١٠]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾\nيقول تعالى منبها على التفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، فقال ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني به النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي وما بينهما من المخلوقات المتنوعة والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا باطلا بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ ثم نبههم على صدق رسله فيما جاءوا به عنه، بما أيدهم من المعجزات والدلائل الواضحات من إهلاك من كفر بهم ونجاة من صدقهم، فقال تعالى:\n﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين.\nولهذا قال ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم أيها المبعوث إليهم محمد ﷺ وأكثر أموالا وأولادا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومكنوا في الدنيا تمكينا لم تبلغوا إليه وعمروا فيها أعمارا طوالا، فعمروها أكثر منكم، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا فلما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال.\n﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي وإنما أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات الله واستهزءوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ كما قال تعالى:\n﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] وقال تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقال تعالى:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٦٨.","vol":"6","page":275},{"text":"﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وعلى هذا تكون السوأى منصوبة مفعولا لأساؤوا، وقيل بل المعنى في ذلك ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾ أي كانت السوأى عاقبتهم لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا تكون السوأى منصوبة خبر كان، هذا توجيه ابن جرير، ونقله عن ابن عباس وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عنهما وعن الضحاك بن مزاحم، وهو الظاهر-والله أعلم-لقوله ﴿وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1501>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١١ إلى ١٦]</span>\n﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي كما هو قادر على بداءته فهو قادر على إعادته ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله. ثم قال ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال ابن عباس: ييأس المجرمون، وقال مجاهد: يفتضح المجرمون، وفي رواية يكتئب المجرمون ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أي ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم. ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني أنه إذا رفع هذا إلى عليين وخفض هذا إلى أسفل سافلين، فذلك آخر العهد بينهما، ولهذا قال تعالى:\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قال مجاهد وقتادة: ينعمون.\nوقال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء والحبرة أعم من هذا كله، قال العجاج [رجز]:\nفالحمد لله الذي أعطى الحبر … موالي الحقّ إن الموالي شكر (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-1502>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ إلى ١٩]</span>\n﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾\nهذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه عند السماء، وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار عن ضيائه. ثم اعترض بحمده مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هو المحمود على ما خلق في السموات\n_________\n(^١) الرجز للعجاج في ديوانه ١/ ٢٤، ولسان العرب (ثبت)، (حبر)، (شبر)، والتنبيه والإيضاح ٢/ ١٣٧، وديوان الأدب ١/ ٢١٢، وإصلاح المنطق ص ٩٧، وتاج العروس (بثر) وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣١١، والمخصص ١٥/ ٨٠، ويروى «الشّبر» بدل «الحبر».","vol":"6","page":276},{"text":"والأرض، ثم قال تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ فالعشاء هو شدة الظلام، والإظهار قوة الضياء، فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، كما قال تعالى:\n﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٣ - ٤] وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ [الضحى: ١ - ٢] والآيات في هذا كثيرة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبّان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال «ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفي؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون» وقال الطبراني: حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعيد بن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه، عن عبد الله بن عباس عن رسول الله ﷺ قال «ومن قال حين يصبح سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون، الآية بكمالها أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» إسناد جيد ورواه أبو داود (^٢) في سننه.\nوقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة، وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب والحب من النبات، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن وقوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٤] وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ -إلى قوله- ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] ولهذا قال هاهنا ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1503>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٠ إلى ٢١]</span>\n﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٤٣٩.\n(^٢) كتاب الأدب باب ١٠١.","vol":"6","page":277},{"text":"يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ الدالة على عظمته وكمال قدرته، أنه خلق أباكم آدم من تراب ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ فأصلكم من تراب ثم من ماء مهين، ثم تصور فكان علقة ثم مضغة، ثم صار عظاما شكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح فإذا هو سميع بصير، ثم خرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض، ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور ودهاء ومكر ورأي وعلم واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه، فسبحان من أقدرهم وسيرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكر، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن سعيد وغندر قالا: حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن وبين ذلك» (^٢) ورواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ أي خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩] يعني بذلك حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر، ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة، ورحمة وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إنما لمحبته لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1504>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]</span>\n﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤٠٠، ٤٠٦.\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في تفسير سورة ٢ باب ١.","vol":"6","page":278},{"text":"يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ الدالة على قدرته العظيمة ﴿خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خلق السموات في ارتفاعها واتساعها، وسقوف أجرامها، وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية وبحار، وقفار وحيوان وأشجار. وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يعني اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء افرنج وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى من اختلاف لغات بني آدم واختلاف ألوانهم وهي حلاهم.\nفجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة كل له عينان وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام ظاهرا كان أو خفيا يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئته لا تشبه أخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي ومن الآيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة وذهاب الكلال والتعب. وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار وهذا ضد النوم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي يعون.\nقال الطبراني: حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، سمعت عبد الملك بن مروان يحدث عن أبيه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أصابني أرق من الليل، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال «قل اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم يا حي يا قيوم، أنم عيني وأهدئ ليلي» فقلتها، فذهب عني.\n\n<span data-type='title' id=toc-1505>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]</span>\n﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ الدالة على عظمته أنه ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء ﴿اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال","vol":"6","page":279},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] وقوله ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]. وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسموات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤] وقال تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1506>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ملكه وعبيده ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أي خاضعون خاشعون طوعا وكرها. وفي حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا «كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة» (^١) وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أيسر عليه، وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هينة، وكذا قال عكرمة وغيره.\nوروى البخاري (^٢): حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» انفرد بإخراجه البخاري، كما انفرد بروايته أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به. وقد رواه الإمام أحمد منفردا به عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة:\nحدثنا أبو يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله.\nوقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء. وقال العوفي عن ابن عباس: كل عليه هين، وكذا قاله الربيع بن خثيم، ومال إليه ابن جرير وذكر عليه شواهد كثيرة، قال:\nويحتمل أن يعود الضمير في قوله ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إلى الخلق، أي وهو أهون على الخلق.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٧٥.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ١١٢، باب ١، ٢، وأخرجه أيضا أحمد في المسند ٢/ ٣٥٠.","vol":"6","page":280},{"text":"وقوله ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره، وقال مثل هذا ابن جرير، وقد أنشد بعض المفسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف:\nإذا سكن الغدير على صفاء … وجنب أن يحركه النسيم\nترى فيه السماء بلا امتراء … كذاك الشمس تبدو والنجوم\nكذاك قلوب أرباب التجلي … يرى في صفوها الله العظيم\nوهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه، الحكيم في أقواله وأفعاله شرعا وقدرا، وعن مالك في تفسيره المروي عنه عن محمد بن المنكدر في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ قال: لا إله إلا الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1507>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]</span>\n﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)﴾\nهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا في تلبيتهم يقولون:\nلبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أي يرتضي أحدكم أن يكون عبده شريكا له في ماله فهو وهو فيه على السواء ﴿تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تخافون أن يقاسموكم الأموال.\nقال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك له، والمعنى إن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٣] أي من البنات حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب؟ فهم يأنفون من البنات، وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر، وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبده شريكه في ماله يساويه فيه ولو شاء لقاسمه عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nقال الطبراني: حدثنا محمود بن الفرج الأصفهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا حماد بن شعيب عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان يلبي","vol":"6","page":281},{"text":"أهل الشرك لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١).\nولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى. قال تعالى:\n﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ثم قال تعالى مبينا أن المشركين إنما عبدوا غيره سفها من أنفسهم وجهلا ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي المشركون ﴿أَهْواءَهُمْ﴾ أي في عبادتهم الأنداد بغير علم ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ أي فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير ولا محيد لهم عنه، لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1508>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]</span>\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاِتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾\nيقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وفي الحديث «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» (^٢) وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية.\nوقوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرا بمعنى الطلب، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون: هو خبر على بابه ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ أي لدين الله، وقال البخاري: قوله ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ لدين الله، خلق الأولين دين الأولين، الدين والفطرة الإسلام: حدثنا عبدان: أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ٢٩٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣.","vol":"6","page":282},{"text":"عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^١) ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به، وأخرجاه أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع التميمي.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس عن الحسن عن الأسود بن سريع قال:\nأتيت رسول الله ﷺ وغزوت معه فأصبت ظهرا، فقتل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال «ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟» فقال رجل:\nيا رسول الله أما هم أبناء المشركين؟ فقال «لا إنما خياركم أبناء المشركين-ثم قال-لا تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية-وقال-كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها» ورواه النسائي في كتاب السير عن زياد بن أيوب عن هشيم، عن يونس وهو ابن عبيد بن الحسن البصري به.\nومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا هاشم، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا».\nومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي. قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن أولاد المشركين، فقال «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم» (^٥) أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا بذلك.\nوقد قال الإمام أحمد (^٦) أيضا: حدثنا عفان حدثنا حماد يعني ابن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال: أتى علي زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع أولاد المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدثني فلان عن فلان أن رسول الله ﷺ سئل عنهم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٠، باب ١، ومسلم في القدر حديث ٢٢، ٢٣، ٢٤.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٣٥، ٤/ ٢٤٥.\n(^٣) المسند ٣/ ٣٥٣.\n(^٤) المسند ١/ ٣٢٨.\n(^٥) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٩٣، ومسلم في القدر حديث ٢٦، ٢٧، ٢٨.\n(^٦) المسند ٥/ ٧٣.","vol":"6","page":283},{"text":"فقال «الله أعلم بما كانوا عاملين». قال: فلقيت الرجل فأخبرني، فأمسكت عن قولي.\nومنهم عياض بن حمار المجاشعي. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته «إن ربي ﷿ أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل ما نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله ﷿ نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان: ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: يا رب إذا يثلغ رأسي فيدعه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك-قال-: وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» وذكر البخيل أو الكذاب والشنظير: الفحاش (^١). انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن قتادة به.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] الآية. وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن زيد وابن جريج: أي راجعين إليه. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي خافوه وراقبوه، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وهي الطاعة العظيمة، ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يوسف بن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر ﵁ بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت. حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن عمر ﵁ قال لمعاذ: ما قوام هذا الأمر؟ فذكر نحوه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣، وأحمد في المسند ٤/ ١٦٢، ١٦٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ١٨٣.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٨٣.","vol":"6","page":284},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم أي بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقرأ بعضهم: فارقوا دينهم، أي تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ﴾ [الأنعام: ١٥٩] الآية، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل رسول الله ﷺ عن الفرقة الناجية منهم فقال «ما أنا عليه وأصحابي».\n\n<span data-type='title' id=toc-1509>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الناس أنهم في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم في حالة الاختيار يشركون بالله ويعبدون معه غيره. وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك، ثم توعدهم بقوله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال بعضهم والله لو توعدني حارس درب لخفت منه، فكيف والمتوعد هاهنا هو الذي يقول للشيء كن فيكون؟ ثم قال منكرا على المشركين فيما اختلقوا فيه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة ولا برهان ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ أي حجة ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أي ينطق ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ وهذا استفهام إنكار، أي لم يكن لهم شيء من ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ هذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله ووفقه، فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر. وقال ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] أي يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية. قال الله تعالى:\n﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء.\nكما ثبت في الصحيح «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر","vol":"6","page":285},{"text":"فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (^١). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيق على آخرين ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1510>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى آمرا بإعطاء ذي القربى حقه أي من البر والصلة، ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ وهو الذي لا شيء له ينفق عليه أو له شيء لا يقوم بكفايته، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره، ﴿ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ أي النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى:\n﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ أي من أعطى عطية يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي لا تعط العطاء تريد أكثر منه.\nوقال ابن عباس: الربا رباءان: فربا لا يصح، يعني ربا البيع؟ وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد فضلها، وأضعافها، ثم تلا هذه الآية ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ وإنما الثواب عند الله في الزكاة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء. كما جاء في الصحيح «وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه فيربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أحد» (^٢).\nوقوله ﷿: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أي هو الخالق الرزاق، يخرج الإنسان من بطن أمه عريانا لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوة، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب. كما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن سلام أبي شرحبيل عن حبة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٣٢، ٣٣٣، ٦/ ١٥، ١٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٨، والتوحيد باب ٢٣، ومسلم في الزكاة حديث ٦٣، ٦٤.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٦٩.","vol":"6","page":286},{"text":"يصلح شيئا فأعناه، فقال «لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله ﷿».\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي بعد هذه الحياة، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ أي الذين تعبدونهم من دون الله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله ﷾ هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، ولهذا قال بعد هذا كله ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1511>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤١ إلى ٤٢]</span>\n﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾\nقال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي وغيرهم: المراد بالبر هاهنا الفيافي، وبالبحر الأمصار والقرى. وفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر الأمصار، والقرى ما كان منهما على جانب نهر. وقال آخرون بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر هو البحر المعروف.\nوقال زيد بن رفيع ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ﴾ يعني انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه، رواه ابن أبي حاتم، وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن سفيان عن حميد بن قيس الأعرج عن مجاهد ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصبا.\nوقال عطاء الخراساني: المراد بالبر ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر جزائره. والقول الأول أظهر وعليه الأكثرون، ويؤيده ما قاله محمد بن إسحاق في السيرة: إن رسول الله ﷺ صالح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره، يعني ببلده، ومعنى قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ أي بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي.\nوقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود «لحدّ يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا» (^١) والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس أو أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات، وإذا تركت المعاصي كان سببا في حصول\n_________\n(^١) لم نجد الحديث بهذا اللفظ في سنن أبي داود، والحديث بلفظ: «حدّ يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من مطر …» أخرجه النسائي في السارق باب ٧، وابن ماجة في الحدود باب ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٢، ٤٠٢.","vol":"6","page":287},{"text":"البركات من السماء والأرض. ولهذا إذا نزل عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية، وهو تركها، فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض: أخرجي بركتك، فيأكل من الرمانة الفئام من الناس ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد ﷺ فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير. ولهذا ثبت في الصحيح: «أن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب» (^١).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل (^٢): حدثنا محمد والحسين قالا: حدثنا عوف عن أبي قحذم قال: وجد رجل في زمان زياد أو ابن زياد، صرة فيها حب، يعني من بر، أمثال النوى عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل، وروى مالك عن زيد بن أسلم أن المراد بالفساد هاهنا الشرك، وفيه نظر. وقوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ الآية، أي يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارا منه لهم ومجازاة على صنيعهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي عن المعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٦٨] ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبلكم ﴿كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ أي فانظروا ما حل بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1512>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]</span>\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته والمبادرة إلى الخيرات ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي يوم القيامة إذا راد كونه فلا راد له ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يجازيهم مجازاة الفضل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ ومع هذا هو العادل فيهم الذي لا يجور.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٢، ومسلم في الجنائز باب ٦١.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٩٦.","vol":"6","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1513>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾\nيذكر تعالى نعمه على خلقه في إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي في البحر وإنما سيرها بالريح ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي في التجارات والمعايش والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ بأنه وإن كذبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كذبت الرسل المتقدمون مع ما جاءوا أممهم به من الدلائل الواضحات.\nولكن انتقم الله ممن كذبهم وخالفهم وأنجى المؤمنين بهم ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي هو حق أوجبه على نفسه الكريمة تكرما وتفضلا، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين عن ليث عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة» ثم تلا هذه الآية ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1514>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٨ إلى ٥١]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾\nيبين تعالى كيف يخلق السحاب الذي ينزل منه الماء، فقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ إما من البحر كما ذكره غير واحد، أو مما يشاء الله ﷿ ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي يمده فيكثره وينميه، ويجعل من القليل كثير، ينشئ سحابة ترى في رأي العين مثل الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالا مملوءة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ -إلى قوله- ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] وكذلك قال هاهنا ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قال مجاهد وأبو عمرو بن العلاء ومطر الوراق وقتادة: يعني قطعا. وقال غيره:\nمتراكما، كما قاله الضحاك. وقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مدلهما ثقيلا قريبا من الأرض.","vol":"6","page":289},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أي فترى المطر وهو القطر، يخرج من بين ذلك السحاب ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي إليه يفرحون لحاجتهم بنزوله عليهم ووصوله إليهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ معنى الكلام أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر، كانوا قنطين أزلين من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعا عظيما، وقد اختلف النحاة في قوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ فقال ابن جرير: هو تأكيد، وحكاه عن بعض أهل العربية. وقال آخرون: من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبله، أي الإنزال لمبلسين، ويحتمل أن يكون ذلك من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبله أيضا قد فات عندهم نزوله وقتا بعد وقت، فترقبوه في إبانه، فتأخر، ثم مضت مدة فترقبوه فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعد ما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى:\n﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ يعني المطر ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾.\nثم نبه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها فقال تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا﴾ يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشب واستوى على سوقه، فرأوه مصفرا، أي قد أصفر وشرع في الفساد لظلوا من بعده، أي بعد هذا الحال، يكفرون، أي يجحدون ما تقدم إليهم من النعم. كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٧].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم والصرصر وهما في البر، والعاصف والقاصف وهما في البحر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عياش، حدثني عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «الريح مسخرة من الثانية-يعني الأرض الثانية-فلما أراد أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا، فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور، قال له الجبار ﵎: لا إذا تكفأ الأرض وما عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه.","vol":"6","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1515>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]</span>\n﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾\nيقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ كلامك الصم الذين لا يسمعون وهم مع ذلك مدبرون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق وردهم عن ضلالتهم بل ذلك إلى الله، فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦].\nوقد استدلت أم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه الآية ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي ﷺ القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم، حتى قال عمر: يا رسول الله ما تخاطب من قوم قد جيفوا؟ فقال «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون» (^١) وتأولته عائشة على أنه قال «إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق» (^٢). وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعا وتوبيخا ونقمة.\nوالصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححا له عن ابن عباس مرفوعا «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه¬ السلام».\n\n<span data-type='title' id=toc-1516>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾\nينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالا بعد حال، فأصله من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ثم يصير عظاما، ثم تكسى العظام لحما، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفا نحيفا واهن القوى، ثم يشب قليلا قليلا حتى يكون صغيرا، ثم حدثا ثم مراهقا شابا. وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل ثم يشيخ ثم يهرم، وهو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٧٧، والنسائي في الجنائز باب ١١٧، وأحمد في المسند ١/ ٧٢، ٣/ ١٠٤، ١٧٢، ٢٢٠، ٢٦٣.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ١٧٠.","vol":"6","page":291},{"text":"الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع عن فضيل ويزيد، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ٢ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ فقال «الله الذي خلقكم من ضعف (^٣) ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا» ثم قال: قرأت على رسول الله ﷺ كما قرأت علي، فأخذ علي كما أخذت عليك (^٤)، ورواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث فضيل، ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن جابر عن عطية عن أبي سعيد بنحوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1517>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]</span>\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾\nيخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ اي فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ﴾ أي في كتاب الأعمال ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ أي من يوم خلقتم إلى أن بعثتم ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قال الله تعالى:\n﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي اعتذارهم عما فعلوا ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي ولا هم يرجعون إلى الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1518>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٨ إلى ٦٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٥٨، ٥٩.\n(^٢) ضعف: بفتح الضاد.\n(^٣) ضعف: بضم الضاد.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الحروف باب ١٠، ١١، والترمذي في القرآن باب ٤.","vol":"6","page":292},{"text":"يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي قد بينا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليستبينوا الحق ويتبعوه ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ أي لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] ولهذا قال هاهنا ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك عليهم وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أي بل اثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه وليس فيما سواه هدى يتبع، بل الحق كله منحصر فيه. قال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج عليا ﵁ وهو في صلاة الغداة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] فأنصت له علي حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوقد رواه ابن جرير (^١) من وجه آخر فقال: حدثنا وكيع، حدثنا يحيى بن آدم عن شريك عن عثمان بن أبي زرعة عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج عليا ﵁ وهو في صلاة الفجر، فقال ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.\n[طريق أخرى] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك عن عمران بن ظبيان عن أبي يحيى قال: صلى علي بن أبي طالب ﵁ صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1519>(ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر)</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ، صلى بهم الصبح فقرأ فيها الروم فأوهم، فقال «إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٠.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٧١، ٥/ ٣٦٨.","vol":"6","page":293},{"text":"الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء» وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام.\nآخر تفسير سورة الروم. ولله الحمد والمنة.","vol":"6","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1520>سورة لقمان</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1521>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾\nتقدم في سورة البقرة عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه السورة، وهو أنه ﷾ جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا أرحامهم وقراباتهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك لم يراءوا به، ولا أرادوا جزاء من الناس ولا شكورا، فمن فعل ذلك كذلك، فهو من الذين قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي على بصيرة وبينة ومنهج واضح جلي ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1522>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٦ إلى ٧]</span>\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾\nلما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ قال: هو والله الغناء.\nروى ابن جرير (^١): حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس عن أبي صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٢، ٢٠٣.","vol":"6","page":295},{"text":"فقال عبد الله بن مسعود: الغناء والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط عن عمار عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء أنه سأل ابن مسعود عن قول الله ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء (^١)، وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب وعلي بن بذيمة.\nوقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في الغناء والمزامير. وقال قتادة: قوله ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والله لعله لا ينفق فيه مالا، ولكن شراؤه استحبابه بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع، وقيل: أراد بقوله ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ اشتراء المغنيات من الجواري. قال ابن أبي حاتم، حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن خلاد الصفار عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله ﷿ علي ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾» وهكذا رواه الترمذي وابن جرير من حديث عبيد الله بن زحر بنحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وضعف علي بن يزيد المذكور.\n(قلت) علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء، والله أعلم.\nوقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: يعني الشرك، وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله. وقوله ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله، وعلى قراءة فتح الياء تكون اللام لام العاقبة أو تعليلا للأمر القدري، أي قيضوا لذلك ليكونوا كذلك. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزوا يستهزئ بها. وقال قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزوا، وقول مجاهد أولى.\nوقوله ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي كما استهانوا بآيات الله وسبيله أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أي هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب إذا تليت عليه الآيات القرآنية ولى عنها وأعرض وأدبر وتصامم وما به من صمم، كأنه ما سمعها لأنه يتأذى بسماعها إذ لا انتفاع له بها ولا أرب له فيها، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي يوم القيامة، يؤلمه كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٣.","vol":"6","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1523>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٨ إلى ٩]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾\nهذا ذكر مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة، الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة الله ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أي يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسار من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والنساء والنضرة والسماع، الذي لم يخطر ببال أحد وهم في ذلك مقيمون دائما فيها، لا يظعنون دائما ولا يبغون عنها حولا. وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ أي هذا كائن لا محالة لأنه من وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، لأنه الكريم المنان الفعال لما يشاء القادر على كل شيء ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤] الآية. وقوله ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-1524>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)﴾\nيبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة على خلق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما، فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ قال الحسن وقتادة: ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية.\nوقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد، لها عمد لا ترونها، وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة الرعد بما أغنى عن إعادته، ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ يعني الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء، ولهذا قال ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلا تميد بكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ﴾ أي وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها، ولما قرر سبحانه أنه الخالق نبه على أنه الرازق بقوله ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي من كل زوج من النبات كريم، أي حسن المنظر. وقال الشعبي: والناس أيضا من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. وقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ اللهِ﴾ أي هذا الذي ذكره الله تعالى من خلق السموات والأرض وما بينهما صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك له في ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد ﴿بَلِ الظّالِمُونَ﴾ يعني المشركين بالله العابدين معه غيره ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أي جهل وعمى","vol":"6","page":297},{"text":"﴿مُبِينٍ﴾ أي واضح ظاهر لا خفاء به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1525>[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾\nاختلف السلف في لقمان: هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني. وقال سفيان الثوري عن الأشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا. وقال قتادة عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرا أفطس من النوبة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة. وقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن أبي الأشهب عن خالد الربعي قال:\nكان لقمان عبدا حبشيا نجارا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرجتهما؟ فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.\nوقال شعبة عن الحكم عن مجاهد: كان لقمان عبدا صالحا ولم يكن نبيا.\nوقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين. وقال حكام بن سالم عن سعيد الزبيدي عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل، وذكر غيره أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمان داود ﵇.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان عبدا أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٩.","vol":"6","page":298},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني، فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيا، ومنها ما هو مشعر بذلك، لأن كونه عبدا قد مسه الرق ينافي كونه نبيا، لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش القتباني عن عمر مولى غفرة، قال:\nوقف رجل على لقمان الحكيم، فقال: أنت لقمان، أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم، قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم، قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن صغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك، قال لقمان: غضي بصري وكفي لساني، وعفة طعمتي وحفظي فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني إلى ما ترى.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح، عن ربيعة عن أبي الدرداء أنه قال يوما وذكر لقمان الحكيم، فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلا صمصامة سكيتا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي (^١).\nوقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد عن ابن بشير قتادة قال: خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، قال: فأتاه جبريل وهو نائم، فذر عليه الحكمة، أو رش عليه الحكمة، قال: فأصبح ينطق بها، قال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة، وقد خيرك ربك؟ فقال: إنه لو\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ٣١٢.","vol":"6","page":299},{"text":"أرسل إلى بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إلي. فهذا من رواية سعيد بن بشير، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه، فالله أعلم، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيا ولم يوح إليه.\nوقوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي الفهم والعلم والتعبير ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾ أي أمرناه أن يشكر الله ﷿ على ما آتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ١٤].\nوقوله ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي غني عن العباد لا يتضرر بذلك ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعا، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1526>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٣ إلى ١٥]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان ابن عنقاء بن سدون، واسم ابنه ثاران في قول حكاه السهيلي، وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر، وأنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله ولا يشرك به شيئا، ثم قال محذرا له ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي هو أعظم الظلم.\nقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ «إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾» (^١) ورواه مسلم من حديث الأعمش به، ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن، وقال هاهنا ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ﴾ قال مجاهد: مشقة وهن الولد، وقال قتادة جهدا على جهد، وقال عطاء الخراساني ضعفا على ضعف.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣١، باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ١٩٧.","vol":"6","page":300},{"text":"وقوله ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى:\n﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية، ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال في الآية الأخرى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارا، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] ولهذا قال ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة ومحمود بن غيلان قالا:\nحدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب قال: قدم علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبي ﷺ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني رسول الله ﷺ إليكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرا، وإن المصير إلى الله إلى الجنة أو إلى النار إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت.\nوقوله ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أي إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي محسنا إليهما، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ﴾ يعني المؤمنين، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nقال الطبراني في كتاب العشرة: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند أن سعد بن مالك قال:\nأنزلت في هذه الآية ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ [العنكبوت: ٨] الآية، قال: كنت رجلا برا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت لتدعن دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يوما وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، مكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت.\n\n<span data-type='title' id=toc-1527>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٦ إلى ١٩]</span>\n﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾","vol":"6","page":301},{"text":"هذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه عن لقمان الحكيم، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل، وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله إنها ضمير الشأن والقصة، وجوز على هذا رفع مثقال، والأول أولى. وقوله ﷿ ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ أي أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية.\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في ارجاء السموات والأرض، فإن الله يأتي بها، لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت، ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم.\nوقد زعم بعضهم أن المراد بقوله ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ أنها صخرة تحت الأرضين السبع، وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة إن صح ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرو وغيرهم، وهذا -والله أعلم-كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والظاهر-والله أعلم-أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه. كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان».\nثم قال ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ أي بحدودها وفروضها وأوقاتها ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي بحسب طاقتك وجهدك ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر. وقوله ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور وقوله ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ يقول لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقارا منك لهم، واستكبارا عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث «ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله» (^٢).\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ يقول لا تتكبر\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٢٤، وأحمد في المسند ٤/ ٦٥، ٥/ ٦٣، ٦٤، ٣٧٨.","vol":"6","page":302},{"text":"فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك، وكذا روى العوفي وعكرمة عنه. وقال مالك عن زيد بن أسلم ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تتكلم وأنت معرض، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم.\nوقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام. والصواب القول الأول. وقال ابن جرير (^١): وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حيي التغلبي [الطويل].\nوكنا إذا الجبّار صعّر خدّه … أقمنا له من ميله فتقوّما (^٢)\nوقال أبو طالب في شعره [الطويل]:\nوكنا قديما لا نقر ظلامة … إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها (^٣)\nوقوله ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي خيلاء متكبرا جبارا عنيدا، لا تفعل ذلك يبغضك الله، ولهذا قال ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أي مختال معجب في نفسه، فخور أي على غيره. وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله ﷺ فشدد فيه، فقال «إن الله لا يحب كل مختال فخور» فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها، ويعجبني شراك نعلي، وعلاقة سوطي، فقال «ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس» ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته.\nوقوله ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي امش مقتصدا مشيا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلا وسطا بين بين. وقوله ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه في هذا بالحمير، يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم، لأن رسول الله ﷺ قال «ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢١٤.\n(^٢) البيت للمتلمس في ديوانه ص ٢٤، ولسان العرب (درأ)، (صعر)، (كون)، والتنبيه والإيضاح ١/ ١٥، ٢/ ١٤٩، وتاج العروس (درأ)، (صعر)، (كون)، ولعمرو بن حنيّ التغلبي في تفسير الطبري ١٠/ ٢١٤، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٢/ ٢٧٤، ويروى «من درئه» بدل «من ميله».\n(^٣) البيت في سيرة ابن هشام ١/ ٢٦٩.","vol":"6","page":303},{"text":"يعود في قيئه» (^١).\nوقال النسائي عند تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا» (^٢) وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن جعفر بن ربيعة به، وفي بعض الألفاظ: بالليل، فالله أعلم.\nفهذه وصايا نافعة جدا، وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم، وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجا ودستورا إلى ذلك. قال الإمام أحمد (^٣):\nحدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال «إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئا حفظه». وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن موسى بن سليمان، عن القاسم يحدث عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال «قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مخوفة بالليل مذمة بالنهار».\nوقال: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عثمان بن ضمرة، حدثنا الترمذي بن يحيى قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعودي عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام، يعني السلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله، فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة عن حفص بن عمر قال: وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفذ الخردل، فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر، قال: فتفطر ابنه.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا أنس بن سفيان المقدسي عن خليفة بن سلام عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن»\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الهبة باب ٣٠، ومسلم في الهبات حديث ٥، ٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٥، ومسلم في الذكر حديث ٨٢، والترمذي في الدعوات باب ٥٦، وأحمد في المسند ٢/ ٣٠٦، ٣٢١، ٣٦٤.\n(^٣) المسند ٢/ ٨٧.","vol":"6","page":304},{"text":"قال أبو القاسم الطبراني أراد الحبش.\n\n<span data-type='title' id=toc-1528>فصل في الخمول والتواضع</span>\nوذلك متعلق بوصية لقمان ﵇ لابنه. وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابا مفردا، ونحن نذكر منه مقاصده، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى المدني عن أسامة بن زيد بن حفص بن عبد الله بن أنس عن جده أنس بن مالك، سمعت رسول الله ﷺ يقول «رب أشعث ذي طمرين يصفح عن أبواب الناس إذا أقسم على الله لأبره» ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت، وعلي بن زيد عن أنس عن النبي ﷺ فذكره، وزاد «منهم البراء بن مالك».\nوقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن زيد عن عياش بن عباس عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ﵁ أنه دخل المسجد، فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله ﷺ فقال له: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته عن رسول الله ﷺ: سمعته يقول «إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة».\nحدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا عفان بن علي عن حميد بن عطاء الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال «رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئا».\nوقال أيضا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول الله ﷺ «إن من أمتي من لو أتى باب أحدكم يسأله دينارا أو درهما أو فلسا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» وهذا مرسل من هذا الوجه.\nوقال أيضا: حدثنا إسحاق ابن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف قال: قال أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذو طمرين لا يؤبه له الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم».\nقال: وأنشدني عمر بن شبة عن ابن عائشة قال: قال عبد الله بن المبارك [الطويل]:\nألا رب ذي طمرين في منزل غدا … زرابيّه مبثوثة ونمارقه\nقد اطّردت أنهاره حول قصره … وأشرق والتفّت عليه حدائقه","vol":"6","page":305},{"text":"وروي أيضا من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا «قال الله: من أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع إن صبر على ذلك» قال: ثم أنفذ رسول الله ﷺ بيده، وقال «عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه» وعن عبد الله بن عمرو قال: أحب عباد الله إلى الله الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم يجمعون يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم.\nوقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك، ألم أعطك، ألم أسترك؟ ألم … ألم … ألم أخمل ذكرك. ثم قال الفضيل: إن استطعت ألا تعرف فافعل، وما عليك أن لا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس محمودا عند الله. وكان ابن محيريز يقول: اللهم إني أسألك ذكرا خاملا. وكان الخليل بن أحمد يقول:\nاللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك. وعند الناس من أوسط خلقك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1529>(باب ما جاء في الشهرة)</span>\nثم قال: حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا ابن وهب عن عمر بن الحارث وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: حسب امرئ من الشر إلا من عصم الله أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، وإن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم» وروي مثله عن إسحاق بن البهلول عن ابن أبي فديك، عن محمد بن عبد الواحد الأخنسي، عن عبد الواحد بن أبي كثير عن جابر بن عبد الله مرفوعا مثله، وروي عن الحسن مرسلا نحوه فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع، فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة وفي دنياه بالفسق.\nوعن علي ﵁ قال: لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار. وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: ما صدق الله من أحب الشهرة. وقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه. وقال محمد بن العلاء: من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس. وقال سماك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء وقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم إليك دينك فأقل من المعارف. كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض وتركهم.\nوقال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن عوف عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قوما يمشون معه فقال: ذباب طمع وفراش النار.","vol":"6","page":306},{"text":"وقال ابن إدريس عن هارون بن عنترة عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة وقال: إنها مذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وقال ابن عون عن الحسن:\nخرج ابن مسعود فاتبعه أناس، فقال: والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان. وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب فسلم، ردوا ردا شديدا، فكان ذلك يغمه. وقال عبد الرزاق عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره. واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي ﷺ، فلبسهما أياما ثم خلعهما، وقال: لم أر الناس يلبسونهما. وقال إبراهيم النخعي: لا تلبس من الثياب ما يشهر في الفقهاء ولا ما يزدريك السفهاء. وقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم.\nوالثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه.\nوحدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد عن أبي حسنة صاحب الزيادي قال: كنا عند أبي قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق. وقال الحسن ﵀:\nإن قوما جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء بكسائه أعظم من صاحب المطرف بمطرفه ما لهم تفاقدوا. وفي بعض الأخبار أن موسى ﵇ قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب، البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1530>[فصل في حسن الخلق]</span>\nقال أبو التياح عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا (^١) وعن عطاء عن ابن عمر: قيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال «أحسنهم خلقا». وعن نوح بن عباد عن ثابت عن أنس مرفوعا «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد» وعن سيار بن هارون عن حميد عن أنس مرفوعا «ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» وعن عائشة مرفوعا «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار» (^٢).\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس، أخبرني أبي وعمي عن جدي عن أبي هريرة ﵁ سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ١١٢، ومسلم في الأدب باب ٣٠، وأبو داود في الأدب باب ١، والترمذي في البر باب ٦٩، وأحمد في المسند ٣/ ٢٧٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٦٤، ٩٠، ١٣٣.","vol":"6","page":307},{"text":"الناس الجنة، فقال «تقوى الله وحسن الخلق». وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال «الأجوفان: الفم والفرج» (^١) وقال أسامة بن شريك: كنت عند رسول الله ﷺ فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال «حسن الخلق» (^٢).\nوقال يعلى بن سماك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء يبلغ به قال: ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق (^٣)، وكذا رواه عطاء عن أم الدرداء به. وعن مسروق عن عبد الله مرفوعا «إن من خياركم أحسنكم أخلاقا» (^٤). حدثنا عبد الله بن أبي بدر، حدثنا محمد بن عيسى عن محمد بن أبي سارة عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق، كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه الأجر ويروح». وعن مكحول عن أبي ثعلبة مرفوعا «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلا في الجنة مساويكم أخلاقا الثرثارون المتشدقون المتفيهقون» (^٥) وعن أبي أويس عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا «ألا أخبركم بأكملكم إيمانا أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يؤلفون ويألفون».\nوقال الليث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة عن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله ﷺ «ما حسن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار». وعن عبد الله بن غالب الحداني عن أبي سعيد مرفوعا «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق». وقال ميمون بن مهران عن رسول الله ﷺ «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق» وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر. قال: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو المغيرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل من قريش قال: قال رسول الله ﷺ «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب. كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل». وقال عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده عن أبي هريزة مرفوعا «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق». وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1531>[فصل في ذم الكبر]</span>\nقال علقمة عن ابن مسعود رفعه «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر، ولا يدخل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٩١، ٣٩٣.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٧٨.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٤٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الأدب باب ٣٩، ومسلم في الفضائل حديث ٦٨، والترمذي في البر باب ٤٧، وأحمد في المسند ٢/ ٦١، ١٨٩، ١٩٣، ٢١٨.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٩٣.","vol":"6","page":308},{"text":"النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان» (^١) وقال إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو مرفوعا «من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، أكبه الله على وجهه في النار» حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية عن عمر بن راشد عن إياس بن سلمة عن أبيه مرفوعا «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم من العذاب» (^٢).\nوقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود ﵉ ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن، فرفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر، فسمعوا صوتا لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسف به أبعد مما رفع قال: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه فيقول: خرج من مجرى البول مرتين.\nوقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار، ثم تلا ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ وقال الحسن: عجبا لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين، ثم يتكبر يعارض جبار السموات. قال: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد عن علي بن الحسن عن الضحاك بن سفيان، فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم وقال الحسن عن يحيى عن أبي قال: إن مطعم بن آدم ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه.\nوقال محمد بن الحسين بن علي-من ولد علي ﵁-ما دخل قلب رجل شيء من الكبر، إلا نقص من عقله بقدر ذلك.\nوقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق. ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته، وذلك قبل أن يستخلف، فطعن طاوس في جنبه بإصبعه، وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء؟ فقال له كالمعتذر إليه: يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كانت بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلمون هذه المشية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1532>[فصل في الاختيال]</span>\nعن أبي ليلى عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعا «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤١٢، ٤٥١، والترمذي في البر باب ٦١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في البر باب ٦١.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٩، ١٠.","vol":"6","page":309},{"text":"ورواه عن إسحاق بن إسماعيل عن سفيان بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا مثله. وحدثنا محمد بن بكار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره (^١)، و«بينما رجل يتبختر في برديه أعجبته نفسه خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» (^٢) وروى الزهري عن سالم عن أبيه بينما رجل إلى آخره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1533>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٠ إلى ٢١]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾\nيقول تعالى منبها خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة بأنه سخر لهم ما في السموات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعله إياها لهم سقفا محفوظا، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة الشبه والعلل، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله، أي في توحيده وإرساله الرسل ومجادلته في ذلك بغير علم.\nولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي مبين مضيء ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي لهؤلاء المجادلين في توحيد الله ﴿اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي على رسوله من الشرائع المطهرة ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] أي فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1534>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]</span>\n﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي في عمله باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في اللباس باب ٥، ٢٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في اللباس حديث ٥٠، ٥١، وأحمد في المسند ٢/ ٥٣١.","vol":"6","page":310},{"text":"أي فقد أخذ موثقا من الله متينا لا يعذبه ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أي لا تحزن عليهم يا محمد في كفرهم بالله وبما جئت به، فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا، أي فيجزيهم عليه ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية، ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ أي في الدنيا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي نلجئهم ﴿إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أي فظيع صعب مشق على النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1535>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]</span>\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السموات والأرض وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أي إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هو خلقه وملكه ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي الغني عما سواه. وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في السموات والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1536>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]</span>\n﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (^١) فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ أي ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما وجعل البحر مدادا وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام ونفذ ماء البحر، ولو جاء أمثالها مددا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٢٢٢، وأبو داود في الصلاة باب ١٤٨، والوتر باب ٥، والترمذي في الدعوات باب ٧٥، ١١٢، والنسائي في الطهارة باب ١١٩، والتطبيق باب ٤٧، ٧١، وقيام الليل باب ٥١، وابن ماجة في الدعاء باب ٣، والإقامة باب ١١٧، ومالك في مسّ القرآن حديث ٣١، وأحمد في المسند ١/ ٦٦، ١١٨، ١٥٠، ٦/ ٥٨، ٢٠١.","vol":"6","page":311},{"text":"وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر ولا أن ثم سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم كما يقوله من تلقاه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] فليس المراد بقوله ﴿بِمِثْلِهِ﴾ آخر فقط بل بمثله ثم بمثله، ثم بمثله ثم هلم جرا، لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته.\nقال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلاما، وجعل البحر مدادا، وقال الله إن من أمري كذا ومن أمري كذا، لنفد ماء البحر وتكسرت الأقلام. وقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ أي لو كان شجر الأرض أقلاما ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه.\nوقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك ﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ الآية، يقول: لو كان البحر مدادا لكلمات الله، والأشجار كلها أقلاما، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول.\nوقد روي أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن أحبار يهود قالوا لرسول الله ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله ﷺ «كلاكما» قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ «إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم» وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك ﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ الآية، وهكذا روي عن عكرمة وعطاء بن يسار، وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية، لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم.\nوقوله ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه، حكيم في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شؤونه.\nوقوله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أي ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة خلق نفس واحدة، الجميع هين عليه، ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٥] أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكيده ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٢ - ١٣] وقوله ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة، ولهذا قال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ الآية.","vol":"6","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1537>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى أنه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ﴾ يعني يأخذ منه في النهار فيطول ذاك، ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف، يطول النهار إلى الغاية، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في الشتاء ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل إلى غاية محدودة، وقيل إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين صحيح، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر ﵁ الذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال «يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال «فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت» (^١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال:\nالشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك القمر، إسناده صحيح.\nوقوله ﴿وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ كقوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: ٧٠] ومعنى هذا أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآية. وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ﴾ أي إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق، أي الموجود الحق الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل، فإنه الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه، لأن كل ما في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابا لعجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى:\n﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أي العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، فكل خاضع حقير بالنسبة إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1538>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٣١ إلى ٣٢]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾\nيخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي بلطفه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت، ولهذا قال ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ﴾ أي من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٦، باب ١، وبدء الخلق باب ٤، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٠.","vol":"6","page":313},{"text":"قدرته ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أي صبار في الضراء شكور في الرخاء، ثم قال تعالى: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي كالجبال والغمام ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال تعالى:\n﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] الآية.\nثم قال تعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال مجاهد: أي كافر كأنه فسر المقتصد هاهنا بالجاحد، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]. وقال ابن زيد: هو المتوسط في العمل، وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] الآية، فالمقتصد هاهنا هو المتوسط في العمل، ويحتمل أن يكون مرادا هنا أيضا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه بالخلاص كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا والحالة هذه والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ فالختار هو الغدار، قاله مجاهد والحسن وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم: وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والختر أتم الغدر وأبلغه. قال عمرو بن معد يكرب: [الوافر] وإنك لو رأيت أبا عمير … ملأت يديك من غدر وختر (^١)\nوقوله ﴿كَفُورٍ﴾ أي جحود للنعم لا يشكرها بل يتناساها ولا يذكرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1539>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاِخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾\nيقول تعالى منذرا للناس يوم المعاد، وآمرا لهم بتقواه والخوف منه والخشية من يوم القيامة حيث ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي لو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه. لم يقبل منه، ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ يعني الشيطان. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة، فإنه يغر ابن آدم ويعده ويمنيه، وليس من ذلك شيء بل كان ما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].\nقال وهب بن منبه: قال عزيز ﵇: لما رأيت بلاء قومي، اشتد حزني وكثر همي وأرق نومي، فضرعت إلى ربي وصليت وصمت، فأنا في ذلك أتضرع أبكي، إذ أتاني الملك فقلت له، أخبرني هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة أو الآباء لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها\n_________\n(^١) البيت لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص ١٠٩، وتفسير الطبري ١٠/ ٢٢٤، وتفسير البحر المحيط ٧/ ١٧٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤/ ٥٤.","vol":"6","page":314},{"text":"فصل القضاء، وملك ظاهر ليس فيه رخصة لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد به غيره، ولا يحزن لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان، كل يهمه همه، ويبكي عوله، ويحمل وزره، ولا يحمل وزره معه غيره، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1540>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾\nهذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى أو شقيا أو سعيدا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدا في دنياها وأخراها ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] الآية. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، سمعت أبي بريدة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «خمس لا يعلمهن إلا الله ﷿ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجوه.\n[حديث ابن عمر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» انفرد بإخراجه البخاري (^٣)، فرواه في كتاب الاستسقاء في صحيحه عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان بن سعيد الثوري به. ورواه في التفسير من وجه آخر، فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٥٣.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٤، ٥٢، ٥٨.\n(^٣) كتاب الاستسقاء باب ٢٩.","vol":"6","page":315},{"text":"عبد الله بن عمر أن أباه حدثه أن عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ «مفاتيح الغيب خمس» ثم قرأ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ (^١) انفرد به أيضا. ورواه الإمام أحمد (^٢) عن غندر عن شعبة عن عمر بن محمد أنه سمع أباه يحدث عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾».\n[حديث ابن مسعود] ﵁. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله: أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وكذا رواه عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة به. وزاد في آخره. قال: قلت له أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم، أكثر من خمسين مرة، ورواه أيضا عن وكيع عن مسعر عن عمرو بن مرة به. وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن، ولم يخرجوه.\n[حديث أبي هريرة] قال البخاري (^٤) عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق عن جرير عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يوما بارزا للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر» قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال:\nيا رسول الله ما الإحسان؟ قال «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله، ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ الآية، ثم انصرف الرجل فقال «ردوه علي» فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئا، فقال:\n«هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم» ورواه البخاري أيضا في كتاب الإيمان (^٥)، ومسلم (^٦) عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣١، باب ١.\n(^٢) المسند ٢/ ٨٥، ٨٦.\n(^٣) المسند ١/ ٣٨٦، ٤٣٨، ٤٤٥.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣١، باب ١.\n(^٥) باب ٣٧.\n(^٦) كتاب الإيمان حديث ٥، ٧.","vol":"6","page":316},{"text":"طرق عن أبي حيان به. وقد تكلمنا عليه في أول شرح البخاري، وذكرنا ثم حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله، وهو من أفراد مسلم.\n[حديث ابن عباس] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا عبد الله بن عباس ﵄، قال: جلس رسول الله ﷺ مجلسا فأتاه جبريل، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ واضعا كفيه على ركبتي النبي ﷺ فقال يا رسول الله:\nحدثني ما الإسلام؟ قال رسول الله ﷺ «الإسلام أن تسلم وجهك لله ﷿، وتشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال «إذا فعلت ذلك فقد أسلمت» قال: يا رسول الله، فحدثني ما الإيمان؟ قال «الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين، وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار، والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كله: خيره وشره» قال فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال «إذا فعلت ذلك فقد آمنت».\nقال: يا رسول الله حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله ﷺ «الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك» قال: يا رسول الله فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ «-سبحان الله-في خمس لا يعلمهن إلا هو ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك-قال: أجل يا رسول الله، فحدثني، قال رسول الله ﷺ: إذا رأيت الأمة ولدت ربتها-أو ربها-ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها» قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء الحفاة الجياع العالة؟ قال «العرب» حديث غريب، ولم يخرجوه.\n[حديث رجل من بني عامر] روى الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن خراش عن رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ﷺ فقال أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمة «اخرجي إليه، فإنه لا يحسن الاستئذان، فقولي له فليقل: السلام عليكم، أأدخل؟» قال: فسمعته يقول ذلك، فقلت: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن لي فدخلت، فقلت: بم أتيتنا به؟ قال «لم آتكم إلا بخير، أتيتكم بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تدعوا اللات والعزى، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات، وأن تصوموا من السنة شهرا، وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم» قال: فقال فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال «قد علم الله ﷿ خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله ﷿: الخمس ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣١٨، ٣١٩.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٦٨، ٣٦٩.","vol":"6","page":317},{"text":"الآية، وهذا إسناد صحيح.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني ما تلد، وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ -إلى قوله- ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ قال مجاهد: وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١) وقال الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ أنها قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهنّ ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة، أو في أي شهر، أو ليل أو نهار ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلا أو نهارا ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، وما هو ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت لعلك الميت غدا، لعلك المصاب غدا ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر أو سهل أو جبل (^٣).\nوقد جاء في الحديث «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة» فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير في مسند أسامة بن زيد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي المليح عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ «ما جعل الله ميتة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة».\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن أبي إسحاق عن مطر بن عكاش قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قضى الله ميتة عبد بأرض جعل له إليها حاجة» (^٤) وهكذا رواه الترمذي في القدر من حديث سفيان الثوري به، ثم قال: حسن غريب، ولا يعرف لمطر عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وقد رواه أبو داود في المراسيل، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن أبي المليح بن أسامة عن أبي عزة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٢٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٢٢٧.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٢٢٦.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٢٧.\n(^٥) المسند ٣/ ٤٢٩.","vol":"6","page":318},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها-أو قال-بها حاجة» وأبو عزة هذا هو يسار بن عبيد الله، ويقال ابن عبد الهذلي. وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن علية، وقال: صحيح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني، حدثنا المؤمل بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ -إلى- ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\n[حديث آخر] قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ومحمد بن يحيى القطعي قالا: حدثنا عمر بن علي، حدثنا إسماعيل عن قيس عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة» ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرفعه إلا عمر بن علي المقدمي. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي مسيح قال: أنشدني محمد بن الحكم لأعشى همدان [البسيط]:\nفما تزود مما كان يجمعه … سوى حنوط غداة البين مع خرق\nوغير نفحة أعواد تشب له … وقل ذلك من زاد لمنطلق\nلا تأسين على شيء فكل فتى … إلى منيته سيار في عنق\nوكل من ظن أن الموت يخطئه … معلل بأعاليل من الحمق (^١)\nبأيما بلدة تقدر منيته … إن لا يسير إليها طائعا يسق\nأورده الحافظ ابن عساكر ﵀ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، وهو أعشى همدان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مزوج بأخت الشعبي أيضا، وقد كان ممن طلب العلم والتفقه، ثم عدل إلى صناعة الشعر فعرف به، وقد روى ابن ماجة عن أحمد بن ثابت وعمر بن شبة، كلاهما عن عمر بن علي مرفوعا: «إذا كان أجل أحدكم بأرض أو ثبته له إليها حاجة، فإذا بلغ أقصى أثره قبضه الله ﷿، فتقول الأرض يوم القيامة: رب هذا ما أودعتني» (^٢)، قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن أيوب عن أبي المليح عن أسامة أن رسول الله ﷺ قال «ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل له إليها حاجة».\n_________\n(^١) لأبي دؤاد الأيادي بيت له نفس الصدر وهو: وكل من ظن أن الموت مخطئه معلّل بسواء الحقّ مكذوب والبيت في ديوان أبي دؤاد ص ٢٩٤، والإنصاف ص ٢٩٥، وخزانة الأدب ٣/ ٤٣٨، وشرح المفصل ٢/ ٨٤، وهو بلا نسبة في الدرر ٣/ ٩٣، وشرح الأشموني ١/ ٢٣٥، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٢.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣١، بلفظ «استودعتني» بدل «أودعتني».","vol":"6","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1541>سورة السجدة</span>\nوهي مكية\nروى البخاري (^١) في كتاب الجمعة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن سعد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة الم تنزيل السجدة و﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ [الإنسان: ١] ورواه مسلم (^٢) أيضا من حديث سفيان الثوري به. وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا الحسن بن صالح عن ليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك، تفرد به أحمد.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1542>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك فيه ولا مرية أنه منزل ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال تعالى مخبرا عن المشركين أم ﴿يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي اختلقه من تلقاء نفسه ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي يتبعون الحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1543>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٤ إلى ٦]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾\nيخبر تعالى أنه خالق للأشياء فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ أي بل هو.\nالمالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يعني أيها العابدون غيره المتوكلون\n_________\n(^١) كتاب الجمعة باب ١٠.\n(^٢) كتاب الجمعة حديث ٦٤، ٦٥، ٦٦.\n(^٣) المسند ٣/ ٣٤٠.","vol":"6","page":320},{"text":"على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو وزير أو نديد أو عديل، لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوقد أورد النسائي هاهنا حديثا فقال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني محمد بن الصباح، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا الأخضر بن عجلان عن أبي جريج المكي عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال «إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض: أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث» هكذا أورد هذا الحديث إسنادا ومتنا، وقد أخرج مسلم والنسائي أيضا من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحو من هذا السياق وقد علله البخاري في كتاب التاريخ الكبير فقال: وقال بعضهم:\nأبو هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح، وكذا علله غير واحد من الحفاظ، والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي يتنزل أمره من أعلى السموات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآية، وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة وسمك السماء خمسمائة سنة وقال مجاهد وقتادة والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام وصعوده في مسيرة خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي المدبر لهذه الأمور، الذي هو شهيد على أعمال عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، هو العزيز الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، الرحيم بعباده المؤمنين، فهو عزيز في رحمته رحيم في عزته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1544>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها. وقال مالك عن زيد بن أسلم ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أحسن خلق كل شيء كأنه جعله من المقدم والمؤخر، ثم لما ذكر تعالى خلق السموات والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان، فقال","vol":"6","page":321},{"text":"تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ يعني خلق أبا البشر آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ أي يتناسلون كذلك من نطفة من بين صلب الرجل وترائب المرأة ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ يعني آدم لما خلقه من تراب، خلقا سويا مستقيما ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني العقول ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أي بهذه القوى التي رزقكموها الله ﷿، فالسعيد من استعملها في طاعة ربه ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1545>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾ أي تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت ﴿أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي أإنا لنعود بعد تلك الحال؟ يستبعدون ذلك، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة، كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة إبراهيم، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور، قاله قتادة وغير واحد وله أعوان، وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم وتناولها ملك الموت، قال مجاهد:\nحويت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها متى يشاء، ورواه زهير بن محمد عن النبي ﷺ بنحوه مرسلا، وقاله ابن عباس ﵄.\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمر بن سمرة عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي ﷺ «يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» فقال ملك الموت: يا محمد طب نفسا وقر عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها.\nقال جعفر: بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان، ولقنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله في تلك الحال العظيمة. وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال سمعت مجاهدا يقول: ما على ظهر الأرض من بيت شعر أو مدر إلا","vol":"6","page":322},{"text":"وملك الموت يطوف به كل يوم مرتين. وقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1546>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٢ إلى ١٤]</span>\n﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾\nيخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة وقالهم حين عاينوا البعث وقاموا بين يدي الله ﷿، حقيرين ذليلين ناكسي رؤوسهم، أي من الحياء والخجل يقولون ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ أي نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وهكذا هؤلاء يقولون ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا﴾ أي إلى دار الدنيا ﴿نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ أي قد أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى دار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارا يكذبون بآيات الله ويخالفون رسله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٩] الآية، وقال هاهنا ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي من الصنفين فدارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك، ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به واستبعادكم وقوعه وتناسيكم له إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ أي سنعاملكم معاملة الناسي، لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ [الجاثية:٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي بسبب كفركم وتكذيبكم، كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا﴾ -إلى قوله- ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٣٠].","vol":"6","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1547>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٥ إلى ١٧]</span>\n﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا﴾ أي إنما يصدق بها ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أي استمعوا لها وأطاعوها قولا وفعلا ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي عن أتباعهم والانقياد لها كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ثم قال تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ يعني بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة، قال مجاهد والحسن في قوله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ يعني بذلك قيام الليل.\nوعن أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبي حازم وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين، وعن أنس أيضا: هو انتظار صلاة العتمة. ورواه ابن جرير بإسناد جيد. وقال الضحاك: هو صلاة العشاء في جماعة وصلاة الغداة في جماعة ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي خوفا من وبال عقابه وطمعا في جزيل ثوابه ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومقدم هؤلاء وسيدهم وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله ﷺ، كما قال عبد الله بن رواحة ﵁: [الطويل] وفينا رسول الله يتلو كتابه … إذا انشقّ معروف من الصبح ساطع (^١)\nأرانا الهدى بعد العمى، فقلوبنا … به موقنات أنّ ما قال واقع\nيبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا روح وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب عن مرة الهمذاني عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال «عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته فيقول: ربنا أيا ملائكتي انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله تعالى فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، فيقول الله ﷿ للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ورهبة مما عندي حتى أهريق دمه». وهكذا رواه أبو داود (^٣) في الجهاد عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به بنحوه.\n_________\n(^١) البيت الثالث لعبد الله بن رواحة في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٥/ ٣٦، وروح المعاني ٢٣/ ٤٨، وتفسير البحر المحيط ٧/ ٣٣٠.\n(^٢) المسند ١/ ٤١٦.\n(^٣) كتاب الجهاد باب ٣٦.","vol":"6","page":324},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال «لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت-ثم قال: -ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل-ثم قرأ- ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال-ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ - فقلت: بلى يا رسول الله فقال: -رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروه سنامه الجهاد في سبيل الله.\nثم قال-: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه ثم قال «كف عليك هذا». فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم-أو قال: على مناخرهم-إلا حصائد ألسنتهم» (^٢) ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة في سننهم من طرق عن معمر به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nورواه ابن جرير (^٣) من حديث شعبة عن الحكم قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له «ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل» وتلا هذه الآية ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nورواه أيضا من حديث الثوري عن منصور بن المعتمر عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه. ومن حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ مرفوعا بنحوه. ومن حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر، عن معاذ أيضا عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ قال «قيام العبد من الليل» (^٤).\nوروى ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فطر بن خليفة عن حبيب بن أبي ثابت والحكم وحكيم بن جرير عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ بن\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٣١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الإيمان باب ٨، وابن ماجة في الفتن باب ١٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٤٠.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٢٤١.","vol":"6","page":325},{"text":"جبل قال: كنت مع النبي لله في غزوة تبوك فقال «إن شئت أنبأتك بأبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ الآية، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ -الآية-فيقومون وهم قليل».\nوقال البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا الوليد بن العطاء بن الأغر، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، حدثني مصعب عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: قال بلال: لما نزلت هذه الآية ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ الآية، كنا نجلس في المجلس وناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ ثم قال: لا نعلم روى أسلم عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذه الطريق.\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، أي فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لما أخفوا أعمالهم كذلك أخفى الله لهم من الثواب، جزاء وفاقا، فإن الجزاء من جنس العمل قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم، فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر، رواه ابن أبي حاتم.\nقال البخاري (^١) قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، حدثنا.\nعلي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قال: وحدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال:\nقال الله مثله. قيل لسفيان رواية، قال: فأي شيء (^٢)؟ ورواه مسلم والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nثم قال البخاري (^٣): حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش، حدثنا أبو\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٢، باب ١.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٢، ٤، ٥، والترمذي في تفسير سورة ٣٢، باب ٢.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٢، باب ١.","vol":"6","page":326},{"text":"صالح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرا من بله ما اطلعتم عليه» ثم قرأ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح: قرأ أبو هريرة «قرأت أعين» انفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ «إن الله تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، قال: ورواه الترمذي في التفسير، وابن جرير من حديث عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ بمثله، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقال حماد بن سلمة عن ثابت بن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال حماد:\nأحسبه عن النبي ﷺ قال «من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (^٣) رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به.\nوروى الإمام أحمد (^٤): حدثنا هارون، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر أن أبا حازم حدثه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول: شهدت مع رسول الله ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» ثم قرأ هذه الآية ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ -إلى قوله- ﴿يَعْمَلُونَ﴾ وأخرجه مسلم (^٥) في صحيحه عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد، كلاهما عن ابن وهب به.\nوقال ابن جرير (^٦): حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا سلام بن أبي مطيع عن قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ يروي عن ربه ﷿ قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣٥، وبدء الخلق باب ٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣١٢، والترمذي في تفسير سورة ٣٢، باب ٢.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٠/ ٢٤٤، ومسلم في الجنة حديث ٢.\n(^٤) المسند ٥/ ٣٣٤.\n(^٥) كتاب الجنة حديث ٣، ٤.\n(^٦) تفسير الطبري ١٠/ ٢٤٣.","vol":"6","page":327},{"text":"على قلب بشر لم يخرجوه.\nوقال مسلم (^١) أيضا في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر وغيره، حدثنا سفيان، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن سعيد، سمعا الشعبي يخبر عن المغيرة بن شعبة قال: سمعته على المنبر يرفعه إلى النبي ﷺ قال: سأل موسى ﵇ ربه ﷿: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول:\nأي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله، ومثله فقال في الخامسة، رضيت رضيت ربي، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه من كتاب الله ﷿ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، ورواه الترمذي (^٢) عن ابن أبي عمر وقال: حسن صحيح. قال: ورواه بعضهم عن الشعبي عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير المدائني، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا زياد بن خيثمة عن محمد بن جحادة عن عامر بن عبد الواحد قال، بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول: قد ان لك أن يكون لنا منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد، فيمكث معها سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول له: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا التي قال الله ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.\nوقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال: تدخل عليهم الملائكة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ويخبرون أن الله عنهم راض. وروى ابن جرير (^٣): حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن أبي اليمان الهوزني أو غيره، قال: الجنة مائة درجة، أولها درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها المسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك، والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها\n_________\n(^١) كتاب الإيمان حديث ٣١٢.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٢، باب ٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٤٣.","vol":"6","page":328},{"text":"اللؤلؤ، وآنيتها اللؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم تلا هذه الآية ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر بن سليمان عن الحكم بن أبان عن الغطريف عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي ﷺ عن الروح الأمين قال «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ينقص بعضها من بعض، فإن بقيت حسنة واحدة وسع الله له في الجنة، قال: فدخلت على بزداد فحدث بمثل هذا الحديث، قال: فقلت فأين ذهبت الحسنة؟ قال ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ الآية، قلت: قوله تعالى:\n﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قال: العبد يعمل سرا أسره إلى لله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1548>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٨ إلى ٢٢]</span>\n﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾\nيخبر تعالى عن عدله وكرمه أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمنا بآياته متبعا لرسله، بمن كان فاسقا أي خارجا عن طاعة ربه، مكذبا لرسل الله إليه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] وقال تعالى:\n﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] الآية، ولهذا قال تعالى هاهنا ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ أي عند الله يوم القيامة.\nوقد ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي معيط، ولهذا فصل حكمهم فقال ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا بمقتضاها وهي الصالحات ﴿فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى﴾ أي التي فيها المساكن والدور والغرف العالية ﴿نُزُلًا﴾ أي ضيافة وكرامة ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أي خرجوا عن الطاعة فمأواهم النار، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، كقوله ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] الآية قال الفضيل بن عياض: «والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم، والملائكة تقمعهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٤٣.","vol":"6","page":329},{"text":"﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾ قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. وروي مثله عن أبي بن كعب وأبي العالية والحسن وإبراهيم النخعي والضحاك وعلقمة وعطية ومجاهد وقتادة وعبد الكريم الجزري وخصيف. وقال ابن عباس في رواية عنه: يعني به إقامة الحدود عليهم. وقال البراء بن عازب ومجاهد وأبو عبيدة: يعني به عذاب القبر. وقال النسائي، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة عن عبد الله ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾ قال: سنون أصابتهم.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن عروة عن الحسن العوفي عن يحيى الجزار، عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب في هذه الآية ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾ قال: القمر والدخان قد مضيا والبطشة واللزام (^١)، ورواه مسلم من حديث شعبة به موقوفا نحوه. وعند البخاري (^٢) عن ابن مسعود نحوه. وقال عبد الله بن مسعود أيضا في رواية عنه: العذاب الأدنى ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم. قال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأصيبوا أو غرموا، ومنهم من جمع له الأمران.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها﴾ أي لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها.\nقال قتادة: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوز، وعظم من أعظم الذنوب، ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام.\nوروى ابن جرير (^٣): حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله عن عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله يقول: ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم ينصره فقد أجرم، يقول الله تعالى: ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش به وهذا حديث غريب جدا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صفات المنافقين حديث ٤٢، وأحمد في المسند ٥/ ١٢٨.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤٤، باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٤٩.","vol":"6","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1549>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله موسى ﵇ أنه آتاه الكتاب، وهو التوراة، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء، ثم روي عن أبي العالية الرياحي قال: حدثني ابن عم نبيكم، يعني ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكا خازن النار والدجال» في آيات أراهن الله إياه ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا روح بن عبادة. حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي العالية، عن ابن عباس عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ قال: جعل موسى هدى لبني إسرائيل، وفي قوله ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ قال: من لقاء موسى ربه ﷿. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أي الكتاب الذي آتيناه ﴿هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ كما قال تعالى في سورة الإسراء ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢].\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ أي لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم لما بدلوا وحرفوا وأولوا، سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عملا صالحا ولا اعتقادا صحيحا، ولهذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ﴾ قال قتادة وسفيان: لما صبروا عن الدنيا وكذلك قال الحسن بن صالح قال سفيان:\nهكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماما يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا قال وكيع:\nقال سفيان: لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز.\nوقال ابن بنت الشافعي: قرأ أبي على عمي أو عمي على أبي: سئل سفيان عن قول علي ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ألم تسمع قوله ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤساء. قال بعض العلماء:\nبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾","vol":"6","page":331},{"text":"الآية، كما قال هنا ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي من الاعتقادات والأعمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1550>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾\nيقول تعالى: أو لم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم إياهم فيما جاءوهم به من قويم السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] ولهذا قال ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ أي هؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين، فلا يرون منها أحدا ممن يسكنها ويعمرها، ذهبوا منها ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] كما قال ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] وقال ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٥ - ٤٦] ولهذا قال هاهنا ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم، لآيات وعبرا ومواعظ ودلائل متناظرة ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ أي أخبار من تقدم كيف كان أمرهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يبين تعالى لطفه بخلقه وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح، وهو ما تحمله الأنهار ويتحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ وهي التي لا نبات فيها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] أي يبسا لا تنبت شيئا، وليس المراد من قوله ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست هي المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء وذلك الطين أيضا، لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداء.\nقال ابن لهيعة عن قيس بن حجاج عمن حدثه قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص، حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها قال: وما ذاك؟ قالوا: إن كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر","vol":"6","page":332},{"text":"بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤونة والنيل لا يجري حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل.\nفلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، قد قطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب السنة له، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٤ - ٣١] الآية، ولهذا قال هاهنا ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾.\nوقال ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عباس في قوله ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: هي التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا إلا ما يأتيها من السيول، وعن ابن عباس ومجاهد: هي أرض باليمن، وقال الحسن ﵀: هي قرى بين اليمن والشام. وقال عكرمة والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد: الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي مغبرة، قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾ الآيتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1551>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]</span>\n﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن استعجال الكفار ووقوع بأس الله بهم، وحلول غضبه ونقمته عليهم، استبعادا وتكذيبا وعنادا ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ﴾ أي متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتا علينا وينتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ أي إذا حل بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣ - ٨٥] الآيتين.\nومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله ﷺ إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾","vol":"6","page":333},{"text":"وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل كقوله ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٨] الآية، وكقوله ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٢٦] الآية، وقال تعالى:\n﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] وقال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال:١٩].\nثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي أعرض عن هؤلاء المشركين، وبلغ ما أنزل إليك من ربك، كقوله: ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ [الأنعام:١٠٦] الآية، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعد وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد. وقوله ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي أنت منتظر وهم منتظرون ويتربصون بكم الدوائر ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غب ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\nآخر تفسير سورة السجدة ولله الحمد والمنة.","vol":"6","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1552>سورة الأحزاب</span>\nوهي مدنية\nقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر قال: قال لي أبي بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدها؟ قال: قلت ثلاثا وسبعين آية، فقال: قط لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالا من الله، والله عليم حكيم (^١)، ورواه النسائي من وجه آخر عن عاصم وهو ابن أبي النجود، وهو ابن بهدلة به، وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا، والله أعلم.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1553>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٣)﴾\nهذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأخرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله وقوله:\n﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ أي لا تسمع منهم ولا تستشرهم ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي من قرآن وسنة ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي فلا تخفى عليه خافية، وتوكل على الله، أي في جميع أمورك وأحوالك ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي وكفى به وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1554>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤ إلى ٥]</span>\n﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾\nيقول تعالى موطئا قبل المقصود المعنوي أمرا معروفا حسيا، وهو أنه كما لا يكون\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٣٢.","vol":"6","page":335},{"text":"للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله أنت علي كظهر أمي أما له، كذلك لا يصير الدعي ولدا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له، فقال ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ كقوله ﷿ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة ﵁ مولى النبي ﷺ، كان النبي ﷺ قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ كما قال تعالى في أثناء السورة ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال هاهنا ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون أبوان كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ قال سعيد بن جبير ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي العدل، وقال قتادة ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أي الصراط المستقيم.\nوقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين، وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما بعقل وافر، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليه. هكذا روى العوفي عن ابن عباس، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة واختاره ابن جرير.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن، حدثنا زهير عن قابوس يعني ابن أبي ظبيان، قال: إن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله ﷺ يوما يصلي فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين: قلبا معكم وقلبا معهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وهكذا رواه الترمذي (^٢) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن صاعد الحراني، عن عبد بن حميد وعن أحمد بن يونس، كلاهما عن زهير وهو ابن معاوية به.\nثم قال: وهذا حديث حسن، وكذا رواه ابن جرير وابن حاتم من حديث زهير به.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ قال بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثل: يقول ليس ابن رجل آخر ابنك (^٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد أنها نزلت في زيد بن حارثة ﵁، وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير والله ﷾ أعلم. وقوله ﷿ ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٦٧، ٢٦٨.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ١.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٢٥٦.","vol":"6","page":336},{"text":"الأدعياء، فأمر ﵎ برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر.\nقال البخاري ﵀: حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة قال: حدثني سالم عن عبد الله بن عمر قال: إن زيد بن حارثة ﵁ مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ (^١) وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن موسى بن عقبة به. وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة ﵄: يا رسول الله إنا كنا ندعو سالما ابنا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل علي وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال ﷺ «أرضعيه تحرمي عليه» (^٢) الحديث.\nولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح ﵎ زوجة الدعي، وتزوج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة ﵁، وقال ﷿ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقال ﵎ في آية التحريم ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احترازا عن زوجة الدعي فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعا بقوله ﷺ في الصحيحين «حرّموا من الرضاعة ما يحرم من النسب» (^٣).\nفأما دعوة الغير ابنا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهى عنه في هذه الآية بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس ﵄ قال: قدّمنا على رسول الله ﷺ أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول «أبينيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» (^٤) قال أبو عبيدة وغيره: أبينيّ تصغير بني وهذا ظاهر الدلالة، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر.\nوقوله ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ في شأن زيد بن حارثة ﵁، وقد قتل في يوم مؤتة سنة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٣، باب ٢، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٦٢، والترمذي في تفسير سورة ٣٣، باب ٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في الرضاع حديث ٢٦، ٢٨، ٣٠، وأبو داود في النكاح باب ٩، والنسائي في النكاح باب ٩، والنسائي في النكاح باب ٥٣، وأحمد في المسند ٦/ ١٧٤، ٢٢٨، ٢٤٩، ٢٦٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٣، باب ٩، ومسلم في الرضاع حديث ٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في المناسك باب ٦٥، والنسائي في المناسك باب ٢٢٢، وابن ماجة في المناسك باب ٦٢، وأحمد في المسند ١/ ٢٣٤، ٣٤٣.","vol":"6","page":337},{"text":"ثمان، وأيضا ففي صحيح مسلم من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري عن الجعد أبي عثمان البصري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يا بني» ورواه أبو داود والترمذي.\nوقوله ﷿ ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾ أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا فهم إخوانهم في الدين ومواليهم، أي عوضا عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله ﷺ يوم خرج من مكة عمرة القضاء وتبعتهم ابنة حمزة ﵂ تنادي، يا عم يا عم، فأخذها علي ﵁ وقال لفاطمة ﵂: دونك ابنة عمك، فاحتملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ﵃ في أيهم يكفلها، فكل أدلى بحجة، فقال علي ﵁: أنا أحق بها وهي ابنة عمي: وقال زيد: ابنة أخي، وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي وخالتها تحتي، يعني أسماء بنت عميس، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال «الخالة بمنزلة الأم» (^١) وقال لعلي ﵁ «أنت مني وأنا منك» (^٢). وقال لجعفر ﵁ «أشبهت خلقي وخلقي» (^٣). وقال لزيد ﵁ «أنت أخونا ومولانا» ففي الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه ﷺ حكم بالحق، وأرضى كلا من المتنازعين. وقال لزيد ﵁ «أنت أخونا ومولانا» (^٤). كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال أبو بكرة ﵁: قال الله ﷿ ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾ فأنا ممن لا يعرف أبوه فأنا من إخوانكم في الدين، قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارا لانتمى إليه، وقد جاء في الحديث «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه كفر» (^٦) وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم، ولهذا قال تعالى: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصلح باب ٦، والمغازي باب ٤٣، وأبو داود في الطلاق باب ٣٥، والترمذي في البر باب ٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الصلح باب ٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في الصلح باب ٦، وفضائل أصحاب النبي باب ١٠، والترمذي في المناقب باب ٢٩.\n(^٤) أخرجه البخاري في الصلح باب ٦.\n(^٥) تفسير الطبري ١٠/ ٢٥٧.\n(^٦) أخرجه البخاري في المناقب باب ٥.","vol":"6","page":338},{"text":"الحقيقة خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن الله تعالى قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله ﵎ آمرا عباده أن يقولوا ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﷿: قد فعلت» (^١). وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» (^٢). وفي حديث آخر «إن الله ﵎ رفع عن أمتي الخطأ. والنسيان وما يكرهون عليه» (^٣) وقال ﵎ هاهنا ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي وإنما الإثم على من تعمد الباطل، كما قال ﷿ ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ الآية. وفي الحديث المتقدم «ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر». وفي القرآن المنسوخ: فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم.\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس عن عمر ﵃ أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال قد كنا نقرأ ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم وأن رسول الله ﷺ قال «لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم ﵊ فإنما أنا عبد الله، فقولوا عبده ورسوله» وربما قال معمر «كما أطرت النصارى ابن مريم» ورواه في الحديث الآخر «ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1555>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]</span>\n﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦)﴾\nقد علم الله تعالى شفقة رسوله على أمته ونصحة لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مقدما على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وفي الصحيح «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٩٩، ٢٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢٠.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الطلاق باب ١٦.\n(^٤) المسند ١/ ٤٧.\n(^٥) أخرجه مسلم في الجنائز حديث ٢٩، وأحمد في المسند ٥/ ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤.","vol":"6","page":339},{"text":"وولده والناس أجمعين» (^١). وفي الصحيح أيضا أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي، فقال ﷺ «الآن يا عمر» (^٢) ولهذا قال تعالى في هذه الآية ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.\nوقال البخاري (^٣) عند هذه الآية الكريمة: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح، حدثنا أبي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» تفرد به البخاري ورواه أيضا في الاستقراض، وابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم من طرق عن فليح به مثله، ورواه أحمد (^٥) من حديث أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ بنحوه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ كان يقول «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينا فإليّ، ومن ترك مالا فهو لورثته» (^٦) ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه.\nوقال تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أي في الحرمة والاحترام، والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين كما هو منصوص الشافعي ﵁ في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية وأمثاله خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء ﵃، ونص الشافعي ﵁ على أنه يقال ذلك، وهل يقال لهن أمهات المؤمنين فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغييبا؟ وفيه قولان، صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵁.\nوقد روي عن أبي كعب وابن عباس ﵄ أنهما قرءا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٨، ومسلم في الإيمان حديث ٦٩، ٧٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٨.\n(^٣) كتاب الاستقراض وأداء الديون باب ١١، وتفسير سورة ٣٣، في الترجمة، باب ١.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٢٥٨.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٩٦.\n(^٦) أخرجه أبو داود في البيوع باب ٩، والفرائض باب ٨، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٨، ٣٣٥، ٤٦٤.","vol":"6","page":340},{"text":"«النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم». وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي ﵁، حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه». وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة (^١). وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث ابن عجلان، والوجه الثاني أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ أي في حكم الله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره من السلف والخلف. وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثا عن الزبير بن العوام فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي من ساكني بغداد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام ﵁ قال:\nأنزل الله ﷿ فينا خاصة معشر قريش والأنصار ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم ووارثناهم، فآخى أبو بكر ﵁ خارجة بن زيد، وآخى عمر ﵁ فلانا، وآخى عثمان ﵁ رجلا من بني زريق بن سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير ﵁: وواخيت أنا كعب بن مالك فجئته فابتعلته، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، والله يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ أي ذهب الميراث وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية. وقوله تعالى: ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أي هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدل ولا يغير، قاله مجاهد وغير واحد، وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ٤١، والنسائي في الطهارة باب ٣٥، وابن ماجة في الطهارة باب ١٦، والدارمي في الطهارة باب ١٤، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٧، ٢٥٠.","vol":"6","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1556>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧ إلى ٨]</span>\n﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٨)﴾\nيقول الله تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله تعالى، وإبلاغ رسالته والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا، ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام.\nوقد صرح بذكرهم أيضا في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣] فذكر الطرفين، والوسط الفاتح، والخاتم، ومن بينهما على الترتيب، فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فبدأ في هذه الآية بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية. قال النبي ﷺ «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم» سعيد بن بشير فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا: والله علم.\nوقال أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد حدثنا حمزة الزيات، حدثنا عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وخيرهم محمد ﷺ.\nموقوف وحمزة فيه ضعف، وقد قيل إن المراد بهذا الميثاق الذي أحذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم ﵊، كما قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم يعني ذريته، وأن فهيم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لو سويت بين عبادك، فقال: إني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وهذا قول مجاهد أيضا، وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ العهد.","vol":"6","page":342},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن الرسل.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ أي من أممهم ﴿عَذابًا أَلِيمًا﴾ أي موجعا فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق الجلي الذي لا لبس فيه ولا شك ولا امتراء، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، فما جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1557>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا، وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى بن عقبة وغيره: كان في سنة أربع، وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرا من أشراف يهود بن النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة إلى خيبر، منهم سلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب النبي ﷺ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضا.\nوخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها وقائدها أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم، أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسي ﵁، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول الله ﷺ التراب وحفر، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبا من أحد، ونزلت طائفة منهم أعالي أرض المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين وهم نحو ثلاثة آلاف، وقيل سبعمائة، فأسندوا ظهورهم إلى سلع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الخيالة والرجال أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام المدينة، وكانت بنو قريظة وهم طائفة من اليهود لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي ﷺ وذمة وهم قريب من ثمانمائة مقاتل.\nفذهب إليهم حيي بن أخطب النضري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد ومالؤوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، فعظم الخطب واشتد الأمر وضاق الحال، كما قال الله ﵎:\n﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ومكثوا محاصرين للنبي ﷺ","vol":"6","page":343},{"text":"وأصحابه قريبا من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم ولم يقع بينهم قتال، إلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية، ركب ومعه فوارس، فاقتحموا الخندق وخلصوا إلى ناحية المسلمين، فندب رسول الله ﷺ خيل المسلمين إليه، فيقال إنه لم يبرز أحد فأمر عليا ﵁ فخرج إليه فتجاولا ساعة ثم قتله علي ﵁، فكان علامة النصر.\nثم أرسل الله ﷿ على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء، ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين، كما قال الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا﴾ قال مجاهد: وهي الصبا، ويؤيده الحديث الآخر: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن عكرمة قال قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله ﷺ، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل، قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا.\nورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، فذكره.\nوقال ابن جرير (^٣) أيضا: حدثنا يونس حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون ﵁ ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لي وقال «من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا» قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي ﷺ قال: فما يلوي أحد منهم عنق، قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه علي، وكان فيه حديد، قال:\nفضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي فأبعدها إلى الأرض.\nوقوله ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إلي، فيجتمعون إليه، فيقول: النجاء، النجاء لما ألقى الله ﷿ في قلوبهم من الرعب. وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب ٢٦، والمغازي باب ٢٩، وبدء الخلق باب ٥، والأنبياء باب ١، ومسلم في الاستسقاء حديث ١٧، وأحمد في المسند ١/ ٢٢٣، ٢٢٨، ٣٢٤، ٣٤١، ٣٥٥، ٣٧٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٢٦٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٦٣.","vol":"6","page":344},{"text":"القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان ﵁: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا.\nقال: قال حذيفة ﵁: يا ابن أخي والله لو رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى رسول الله ﷺ هويا من الليل، ثم التفت فقال «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ -يشترط له النبي ﷺ أن يرجع-أدخله الله الجنة» قال: فما قام رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هويا من الليل (^١). ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل.\nثم صلى رسول الله ﷺ هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ -يشترط له رسول الله ﷺ الرجعة-أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة» فما قام من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال ﷺ «يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنّ شيئا حتى تأتينا».\nقال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله ﷿ تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قرارا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش، لينظر كل امرئ من جليسه، قال حذيفة ﵁: فأخذت بيد الرجل إلى جنبي فقلت: من أنت؟ فقال:\nأن فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني لو شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة ﵁: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد، وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم (^٢).\nوقد رواه مسلم (^٣) في صحيحه من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان ﵁ فقال له رجال: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت،\n_________\n(^١) هويا من الليل: أي جزءا من الليل.\n(^٢) انظر الأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣١، ٢٣٢، وأخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٩٢، ٣٩٣.\n(^٣) كتاب الجهاد حديث ٩٩.","vol":"6","page":345},{"text":"فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ «ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة» فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله، ثم قال ﷺ «يا حذيفة قم فأتنا بخبر من القوم» فلم أحد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم فقال: «ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي» قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ، لا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، قال:\nفرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله ﷺ، ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت، فأخبرت رسول الله ﷺ وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى الصبح، فلما أصبحت قال رسول الله ﷺ: «قم يا نومان».\nورواه يونس بن بكير عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: إن رجلا قال لحذيفة ﵁: نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله ﷺ، إنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره، فقال حذيفة ﵁: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه، والله لا تدري يا ابن أخي لو أدركته كيف كنت تكون، لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، ثم ذكر نحو ما تقدم مطولا. وروى بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة ﵁ نحو ذلك أيضا.\nوقد أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة ﵁ مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: أما والله لو شاهدنا ذلك كنا فعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودا، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة لليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله رجلا رجلا، حتى أتى علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي.\nقال: فأتاني ﷺ وأنا جاث على ركبتي فقال: «من هذا؟» فقلت: حذيفة. قال:\n«حذيفة؟» فتقاصرت الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم، فقمت فقال «إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم» قال: وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قهرا. قال: فخرجت فقال رسول الله ﷺ «اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته» قال: فوالله ما خلق الله تعالى فزعا ولا قرّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئا، قال: فلما وليت، قال ﷺ «يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتني» قال:","vol":"6","page":346},{"text":"فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، فإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته، ويقول: الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله ﷺ «لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني».\nقال: فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرستهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي ﷺ فلما انتصفت في الطريق أو نحوا من ذلك إذ أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مشتمل في شملته يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر، وجعلت أقرقف فأومأ إلي رسول الله ﷺ بيده وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل عليّ شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أني تركتهم يرتحلون، وأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ وأخرج أبو داود في سننه منه: وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى، من حديث عكرمة بن عمار به.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي الأحزاب ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ تقدم عن حذيفة ﵁ أنهم بنو قريظة ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ أي شدة الخوف والفزع ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ قال ابن جرير: ظن بعض من كان مع رسول الله ﷺ أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك. وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.\nوقال الحسن في قوله ﷿ ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدا ﷺ وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عاصم الأنصاري، حدثنا أبو عامر، (ح) وحدثنا أبي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا الزبير يعني ابن عبد الله مولى عثمان ﵁، عن رتيج بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد ﵁ قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ﷺ: «نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا» قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح،","vol":"6","page":347},{"text":"فهزمهم بالريح وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل (^١) عن أبي عامر العقدي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1558>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١١ إلى ١٣]</span>\n﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا (١٣)﴾\nيقول الله تعالى مخبرا عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالا شديدا، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا﴾ أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسيكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال، وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى:\n﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة. كما جاء في الصحيح «أريت في المنام دار هجرتكم، أرض بين حرتين، فذهب وهلي أنها هجر فإذا هي يثرب» (^٢) وفي لفظ: المدينة.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٣): حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى، إنما هي طابة هي طابة» تفرد الإمام أحمد، وفي إسناده ضعف، والله أعلم.\nويقال كان أصل تسميتها يثرب برجل نزلها من العماليق يقال له يثرب بن عبيد بن مهلاييل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، قاله السهيلي. قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها في التوراة أحد عشر اسما: المدينة وطابة وطيبة والمسكينة والجابرة والمحبة والمحبوبة والقاصمة والمجبورة والعذراء والمرحومة. وعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة يقول الله تعالى للمدينة: يا طيبة ويا طابة ويا مسكينة لا تقلي الكنوز أرفع أحاجرك على أحاجر القرى.\nوقوله ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أي هاهنا يعنون عند النبي ﷺ في مقام المرابطة ﴿فَارْجِعُوا﴾ أي إلى بيوتكم ومنازلكم ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السراق، وكذا قال غير واحد، وذكر ابن إسحاق أن القائل\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٥، ومناقب الأنصار باب ٤٥، والتعبير باب ٣٩، ومسلم في الرؤيا حديث ٢٠، وابن ماجة في الرؤيا باب ١٠.\n(^٣) المسند ٤/ ٢٨٥.","vol":"6","page":348},{"text":"لذلك هو أوس بن قيظي، يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة أي ليس دونها ما يحجبها من العدو، فهم يخشون عليها منهم، قال الله تعالى: ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أي ليست كما يزعمون ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ أي هربا من الزحف.\n\n<span data-type='title' id=toc-1559>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٤ إلى ١٧]</span>\n﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧)﴾\nيخبر تعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعا، وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، هكذا فسرها قتادة وعبد الرحمن بن زيد وابن جرير (^١)، وهذا ذم لهم في غاية الذم، ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف.\n﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا﴾ أي وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لا بد من ذلك، ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ولا يطول أعمارهم بل ربما كان ذلك سببا في تعجيل أخذهم غرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي بعد هربكم وفراركم ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ [النساء: ٧٧] ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ﴾ أي يمنعكم ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ أي ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث.\n\n<span data-type='title' id=toc-1560>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٨ إلى ١٩]</span>\n﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٩)﴾\nيخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك ﴿لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي بخلاء بالمودة والشفقة عليكم.\nوقال السدي ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي في الغنائم،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٧٠.","vol":"6","page":349},{"text":"﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ أي فإذا كان الأمن تكلموا كلاما بليغا فصيحا عاليا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك، وقال ابن عباس ﵄ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ أي استقبلوكم.\nوقال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة: أعطونا أعطونا قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق، وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي ليس فيهم خير قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر [الطويل]:\nأفي السلم أعيارا جفاء وغلظة … وفي الحرب أمثال النساء العوارك (^١)\nأي في حال المسالمة كأنهم الحمر، والأعيار جمع عير وهو الحمار، وفي الحرب كأنهم النساء الحيض، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ أي سهلا هينا عنده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1561>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]</span>\n﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا (٢٠)﴾\nوهذا أيضا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ بل هم قريب منهم وإن لهم عودة إليهم ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ أي ويودون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة، بل في البادية يسألون عن أخباركم وما كان من أمركم مع عدوكم ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلا لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم، والله ﷾ العالم بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1562>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢]</span>\n﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾\nهذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه ﷿، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين،\n_________\n(^١) البيت لهند بنت عتبة في خزانة الأدب ٣/ ٢٦٣، والمقاصد النحوية ٣/ ١٤٢، وبلا نسبة في شرح أبيات سيبويه ١/ ٣٨٢، والكتاب ١/ ٣٤٤، ولسان العرب (عور)، (عير)، (عرك)، والمقتضب ٣/ ٢٦٥، والمقرب ١/ ٢٥٨، وتاج العروس (عرك)، ويروى «أشباه النساء» بدل «أمثال النساء».","vol":"6","page":350},{"text":"ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ﷺ، ولهذا قال تعالى:\n﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾.\nثم قال تعالى مخبرا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ قال ابن عباس ﵄ وقتادة: يعنون قوله تعالى في سورة البقرة:\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (^١) [البقرة: ٢١٤] أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا﴾ دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قال جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص، وقد قررنا ذلك في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة، ومعنى قوله جلت عظمته ﴿وَما زادَهُمْ﴾ أي ذلك الحال والضيق والشدة ﴿إِلاّ إِيمانًا﴾ بالله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ أي انقيادا لأوامره وطاعة لرسوله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1563>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾\nلما ذكر ﷿ عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ قال بعضهم: أجله. وقال البخاري: عهده وهو يرجع إلى الأول ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي وما غيروا عهد الله ولا نقضوه ولا بدلوه. قال البخاري (^٢): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها لم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁، الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ تفرد به البخاري دون مسلم، وأخرجه أحمد (^٣) في مسنده والترمذي (^٤) والنسائي في التفسير من سننهما من حديث الزهري به. وقال\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٢٧٨.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٣.\n(^٣) المسند ٥/ ١٨٨، ١٨٩.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٢.","vol":"6","page":351},{"text":"الترمذي: حسن صحيح.\nوقال البخاري (^١) أيضا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي عن ثمامة عن أنس بن مالك ﵁ قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر ﵁ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ﴾ الآية، انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال:\nقال أنس: عمي أنس بن النضر ﵁ سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيّبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ﷿ ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد فاستقبل سعد بن معاذ ﵁، فقال له أنس ﵁: يا أبا عمرو أين واها لريح الجنة إني أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قتل ﵁، قال:\nفوجد في جسده بضع وثمانين بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمتي الربيع ابنة النضر فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه ﵃ (^٣). ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به.\nورواه النسائي أيضا وابن جرير (^٤) من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁ به نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن أنس، ﵁ قال: إن عمه يعني أنس بن النضر ﵁، غاب عن قتال بدر، قال: غيّبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين، لئن الله أشهدني قتالا للمشركين ليرين الله تعالى ما أصنع، قال: فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء-يعني أصحابه-وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء-يعني المشركين-ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ ﵁ دون أحد، فقال: أنا معك. قال سعد ﵁: فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فلما قتل قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم، وكانوا يقولون: فيه وفي أصحابه نزلت ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ وأخرجه الترمذي (^٥)\n_________\n(^١) كتاب التفسير تفسير سورة ٣٣، باب ٣.\n(^٢) المسند ٤/ ١٩٣.\n(^٣) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٤٨، والترمذي في تفسير سورة ٣٣، باب ٣.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٢٨٠.\n(^٥) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٣.","vol":"6","page":352},{"text":"في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضا عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن يزيد بن هارون به. وقال الترمذي: حسن. وقد رواه البخاري (^١) في المغازي عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة عن مصرف عن حميد عن أنس ﵁ به، ولم يذكر نزول الآية.\nورواه ابن جرير (^٢) من حديث المعتمر بن سليمان عن حميد عن أنس ﵁ به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة ﵁ قال: لما أن رجع رسول الله ﷺ من أحد صعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر، ثم قرأ هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ الآية كلها، فقام إليه رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت وعلي ثوبان أخضران حضرميان، فقال: «أيها السائل: هذا منهم» وكذا رواه ابن جرير (^٣) من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به. وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضا، وابن جرير من حديث يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما ﵁ به.\nوقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس. وقال أيضا: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا أبو عامر-يعني العقدي-حدثني إسحاق-يعني ابن طلحة بن عبيد الله-عن موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية ﵁، فلما خرجت دعاني فقال: ألا أضع عندك يا ابن أخي حديثا سمعته من رسول الله ﷺ؟ أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول «طلحة ممن قضى نحبه».\nورواه ابن جرير (^٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي عن موسى بن طلحة قال: قام معاوية بن أبي سفيان ﵁ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول «طلحة ممن قضى نحبه» ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى:\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ يعني عهده ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قال يوما فيه القتال فيصدق في اللقاء.\nوقال الحسن ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ يعني موته على الصدق والوفاء، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلا، وكذا قال قتادة وابن زيد. وقال بعضهم، نحبه نذره.\nوقوله تعالى: ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي وما غيروا عهدهم وبدلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا\n_________\n(^١) كتاب المغازي باب ١٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٢٨٠.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٨١.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٢٨١.","vol":"6","page":353},{"text":"على ما عاهدوا عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا ﴿إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ … ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم حتى يعملوا بما يعلمه منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلا به قبل وجوده، وكذا قال الله تعالى:\n﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ولهذا قال تعالى هاهنا ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه وقيامهم به ومحافظتهم عليه ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ﴾ وهم الناقضون لعهد الله المخالفون لأوامره فاستحقوا بذلك عقابه، وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، ولما كانت رحمته ورأفته ﵎ بخلقه فهي الغالبة لغضبه قال ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1564>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]</span>\n﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، ولكن قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] فسلط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل من قبائل شتى أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم، ولم ينالوا خيرا لا في الدنيا مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول ﷺ بالعداوة وهمهم بقتله واستئصال جيشه، ومن هم بشيء وصدق همه بفعله، فهو في الحقيقة كفاعله.\nوقوله ﵎: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ أي لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده ونصر عبده وأعز جنده، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» (^١) أخرجاه من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العمرة باب ١٢، والدعوات باب ٥٢، ومسلم في الحج حديث ٤٢٨.","vol":"6","page":354},{"text":"الأحزاب فقال «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» (^١).\nوفي قوله ﷿ ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم. قال محمد بن إسحاق، لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان رسول الله ﷺ هو يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله تعالى مكة، وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى عن سفيان، حدثني أبو إسحاق قال: سمعت سليمان بن صرد ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» وهكذا رواه البخاري (^٣) في صحيحه من حديث الثوري، وإسرائيل عن أبي إسحاق به.\nوقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ أي بحوله وقوته ردهم خائبين لم ينالوا خيرا، وأعز الله الإسلام وأهله، وصدق وعده ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1565>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾\nقد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد، وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري لعنه الله، دخل حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلون محمدا وأصحابه، فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك يا حيي إنك مشؤوم، فدعنا منك، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أجابه، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب ولم يكن من أمرهم شيء أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نقضت قريظة، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ساءه وشق عليه وعلى المسلمين جدا.\nفلما أيده الله تعالى ونصره وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة مؤيدا منصورا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله ﷺ يغتسل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٩٨، ١١٢، والمغازي باب ٢٩، ومسلم في الجهاد حديث ٢٠.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٦٢.\n(^٣) كتاب المغازي باب ٢٩.","vol":"6","page":355},{"text":"من وعثاء تلك المرابطة في بيت أم سلمة ﵂، إذ تبدى له جبريل ﵊ معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال ﷺ «نعم» قال لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم.\nثم قال: إن الله ﵎ يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة، وفي رواية فقال له: عذيرك من مقاتل أوضعتم السلاح؟ قال «نعم» قال لكنا لم نضع أسلحتنا بعد انهض إلى هؤلاء، قال ﷺ «أين؟» قال: بني قريظة، فإن الله تعالى أمرني أن أزلزل عليهم، فنهض رسول الله ﷺ من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال ﷺ «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله ﷺ، إلا تعجيل المسير.\nوقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنف واحدا من الفريقين، وتبعهم رسول الله ﷺ، وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ﵁، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ﵁، ثم نازلهم رسول الله ﷺ وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما طال عليه الحال، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ﵁، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما فعل عبد الله بن أبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله ﷺ، فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك، ولم يعلموا أن سعدا ﵁ كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق، فكواه رسول الله ﷺ في أكحله وأنزله في قبة المسجد ليعوده من قريب.\nوقال سعد ﵁ فيما دعا به، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فأفجرها، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستجاب الله تعالى دعاءه، وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبا من تلقاء أنفسهم فعند ذلك استدعاه رسول الله ﷺ من المدينة ليحكم فيهم، فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه، جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد إنهم مواليك فأحسن فيهم، ويرققونه عليهم ويعطفونه وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال ﵁: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم.\nفلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ «قوموا إلى سيدكم» فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله ﷺ «إن هؤلاء-وأشار إليهم-قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت» فقال ﵁: وحكمي نافذ عليهم؟ قال ﷺ «نعم». قال وعلى من في هذه الخيمة؟ قال «نعم». قال وعلى من هاهنا وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله، وهو معرض","vol":"6","page":356},{"text":"بوجهه عن رسول الله ﷺ إجلالا وإكراما وإعظاما، فقال له رسول الله ﷺ «نعم». فقال ﵁: إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وأموالهم، فقال له رسول الله ﷺ «لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة»، وفي رواية «لقد حكمت بحكم الملك»، ثم أمر رسول الله ﷺ بالأخاديد فخدت في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم، وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة الذي أفردناه موجزا وبسيطا، ولله الحمد والمنة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديما طمعا في اتباع النبي الأمي الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فعليهم لعنة الله.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ يعني حصونهم، كذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم من السلف، ومنه سمي صياصي البقر، وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ وهو الخوف، لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب النبي ﷺ، وليس من يعلم كمن لا يعلم، وأخافوا المسلمين وراموا قتالهم ليعزوا في الدنيا، فانعكس عليهم الحال، وانقلبت إليهم القتال، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا العز ذلوا، وأرادوا استئصال المسلمين فاستئصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فالذين قتلوا هم المقاتلة والأسراء هم الأصاغر والنساء.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هشيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي قال: عرضت على النبي ﷺ يوم قريظة، فشكوا في، فأمر بي النبي ﷺ أن ينظروا هل أنبت بعد، فنظروني فلم يجدوني أنبت، فخلي عني وألحقني بالسبي (^٢)، وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق عن عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه النسائي أيضا من حديث ابن جريج عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عطية بنحوه. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ أي جعلها لكم من قتلكم لهم ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها﴾ قيل: خيبر، وقيل مكة، رواه مالك عن زيد بن أسلم وقيل فارس والروم، وقال ابن جرير يجوز أن يكون الجميع مرادا ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣١١، ٣١٢.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الحدود باب ١٨، والترمذي في السير باب ٢٩، وابن ماجة في الحدود باب ٤، والدارمي في السير باب ٢٦.","vol":"6","page":357},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة ﵂ قالت: خرجت يوم الخندق أقفوا الناس فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ﵁، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة، قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد ﵁ وعليه درع من حديد قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت وكان سعد ﵁ من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول [رجز]:\nلبّث قليلا يشهد الهيجا حمل … ما أحسن الموت إذا حان الأجل (^٢)\nقالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب ﵁ وفهيم رجل عليه تسبغة له، تعني المغفر، فقال عمر ﵁: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ، فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله ﵁، فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله تعالى؟ قالت: ورمى سعدا ﵁ رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له، وقال له:\nخذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله تعالى سعد ﵁ فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت:\nفرقأ كلمه وبعث الله تعالى الريح على المشركين ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد ﵁ في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوقد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم.\nقالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمر على بني تميم وهم جيران المسجد، فقال «من مر بكم؟» قالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵊، فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم إنه الذبح، قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ\n_________\n(^١) المسند ٦/ ١٤١، ١٤٢.\n(^٢) الرجز لحمل بن سعدانة بن عليم العليمي في تاج العروس (حمل)، وبلا نسبة في لسان العرب (حمل)","vol":"6","page":358},{"text":"﵁، فقال رسول الله ﷺ «انزلوا على حكم سعد بن معاذ» فنزلوا، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ ﵁، فأتى به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه، وحف به قومه فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية ومن قد علمت.\nقالت: فلا يرجع إليهم شيئا ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد فلما طلع، قال رسول الله ﷺ «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» فقال عمر ﵁: سيدنا الله، قال «أنزلوه» فأنزلوه، قال رسول الله ﷺ «احكم فيهم» قال سعد ﵁: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ «لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله» ثم دعا سعد ﵁، فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قال: فانفجر كلمه وكان قد برئ منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله.\nقالت عائشة ﵂: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر ﵁ من بكاء عمر ﵁ وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ قال علقمة: فقلت أي أمه، فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته ﷺ (^١)، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ نحوا من هذا، ولكنه أخصر منه، وفيه دعا سعد ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-1566>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾\nهذا أمر من الله ﵎ لرسوله ﷺ بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن ﵅ وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٠، ومسلم في الجهاد حديث ٦٥.","vol":"6","page":359},{"text":"أبويك» وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: «إن الله تعالى قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾» إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟ وكذا رواه معلقا عن الليث، حدثني يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ فذكره، وزاد: قالت ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت، وقد حكى البخاري (^١) أن معمرا اضطرب فيه، فتارة رواه عن الزهري عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: قالت عائشة ﵂: لما نزل الخيار قال لي رسول الله ﷺ: «إني أريد أن أذكر لك أمرا، فلا تقضي فيه شيئا حتى تستأمري أبويك» قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال فرده عليها، فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قالت فقرأ ﷺ عليها ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ففرح بذلك النبي ﷺ.\nوحدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت آية التخيير بدأ بي رسول الله ﷺ فقال: «يا عائشة إني عارض عليك أمرا فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأم رومان ﵄» فقالت: يا رسول الله وما هو؟ قال ﷺ: «قال الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان ﵄. فضحك رسول الله ﷺ ثم استقرأ الحجر فقال: «إن عائشة ﵂ قالت كذا وكذا» فقلن: ونحن نقول مثلما قالت عائشة ﵅ كلهن. رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة عن محمد بن عمرو به.\nقال ابن جرير (^٣): وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ لما نزل على نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل علي فقال: «سأذكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك» فقلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «إني أمرت أن أخيركن» وتلا عليها آية التخيير إلى آخر الآيتين، قالت: فقلت وما الذي تقول: لا تعجلي حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٠.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٠.","vol":"6","page":360},{"text":"ورسوله. فسر ﷺ بذلك، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن، فاخترن الله ورسوله ﷺ.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل عن الزهري، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس ﵄ قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال ﷺ: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك» قالت، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت ثم قال: «إن الله ﵎ قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ الآيتين، قالت عائشة ﵂: فقلت أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن ما قالت عائشة ﵅ (^١)، وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ مثله.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: خيرنا رسول الله ﷺ، فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئا (^٣)، أخرجاه من حديث الأعمش وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر ﵁، فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر ﵄، فدخلا والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه، وهو ﷺ ساكت، فقال عمر ﵁: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد-امرأة عمر-سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: «هن حولي يسألنني النفقة» فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله ﷺ، فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله ﷿ الخيار، فبدأ بعائشة ﵂ فقال: «إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» قالت:\nوما هو؟ قال: فتلا عليها: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ الآية، قالت عائشة ﵂:\nأفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال ﷺ: «ان الله تعالى لم يبعثني معنفا، ولكن بعثني معلما ميسرا، لا تسألني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المظالم والغضب باب ٢٥، ومسلم في الطلاق حديث ٢٢.\n(^٢) المسند ٦/ ٤٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في الطلاق باب ٥، ومسلم في الطلاق حديث ٢٦، ٣٠.\n(^٤) المسند ٣/ ٣٢٨.","vol":"6","page":361},{"text":"امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها» (^١) انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، فرواه هو والنسائي من حديث زكريا بن إسحاق المكي به.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا علي بن هشام بن البريد عن محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن عثمان بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خير نساءه الدنيا والآخرة ولم يخيرهن الطلاق (^٢)، وهذا منقطع.\nوقد روي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك، وهو خلاف الظاهر من الآية، فإنه قال:\n﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ أي أعطيكن حقوقكن وأطلق سراحكن، وقد اختلف العلماء في جواز تزوج غيره لهن لو طلقهن على قولين، أصحهما نعم لو وقع ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم. قال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة وحفصة وأم حبيب وسودة وأم سلمة ﵅، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حيي النضيرية وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ وأرضاهن جميعا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1567>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٠ إلى ٣١]</span>\n﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾\nيقول الله تعالى واعظا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله ﷺ فناسب أن يخبرهن بحكمهن وتخصيصهن دون سائر النساء بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة. قال ابن عباس ﵄: وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وكقوله ﷿: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] فلما كانت محلتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظا صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال مالك عن زيد بن أسلم ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال: في الدنيا والآخرة، وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ أي سهلا هينا، ثم ذكر عدله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الطلاق حديث ٢٩، والنسائي في الطلاق باب ٢٦.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٧٨.","vol":"6","page":362},{"text":"وفضله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي ويستجب ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أي في الجنة فإنهن في منازل رسول الله ﷺ في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.\n\n<span data-type='title' id=toc-1568>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]</span>\n﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾\nهذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ﷺ ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطبا لنساء النبي ﷺ بأنهن إذا اتقين الله ﷿ كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال السدي وغيره:\nيعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي دغل ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: قولا حسنا جميلا معروفا في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي الزمن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه كما قال رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات» (^١) وفي رواية «وبيوتهن خير لهن» (^٢).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا أبو رجاء الكلبي روح بن المسيب ثقة، حدثنا ثابت البناني عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول الله فقلن:\nيا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ: «من قعدت-أو كلمة نحوها-منكن في بيتها، فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى» ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب، وهو رجل من أهل البصرة مشهور.\nوقال البزار أيضا: حدثنا محمد المثنى، حدثني عمرو بن عاصم، حدثنا همام عن قتادة عن مورّق عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة عورة، فإذا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٥٢، والدارمي في الصلاة باب ٥٧، وأحمد في المسند ٢/ ٤٣٨، ٤٧٥، ٥٢٨، ٥/ ١٩٢، ١٩٣، ٦/ ٧٠.\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند ٢/ ٧٦، ٧٧.","vol":"6","page":363},{"text":"خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها» رواه الترمذي (^١) عن بندار عن عمرو بن عاصم به نحوه. وروى البزار بإسناده المتقدم وأبو داود أيضا عن النبي ﷺ قال «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها» (^٢) وهذا إسناد جيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. وقال قتادة ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ يقول: إذا خرجتن من بيوتكن وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال مقاتل بن حيان ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني ابن زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبي الفرات، حدثنا علي بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: تلا هذه الآية ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة. وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس لعنه الله أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر نفسه منه فكان يخدمه، فاتخذ إبليس شيئا من مثل الذي يرمز فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرج النساء للرجال، قال ويتزين الرجال لهن، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن فنزلوا معهن، وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله تعالى:\n﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ نهاهن أولا عن الشر ثم أمرهن بالخير من إقامة الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهذا من باب عطف العام على الخاص. وقوله تعالى:\n﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في\n_________\n(^١) كتاب الرضاع باب ١٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٥٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٥.","vol":"6","page":364},{"text":"السوق ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة. وهكذا روى ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحبّاب حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال: نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة. وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي ﷺ، فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففيه نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:\n[الحديث الأول]: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ﵂ ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾» رواه الترمذي (^٢) عن عبد بن حميد عن عفان به. وقال: حسن غريب.\n[حديث آخر] قال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس عن أبي إسحاق، أخبرني أبو داود عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة ﵄، فقال: «الصلاة الصلاة، ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾» أبو داود الأعمى هو نفيع بن الحارث كذاب.\n[حديث آخر] وقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدثنا شداد أبو عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع ﵁. وعنده قوم، فذكروا عليا ﵁ فشتموه، فشتمه معهم، فلما قاموا قال لي: شتمت هذا الرجل؟ قلت: قد شتموه فشتمته معه، ألا أخبركم بما رأيت من رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة ﵂ أسألها عن علي ﵁، فقالت: توجه إلى رسول الله ﷺ فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله ﷺ ومعه علي وحسن وحسين ﵃، آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة ﵄، وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا ﵄ كل واحد منها على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه أو قال كساءه، ثم تلا ﷺ هذه الآية ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقال: «اللهم هؤلاء\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٣١.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٦، ٢٩٧.\n(^٤) المسند ٤/ ١٠٧.","vol":"6","page":365},{"text":"أهل بيتي، وأهل بيتي أحق».\nوقد رواه أبو جعفر بن جرير (^١) عن عبد الكريم بن أبي عمير عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره قال واثلة ﵁: فقلت وأنا-يا رسول الله صلى الله عليك-من أهلك؟ قال ﷺ: «وأنت من أهلي» قال واثلة ﵁: وإنها من أرجى ما أرتجي، ثم رواه أيضا عن عبد الأعلى بن واصل عن الفضل بن دكين، عن عبد السلام بن حرب عن كلثوم المحاربي عن شداد بن أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع ﵁، إذ ذكروا عليا ﵁ فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه إني عند رسول الله ﷺ إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين ﵃، فألقى ﷺ عليهم كساء له ثم قال لهم: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قلت: يا رسول الله وأنا؟ قال ﷺ: «وأنت» قال: فوالله إنها لأوثق عمل عندي.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح، حدثني من سمع أم سلمة ﵂ تذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة ﵂ ببرمة فيها خزيرة، فدخلت عليه بها فقال ﷺ لها: «ادعي زوجك وابنيك» قالت: فجاء علي وحسن وحسين ﵃، فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له، وكان تحته ﷺ كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت ﵂: فأخذ ﷺ فضل الكساء فغطاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال ﷺ:\n«إنك إلى خير، إنك إلى خير» في إسناده من لم يسم وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات.\n[طريق أخرى] قال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقداد، حدثنا سعيد بن زربي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت فاطمة ﵂ إلى رسول الله ﷺ ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة، تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه ﷺ فقال: «أين ابن عمك وابناك؟» فقالت ﵂ في البيت، فقال ﷺ: «ادعيهم» فجاءت إلى علي ﵁ فقالت: أجب رسول الله ﷺ أنت وابناك، قالت أم سلمة ﵂: فلما رآهم مقبلين مد ﷺ يده إلى كساء كان على المنامة، فمده\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٨.\n(^٢) المسند ٦/ ٢٩٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٧.","vol":"6","page":366},{"text":"وبسطه وأجلسهم عليه ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه فقال «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».\n[طريق أخرى] قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب ﵁ عند أم سلمة ﵂ فقالت: في بيتي نزلت ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت أم سلمة: جاء رسول الله ﷺ إلى بيتي فقال: «لا تأذني لأحد» فجاءت فاطمة ﵂، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن ﵁، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه عن جده ﷺ وأمه ﵂ ثم جاء علي ﵁، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا فجللهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: «إنك إلى خير».\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن أبي المعدل عن عطية الطفاوي عن أبيه قال: إن أم سلمة ﵂ حدثته قالت: بينما رسول الله ﷺ:\nفي بيتي يوما إذ قالت الخادم: إن فاطمة وعليا ﵄ بالسدة، قالت: فقال لي رسول الله ﷺ «قومي فتنحي عن أهل بيتي» قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبا، فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين ﵃، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليا ﵁ بإحدى يديه، وفاطمة ﵂ باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل عليا: وأغدق عليهم خميصة سوداء، وقال «اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي» قالت: فقلت وأنا يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «وأنت».\n[طريق أخرى] قال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة ﵂ قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال ﷺ: «إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي ﷺ قالت: وفي البيت رسول الله ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃.\n[طريق أخرى] رواها ابن جرير (^٤) أيضا عن أبي كريب عن وكيع عن عبد الحميد بن بهرام\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٨.\n(^٢) المسند ٦/ ٢٩٦.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٧، ٢٩٨.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٧.","vol":"6","page":367},{"text":"عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ﵂.\n[طريق أخرى] قال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب حدثنا خالد بن مخلد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال:\nأخبرتني أم سلمة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين ﵃، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ﷿ ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي» قالت أم سلمة ﵂: فقلت يا رسول الله أدخلني معهم، فقال ﷺ: «أنت من أهلي».\n[طريق أخرى] رواها ابن جرير (^٢) أيضا عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة عن أمه ﵂ بنحو ذلك.\n[حديث آخر] قال ابن جرير (^٣): حدثنا وكيع قال: حدثنا محمد بن بشير عن زكريا عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن ﵁ فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ثم جاء علي ﵁ فأدخله معه، ثم قال ﷺ: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به.\n[طريق أخرى] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن يزيد عن العوام يعني ابن حوشب ﵁ عن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة ﵂ فسألتها عن علي ﵁، فقالت ﵂: تسألني عن رجل من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ﵃، فألقى عليهم ثوبا فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت: فدنوت منهم فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك؟ فقال ﷺ: «تنحي فإنك على خير».\n[حديث آخر] قال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن المثنى، حدثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي، حدثنا مندل عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٨.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٦.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٦.","vol":"6","page":368},{"text":"﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾» قد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة ﵂ كما تقدم، وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العجلي عن عطية عن أبي سعيد ﵁ موقوفا، والله ﷾ أعلم.\n[حديث آخر] قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن المثنى، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد ﵁ قال: قال سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة ﵃، فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: «رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي».\n[حديث آخر] وقال مسلم (^٢) في صحيحه: حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد، عن ابن علية، قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أبو حيان حدثني يزيد بن حبان قال:\nانطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلمة إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه.\nثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما خطيبا بماء يدعى خما، بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ﷿ ورغب فيه، ثم قال «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاثا، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ﵃، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم.\nثم رواه عن محمد بن بكار بن الريان عن حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم ﵁، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه فقلت له: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.\nهكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٨.\n(^٢) كتاب فضائل الصحابة حديث ٣٦.","vol":"6","page":369},{"text":"تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح جمعا بينهما وبين الرواية التي قبلها، وجمعا أيضا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرا، والله أعلم، ثم الذي لا شك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي واعملن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قتادة وغير واحد.\nواذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه. قال بعض العلماء ﵀: لأنه لم يتزوج بكرا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ ورضي الله عنها، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العليا، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث «وأهل بيتي أحق». وهذا ما يشبه ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: «هو مسجدي هذا» (^١) فهذا من هذا القبيل، فإن الآية إنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخر، ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى بتسميته بذلك، والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي جميلة قال: إن الحسن بن علي ﵄ استخلف حين قتل علي ﵄، قال: فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجره، وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن ﵁ ساجد. قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهرا ثم برأ، فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قال فما زال يقولها حتى ما بقي أحد في المسجد إلا وهو يحن بكاء.\nوقال السدي عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين ﵄ لرجل من الشام:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الحج حديث ٥١٤.","vol":"6","page":370},{"text":"أما قرأت في الأحزاب ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ فقال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي بلطفه بكن، بلغتن هذه المنزلة، وبخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن بذلك. قال ابن جرير ﵀: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله تعالى على ذلك واحمدنه ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي ذا لطف بكن، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والحكمة، وهي السنة. خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله وقال قتادة ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: يمتن عليهن بذلك، رواه ابن جرير. وقال عطية العوفي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يعني لطيفا باستخراجها خبيرا بموضعها، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وكذا روي عن الربيع بن أنس عن قتادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1569>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]</span>\n﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، وأنا أسرح شعري، فلففت شعري ثم خرجت إلى حجرتي حجرة بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد فإذا هو يقول عند المنبر «يا أيها الناس إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾» إلى آخر الآية، وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد به مثله.\n[طريق أخرى عنها] قال النسائي أيضا: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا سويد، أخبرنا عبد الله بن شريك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أم سلمة ﵂، أنها قالت للنبي ﷺ: يا نبي الله ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرون؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية.\n[طريق أخرى] قال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٣٠٥.","vol":"6","page":371},{"text":"﵂: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية.\n[حديث آخر] قال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب قال: حدثنا سيار بن مظاهر العنزي، حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: قال النساء للنبي ﷺ: ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل لله تعالى:\n﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية، وحدثنا بشر حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي ﷺ فقلن: قد ذكر كن الله تعالى في القرآن ولم نذكر بشيء أما فينا ما.\nيذكر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ (^٢) الآية، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه لقوله تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وفي الصحيحين «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (^٣) فيسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنه أخص منه كما قررناه أولا في شرح البخاري.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾ القنوت هو الطاعة في سكون ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فالإسلام بعده مرتبة يرتقي إليها وهو الإيمان، ثم القنوت ناشئ عنهما ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾ هذا في الأقوال، فإن الصدق خصلة محمودة ولهذا كان بعض الصحابة ﵃ لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا، «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإن.\nالكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (^٤).\nوالأحاديث فيه كثيرة جدا، ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ﴾ هذه سجية الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة وتلقي ذلك بالصبر عند الصدمة الأولى، أي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٠٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٢٩٩، ٣٠٠.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في الأدب باب ٦٩، ومسلم في البر حديث ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥.","vol":"6","page":372},{"text":"أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه وهو صدق السجية وثباتها ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾ الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته، كما في الحديث «اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^١).\n﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾ الصدقة هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء الذين لا كسب لهم ولا كاسب يعطون من فضول الأموال طاعة لله وإحسانا إلى خلقه. وقد ثبت في الصحيحين «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله-فذكر منهم-ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (^٢) وفي الحديث الآخر «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (^٣). والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدا له موضع بذاته.\n﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة «والصوم زكاة البدن» (^٤) أي يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا، كما قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر دخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة، كما قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (^٥) ناسب أن يذكر بعده ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾ أي عن المحارم والمآثم إلا عن المباح كما قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا محمد بن جابر عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كتبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات» (^٦) وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الأعمش عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٧، ومسلم في الإيمان حديث ١، ٥، ٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ٣٦، ومسلم في الزكاة حديث ٩١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الإيمان باب ٨، والجمعة باب ٧٩، وابن ماجة في الزهد باب ٢٢، والفتن باب ١٢، وأحمد في المسند ٣/ ٣٢١، ٣٩٩، ٥/ ٢٣١.\n(^٤) لم أجد الحديث بهذا اللفظ في سنن ابن ماجة.\n(^٥) أخرجه البخاري في الصوم باب ١٠، والنكاح باب ٢، ٣، ومسلم في النكاح حديث ١، والنسائي في الصيام باب ٤٣، وابن ماجة في النكاح باب ١.\n(^٦) أخرجه أبو داود في التطوع باب ١٨، وابن ماجة في الإقامة باب ١٧٥.","vol":"6","page":373},{"text":"عن النبي ﷺ بمثله.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله أي العباد أفضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة؟ قال ﷺ: «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» قال: قلت يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله تعالى؟ قال: «لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دما، لكان الذاكرون الله تعالى أفضل منه».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فأتى على جمدان فقال «هذا جمدان سيروا فقد سبق المفردون» قالوا: وما المفردون؟ قال ﷺ «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» ثم قال ﷺ «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا: والمقصرين؟ قال ﷺ «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا، والمقصرين؟ قال: «والمقصرين» تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم دون آخره.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: إنه بلغني عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال:\nقال رسول الله ﷺ «ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله ﷿» وقال معاذ ﵁: قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدا فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال ﷺ «ذكر الله ﷿».\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: إن رجلا سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجرا يا رسول الله؟ قال ﷺ «أكثرهم لله تعالى ذكرا» قال: فأي الصائمين أكثر أجرا؟ قال ﷺ «أكثرهم لله ﷿ ذكرا» ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة. كل ذلك يقول رسول الله «أكثرهم لله ذكرا» فقال أبو بكر لعمر ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله ﷺ «أجل». وسنذكر إن شاء الله تعالى بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] الآية، إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى:\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٧٥.\n(^٢) المسند ٢/ ٤١١.\n(^٣) المسند ٥/ ٢٣٩.\n(^٤) المسند ٣/ ٤٣٨.","vol":"6","page":374},{"text":"﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ خبر عن هؤلاء المذكورين كلهم أي أن الله تعالى قد أعد لهم أي هيأ لهم مغفرة منه لذنوبهم وأجرا عظيما وهو الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1570>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]</span>\n﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا (٣٦)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة ﵁، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية ﵂ فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله ﷺ «بلى فانكحيه» قالت: يا رسول الله أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ الآية، قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم» قالت: إذا لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي (^١).\nوقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ﵁ فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبا، وكانت امرأة فيها حدة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية كلها (^٢)، وهكذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان أنها نزلت في زينب بنت جحش ﵂ حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة ﵁، فامتنعت ثم أجابت.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ وكانت أول من هاجر من النساء، يعني بعد صلح الحديبية، فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال:\nقد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة ﵁-بعد فراقه زينب، فسخطت هي وأخوها وقالا:\nإنما أردنا رسول الله ﷺ فزوجنا عبده، قال: فنزل القرآن ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخر الآية، قال: وجاء أمر أجمع من هذا ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: فذاك خاص وهذا إجماع (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن أنس ﵁، قال: خطب النبي ﷺ على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، فقال النبي ﷺ «فنعم إذا» قال: فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها، قالت: لاها الله ذا ما\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٣٠١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٣٠١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٣٠١، ٣٠٢.\n(^٤) المسند ٣/ ١٣٦.","vol":"6","page":375},{"text":"وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبا وقد منعناها من فلان وفلان، قال: والجارية في سترها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله ﷺ أمره، إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه، قال: فكأنها جلت عن أبويها، وقالا:\nصدقت فذهب أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كنت رضيته فقد رضيناه، قال ﷺ «فإني قد رضيته» قال: فزوجها، ثم فزع أهل المدينة فركب جليبيب، فوجدوه قد قتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس ﵁: فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بيت بالمدينة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن ثابت عن كنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي قال: إن جليبيبا كان امرأ يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا يدخلن اليوم عليكن جليبيبا فإنه إن دخل عليكن لأفعلن ولأفعلن، قالت: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا، فقال النبي ﷺ لرجل من الأنصار «زوجني ابنتك» قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين، فقال ﷺ: «إني لست أريدها لنفسي» قال: فلمن يا رسول الله؟ قال ﷺ «لجليبيب» فقال: يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله ﷺ يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونعمة عين، فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب، فقالت:\nأجليبيب إنيه أجليبيب إنيه؟ ألا لعمر الله لا نزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله ﷺ فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، قالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني إليه، فإنه لن يضيعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال:\nشأنك بها فزوجها جليبيبا.\nقال: فخرج رسول الله ﷺ في غزوة له، فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه ﵃ «هل تفقدون من أحد»؟ قالوا: نفقد فلانا ونفقد فلانا، قال ﷺ «انظروا هل تفقدون من أحد» قالوا: لا. قال ﷺ: «لكنني أفقد جليبيبا» قال ﷺ «فاطلبوه في القتلى» فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فأتاه رسول الله ﷺ فقام عليه فقال «قتل سبعة وقتلوه، هذا مني وأنا منه» مرتين أو ثلاثا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه وحفر له ماله سرير إلا ساعد النبي ﷺ، ثم وضعه في قبره ولم يذكر أنه غسله ﵁، قال ثابت ﵁: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ؟ فقال: قال «اللهم صب عليها الخير صبا ولا تجعل عيشها كدا» وكذا كان، فما كان في الأنصار أيم أنفق منها.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤٢٢.","vol":"6","page":376},{"text":"هكذا أورده الإمام أحمد بطوله، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب أن الجارية لما قالت في خدرها: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ نزلت هذه الآية ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.\nوقال ابن جريج: أخبرني عامر بن مصعب عن طاوس قال: إنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر فنهاه، وقرأ ابن عباس ﵁ ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هنا، ولا رأي ولا قول، كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وفي الحديث «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1571>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]</span>\n﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نبيه ﷺ أنه قال لمولاه زيد بن حارثة ﵁ وهو الذي أنعم الله عليه أي بالإسلام ومتابعة الرسول ﷺ ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي بالعتق من الرق، وكان سيدا كبير الشأن جليل القدر حبيبا إلى النبي ﷺ يقال له الحب، ويقال لابنه أسامة الحب ابن الحب، قالت عائشة ﵂: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلا أمره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه، رواه الإمام أحمد (^١) عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد عن وائل بن داود عن عبد الله البهي عنها.\nوقال البزار: حدثنا خالد بن يوسف، حدثنا أبو عوانة، ح وحدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو داود حدثنا أبو عوانة، أخبرني عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: حدثني أسامة بن زيد ﵄ قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعلي بن أبي طالب ﵄:\nفقالا: يا أسامة استأذن لنا على رسول الله ﷺ قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقلت: علي والعباس يستأذنان، فقال ﷺ: «أتدري ما حاجتهما؟» قلت: لا يا رسول الله، قال ﷺ:\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٢٢٧، ٢٥٤، ٢٨١.","vol":"6","page":377},{"text":"«لكني أدري» قال: فأذن لهما، قالا: يا رسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟ قال ﷺ «أحب أهلي إلي فاطمة بنت محمد» قالا: يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة، قال ﷺ «فأسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه».\nوكان رسول الله ﷺ قد زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية ﵂، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهما، وخمارا وملحفة ودرعا، وخمسين مدا من طعام وعشرة أمداد من تمر، قاله مقاتل بن حيان، فمكث عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجعل رسول الله ﷺ يقول له: «أمسك عليك زوجك واتق الله» قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثارا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها فلا نوردها.\nوقد روى الإمام أحمد هاهنا أيضا حديثا من رواية حماد بن زيد عن ثابت، عن أنس ﵁ فيه غرابة تركنا سياقه أيضا. وقد روى البخاري (^١) أيضا بعضه مختصرا فقال:\nحدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا معلى بن منصور عن حماد بن زيد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في زيد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك ﵁. قال: إن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ﵄.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم مرزوق، حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين ﵄ ما يقول الحسن في قوله تعالى:\n﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ فذكرت له، فقال: لا ولكن الله تعالى أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ﵁ ليشكوها إليه قال: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾. وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثني خالد عن داود عن عامر عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو كتم محمد ﷺ شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ الوطر هو الحاجة والأرب، أي لما فرغ منها وفارقها زوجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله ﷿ بمعنى أنه أوحى إليه أن يدخل عليها\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٣٠٣.","vol":"6","page":378},{"text":"بلا ولي ولا عقد ولا مهر ولا شهود من البشر.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هاشم يعني ابن القاسم، أخبرنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂ قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة «اذهب فاذكرها علي» فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول إن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي ﷿، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله ﷺ وأطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل ﷺ يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية كلها (^٢)، ورواه مسلم والنسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة به.\nوقد روى البخاري ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن زينب بنت جحش ﵂ كانت تفخر على أزواج النبي فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات، وقد قدمنا في سورة النور عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة ﵄، فقالت زينب ﵂: أنا الذي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة ﵂: أنا التي نزل عذري من السماء، فاعترفت لها زينب ﵂.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن المغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب ﵂ تقول للنبي ﷺ إني لأدلي عليك بثلاث، وما من نسائك امرأة تدلي بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله ﷿ من السماء، وإن السفير جبريل ﵊.\nوقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي إنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٩٥، ١٩٦.\n(^٢) أخرجه مسلم في النكاح حديث ٨٩.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٣٠٣.","vol":"6","page":379},{"text":"الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة ﵁، فكان يقول له زيد بن محمد، فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٤ - ٥] ثم زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂، لما طلقها زيد بن حارثة ﵁، ولهذا قال تعالى في آية التحريم ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ليحترز من الابن الدعي، فإن ذلك كان كثيرا فيهم. وقوله تعالى:\n﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ أي وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه وهو كائن لا محالة، كانت زينب ﵂ في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1572>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]</span>\n﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ أي فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب ﵂ التي طلقها دعيه زيد بن حارثة ﵁. وقوله تعالى:\n﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا رد على من توهم من المنافقين نقصا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أي وكان أمره الذي يقدره كائنا لا محالة وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1573>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]</span>\n﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾\nيمدح ﵎ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾ أي إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي يخافونه ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ أي وكفى بالله ناصرا ومعينا، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي قبله إنما يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃، بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم.","vol":"6","page":380},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا ابن نمير، أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله ما يمنعك أن تقول فيه؟ فيقول رب خشيت الناس، فيقول: فأنا أحق أن يخشى» ورواه أيضا عن عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن عمرو بن مرة. ورواه ابن ماجة (^٢) عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به.\nوقوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ نهى أن يقال بعد هذا زيد بن محمد، أي لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه ﷺ لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم فإنه ﷺ ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة ﵂، فماتوا صغارا وولد له ﷺ إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا، وكان له ﷺ من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ﵃ أجمعين، فمات في حياته ﷺ ثلاث، وتأخرت فاطمة ﵂ حتى أصيبت به ﷺ، ثم ماتت بعده لستة أشهر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ كقوله ﷿: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مثلي في النبيين كمثل رجل بني دارا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» ورواه الترمذي (^٤) عن بندار عن أبي عامر العقدي به، وقال حسن صحيح.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا المختار بن فلفل، حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعد ولا نبي» قال: فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٠، ٣٧.\n(^٢) كتاب الفتن باب ٢٠.\n(^٣) المسند ٥/ ١٣٦، ١٣٧.\n(^٤) كتاب الأدب باب ٧٧.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٦٧.","vol":"6","page":381},{"text":"المبشرات» قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة» وهكذا رواه الترمذي (^١) عن الحسن بن محمد الزعفراني عن عفان بن مسلم به، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فلفل.\n[حديث آخر] قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليم بن حيان عن سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة ختم بي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» (^٢) ورواه البخاري ومسلم والترمذي من طرق عن سليم بن حيان به، وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بني دارا فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة» انفرد به مسلم (^٤) من رواية الأعمش به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عثمان بن عبيد الراسبي قال: سمعت أبا الطفيل ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال «الرؤيا الحسنة» -أو قال- «الرؤيا الصالحة».\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال:\nهذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأكملها وأحسنها وأجملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك-قال رسول الله ﷺ-فكنت أنا اللبنة» (^٧) أخرجاه من حديث عبد الرزاق.\n[حديث آخر] عن أبي هريرة ﵁ أيضا قال الإمام مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قالوا حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله\n_________\n(^١) كتاب الرؤيا باب ٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ١٨، ومسلم في الفضائل حديث ٢٢، ٢٣، والترمذي في الأدب باب ٧٧، والمناقب باب ١.\n(^٣) المسند ٣/ ٩.\n(^٤) كتاب الصلاة حديث ٢٠٧، ٢٠٨.\n(^٥) المسند ٥/ ٤٥٤.\n(^٦) المسند ٢/ ٣١٢.\n(^٧) أخرجه البخاري في المناقب باب ١٨، ومسلم في الفضائل حديث ٢٠، ٢٣.","vol":"6","page":382},{"text":"عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (^١) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث إسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي:\nحسن صحيح.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا موضع لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة» (^٢) ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، حدثنا سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته».\n[حديث آخر] قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» (^٤) أخرجاه في الصحيحين.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما كالمودع فقال: «أنا محمد النبي الأمي-ثلاثا-ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله تعالى أحلوا حلاله، وحرموا حرامه» تفرد به الإمام أحمد.\nورواه الإمام أحمد (^٦) أيضا عن يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة لهيعة عن عبد الله بن سريج الخولاني عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٥ - ٨، والترمذي في السير باب ٥.\n(^٢) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل.\n(^٣) المسند ٤/ ١٢٧.\n(^٤) أخرجه البخاري في المناقب باب ١٧، ومسلم في الفضائل حديث ١٢٤، ١٢٥.\n(^٥) المسند ٢/ ٢١٢.\n(^٦) المسند ٢/ ١٧٢.","vol":"6","page":383},{"text":"﵄، فذكر مثله سواء.\nوالأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب وأفاك دجال ضال مضل، لو تخرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات فكلها محال وضلال عند أولي الألباب كما أجرى الله ﷾ على يد الأسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها.\nوهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] الآية، وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا ما دامت الأرض والسموات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1574>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤١ إلى ٤٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم ﵎ المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب. قال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن سعيد، حدثني مولى ابن عياش عن أبي بحرية عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم» قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال ﷺ: «ذكر الله ﷿» (^٢) وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن زياد\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٩٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الدعاء باب ٦، وابن ماجة في الأدب باب ٥٣.","vol":"6","page":384},{"text":"مولى ابن عياش عن أبي بحرية واسمه عبد الله بن قيس التراغمي عن أبي الدرداء ﵁ به، قال الترمذي: رواه بعضهم عنه فأرسله. قلت وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى:\n﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾ في مسند الإمام أحمد من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش أنه بلغه عن معاذ بن جبل ﵁ عن رسول الله ﷺ بنحوه، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا فرج بن فضالة عن أبي سعيد الحمصي قال:\nسمعت أبا هريرة ﵁ يقول: دعاء سمعته من رسول الله ﷺ لا أدعه: اللهم اجعلني أعظم شكرك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك، ورواه الترمذي (^٢) عن يحيى بن موسى عن وكيع عن أبي فضالة الفرج بن فضالة عن أبي سعيد الحمصي عن أبي هريرة ﵁، فذكر مثله، وقال: غريب، وهكذا رواه الإمام أحمد أيضا عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن فرج بن فضالة عن أبي سعيد المري عن أبي هريرة ﵁، فذكره.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بسر يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال ﷺ: «من طال عمره وحسن عمله» وقال الآخر: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به، قال ﷺ: «لا يزال لسانك رطبا بذكر الله تعالى» (^٤) وروى الترمذي وابن ماجة الفصل الثاني من حديث معاوية بن صالح به، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا سريج، حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث قال: إن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال «أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون». وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم العمي، حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن عقبة بن أبي ثبيب الراسبي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «اذكروا الله ذكرا كثيرا حتى يقول المنافقون إنكم تراؤون».\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٧٧.\n(^٢) كتاب الدعوات باب ١١٣.\n(^٣) المسند ٤/ ١٩٠.\n(^٤) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٤.\n(^٥) المسند ٣/ ٦٨.\n(^٦) المسند ٢/ ٢٢٤.","vol":"6","page":385},{"text":"رسول الله ﷺ: «ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة». وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال ﷿: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته، والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله تعالى كثيرة جدا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك. وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي والمعمري وغيرهما. ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب الأذكار للشيخ محيي الدين النووي ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي عند الصباح والسماء، كقوله ﷿ ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ هذا تهييج إلى الذكر، أي أنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله ﷿ ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] وقال النبي ﷺ «يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (^١) والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه، وقال غيره: الصلاة من الله ﷿ الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين، والله أعلم.\nوأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٧ - ٩] الآية. وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه من سواهم من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ١٥، ٤٣، ومسلم في الذكر حديث ٢، ٢١.","vol":"6","page":386},{"text":"الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم من الطغاة، وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه ﵃، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني، ابني، وسعت فأخذته، فقال القوم:\nيا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، قال فخفضهم رسول الله ﷺ وقال «لا، والله لا يلقي حبيبه في النار» إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن في صحيح الإمام البخاري (^٢) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امراة من السبي قد أخذت صبيا لها فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟» قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ «فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها» وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ الظاهر أن المراد-والله أعلم-تحيتهم، أي من الله تعالى يوم يلقونه سلام أي يوم يسلم عليهم كما قال ﷿: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. [قلت] وقد يستدل له بقوله تعالى: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ يعني الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والملاذ والمناظر، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1575>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٠٤.\n(^٢) كتاب الأدب باب ١٨، وأخرجه مسلم في التوبة حديث ٢٢.\n(^٣) المسند ٢/ ١٧٤.","vol":"6","page":387},{"text":"القرآن ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وقد رواه البخاري (^١) في البيوع عن محمد بن سنان عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي به. ورواه في التفسير عن عبد الله، قيل ابن رجاء، وقيل ابن صالح، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو به.\nورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عبد الله بن رجاء عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون به.\nوقال البخاري في البيوع: وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام ﵁، وقال وهب بن منبه: إن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعياء: أن قم في قومك بني إسرائيل فإني منطق لسانك بوحي وأبعث أميا من الأميين، أبعثه ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا لا يقول الخنا، أفتح به أعينا كمها وآذانا صما وقلوبا غلفا، أسدده لكل أمر جميل وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلال، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين لما جاءت به رسلي، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قيانا وقعودا ويقاتلون في سبيل الله صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفا، يطهرون الوجوه والأطراف ويشدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته، وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، وأعز من نصرهم وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم، أو بغى عليهم أو أراد أن ينتزع شيئا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤٨، باب ٣، والبيوع باب ٥٠.","vol":"6","page":388},{"text":"الزكاة ويوفون بعهدهم أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. هكذا رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني ﵀.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وقد كان أمر عليا ومعاذا ﵄ أن يسيرا إلى اليمن فقال «انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾».\nورواه الطبراني عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي بإسناده مثله، وقال في آخره «فإنه قد أنزل علي يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على أمتك ومبشرا بالجنة ونذيرا من النار وداعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه وسراجا منيرا بالقرآن». فقوله تعالى: ﴿شاهِدًا﴾ أي لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة وجئنا بك على هؤلاء شهيدا كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقوله ﷿: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أي بشيرا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا للكافرين من وبيل العقاب. وقوله جلت عظمته: ﴿وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي داعيا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ أي وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشرافها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند. وقوله جل وعلا ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي لا تطعهم وتسمع منهم في الذي يقولونه ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي اصفح وتجاوز عنهم، وكل أمرهم إلى الله تعالى، فإن فيه كفاية لهم، ولهذا قال ﷻ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1576>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾\nهذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة منها إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده أو في الوطء أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده إلا في هذه الآية، فإنه استعمل في العقد وحده لقوله ﵎: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِناتِ﴾ خرج مخرج الغالب إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب والحسن البصري","vol":"6","page":389},{"text":"وعلي بن الحسين زين العابدين وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله، وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى صحة الطلاق قبل النكاح فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فعندهما متى تزوجها طلقت منه، واختلفا فيما إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال أبو حنيفة ﵀: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه، فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس يعني ابن أبي إسحاق، قال: سمعت آدم مولى خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن مطر عن الحسن بن مسلم بن يناق عن ابن عباس ﵄ قال: إنما قال الله ﷿: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح، وهكذا روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال الله تعالى: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا طلاق قبل النكاح.\nوقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» (^١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. وقال الترمذي. هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب، وهكذا روى ابن ماجة عن علي والمسور بن مخرمة ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا طلاق قبل نكاح» (^٢).\nوقوله ﷿: ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ هذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها، فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضا. وقوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمي لها. قال الله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الطلاق باب ٧، وابن ماجة في الطلاق باب ١٧، وأحمد في المسند ٢/ ١١٠، ١٨٩، ١٩٠، ٢٠٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الطلاق باب ٩، وابن ماجة في الطلاق باب ١٧.","vol":"6","page":390},{"text":"﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال ﷿ ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦].\nوفي صحيح البخاري (^١) عن سهل بن سعد وأبي أسيد ﵄ قالا: إن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه ﷺ بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقين، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: إن كان سمى لها صداقا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقا أمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1577>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾\nيقول تعالى مخاطبا نبيه ﷺ بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن وهي الأجور هاهنا، كما قاله مجاهد وغير واحد. وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونشا وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربعمائة دينار وإلا صفية بنت حيي فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، كذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها-﵅ أجمعين-.\nوقوله تعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ أي وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما، وملك ريحانة بنت شمعون النضرية ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ﵉، وكانتا من السراري ﵄.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ﴾ الآية، هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط، فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت وهذا شنيع فظيع، وإنما قال: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ﴾ فوحد لفظ الذكر لشرفه وجمع الإناث لنقصهن\n_________\n(^١) كتاب الطلاق باب ٣.","vol":"6","page":391},{"text":"كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وله نظائر كثيرة.\nوقوله تعالى: ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل عن السدي عن أبي صالح عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه كنت من الطلقاء. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن عبيد الله بن موسى به، ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عنها بنحوه، ورواه الترمذي في جامعه. وهكذا قال أبو رزين وقتادة إن المراد من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي أسلمن، وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود «واللائي هاجرن معك».\nوقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ﴾ الآية، أي ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى فيها شرطان، كقوله تعالى إخبارا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وكقول موسى ﵇ ﴿يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وقال هاهنا: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ الآية.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ: «إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا» فقال: لا أجد شيئا، فقال «التمس ولو خاتما من حديد» فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي ﷺ: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم سورة كذا وسورة كذا-السور يسميها-فقال له النبي ﷺ: «زوجتكها بما معك من القرآن» (^٢) أخرجاه من حديث مالك.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتا يقول: كنت مع أنس\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٣٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في النكاح باب ٤٠، ومسلم في النكاح حديث ٣٥، ٧٦.\n(^٣) المسند ٣/ ٢٦٨.","vol":"6","page":392},{"text":"جالسا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله هل لك في حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها، فقال: «هي خير منك رغبت في النبي فعرضت عليه نفسها» انفرد بإخراجه البخاري (^١) من حديث مرحوم بن عبد العزيز عن ثابت البناني عن أنس به.\nوقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا عبد الله بن بكير، حدثنا سنان بن ربيعة عن الحضرمي عن أنس بن مالك أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ابنة لي كذا وكذا، فذكرت من حسنها وجمالها فآثرتك بها، فقال: «قد قبلتها» فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تشك شيئا قط، فقال: «لا حاجة لي في ابنتك» لم يخرجوه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا ابن أبي الوضاح يعني محمد بن مسلم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة بنت حكيم وقال ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن عن هشام عن أبيه: كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله ﷺ وكانت امرأة صالحة. فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم أو هي امرأة أخرى.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة امرأة، ستا من قريش: خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة، وثلاثا من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وزينب أم المساكين، وامرأة من بني بكر بن كلاب من القرظيات، وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتين صفية بنت حيي بن أخطب وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية.\nوقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ قال: هي ميمونة بنت الحارث، فيه انقطاع، هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي ﷺ في حياته، فالله أعلم.\nوالغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ كثير، كما قال البخاري (^٣): حدثنا زكريا بن\n_________\n(^١) كتاب النكاح باب ٤٠.\n(^٢) المسند ٣/ ١٥٥.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٧.","vol":"6","page":393},{"text":"يحيى، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي، حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الأزهر عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له. ووراه ابن جرير عن أبي كريب عن يونس بن بكير، أي أنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان ذلك مباحا له ومخصوصا به، لأنه مردود إلى مشيئته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ أي إن اختار ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال عكرمة أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئا، وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما، أي أنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها وجب عليه لها مهر مثلها، كما حكم به رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق لما فوضت، فحكم لها رسول الله ﷺ بصداق مثلها لما توفي عنها زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير المهر وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي ﷺ، فأما هو ﵊ فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها، لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي، ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش ﵂، ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ قال أبي بن كعب ومجاهد والحسن وقتادة وابن جرير في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ﴾ أي من حصرهم في أربع نسوة حرائر، وما شاؤوا من الإماء واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة وقد رخصنا لك في ذلك فلم نوجب عليك شيئا منه ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1578>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]</span>\n﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن بشر، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة\n_________\n(^١) المسند ٦/ ١٥٨.","vol":"6","page":394},{"text":"﵂ أنها كانت تغير من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله ﷿ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ الآية، قالت: إني أرى ربك يسارع لك في هواك. وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة، فدل هذا على أن المراد بقوله: ﴿تُرْجِي﴾ أي تؤخر ﴿مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي من الواهبات ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ أي من شئت قبلتها ومن شئت رددتها، ومن رددتها فأنت فيها أيضا بالخيار بعد ذلك إن شئت عدت فيها فآويتها، ولهذا قال:\n﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾.\nقال عامر الشعبي في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية، كن نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده، منهن أم شريك وقال آخرون: بل المراد بقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية، أي من أزواجك لا حرج عليك أن تترك القسم لهن، فتقدم من شئت وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت وتترك من شئت، هكذا يروى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، ومع هذا كان النبي ﷺ يقسم لهن، ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبا عليه ﷺ، واحتجوا بهذه الآية الكريمة.\nوقال البخاري (^١): حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله هو ابن المبارك، وأخبرنا عاصم الأحول عن معاذ عن عائشة أن رسول الله ﷺ: كان يستأذن في اليوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول إن كان ذلك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا.\nفهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجود القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء، اللاتي عنده أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أن تقسم لهن اختيارا منك، لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به، وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمتك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي من الميل إلى بعضهن دون بعض مما\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٧.","vol":"6","page":395},{"text":"لا يمكن دفعه، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (^٢) ورواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن سلمة، وزاد أبو داود بعد قوله «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب. وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات، ولهذا عقب ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ أي بضمائر السرائر ﴿حَلِيمًا﴾ أي يحلم ويغفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1579>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]</span>\n﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾\nذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم، أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله ﷺ كما تقدم في الآية، فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة لرسول الله ﷺ عليهن.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن عائشة ﵂ قالت:\nما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء (^٣)، ورواه أيضا من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة، ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما، وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني عمر بن أبي بكر، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الخزامي عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عبد الله بن وهب بن زمعة عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي عدة الوفاة في البقرة، الأولى ناسخة للتي بعدها، والله أعلم.\nوقال آخرون: بل معنى الآية ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد ما ذكرنا لك من\n_________\n(^١) المسند ٦/ ١٤٤.\n(^٢) أخرجه أبو داود في النكاح باب ٣٨، والترمذي في النكاح باب ٤١، والنسائي في النساء باب ٢، وابن ماجة في النكاح باب ٤٧، والدارمي في النكاح باب ٢٥.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٣، باب ١٩، ولم أجده بهذا اللفظ في مسند أحمد بن حنبل.","vol":"6","page":396},{"text":"صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك، اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك، وهذا ما روي عن أبي بن كعب ومجاهد في رواية عنه، وعكرمة والضحاك في رواية، وأبي رزين في رواية عنه، وأبي صالح والحسن وقتادة في رواية، والسدي وغيرهم.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى عن زياد عن رجل من الأنصار قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ توفين أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قلت قول الله تعالى:\n﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فقال: إنما أحل الله له ضربا من النساء، فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ ثم قيل له:\n﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ورواه عبد الله بن أحمد من طرق عن داود به.\nوروى الترمذي (^٢) عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ فأحل الله فتياتكم المؤمنات، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآية.\nوقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء، وقال مجاهد ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد ما سمى لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة وقال أبو صالح ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غربية، ويتزوج بعد من نساء تهامة وما شاء من بنات العم والعمة والخال والخالة إن شاء ثلاثمائة.\nوقال عكرمة ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي التي سمى الله.\nواختار ابن جرير ﵀: أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعا، وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف، فإن كثيرا منهم روى عنه هذا وهذا ولا منافاة، والله أعلم. ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها! وعزم على فراق سودة حتى وهبت يومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ﴾ الآية، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية صحيح، ولكن لا يحتاج إلى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣١٧.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ١٩.","vol":"6","page":397},{"text":"ذلك، فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، فالله أعلم، فأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة رضي الله ﵎ عنها وهي سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ [النساء:١٢٨] الآية.\nوأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حيي عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن عمر أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها (^١)، وهذا إسناد قوي.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك، إنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا، ورجاله على شرط الصحيحين.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ فنهاه عن الزيادة إن طلق واحدة منهن، واستبدال غيرها بها، إلا ما ملكت يمينه، وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا مناسبا ذكره هاهنا، فقال: حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله القرشي، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك: وأبادلك بامراتي، أي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ قال فدخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي ﷺ وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله ﷺ فأين الاستئذان؟» فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ: «هذه عائشة أم المؤمنين» قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ قال «يا عيينة إن الله قد حرم ذلك» فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال «هذا أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه» ثم قال البزار: إسحاق بن عبد الله لين الحديث جدا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه وبينا العلة فيه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الطلاق باب ٣٨، والنسائي في الطلاق باب ٨٦، وابن ماجة في الطلاق باب ١.","vol":"6","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1580>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾\nهذه آية الحجاب وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب ﵁، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي ﷿ في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك (^١)، وفي رواية لمسلم (^٢) ذكر أسارى بدر وهي قضية رابعة.\nوقد قال البخاري (^٣): حدثنا مسدد عن يحيى عن حميد عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش الأسدية التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما، وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم.\nقال البخاري (^٤): حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز عن أنس بن مالك ﵁ قال لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣] الآية، وقد رواه أيضا في موضع آخر، ومسلم والنسائي من طرق عن معتمر بن سليمان به.\nثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٢، وتفسير سورة ٢، باب ٩، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٤.\n(^٢) كتاب فضائل الصحابة حديث ٢٤.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٨.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ٨.","vol":"6","page":399},{"text":"بنحوه، ثم قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: بنى النبي ﷺ زينت بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا رسول الله ما أجد أحدا أدعوه، قال «ارفعوا طعامكم». وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت فخرج النبي ﷺ، فانطلق إلى حجرة عائشة ﵂ فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته» قالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك يا رسول الله؟ بارك الله لك؟ فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله والأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزل آية الحجاب (^١). انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب الستة سوى النسائي في اليوم والليلة من حديث عبد الوارث، ثم رواه عن إسحاق هو ابن منصور عن عبد الله بن بكر السهمي عن حميد عن أنس بنحو ذلك، وقال رجلان: انفرد به من هذا الوجه، وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان عن الجعد أبي عثمان اليشكري عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسا ثم جعلته في تور فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ وأقرئه مني السلام وأخبره أن هذا منا له قليل، قال أنس: والناس يومئذ في جهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله بعثت بهذا أم سليم إليك، وهي تقرئك السلام وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قال «ضعه» فوضعته في ناحية البيت ثم قال: «اذهب فادع لي فلانا وفلانا» فسمى رجالا كثيرا وقال «ومن لقيت من المسلمين».\nفدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين، فجئت والبيت والصفة والحجرة ملأى من الناس، فقلت: يا أبا عثمان كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة. قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ «جيء به» فجئت به إليه فوضع يده عليه ودعا وقال «ما شاء الله» ثم قال «ليتحلق عشرة عشرة، وليسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه» فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم، فقال لي رسول الله ﷺ «ارفعه» قال: فجئت فأخذت التور، فنظرت فيه فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ وزوج رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ وكان أشد الناس حياء، ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزا، فقام رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) راجع الحاشية السابقة.","vol":"6","page":400},{"text":"فخرج فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا.\nوجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرا وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يتلو هذا الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيات، قال أنس: فقرأهن علي قبل الناس، فأنا أحدث الناس بهن عهدا (^١)، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن جعفر بن سليمان به، وقال الترمذي:\nحسن صحيح، وعلقه البخاري في كتاب النكاح، فقال: وقال إبراهيم بن طهمان عن الجعد أبي عثمان عن أنس فذكر نحوه. ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الجعد به، وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك عن شريك عن بيان بن بشر عن أنس بنحوه، ورواه البخاري والترمذي من طريقين آخرين عن بيان بن بشر الأحمسي الكوفي عن أنس بنحوه، ورواه ابن أبي حاتم أيضا من حديث أبي نضرة العبدي عن أنس بن مالك بنحو ذلك، ولم يخرجوه، ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد ومن حديث الزهري عن أنس بنحو ذلك.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: «اذهب فاذكرها علي» قال: فانطلق زيد حتى أتاها-قال-وهي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري، وذكر تمام الحديث كما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا﴾ وزاد في آخره بعد قوله: ووعظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية. وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: إن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع-وهو صعيد أفيح (^٤) -وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله ﷺ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب، هكذا وقع في هذه الرواية،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في النكاح باب ٦٤، ومسلم في النكاح حديث ٨٧، ٩٢، ٩٤، ٩٥، والترمذي في تفسير سورة ٣٣، باب ٢١، ٢٢.\n(^٢) المسند ٣/ ١٩٥، ١٩٦.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٣٢٤.\n(^٤) أفيح: أي واسع.","vol":"6","page":401},{"text":"والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب.\nكما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة، لا تخفى على من يعرفها، فرأها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه، فقال «إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن» (^١) لفظ البخاري، فقوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة ولهذا قال رسول الله ﷺ: «إياكم والدخول على النساء» (^٢) الحديث، ثم استثنى من ذلك فقال تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه، وهذا دليل على تحريم التطفيل وهو الذي تسميه العرب الضيفن، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم الطفيليين، وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.\nثم قال تعالى: ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو غيره» (^٣) وأصله في الصحيحين، وفي الصحيح أيضا عن رسول الله ﷺ «لو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت، فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل وانتشروا في الأرض» (^٤) ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونسوا أنفسهم حتى شق ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ وقيل المراد إن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، ولكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ﵇ حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي ولهذا نهاكم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٣، باب ٨، وأحمد في المسند ٦/ ٥٦.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الرضاع باب ١٦، وأحمد في المسند ٤/ ١٤٩، ١٥٣.\n(^٣) أخرجه مسلم في النكاح حديث ١٠٠، وأبو داود في الأطعمة باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ١٤٦.\n(^٤) أخرجه البخاري في النكاح باب ٧٣، والهبة باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٤، ٤٧٩، ٤٨١، ولفظهم: «لو أهدي إلي ذراع لقبلت».","vol":"6","page":402},{"text":"عن ذلك وزجركم عنه.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن، فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن مسعر عن موسى بن أبي كثير عن مجاهد عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ حيسا في قعب، فمر عمر فدعاه فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال حسن أو أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب.\nوقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا مهران عن سفيان عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى:\n﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده، قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذلك.\nوكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي إن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك، ولهذا اجتمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده، لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين كما تقدم، واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته: هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين مأخذهما هل دخلت هذه في عموم قوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره والحالة هذه نزاعا، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود عن عامر أن نبي الله ﷺ مات وقد ملك قيلة ابنة الأشعث-يعني ابن قيس-فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه، إنها لم يخيرها رسول الله ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها:\nقال: فاطمأن أبو بكر ﵁ وسكن، وقد عظم الله ﵎ ذلك، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ ثم قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه، فإنه لا تخفى عليه خافية ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٢٧.","vol":"6","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1581>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٥]</span>\n﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاِتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾\nلما أمر ﵎ النساء بالحجاب من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] وفيها زيادات على هذه، وقد تقدم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقد سأل بعض السلف فقال: لم لم يذكر العم والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي بأنهما لم يذكرا لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما. قال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، حدثنا داود عن الشعبي وعكرمة في قوله تعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ﴾ الآية، قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قال لأنهما ينعتانهما لأبنائهما وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها. وقوله تعالى: ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ يعنى بذلك عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات. وقوله تعالى: ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ يعني به أرقاءهن من الذكور والإناث كما تقدم التنبيه عليه وإيراد الحديث فيه، قال سعيد بن المسيب:\nإنما يعني به الإماء فقط، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية فراقبن الرقيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1582>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾\nقال البخاري (^٢): قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون يبركون، هكذا علقه البخاري عنهما، وقد رواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية كذلك، وروي مثله عن الربيع أيضا، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كما قاله سواء، رواهما ابن أبي حاتم.\nوقال أبو عيسى الترمذي (^٣): وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم، قالوا:\nصلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٢٨.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ١٠.\n(^٣) كتاب الوتر باب ٢١.","vol":"6","page":404},{"text":"ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو الأودي، حدثنا وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة، قال الأعمش أراه عن عطاء بن أبي رباح ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: صلاته ﵎ سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي والمقصود من هذه الآية أن الله ﷾ أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: العلوي والسفلي جميعا.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن إسحاق عن جعفر يعني ابن المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه ﷿: يا موسى سألوك هل يصلي ربك، فقل: نعم أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nوقد أخبر ﷾ بأنه يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب:\n٤١ - ٤٣] الآية وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] الآية، وفي الحديث «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» (^١)، وفي الحديث الآخر «اللهم صل على آل أبي أوفي» (^٢) وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها «صلى الله عليك وعلى زوجك» (^٣)، وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله ما تيسر والله المستعان.\nقال البخاري (^٤) عند تفسير هذه الآية: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا أبي عن مسعر عن الحكم عن ابن أبي ليلى. عن كعب بن عجرة قال: قيل يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: «قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٩٥، وابن ماجة في الإقامة باب ٥٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٣٢، وأبو داود في الزكاة باب ٧، والنسائي في الزكاة باب ١٣، وابن ماجة في الزكاة باب ٨، وأحمد في المسند ٤/ ٣٥٣، ٣٥٥، ٣٨١، ٣٨٣.\n(^٣) أخرجه الدارمي في المقدمة باب ٧.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ١٠.","vol":"6","page":405},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله قد علمنا أو عرفنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة؟ فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (^٢) وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم من طرق متعددة عن الحكم وهو ابن عتيبة، زاد البخاري وعبد الله بن عيسى كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فذكره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفه، حدثنا هشيم بن بشير عن يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك، قال «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول وعلينا معهم. ورواه الترمذي (^٣) بهذه الزيادة، ومعنى قولهم أما السلام عليك فقد عرفناه هو الذي في التشهد، الذي كان يعلمهم إياه كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وفيه السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.\n[حديث آخر] قال البخاري (^٤): حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث عن ابن الهاد عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله هذا السلام، فكيف نصلي عليك؟ قال «قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم» قال أبو صالح عن الليث: على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم. حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والداوردي عن يزيد يعني ابن الهاد قال: كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم. وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث ابن الهاد به.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٤١.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ١٠، وتفسير سورة ٣٣، باب ١٠، والدعوات باب ٣٢، ومسلم في الصلاة حديث ٦٥، ٦٦، وأبو داود في الصلاة باب ١٧٩، والترمذي في الوتر باب ٢٠، وتفسير سورة ٣٣، باب ٢٣، والنسائي في السهو باب ٥١، ٥٢، وابن ماجة في الإقامة باب ٢٥.\n(^٣) كتاب الوتر باب ٢٠.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ١٠.","vol":"6","page":406},{"text":"[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^١): قرأت على عبد الرحمن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرو بن سليم أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال «قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (^٢) وقد أخرجه بقية الجماعة سوى الترمذي من حديث مالك به.\n[حديث آخر] قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال: قرأت على مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: وعبد الله بن زيد هو الذي كان أري النداء بالصلاة، أخبره عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ:\n«قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم» (^٣) وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير من حديث مالك به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» وذكره ورواه الشافعي ﵀ في مسنده عن أبي هريرة بمثله، ومن هاهنا ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته.\nوقد شرع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يشنع على الإمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماع على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم فيما نقله القاضي عياض عنهم، وقد تعسف هذا القائل في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك، وقال ما لم يحط به علما، فإنا قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة، كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٤٢٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ١٠، ومسلم في الصلاة حديث ٦٦.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٧٩، ومسلم في الصلاة حديث ٦٩، والنسائي في السهو باب ٥١، وأحمد في المسند ٤/ ١١٩.","vol":"6","page":407},{"text":"الحديث عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: الشعبي وأبو جعفر الباقر ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب الشافعي لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضا، وإليه ذهب الإمام أحمد أخيرا فيما حكاه عنه أبو زرعه الدمشقي به، وبه قال إسحاق بن راهويه والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز المالكي ﵏، حتى إن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، وحتى إن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على آله فيما حكاه البندنيجي وسليم الرازي وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي. والصحيح أنه وجه على أن الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه ظواهر الحديث والله أعلم.\nوالغرض أن الشافعي ﵀ يقول بوجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة سلفا وخلفا كما تقدم، ولله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديما ولا حديثا، والله أعلم. ومما يؤيد ذلك الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من رواية حيوة بن شريح المصري عن أبي هانئ حميد بن هانئ عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي، فقال رسول الله ﷺ «عجل هذا» ثم دعاه فقال له أو لغيره «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله ﷿ والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ثم ليدع بعد بما شاء» (^١) وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجة من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه قال «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار» (^٢) ولكن عبد المهيمن هذا متروك وقد رواه الطبراني من رواية أخيه أبي بن عباس، ولكن في ذلك نظر، وإنما يعرف من رواية عبد المهيمن، والله أعلم.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل عن أبي داود الأعمى عن بريدة قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال «قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد» أبو داود الأعمى اسمه نفيع بن الحارث، متروك.\n[حديث آخر] موقوف. رويناه من طريق سعيد بن منصور ويزيد بن هارون وزيد بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٣، وأحمد في المسند ٦/ ١٨.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الطهارة باب «ما جاء في التسمية في الوضوء».\n(^٣) المسند ٥/ ٣٥٣.","vol":"6","page":408},{"text":"الحباب، ثلاثتهم عن نوح بن قيس: حدثنا سلامة الكندي أن عليا ﵁ كان يعلم الناس هذا الدعاء: اللهم داحي المدحوات، وبارئ المسموكات، وجبار القلوب على فطرتها:\nشقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، وفضائل آلائك، على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما حمل فاضطلع بأمرك لطاعتك، مستوفزا في مرضاتك غير نكل في قدم، ولا واهن في عزم، واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، وأبهج موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللهم افسح له في عدنك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، له مهنآت غير مكدرات، من فوز ثوابك المحلول وجزيل عطائك المجمول، اللهم أعل على بناء البانين بنيانه. وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتمم له نوره واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، مرضي المقالة ذا منطق عدل، وخطة فصل، وحجة وبرهان عظيم (^١)، هذا مشهور من كلام علي ﵁، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي ﷺ إلا أن في إسناده نظرا. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي هذا ليس بمعروف ولم يدرك عليا، كذا قال، وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمد بن علي الصائغ عن سعيد بن منصور: حدثنا نوح بن قيس عن سلامة الكندي قال:\nكان علي ﵁ يعلمنا الصلاة على النبي ﷺ فيقول: اللهم داحي المدحوات، وذكره.\n[حديث آخر] موقوف قال ابن ماجة (^٢): حدثنا الحسين بن بيان حدثنا زياد بن عبد الله، حدثنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ، فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قال: فقالوا له علمنا، قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وهذا موقوف، وقد روى إسماعيل القاضي عن عبد الله بن\n_________\n(^١) انظر نهج البلاغة بشرح الشيخ محمد عبده الخطبة السبعون، ص ١٢٠ - ١٢٣، وقد وقع هنا اختلاف في بعض الألفاظ مع ما في النهج.\n(^٢) كتاب الإقامة باب ٢٥.","vol":"6","page":409},{"text":"عمرو أو عمر على الشك من الراوي قريبا من هذا.\n[حديث آخر] قال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا أبو إسرائيل عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل، فقلنا: أو قالوا يا رسول الله علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمدا وآل محمد، كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد» فيستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز الترحم على النبي ﷺ كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابي الذي قال:\nاللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال رسول الله ﷺ «لقد حجّرت واسعا» (^٢) وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول:\n«من صلى علي صلاة، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر» ورواه ابن ماجة (^٤) من حديث شعبة به.\n[حديث آخر] قال أبو عيسى الترمذي (^٥): حدثنا بندار، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثني موسى بن يعقوب الزمعي، حدثني عبد الله بن كيسان أن عبد الله بن شداد أخبره عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة» تفرد بروايته الترمذي ﵀، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.\n[حديث آخر] قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني آت من ربي فقال لي: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا» فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله ألا أجعل نصف دعائي لك؟ قال «إن شئت». قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال «إن شئت». قال: ألا أجعل دعائي لك كله. قال «إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة» فقال شيخ كان بمكة يقال له منيع لسفيان عمن أسنده: لا أدري.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٢٩، ٣٣٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ٢٧.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٤٥.\n(^٤) كتاب الإقامة باب ٢٥.\n(^٥) كتاب الوتر باب ٢١.","vol":"6","page":410},{"text":"[حديث آخر] قال إسماعيل القاضي: حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج في جوف الليل فيقول «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» فقال أبي:\nيا رسول الله إني أصلي من الليل، أفأجعل لك ثلث صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ «الشطر».\nقال: أفأجعل لك شطر صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ «الثلثان». قال: أفأجعل لك صلاتي كلها؟ قال «إذن يغفر لك الله ذنبك كله».\nوقد رواه الترمذي (^١) بنحوه، فقال: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل، قام فقال: «يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه» قال أبي: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال «ما شئت» قلت: الربع؟ قال «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك» قلت: فالنصف؟ قال «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك». قلت فالثلثين؟ قال:\n«ما شئت، فإن زدت فهو خير لك» قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال «إذن تكفي همك، ويغفر لك ذنبك» ثم قال: هذا حديث حسن.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال «إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك».\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي ويونس هو ابن محمد، قالا: حدثنا ليث عن يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمر عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله ﷺ، فاتبعته حتى دخل نخلا، فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون قد توفاه الله أو قبضه، قال فجئت أنظر فرفع رأسه فقال «ما لك يا عبد الرحمن؟» قال فذكرت ذلك له فقال «إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك إن الله ﷿ يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه».\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن\n_________\n(^١) كتاب القيامة باب ٢٣.\n(^٢) المسند ٥/ ١٣٦.\n(^٣) المسند ١/ ١٩١.\n(^٤) المسند ١/ ١٩١.","vol":"6","page":411},{"text":"بلال، حدثنا عمرو بن أبي عمرو بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف قال: قام رسول الله ﷺ فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدا فأطال السجود حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه ثم جلست، فرفع رأسه فقال: «من هذا؟» قلت: عبد الرحمن. قال «ما شأنك؟» قلت: يا رسول الله سجدت سجدة خشيت أن يكون الله قبض روحك فيها، فقال: «إن جبريل أتاني فبشرني أن الله ﷿ يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله ﷿ شكرا» ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه عن يحيى بن عبد الحميد عن الدراوردي، عن عمرو بن عبد الواحد عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف به، ورواه من وجه آخر عن عبد الرحمن.\n[حديث آخر] قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن بجير بن عبد الله بن معاوية بن بجير بن ريان، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد الله بن عمر عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد عن عمرو بن الخطاب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ لحاجة فلم يجد أحدا يتبعه، ففزع عمر فأتاه بمطهرة من خلفه، فوجد النبي ﷺ ساجدا في مشربة، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي ﷺ رأسه، فقال «أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه عشر صلوات ورفعه عشر درجات» وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج على الصحيحين، وقد رواه إسماعيل القاضي عن القعنبي عن سلمة بن وردان عن أنس عن عمر بنحوه ورواه أيضا عن يعقوب بن حميد عن أنس بن عياض عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب بنحوه.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو كامل حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت بن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله إنا لنرى السرور في وجهك، فقال «إنه أتاني الملك فقال: يا محمد أما يرضيك أن ربك ﷿ يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا، قلت: بلى» ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به، وقد رواه إسماعيل القاضي عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة بنحوه.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٠.","vol":"6","page":412},{"text":"[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا سريج، حدثنا أبو معشر عن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبي طلحة الأنصاري قال: أصبح رسول الله ﷺ يوما طيب النفس يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر، قال «أجل أتاني آت من ربي ﷿ فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها» وهذا أيضا إسناد جيد، ولم يخرجوه.\n[حديث آخر] روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا» (^٢) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وعامر بن ربيعة وعمار وأبي طلحة وأنس وأبي بن كعب.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شريك عن ليث عن كعب عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «صلوا علي، فإنها زكاة لكم وسلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في أعلى الجنة، ولا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا هو» تفرد به أحمد. وقد رواه البزار من طريق مجاهد عن أبي هريرة بنحوه، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق البكالي، حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا داود ابن علية عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا علي فإنها زكاة لكم، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة» فسألناه أو أخبرنا فقال «هي درجة في أعلى الجنة، وهي لرجل، وأرجو أن أكون ذلك الرجل» في إسناده بعض من تكلم فيه.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن جريج الخولاني، سمعت أبا قيس مولى عمرو بن العاص، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: من صلى على رسول الله ﷺ صلاة صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر، وسمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما كالمودع فقال «أنا محمد النبي الأمي-قاله ثلاث مرات-ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش وتجوز بي، عوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه».\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٦، والنسائي في السهو باب ٥٥.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٦٥.\n(^٤) المسند ٢/ ١٧٢.","vol":"6","page":413},{"text":"[حديث آخر] قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو سلمة الخراساني، حدثنا أبو إسحاق عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «من ذكرت عنده فليصل علي، ومن صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا» ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي داود الطيالسي عن أبي سلمة وهو المغيرة بن مسلم الخراساني، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن أنس به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يونس بن عمرو يعني يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات».\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الملك بن عمرو وأبو سعيد، قالا حدثنا سليمان بن بلال عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «البخيل من ذكرت عنده ثم لم يصلي علي» وقال أبو سعيد «فلم يصل علي» ورواه الترمذي (^٣) من حديث سليمان بن بلال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ومن الرواة من جعله من مسند الحسين بن علي، ومنهم من جعله من مسند علي نفسه.\n[حديث آخر] قال إسماعيل القاضي: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة عن معبد بن بلال العنزي، حدثنا رجل من أهل دمشق عن عوف بن مالك عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي».\n[حديث آخر] مرسل. قال إسماعيل: وحدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن يقول قال رسول الله ﷺ: «بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي».\n[حديث آخر] قال الترمذي (^٤): حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا ربعي بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة» ثم قال: حسن غريب.\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٠٢.\n(^٢) المسند ١/ ٢٠١.\n(^٣) كتاب الدعوات باب ١٠٠.\n(^٤) كتاب الدعوات باب ١٠٠.","vol":"6","page":414},{"text":"قلت: وقد رواه البخاري في الأدب عن محمد بن عبيد الله: حدثنا ابن أبي حازم عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه، ورويناه من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأنس. قلت: وابن عباس وكعب بن عجرة، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب الصيام عند قوله: ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما﴾ وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ كما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء منهم الطحاوي والحليمي، ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجة (^١): حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة» جبارة ضعيف، ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: قال رسول الله «من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة» وهذا مرسل يتقوى بالذي قبله، والله علم.\nوذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة عليه في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب، نقله الترمذي عن بعضهم، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي (^٢):\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة يوم القيامة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» تفرد به الترمذي من هذا الوجه، ورواه الإمام أحمد (^٣) عن حجاج ويزيد بن هارون كلاهما عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعا مثله، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ من غير وجه. وقد رواه إسماعيل القاضي من حديث شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبي سعيد قال «ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم يوم القيامة حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب». وحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه-﵊-في العمر مرة واحدة امتثالا لأمر الآية. ثم هي مستحبة في كل حال، وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعد ما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه ﷺ في الجملة. قال وقد حكى الطبراني أن محمل الآية على الندب وادعى فيه الإجماع قال ولعله فيما زاد على المرة والواجب فيه مرة كالشهادة له بالنبوة، وما زاد على ذلك فمندوب ومرغب فيه من سنن الإسلام وشعار أهله. [قلت] وهذا قول غريب، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة، فمنها واجب ومنها مستحب على ما نبينه.\n_________\n(^١) كتاب الدعوات باب الصلاة على النبي ﷺ.\n(^٢) كتاب الدعوات باب ١٠٠.\n(^٣) المسند ٢/ ٤٥٣.","vol":"6","page":415},{"text":"فمنه بعد النداء للصلاة للحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا كعب بن علقمة أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول: إنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم مؤذنا فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى عليّ صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» (^٢) وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث كعب بن علقمة.\n[طريق أخرى] قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عمرو بن علي بن أبي بكر الجشمي عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل الله لي الوسيلة حقت عليه شفاعتي يوم القيامة».\n[حديث آخر] قال إسماعيل القاضي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سعيد بن زيد عن ليث عن كعب الأحبار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم، وسلوا الله لي الوسيلة» قال: فإما حدثنا وإما سألناه، قال «الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل» ثم رواه عن محمد بن أبي بكر عن معتمر عن ليث وهو ابن أبي سليم به، وكذا الحديث الآخر.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم عن وفاء الحضرمي عن رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى على محمد وقال اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي» وهذا إسناد لا بأس به ولم يخرجوه.\n[أثر آخر]-قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثني معمر عن ابن طاوس عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى ﵉.\nإسناد جيد قوي صحيح.\nومن ذلك عند دخول المسجد والخروج منه للحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٤): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٦٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١١، وأبو داود في الصلاة باب ٣٦، والترمذي في المناقب باب ١، والنسائي في الأذان باب ٣٧.\n(^٣) المسند ٤/ ١٠٨.\n(^٤) المسند ٦/ ٢٨٢.","vol":"6","page":416},{"text":"الحسين عن جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال: «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك».\nوقال إسماعيل القاضي: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا سفيان بن عمر التميمي عن سليمان الضبي عن علي بن الحسين قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي ﷺ. وأما الصلاة عليه ﷺ في الصلاة، فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير ومن ذهب إلى ذلك من العلماء، منهم الشافعي ﵀ وأكرمه، وأحمد، وأما التشهد الأول فلا يجب فيه قولا واحدا وهل تستحب؟ على قولين للشافعي، ومن ذلك الصلاة عليه ﷺ في صلاة الجنازة، فإن السنة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ، وفي الثالثة يدعو للميت، وفي الرابعة يقول اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.\nقال الشافعي ﵀: حدثنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سرا في نفسه. ورواه النسائي عن أبي أمامة نفسه أنه قال من السنة، فذكره، وهذا من الصحابي في حكم المرفوع على الصحيح. ورواه إسماعيل القاضي عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن المسيب أنه قال: السنة في الصلاة على الجنازة، فذكره.\nوهكذا روي عن أبي هريرة وابن عمر والشعبي، ومن ذلك في صلاة العيد قال إسماعيل القاضي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة، خرج عليهم الوليد بن عقبة يوما قبل العبد فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي ﷺ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تركع، فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن، إسناد صحيح.\nومن ذلك أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه ﷺ قال الترمذي (^١): حدثنا أبو داود،\n_________\n(^١) كتاب الوتر باب ٢١.","vol":"6","page":417},{"text":"حدثنا النضر بن شميل عن أبي قرة الأسدي عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال:\nالدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك. وكذا رواه أيوب بن موسى عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب. ورواه معاذ بن الحارث عن أبي قرة عن سعيد بن المسيب عن عمر مرفوعا، وكذا رواه رزين بن معاوية في كتابه مرفوعا عن النبي ﷺ قال «الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى علي، فلا تجعلوني كغمر الراكب، صلوا علي أول الدعاء وآخره وأوسطه».\nوهذه الزيادة إنما تروى من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكشي حيث قال: حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: قال جابر: قال لنا رسول الله ﷺ: «لا تجعلوني كقدح الراكب إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء، فإذا كان له حاجة في الوضوء توضأ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب وإلا أهرق ما فيه، اجعلوني في أول الدعاء وفي وسط الدعاء وفي آخر الدعاء» وهذا حديث غريب، وموسى بن عبيدة ضعيف الحديث.\nومن آكد ذلك دعاء القنوت لما رواه أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث أبي الجوزاء عن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، (^١) وزاد النسائي في سننه بعد هذا وصلى الله على محمد.\nومن ذلك أنه يستحب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة. قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسين بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ يعني وقد بليت، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (^٣) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث حسين بن علي الجعفي، وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٥، والترمذي في الوتر باب ١٠، والنسائي في قيام الليل باب ٥١، وابن ماجة في الإقامة باب ١١٧، وأحمد في المسند ١/ ١٩٩، ١٠٠.\n(^٢) المسند ٤/ ٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٢٠١، والوتر باب ٢٦، والنسائي في الجمعة باب ٥، وابن ماجة في الإقامة باب ٧٩، والجنائز باب ٦٥.","vol":"6","page":418},{"text":"وابن حبان والدارقطني والنووي في الأذكار.\n[حديث آخر] قال أبو عبد الله بن ماجة (^١): حدثنا عمرو بن سواد المصري، حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لا يصلي علي فيه إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها» قال:\nقلت وبعد الموت؟ «قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق» هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع بين عبادة بن نسي وأبي الدرداء فإنه لم يدركه، والله أعلم.\nوقد روى البيهقي من حديث أبي أمامة وابن مسعود عن النبي ﷺ في الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن في إسنادهما ضعف، والله أعلم. وروي مرسلا عن الحسن البصري يقول: قال إسماعيل القاضي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن البصري فقال رسول الله ﷺ: «لا تأكل الأرض جسد من كلمه روح القدس» مرسل حسن، وقال القاضي وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي ﷺ قال «إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة، فأكثروا الصلاة علي» هذا مرسل، وهكذا يجب على الخطيب أن يصلي على النبي ﷺ يوم الجمعة على المنبر في الخطبتين، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك لأنها عبادة، وذكر الله شرط فيها فوجب ذكر الرسول ﷺ فيها كالأذان والصلاة، هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله.\nومن ذلك أنه يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره ﷺ. قال أبو داود (^٢): حدثنا ابن عوف هو محمد حدثنا المقري، حدثنا حيوة عن أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما منكم من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه¬ السلام» تفرد به أبو داود وصححه النووي في الأذكار: ثم قال أبو داود (^٣): حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» تفرد به أبو داود أيضا. وقد رواه الإمام أحمد (^٤) عن سريج عن عبد الله بن نافع وهو الصائغ به، وصححه النووي أيضا.\nوقد روي من وجه آخر متصلا قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه فضل الصلاة على\n_________\n(^١) كتاب الجنائز باب ٦٥.\n(^٢) كتاب المناسك باب ٩٦.\n(^٣) كتاب المناسك باب ٩٦.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٦٧.","vol":"6","page":419},{"text":"النبي ﷺ: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عمن أخبره من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن علي أن رجلا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي ﷺ ويصلي عليه ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحب السلام على النبي ﷺ فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟ قال: نعم: قال له علي بن الحسين: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم، فتبلغني صلاتكم وسلامكم» في إسناده رجل مبهم لم يسم.\nوقد روي من وجه آخر مرسلا قال عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل، عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم فوق الحاجة فنهاهم. وقد روي أنه رأى رجلا ينتاب القبر فقال: يا هذا ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء، أي الجميع يبلغه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.\nوقال الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» ثم قال الطبراني: حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون بن أبي شيبان عن الحكم بن عبد الله بن خطاب عن أم أنيس بنت الحسن بن علي عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ «أرأيت قول الله ﷿ ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ -فقال- «إن هذا من المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم، إن الله ﷿ وكل بي ملكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين، ولا يصلي علي أحد إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، ويقول الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين» غريب جدا، وإسناده به ضعف شديد.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن السائب، عن زاذان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» وهكذا رواه النسائي (^٢) من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش كلاهما\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤٤١.\n(^٢) كتاب السهو باب ٤٦، وأخرجه الترمذي في الدعوات باب ١٢٩.","vol":"6","page":420},{"text":"عن عبد الله بن السائب به. فأما الحديث الآخر «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي من بعيد بلغته» ففي إسناده نظر تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير وهو متروك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.\nقال أصحابنا: ويستحب للمحرم إذا لبى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ لما رواه الشافعي والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ على كل حال، وقال إسماعيل القاضي: حدثنا عارم بن الفضل حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا عن الشعبي عن وهب بن الأجدع قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت فكبروا سبع مرات تكبيرا بين حمد الله وثناء عليه وصلاة على النبي ﷺ ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك، إسناد جيد حسن قوي، قالوا: ويستحب الصلاة على النبي ﷺ مع ذكر الله عند الذبح، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الانشراح: ٤] قال بعض المفسرين:\nيقول الله تعالى: لا أذكر إلا ذكرت معي، وخالفهم في ذلك الجمهور وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله تعالى كما عند الأكل والدخول والوقاع وغير ذلك مما لم ترد فيه السنة بالصلاة على النبي ﷺ.\n[حديث آخر] قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمرو بن هارون عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني»، في إسناده ضعيفان، وهما عمرو بن هارون وشيخه، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق عن الثوري عن موسى بن عبيدة الربذي به، ومن ذلك أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن إن صح الخبر في ذلك على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله عن علي بن أبي رافع عن أبيه عن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي وليقل ذكر الله من ذكرني بخير»، إسناده غريب، وفي ثبوته نظر، والله علم.\n[مسألة] وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي ﷺ كلما كتبه، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة عن نهشل عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى علي في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة وقد روي من حديث أبي هريرة ولا يصح أيضا، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي شيخنا أحسبه موضوعا، وقد روي نحوه عن أبي بكر وابن عباس ولا يصح من ذلك شيء والله أعلم. وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه [الجامع","vol":"6","page":421},{"text":"لآداب الراوي والسامع] قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كثيرا ما يكتب اسم النبي ﷺ من غير ذكر الصلاة عليه كتابة قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظا.\n[فصل] وأما الصلاة على غير الأنبياء فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث اللهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته، فهذا جائز بالإجماع وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم فقال قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وبقوله: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وبقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] الآية، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال «اللهم صل عليهم» فأتاه أبي بصدقته فقال «اللهم صل على آل أبي أوفى» أخرجاه في الصحيحين، وبحديث جابر أن امرأته قالت يا رسول الله صل علي وعلى زوجي، فقال «صلى الله عليك وعلى زوجك» قال الجمهور من العلماء لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذ ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم فلا يقال: قال أبو بكر صلى الله عليه أو قال علي صلى الله عليه، وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: قال محمد ﷿، وإن كان عزيزا جليلا لأن هذا من شعار ذكر الله ﷿ وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى ولا لجابر وامرأته، وهذا مسلك حسن.\nوقال آخرون: لا يجوز ذلك لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك والله أعلم.\nثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم أو الكراهة التنزيهية أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار. ثم قال:\nوالصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء، كما أن قولنا ﷿ مخصوص بالله تعالى فكما لا يقال محمد ﷿ وإن كان عزيزا جليلا لا يقال أبو بكر أو علي صلى الله عليه، هذا لفظ بحروفه، قال: وأما السلام؟ فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء فلا يقال علي ﵇ وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك، وسلام عليكم أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى ما ذكره.\n(قلت) وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن ينفرد علي ﵁ بأن يقال ﵇ من دون سائر الصحابة أو كرم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحا، لكن ينبغي","vol":"6","page":422},{"text":"أن يسوي بين الصحابة في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه ﵃ أجمعين.\nقال إسماعيل القاضي حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب بن زياد حدثني عثمان بن حكيم بن عبادة بن حنيف عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا تصح الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة، وقال أيضا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان قال كتب عمر بن عبد العزيز ﵀: أما بعد فإن ناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي ﷺ فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن.\nقال إسماعيل القاضي حدثنا معاذ بن أسد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا ابن لهيعة حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نبيه بن وهب أن كعبا دخل على عائشة ﵂ فذكروا رسول الله ﷺ فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه.\n[فرع] قال النووي إذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول: صلى الله عليه فقط ولا ﵇ فقط، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فالأولى أن يقال ﷺ تسليما.\n\n<span data-type='title' id=toc-1583>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾\nيقول تعالى متهددا ومتوعدا من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك وإيذاء رسوله بعيب أو بنقص-عياذا بالله من ذلك-قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في المصورين. وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﷿:\nيؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره» (^١) ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون يا خيبة الدهر فعل بنا كذا وكذا فيسندون أفعال الله وتعالى إلى الدهر ويسبونه وإنما الفاعل لذلك هو الله ﷿ فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من العلماء ﵏.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٥، باب ١، والتوحيد باب ٣٥، ومسلم في الألفاظ حديث ٢، ٣.","vol":"6","page":423},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ في تزويجه صفية بنت حيي بن أخطب. والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يونس حدثنا إبراهيم بن سعد عن عبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» وقد رواه الترمذي (^٢) من حديث عبيدة بن أبي رائطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن المغفل به، ثم قال وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أي ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وهذا هو البهت الكبير أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم فإن الله ﷿ قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا فهم في الحقيقة منكسو القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين.\nوقال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» (^٣) وهكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي به ثم قال حسن صحيح، وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن هشام عن عمار بن أنس عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه «أي الربا أربى عند الله؟» قالوا الله ورسوله أعلم قال «أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم» ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٨٧.\n(^٢) كتاب المناقب باب ٥٨.\n(^٣) أخرجه مسلم في البر حديث ٧٠، وأبو داود في الأدب باب ٣٥، والترمذي في البر باب ٢٣.","vol":"6","page":424},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1584>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ تسليما أن يأمر النساء المؤمنات-خاصة أزواجه وبناته لشرفهن-بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء، والجلباب هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد وهو بمنزلة الإزار اليوم. قال الجوهري:\nالجلباب الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا لها [البسيط]:\nتمشي النسور إليه وهي لاهية … مشي العذارى عليهنّ الجلابيب (^١)\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة (^٢)، وقال محمد بن سيرين سألت عبيدة السلماني عن قول الله ﷿: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى وقال عكرمة تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبد الله الطهراني فيما كتب إليّ حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن خيثم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن القربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثنا يونس بن يزيد قال وسألناه يعني الزهري هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال عليها الخمار إن كانت متزوجة وتنهى عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات وقد قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾.\nوروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة وإنما نهى عن ذلك لخوف الفتنة لا لحرمتهن واستدل بقوله تعالى: ﴿وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أي إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر. قال السدي.\nفي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ قال كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة فإذا كان\n_________\n(^١) البيت لجنوب أخت عمرو ذي الكلب في شرح أشعار الهذليين ص ٥٨٠، ولسان العرب (جلب)، والتنبيه والإيضاح ١/ ٥٢، وتاج العروس (جلب) وبلا نسبة في مقاييس اللغة ١/ ٤٧٠.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٣٣٢.","vol":"6","page":425},{"text":"الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب قالوا هذه حرة فكفوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا هذه أمة فوثبوا عليها، وقال مجاهد يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة.\nوقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك، ثم قال تعالى متوعدا للمنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال عكرمة وغيره هم الزناة هاهنا ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني الذين يقولون جاء الأعداء وجاءت الحروب وهو كذب وافتراء لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي لنسلطنك عليهم. وقال قتادة لنحشرنك بهم، وقال السدي لنعلمنك بهم ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أي في المدينة ﴿إِلاّ قَلِيلًا مَلْعُونِينَ﴾ حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين ﴿أَيْنَما ثُقِفُوا﴾ أي وجدوا ﴿أُخِذُوا﴾ لذلتهم وقلتهم ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ أي وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1585>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٣ إلى ٦٨]</span>\n﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَاِلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه لا علم له بالساعة وإن سأله الناس عن ذلك، وأرشده أن يرد علمها إلى الله ﷿ كما قال الله تعالى في سورة الأعراف وهي مكية وهذه مدنية فاستمر الحال في رد علمها إلى الذي يقيمها لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ كما قال تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقال:\n﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وقال: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ثم قال: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ﴾ أي أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ أي في الدار الآخرة ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ أي ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها ﴿لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ أي وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه.\nثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ أي يسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنم يقولون وهم كذلك يتمنون أن لو","vol":"6","page":426},{"text":"كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله:\n﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].\nوقال تعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ وقال طاوس، سادتنا يعني الأشراف وكبراءنا يعني العلماء، رواه ابن أبي حاتم أي اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئا وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي بكفرهم وإغوائهم إيانا.\n﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قرأ بعض القراء بالباء الموحدة، وقرأ آخرون بالثاء المثلثة وهما قريبا المعنى كما في حديث عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (^١) أخرجاه في الصحيحين، يروى كثيرا وكبيرا وكلاهما بمعنى صحيح واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة وهذا تارة كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيهما قرأ.\nفحسن وليس له الجمع بينهما، والله أعلم.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا علي بن هاشم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه في تسمية من شهد مع علي ﵁ الحجاج بن عمرو بن غزية وهو الذي كان يقول عند اللقاء يا معشر الأنصار أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1586>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾\nقال البخاري (^٢) عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن موسى كان رجلا حييا وذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرا جدا وقد رواه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٩، ومسلم في الذكر حديث ٤٧، ٤٨.\n(^٢) كتاب الأنبياء باب ٨، وتفسير سورة ٣٣، باب ١١.","vol":"6","page":427},{"text":"في أحاديث الأنبياء بهذا السند بعينه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن موسى ﵇ كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده إما برص وإما أدرة وإما آفة. وإن الله ﷿ أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ﵇ فخلا يوما وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ﷿ وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا-قال-فذلك قوله تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ وهذا سياق حسن مطول وهذا الحديث من إفراد البخاري دون مسلم.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا روح، حدثنا عوف عن الحسن عن النبي ﷺ. وخلاس ومحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ قال: قال رسول الله: «إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه.» ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولا ورواه عنه في تفسيره عن روح عن عوف به.\nورواه ابن جرير (^٢) من حديث الثوري عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحو هذا. وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير وعبد الله بن الحارث عن ابن عباس في قوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قال: قال قومه له إنك آدر فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على صخرة فخرجت الصخرة تشد بثيابه وخرج يتبعها عريانا حتى انتهب به مجالس بني إسرائيل فرأوه ليس بآدر فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄ سواء.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس عن النبي ﷺ: قال: «كان موسى ﵇ رجلا حييا وإنه أتى-أحسبه قال الماء-ليغتسل فوضع ثيابه على صخرة وكان لا يكاد تبدو عورته فقال بنو إسرائيل إن موسى آدر أو به آفة-يعنون أنه لا يضع ثيابه- فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال-أو كما قال-فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٥١٤، ٥١٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٣٣٧.","vol":"6","page":428},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵃ في قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون ﵇ فقال بنو إسرائيل لموسى ﵇ أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حياء فآذوه من ذلك فأمر الله الملائكة فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل فتكلمت بموته فما عرف موضع قبره إلا الرخم وإن الله جعله أصم أبكم وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن موسى الطوسي عن عباد بن العوام به ثم قال وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى وجائز أن يكون الأول هو المراد فلا قول أولى من قول الله ﷿.\n(قلت) يحتمل أن يكون الكل مرادا وأن يكون معه غيره، والله أعلم.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسما فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله قال:\nفقلت يا عدو الله أما لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فاحمر وجهه ثم قال «رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش به.\n[طريق أخرى]-قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس عن الوليد بن أبي هشام مولى الهمداني عن زيد بن زائدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» فأتى رسول الله ﷺ مال فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة، قال: فتثبت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا «لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا» وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا، فاحمر وجه رسول الله ﷺ وشق عليه ثم قال «دعنا منك لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر».\nوقد رواه أبو داود (^٤) في الأدب عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف الفريابي عن إسرائيل عن الوليد بن أبي هشام به مختصرا «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا إني\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٨٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٢٧، ومسلم في الزكاة حديث ١٤٠، ١٤١.\n(^٣) المسند ١/ ٣٩٥، ٣٩٦.\n(^٤) كتاب الأدب باب ٢٨.","vol":"6","page":429},{"text":"أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» وكذا رواه الترمذي (^١) في المناقب عن الذهلي سواء إلا أنه قال زيد بن زائدة، ورواه أيضا عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن محمد عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما عن إسرائيل عن السدي عن الوليد بن أبي هشام به مختصرا أيضا فزاد في إسناده السدي، ثم قال غريب من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ اي له وجاهة وجاه عند ربه ﷿. قال الحسن البصري كان مستجاب الدعوة عند الله، وقال غيره من السلف لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء ﷿. وقال بعضهم من وجاهته العظيمة عند الله أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه فأجاب الله سؤاله فقال ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1587>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٠ إلى ٧١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي مستقيما لا اعوجاج فيه ولا انحراف ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم أي يوفقهم للأعمال الصالحة وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وذلك أنه يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، حدثنا خالد عن ليث عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا فقال: «إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا» ثم أتى النساء فقال: «إن الله أمرني أن آمركن أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا».\nوقال ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري حدثنا عيسى بن سمرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية، غريب جدا، وروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن محمد بن كعب عن ابن عباس موقوفا: من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، قال عكرمة القول السديد لا إله إلا الله وقال غيره السديد الصدق وقال مجاهد، هو السداد. وقال غيره:\nهو الصواب والكل حق.\n_________\n(^١) كتاب المناقب باب ٦٣.","vol":"6","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1588>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]</span>\n﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فأخذها آدم فتحملها فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (^١) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يعني غرا بأمر الله.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾ قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلت فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة، وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريبا من هذا، وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض.\nوقال آخرون: هي الطاعة، وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها. وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود، وقال بعضهم الغسل من الجنابة، وقال مالك عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة:\nالصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله وبالله المستعان.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة البصري، حدثنا حماد بن واقد، يعني أبا عمر الصفار سمعت أبا معمر يعني عون بن معمر يحدث عن الحسن، يعني البصري أنه تلا هذه الآية ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ﴾ قال عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٣٣٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٣٣٩.","vol":"6","page":431},{"text":"الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت قالت: لا ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال:\nفقيل لها هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، قالت: لا ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت قالت: لا.\nوقال مقاتل بن حيان إن الله تعالى حين خلق خلقه جمع بين الإنس والجن والسموات والأرض والجبال فبدأ بالسموات فعرض عليهن الأمانة، وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ فقلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون، ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب، ولا نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا نعصيك في شيء أمرتنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل، وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت، ولم ترعها حق رعايتها، وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار، قال:\nرضيت يا رب، وأتحملها، فقال الله ﷿ عند ذلك قد حملتكها فذلك قوله تعالى:\n﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوعن مجاهد أنه قال: عرضها على السموات فقالت: يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب غرست في الأشجار وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة، وقالت الجبال مثل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ في عاقبة أمره، وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، وقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل ولا نريد الثواب.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في هذه الآية ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، قال الإنسان بين أذني وعاتقي، فقال الله ﷿: إني معينك عليها، إني معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على فرجك بلباس فلا تكشفه إلى ما أكره. ثم روي عن أبي حازم نحو هذا.","vol":"6","page":432},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى:\n﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ﴾ الآية، قال: إن الله تعالى عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ويجعل لهن ثوابا وعقابا، ويستأمنهن على الدين، فقلن لا، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا، قال: وعرض الله ﵎ على آدم فقال:\nبين أذني وعاتقي، قال ابن زيد: قال الله تعالى له: أما إذا تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرخ عليه حجابه واجعل للسانك بابا وغلقا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير ﵁، وكان من أصحاب النبي ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، وأنزلت العجمية والعربية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله تعالى شيئا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بينه لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب، فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، فالحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا» هذا حديث غريب جدا، وله شواهد من وجوه أخرى.\nثم قال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبيد المجيد الحنفي، حدثنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها-وكان يقول-وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة». قالوا:\nيا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال ﵁: الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره، وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داود القطان به.\nوقال ابن جرير (^٤) أيضا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق عن شريك عن الأعمش،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٤٠، ٣٤١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٣٤٠.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٣٤٠.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٣٤١.","vol":"6","page":433},{"text":"عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال:\n«القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها-أو قال-يكفر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك، فيقول أني يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك، فيقول أني يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك، فيقول أني يا رب وقد ذهبت الدنيا؟.\nفيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الآبدين» قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت:\nألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق.\nوقال شريك: وحدثنا عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء، إسناده جيد، ولم يخرجوه.\nومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل (^٢) كجمر دحرجته على رجلك، تراه منتبرا (^٣) وليس فيه شيء -قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال-فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلما ليردنه علي دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا (^٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا. حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد قال الطبراني في مسنده\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٨٣.\n(^٢) يقال: مجلت يده؛ إذا ثخن جلدها وتعجر، وظهر فيها ما يشبه البثور من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة.\n(^٣) الانتبار: التورم والانتفاخ.\n(^٤) أخرجه البخاري في الفتن باب ١٣، ومسلم في الإيمان حديث ٢٣٠.\n(^٥) المسند ٢/ ١٧٧.","vol":"6","page":434},{"text":"عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ابن حجيرة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» فزاد في الإسناد ابن حجيرة وجعله في مسند ابن عمر ﵄.\nوقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: حدثنا شريك عن أبي إسحاق الشيباني عن خناس بن سحيم أو قال: جبلة بن سحيم، قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي فظننت أني أتيت أمرا عظيما، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم، كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع قال أبو داود (^١): حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف بالأمانة فليس منا» تفرد به أبو داود ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ﴾ أي إنما حمل بني آدم الأمانة وهي التكاليف، ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ﴾ وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسله ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. آخر تفسير سورة الأحزاب ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) كتاب الإيمان، باب ٥.","vol":"6","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1589>تفسير سورة سبأ</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1590>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ إلى ٢]</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾\nيخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال تعالى:\n﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ [الليل: ١٣]، ثم قال ﷿: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ فهو المعبود أبدا، المحمود على طول المدى.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شيء، وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره، ولهذا قال ﷿: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ أي يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور، والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك عدده وكيفيته وصفاته ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أي من قطر ورزق، وما يعرج فيها، أي من الأعمال الصالحة وغير ذلك، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ أي الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1591>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣ إلى ٦]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾\nهذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن مما أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقسم بربه العظيم على وقع: المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة","vol":"6","page":436},{"text":"يونس ﵇، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] والثانية هذه ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، والثالثة في سورة التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] فقال تعالى: ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره، فقال: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾.\nقال مجاهد وقتادة: لا يعزب عنه لا يغيب عنه، أي الجميع مندرج تحت علمه، فلا يخفى عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم. ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة، بقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أي سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أي لينعم السعداء من المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضا ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] يقال أيضا ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ العزيز هو المنيع الجناب الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء وغلبه، الحميد، في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله جل وعلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1592>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم","vol":"6","page":437},{"text":"بالرسول ﷺ في إخباره بذلك ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق ﴿إِنَّكُمْ﴾ أي بعد هذا الحال ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد، لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون.\nولهذا قالوا: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قال الله ﷿ رادا عليهم ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد ﷺ هو الصادق البار الراشد، الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء ﴿فِي الْعَذابِ﴾ أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى ﴿وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ من الحق في الدنيا، ثم قال تعالى منبها لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي حيثما توجهوا وذهبوا، فالسماء مطلة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال ﷿: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٨].\nقال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أي لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قال معمر عن قتادة:\n﴿مُنِيبٍ﴾ تائب. وقال سفيان عن قتادة: المنيب المقبل إلى الله تعالى، أي إن في النظر إلى خلق السموات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد، لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها، وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى﴾ [يس: ٨١] وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-1593>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾\nيخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود ﵊ مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه","vol":"6","page":438},{"text":"من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ، سمع صوت أبي موسى الأشعري ﵁ يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال ﷺ «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» (^١).\nوقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ﵁، ومعنى قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي﴾ أي سبحي، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة، وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.\nوقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه-الجمل-في باب النداء منه ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي سيري معه بالنهار كله، والتأويب سير النهار كله، والإسآد سير الليل كله، وهذا لفظه، وهو غريب جدا لم أره لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا، والصواب أن المعنى في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي رجعي مسبحة معه كما تقدم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط، ولهذا قال تعالى:\n﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ وهي الدروع قال قتادة، وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة حدثنا ابن ضمرة عن ابن شوذب قال: كان داود ﵇ يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم، ألفين له، ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود ﵇ في تعليمه صنعة الدروع وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدر، وقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه فيقصم، ولا تدقه فيقلق، وهكذا روي عن قتادة وغير واحد، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السرد حلق الحديد. وقال بعضهم: يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر [الكامل]:\nوعليهما مسرودتان قضاهما … داود أو صنع السّوابغ تبّع (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ٣١، ومسلم في المسافرين حديث ٢٣٥، ٢٣٦.\n(^٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في سر صناعة الإعراب ٢/ ٧٦٠، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٣٩، وشرح المفصل ٣/ ٥٩، ولسان العرب (تبع)، (صنع)، (قضى)، والمعاني الكبير ص ١٠٣٩، وتاج العروس (صنع)، (قضى)، وبلا نسبة في شرح المفصل ٣/ ٥٨.","vol":"6","page":439},{"text":"وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵊ من طريق إسحاق بن بشر، وفيه كلام، عن أبي إلياس عن وهب بن منبه ما مضمونه أن داود ﵇ كان يخرج متنكرا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا في عبادته وسيرته وعدله ﵇. قال وهب: حتى بعث الله تعالى ملكا في صورة رجل، فلقيه داود ﵊ فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا. قال: ما هي قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني بيت المال، فعند ذلك نصب داود ﵇ إلى ربه ﷿ في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان الله ﷿ له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدروع، وهو أول من عملها، فقال الله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ يعني مسامير الحلق.\nقال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع باعها فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها، وقال: إن الله أعطى داود شيئا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج، إلا على أصناف صوته ﵇، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان قد أعطي سبعين مزمارا في حلقه. وقوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صالِحًا﴾ أي في الذي أعطاكم الله تعالى من النعم ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1594>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ إلى ١٣]</span>\n﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾\nلما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام من تسخير الريح له، تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر. قال الحسن البصري:\nكان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل باصطخر يتغذى بها ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: القطر النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان ﵇ قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه. أي بقدره","vol":"6","page":440},{"text":"وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا﴾ أي ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ وهو الحريق.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا، فقال: حدثنا أبي حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون» رفعه غريب جدا. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر عن محمد بن بحير عن ابن أنعم أنه قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب. قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلا، وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين.\nوقال أيضا: حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة يعني ابن الفضل عن إسماعيل عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا، فهو ولي الله تعالى، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ﴾ أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور.\nوقال الضحاك: هي المساجد، وقال قتادة: هي القصور والمساجد. وقال ابن زيد: هي المساكن. وأما التماثيل، فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج. وقوله تعالى: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس [الطويل]:\nتروح على آل المحلّق جفنة … كجابية الشيخ العراقيّ تفهق (^١)\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿كَالْجَوابِ﴾ أي كالجوبة من الأرض. وقال العوفي عنه كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.\nوالقدور الراسيات، أي الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها، كذا قال\n_________\n(^١) البيت للأعشى في ديوانه ص ٢٧٥، ولسان العرب (حلق)، (فهق)، (جبى)، وتهذيب اللغة ٥/ ٤٠٤، ومقاييس اللغة ١/ ٥٠٣، ٤٥٦، ومجمل اللغة ٤/ ٦٧، وتاج العروس (فهق)، (جبى)، وتفسير الطبري ١٠/ ٣٥٥، وبلا نسبة في المخصص ١٠/ ٥٠.","vol":"6","page":441},{"text":"مجاهد والضحاك وغيرهما. وقال عكرمة: أثافيها منها. وقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أي وقلنا لهم: اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا، وشكرا مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية، كما قال الشاعر:\nأفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجّبا\nقال أبو عبد الرحمن الحبلي: الصلاة شكر والصيام شكر، وكل خير تعمله لله ﷿ شكر، وأفضل الشكر الحمد، رواه ابن جرير، وروى هو وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح، وهذا لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود ﵈ كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولا وعملا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر يعني ابن سليمان عن ثابت البناني، قال: كان داود ﵇ قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى» (^١).\nوقد روى أبو عبد الله بن ماجة (^٢) من حديث سنيد بن داود: حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قالت أم سليمان بن داود ﵈، لسليمان، يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة» وروى ابن أبي حاتم عن داود ﵊ هاهنا أثرا غريبا مطولا جدا وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ قال داود: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال «الآن شكرتني حين قلت إن النعمة مني». وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ إخبار عن الواقع.\n\n<span data-type='title' id=toc-1595>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٤]</span>\n﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾\nيذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئا على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٣٧، ومسلم في الصيام حديث ١٨٦، ١٨٧.\n(^٢) كتاب الإقامة باب ١٧٤.","vol":"6","page":442},{"text":"﵄ ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد: مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقطت إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. وتبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب وفي صحته نظر.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «كان نبي الله سليمان ﵇ إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان ﵇: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين» قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة.\nوقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ﵁، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃. قال: كان سليمان ﵊ يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها: فيقول ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت تنبت دواء قالت: نبت دواء كذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال ولأي شي نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد.\nقال سليمان ﵊: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٥٨.","vol":"6","page":443},{"text":"عليهم فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان ﵇ في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عليه فأخرجوه. ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة.\nوهي في قراءة ابن مسعود ﵁، فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم يطلعون على الغيب، لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله ﷿: ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكرا لها (^١).\nوهذا الأثر-والله أعلم-إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.\nوقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﵎:\n﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: قال سليمان ﵇ لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير وليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال:\nفدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله ﷿ دابة الأرض، قال: والدابة تأكل العيدان يقال لها القادح، فدخلت فيها فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتا، فلما رأت ذلك الجن، انفضوا وذهبوا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر، وذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٣٥٨، ٣٥٩.","vol":"6","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1596>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٥ إلى ١٧]</span>\n﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)﴾\nكانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان ﵊ من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله ﵎ إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مذر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله وبيانه قريبا وبه الثقة.\nقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ:\nما هو أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال ﷺ: «بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون، فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسان» ورواه عبد عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة به.\nوهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر-في كتاب القصد والأمم، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم-من حديث ابن لهيعة عن علقمة بن وعلة عن ابن عباس ﵄، فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر.\nوقال الإمام أحمد (^٢) أيضا وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي عن يحيى بن هانئ بن عروة عن فروة بن مسيك ﵁ قال:\nأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم، قال رسول الله ﷺ «نعم» فقاتل بمقبل قومك مدبرهم» فلما وليت دعاني فقال: «لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام» فقلت: يا رسول الله أرأيت سبأ، واد هو أو جبل أو ما هو؟ قال ﷺ: «لا بل هو رجل من العرب، ولد له عشرة فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، تيامن الأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، الذين يقال لهم بجيلة وخثعم، وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسان».\nوهذا أيضا إسناد حسن وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب عن العنقزي عن أسباط بن نصر عن يحيى بن هانئ المرادي عن عمه أو عن أبيه -شك-أسباط-قال: قدم فروة بن مسيك ﵁ على رسول الله ﷺ فذكره.\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣١٦.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٥٢.","vol":"6","page":445},{"text":"[طريق أخرى] لهذا الحديث. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة عن توبة بن نمر عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بإفريقية، فقال يوما: ما أظن قوما بأرض إلا وهم من أهلها، فقال علي بن أبي رباح: كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مسيك الغطيفي ﵁ قدم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال ﷺ «ما أمرت فيهم بشيء بعد» فأنزلت هذه الآية ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله أن رسول الله ﷺ سئل عن سبأ ما هو: أبلد أم رجل أم امرأة؟ قال ﷺ: «بل رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد الأشعريون وأنمار وحمير غير ما حلها، وأما الشام فلخم وجذام وغسان وعاملة» فيه غرابة من حيث ذكر نزول الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله ﷾ أعلم.\n[طريق أخرى] قال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك الغطيفي ﵁ قال: قال رجل:\nيا رسول الله أخبرني عن سبأ ما هو: أرض أم امرأة؟ قال ﷺ: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وحمير وأنمار» فقال رجل:\nما أنمار؟ قال ﷺ: «الذين منهم خثعم وبجيلة» ورواه الترمذي في جامعه عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا: حدثنا أبو أسامة فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.\nوقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير هو عثمان بن كثير عن الليث بن سعد عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين عن تميم الداري ﵁ قال: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فسأله عن سبأ، فذكر مثله، فقوي هذا الحديث وحسن. قال علماء النسب-منهم محمد بن إسحاق-: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له الرائش لأنه أول من غنم في الغزو، فأعطى قومه فسمي الرائش، والعرب تسمي المال ريشا ورياشا. وذكروا أنه بشر برسول الله ﷺ في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعرا:\nسيملك بعدنا ملكا عظيما … نبي لا يرخص في الحرام (^٢)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٦٠.\n(^٢) الأبيات في البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ١٥٨.","vol":"6","page":446},{"text":"ويملك بعده منهم ملوك … يدينوه العباد بغير ذام\nويملك بعدهم منا ملوك … يصير الملك فينا باقتسام\nويملك بعد قحطان نبي … تقي مخبت خير الأنام\nيسمى أحمدا يا ليت أني … أعمر بعد مبعثه بعام\nفأعضده وأحبوه بنصري … بكل مدجج وبكل رام\nمتى يظهر فكونوا ناصريه … ومن يلقاه يبلغه سلامي\nذكر ذلك الهمداني في كتاب-الإكليل-واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال [أحدها] أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاثة طرائق. [والثاني] أنه من سلالة عابر، وهو هود ﵊، واختلفوا أيضا في كيفية نسبه به على ثلاثة طرائق أيضا. [والثالث] أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه على ثلاث طرائق أيضا. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري رحمة الله تعالى عليه في كتابه المسمى الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة.\nومعنى قوله ﷺ: «كان رجلا من العرب» يعني العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل ﵊ من سلالة سام بن نوح، وعلى القول الثالث كان من سلالة الخليل ﵇، وليس هذا المشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ مر بنفر من أسلم ينتضلون، فقال: «ارموا بني إسماعيل؟ فإن أباكم كان راميا» (^١) فأسلم قبيلة من الأنصار-والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ-نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد حين بعث الله ﷿ عليهم سيل العرم، ونزلت طائقة منهم بالشام، وإنما قيل باليمن وقيل لهم غسان بماء نزلوا عليه قيل إنه قريب من المشلل، كما قال حسان بن ثابت ﵁ [البسيط]:\nإما سألت فإنا معشر نجب … الأزد نسبتنا والماء غسان (^٢)\nومعنى قوله ﷺ: «ولد له عشرة من العرب» أي كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة، والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب. ومعنى قوله ﷺ:\n«فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة» أي بعد ما أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم، منهم من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٧٨، والأنبياء باب ١٢، والمناقب باب ٤.\n(^٢) البيت في ديوان حسان بن ثابت ص ٢٧٩، ولسان العرب (غسس)، (غسن)، وجمهرة اللغة ص ٨٤٦، وتاج العروس (أزر) (غسس)","vol":"6","page":447},{"text":"أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم فبنوا بينهما سدا عظيما محكما، حتى ارتفع الماء وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف منهم قتادة أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب. بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب.\nوذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم ليوحدوه ويعبدوه، كما قال ﵎: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ ثم فسرها بقوله ﷿: ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ أي من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي غفور لكم إن استمررتم على التوحيد.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله، كما قال الهدهد لسليمان ﵊ ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٤] وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: بعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيا وقال السدي: أرسل الله ﷿ إليهم اثني عشر ألف نبي، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ المراد بالعرم المياه، وقيل الوادي، وقيل الجرذ، وقيل الماء الغزير، فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته مثل مسجد الجامع وسعيد كرز، حكى ذلك السهيلي. وذكر غير واحد منهم ابن عباس ووهب بن منبه وقتادة والضحاك:\nإن الله ﷿ لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض يقال لها الجرذ نقبته. قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمن فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السد فنقبته فانهار عليهم.\nوقال قتادة وغيره: الجرذ هو الخلد، نقبت أسافله حتى إذا ضعف ووهى، وجاءت أيام السيول صدم الماء البناء فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله ﵎:","vol":"6","page":448},{"text":"﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والحسن وقتادة والسدي: وهو الأراك وأكلة البرير ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: هو الطرفاء. وقال غيره هو شجر يشبه الطرفاء، وقيل هو السمر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال:\n﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة، والمناظر الحسنة، والظلال العميقة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والتمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ أي عاقبناهم بكفرهم. قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور. وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور. وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء عن هشام بن صالح التغلبي عن ابن خيرة، وكان من أصحاب علي ﵁، قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة، قيل:\nوما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1597>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٨ إلى ١٩]</span>\n﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾\nيذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء، وكذا قال أبو مالك، وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ومالك عن زيد بن أسلم وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد وغيرهم: يعني قرى الشام، يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة.\nوقال العوفي عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها بيت المقدس، وقال العوفي عنه أيضا:\nهي قرى عربية بين المدينة والشام ﴿قُرىً ظاهِرَةً﴾ أي بينة واضحة يعرفها المسافرون يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّامًا آمِنِينَ﴾ أي الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا","vol":"6","page":449},{"text":"ونهارا.\n﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وقرأ آخرون «بعد بين أسفارنا» وذلك أنهم بطروا هذه النعمة كما قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد، وأحبوا مفاوز ومهامة يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في منّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [البقرة: ٦١] وقال ﷿: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. وقال تعالى في حق هؤلاء: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي بكفرهم ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي جعلناهم حديثا للناس وسمرا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ قال: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال وأنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه وهو أعزهم أخوالا: يا بني إذا كان غدا وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا لطمتك فالطمني.\nقال: يا أبت لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد، قال: يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل به حتى وافاه على ذلك، فلما أصبحوا واجتمع الناس قال: يا بني افعل كذا وكذا، فأبى فانتهره أبوه، فأجابه فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه فلطمه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني؟ علي بالشفرة، قالوا: ما تصنع بالشفرة؟ قال: اذبحه، قالوا تريد أن تذبح ابنك؟ الطمه أو اصنع ما بدا لك، قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك فأبى إلا أن يذبحه، قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه، قال: فإذا كان الحديث هكذا، فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ابني فيه،","vol":"6","page":450},{"text":"اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضه وعقاره.\nفلما صار الثمن في يده وأحرزه قال: أي قوم إن العذاب قد أظلكم وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارا جديدا وحمى شديدا وسفرا بعيدا، فليلحق بعمان، ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير. وكلمة قال إبراهيم لم أحفظها-فليلحق ببصرى، ومن أراد الراسخات في الوحل: المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قومه، فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل، قال: فأتوا على بطن مر، فقال بنو عثمان هذا مكان صالح لا نبغي به بدلا، فأقاموا به فسموا لذلك خزاعة، لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان وتوجهت غسان إلى بصرى.\nهذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن بسبب استشعاره بإرسال العرم عليهم، فقال: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن فيما حدثني به أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، وكان قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيها أصغر ولدي وعرض أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو، فاشتروا منه أمواله وانتقل هو في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك وكانت حربهم سجالا، ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي ﵁ [الطويل]:\nوعك بن عدنان الذين تغلبوا … بغسان حتى طرّدوا كل مطرد (^١)\nوهذا البيت من قصيدة له. قال: ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان، فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك أنزل الله ﷿ هذه الآيات. وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: فأمر ابن أخيه مكان ابنه-إلى قوله فباع ماله وارتحل بأهله فتفرقوا، رواه\n_________\n(^١) البيت في ديوان عباس بن مرداس السلمي ص ١٢٠، وتاج العروس (عكك)، وسيرة ابن هشام ١/ ١٠، ١٣، ويروى «تلقبوا» بدل «تغلّبوا».","vol":"6","page":451},{"text":"ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، أخبرنا سلمة عن ابن إسحاق قال: يزعمون أن عمرو بن عامر وهو عم القوم، كان كاهنا فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم، فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هم بعيد وحمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكأس أو كرود. قال: فكانت وادعة بن عمرو، ومن كان منكم ذا هم مدن، وأمر دعن، فليلحق بأرض شن، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بارق، ومن كان منكم يريد عيشا آنيا، وحرما آمنا فليلحق بالأرزين، فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار ومن كان منكم يريد خمرا وخميرا وذهبا وحريرا، وملكا وتأميرا، فليلحق بكوثى وبصرى، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام ومن كان منهم بالعراق. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمرو بن عامر، وكانت كاهنة فرأت في كهانتها ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان، وقال سعيد عن قتادة عن الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان فمزقهم الله كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة واسمه ميمون بن قيس [المتقارب]:\nوفي ذاك للمؤتسي أسوة … ومأرب قفى عليها العرم (^٢)\nرخام بنته لهم حمير … إذا جاء ماؤهم لم يرم\nفأروى الزروع وأعنابها … على سعة ماؤهم إذا قسم\nفصاروا أيادي ما يقدرون … منه على شرب طفل فطم\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب وتبديل النعمة وتحويل العافية عقوبة على ما ارتكبوه من الكفر والآثام، لعبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب شكور على النعم.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرحمن وعبد الرزاق المعني قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد عن أبيه هو سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٦٩.\n(^٢) الأبيات في ديوان الأعشى ص ٩٣، وسيرة ابن هشام ١/ ١٤، والبيت الأول في معجم البلدان (مأرب) وبلا نسبة في لسان العرب (قفا)، وتهذيب اللغة ٩/ ٣٢٧، والبيت الرابع في أساس البلاغة (فطم)\n(^٣) المسند ١/ ١٧٣.","vol":"6","page":452},{"text":"وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته». وقد رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي إسحاق السبيعي به، وهو حديث عزيز من رواية عمر بن سعد عن أبيه، ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ «عجبا للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (^١). قال مطرف يقول: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1598>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]</span>\n﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾\nلما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم ﵊، ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] وقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] والآيات في هذا كثيرة، وقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم ﵊ من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فرحا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف، وكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أعده وأمنيه وأخدعه، فقال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفر إلا غفرت له»، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله ﵎: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي من حجة. وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرهم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني، دعاهم إليها فأجابوه، وقوله ﷿: ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ﴾ أي إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيحسن عبادة ربه ﷿ في الدنيا ممن هو منها في شك.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي ومع حفظه ضل من ضل من أتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٤.","vol":"6","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1599>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]</span>\n﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾\nبين ﵎ أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي من الآلهة التي عبدت من دونه ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] وقوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ﴾ أي لا يملكون شيئا استقلالا ولا على سبيل الشركة ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه، قال قتادة في قوله ﷿: ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ من عون يعينه بشيء.\nثم قال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال ﷿:\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٣٥٥] وقال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال: «فأسجد لله تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» الحديث بتمامه.\nوقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه، أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي، قاله ابن مسعود ﵁ ومسروق وغيرهما ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي زال الفزع عنها، قال ابن عباس وابن عمر ﵃ وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله ﷿:\n﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ يقول: جلى عن قلوبهم، وقرأ بعض السلف، وجاء مرفوعا إذا فرغ بالغين المعجمة ويرجع إلى الأول فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضا ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أي أخبروا","vol":"6","page":454},{"text":"بما قال من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nوقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ما فيها من الشك والتكذيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ما فيها من الشك قال: فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم ﴿قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال:\nوهذا في بني آدم هذا عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وقد اختار ابن جرير القول الأول: إن الضمير عائد على الملائكة، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والآثار، ولنذكر منها طرفا يدل على غيره.\nقال البخاري (^١) عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض-ووصف سفيان بيده فحرفها، ونشر بين أصابعه-فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائه كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» (^٢) انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة به، والله أعلم.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر، أخبرنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في نفر من أصحابه، قال عبد الرزاق: من الأنصار، فرمي بنجم فاستنار، فقال ﷺ:\n«ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية» قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.\nقلت للزهري: أكان يرمي بها في الجاهلية، قال: نعم ولكن غلظت حين بعث النبي ﷺ، قال:\nفقال رسول الله ﷺ: «فإنها لا يرمي بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٤، باب ١، وسورة ١٥، باب ١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٤، باب ٢٢، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣.\n(^٣) المسند ١/ ٢١٨.","vol":"6","page":455},{"text":"قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون».\nهكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم (^١) في صحيحه من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس ومعقل بن عبيد الله، أربعتهم عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس ﵄، عن رجل من الأنصار به. وقال يونس عن رجال من الأنصار ﵃، وكذا رواه النسائي في التفسير من حديث الزبيدي عن الزهري به، ورواه الترمذي (^٢) فيه عن الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ عن رجل من الأنصار ﵁، والله أعلم.\n[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي، والسياق لمحمد بن عوف، قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد هو ابن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عبد الله بن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السموات منه رجفة-أو قال رعدة-شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵊، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل ﵊ على الملائكة، كلما مر بسماء سماء يسأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول ﵇:\nقال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض».\nوكذا رواه ابن جرير وابن خزيمة عن زكريا بن أبان المصري عن نعيم بن حماد به. وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم ﵀، وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العوفي عن ابن عباس ﵄، وعن قتادة أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله تعالى إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى ﵊، ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية.\n_________\n(^١) كتاب السلام حديث ١٢٤.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٤، باب ٣.","vol":"6","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1600>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٧]</span>\n﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾\nيقول تعالى مقررا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضا، فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض، أي بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. وقوله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هذا من باب اللف والنشر أي واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى، ولهذا قال: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد ﷺ للمشركين والله ما نحن وإياهم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد (^١). وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم: معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ معناه التبري منهم، أي لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]. وقال ﷿: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ أي يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق، أي يحكم بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] ولهذا قال ﷿: ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.\nوقوله ﵎: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ أي أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادا وصيرتموها له عدلا ﴿كَلاّ﴾ أي ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ اللهُ﴾ أي الواحد الأحد الذي لا شريك له ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٣٧٥، ٣٧٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٣٧٦.","vol":"6","page":457},{"text":"أي ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، ﵎ وتقدس عما يقولون علوا كبيرا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1601>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ تسليما ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله ﵎: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ كقوله ﷿: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\nقال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ يعني إلى الناس عامة. وقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله تعالى محمدا ﷺ إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله ﵎ أطوعهم لله ﷿.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: إن الله تعالى فضل محمدا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس فيم فضله على الأنبياء؟ قال ﵁: إن الله تعالى قال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال للنبي ﷺ: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس. وهذا الذي قاله ابن عباس ﵄ قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (^١) وفي الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت إلى الأسود والأحمر» (^٢) قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم، والكل صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١٢٢، والصلاة باب ٥٦، والتيمم باب ١، ومسلم في المساجد حديث ٣، ٥، ٧، ٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٣ والدارمي في السير باب ٢٨ وأحمد في المسند ١/ ٢٥٠، ٣٠١، ٤/ ٤١٦، ٥/ ١٤٥، ١٤٨، ١٦٢.","vol":"6","page":458},{"text":"ثم قال ﷿ مخبرا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهذه الآية كقوله ﷿: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] الآية، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي لكم ميعاد مؤجل معدود محرر لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤] وقال ﷿: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٤ - ١٠٥]\n\n<span data-type='title' id=toc-1602>﴿[سورة سبإ (٣٤)﴾: الآيات ٣١ إلى ٣٣]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾\nيخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال الله ﷿ متهددا لهم ومتوعدا ومخبرا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ منهم وهم قادتهم وسادتهم ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي لولا أنتم تصدوننا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾؟ أي نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي بل كنتم تمكرون بنا ليلا نهارا وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين.\nقال قتادة وابن زيد ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ يقول: بل مكركم بالليل والنهار، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم بالليل والنهار ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا﴾ أي نظراء وآلهة معه وتقيمون لنا شبها وأشياء من المحال تضلونا بها ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ أي الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي","vol":"6","page":459},{"text":"إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن صرد عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب». وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب، قال: فحدثته أبا سليمان، يعني الداراني رحمة الله عليه، فبكى ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد والغل في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار وأدخل المغار؟ اللهم سلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1603>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٩]</span>\n﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٣٩)﴾\nيقول تعالى مسليا لنبيه ﷺ وآمرا بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح ﵊ ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧] وقال الكبراء من قوم صالح ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦] وقال ﷿: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ [الأنعام: ١٣٣] وقال جل وعلا: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] وقال جل وعلا هاهنا:\n﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي نبي أو رسول ﴿إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها﴾ وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة، قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر ﴿إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي لا نؤمن به ولا نتبعه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا محمد بن","vol":"6","page":460},{"text":"عبد الوهاب عن سفيان بن عاصم عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل. فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال: دلني عليه، قال: وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب، قال فأتى النبي ﷺ فقال: إلام تدعو؟ قال «أدعوا إلى كذا وكذا» قال: أشهد أنك رسول الله. قال ﷺ «وما علمك بذلك؟» قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ الآية، قال: فأرسل إليه النبي ﷺ إن الله ﷿ قد أنزل تصديق ما قلت، وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل.\nوقال ﵎ إخبارا عن المترفين المكذبين: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة وهيهات لهم ذلك قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] وقال ﵎: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] وقال ﷿ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٧].\nوقد أخبر الله ﷿ عن صاحب تينك الجنتين أنه كان ذا مال وثمر وولد، ثم لم يغن عنه شيئا بل سلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال ﷿ ها هنا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة والحجة القاطعة الدامغة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم. قال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا كثير، حدثنا جعفر، حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^٢) ورواه مسلم وابن ماجة من حديث كثير بن هشام عن جعفر بن برقان به، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٥٣٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في البر حديث ٣٣، وابن ماجة في الزهد باب ٩.","vol":"6","page":461},{"text":"أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أي في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ومن كل شر يحذر منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم وعلي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها» فقال أعرابي: لمن هي؟ قال ﷺ: «لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أي يسعون في الصد عن سبيل الله واتباع رسله والتصديق بآياته ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي بحسب ماله في ذلك من الحكمة يبسط على هذا من المال كثيرا. ويضيق على هذا ويقتر على رزقه جدا. وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] أي كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير وهذا غني موسع عليه، فكذلك هم في الآخرة هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا كما قال ﷺ: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه» (^١) رواه مسلم من حديث ابن عمرو ﵄.\nوقوله تعالى: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث «يقول الله تعالى أنفق، أنفق عليك» (^٢) وفي الحديث أن ملكين يصبحان كل يوم يقول.\nأحدهما: اللهم أعط ممسكا تلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقا خلفا (^٣)، وقال رسول الله ﷺ «أنفق بلالا، ولا تخشى من ذي العرش إقلالا». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي عن يزيد بن عبد العزيز الفلاس، حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعض الموسر ما في يده حذار الإنفاق» ثم تلا هذه الآية ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١٢٥، وابن ماجة في الزهد باب ٩، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٨، ١٧٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٢، والنفقات باب ١، والتوحيد باب ٣٥، ومسلم في الزكاة حديث ٣٦، ٣٧، وابن ماجة في الكفارات باب ١٥، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٢، ٣١٤، ٤٦٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٢٧، ومسلم في الزكاة حديث ٥٧، وأحمد في المسند ٢/ ٣٠٦، ٣٤٧، ٥/ ١٩٧.","vol":"6","page":462},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلي الموصلي: حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إن بعد.\nزمانكم هذا زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يده حذار الإنفاق» قال الله تعالى:\n﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وفي الحديث «شرار الناس يبايعون كل مضطر ألا إن بيع المضطرين حرام، ألا إن بيع المضطرين حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله إن كان عندك معروف فعد به على أخيك، وإلا فلا تزده هلاكا إلى هلاكه» هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف. وقال سفيان الثوري عن أبي يونس الحسن بن يزيد قال: قال مجاهد لا يتأولن أحدكم هذه الآية ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ إذا كان عند أحدكم ما يقيمه، فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1604>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]</span>\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾\nيخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة ﴿أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أي أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، كما قال تعالى في سورة الفرقان ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] وكما يقول لعيسى ﵊ ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] وهكذا تقول الملائكة ﴿سُبْحانَكَ﴾ أي تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله.\n﴿أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ يعنون الشياطين، لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ كما قال ﵎: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللهُ﴾ [النساء: ١١٧] قال الله ﷿ ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ أي لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم «اليوم لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا» ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا.","vol":"6","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1605>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]</span>\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾\nيخبر الله عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب، لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله ﷺ ﴿قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ يعنون أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل، عليهم وعلى آبائهم لعائن الله تعالى: ﴿وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً﴾ يعنون القرآن ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن وما أرسل إليهم نبيا قبل محمد ﷺ وقد كانوا يودون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا، فلما منّ الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه.\nثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من الأمم ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي من القوة في الدنيا. وكذلك قال قتادة والسدي وابن زيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر: ٨٢] أي وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده، بل دمر الله عليهم لما كذبوا رسله، ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1606>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]</span>\n﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾\nيقول ﵎: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون ﴿إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ أي إنما آمركم بواحدة وهي ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي تقوموا قياما خالصا لله ﷿ من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضا هل.\nبمحمد من جنون. فينصح بعضكم بعضا ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ﷺ ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك، ولهذا قال تعالى:\n﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتادة وغيرهم، وهذا هو المراد من الآية.","vol":"6","page":464},{"text":"فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «أعطيت ثلاثا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر: أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن قبلي، كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أتيمم بالصعيد وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾ وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي» فهو حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد، ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة، فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ قال البخاري (^١) عندها: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن خازم حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم فقال: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني» قالوا: بلى، قال ﷺ: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا. فأنزل الله ﷿ ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم. حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ يوما فنادى ثلاث مرات، فقال: «أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم؟» قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال ﷺ: «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيها الناس أوتيتم أيها الناس أوتيتم» ثلاث مرات، وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني» تفرد به الإمام أحمد (^٢) في مسنده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1607>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]</span>\n﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول للمشركين ﴿ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي لا أريد\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٤، في الترجمة، باب ٢.\n(^٢) المسند ٤/ ٣٠٩، ٥/ ٣٤٨.","vol":"6","page":465},{"text":"منكم جعلا ولا عطاء على أداء رسالة الله ﷿ إليكم ونصحي إياكم وأمركم بعبادة الله ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ أي إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي عالم بجميع الأمور بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم وما أنتم عليه.\nوقوله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] أي يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض.\nوقوله ﵎: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ٨] ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه ويقرأ ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ (^١) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود ﵁ به، أي لم يبق للباطل مقالة ولا رئاسة ولا كلمة وزعم قتادة والسدي أن المراد بالباطل هاهنا إبليس، أي أنه لا يخلق أحدا ولا يعيده ولا يقدر على ذلك، وهذا وإن كان حقا ولكن ليس هو المراد هاهنا، والله أعلم.\nوقوله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ أي الخير كله من عند الله، وفيما أنزل الله ﷿ من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقد روى النسائي هنا حديث أبي موسى في الصحيحين «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا مجيبا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1608>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٥١ إلى ٥٤]</span>\n﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المظالم باب ٣٢، والمغازي باب ٤٨، وتفسير سورة ١٧، باب ١٢، ومسلم في الجهاد حديث ٨٧، والترمذي في تفسير سورة ١٧، باب ٩، وأحمد في المسند ١/ ٣٧٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٥٠، ومسلم في الذكر حديث ٤٤، ٤٥.","vol":"6","page":466},{"text":"يقول ﵎: ولو ترى يا محمد إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة، فلا فوت أي فلا مفر لهم ولا وزر لهم ولا ملجأ ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أي لم يمكنوا أن يمعنوا في الهرب بل أخذوا من أول وهلة. قال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم. وقال مجاهد وعطية العوفي وقتادة: من تحت أقدامهم. وعن ابن عباس ﵄ والضحاك: يعني عذابهم في الدنيا. وقال عبد الرحمن بن زيد: يعني قتلهم يوم بدر، والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامة العظمى، وإن كان ما ذكر متصلا بذلك.\nوحكى ابن جرير (^١) عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس ﵃. ثم أورد في ذلك حديثا موضوعا بالكلية، ثم لم ينبه على ذلك، وهذا أمر عجيب غريب منه ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ أي يوم القيامة يقولون آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي وكيف لهم تعاطي الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم، وصاروا إلى الدار الآخرة وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد.\nقال مجاهد ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ قال: التناول لذلك. وقال الزهري: التناوش تناولهم الإيمان وهم في الآخرة وقد انقطعت عنهم الدنيا، وقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال تعاطوا الإيمان من مكان بعيد. وقال ابن عباس ﵄: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه وليس بحين رجعة ولا توبة، وكذا قال محمد بن كعب القرظي ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قال مالك عن زيد بن أسلم ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال: بالظن، قلت: كما قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] فتارة يقولون شاعر، وتارة يقولون كاهن، وتارة يقولون ساحر، وتارة يقولون مجنون إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد ويقولون ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] قال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن لا بعث ولا جنة ولا نار.\nوقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ قال الحسن البصري والضحاك وغيرهما:\nيعني الإيمان وقال السدي ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ وهي التوبة، وهذا اختيار ابن جرير\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٨٧.","vol":"6","page":467},{"text":"﵀. وقال مجاهد ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهل، وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس ﵃، وهو قول البخاري وجماعه، والصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة فمنعوا منه.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا أثرا غريبا عجيبا جدا فنذكره بطوله، فإنه قال: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا بشر بن حجر السامي، حدثنا علي بن منصور الأنباري عن الشرقي بن قطامي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ إلى آخر الآية، قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحا أي فتح الله تعالى له مالا، فمات فورثه ابن له تافه أي فاسد، فكان يعمل في مال الله تعالى بمعاصي الله تعالى ﷿، فلما رأى ذلك أخوات أبيه، أتوا الفتى فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى فباع عقاره بصامت (^١)، ثم رحل فأتى عينا ثجاجة (^٢) فسرح فيها ماله وابتنى قصرا، فبينما هو ذات يوم جالس إذ حملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا، أي ريحا، فقالت: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل، قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟ فقال:\nنعم. قالت: فهل لك من زوجة؟ قال: لا.\nقالت: فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك؟ قال: قد كان ذاك، قال: فهل لك من بعل؟ قالت: لا، قال: فهل لك إلا أن أتزوجك؟ قالت: إني امرأة منك على مسيرة ميل، فإذا كان الغد فتزود زاد يوم وائتني، وإن رأيت في طريقك هولا فلا يهولنك، فلما كان من الغد تزود زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر فقرع رتاجه (^٣)، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا، أي ريحا، فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا الإسرائيلي، قال: فما حاجتك؟ قال:\nدعتني صاحبة القصر إلى نفسها، قال: صدقت، قال: فهل رأيت في الطريق هولا؟ قال: نعم ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس علي لهالني الذي رأيت، قال: ما رأيت؟ قال: أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلبة فاتحة فاها، ففزعت فوثبت فإذا أنا من ورائها، وإذا جراؤها ينبحن في بطنها، فقال له الشاب: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويسرهم حديثه.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة عنز حفّل (^٤)، وإذا فيها جدي يمصها، فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئا فتح فاه يلتمس الزيادة، فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون\n_________\n(^١) الصامت: أي الذهب والفضة، خلاف الناطق وهو الحيوان.\n(^٢) عين ثجاجة: أي عين يسيل عنها الماء سيلا.\n(^٣) الرتاج: الباب العظيم.\n(^٤) عنز حفّل: أي كثيرة اللبن.","vol":"6","page":468},{"text":"في آخر الزمان ملك يجمع صامت الناس كلهم حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئا فتح فاه يلتمس الزيادة، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر فأعجبني غصن من شجرة منها ناضرة، فأردت قطعه فنادتني شجرة أخرى: يا عبد الله مني فخذ حتى ناداني الشجر أجمع يا عبد الله مني فخذ، فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان يقل الرجال ويكثر النساء حتى أن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهن.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، فإذا أنا برجل قائم على عين يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدعوا عنه صب في جرته فلم تعلق جرته من الماء بشيء، قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله تعالى، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعنز وإذا بقوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل قد أخذ بقرنيها، وإذا رجل قد أخذ بذنبها، وإذا راكب قد ركبها، وإذا رجل يحتلبها، فقال: أما العنز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقا، وأما الذي أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه، وأما الذي ركبها فقد تركها، وأما الذي يحلبها فبخ بخ ذهب ذلك بها.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يمتح على قليب كلما أخرج دلوه صبه في الحوض فانساب الماء راجعا إلى القليب، قال: هذا رجل رد الله عليه صالح عمله فلم يقبله، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يبذر بذرا فيستحصد فإذا حنطة طيبة، قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله وأزكاه له. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل مستلق على قفاه، قال: يا عبد الله ادن مني فخذ بيدي وأقعدني، فوالله ما قعدت منذ خلقني الله تعالى، فأخذت بيده، فقام يسعى حتى ما أراه، فقال له الفتى هذا عمر الأبعد نفد، أنا ملك الموت، وأنا المرأة التي أتتك أمرني الله تعالى بقبض روح الأبعد في هذا المكان، ثم أصيره إلى نار جهنم، قال: ففيه نزلت هذه الآية ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ الآية (^١)، هذا أثر غريب وفي صحته نظر، وتنزيل الآية عليه وفي حقه بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا، كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب يطلب مراده فجاءه ملك الموت فجأة بغتة وحيل بينه وبين ما يشتهي.\nوقوله تعالى: ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. وقوله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾\n_________\n(^١) انظر الأثر في الدر المنثور ٥/ ٤٥٥، ٤٥٦.","vol":"6","page":469},{"text":"أي كانوا في الدنيا في شك ريبة، فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب، قال قتادة إياكم والشك والريبة، فإن من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه.\nآخر تفسير سورة سبأ والله ﷾ الموفق للصواب.","vol":"6","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1609>تفسير سورة فاطر</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1610>[سورة فاطر (٣٥): آية ١]</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾\nقال سفيان الثوري عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، قال:\nكنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها أي بدأتها. وقال ابن عباس ﵄ أيضا ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي بديع السموات والأرض. وقال الضحاك: كل شيء في القرآن فاطر السموات والأرض، فهو خالق السموات والأرض. وقوله تعالى: ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ أي بينه وبين أنبيائه ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أي يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعا.\n﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ أي منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇ ليلة الإسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، ولهذا قال جل وعلا:\n﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء وقال الزهري وابن جريج في قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ يعني حسن الصوت، رواه عن الزهري البخاري في الأدب، وابن أبي حاتم في تفسيره، وقرئ في الشاذ «يزيد في الحلق» بالحاء المهملة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1611>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]</span>\n﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾\nيخبر تعالى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي ولا منع. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا علي بن عاصم، حدثنا مغيرة، أخبرنا عامر عن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال: إن معاوية كتب إلى المغيرة بن شعبة اكتب لي بما سمعت من رسول الله ﷺ، فدعاني المغيرة فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير،\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٥٤، ٢٥٥.","vol":"6","page":471},{"text":"اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وسمعته ينهى عن قيل وقال: وكثرة السؤال وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنع وهات (^١)، وأخرجاه من طرق عن ورّاد به.\nوثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (^٢) وهذه الآية كقوله ﵎: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] ولها نظائر كثيرة. وقال الإمام مالك (^٣) رحمة الله عليه: كان أبو هريرة ﵁ إذا مطروا يقول: مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ هذه الآية ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ورواه ابن أبي حاتم عن يونس عن ابن وهب عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1612>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾\nينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق، فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ولهذا قال تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1613>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤ إلى ٦]</span>\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦)﴾\nويقول ﵎: وإن يكذبوك يا محمد هؤلاء المشركون بالله ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة، فإنهم كذلك جاءوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي وسنجزيهم على ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاستقراض باب ١٩، والأدب باب ٦، والرقاق باب ٢٢، والاعتصام باب ٣، ومسلم في الأقضية حديث ١٢، ١٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١٩٤، والمساجد حديث ١٣٧، ١٣٨.\n(^٣) كتاب الاستسقاء حديث ٦.","vol":"6","page":472},{"text":"أوفر الجزاء ثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي المعاد كائن لا محالة ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم، فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ وهو الشيطان قاله ابن عباس ﵄، أي لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته، فإنه غرار كذاب أفاك.\nوهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] وقال مالك عن زيد بن أسلم هو الشيطان، كما قال المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٣ - ١٤] ثم بين تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أي هو مبارز لكم بالعداوة فعادوه أنتم أشد العداوة وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به ﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين نسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان وأن يرزقنا اتباع كتاب الله، والاقتفاء بطريق رسله، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وهذه كقوله تعالى:\n﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1614>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٧ إلى ٨]</span>\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)﴾\nلما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير، ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد، لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله ورسله ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي لما كان منهم من ذنب ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على ما عملوه من خير. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ يعني كالكفار والفجار يعملون أعمالا سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، أي أفمن كان هكذا قد أضله الله ألك فيه حيلة، لا حيلة لك فيه ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي بقدره كان ذلك ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ أي لا تأسف على ذلك، فإن الله حكيم في قدره إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي، لما له في ذلك من الحجة البالغة والعلم التام، ولهذا قال تعالى:\n﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾","vol":"6","page":473},{"text":"وقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو السيباني أو ربيعة عن عبد الله بن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو ﵄ وهو في حائط بالطائف يقال له الوهط، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ فقد اهتدى ومن أخطأه منه ضل، فلذلك أقول جف القلم على ما علم الله ﷿».\nثم قال: حدثنا محمد بن عبدة القزويني، حدثنا حسان بن حسان البصري، حدثنا إبراهيم بن بشير، حدثنا يحيى بن معن، حدثنا إبراهيم القرشي عن سعد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال «الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبس الضلالة على من أحب» وهذا أيضا حديث غريب جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1615>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٩ إلى ١١]</span>\n﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١)﴾\nكثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، كما في أول سورة الحج (^١) ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها ﴿اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرا يعم الأرض جميعا، ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض ولهذا جاء في الصحيح «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» (^٢) ولهذا قال تعالى: ﴿كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ وتقدم في الحج حديث أبي رزين قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال ﷺ «يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلا ثم مررت به يهتز خضرا» قلت:\nبلى، قال ﷺ: «فكذلك يحيي الله الموتى» وقوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي من كان يحب أن يكون عزيزا في\n_________\n(^١) انظر تفسير الآيات ٥ - ٧ من سورة الحج.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٩، باب ٣، وسورة ٧٨، باب ١، ومسلم في الفتن حديث ١٤١ - ١٤٣، وأبو داود في السنة باب ٢٢، والنسائي في الجنائز باب ١١٧، وابن ماجة في الزهد باب ٣٢، ومالك في الجنائز حديث ٤٩، وأحمد في المسند ٢/ ٣٢٢، ٤٢٨، ٤٩٩، ٣/ ٢٨.","vol":"6","page":474},{"text":"الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى، فإنه يحصل له مقصوده لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة وله العزة جميعا، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] وقال ﷿: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥] وقال ﷻ ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] قال مجاهد ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بعبادة الأوثان ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ وقال قتادة ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي فليتعزز بطاعة الله ﷿، وقيل من كان يريد علم العزة لمن هي ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ وحكاه ابن جرير.\nوقوله ﵎: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يعني الذكر والتلاوة والدعاء، قاله غير واحد من السلف. وقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، أخبرني جعفر بن عون عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله هو ابن مسعود ﵁: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا واستغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الله ﷿، ثم قرأ عبد الله ﵁ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب الأحبار: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لدويا حول العرش كدوي النحل يذكرن لصاحبهن والعمل الصالح في الخزائن (^٢)، وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه، وقد روي مرفوعا.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى يعني ابن مسلم الطحان عن عون بن عبد الله عن أبيه أو عن أخيه عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله، يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر به» وهكذا رواه ابن ماجة (^٤) عن أبي بشر خلف عن يحيى بن سعيد القطان عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه أو عن أخيه، عن النعمان بن بشير ﵁ به.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٩٨، ٣٩٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٣٩٩.\n(^٣) المسند ٤/ ٢٦٨، ٢٧١.\n(^٤) كتاب الأدب باب «فضل التسبيح».","vol":"6","page":475},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: الكلم الطيب ذكر الله تعالى، يصعد به إلى الله ﷿، والعمل الصالح أداء الفريضة، فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه حمل عمله وذكر الله تعالى به إلى الله ﷿، ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، فكان أولى به، وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفعه الكلام الطيب، وكذا قال أبو العالية وعكرمة وإبراهيم النخعي والضحاك والسدي والربيع بن أنس وشهر بن حوشب وغير واحد. وقال إياس بن معاوية القاضي، لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام. وقال الحسن وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب:\nهم المراؤون بأعمالهم، يعني يمكرون بالناس يوهمون أنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله ﷿ يراءون بأعمالهم ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون، والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهي، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنين المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف لهم عن قريب وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية.\nوقوله ﵎: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي ابتدأ خلق أبيكم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا﴾ أي ذكرا وأنثى، لطفا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجا من جنسكم لتسكنوا إليها. وقوله ﷿: ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي هو عالم بذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء بل ﴿ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ [الرعد: ٨ - ٩].\nوقوله ﷿: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي ما يعطي بعض النطف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ الضمير عائد على الجنس لا على العين، لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله تعالى لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس قال ابن جرير: وهذا كقولهم عندي ثوب ونصفه أي هو ونصف ثوب آخر، وروي من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت","vol":"6","page":476},{"text":"ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ يقول: كل ذلك في كتاب عنده، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ قال:\nما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد فهذا هذا. وقال قتادة: والذي ينقص من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة. وقال مجاهد ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي في بطن أمه يكتب له ذلك لم يخلق على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر هو أنقص من عمره. فكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ، وقال بعضهم: بل معناه ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أي ما يكتب من الأجل ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ وهو ذهابه قليلا قليلا، الجميع معلوم عند الله تعالى سنة بعد سنة، وشهرا بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله تعالى في كتابه، نقله ابن جرير عن أبي مالك، وإليه ذهب السدي وعطاء الخراساني، واختار ابن جرير الأول، وهو كما قال.\nوقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة: حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال: سمعت ابن وهب يقول: حدثني يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (^١). وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الوليد بن الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو سرح، حدثنا عثمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: «إن الله تعالى لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر». وقوله ﷿: ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل للجميع، لا يخفى عليه شيء منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1616>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٢]</span>\n﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٢، والبيوع باب ١٣، ومسلم في البر حديث ٢٠، ٢١، وأبو داود في الزكاة باب ٤٥.","vol":"6","page":477},{"text":"يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة خلق البحرين العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس من كبار وصغار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار والعمران والبراري والقفار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أي مر وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زعافا مرة، ولهذا قال: ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أي مر. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [الرحمن: ٢٢ - ٢٣] كما قال ﷿: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ أي تمخره وتشقه بحيزومها وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير وهو صدره، وقال مجاهد: تمخر الريح السفن ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام وقوله جل وعلا: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي بأسفاركم بالتجارة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، تذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شيء منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السموات وما في الأرض، الجميع من فضله ورحمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1617>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٣ إلى ١٤]</span>\n﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾\nوهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه، والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفا وشتاء ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي والنجوم السيارات، والثوابت الثاقبات، بأضوائهن أجرام السموات، الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر، تقديرا من عزيز عليم ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى يوم القيامة ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أي الذي فعل هذا هو الرب العظيم الذي لا إله غيره ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي من الأصنام والأنداد التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين ﴿ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وعطاء وعطية العوفي والحسن وقتادة وغيرهم: القطمير هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة (^١)، أي لا يملكون من السموات والأرض شيئا ولا بمقدار هذا القطمير.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٠٣.","vol":"6","page":478},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ يعني الآلهة التي تدعونها من دون الله لا تسمع دعاءكم، لأنها جماد لا أرواح فيها، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ أي لا يقدرون على شيء مما تطلبون منها ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي يتبرؤون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1618>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٥ إلى ١٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾\nيخبر تعالى بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها وتذللها بين يديه، فقال تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ﴾ أي هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا قال ﷿: ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي يوم القيامة ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾ أي وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي وإن كان قريبا إليها حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله. قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾ الآية، قال هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يدا قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه حتى يرده إلى منزل دون منزله، وهو في النار.\nوإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني أي والد كنت لك، فيثني خيرا، فيقول له: يا بني إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده:","vol":"6","page":479},{"text":"يا أبت ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثلما تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئا، ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة، أو يا هذه أي زوج كنت لك؟ فتثني خيرا، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو بها ممن ترين، قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا، إني أتخوف مثل الذي تتخوف.\nيقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾ الآية، ويقول ﵎: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] رواه ابن أبي حاتم ﵀ عن أبي عبد الله الطهراني عن حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة به.\nثم قال ﵎: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ أي إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنّهى، الخائفون من ربهم، الفاعلون ما أمرهم به ﴿وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ أي ومن عمل صالحا فإنما يعود نفعه على نفسه ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي وإليه المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1619>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ إلى ٢٦]</span>\n﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾\nيقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقال ﷿: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤] فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها.\n﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم","vol":"6","page":480},{"text":"وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي إنما عليك البلاغ والإنذار، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ أي وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] الآية، والآيات في هذا كثيرة.\nوقوله ﵎: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ وهي المعجزات الباهرات والأدلة القاطعات ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب ﴿وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ أي الواضح البين ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ومع هذا كله كذب أولئك رسلهم فيما جاءوهم به، فأخذتهم أي بالعقاب والنكال ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيما شديدا بليغا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1620>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾\nيقول تعالى منبها على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، يخرج به ثمرات مختلفا ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].\nوقوله ﵎: ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضا من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق وهي الجدد جمع جدة، مختلفة الألوان أيضا قال ابن عباس ﵄: الجدد الطرائق، وكذا قال أبو مالك والحسن وقتادة والسدي، ومنها غرابيب سود. قال عكرمة: الغرابيب الجبال الطوال السود، وكذا قال أبو مالك وعطاء الخراساني وقتادة: وقال ابن جرير (^١): والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا: أسود غربيب، ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ أي سود غرابيب، وفيما قاله نظر.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٠٩.","vol":"6","page":481},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ﴾ أي كذلك الحيوانات من الأناسي، والدواب، وهو كل ما دب على القوائم، والأنعام، من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضا، فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك والهنود دون ذلك، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان، بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون وهذا اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أيصبغ ربك؟ قال ﷺ: «نعم صبغا لا ينفض أحمر وأصفر وأبيض» وروي مرسلا وموقوفا، والله أعلم. ولهذا قال تعالى بعد هذا:\n﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير (^١) وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئا، وأحل حلاله وحرم حرامه، وحفظ وصيته وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله. وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله ﷿. وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.\nوعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإما العلم نور يجعله الله في القلب. قال أحمد بن صالح المصري: معناه أن الخشية، لا تدرك بكثرة الرواية، وإنما العلم الذي فرض الله ﷿ أن يتبع، فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا، لا يدرك إلا بالرواية، ويكون تأويل قوله: نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري عن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٠٩.","vol":"6","page":482},{"text":"أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس العالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1621>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلا ونهارا، سرا وعلانية ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي يرجون ثوابا عند الله لا بد من حصوله، كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه: إن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي ليوفيهم ثواب ما عملوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أي لذنوبهم ﴿شَكُورٌ﴾ للقليل من أعمالهم.\nقال قتادة: كان مطرف ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا سالم بن غيلان قال: إنه سمع دراجا أبا السمح يحدث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول:\n«إن الله تعالى إذا رضي عن العبد أثنى عليه بسبعة أصناف من الخير لم يعمله، وإذا سخط على العبد أثنى عليه بسبعة أضعاف من الشر لم يعمله» غريب جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1622>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣١]</span>\n﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ يا محمد من الكتاب وهو القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المتقدمة بصدقها كما شهدت له بالتنويه، وأنه منزل من رب العالمين ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي هو خبير بهم بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات وجعل منزلة محمد ﷺ فوق جميعهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1623>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٢]</span>\n﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٨.","vol":"6","page":483},{"text":"يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات، ﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ قال: هم أمة محمد ﷺ، ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب (^١).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح وعبد الرحمن بن معاوية العتبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح، حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني. حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال ذات يوم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». قال ابن عباس ﵄: «السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ، وكذا روي عن غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن ابن عباس ﵄ فمنهم ظالم لنفسه قال هو الكافر وكذا روى عنه عكرمة، وبه قال عكرمة أيضا فيما رواه ابن جرير. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: هم أصحاب المشأمة. وقال مالك عن زيد بن أسلم والحسن وقتادة: هو المنافق، ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها، والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير، كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طرق يشد بعضها بعضا ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر.\n[الحديث الأول] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلا من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد الخدري رضي الله\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤١١.\n(^٢) المسند ٣/ ٧٨.","vol":"6","page":484},{"text":"عنه، عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال «هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة» هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده من لم يسم، وقد رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم من حديث شعبه به نحوه. ومعنى قوله بمنزلة واحدة، أي في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.\n[الحديث الثاني] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة عن موسى بن عقبة، عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلاقاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥].\n[طريق أخرى] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء ﵁ قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثم أورثنا الكتاب اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه-قال- فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن، ثم يدخل الجنة».\nورواه ابن جرير (^٣) من حديث سفيان الثوري عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء ﵁، فقال: اللهم آنس وحشتي، وارحم غربتي ويسر لي جليسا صالحا، فقال أبو الدرداء ﵁: لئن كنت صادقا لأنا أسعد بك منك، سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لم أحدث به منذ سمعته منه وذكر هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾، فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن، وذلك قوله تعالى:\n﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤].\n[الحديث الثالث] قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤١٣.\n(^٢) المسند ٥/ ١٩٨.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٤١٤.","vol":"6","page":485},{"text":"حدثنا ابن مسعود، أخبرنا سهل بن عبد ربه الرازي، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسامة بن زيد ﵄ ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ الآية، قال: قال رسول الله ﷺ: «كلهم من هذه الأمة».\n[الحديث الرابع] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عزيز، حدثنا سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده، يقول الله تعالى صدقوا لا إله إلا أنا أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل النار، وهي التي قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ فجعلهم ثلاثة أنواع، وهم أصناف كلهم، فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يمحص ويكشف» غريب جدا.\n[أثر عن ابن مسعود] ﵁. قال ابن جرير (^١): حدثني ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس عن عبد الله بن عيسى ﵁ عن يزيد بن الحارث، عن شقيق أبي وائل عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله ﷿: ما هؤلاء؟ وهو أعلم ﵎ فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك شيئا، فيقول الرب ﷿: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي وتلا عبد الله ﵁ هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ الآية.\n[أثر آخر] قال أبو داود الطيالسي عن الصلت بن دينار بن الأشعث عن عقبة بن صهبان الهنائي قال: سألت عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية، فقالت لي: يا بني هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، قال:\nفجعلت نفسها ﵂ معنا، وهذا منها ﵂ من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في قوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤١٢.","vol":"6","page":486},{"text":"﵎: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: هي لأهل بدونا ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه، قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ -إلى قوله ﷿ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ﴾ قال: فهؤلاء أهل النار، رواه ابن جرير من طرق عن عوف به ثم قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا حميد عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: إن ابن عباس ﵄ سأل كعبا عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ -إلى قوله: ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال: تماست مناكبهم ورب كعب، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.\nثم قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ الآية، قال أبو إسحاق: أما ما سمعت من ذي ستين سنة فكلهم ناج، ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو عن محمد ابن الحنفية ﵁ قال: إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله. ورواه الثوري عن إسماعيل بن سميع عن رجل عن محمد ابن الحنفية ﵁ بنحوه.\nوقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي-يعني الباقر-﵄ عن قول الله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ فقال: هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا. فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإذا تقرر هذا، فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة، فإنهم كما قال الإمام أحمد (^٢) ﵀ حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء ﵁ وهو بدمشق، فقال:\nما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله ﷺ، قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا، قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا، قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال ﵁: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يطلب فيها علما، سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤١١.\n(^٢) المسند ٥/ ١٩٦.","vol":"6","page":487},{"text":"على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (^١) وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث كثير بن قيس، ومنهم من يقول قيس بن كثير عن أبي الدرداء ﵁ وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nوقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم ﵁، عن رسول الله ﷺ قال:\n«يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء: إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي».\n\n<span data-type='title' id=toc-1624>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]</span>\n﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)﴾\nيخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة، مأواهم جنات عدن، أي جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على الله ﷿ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ: أنه قال «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (^٢). ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ ولهذا كان محظورا عليهم في الدنيا، فأباحه الله تعالى لهم في الآخرة، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (^٣) وقال «هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سواد السرحي، أخبرنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: إن أبا أمامة ﵁ حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم، وذكر حلي أهل الجنة فقال «مسورون بالذهب والفضة مكللة بالدر، وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب جرد مرد مكحولون» ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وهو الخوف من المحذور، أزاحه عنا وأرحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا والآخرة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في العلم باب ١، والترمذي في العلم باب ١٩، وابن ماجة في المقدمة باب ١٧، والدارمي في المقدمة باب ٣٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في الطهارة حديث ٤٠، والنسائي في الطهارة باب ١٠٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٢، ٣٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري في اللباس باب ٢٥، ومسلم في اللباس حديث ١١، ١٢.","vol":"6","page":488},{"text":"عن أبيه عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» رواه ابن أبي حاتم من حديثه.\nوقال الطبراني: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا موسى بن يحيى المروزي، حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي عن عبد العزيز بن حكيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.\nقال ابن عباس ﵄ وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقولون الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومنّه ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل» (^١).\n﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ أي لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء. والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم، أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، والله أعلم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة قال الله ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-1625>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾\nلما ذكر ﵎ حال السعداء، شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ كما قال تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [طه: ٧٤] وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال «أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون» (^٢) وقال ﷿: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك، قال الله تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ كما قال ﷿:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٨، ومسلم في المنافقين حديث ٧١ - ٧٣.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣٠٦، وابن ماجة في الزهد باب ٣٧.","vol":"6","page":489},{"text":"﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] وقال جل وعلا: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾ [النبأ:٣٠] ثم قال تعالى: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب الحق.\nوقوله جلت عظمته: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ أي ينادون فيها يجأرون إلى الله ﷿ بأصواتهم ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ أي يسألون الرجعة إلى الدنيا ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الرب ﷻ أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبرا عنهم في قولهم ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك، ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه، ولذا قال هاهنا:\n﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ أي أو ما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟ وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هاهنا، فروي عن علي بن الحسين زين العابدين ﵄ أنه قال: مقدار سبع عشرة سنة.\nوقال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر قد نزلت هذه الآية ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة، وكذا قال أبو غالب الشيباني. وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن رجل عن وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: عشرين سنة وقال هشيم عن منصور عن زاذان عن الحسن في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: أربعين سنة، وقال هشيم أيضا عن مجاهد عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله ﷿.\nوهذه رواية عن ابن عباس ﵄ فيما قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة، هكذا رواه من هذا الوجه عن ابن عباس ﵄ به، وهذا القول هو اختيار ابن جرير، ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كلاهما عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ستون سنة، فهذه الرواية أصح عن ابن عباس ﵄، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضا، لما ثبت في ذلك من الحديث\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤١٨.","vol":"6","page":490},{"text":"كما سنورده، لا كما زعمه ابن جرير من أن الحديث لم يصح في ذلك، لأن في إسناده من يجب التثبت في أمره، وقد روى أصبغ بن نباتة عن علي ﵁ أنه قال: العمر الذي عيرهم الله به في قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ستون سنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا دحيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي عن ابن أبي حسين المكي، أنه حدثه عن عطاء هو ابن رباح عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة، قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾» وكذا رواه ابن جرير عن علي بن شعيب عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به، وكذا رواه الطبراني من طريق ابن أبي فديك به، وهذا الحديث فيه نظر لحال إبراهيم بن الفضل، والله أعلم.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن رجل من بني غفار عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لقد أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتى بلغ الستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله تعالى إليه، لقد أعذر الله تعالى إليه».\nوهكذا رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه: حدثنا عبد السلام بن مطهر عن عمر بن علي عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «أعذر الله ﷿ إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة» (^٢) ثم قال البخاري: تابعه أبو حازم وابن عجلان عن سعيد المقبري، فأما أبو حازم فقال ابن جرير (^٣):\nحدثنا أبو صالح الفزاري، حدثنا محمد بن سوار، أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القادر أي الإسكندري، حدثنا أبو حازم عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من عمره الله تعالى ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» وقد رواه الإمام أحمد (^٤) والنسائي في الرقاق جميعا عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن به.\nورواه البزار قال: حدثنا هشام بن يونس، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة» يعني ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وأما متابعة ابن عجلان فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله عز\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٧٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٥.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٤١٨.\n(^٤) المسند ٢/ ٤١٧.","vol":"6","page":491},{"text":"وجل إليه في العمر» وكذا رواه الإمام (^١) أحمد عن أبي عبد الرحمن هو المقري به، ورواه أحمد أيضا عن خلف عن أبي معشر عن أبي سعيد المقبري.\n[طريق أخرى] عن أبي هريرة ﵁. قال ابن جرير (^٢): حدثني أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المطرف بن مازن الكناني، حدثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «لقد أعذر الله ﷿ في العمر إلى صاحب الستين والسبعين» فقد صح هذا الحديث من هذه الطرق، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت وقول ابن جرير: إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره لا يلتفت إليه مع تصحيح البخاري، والله أعلم. وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم، كما قال الشاعر [الوافر]:\nإذا بلغ الفتى ستين عاما … فقد ذهب المسرة والفتاء (^٣)\nولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به ويزيح به عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث. قال الحسن بن عرفة ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (^٤) وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعا في كتاب الزهد عن الحسن بن عرفة به.\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوهذا عجيب من الترمذي، فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا من وجه آخر وطريق أخرى عن أبي هريرة حيث قال: حدثنا سليمان بن عمرو عن محمد بن ربيعة عن كامل أبي العلاء عن\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٢٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤١٨.\n(^٣) يروى البيت: إذا عاش الفتى مائتين عاما فقد ذهب اللذاذة والفتاء وهو للربيع بن ضبع في أمالي المرتضى ١/ ٢٥٤، وخزانة الأدب ٧/ ٣٧٩، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٥، والدرر ٤/ ٤١، وشرح التصريح ٢/ ٢٧٣، وشرح عمدة الحافظ ص ٥٢٥، والكتاب ١/ ٢٠٨، ٢/ ١٦٢، ولسان العرب (فتا)، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨١، وهمع الهوامع ١/ ١٣٥، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص ٢٩٩، وأوضح المسالك ٤/ ٢٥٥، وجمهرة اللغة ص ١٠٣٢، وشرح الأشموني ٣/ ٦٢٣، وشرح المفصل ٦/ ٢١، ومجالس ثعلب ص ٣٣٣، والمقتضب ٢/ ١٦٩، والمنقوص والممدود ص ١٧.\n(^٤) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ١٠١، وابن ماجة في الزهد باب ٣٧.","vol":"6","page":492},{"text":"أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (^١) وقد رواه الترمذي في كتاب الزهد أيضا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن محمد بن ربيعة به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁، وقد روي من غير وجه هذا نصه بحروفه في الموضعين، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى الأنصاري، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل مولى بني مخزوم عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين» وبه قال: قال رسول الله ﷺ: «أقل أمتي أبناء سبعين» إسناده ضعيف.\n[حديث آخر] في معنى ذلك. قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن مهدي عن عثمان بن مطر عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة ﵁ أنه قال: يا رسول الله أنبئنا بأعمار أمتك، قال رسول الله ﷺ: «ما بين الخمسين إلى الستين» قالوا: يا رسول الله فأبناء السبعين؟ قال ﷺ: «قل من يبلغها من أمتي، رحم الله أبناء السبعين، ورحم الله أبناء الثمانين» ثم قال البزار: لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وعثمان بن مطر من أهل البصرة ليس بقوي، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ عاش ثلاثا وستين سنة، وقيل ستين، وقيل خمسا وستين، والمشهور الأول، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ روي عن ابن عباس ﵄ وعكرمة وأبي جعفر الباقر ﵁ وقتادة وسفيان بن عيينة أنهم قالوا: يعني الشيب وقال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني به رسول الله ﷺ، وقرأ ابن زيد ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ [النجم: ٥٦] وهذا هو الصحيح عن قتادة فيما رواه شيبان عنه أنه قال: احتج عليهم بالعمر والرسل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو الأظهر لقوله تعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨] أي لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل فأبيتم وخالفتم، وقال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال ﵎: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]. وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعمالكم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال.\n_________\n(^١) راجع الحاشية السابقة.","vol":"6","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1626>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]</span>\n﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَسارًا (٣٩)﴾\nيخبر تعالى بعلمه غيب السموات والأرض، وإنه يعلم ما تكنه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله، ثم قال ﷿ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي يخلف قوم لآخرين قبلهم وجيل لجيل قبلهم. كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [فاطر: ٣٩] أي فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتًا﴾ أي كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله تعالى، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بخلاف المؤمنين، فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1627>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٠ إلى ٤١]</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاّ غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي من الأصنام والأنداد ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أي ليس لهم شيء من ذلك ما يملكون من قطمير. وقوله ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ أي أم أنزلنا عليهم كتابا بما يقولونة من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاّ غُرُورًا﴾ أي بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي يمنوها لأنفسهم وهي غرور وباطل وزور.\nثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ أي أن تضطربا عن أماكنهما، كما قال ﷿: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] ﴿وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ١] أي لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور أي يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر، وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.\nوقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا بل منكرا، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن","vol":"6","page":494},{"text":"الجنيد، حدثني إسحاق بن إبراهيم، حدثني هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵊ على المنبر قال: وقع في نفس موسى ﵊: هل ينام الله ﷿؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلا أن الله ﷿ لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض.\nوالظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع بل من الإسرائيليات المنكرة، فإن موسى ﵊ أجل من أن يجوز على الله ﷾ النوم، وقد أخبر الله ﷿ في كتابه العزيز بأنه ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^١).\nوقد قال أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله هو ابن مسعود ﵁ فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام، قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبا، قال: ما حدثك؟ قال: حدثني أن السموات تدور على منكب ملك، قال: أفصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب إن الله تعالى يقول ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود ﵁.\nثم رواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: ذهب جندب البجلي إلى كعب بالشام فذكر نحوه. وقد رأيت في مصنف للفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي سماه-سير الفقهاء-أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطباع عن وكيع عن الأعمش به، ثم قال: وأخبرنا زونان يعني عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب عن مالك أنه قال: السماء لا تدور، واحتج بهذه الآية، وبحديث «إن بالمغرب بابا للتوبة لا يزال مفتوحا حتى تطلع الشمس\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٣، ٢٩٥، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣، وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٥، ٤٠١، ٤٠٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٢١.","vol":"6","page":495},{"text":"منه» (^١) قلت: وهذا الحديث في الصحيح، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1628>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]</span>\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا (٤٢) اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾\nيخبر تعالى عن قريش والعرب، أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم قبل إرسال الرسول إليهم ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾، أي من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل، قاله الضحاك وغيره كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها﴾ [آل عمران: ١٥٦ - ١٥٧] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧ - ١٧٠] قال الله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو محمد ﷺ بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو القرآن المبين ﴿ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ أي ما ازدادوا إلا كفرا إلى كفرهم، ثم بين ذلك بقوله: ﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: استكبروا عن اتباع آيات الله ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم.\nقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «إياك ومكر السيئ، فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، ولهم من الله طالب» وقال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث، وتصديقها في كتاب الله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] وقوله ﷿: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ أي لا تغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل مكذب ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ أي ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١] ولا يكشف ذلك عنهم ويحوله عنهم أحد، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٤٠، ٢٤١.","vol":"6","page":496},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1629>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فخلت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من نعيم بعد كمال القوة وكثرة العدد والعدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لا يعجزه شيء إذا أراد كونه في السموات والأرض ﴿إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أي عليم بجميع الكائنات قدير على مجموعها، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي لو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك جميع أهل الأرض وما يملكونه من دواب وأرزاق.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾. وقال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي لما سقاهم المطر فماتت جميع الدواب، ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة وبالعقاب أهل المعصية، ولهذا قال ﵎: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾. آخر تفسير سورة فاطر ولله الحمد والمنة.","vol":"6","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1630>تفسير سورة يس</span>\nوهي مكية\nقال أبو عيسى الترمذي (^١): حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي عن الحسن بن صالح عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن، وهارون أبو محمد شيخ مجهول. وفي الباب عن أبي بكر الصديق ﵁: ولا يصح لضعف إسناده. وعن أبي هريرة ﵁: منظور فيه، أما حديث الصديق ﵁ فرواه الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول، وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقال أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن الفضل، حدثنا زيد هو ابن الحباب، حدثنا حميد هو المكي مولى آل علقمة عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس» ثم قال: لا نعلم رواه إلا زيد عن حميد.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حجاج بن محمد عن هشام بن زياد عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورا له، ومن قرأ حم التي يذكر فيها الدخان أصبح مغفور له» إسناده جيد. وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، حدثنا أبي، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا محمد بن جحادة عن الحسن عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله ﷿ غفر له».\nوقد قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عارم حدثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا، واستخرجت ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] من تحت العرش فوصلت بها-أو فوصلت بسورة البقرة-ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله\n_________\n(^١) كتاب ثواب القرآن باب ٧.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٦.","vol":"6","page":498},{"text":"والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان به.\nثم قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عارم، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان وليس بالنهدي، عن أبيه عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«اقرءوها على موتاكم» يعني يس (^٢)، ورواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة من حديث عبد الله بن المبارك به، إلا أن في رواية النسائي عن أبي عثمان عن معقل بن يسار ﵁، ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى، وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل عليه خروج الروح، والله تعالى أعلم.\nقال الإمام أحمد (^٣) ﵀: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان قال: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت-يعني يس-عند الميت خفف الله عنه بها. وقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» يعني يس.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1631>[سورة يس (٣٦): الآيات ١ إلى ٧]</span>\n﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. وروي عن ابن عباس ﵄ وعكرمة والضحاك والحسن وسفيان بن عيينة أن يس بمعنى يا إنسان (^٤). وقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة، وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء الله تعالى:\n﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ أي المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿إِنَّكَ﴾ أي يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على منهج ودين قويم وشرع مستقيم ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب العزة الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٦، ٢٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الجنائز باب ٢٠، وابن ماجة في الجنائز باب ٤.\n(^٣) المسند ٤/ ١٠٥.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٢٤.","vol":"6","page":499},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ يعني بهم العرب، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله، وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم، وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته ﷺ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ﴾ قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن الله تعالى قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بالله ولا يصدقون رسله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1632>[سورة يس (٣٦): الآيات ٨ إلى ١٢]</span>\n﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾\nيقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسه فصار مقمحا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ والمقمح هو الرافع رأسه، كما قالت أم زرع في كلامها: وأشرب فأتقمح (^١)، أي أشرب فأروي، وأرفع رأسي تهنيئا وترويا، واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر [الوافر]:\nفما أدري إذا يممت أرضا … أريد الخير أيهما يليني (^٢)\nأالخير الذي أنا أبتغيه … أم الشر الذي لا يأتليني؟\nفاكتفى بذكر الخير عن الشر، لما دل الكلام والسياق عليه، وهكذا هذا لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين. قال العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ قال: هو كقوله ﷿: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير. وقال مجاهد ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ قال: رافعي رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ قال مجاهد: عن الحق ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قال مجاهد: عن الحق فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في النكاح باب ٨٢، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٩٢.\n(^٢) البيتان للمثقب العبدي في ديوانه ص ٢١٢، وخزانة الأدب ١١/ ٨٠، وشرح اختيارات المفضل ص ١٢٦٧، وشرح شواهد المغني ١/ ١٩١، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ١٤٥، وخزانة الأدب ٦/ ٣٧، وشرح المفصل ٩/ ١٣٨.","vol":"6","page":500},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ أي أغشينا أبصارهم عن الحق ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ أي لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه. قال ابن جرير (^١): وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقرأ «فأعشيناهم» بالعين المهملة من العشا، وهو داء في العين، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] ثم قال: من منعه الله تعالى لا يستطيع. وقال عكرمة: قال أبو جهل:\nلئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا﴾ -إلى قوله- ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ قال: وكانوا يقولون هذا محمد، فيقول: أين هو أين هو؟ لا يبصره، رواه ابن جرير.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها. وخرج عليهم رسول الله ﷺ عند ذلك وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم ويقرأ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ -حتى انتهى إلى قوله تعالى- ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ وانطلق رسول الله ﷺ لحاجته، وباتوا رصدا على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدا، قال: قد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابا، ثم ذهب لحاجته، فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبي ﷺ قول أبي جهل فقال: «وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحا وإنه أحدهم».\nوقوله ﵎: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي فقد ختم الله عليهم بالضلالة فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به، وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة، وكما قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر وهو القرآن العظيم ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي حيث لا يراه أحد إلا الله ﵎ يعلم أن الله مطلع عليه وعالم بما يفعل ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ أي لذنوبه ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي كثير واسع حسن جميل، كما قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] ثم قال ﷿: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٢٨.","vol":"6","page":501},{"text":"يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار، الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ أي من الأعمال، وفي قوله تعالى: ﴿وَآثارَهُمْ﴾ قولان:\n[أحدهما] نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي آثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا إن خيرا فخير وإن شرا فشر، كقوله ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا» (^١) رواه مسلم من رواية شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي ﵁، وفيه قصة مجتابي النّمار المضريين، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن يحيى بن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى عن عبد الملك بن عمير عن جرير بن عبد الله ﵁ فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن المنذر بن جرير عن أبيه فذكره.\nوهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده» (^٢)، وقال سفيان الثوري عن أبي سعيد ﵁، قال:\nسمعت مجاهدا يقول في قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ قال:\nما أورثوا من الضلالة. وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى:\n﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ يعني ما أثروا، يقول: ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كانت خيرا فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئا، وإن كانت شرا فعليهم مثل أوزارهم ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا، ذكرهما ابن أبي حاتم، وهذا القول هو اختيار البغوي.\n[والقول الثاني] أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، قال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد ﴿ما قَدَّمُوا﴾ أعمالهم ﴿وَآثارَهُمْ﴾ قال: خطاهم بأرجلهم، وكذا قال الحسن وقتادة ﴿وَآثارَهُمْ﴾ يعني خطاهم. وقال قتادة: لو كان الله ﷿ مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٧٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في الوصية حديث ١٤.","vol":"6","page":502},{"text":"في طاعة الله تعالى فليفعل. وقد وردت في هذا المعنى أحاديث:\n[الحديث الأول] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟» قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال ﷺ: «يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم»، وهكذا رواه مسلم (^٢) من حديث سعيد الجريري وكهمس بن الحسن، كلاهما عن أبي نضرة واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، عن جابر رضي عنه به.\n[الحديث الثاني] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي سفيان عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فقال لهم النبي ﷺ: «إن آثاركم تكتب» فلم ينتقلوا، تفرد بإخراجه الترمذي (^٣) عند تفسيره هذه الآية الكريمة عن محمد بن الوزير به، ثم قال: حسن غريب من حديث الثوري، ورواه ابن جرير عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك عن سفيان الثوري عن طريف-وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي-عن أبي نضرة به.\nوقد روي من غير طريق الثوري فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن زياد الساجي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁، قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فأقاموا في مكانهم. وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه، وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم.\n[الحديث الثالث] قال ابن جرير (^٤): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت مكاننا، هكذا رواه، وليس فيه شيء مرفوع. ورواه الطبراني عن\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٣٢، ٣٣٣.\n(^٢) كتاب المساجد حديث ٢٨٠.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٦، باب ١.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٤٢٩.","vol":"6","page":503},{"text":"عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن يوسف الفريابي عن إسرائيل، عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فثبتوا في منازلهم.\n[الحديث الرابع] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: توفي رجل في المدينة فصلى عليه النبي ﷺ: وقال «يا ليته مات في غير مولده»، فقال رجل من الناس:\nولم يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة» (^٢)، ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى وابن ماجة عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب عن حيي بن عبد الله به. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو نميلة، حدثنا الحسين عن ثابت قال: مشيت مع أنس ﵁ فأسرعت المشي فأخذ بيدي فمشينا رويدا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال:\nيا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب؟ وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب، قاله مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] أي بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر، كما قال ﷿:\n﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1633>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٣ إلى ١٧]</span>\n﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾\nويقول تعالى: واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك ﴿مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب الأحبار ووهب بن\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٧٧.\n(^٢) أخرجه النسائي في الجنائز باب ٨، وابن ماجة في الجنائز باب ٦١.","vol":"6","page":504},{"text":"منبه: إنها مدينة أنطاكية وكان بها ملك يقال له أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم صادق وصدوق وشلوم، فكذبهم (^١)، وهكذا روي عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري أنها أنطاكية، وقد استشكل بعض الأئمة كونها أنطاكية بما سنذكره بعد تمام القصة إن شاء الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما﴾ أي بادروهما بالتكذيب ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أي قويناهما وشددنا إزرهما برسول ثالث. قال ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية ﴿فَقالُوا﴾ أي لأهل تلك القرية ﴿إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ أي من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له، قاله أبو العالية، وزعم قتادة بن دعامة أنهم كانوا رسل المسيح ﵇ إلى أهل أنطاكية ﴿قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم ولو كنتم رسلا لكنتم ملائكة، وهذه شبة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله ﷿: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] أي استعجبوا من ذلك وأنكروه.\nوقوله تعالى: ﴿قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ولهذا قال هؤلاء ﴿ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ أي أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ يقولون:\nإنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا فستعلمون غبّ ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1634>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٨ إلى ١٩]</span>\n﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾\nفعند ذلك قال لهم أهل القرية ﴿إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أي لم نر على وجوهكم خيرا في عيشنا.\nوقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم. وقال مجاهد: يقولون لم يدخل مثلكم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣١.","vol":"6","page":505},{"text":"إلى قرية إلا عذب أهلها ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد:\nبالشتم، ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي عقوبة شديدة، فقالت لهم رسلهم ﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقال قوم صالح ﴿اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ [النمل: ٤٧] وقال قتادة ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم. وقال ﷿: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨] وقوله تعالى: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام وتوعدتمونا وتهددتمونا، بل أنتم قوم مسرفون. وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا بل أنتم قوم مسرفون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1635>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٠ إلى ٢٥]</span>\n﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾\nقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إن أهل القربة هموا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي لينصرهم من قومه، قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير وهو الحبال وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف كسبه مستقيم الفطرة. وقال ابن إسحاق عن رجل سماه عن الحكم عن مقسم أو عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، قال: اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وقال الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن مري.\nوقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه. وقال السدي: كان قصارا. وقال عمر بن الحكم: كان إسكافا.\nوقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك، ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي على إبلاغ الرسالة وهم مهتدون فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ أي هذه الآلهة","vol":"6","page":506},{"text":"التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئا، فإن الله تعالى لو أرادني بسوء ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إن اتخذتها آلهة من دون الله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب ووهب: يقول لقومه ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الذي كفرتم به ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي فاسمعوا قولي ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أي الذي أرسلكم ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي فاشهدوا لي بذلك عنده، وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون:\nبل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني آمنت بربكم واتبعتكم، وهذا القول الذي حكاه عن هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم. قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب ووهب ﵄: فلما قال ذلك، وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه. وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فلم يزالوا به حتى أقعصوه، وهو يقول كذلك، فقتلوه ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-1636>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]</span>\n﴿قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)﴾\nقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود ﵁، أنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره (^١)، وقال الله له: ﴿اُدْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فدخلها فهو يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها. وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة، وذلك أنه قتل فوجبت له، فلما رأى الثواب ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا لا تلقاه غاشا. لما عاين من كرامة الله تعالى: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنى على الله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هجم عليه (^٢). وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته في قوله ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوقال سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بإيماني بربي وتصديقي المرسلين ومقصودة أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل فرحمه الله ورضي عنه، فلقد\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٦.","vol":"6","page":507},{"text":"كان حريصا على هداية قومه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن جابر هو محمد عن عبد الملك يعني ابن عمير قال: قال عروة بن مسعود الثقفي ﵁ للنبي ﷺ: ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «إني أخاف أن يقتلوك» فقال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني، فقال له رسول الله ﷺ: «انطلق» فانطلق، فمر على اللات والعزى، فقال: لأصبحنك غدا بما يسوؤك، فغضبت ثقيف، فقال: يا معشر ثقيف إن اللات لا لات وإن العزى لا عزى، أسلموا تسلموا، يا معشر الأحلاف إن العزى لا عزى وإن اللات لا لات، أسلموا تسلموا، قال ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: «هذا مثله كمثل صاحب يس» ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم أنه حدث عن كعب الأحبار، أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول الله ﷺ، فجعل يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم، ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فيقول له مسيلمة لعنه الله: أتسمع هذا، ولا تسمع ذاك؟ فيقول: نعم، فجعل يقطعه عضوا عضوا كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه، فقال كعب حين قيل له اسمه حبيب: وكان والله صاحب يس اسمه حبيب.\nوقوله ﵎: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه غضبا منه ﵎ عليهم، لأنهم كذبوا رسله وقتلوا وليه، ويذكر ﷿ أنه ما أنزل عليهم وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود فيما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ أي ما كاثرناهم بالجموع، الأمر كان أيسر علينا من ذلك ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ قال: فأهلك الله تعالى ذلك الملك الجبار، وأهلك أهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض فلم يبق منهم باقية (^١).\nوقيل ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ أي وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذابا يدمرهم، وقيل المعنى في قوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ﴾ أي من رسالة أخرى إليهم، قاله مجاهد وقتادة. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٧.","vol":"6","page":508},{"text":"بعد قتله ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ (^١).\nقال ابن جرير (^٢): والأول أصح، لأن الرسالة لا تسمى جندا. قال المفسرون. بعث الله تعالى إليهم جبريل ﵊، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون عن آخرهم لم تبق بهم روح تتردد في جسد وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح عيسى ابن مريم ﵊، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه:\n[أحدها] أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ﷿، لا من جهة المسيح ﵇ كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ -إلى أن قالوا- ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:\n١٤ - ١٧] ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح ﵇.\nوالله تعالى أعلم، ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾.\n[الثاني] أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة، وهن: القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين، ثم رومية لأنها مدنية الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأوطده، ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم، كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم، والله أعلم.\n[الثالث] أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري ﵁ وغير واحد من السلف أن الله ﵎ بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ [القصص: ٤٣] فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٧.","vol":"6","page":509},{"text":"الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله ﷾ أعلم.\nفأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدثنا حسين الأشقر، حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى ﵊ يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى ﵊ صاحب يس، والسابق إلى محمد ﷺ علي بن أبي طالب ﵁» فإنه حديث منكر، لا يعرف إلا من طريق حسين الأشقر، وهو شيعي متروك، والله ﷾ أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1637>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]</span>\n﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ أي يا ويل العباد (^١). وقال قتادة ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ أي يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله، وفي بعض القراءات: يا حسرة العباد على أنفسهم، ومعنى هذا يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي يكذبونه ويستهزئون به ويمجدون ما أرسل به من الحق.\nثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا، كما كانوا فيها، فرد الله ﵎ عليهم باطلهم، فقال ﵎: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾.\nوقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أي وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيامة بين يدي الله جل وعلا، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذا كقوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف، فمنهم من قرأ «وإن كلا لما» بالتخفيف فعنده أن إن للإثبات، ومنهم من شدد ﴿لَمّا﴾ وجعل أن نافية، ولما بمعنى إلا، تقديره وما كل إلا جميع لدينا محضرون، ومعنى القراءتين واحد، والله ﷾ أعلم.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٣٨.","vol":"6","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1638>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٦]</span>\n﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾\nيقول ﵎: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أي دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ أي إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: ﴿أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أي جعلناه رزقا لهم ولأنعامهم ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ أي جعلنا فيها أنهارا سارحة في أمكنة يحتاجون إليها ليأكلوا من ثمره، لما امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم، عطف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها.\nوقوله جل وعلا: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم لا بسعيهم ولا كدهم ولا بحولهم وقوتهم، قاله ابن عباس ﵄ وقتادة: ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أي فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى، واختار ابن جرير-بل جزم به، ولم يحك غيره إلا احتمالا-أن (ما) في قوله تعالى: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ بمعنى الذي تقديره ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم أي غرسوه ونصبوه، قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود ﵁ ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾، ثم قال ﵎: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ أي من زروع وثمار ونبات ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فجعلهم ذكرا وأنثى ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أي من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال جلت عظمته: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]\n\n<span data-type='title' id=toc-1639>﴿[سورة يس (٣٦)﴾: الآيات ٣٧ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى ومن الدلالة لهم على قدرته ﵎ العظيمة، خلق الليل والنهار هذا بظلامه وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] ولهذا قال ﷿ هاهنا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ أي نصرمه منه، فيذهب فيقبل الليل، ولهذا قال ﵎:\n﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ كما جاء في الحديث «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت","vol":"6","page":511},{"text":"الشمس، فقد أفطر الصائم» (^١) هذا هو الظاهر من الآية، وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] وقد ضعف ابن جرير قول قتادة هاهنا، وقال: إنما معنى الإيلاج الأخذ من هذا في هذا، وليس هذا مرادا في هذه الآية، وهذا الذي قاله ابن جرير حق.\nوقوله ﷻ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ في معنى قوله:\n﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قولان [أحدهما] أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش هي وجميع المخلوقات، لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون إلى العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع كما جاءت بذلك الأحاديث.\nقال البخاري (^٢): حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ: في المسجد عند غروب الشمس، فقال ﷺ «يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾».\nحدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر ﵁: قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﵎: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قال ﷺ: «مستقرها تحت العرش» هكذا أورده هاهنا، وقد أخرجه في أماكن متعددة، ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن الأعمش به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد حين غربت الشمس، فقال ﷺ: «يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: «فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها ﷿، فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فترجع إلى مطلعها وذلك مستقرها-ثم قرأ- ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصوم باب ٣٣، ٤٣، ٤٥، ومسلم في الصيام حديث ٥١، ٥٣، ومسلم في الصيام حديث ٥١، ٥٣. وأحمد في المسند ٤/ ٣٨٠.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٦، باب ١.\n(^٣) المسند ٥/ ١٥٢.","vol":"6","page":512},{"text":"وقال سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها؟ وتستأذن فلا يؤذن لها، ويقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾».\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قال: إن الشمس تطلع فتردها ذنوب بني آدم، حتى إذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت يؤذن لها، حتى إذا كان يوم غربت فسلمت وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها، فتقول إن المسير بعيد، وإني إن لا يؤذن لي لا أبلغ فتحبس ما شاء الله أن تحبس، ثم يقال لها اطلعي من حيث غربت، قال: فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا.\nوقيل: المراد بمستقرها هو انتهاء سيرها، وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض.\n[والقول الثاني] أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني. قال قتادة ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أي لوقتها ولأجل لا تعدوه، وقيل: المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها، ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها، يروى هذا عن عبد الله بن عمرو ﵄. وقرأ ابن مسعود وابن عباس ﵃ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أي لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلا ونهارا، لا تفتر ولا تقف، كما قال ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ أي لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي الذي لا يخالف ولا يمانع ﴿الْعَلِيمِ﴾ بجميع الحركات والسكنات، وقد قدر ذلك ووقته على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس، كما قال ﷿: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] وهكذا ختم آية حم السجدة بقوله تعالى: ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].\nثم قال جل وعلا: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ أي جعلناه يسير سيرا آخر يستدل به على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار، كما قال ﷿: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس: ٥] الآية، وقال ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ","vol":"6","page":513},{"text":"رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار فهي كوكب نهاري.\nوأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء وإن كان مقتبسا من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم.\nقال ابن عباس ﵄: وهو أصل العذق.\nوقال مجاهد: العرجون القديم أي العذق اليابس يعني ابن عباس ﵄ أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى، وكذا قال غيرهما، ثم بعد هذا يبديه الله تعالى جديدا أول الشهر الآخر، والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر، فيسمون الثلاث الأول غرر، واللواتي بعدها نقل واللواتي بعدها تسع، لأن أخراهن التاسعة واللواتي بعهدها عشر، لأن أولاهن العشرة، واللواتي بعدها البيض، لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن، واللواتي بعدهن درع جمع درعاء، لأن أولهن أسود لتأخر القمر في أولهن منه، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود، وبعدهن ثلاث ظلم، ثم ثلاث حنادس، وثلاث دآدئ، وثلاث محاق لانمحاق القمر أو الشهر فيهن. وكان أبو عبيدة ﵁ ينكر التسع والعشر. كذا قال في كتاب غريب المصنف.\nوقوله ﵎: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الحسن في قوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال: ذلك ليلة الهلال. وروى ابن أبي حاتم هاهنا عن عبد الله بن المبارك أنه قال: إن للريح جناحا، وإن القمر يأوي إلى غلاف من الماء. وقال الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح: لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا. وقال عكرمة في قوله ﷿: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني أن لكل منهما سلطانا! فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ يقول: لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، فسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل. وقال الضحاك: لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجيء النهار من هاهنا، وأومأ بيده إلى المشرق. وقال مجاهد ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ يطلبان حثيثين ينسلخ أحدهما من الآخر، والمعنى في هذا أنه لا فترة بين الليل","vol":"6","page":514},{"text":"والنهار، بل كان منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ، لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبا حثيثا.\nوقوله ﵎: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يعني الليل والنهار والشمس والقمر، كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء، قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في فلك بين السماء والأرض، ورواه ابن أبي حاتم، وهو غريب جدا بل منكر. قال ابن عباس ﵄ وغير واحد من السلف: في فلكة كفلكة المغزل. وقال مجاهد: الفلك كحديدة الرحى أو كفلكة المغزل، لا يدور المغزل إلا بها، ولا تدور إلا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1640>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤١ إلى ٤٤]</span>\n﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤)﴾\nيقول ﵎: ودلالة لهم أيضا على قدرته ﵎ تسخيره البحر ليحمل السفن، فمن ذلك بل أوله سفينة نوح ﵊، التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم ﵊ غيرهم، ولهذا قال ﷿: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي آباءهم ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات، التي أمره الله ﵎ أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. قال ابن عباس ﵄: المشحون الموقر، وكذا قال سعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي. وقال الضحاك وقتادة وابن زيد: وهي سفينة نوح ﵊.\nوقوله جل وعلا: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: يعني بذلك الإبل، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها، وكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة في رواية، وعبد الله بن شداد وغيرهم: وقال السدي في رواية: هي الأنعام.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: أتدرون ما قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قلنا: لا، قال: هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح ﵊ على مثلها، وكذا قال أبو مالك والضحاك وقتادة وأبو صالح والسدي أيضا المراد بقوله تعالى:\n﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أي السفن، ويقوي هذا المذهب في المعنى قوله جل وعلا:\n﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢].\nوقوله ﷿: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يعني الذين في السفن ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي لا مغيث\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٤٥.","vol":"6","page":515},{"text":"لهم مما هم فيه ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ أي مما أصابهم ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا﴾ وهذا استثناء منقطع تقديره ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونسلمكم إلى أجل مسمى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ أي إلى وقت معلوم عند الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1641>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]</span>\n﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها، وما هم يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ قال مجاهد: من الذنوب، وقال غيره بالعكس، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه، وتقدير الكلام أنهم لا يجيبون إلى ذلك بل يعرضون عنه، واكتفى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي على التوحيد وصدق الرسل ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أي لا يتأملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها.\nوقوله ﷿: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ أي إذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي عن الذين آمنوا من الفقراء أي قالوا لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أمروهم به ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ أي هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي في أمركم لنا بذلك. قال ابن جرير (^١): ويحتمل أن يكون من قول الله ﷿ للكفار حين ناظروا المؤمنين وردوا عليهم، فقال لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وفي هذا نظر، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1642>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]</span>\n﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾\nيخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١١٨] قال الله ﷿: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهذه والله أعلم-نفخة الفزع، ينفخ في الصور نفخة الفزع، والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذ أمر الله ﷿ إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يطولها ويمدها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، وهي صفحة العنق يتسمع الصوت من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٤٨","vol":"6","page":516},{"text":"قبل السماء، ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار تحيط بهم من جوانبهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي على من يملكونه، الأمر أهم من ذلك ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقد وردت هاهنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر، ثم يكون بعد هذا نفخة الصعق التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم، ثم بعد ذلك نفخة البعث.\n\n<span data-type='title' id=toc-1643>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥١ إلى ٥٤]</span>\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾\nهذه هي النفخة الثالثة، وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والنسلان هو المشي السريع كما قال تعالى:\n﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ … ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [المعارج: ٤٣] يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوا به في محشرهم ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد. قال أبي بن كعب ﵁ ومجاهد والحسن وقتادة: ينامون نومة قبل البعث. قال قتادة: وذلك بين النفختين، فلذلك يقولون من بعثنا من مرقدنا، فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون، قاله غير واحد من السلف ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ وقال الحسن: إنما يجيبهم بذلك الملائكة، ولا منافاة إذ الجمع ممكن، والله ﷾ أعلم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ نقله ابن جرير، واختار الأول، وهو أصح، وذلك لقوله ﵎ في الصافات: ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢٠ - ٢١] وقال الله ﷿: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٥ - ٥٦].\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ كقوله ﷿: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣] وقال جلت عظمته:\n﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] وقال ﷻ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] أي إنما نأمرهم أمرا واحدا، فإذا الجميع محضرون ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي من عملها ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.","vol":"6","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1644>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]</span>\n﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾\nيخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات، فنزلوا في روضات الجنات، أنهم في شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم. قال الحسن البصري وإسماعيل بن أبي خالد: في شغل عما فيه أهل النار من العذاب. وقال مجاهد ﴿فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ أي في نعيم معجبون أي به، وكذا قال قتادة، وقال ابن عباس ﵁:\nفاكهون أي فرحون. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵄ وسعيد المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار، وقال ابن عباس ﵄ في رواية عنه ﴿فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ أي بسماع الأوتار، وقال أبو حاتم: لعله غلط من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار.\nوقوله ﷿: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ﴾ قال مجاهد: وحلائلهم، ﴿فِي ظِلالٍ﴾ أي في ظلال الأشجار ﴿عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والسدي وخصيف ﴿الْأَرائِكِ﴾ هي السرر تحت الحجال.\n[قلت] نظيره في الدنيا هذه التخوت تحت البشاخين، والله ﷾ أعلم.\nوقوله ﷿: ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ﴾ أي من جميع أنواعها ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ أي مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى. حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: «ألا هل مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور كلها يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سلامة، وفاكهة خضرة وخيرة ونعمة في محلة عالية بهية» قالوا:\nنعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال ﷺ: «قولوا إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله، وكذا رواه ابن ماجة (^١) في كتاب الزهد من سننه من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به.\nوقوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قال ابن جرير: قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فإن الله تعالى نفسه سلام على أهل الجنة، وهذا\n_________\n(^١) كتاب الزهد باب ٣٩.","vol":"6","page":518},{"text":"الذي قاله ابن عباس ﵄، كقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]. وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا، وفي إسناده نظر، فإنه قال: حدثنا موسى بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العباداني، حدثنا الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله تعالى:\n﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم». ورواه ابن ماجة (^١) في كتاب السنة من سننه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب به.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا حرملة عن سليمان بن حميد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: إذا فرغ الله تعالى من أهل الجنة والنار، أقبل في ظلل من الغمام والملائكة، قال: فيسلم على أهل الجنة، فيردون عليه¬ السلام، قال القرظي، وهذا في كتاب الله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فيقول الله ﷿: سلوني، فيقولون: ماذا نسألك أي رب؟ قال: بلى سلوني، قالوا: نسألك أي رب رضاك، قال: رضائي أحلكم دار كرامتي، قالوا: يا رب فما الذي نسألك، فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم ولأسقيناهم ولألبسناهم ولأخدمناهم لا ينقصنا ذلك شيئا. قال تعالى إن لدي مزيدا، قال: فيفعل ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه، قال: ثم تأتيهم التحف من الله ﷿، تحملهم إليهم الملائكة، ثم ذكر نحوه.\nوهذا خبر غريب، أورده ابن جرير من طرق، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1645>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]</span>\n﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عما يؤول إليه الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا بمعنى يميزون عن المؤمنين في موقفهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقال ﷿: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي يصيرون صدعين فرقتين ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾\n_________\n(^١) كتاب المقدمة باب ١٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٥٦.","vol":"6","page":519},{"text":"[الصافات: ٢٢ - ٢٣].\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان، وأمرتكم بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به ولهذا قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا﴾ يقال: جبلا بكسر الجيم وتشديد اللام، ويقال جبلا بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، ومنهم من يسكن الباء، والمراد بذلك الخلق الكثير، قاله مجاهد وقتادة والسدي وسفيان بن عيينة.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له، وعدو لكم إلى اتباع الشيطان. قال ابن جريج (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن إسماعيل بن رافع عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا كان يوم القيامة، أمر الله تعالى جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم يقول ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله ﷿: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾» [الجاثية: ٢٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1646>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٧]</span>\n﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾\nيقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة وقد برزت الجحيم لهم تقريعا وتوبيخا ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي هذه التي حذرتكم الرسل، فكذبتموهم ﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٥]. وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترحوه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم ويستنطق\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٥٦.","vol":"6","page":520},{"text":"جوارحهم بما عملت.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن الفضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال ﷺ: «أتدرون ممّ أضحك؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: «من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرم الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل» (^١) وقد رواه مسلم والنسائي، كلاهما عن أبي بكر عن أبي النضر عن أبي.\nالنضر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان هو الثوري به. ثم قال النسائي:\nلا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله تعالى أعلم، كذا قال. وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسدي وهو العقدي عن سفيان.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ، قال:\n«إنكم تدعون مفدما على أفواهكم بالفدام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه (^٢)، رواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به، وقال سفيان بن عيينة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ في حديث القيامة الطويل، قال فيه: «ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك، وصمت وصليت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع-قال-فيقال له: ألا نبعث عليك شاهدنا؟ -قال-فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه، فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي-قال-فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك الذي سخط الله تعالى عليه» (^٣) ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان بن عيينة به بطوله.\nثم قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه، فخذه من الرجل اليسرى» وروى ابن جرير عن محمد بن عوف عن عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن عياش به مثله. وقد جود إسناده الإمام أحمد (^٤) ﵀، فقال: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ١٧.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤، ٥.\n(^٣) أخرجه مسلم في الزهد حديث ١٦.\n(^٤) المسند ٤/ ١٥١.","vol":"6","page":521},{"text":"إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد الحضرمي عمن حدثه، عن عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع رسول الله يقول: «إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال».\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا يونس بن عبيد عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى هو الأشعري ﵁: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم أي رب عملت عملت عملت، قال: فيغفر الله تعالى له ذنوبه ويستره منها، قال: فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئا وتبدو حسناته، فود أن الناس كلهم يرونها، ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عمله فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما علمت كذا يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول:\nلا وعزتك أي رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم الله على فيه، قال أبو موسى الأشعري ﵁: فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى، ثم تلا ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nوقوله ﵎: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في تفسيرها: يقول ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، فكيف يهتدون؟ وقال مرة: أعميناهم: وقال الحسن البصري: لو شاء الله لطمس على أعينهم فجعلهم عميا يترددون. وقال السدي: يقول ولو نشاء أعمينا أبصارهم. وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والسدي: فاستبقوا الصراط، يعني الطريق. وقال ابن زيد: يعني بالصراط هاهنا الحق، فأنى يبصرون وقد طمسنا على أعينهم. وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ لا يبصرون الحق (^٢).\nوقوله ﷿: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: أهلكناهم. وقال السدي: يعني لغيرنا خلقهم. وقال أبو صالح: لجعلناهم حجارة.\nوقال الحسن البصري وقتادة: لأقعدهم على أرجلهم، ولهذا قال ﵎: ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا﴾ أي إلى أمام ﴿وَلا يَرْجِعُونَ﴾ إلى وراء بل يلزمون حالا واحدا لا يتقدمون ولا يتأخرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1647>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]</span>\n﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٥٨.\n(^٢) انظر هذا الأثر والآثار التي قبله في تفسير الطبري ١٠/ ٤٥٨، ٤٥٩.","vol":"6","page":522},{"text":"يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره، رد إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، كما قال ﵎: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] وقال ﷿:\n﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠] والمراد من هذا -والله أعلم الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار، ولهذا قال ﷿: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة، ثم إلى الشيخوخة ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة.\nوقوله ﵎: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ يقول ﷿ مخبرا عن نبيه محمد ﷺ أنه ما علمه الشعر ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي ما هو في طبعه فلا يحسنه ولا يحبه ولا تقتضيه جبلته، ولهذا ورد أنه ﷺ كان لا يحفظ بيتا على وزن منتظم بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه. وقال أبو زرعة الرازي: حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنه قال: ما ولد عبد المطلب ذكرا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله ﷺ، ذكره ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب الذي أكله الأسد بالزرقاء.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن هو البصري قال: إن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت [الطويل]:\nكفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله: [الطويل] كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا (^١) قال أبو بكر أو عمر ﵄: أشهد أنك رسول الله، يقول تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ وهكذا روى البيهقي في الدلائل أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن مرداس\n_________\n(^١) صدره: عميرة ودّع إن تجهزت غاديا والبيت لسحيم عبد بني الحسحاس في الإنصاف ١/ ١٦٨، وخزانة الأدب ١/ ٢٦٧، ٢/ ١٠٢، ١٠٣، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٤١، وشرح التصريح ٢/ ٨٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٢٥، والكتاب ٢/ ٢٦، ٤/ ٢٢٥، ولسان العرب (كفى)، ومغني اللبيب ١/ ١٠٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٦٥، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ١٤٤، وأوضح المسالك ٣/ ٢٥٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٦٤، وشرح عمدة الحافظ ص ٤٢٥، وشرح قطر الندى ص ٣٢٣، وشرح المفصل ٢/ ١١٥، ٧/ ٨٤، ٨/ ٢٤، ٩٣، ١٣٨، ولسان العرب (نهى)","vol":"6","page":523},{"text":"السلمي ﵁ «أنت القائل [المتقارب]:\nأتجعل نهبي ونهب العبيد … بين الأقرع وعيينة (^١)\nفقال: إنما هو عيينة والأقرع، فقال ﷺ: «الكل سواء» يعني في المعنى، صلوات الله وسلامه عليه، والله أعلم.\nوقد ذكر السهيلي في الروض الأنف لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه ﷺ في هذا البيت مناسبة أغرب فيها، حاصلها شرف الأقرع بن حابس على عيينة بن بدر الفزاري لأنه ارتد أيام الصديق ﵁ بخلاف ذاك، والله أعلم، وهكذا روى الأموي في مغازيه أن رسول الله ﷺ جعل يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول «نفلق هاما» فيقول الصديق ﵁ متمما للبيت [الطويل]:\nمن رجال أعزة علينا … وهم كانوا أعق وأظلما (^٢)\nوهذا لبعض الشعراء العرب في قصيدة له وهي في الحماسة. وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا هشيم: حدثنا مغيرة عن الشعبي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراث الخبر تمثل فيه ببيت طرفة [الطويل]:\nويأتيك بالأخبار من لم تزود (^٤) وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة من طريق إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عنها. ورواه الترمذي والنسائي أيضا من حديث المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة ﵂ كذلك، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أسامة عن زائدة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يتمثل من الأشعار:\n_________\n(^١) يروى البيت: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع وهو للعباس بن مرداس في ديوانه ص ٨٤، ولسان العرب (نهب)، (عبد)، وتاج العروس (نهب)، (عبد)\n(^٢) البيت للحصين بن الحمام المري في الشعر والشعراء ٢/ ٦٤٨.\n(^٣) المسند ٦/ ٣١، ١٤٦.\n(^٤) صدره: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا وهو لطرفة في ديوانه ص ٤١، ولسان العرب (تبت)، (ريث)، وتاج العروس (رجز)، وبلا نسبة في شرح قطر الندى ص ١٠٨، ولسان العرب (ضمن)","vol":"6","page":524},{"text":"ويأتيك بالأخبار من لم تزود ثم قال، ورواه غير زائدة عن سماك عن عطية عن عائشة ﵂، هذا في شعر طرفة بن العبد في معلقته المشهورة، وهذا المذكور منها أوله [الطويل]:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد\nويأتيك بالأخبار من لم تبع له … بتاتا ولم تضرب له وقت موعد\nوقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قيل لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت ﵂: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه ﷺ كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله، فقال أبو بكر ﵁: ليس هذا هكذا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «إني والله ما أنا بشاعر وما ينبغي لي» رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهذا لفظه. وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة ﵂ سئلت:\nهل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت ﵂: لا. إلا بيت طرفة.\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزود\nفجعل ﷺ يقول: «من لم تزود بالأخبار» فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا، فقال ﷺ: «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي» وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم وكيل المتقي ببغداد، حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط إلا بيتا واحدا.\nتفاءل بما تهوى يكن فلقلما … يقال لشيء كان إلا تحققا\nسألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث فقال: هو منكر، ولم يعرف شيخ الحاكم ولا الضرير، وثبت في الصحيح أنه ﷺ تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة ﵁، ولكن تبعا لقول أصحابه ﵃، فإنهم كانوا يرتجزون وهم يحفرون فيقولون [رجز]:\nلا همّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا (^١)\nفأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا\nإن الألى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا\n_________\n(^١) الرجز لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص ١٠٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٢٢، والكتاب ٣/ ٥١١، وله أو لعامر بن الأكوع في الدرر ٥/ ١٤٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٨٦، ٢٨٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٤، وتخليص الشواهد ص ١٣٠، وخزانة الأدب ٧/ ١٣٩.","vol":"6","page":525},{"text":"ويرفع ﷺ صوته بقوله أبينا ويمدها، وقد روى هذا بزحاف في الصحيحين أيضا، وكذا ثبت أنه ﷺ قال يوم حنين وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو [رجز]:\nأنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب (^١)\nلكن قالوا هذا وقع اتفاقا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه، وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار، فنكبت إصبعه، فقال ﷺ [رجز]:\nهل أنت إلا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت (^٢)\nوسيأتي عند قوله تعالى ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] إنشاد [رجز]:\nإن تغفر اللهم تغفر جما … وأي عبد لك ما ألمّا (^٣)\nوكل هذا لا ينافي كونه ﷺ ما علم شعرا وما ينبغي له، فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال، وقد كانت سجيته ﷺ تأبى صناعة الشعر طبعا وشرعا، كما رواه أبو داود قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال:\nسمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أبالي ما أوتيت إن أنا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي» تفرد به أبو\n_________\n(^١) الرجز لرسول الله ﷺ في كتاب العين ٦/ ٦٥، وتهذيب اللغة ١٠/ ٦١١، والحديث أخرجه البخاري في الجهاد باب ٥٢، ٦١، والمغازي باب ٥٤، ومسلم في الجهاد حديث ٧٨ - ٨٠، والترمذي في الجهاد باب ١٥، وأحمد في المسند ٤/ ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٩، ٣٠٤.\n(^٢) الرجز لرسول الله ص في كتاب العين ٦/ ٦٥، وتهذيب اللغة ٢/ ٥١، وتاج العروس (صبع)، وجمهرة اللغة ص ٦٨٦، ولسان العرب (صبع)، والحديث أخرجه البخاري في الجهاد باب ٩، والأدب باب ٩٠، وتفسير سورة ٩٣، ومسلم في الجهاد حديث ١١٢، وأحمد في المسند ٤/ ٣١٢، ٣١٣.\n(^٣) الرجز لأبي خراش الهذلي في الأزهية ص ١٥٨، وخزانة الأدب ٧/ ١٩٠، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١٣٤٦، وشرح شواهد المغني ص ٦٢٥، ولسان العرب (جمم)، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٦، وتاج العروس (جمم)، ولأمية بن أبي الصلت في الأغاني ٤/ ١٣١، ١٣٥، وخزانة الأدب ٤/ ٤، ولسان العرب (لمم)، وتهذيب اللغة ١٥/ ٣٤٧، ٤٢٠، وكتاب العين ٨/ ٣٥٠، وتاج العروس (لمم)، ولأمية أو لأبي خراش في خزانة الأدب ٢/ ٢٩٥، ولسان العرب (لمم)، وبلا نسبة في الإنصاف ص ٧٦، وجمهرة اللغة ص ٩٢، والجنى الداني ص ٢٩٨، ولسان العرب (لا)، ومغني اللبيب ١٠/ ٢٤٤، وكتاب العين ٨/ ٣٢١، وديوان الأدب ٣/ ١٦٦، وتاج العروس (لا)","vol":"6","page":526},{"text":"داود (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢) ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل قال: سألت عائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ بسائغ عنده الشعر؟ فقالت: قد كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة رضي عنها: كان رسول الله ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك: وقال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي: حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» (^٣) انفرد به من هذا الوجه، وإسناده على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي عن عاصم بن مخلد عن أبي الأشعث الصنعاني (ح) وحدثنا الأشيب، فقال عن أبي عاصم عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة» وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والمراد بذلك نظمه لا إنشاده، والله أعلم.\nعلى أن الشعر ما هو مشروع، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت ﵁، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وأمثالهم وأضرابهم ﵃ أجمعين، ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «آمن شعره، وكفر قلبه» وقد أنشد بعض الصحابة ﵃ للنبي ﷺ مائة بيت يقول عقب كل بيت «هيه» يعني يستطعمه، فيزيده من ذلك (^٥)، وقد روى أبو داود من حديث أبي بن كعب وبريده بن الحصيب وعبد الله بن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من البيان سحرا، وإن من الشعر حكما» (^٦) ولهذا قال تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ يعني محمدا ﷺ ما علمه الله الشعر ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي وما يصلح له ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي ما هذا الذي علمناه ﴿إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي بيّن واضح جلي لمن تأمله وتدبره، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا﴾\n_________\n(^١) كتاب الطب باب ١٠.\n(^٢) المسند ٦/ ١٤٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٨٧.\n(^٤) المسند ٤/ ١٢٥.\n(^٥) أخرجه مسلم في الشعر حديث ١، وابن ماجة في الأدب باب ٤١، وأحمد في المسند ٤/ ٣٨٨، ٣٨٩، ٣٩٠.\n(^٦) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٨٧.","vol":"6","page":527},{"text":"أي لينذر هذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض، كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب مستنير البصيرة، كما قال قتادة: حي القلب حي البصر. وقال الضحاك يعني عاقلا (^١) ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي هو رحمة للمؤمنين وحجة على الكافرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1648>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧١ إلى ٧٣]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾\nيذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ قال قتادة: مطيقون، أي جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه، وذاك ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر لسار الجميع بسير الصغير. وقوله تعالى: ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ أي منها ما يركبون في الأسفار ويحملون عليه الأثقال إلى سائر الجهات والأقطار ﴿وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ إذا شاؤوا ونحروا واجتزروا ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ﴿وَمَشارِبُ﴾ أي من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى ونحو ذلك، ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أي أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره ولا يشركون به غيره؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-1649>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]</span>\n﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾\nيقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي لا تقدر الآلهة على نصر عابديها بل هي أضعف من ذلك وأقل وأحقر وأدحر، بل لا تقدر على الاستنصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء، لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل.\nوقوله ﵎: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ قال مجاهد: يعني عند الحساب يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند حساب عابديها، ليكون ذلك أبلغ في حزنهم وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم. وقال قتادة ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ يعني الآلهة ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا، إنما هي أصنام، وهكذا قال الحسن البصري، وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي تكذيبهم لك\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٦١.","vol":"6","page":528},{"text":"وكفرهم بالله ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي نحن نعلم جميع ما هم فيه، وسنجزيهم وصفهم ونعاملهم على ذلك يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرا ولا صغيرا ولا كبيرا بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديما وحديثا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1650>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٧ إلى ٨٠]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾\nقال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أبي بن خلف لعنه الله إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفته ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال ﷺ: «نعم يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار» ونزلت هذه الآيات من آخر يس ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخرهن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله ﷺ: أيحيي الله هذا ما بعد أرى؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم يميتك الله، ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم» قال:\nونزلت الآيات من آخر يس، ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير فذكر هو ولم يذكر ابن عباس ﵄.\nوروي من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ قال: جاء عبد الله بن أبي بعظم ففته وذكر نحو ما تقدم، وهذا منكر، لأن السورة مكية وعبد الله بن أبي ابن سلول إنما كان بالمدينة، وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث، والألف واللام في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ﴾ للجنس يعم كل منكر للبعث ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي أو لم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال ﷿: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٢] وقال تعالى: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أي من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته.\nكما قال الإمام أحمد (^١) في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بشر بن جحاش قال: إن رسول الله ﷺ: بصق\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢١٠.","vol":"6","page":529},{"text":"يوما في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال رسول الله ﷺ «قال الله تعالى: ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة؟» ورواه ابن ماجة (^١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن جرير بن عثمان به، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أي استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السموات والأرض للأجسام والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده، ولهذا قال ﷿: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت وأين تفرقت وتمزقت.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي قال:\nقال عقبة بن عمرو لحذيفة ﵄: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ؟ فقال:\nسمعته ﷺ يقول: «إن رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا، ثم أوقدوا فيه نارا حتى إذ أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فدقوها فذروها في اليم، ففعلوا، فجمعه الله تعالى إليه ثم قال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله ﷿ له» فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته ﷺ يقول ذلك وكان نباشا.\nوقد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير بألفاظ كثيرة منها أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر في يوم رائح، أي كثير الهواء، ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر، فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن، فإذا هو رجل قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك وأنت أعلم، فما تلافاه أن غفر له (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي الذي بدأ.\nخلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء. قال قتادة في قوله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ يقول الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه، وقيل: المراد بذلك شجر المرخ والعفار ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما\n_________\n(^١) كتاب الوصايا باب ٤.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٩٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣٥، والأنبياء باب ٥٤، والرقاق باب ٢٥.","vol":"6","page":530},{"text":"بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء، وروي هذا عن ابن عباس ﵄. وفي المثل: لكل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا الغاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1651>[سورة يس (٣٦): الآيات ٨١ إلى ٨٣]</span>\n﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا منبها على قدرته العظيمة في خلق السموات السبع بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت والأرضين السبع، وما فيه من جبال ورمال وبحار وقفار، وما بين ذلك، ومرشدا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ﷿ هاهنا: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي مثل البشر، فيعيدهم كما بدأهم، قاله ابن جرير.\nوهذه الآية الكريمة كقوله ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] وقال ﵎ هاهنا ﴿بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي إنما يأمر بالشيء أمرا واحدا لا يحتاج إلى تكرار أو تأكيد:\nإذا ما أراد الله أمرا فإنما … ﴿يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن نمير، حدثنا موسى بن المسيب عن شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام وعذابي كلام، إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون».\nوقوله تعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر وإليه يرجع العباد يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله وهو العادل المنعم المتفضل. ومعنى قوله ﷾: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:٨٨] كقوله ﷿ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وكقوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] فالملك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت، ورهبة\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٧٧.","vol":"6","page":531},{"text":"ورهبوت، وجبر وجبروت، ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجساد، والملكوت هو عالم الأرواح، والصحيح الأول، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا حماد عن عبد الملك بن عمير، حدثني ابن عم لحذيفة عن حذيفة وهو ابن اليمان-﵁، قال: قمت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات، وكان ﷺ إذا رفع رأسه، من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ثم قال: «الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي.\nوقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار، عن رجل من بني عبس عن حذيفة ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل، وكان يقول: «الله أكبر-ثلاثا-ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه «سبحانه ربي العظيم» ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه نحوا من ركوعه وكان يقول في قيامه «لربي الحمد» ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى» ثم رفع رأسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده، وكان يقول «رب اغفر لي، رب اغفر لي» فصلى أربع ركعات فقرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة أو الأنعام-شك شعبة (^٢) -هذا لفظ أبي داود وقال النسائي: أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة، كذا قال، والأشبه أن يكون ابن عم حذيفة، كما تقدم في رواية الإمام أحمد، والله أعلم. وأما رواية صلة بن زفر عن حذيفة ﵁، فإنها في صحيح مسلم، ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة.\nوقال أبو داود (^٣): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس عن عاصم بن حميد عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة، ورواه الترمذي في الشمائل والنسائي من حديث معاوية بن صالح به. آخر تفسير سورة يس ولله الحمد والمنة.\n\n(تم الجزء السادس ويليه الجزء السابع وأوله سورة الصافات)\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٨٨، ٣٩٦، ٣٩٧، ٣٩٨، ٤٠٠، ٤٠١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٤٧، والنسائي في الافتتاح باب ٧٨.\n(^٣) كتاب الصلاة باب ١٤٧.","vol":"6","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1652>تفسير سورة الصافات</span>\nوهي مكية\nقال النسائي أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد-يعني ابن الحارث-عن ابن أبي ذئب قال أخبرنا الحارث بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات، تفرد به النسائي (^١).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1653>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا (١) فَالزّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥)﴾\nقال سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ وهي الملائكة ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ هي الملائكة ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ هي الملائكة، وكذا قال ابن عباس ﵄ ومسروق وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء.\nوقال مسلم (^٢) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعل لنا ترابها طهورا إذا لم نجد الماء» وقد روى مسلم أيضا وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟» قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال ﷺ «يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف» (^٣) وقال السدي وغيره معنى قوله تعالى:\n﴿فَالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ أنها تزجر السحاب، وقال الربيع بن أنس ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ما زجر الله تعالى عنه في القرآن، وكذا روى مالك عن زيد بن أسلم ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قال السدي\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الإمامة باب الرخصة للإمام بالتطويل.\n(^٢) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١١٩، وأبو داود في الصلاة باب ٩٣، وابن ماجة في الإقامة باب ٥٠، والنسائي في الإمام باب ٢٨.","vol":"7","page":3},{"text":"الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥]. وقوله ﷿: ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا هو المقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو رب السموات والأرض ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ أي من المخلوقات ﴿وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ أي هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت وسيارات تبدو من المشرق وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه وقد صرح بذلك في قوله ﷿: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠] وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] يعني في الشتاء والصيف للشمس والقمر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1654>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦ إلى ١٠]</span>\n﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾\nيخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض بزينة الكواكب، قرئ بالإضافة وبالبدل وكلاهما بمعنى واحد فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوؤها جرم السماء الشفاف فتضيء لأهل الأرض كما قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقال ﷿ ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] فقوله جل وعلا هاهنا: ﴿وَحِفْظًا﴾ تقديره وحفظناها حفظا ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ يعني المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه ولهذا قال ﷻ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ أي لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى وهي السموات ومن فيها من الملائكة إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى بما يقوله من شرعه وقدره كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله ﵎: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] ولهذا قال تعالى:\n﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي يرمون ﴿مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ أي من كل جهة يقصدون السماء منها ﴿دُحُورًا﴾ أي رجما يدحرون به ويزجرون ويمنعون من الوصول إلى ذلك ويرجمون ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ أي في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر كما قال جلت عظمته ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥].\nوقوله ﵎: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ أي إلا من اختطف من الشياطين الخطفة وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته ويلقيها الآخر إلى الذي تحته فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه فيذهب بها الآخر إلى الكاهن كما تقدم في الحديث ولهذا قال ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ","vol":"7","page":4},{"text":"ثاقِبٌ﴾ أي مستنير.\nقال ابن جرير (^١) حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان للشياطين مقاعد في السماء قال فكانوا يستمعون الوحي قال وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا ترمى قال فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعا قال فلما بعث رسول الله ﷺ جعل الشيطان إذا قصد مقعده جاءه شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه قال فشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله فقال ما هو إلا من أمر حدث قال فبعث جنوده فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة قال وكيع يعني بطن نخلة (^٢) قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه فقال هذا الذي حدث، وستأتي إن شاء الله تعالى الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ - ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1655>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١ إلى ١٩]</span>\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾\nيقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث أيهما أشد خلقا هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ وقرأ ابن مسعود ﵁ «أم من عددنا» (^٣) فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا كما قال ﷿: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك: هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض، وقال ابن عباس ﵄ وعكرمة هو اللزج الجيد، وقال قتادة هو الذي يلزق باليد (^٤).\nوقوله ﷿: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٧٠.\n(^٢) بطن نخلة: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٤٧٤، وفيه: وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود: «أهم أشدّ خلقا أم من عددنا».\n(^٤) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٧٥ - ٤٧٦.","vol":"7","page":5},{"text":"المنكرين للبعث وأنت موقن مصدق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب وهو إعادة الأجسام بعد فنائها وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم ويسخرون مما تقول لهم من ذلك.\nقال قتادة: عجب محمد ﷺ وسخر ضلال بني آدم (^١).\n﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً﴾ أي دلالة واضحة على ذلك ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ قال مجاهد وقتادة يستهزئون ﴿وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ يستبعدون ذلك ويكذبون به ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أي قل لهم يا محمد نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما وأنتم داخرون أي حقيرون تحت القدرة العظيمة كما قال ﵎: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. ثم قال جلت عظمته: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي فإنما هو أمر واحد من الله ﷿، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم بين يديه ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1656>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٦]</span>\n﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾\nيخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ فتقول الملائكة والمؤمنون ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم ولهذا قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ قال النعمان بن بشير ﵁ يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو صالح وأبو العالية وزيد بن أسلم، وقال سفيان الثوري عن سماك عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب ﵁ ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ قال إخوانهم (^٢). وقال شريك عن سماك عن النعمان قال:\nسمعت عمر يقول ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ قال: أشباههم. قال يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب\n_________\n(^١) اللفظ كما في تفسير الطبري ١٠/ ٤٧٦: عن قتادة قال: عجب محمد ﵊ من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه أهل الضلالة.\n(^٢) اللفظ كما في تفسير الطبري ١٠/ ٤٧٩ نظراؤهم.","vol":"7","page":6},{"text":"الخمر، وقال خصيف عن مقسم عن ابن عباس ﵄ أزواجهم نساؤهم وهذا غريب والمعروف عنه الأول كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير عنه أزواجهم قرناؤهم وما كانوا يعبدون من دون الله أي من الأصنام والأنداد تحشر معهم في أماكنهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ أي أرشدوهم إلى طريق جهنم وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ أي قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك عن ابن عباس يعني احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا النفيلي حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت ليثا يحدث عن بشير عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفا معه إلى يوم القيامة لا يغادره ولا يفارقه وإن دعا رجل رجلا» ثم قرأ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ ورواه الترمذي (^١) من حديث ليث بن أبي سليم، ورواه ابن جرير (^٢) عن يعقوب بن إبراهيم عن معتمر عن ليث عن رجل عن أنس ﵁ مرفوعا.\nوقال عبد الله بن المبارك: سمعت عثمان بن زائدة يقول إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ أي كما زعمتم أنكم جميع منتصر ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي ينقادون لأمر الله لا يخالفونه ولا يحيدون عنه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1657>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٧ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾\nيذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة كما يتخاصمون في دركات النار ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٧، باب ١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٨٠.","vol":"7","page":7},{"text":"﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣] وهكذا قالوا لهم هاهنا ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس يقولون كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء، وقال مجاهد يعني عن الحق والكفار تقوله للشياطين (^١).\nوقال قتادة قالت الإنس للجن إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قال من قبل الخير فتنهونا عنه وتبطئونا عنه (^٢)، وقال السدي تأتوننا من قبل الحق وتزينون لنا الباطل وتصدونا عن الحق (^٣) وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي والله يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه، وقال ابن زيد معناه تحولون بيننا وبين الخير ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به (^٤)، وقال يزيد الرشك من قبل لا إله إلا الله وقال خصيف يعنون من قبل ميامنهم، وقال عكرمة ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال من حيث نأمنكم.\nوقوله تعالى: ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تقول القادة من الجن والإنس للأتباع ما الأمر كما تزعمون بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر والعصيان ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي من حجة على صحة ما دعوناكم إليه ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أي بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به فخالفتموهم.\n﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ يقول الكبراء للمستضعفين حقت علينا كلمة الله أنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ﴾ أي دعوناكم إلى الضلالة ﴿إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ أي فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا، قال الله ﵎: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.\nأي الجميع في النار كل بحسبه ﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كانُوا﴾ أي في الدار الدنيا ﴿إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون قال ابن أبي حاتم حدثنا عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا الليث عن ابن مسافر\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٨١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٨١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٤٨١.\n(^٤) تفسير الطبري ١/ ٤٨٢، ولفظه: والعمل بالخير الذي أمر الله به.","vol":"7","page":8},{"text":"يعني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ﷿» (^١) وأنزل الله تعالى في كتابه العزيز وذكر قوما استكبروا فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد الجريري عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون نعبد الله وعزيرا فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون نعبد الله والمسيح فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون ثم يقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون فيقال لهم خذوا ذات الشمال. قال أبو نضرة فينطلقون أسرع من الطير. قال أبو العلاء ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون كنا نعبد الله تعالى فيقال لهم هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون نعم، فيقال لهم فكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون نعلم أنه لا عدل له (^٢). قال فيتعرف لهم ﵎ وتقدس وينجي الله المؤمنين.\n﴿وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ أي أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون يعنون رسول الله ﷺ قال الله تعالى تكذيبا لهم وردا عليهم: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ﴾ يعني رسول الله ﷺ جاء بالحق في جميع شرعة الله تعالى له من الأخبار والطلب ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي صدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره كما أخبروا ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [فصلت: ٤٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1658>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٨ إلى ٤٩]</span>\n﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾\nيقول تعالى مخاطبا للناس: ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين كما قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢، والجهاد باب ١٠٢، والزكاة باب ١، والاستتابة باب ٣، ومسلم في الإيمان حديث ٣٢، ٣٣، وأبو داود في الزكاة باب ١، والترمذي في الإيمان باب ١، والنسائي في الزكاة باب ٣، والجهاد باب ١، والتحريم باب ١.\n(^٢) لا عدل له: أي لا نظير ولا مثيل له.","vol":"7","page":9},{"text":"﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣] وقال ﷿: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٤ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨] ولهذا قال جل وعلا هاهنا ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي ليسوا يذوقون العذاب الأليم ولا يناقشون في الحساب بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف.\nوقوله جل وعلا: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ قال قتادة والسدي يعني الجنة ثم فسره بقوله تعالى: ﴿فَواكِهُ﴾ أي متنوعة ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي يخدمون ويرفهون وينعمون ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قال مجاهد لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. وقال ابن أبي حاتم حدثنا يحيى بن عبدك القزويني حدثنا حسان بن حسان حدثنا إبراهيم بن بشر حدثنا يحيى بن معين حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ينظر بعضهم إلى بعض حديث غريب.\nوقوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ كما قال ﷿ في الآية الأخرى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ٣٨ - ٣٩] نزه الله ﷾ خمر الجنة عن الآفات التي في خمر الدنيا من صداع الرأس ووجع البطن وهو الغول وذهابها بالعقل جملة فقال تعالى هاهنا: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي بخمر من أنهار جارية لا يخافون انقطاعها ولا فراغها. قال مالك عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء أي لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة (^١) إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم.\nوقوله ﷿: ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي طعمها طيب كلونها وطيب الطعم دليل على طيب الريح بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك وقوله تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ يعني لا تؤثر فيها غولا وهو وجع البطن قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة وابن زيد كما تفعله خمر الدنيا من القولنج (^٢) ونحوه لكثرة مائيتها، وقيل المراد بالغول هاهنا صداع الرأس وروي هكذا عن ابن\n_________\n(^١) الكدورة: ضد الضعفاء.\n(^٢) القولنج: كلمة عجمية، مرض مشهور معوي، يعثر معه خروجه الثفل والريح.","vol":"7","page":10},{"text":"عباس ﵄ وقال قتادة هو صداع الرأس ووجع البطن وعنه وعن السدي لا تغتال عقولهم كما قال الشاعر: [المتقارب] فما زالت الكأس تغتالنا … وتذهب بالأوّل الأوّل (^١)\nوقال سعيد بن جبير لا مكروه فيها ولا أذى، والصحيح قول مجاهد أنه وجع البطن، وقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ قال مجاهد لا تذهب عقولهم وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب والحسن وعطاء بن أبي مسلم الخراساني والسدي وغيرهم وقال الضحاك عن ابن عباس في الخمر أربع خصال السكر والصداع والقيء والبول فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال كما ذكر في سورة الصافات.\nوقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن كذا قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وزيد بن أسلم وقتادة والسدي وغيرهم.\nوقوله ﵎: ﴿عِينٌ﴾ أي حسان الأعين وقيل ضخام الأعين وهو يرجع إلى الأول وهي النجلاء العيناء فوصف عيونهن بالحسن والعفة كقول زليخا في يوسف ﵊ حين جملته وأخرجته على تلك النسوة فأعظمنه وأكبرنه وظنن أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره قالت: ﴿فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] أي هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي وهكذا الحور العين ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]. ولهذا قال ﷿: ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ وقوله ﷻ:\n﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يقول اللؤلؤ المكنون (^٢) وينشد هاهنا بيت أبي دهبل الشاعر وهو قوله في قصيدة له: [الخفيف] وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص … ميزت من جوهر مكنون (^٣)\nوقال الحسن: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يعني محصون لم تمسه الأيدي، وقال السدي:\nالبيض في عشه مكنون وقال سعيد بن جبير ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يعني بطن البيض وقال عطاء الخراساني هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة، وقال السدي ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في لسان العرب (غول)، والمخصص ١٧/ ٦، وتاج العروس (غال). وتفسير الطبري ١٠/ ٤٨٥. ويروى صدر البيت: وما زالت الخمر تغتالنا\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٨٩.\n(^٣) البيت لأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص ٦٩، ولسان العرب (خصر)، (سنن)، ولأبي دهبل أو لعبد الرحمن بن حسان في الكامل ص ٣٨٨.","vol":"7","page":11},{"text":"يقول بياض البيض حين ينزع قشرته واختاره ابن جرير لقوله مكنون قال والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها الأيدي بخلاف داخلها والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^١) حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي عن عمرو بن هاشم عن ابن أبي كريمة عن هشام عن الحسن عن أمه عن أم سلمة ﵄ قالت قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله ﷿: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ قال:\n«العين الضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر» قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله ﷿ ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: «رقتهن كرقة الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشر وهي الفرقئ». وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو غسان النهدي حدثنا عبد السلام بن حرب عن ليث عن الربيع بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على الله ﷿ ولا فخر، يطوف عليّ ألف خادم كأنهن البيض المكنون-أو اللؤلؤ المكنون-»، والله تعالى أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1659>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٠ إلى ٦١]</span>\n﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾\nيخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون أي عن أحوالهم وكيف كانوا في الدنيا وماذا كانوا يعانون فيها وذلك من حديثهم على شرابهم واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم في مجالسهم وهم جلوس على السرر والخدم بين أيديهم يسعون ويجيئون بكل خير عظيم من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال مجاهد يعني شيطانا. وقال العوفي عن ابن عباس ﵄ هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا، ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس ﵄ فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس ويكون من الإنس فيقول كلاما تسمعه الأذنان وكلاهما يتعاونان قال الله تعالى:\n﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وكل منهما يوسوس كما قال الله ﷿:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٨٩.","vol":"7","page":12},{"text":"﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ [الناس: ٤ - ٦] ولهذا ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ أي أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء يعني يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد والكفر والعناد.\n﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ قال مجاهد والسدي لمحاسبون. وقال ابن عباس ﵄ ومحمد بن كعب القرظي لمجزيون بأعمالنا وكلاهما صحيح قال تعالى:\n﴿قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أي مشرفون يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وخليد العصري وقتادة والسدي وعطاء الخراساني يعني في وسط الجحيم، وقال الحسن البصري في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد، وقال قتادة ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي، وذكر لنا أن كعب الأحبار قال في الجنة كوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها فازداد شكرا ﴿قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ يقول المؤمن مخاطبا للكافر والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك.\n﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي ولولا فضل الله عليّ لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت محضر معك في العذاب ولكنه تفضل عليّ ورحمني فهداني للإيمان وأرشدني إلى توحيده ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقوله تعالى:\n﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ هذا من كلام المؤمن مغبطا نفسه بما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب ولهذا قال ﷿: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄ في قول الله ﵎ لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] قال ابن عباس ﵄ قوله ﷿: ﴿هَنِيئًا﴾ أي لا يموتون فيها فعندها قالوا: ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (^١) وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه فقالوا: ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قيل لا ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقوله ﷻ ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ قال قتادة هذا من كلام أهل الجنة، وقال ابن جرير (^٢) هو من كلام الله تعالى ومعناه لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٦/ ١٤٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٣.","vol":"7","page":13},{"text":"الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة، قال أبو جعفر بن جرير (^١) حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن فرات بن ثعلبة النهراني في قوله: ﴿إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال إن رجلين كانا شريكين فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر ليس عندك حرفة ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك فقاسمه وفارقه ثم إن الرجل اشترى دارا بألف دينار كانت لملك مات فدعا صاحبه فأراه فقال كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار؟ قال ما أحسنها، فلما خرج قال اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك دارا من دور الجنة فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث، ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار فدعاه وصنع له طعاما فلما أتاه قال إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار فقال ما أحسن هذا فلما انصرف قال يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة من الحور العين فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث ثم اشترى بستانين بألفي دينار ثم دعاه فأراه فقال إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار فقال ما أحسن هذا فلما خرج قال يا رب إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار وأنا أسألك بستانين في الجنة فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله دارا تعجبه وإذا بامرأة تطلع يضيء ما تحتها من حسنها ثم أدخله بستانين وشيئا الله به عليم فقال عند ذلك ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا قال فإنه ذاك ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة، قال فإنه كان لي صاحب يقول ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ قيل له فإنه في الجحيم قال ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ فقال عند ذلك ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ الآيات قال ابن جرير وهذا يقوي قراءة من قرأ «أإنك لمن المصّدّقين» بالتشديد (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار أخبرنا أبو حفص قال سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ قال فقال لي ما ذكرك هذا؟ قلت قرأته آنفا فأحببت أن أسألك عنه فقال:\nأما فاحفظ، كان شريكان في بني إسرائيل أحدهما مؤمن والآخر كافر فافترقا على ستة آلاف دينار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ثم افترقا فمكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك؟ أضربت به شيئا (^٣) اتجرت به في شيء؟ فقال له المؤمن لا فما صنعت أنت؟ فقال اشتريت به أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار-قال:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٠.\n(^٣) أضربت به شيئا: أي أكسبت به شيئا؟","vol":"7","page":14},{"text":"فقال له المؤمن أو فعلت؟ قال نعم، قال فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال: اللهم إن فلانا-يعني شريكه الكافر-اشترى أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار ثم يموت غدا ويتركها اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا في الجنة-قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين-قال-ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك أضربت به في شيء اتجرت به في شيء؟ قال لا قال فما صنعت أنت؟ قال كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها فاشتريت رقيقا بألف دينار يقومون لي فيها ويعملون لي فيها فقال له المؤمن أو فعلت؟ قال نعم-قال-فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال اللهم إن فلانا-يعني شريكه الكافر-اشترى رقيقا من رقيق الدنيا بألف دينار يموت غدا فيتركهم أو يموتون فيتركونه، اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف الدينار رقيقا في الجنة-قال-ثم أصبح فقسمها في المساكين -قال-ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك أضربت به في شيء اتجرت به في شيء؟ قال لا فما صنعت أنت؟ قال كان أمري كله قد تم إلا شيئا واحدا فلانة قد مات عنها زوجها فأصدقتها ألف دينار فجاءتني بها ومثلها معها فقال له المؤمن أو فعلت؟ قال نعم قال فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية فوضعها بين يديه وقال اللهم إن فلانا-يعني شريكه الكافر-تزوج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار فيموت غدا فيتركها أو تموت غدا فتتركه اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة.\nقال: ثم أصبح فقسمها بين المساكين-قال-فبقي المؤمن ليس عنده شيء. قال فلبس قميصا من قطن وكساء من صوف ثم أخذ مرّا (^١) فجعله على رقبته يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته. قال فجاءه رجل فقال: له يا عبد الله أتؤاجرني نفسك مشاهرة شهرا بشهر تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سرقينها قال نعم أفعل قال فواجره نفسه مشاهرة شهرا بشهر يقوم على دوابه، قال فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه فإذا رأى منها دابة ضامرة أخذ برأسه فوجأ عنقه ثم يقول له سرقت شعير هذه البارحة قال فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال لآتين شريكي الكافر فلأعملن في أرضه فيطعمني هذه الكسرة يوما بيوم ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا، قال فانطلق يريده فلما انتهى إلى بابه وهو ممس فإذا قصر مشيد في السماء وإذا حوله البوابون فقال لهم استأذنوا لي صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سره ذلك، فقالوا له انطلق إن كنت صادقا فنم في ناحية فإذا أصبحت فتعرض له. قال فانطلق المؤمن فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه ثم نام فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له فخرج شريكه الكافر وهو راكب فلما\n_________\n(^١) المرّ، بفتح الميم: الحبل.","vol":"7","page":15},{"text":"رآه عرفه فوقف وسلم عليه وصافحه ثم قال له ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟ قال بلى قال وهذه حالي وهذه حالك؟ قال بلى قال أخبرني ما صنعت في مالك؟ قال لا تسألني عنه، قال فما جاء بك؟ قال جئت أعمل في أرضك هذه فتطعمني هذه الكسرة يوما بيوم وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا، قال لا ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا ولكن لا ترى مني خيرا حتى تخبرني ما صنعت في مالك قال أقرضته قال من؟ قال المليء (^١) الوفي قال من؟ قال الله ربي قال وهو مصافحة فانتزع يده من يده ثم قال ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ قال السدي محاسبون قال فانطلق الكافر وتركه، قال فلما رآه المؤمن وليس يلوي عليه رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان ويعيش الكافر في رخاء من الزمان قال فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار فيقول لمن هذا؟ فيقال هذا لك فيقول يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم فيقول لمن هذا؟ فيقال هؤلاء لك، فيقول يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا، قال ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة فيها حوراء عيناء فيقول لمن هذه فيقال هذه لك فيقول يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا.\nقال ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول: ﴿إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ قال فالجنة عالية والنار هاوية قال فيريه الله تعالى شريكه في وسط الجحيم من بين أهل النار فإذا رآه المؤمن عرفه فيقول: ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ بمثل ما منّ عليه. قال فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة أشد عليه من الموت (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1660>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ إلى ٧٠]</span>\n﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾\nيقول الله تعالى أهذا الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ خير ضيافة وعطاء ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ أي التي في جهنم وقد يحتمل أن يكون\n_________\n(^١) المليء: صاحب المال، والغني.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٤.","vol":"7","page":16},{"text":"المراد بذلك شجرة واحدة معينة كما قال بعضهم إنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن، وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر يقال له الزقوم كقوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] يعني الزيتونة ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢].\nوقوله ﷿: ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ قال قتادة ذكرت شجرة الزقوم فافتتن بها أهل الضلالة وقالوا صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة والنار تأكل الشجر فأنزل الله تعالى:\n﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ غذيت من النار ومنها خلقت. وقال مجاهد ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ قال أبو جهل لعنه الله: إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه.\nقلت ومعنى الآية إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا نختبر به الناس من يصدق منهم ممن يكذب كقوله ﵎: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي أصل منبتها في قرار النار ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ تبشيع لها وتكريه لذكرها. قال وهب بن منبه شعور الشياطين قائمة إلى السماء، وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر، وقيل المراد بذلك ضرب من الحيات رؤوسها بشعة المنظر، وقيل جنس من النبات طلعه في غاية الفحاشة وفي هذين الاحتمالين نظر، وقد ذكرهما ابن جرير والأول أقوى وأولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها ولا أقبح من منظرها مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها لأنهم لا يجدون إلا إياها وما في معناها كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ وقال ابن أبي حاتم ﵀ حدثنا أبي حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وقال: «اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟» ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح (^١).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ يعني\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في صفة جهنم باب ٤، وابن ماجة في الزهد باب ٣٨، وأحمد في المسند ١/ ٣٠١، ٣٣٨.","vol":"7","page":17},{"text":"شرب الحميم على الزقوم (^١)، وقال في رواية عنه شوبا من حميم، مزجا من حميم، وقال غيره يعني يمزج لهم الحميم بصديد وغساق مما يسيل من فروجهم وعيونهم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي حدثنا بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو أخبرني عبيد الله بن بسر عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول «يقرب -يعني إلى أهل النار-ماء فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فيه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا يعقوب بن عبد الله عن جعفر وهارون بن عنترة عن سعيد بن جبير قال إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم فلو أن مارا يمر بهم يعرفهم لعرف وجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ويصهر ما في بطونهم فيمشون تسيل أمعاؤهم وتتساقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور.\nوقوله ﷿: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج وجحيم تتوقد وسعير تتوهج فتارة في هذا وتارة في هذا كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية (^٣) وهو تفسير حسن قوي، وقال السدي في قراءة عبد الله ﵁ «ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم» (^٤) وكان عبد الله ﵁ يقول والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ثم قرأ ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وروى الثوري عن ميسرة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد الله ﵁ قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء قال سفيان أراه ثم قرأ ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قلت على هذا التفسير تكون ثم عاطفة لخبر على خبر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ﴾ أي إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان، ولهذا قال: ﴿فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قال مجاهد شبيهة بالهرولة، وقال سعيد بن جبير يسفهون.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي في صفة جهنم باب ٤، وأحمد في المسند ٥/ ٢٦٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٥.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٥، بلفظ: «ثم إنّ منقلبهم لإلى الجحيم». وانظر أيضا الدر المنثور ٥/ ٥٢٣.","vol":"7","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1661>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧١ إلى ٧٤]</span>\n﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾\nيخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى، وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به وعبد غيره وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم فأهلك المكذبين ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1662>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٥ إلى ٨٢]</span>\n﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾\nلما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة شرع يبين ذلك مفصلا فذكر نوحا ﵊ وما لقي من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نفرة فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، فغضب الله تعالى لغضبه عليهم، ولهذا قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ أي فلنعم المجيبون له ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وهو التكذيب والأذى ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ يقول: لم تبق إلا ذرية نوح ﵇ (^١).\nوقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله ﵎: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ قال الناس كلهم من ذرية نوح ﵇، وقد روى الترمذي (^٢) وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ قال سام وحام ويافث وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي من ﷺ قال:\n«سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم» ورواه الترمذي (^٤) عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد وهو ابن أبي عروبة عن قتادة به، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٨، بلفظ: لم يبق إلا ذرية نوح.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٧، باب ٣.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ٩.\n(^٤) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٧، باب ٤.","vol":"7","page":19},{"text":"وقد روي عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ مثله، والمراد بالروم هاهنا هم الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح ﵇ ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح ﵇ ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام القبط والسودان والبربر، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا والله أعلم. وقوله ﵎: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄ يذكر بخير (^١)، وقال مجاهد يعني لسان صدق للأنبياء كلهم، وقال قتادة والسدي أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين. وقال الضحاك السلام والثناء الحسن (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ مفسر لما أبقى عليه الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى ونجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي المصدقين الموحدين الموقنين ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي أهلكناهم فلم تبق منهم عين تطرف ولا ذكر لهم ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1663>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٧]</span>\n﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ يقول من أهل دينه، وقال مجاهد على منهاجه وسنته (^٣).\n﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ يعني شهادة أن لا إله إلا الله.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن عوف قلت لمحمد بن سيرين ما القلب السليم؟ قال يعلم أن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وقال الحسن: سليم من الشرك وقال عروة لا يكون لعانا.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد ولهذا قال ﷿ ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال قتادة يعني ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم معه غيره.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٨.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٩.","vol":"7","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1664>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٨ إلى ٩٨]</span>\n﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾\nإنما قال إبراهيم ﵊ لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم فأحب أن يختلي بآلهتهم فيكسرها فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ قال قتادة والعرب تقول لمن تفكر نظر في النجوم، يعني قتادة أنه نظر إلى السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي ضعيف فأما الحديث الذي رواه ابن جرير (^١) هاهنا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم ﵊ غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى، قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وقوله في سارة هي أختي» (^٢) فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث «إن المعاريض لمندوحة عن الكذب» (^٣) وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم ﵊ الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله تعالى: ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقال ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي. قال سفيان في قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم، وكذا قال العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون.\nوقال قتادة عن سعيد بن المسيب رأى نجما طلع فقال ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كابد نبي الله عن دينه ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (^٤). وقال آخرون ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٠١.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٨، والنكاح باب ١٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٥٤، وأبو داود في الطلاق باب ١٦، والترمذي في تفسير سورة ٢١ باب ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٤٠٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب باب ١١٦.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٥٠١.","vol":"7","page":21},{"text":"الموت، وقيل أراد ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى، وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها. رواه ابن أبي حاتم. ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي إلى عيدهم ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ أي ذهب إليها بعد أن خرجوا في سرعة واختفاء ﴿فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتبارك لهم فيه. قال السدي: دخل إبراهيم ﵇ إلى بيت الآلهة فإذا هم في بهو عظيم وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاما وضعوه بين أيدي الآلهة وقالوا إذا كان حين نرجع وقد باركت الآلهة في طعامنا أكلناه، فلما نظر إبراهيم ﵊ إلى ما بين أيديهم من الطعام قال ﴿أَلا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ قال الفراء معناه مال عليهم ضربا باليمين.\nوقال قتادة والجوهري فأقبل عليهم ضربا باليمين. وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى ولهذا تركهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك. وقوله تعالى هاهنا: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قال مجاهد وغير واحد أي يسرعون، وهذه القصة هاهنا مختصرة وفي سورة الأنبياء مبسوطة فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا فعرفوا أن إبراهيم ﵊ هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أي أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ يحتمل أن تكون ما مصدرية فيكون تقدير الكلام خلقكم وعملكم ويحتمل أن تكون بمعنى الذي تقديره والله خلقكم والذي تعملونه وكلا القولين متلازم، والأول أظهر لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن علي بن المديني عن مروان بن معاوية عن أبي مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة مرفوعا قال: «إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته» وقرأ بعضهم ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا ﴿اِبْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونجاه الله من النار وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1665>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٩ إلى ١١٣]</span>\n﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾","vol":"7","page":22},{"text":"يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم ﵊ أنه بعد ما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يعني أولادا مطيعين عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وهذا الغلام هو إسماعيل ﵇ فإنه أول ولد بشر به إبراهيم ﵇ وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب بل في نص كتابهم أن إسماعيل ﵇ ولد ولإبراهيم ﵇ ست وثمانون سنة وولد إسحاق وعمر إبراهيم ﵊ تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله ﵎ أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة أخرى بكره فأقحموا هاهنا كذبا وبهتانا إسحاق ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب مكة وهذا تأويل وتحريف باطل فإنه لا يقال «وحيد» إلا لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.\nوقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة أيضا وليس ذلك في كتاب ولا سنة وما أظن ذلك تلقى إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلم من غير حجة وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر:٥٣].\nوقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا وإسماعيل وصف هاهنا بالحلم لأنه مناسب لهذا المقام؟.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه وقد كان إبراهيم ﵊ يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران (^١)\n_________\n(^١) فاران: هي من اسماء مكة، وقيل: هو اسم لجبال مكة (معجم البلدان: فاران)","vol":"7","page":23},{"text":"وينظر في أمرهما وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعا إلى هناك والله أعلم. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وزيد بن أسلم وغيرهم ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ بمعنى شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ قال عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الآية ﴿قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أبو عبد الملك الكرندي حدثنا سفيان بن عيينة عن إسرائيل بن يونس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «رؤيا الأنبياء في المنام وحي» ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه ﴿قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أي امض لما أمرك الله من ذبحي ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله ﷿ وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤ - ٥٥]. وقال تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي فلما تشهدا وذكرا الله تعالى إبراهيم على الذبح والولد على شهادة الموت وقيل أسلما يعني استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل لأمر الله تعالى وإسماعيل لطاعة الله وأبيه قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم ومعنى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أكبّه على وجهه.\nوقال الإمام أحمد (^١) حدثنا سريج ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس أنه قال لما أمر إبراهيم ﵊ بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم ﵊ ثم ذهب به جبريل ﵊ إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات وثم تله للجبين وعلى إسماعيل ﵊ قميص أبيض فقال له يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين قال ابن عباس لقد رأيتنا نتّبع ذلك الضرب من الكباش، وذكر تمام الحديث في المناسك بطوله.\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ٢٩٧.","vol":"7","page":24},{"text":"ثم رواه أحمد بطوله عن يونس عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ فذكر نحوه إلا أنه قال إسحاق فعن ابن عباس ﵄ في تسمية الذبيح روايتان والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nوقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن قتادة عن جعفر بن إياس عن ابن عباس ﵄ في قوله ﵎: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال خرج عليه كبش من الجنة قد رعى (^١) قبل ذلك أربعين خريفا فأرسل إبراهيم ﵊ ابنه واتبع الكبش فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات ثم أفلته عندها فجاء إلى الجمرة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته عندها فجاء إلى الجمة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم افلته فأدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة حتى وحش يعني يبس (^٢).\nوقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أخبرنا القاسم قال اجتمع أبو هريرة وكعب فجعل أبو هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ وجعل كعب يحدث عن الكتب فقال أبو هريرة ﵁ قال النبي ﷺ: «إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (^٣) فقال له كعب أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال نعم قال فداك أبي وأمي-أو فداه أبي وأمي-أفلا أخبرك عن إبراهيم ﵊؟ إنه لما أري ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدا فخرج إبراهيم ﵊ بابنه ليذبحه فذهب الشيطان فدخل على سارة فقال أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت غدا به لبعض حاجته قال فإنه لم يغد به لحاجة إنما ذهب به ليذبحه قالت ولم يذبحه؟ قال زعم أن ربه أمره بذلك قالت فقد أحسن أن يطيع ربه فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام أين يذهب بك أبوك، قال لبعض حاجته قال فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك ليذبحك قال ولم يذبحني؟ قال زعم أن ربه أمره بذلك قال فوالله لئن كان الله تعالى أمره بذلك ليفعلن قال فيئس منه فتركه ولحق بإبراهيم ﵊ فقال أين غدوت بابنك، قال لحاجة قال فإنك لم تغد به لحاجة وإنما غدوت به لتذبحه قال ولم أذبحه؟ قال تزعم أن ربك أمرك\n_________\n(^١) في تفسير الطبري لفظ «رعاها» بدل «رعي».\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٦.\n(^٣) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣١، والدعوات باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٣٣٤ - ٣٤٥، والترمذي في الدعوات باب ١٣٠، وابن ماجة في الزهد باب ٣٧، والدارمي في السير باب ٢٨، والرقاق باب ٨٥، ومالك في القرآن حديث ٢٦، وأحمد في المسند ١/ ٢٨١، ٢٩٥، ٢/ ٢٧٥، ٣٨١، ٣٩٦، ٤٢٦، ٣/ ١٣٤، ٢٠٨، ٢١٨، ٢١٩، ٢٥٨، ٢٧٦، ٢٩٢، ٣٨٤، ٣٩٦، ٥/ ١٤٥، ١٤٨.","vol":"7","page":25},{"text":"بذلك قال فوالله لئن كان الله تعالى أمرني بذلك لأفعلن قال فتركه ويئس أن يطاع.\nوقد رواه ابن جرير (^١) عن يونس بن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال إن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة فذكره بطوله وقال في آخره وأوحى الله تعالى إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة استجيب لك فيها قال إسحاق اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله ﵎ خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي وبين أن يجيب شفاعتي فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكون أعلم لأمتي ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له يا إسحاق سل تعط فقال أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئا فاغفر له وأدخله الجنة» هذا حديث غريب منكر وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة وهي قوله إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق إلى آخره والله أعلم فهذا إن كان محفوظا فالأشبه أن السياق إنما هو عن إسماعيل وإنما حرفوه بإسحاق حسدا منهم كما تقدم وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة حيث كان إسماعيل لا إسحاق فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام.\nوقوله تعالى: ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أي قد حصل المقصود من رؤياك واضجاعك ولدك للذبح وذكر السدي وغيره أنه أمرّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئا بل حال بينها وبينه صفحة من نحاس ونودي إبراهيم ﵊ عند ذلك ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد ونجعل لهم من أمرهم فرجا ومخرجا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل خلافا لطائفة من المعتزلة والدلالة من هذه ظاهرة لأن الله تعالى شرع لإبراهيم ﵊ ذبح ولده ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء وإنما كان المقصود من شرعه أولا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ أي الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥١١.","vol":"7","page":26},{"text":"ذلك مستسلما لأمر الله تعالى منقادا لطاعته ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم:٣٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي ﵁ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال بكبش أبيض أعين أقرن قد ربط بسمرة قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطا بسمرة في ثبير (^١)، وقال الثوري أيضا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار حدثنا داود العطار عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء إسحاق ابنه هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه فكان مخزونا حتى فدي به إسحاق وروي أيضا عن سعيد بن جبير أنه قال كان الكبش يرتع في الجنة حتى فدي به إسحاق، وروي أيضا عن سعيد بن جبير أنه قال كان الكبش يرتع في الجنة حتى شقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر، وعن الحسن البصري أنه قال كان اسم كبش إبراهيم ﵊ جرير وقال ابن جريج قال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام وقال مجاهد ذبحه بمنى عند المنحر. وقال هشيم عن سيار عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ كان أفتى الذي جعل عليه نذرا أن ينحر نفسه فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك لو كنت أفتيته بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.\nوالصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فدي بكبش. وقال الثوري عن رجل عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال وعل (^٢) وقال محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه كان يقول ما فدي إسماعيل ﵇ إلا بتيس من الأروي (^٣) أهبط عليه من ثبير.\nوقد قال الإمام أحمد (^٤) حدثنا سفيان حدثني منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة ﵁، وقالت مرة أنها سألت عثمان لم دعاك النبي ﷺ؟ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمر هما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي» قال سفيان لم يزل قرنا الكبش\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٥.\n(^٢) الوعل: هو تيس الجبل.\n(^٣) الأروي: قيل: هي أنثى الوعل، وقيل هي الشاة الواحدة من شياه الجبل.\n(^٤) المسند ٤/ ٦٨، ٥/ ٣٨٠.","vol":"7","page":27},{"text":"معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل ﵊ فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1666>[فصل] في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو</span>\n[ذكر من قال هو إسحاق ﵊] قال حمزة الزيات عن أبي ميسرة ﵀ قال: قال يوسف ﵊ للملك في وجهه ترغب أن تأكل معي وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله (^١)، وقال الثوري عن أبي سنان عن ابن أبي الهذيل أن يوسف ﵇ قال للملك كذلك أيضا وقال سفيان الثوري عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: قال موسى ﵊ يا رب يقولون يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبم قالوا ذلك؟ قال: «إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن».\nوقال شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال افتخر رجل عند ابن مسعود ﵁ فقال: أنا فلان بن فلان ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله بن مسعود ﵁ ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. وهذا صحيح عن ابن مسعود ﵁، وكذا روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه إسحاق، وعن أبيه العباس وعن علي بن أبي طالب مثل ذلك، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم بن أبي بزة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبو الهذيل وابن سابط وهذا اختيار ابن جرير، وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق، وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة عن أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار أنه قال هو إسحاق (^٢).\nوهذه الأقوال والله أعلم كلها مأخوذة عن كعب الأحبار فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ﵁ عن كتبه قديما فربما استمع له عمر ﵁ فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها وليس لهذه الأمة والله أعلم حاجة إلى حرف واحد مما عنده وقد حكى البغوي هذا القول بأنه إسحاق عن عمر وعلي وابن مسعود\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٥١١.","vol":"7","page":28},{"text":"والعباس ﵃ ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي قال وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ﵄ وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ولكن لم يصح سنده. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا زيد بن حباب عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب ﵁ عن النبي ﷺ في حديث ذكره قال هو إسحاق ففي إسناده ضعيفان وهما الحسن بن دينار البصري متروك وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث. وقد رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان به مرفوعا، ثم قال قد رواه مبارك بن فضالة عن الحسن عن الأحنف عن العباس ﵁ قوله وهذا أشبه وأصح.\n[ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊ وهو الصحيح المقطوع به] قد تقدمت الرواية عن ابن عباس ﵄ أنه إسحاق ﵊ والله تعالى أعلم وقال سعيد بن جبير وعامر الشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد وعطاء وغير واحد عن ابن عباس ﵄ هو إسماعيل ﵊ وقال ابن جرير (^١) حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال المفدي إسماعيل ﵇ وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود، وقال إسرائيل عن ثور عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال الذبيح إسماعيل وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد هو إسماعيل ﵇ وكذا قال يوسف بن مهران وقال الشعبي هو إسماعيل ﵊ وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة.\nوقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد عن الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل ﵇ قال ابن إسحاق وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ويقول الله تعالى:\n﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ يقول بابن وابن ابن فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه الموعد بما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل قال ابن إسحاق سمعته يقول ذلك كثيرا، وقال ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز ﵁ وهو خليفة إذ كان معه بالشام فقال له عمر إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥١١، ٥١٢.","vol":"7","page":29},{"text":"كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه وكان يرى أنه من علمائهم فسأله عمر بن عبد العزيز ﵁ عن ذلك قال محمد بن كعب وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكر الله تعالى منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لكون إسحاق أباهم والله أعلم أيهما كان وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله ﷿.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ سألت أبي عن الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق فقال إسماعيل ذكره في كتاب الزهد. وقال ابن أبي حاتم وسمعت أبي يقول الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵊ قال وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح ﵃ أنهم قالوا الذبيح إسماعيل. وقال البغوي في تفسيره وإليه ذهب عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وهو رواية عن ابن عباس وحكاه أيضا عن أبي عمرو بن العلاء.\nوقد روى ابن جرير (^١) في ذلك حديثا غريبا فقال حدثني محمد بن عمار الرازي حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي عن عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان عن أبيه حدثني عبد الله بن سعيد عن الصنابحي قال كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق فقال على الخبير سقطتم: كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله ﷺ فقيل له يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر الله إن سهل الله له أمرها عليه ليذبحن أحد ولده قال فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل (^٢).\nوهذا حديث غريب جدا وقد رواه الأموي في مغازيه حدثنا بعض أصحابنا أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة حدثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا الصنابحي قال حضرنا مجلس معاوية ﵁ فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق وذكره، كذا كتبته من نسخة مغلوطة وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فجعل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٤.\n(^٢) لفظ الطبري: ففداه بمائة من الإبل، وإسماعيل الثاني.","vol":"7","page":30},{"text":"هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي أي العمل، ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا قال وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام قال وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك هذا ما اعتمد عليه في تفسيره وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم بل هو بعيد جدا والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لما تقدمت البشارة بالذبيح وهو إسماعيل عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق وقد ذكرت في سورتي هود والحجر (^١)، وقوله تعالى: ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة أي سيصير منه نبي صالح.\nوقال ابن جرير (^٢) حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄ الذبيح إسحاق قال وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قال بشر بنبوته قال وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] قال كان هارون أكبر من موسى ولكن أراد وهب له نبوته. وحدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت داود يحدث عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قال إنما بشر به نبيا حين فداه الله ﷿ من الذبح ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان الثوري عن داود عن عكرمة عن ابن عباس ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قال بشر به حين ولد وحين نبئ وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾؟؟ ما كان من أمره لما جاد لله تعالى بنفسه وقال الله ﷿ ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1667>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٤ إلى ١٢٢]</span>\n﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير سورة هود الآية ٧١، وتفسير سورة الحجر الآية ٥٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٦.","vol":"7","page":31},{"text":"يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في أخس الأشياء ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم وأقر أعينهم منهم فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم ثم أنزل الله ﷿ على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين وهو التوراة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] وقال ﷿ هاهنا: ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي في الأقوال والأفعال ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ﴾ أي أبقينا لهما من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا ثم فسره بقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1668>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٣ إلى ١٣٢]</span>\n﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾\nقال قتادة ومحمد بن إسحاق يقال إلياس هو إدريس، وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إلياس هو إدريس، وكذا قال الضحاك وقال وهب بن منبه هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران بعثه الله تعالى في بني إسرائيل بعد حزقيل ﵉ وكانوا قد عبدوا صنما يقال له بعل فدعاهم إلى الله تعالى ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد واستمروا على ضلالتهم ولم يؤمن به منهم أحد فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر فسأل الله أن يقبضه إليه، وكان قد نشأ على يديه اليسع بن أخطوب عليهما الصلاة والسلام فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا فمهما جاءه فليركبه ولا يهبه فجاءته فرس من نار فركب وألبسه الله تعالى النور وكساه الريش وكان يطير مع الملائكة ملكا إنسيا سماويا أرضيا هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب والله أعلم بصحته (^١).\n﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ أي ألا تخافون الله ﷿ في عبادتكم غيره ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي بعلا يعني ربا. قال عكرمة وقتادة وهي لغة أهل اليمن، وفي رواية عن قتادة قال: وهي لغة أزد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٢٠، ٥٢١.","vol":"7","page":32},{"text":"شنوءة. وقال ابن إسحاق أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها بعل: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها بعلبك غربي دمشق، وقال الضحاك هو صنم كانوا يعبدونه. وقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أي أتعبدون صنما ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي للعذاب يوم الحساب ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي الموحدين منهم وهذا استثناء منقطع من مثبت. وقوله تعالى:\n﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي ثناء جميلا ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ كما يقال في إسماعيل إسماعين وهي لغة بني أسد، وأنشد بعض بني نمير في ضب صاده: [رجز] يقول رب السوق لما جينا … هذا وربّ البيت إسرائينا (^١)\nويقال ميكال وميكائيل وإبراهيم وإبراهام وإسرائيل وإسرائين وطور سيناء وطور سينين وهو موضع واحد وكل هذا سائغ وقرأ آخرون «سلام على إدراسين» (^٢) وهي قراءة عبد الله بن مسعود ﵁، وقرأ آخرون «سلام على آل ياسين» يعني آل محمد ﷺ، وقوله تعالى:\n﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد تقدم تفسيره، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1669>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٨]</span>\n﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط ﵇ أنه بعثه إلى قومه فكذبوه فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلا ونهارا ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها.\n_________\n(^١) يروى الشطر الثاني من الرجز: هذا لعمر الله إسرائينا وهو في تفسير الطبري ١٠/ ٥٢٤، والرجز لأعرابي في المقاصد النحوية ٢/ ٤٤٥، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ٤٥٦، والدرر ٢/ ٢٧٢، وسمط اللئالي ص ٦٨١، وشرح الأشموني ١/ ١٥٦، وشرح التصريح ١/ ٢٦٤، وشرح ابن عقيل ص ٢٢٩، ولسان العرب (فطن) (يمن)، والمعاني الكبير ص ٦٤٦، وهمع الهوامع ١/ ١٥٧، وجمهرة اللغة ص ٢٩٣، وتاج العروس (فطن)، (يمن)، (سرو). والمخصص ١٣/ ٢٨٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٥٢٤.","vol":"7","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1670>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٨]</span>\n﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)﴾\nقد تقدمت قصة يونس ﵊ في سورة الأنبياء، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» (^١) ونسبه إلى أمه وفي رواية إلى أبيه. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال ابن عباس ﵄ هو الموقر أي المملوء بالأمتعة.\n﴿فَساهَمَ﴾ أي قارع ﴿فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي المغلوبين، وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب وأشرفوا على الغرق فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر لتخف بهم السفينة فوقعت القرعة على نبي الله يونس ﵊ ثلاث مرات وهم يضنون به أن يلقى من بينهم فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار وأن يلتقم يونس ﵇ فلا يهشم له لحما ولا يكسر له عظما فجاء ذلك الحوت وألقى يونس ﵇ نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي فقام يصلي في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه يا رب اتخذت لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس، واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت فقيل ثلاثة أيام قاله قتادة. وقيل سبعة قاله جعفر الصادق ﵁، وقيل أربعين يوما قاله أبو مالك. وقال مجاهد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك، وفي شعر أمية بن أبي الصلت: [الطويل] وأنت بفضل منك نجيت يونسا … وقد بات في أضعاف حوت لياليا (^٢)\nوقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قيل لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صح الخبر، وفي حديث ابن عباس «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». وقال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٢٤، ٣٥، وتفسير سورة ٤ باب ٦، وسورة ٦ باب ٤، والتوحيد باب ٥٠، وأبو داود في السنة باب ١٣، والترمذي في الصلاة باب ٢٠.\n(^٢) البيت في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٢٨.","vol":"7","page":34},{"text":"ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني المصلين، وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم كان من المسبحين في جوف أبويه، وقيل المراد ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ هو قوله ﷿ ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] قاله سعيد بن جبير وغيره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي بن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك ﵁-ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ «إن يونس النبي ﵊ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة فقال الله تعالى أما تعرفون ذلك؟ قالوا يا رب ومن هو؟ قال ﷿ عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة قالوا يا رب أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء، قال بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء» (^١).\nورواه ابن جرير (^٢) عن يونس عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: طرح بالعراء وأنبت الله ﷿ عليه اليقطينة قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة، قال شجرة الدباء. قال أبو هريرة ﵁: وهيأ الله له أرويّة (^٣) وحشية تأكل من خشاش الأرض (^٤) أو قال:\nهشاش الأرض-قال فتنفسخ (^٥) عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره وهو: [الطويل] فأنبت يقطينا عليه برحمة … من الله لولا الله ألقي ضاحيا (^٦)\nوقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ مسندا مرفوعا في تفسير سورة الأنبياء، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَبَذْناهُ﴾ أي ألقيناه ﴿بِالْعَراءِ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغيره وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء قيل على جانب دجلة وقيل بأرض اليمن فالله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٨١، وأحمد في المسند ١/ ١٧٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٠.\n(^٣) الأرويّة: الشاة الجبلية.\n(^٤) خشاش الأرض أهوامها وحشراتها.\n(^٥) تتفشّخ: أي تفرج ما بين رجليها.\n(^٦) البيت في تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٠.","vol":"7","page":35},{"text":"﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي ضعيف البدن، قال ابن مسعود ﵁ كهيئة الفرخ ليس عليه ريش، وقال السدي كهيئة الصبي حين يولد وهو المنفوس وقاله ابن عباس ﵄ وابن زيد أيضا ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس ﵃ ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم: اليقطين هو القرع. وقال هشيم عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين وفي رواية عنه كل شجرة تهلك من عامها فهي من اليقطين (^١)، وذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب وجودة تغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئا ومطبوخا بلبه وقشره أيضا وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يحب الدباء ويتتبعه من نواحي الصحفة (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ روى شهر بن حوشب عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما كانت رسالة يونس ﵊ بعد ما نبذه الحوت، رواه ابن جرير (^٣) حدثني الحارث حدثنا أبو هلال عن شهر به، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت.\n(قلت): ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولا أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت فصدقوه كلهم وآمنوا به، وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت كانوا مائة ألف أو يزيدون وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄ في رواية عنه:\nبل يزيدون وكانوا مائة وثلاثين ألفا وعنه مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفا وعنه مائة ألف وبضعة وأربعين ألفا والله أعلم، وقال سعيد بن جبير يزيدون سبعين ألفا.\nوقال مكحول كانوا مائة ألف وعشرة آلاف رواه ابن أبي حاتم وقال ابن جرير (^٤) حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال سمعت زهيرا يحدث عمن سمع أبا العالية يقول حدثني أبي بن كعب ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى:\n﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال يزيدون عشرين ألفا.\nورواه الترمذي عن علي بن حجر عن الوليد بن مسلم عن زهير عن رجل عن أبي العالية عن أبي بن كعب به وقال غريب. ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به. قال ابن جرير (^٥): وكان\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأطعمة باب ٤، ٢٥، ٣٥ - ٣٧، والترمذي في الأطعمة باب ٤١، والدارمي في الأطعمة باب ١٩، ومالك في النكاح حديث ٥١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٢.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٢.\n(^٥) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٢.","vol":"7","page":36},{"text":"بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك معناه إلى المائة الألف أو كانوا يزيدون عندكم، يقول كذلك كانوا عندكم ولهذا سلك ابن جرير هاهنا ما سلكه عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] وقوله تعالى: ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ [النجم: ٩] المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد وقوله تعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ أي فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس ﵇ جميعهم ﴿فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ أي إلى وقت آجالهم كقوله جلت عظمته ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1671>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٩ إلى ١٦٠]</span>\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾\nيقول تعالى منكرا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله تعالى البنات سبحانه ولهم ما يشتهون أي من الذكور أي يودون لأنفسهم الجيد ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] أي يسوؤه ذلك ولا يختار لنفسه إلا البنين، يقول ﷿ فكيف نسبوا إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي سلهم على سبيل الإنكار عليهم ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ كقوله ﷿: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢].\nوقوله ﵎: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ أي كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم كقوله جل وعلا ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] أي يسألون عن ذلك يوم القيامة. وقوله جلت عظمته: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي من كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ﴾ أي صدر منه الولد ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فذكر الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب، فأولا جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولدا تعالى وتقدس، وجعلوا ذلك الولد أنثى ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم.\nثم قال تعالى منكرا عليهم ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ أي أيّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين كقوله ﷿: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠] ولهذا قال ﵎: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أي حجة على","vol":"7","page":37},{"text":"ما تقولونه، ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي هاتوا برهانا على ذلك يكون مستندا إلى كتاب منزل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل بل لا يجوزه العقل بالكلية. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال مجاهد:\nقال المشركون الملائكة بنات الله تعالى فقال أبو بكر ﵁ فمن أمهاتهن، قالوا بنات سروات الجن وكذا قال قتادة وابن زيد ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي الذين نسبوا إليهم ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم وقولهم الباطل بلا علم، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال زعم أعداء الله أنه ﵎ هو وإبليس أخوان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، حكاه ابن جرير (^١).\nوقوله جلت عظمته: ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوا كبيرا. قوله تعالى: ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع وهو من مثبت إلا أن يكون الضمير قي قوله تعالى: ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ عائد إلى الناس جميعهم ثم استثنى منهم المخلصين وهم المتبعون للحق المنزل على كل نبي مرسل، وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ وفي هذا الذي قاله نظر (^٢) والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1672>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ إلى ١٧٠]</span>\n﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾\nيقول تعالى مخاطبا للمشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ أي إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذرئ للنار (^٣) ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة كما قال ﵎: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨ - ٩] أي إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل، ثم قال ﵎ منزها للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي له موضع مخصوص في السموات ومقامات العبادات\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٦.\n(^٣) ذرئ للنار: أي خلق للنار.","vol":"7","page":38},{"text":"لا يتجاوزه ولا يتعداه.\nوقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد عن أبيه وكان ممن بايع يوم الفتح أن رسول الله ﷺ قال يوما لجلسائه: «أطّت (^١) السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد» (^٢) ثم قرأ ﷺ ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ وقال الضحاك في تفسيره ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قال كان مسروق يروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم» فذلك قوله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (^٣).\nوقال الأعمش عن أبي إسحاق عن مسروق عن ابن مسعود ﵁ قال: إن في السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه ثم قرأ عبد الله ﵁ ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وكذا قال سعيد بن جبير وقال قتادة كانوا يصلون الرجال والنساء جميعا حتى نزلت ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فتقدم الرجال وتأخر النساء ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أي نقف صفوفا في الطاعة كما تقدم عند قوله ﵎: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] قال ابن جريج عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزل ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ فصفوا وقال أبو نضرة كان عمر ﵁ إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: أقيموا صفوفكم استووا قياما يريد الله تعالى بكم هدى الملائكة ثم يقول ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ تأخر يا فلان تقدم يا فلان ثم يتقدم فيكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٤).\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا، وتربتها طهورا» (^٥) الحديث ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه. وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ الملائكة ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ الملائكة ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ الملائكة تسبح الله ﷿.\nوقال قتادة ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ يعني المصلون يثبتون بمكانهم من العبادة كما قال ﵎: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾\n_________\n(^١) الأطيط: هو صوت الرحل، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٩، وابن ماجة في الزهد باب ١٩، وأحمد في المسند ٥/ ١٧٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٨.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٩.\n(^٥) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٤، وأحمد في المسند ٥/ ٣٨٣.","vol":"7","page":39},{"text":"﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:\n٢٦ - ٢٩] وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال ﷻ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ [فاطر:٤٢] وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٦ - ١٥٧] ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم ﷿ وتكذيبهم رسوله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1673>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧١ إلى ١٧٩]</span>\n﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾\nيقول ﵎: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال ﷿: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ولهذا قال ﷻ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم وكيف أهلك الله الكافرين ونجى عباده المؤمنين ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي تكون لهم العاقبة. وقوله جل وعلا: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ أي اصبر على أذاهم لك وانتظر إلى وقت مؤجل فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، ولهذا قال بعضهم غيّا (^١) ذلك إلى يوم بدر وما بعدها أيضا في معناها.\nوقوله جلت عظمته ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ثم قال ﷿: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك فإن الله تعالى يغضب عليهم بذلك ويعجل لهم العقوبة ومع هذا أيضا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة. قال الله ﵎: ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾\n_________\n(^١) غيّا ذلك إلى يوم بدر: أي جعل يوم بدر غاية لذلك.","vol":"7","page":40},{"text":"﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي فإذا نزل العذاب بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم بإهلاكهم ودمارهم، وقال السدي ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ يعني بدارهم ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس ما يصبحون أي بئس الصباح صباحهم. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس ﵁ قال: صبح رسول الله ﷺ خيبر فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش رجعوا وهم يقولون: محمد والله محمد والخميس فقال النبي ﷺ: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» (^١) ورواه البخاري من حديث مالك عن حميد عن أنس ﵁.\nوقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي طلحة ﵁ قال: لما صبح رسول الله ﷺ خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضهم، فلما رأوا النبي ﷺ نكصوا مدبرين فقال نبي الله ﷺ: «الله أكبر الله أكبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» لم يخرجوه من هذه الوجه وهو صحيح على شرط الشيخين، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1674>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٢]</span>\n﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾\nينزه ﵎ نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علوا كبيرا ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي ذي العزة التي لا ترام ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي عن قول هؤلاء المعتدين المفترين ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيّته ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال، ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال كما أن الحمد يدل على إثبات صفات الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين». هكذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصلاة باب ١٢، والأذان باب ٦، وصلاة الخوف باب ٦، والجهاد باب ١٣٠، والمناقب باب ٢٨، والمغازي باب ٣٨، ومسلم في الجهاد حديث ١٢٠، ١٢١، والترمذي في السير باب ٣، والنسائي في المواقيت باب ٢٦، والنكاح باب ٧٩، والصيد باب ٧٨، ومالك في الجهاد حديث ٤٨، وأحمد في المسند ٣/ ١٠٢، ١١١، ١٦٤، ١٨٦، ٢٠٦، ٢٤٦، ٢٦٣.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٨ - ٢٩.","vol":"7","page":41},{"text":"رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك.\nوقد أسنده ابن أبي حاتم ﵀ فقال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أبو بكر الأعين ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا: حدثنا حسين بن محمد حدثنا شيبان عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك عن أبي طلحة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين» وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا نوح حدثنا أبو هارون عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد أن يسلم قال: «سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين» ثم يسلم، إسناده ضعيف.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا عمار بن خالد الواسطي حدثنا شبابة عن يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ: «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي ﵁ قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا إبراهيم بن سهلويه حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي ﵁ قال: من أحب ان يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.\nوروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن أنس عن عبد الله بن زيد بن أرقم عن أبيه عن رسول الله ﷺ: أنه قال «من قال دبر كل صلاة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب (^٢) الأوفى من الأجر» (^٣) وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءا على حدة والله ﷾ أعلم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٤٣.\n(^٢) الجريب: مكيال.\n(^٣) الحديث في الدر المنثور ٥/ ٥٥٤. بلفظ: «فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر».","vol":"7","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1675>سورة ص</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1676>[سورة ص (٣٨): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي تذكيركم وكذا قال قتادة واختاره ابن جرير (^١). وقال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف أي ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم هو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] حكاهما ابن جرير (^٢) وهذا الثاني فيه بعد كثير وضعفه ابن جرير، وقال قتادة جوابه ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ واختاره ابن جرير وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها والله أعلم وقال قتادة جوابه ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ واختاره ابن جرير ثم حكى ابن جرير (^٣) عن بعض أهل العربية أنه قال جوابه جعلها ﴿ص﴾ بمعنى صدق حق ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.\nوقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ أي: إن هذا القرآن لذكرا لمن يتذكر. وعبرة لمن يعتبر وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم من عزة أي استكبار عنه وحمية ﴿وَشِقاقٍ﴾ أي ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي من أمة مكذبة ﴿فَنادَوْا﴾ أي حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وليس ذلك بمجد عنهم شيئا كما قال ﷿: ﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ أي يهربون ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢ - ١٣] قال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عباس ﵄\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٤٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٥٤٦.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٥٤٧.","vol":"7","page":43},{"text":"عن قول الله ﵎: ﴿فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قال ليس بحين نداء ولا نزو ولا فرار.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ليس بحين مغاث وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد:\nتذكر ليلى لات حين تذكر وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ يقول نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم (^١)، وقال قتادة لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء.\nوقال مجاهد ﴿فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ ليس بحين فرار ولا إجابة وقد روي نحو هذا عن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة، وعن مالك عن زيد بن أسلم ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ ولا نداء في غير حين النداء، وهذه الكلمة وهي لات هي لا التي للنفي زيدت معها التاء كما تزاد في ثم فيقولون ثمت ورب فيقولون ربت وهي مفصولة والوقف عليها، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين ولا تحين مناص والمشهور الأول ثم قرأ الجمهور بنصب حين تقديره وليس الحين حين مناص ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد: [الوافر] تذكّر حبّ ليلى لات حينا … وأضحى الشيب قد قطع القرينا (^٢)\nومنهم من جوز الجر بها وأنشد: [الخفيف] طلبوا صلحنا ولات أوان … فأجبنا أن ليس حين بقاء (^٣)\nوأنشد بعضهم أيضا: [الطويل] ولات ساعة مندم (^٤)\n_________\n(^١) الدر المنثور ٥/ ٥٥٧، بلفظ: نادوا بالتوحيد والعقاب حين مضت الدنيا عنهم، فاستناصوا التوبة حين زالت الدنيا عنهم.\n(^٢) البيت لعمرو بن شأس في ديوانه ص ٧٣، وتذكرة النحاة ص ٧٣٤، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٤/ ١٦٩، ١٧٨، والدرر ٢/ ١٢١، وهمع الهوامع ١/ ١٢٦، وتفسير الطبري ١٠/ ٥٤٩.\n(^٣) البيت لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص ٣٠، والإنصاف ص ١٠٩، وتخليص الشواهد ص ٢٩٥، وتذكرة النحاة ص ٧٣٤، وخزانة الأدب ٤/ ١٨٣، ١٨٥، ١٩٠، والدرر ٢/ ١١٩، وشرح شواهد المغني ص ٦٤٠، ٩٦٠، والمقاصد النحوية ٢/ ١٥٦، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ٢٤٩، وخزانة الأدب ٤/ ١٦٩، ٦/ ٥٣٩، ٥٤٥، والخصائص ٢/ ٣٧٠، ورصف المباني ص ١٦٩، ٢٦٢، وسر صناعة الإعراب ص ٥٠٩، وشرح الأشموني ١/ ١٢٦، وشرح المفصل ٩/ ٣٢، ولسان العرب (أون)، (لا) (لات)، ومغني اللبيب ص ٢٥٥، وهمع الهوامع ١/ ١٢٦، وتفسير الطبري ١٠/ ٥٤٩.\n(^٤) تمامه: فلمّا علمت أنّني قد قتلته ندمت عليه لات ساعة مندم والبيت بلا نسبة في تذكرة النحاة ص ٧٣٤، ورصف المباني ص ٢٦٣، وخزانة الأدب ٤/ ١٦٨، ١٦٩، ١٧٤، ١٨٧، وتفسير الطبري ١٠/ ٥٤٩.","vol":"7","page":44},{"text":"بخفض الساعة وأهل اللغة يقولون النوص التأخر والبوص التقدم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ أي ليس الحين حين فرار ولا ذهاب والله ﷾ الموفق للصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1677>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤ إلى ١١]</span>\n﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله ﷺ بشيرا ونذيرا كما قال ﷿: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] وقال جل وعلا هاهنا:\n﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي بشر مثلهم وقال الكافرون ﴿هذا ساحِرٌ كَذّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا﴾ أي أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك الشرك بالله فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين ﴿اِمْشُوا﴾ أي استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ قال ابن جرير (^١) إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1678>[ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمة]</span>\nقال السدي إن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٥٢.","vol":"7","page":45},{"text":"انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه فلينصفنا منه فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء فتعيرنا به العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه فبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب فاستأذن لهم علي بن أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه، قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال ﷺ: «يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم» قال وإلام تدعوهم؟ قال ﷺ «أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم» فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشرا أمثالها قال ﷺ: «تقولون لا إله إلا الله» فنفروا وقالوا سلنا غيرها قال ﷺ: «لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها» فقاموا من عنده غضابا وقالوا والله لنشتمك وإلهك الذي أمرك بهذا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد فلما خرجوا دعا رسول الله ﷺ عمه إلى قوله لا إله إلا الله فأبى وقال بل على دين الأشياخ ونزلت ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦].\nقال أبو جعفر بن جرير (^١) حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال فخشي أبو جهل لعنه الله إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله ﷺ فقال: «يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية» ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا فقالوا وما هي؟ وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال ﷺ «لا إله إلا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ قال ونزلت من هذا الموضع إلى قوله ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ لفظ أبي كريب.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٥٠ - ٥٥١.","vol":"7","page":46},{"text":"وهكذا رواه الإمام أحمد (^١) والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد غير منسوب به نحوه، ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضا كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ فذكر نحوه. وقال الترمذي حسن.\nوقولهم ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة.\nقال مجاهد وقتادة وأبو زيد يعنون دين قريش وقال غيرهم يعنون النصرانية قاله محمد بن كعب والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس ﵄ ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ يعني النصرانية قالوا لو كان هذا القرآن حقا لأخبرتنا به النصارى ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ قال مجاهد وقتادة كذب وقال ابن عباس تخرص. وقولهم ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ يعني أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢] ولهذا لما قالوا هذا الذي دلّ على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم.\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أي إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا. ثم قال تعالى مبينا أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده ويختم على قلب من يشاء فلا يهديه أحد من بعد الله، وإن العباد لا يملكون شيئا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير.\nولهذا قال تعالى منكرا عليهم ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ﴾ أي العزيز الذي لا يرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٣ - ٥٥] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشري ﷺ وكما أخبر ﷿ عن قوم\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٦٢.","vol":"7","page":47},{"text":"صالح ﵇ حين قالوا ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا، بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ. سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٥ - ٢٦].\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم يعني طرق السماء، وقال الضحاك رحمه الله تعالى فليصعدوا إلى السماء السابعة.\nثم قال ﷿: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ أي هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين وهذه الآية كقوله جلت عظمته: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ كان ذلك يوم بدر ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٤ - ٤٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1679>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٢ إلى ١٦]</span>\n﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ﴾ أي كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال ﷿: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.\nوقوله تعالى: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ قال مالك عن زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية (^١) أي ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها أي فقد اقتربت ودنت وأزفت وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله ﷿.\nوقوله ﷻ: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب فإن القط هو الكتاب وقيل هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس ﵄ ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد سألوا تعجيل العذاب، زاد قتادة كما قالوا ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾\n_________\n(^١) ليس لها مثنوية: أي ليس لها استثناء ولا رد.","vol":"7","page":48},{"text":"[الأنفال: ٣٢] وقيل سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير (^١) سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا وهذا الذي قاله جيد وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم. ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد. قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرا له بالصبر على أذاهم ومبشرا له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1680>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٧ إلى ٢٠]</span>\n﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧) إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)﴾\nيذكر تعالى عن عبده ورسوله داود ﵊ أنه كان ذا أيد والأيد القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس ﵄ والسدي وابن زيد، الأيد القوة، وقرأ ابن زيد ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال مجاهد الأيد القوة في الطاعة.\nوقال قتادة أعطي داود ﵊ قوة في العبادة وفقها في الإسلام، وقد ذكر لنا أنه ﵊ كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر، وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله ﷿ صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى وأنه كان أوابا» (^٢) وهو الرجاع إلى الله ﷿ في جميع أموره وشؤونه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار كما قال ﷿: ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعا له.\nقال ابن جرير (^٣) حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن بشر عن مسعر عن عبد الكريم عن موسى بن أبي كثير عن ابن عباس ﵄ أنه بلغه أن أم هانئ ﵂ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات فقال ابن عباس ﵄ قد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٣٨، والتهجد باب ٧، ومسلم في الصيام حديث ١٨٨، ١٨٩، ٢٠١، وأبو داود في الصوم باب ٦٦، والنسائي في الصوم باب ٦٩، وابن ماجة في الصيام باب ٣١، والدارمي في الصوم باب ٤٢، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٠، ٢٠٦.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٥٦٢.","vol":"7","page":49},{"text":"ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول ﷿: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس ﵄ كان لا يصلي الضحى فأدخلته على أم هانئ ﵂ فقلت أخبري هذا ما أخبرتني به فقالت: دخل علي رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي ثم أمر بماء صب في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من بعض فخرج ابن عباس ﵄ وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ وكنت أقول أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول صلاة الإشراق ولهذا قال ﷿: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أي محبوسة في الهواء ﴿كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ أي مطيع يسبح تبعا له، وقال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ أي مطيع.\nوقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أي جعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج إليه الملوك، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد كان أشد أهل الدنيا سلطانا، وقال السدي كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف، وقال بعض السلف بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثين ألفا لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل، وقال غيره أربعون ألفا مشتملون بالسلاح.\nوقد ذكر ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود ﵊ أنه اغتصبه بقرا فأنكر الآخر ولم يكن للمدعي بينة فأرجأ أمرهما فلما كان الليل أمر داود ﵊ في المنام بقتل المدعي، فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي فقال يا نبي الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال له إن الله تعالى أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة، فقال والله إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه وإني لصادق فيما ادعيت ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته ولم يشعر بذلك أحد فأمر به داود ﵇ فقتل، قال ابن عباس ﵄: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله ﷿ ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾.\nوقوله عز وعلا: ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال مجاهد يعني الفهم والعقل والفطنة، وقال مرة:\nالحكمة والعدل، وقال مرة: الصواب، وقال قتادة كتاب الله واتباع ما فيه، فقال السدي ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النبوة وقوله ﷻ ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب الشهود والأيمان وقال قتادة شاهدان على المدعي أو يمين المدعي عليه هو فصل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٦٣.","vol":"7","page":50},{"text":"الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل أو قال المؤمنون والصالحون وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي وقال مجاهد والسدي هو إصابة القضاء وفهم ذلك وقال مجاهد أيضا هو الفصل في الكلام وفي الحكم وهذا يشمل هذا كله وهو المراد واختاره ابن جرير (^١) وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمر بن شبّة النميري حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى ﵁ قال: أول من قال: أما بعد داود ﵇ وهو فصل الخطاب، وكذا قال الشعبي فصل الخطاب: أما بعد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1681>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢١ إلى ٢٥]</span>\n﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾\nقد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم حديثا لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله ﷿ فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا.\nوقوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما وقوله ﷿: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ أي غلبني يقال عز يعز إذا قهر وغلب. وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أي اختبرناه (^٢). وقوله تعالى ﴿وَخَرَّ راكِعًا﴾ أي ساجدا ﴿وَأَنابَ﴾ ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك، وقد ذكر أنه استمر ساجدا أربعين صباحا ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ أي ما كان منه مما يقال فيه إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.\nوقد اختلف الأئمة في سجدة ﴿ص﴾ هل هي من عزائم السجود؟ على قولين الجديد من مذهب الشافعي ﵁ أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر، والدليل على\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٦٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٥٧٠.","vol":"7","page":51},{"text":"ذلك ما رواه الإمام أحمد (^١) حيث قال حدثنا إسماعيل وهو ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال السجدة في ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به وقال الترمذي حسن صحيح. وقال النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية أخبرني إبراهيم بن الحسن هو المقسمي حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾ وقال: «سجدها داود ﵊ توبة ونسجدها شكرا» تفرد بروايته النسائي ورجال إسناده كلهم ثقات.\nوقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو إسحاق المدرجي أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي حدثنا زاهر بن أبي طاهر الشحامي أخبرنا أبو سعيد الكنجروذي أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس ﵄ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة بسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي عندك أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وضع بها عني وزرا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود.\nقال ابن عباس ﵄ فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة، رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجة عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه، وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البخاري (^٢) عند تفسيرها أيضا حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال سألت مجاهدا عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابن عباس ﵄ من أين سجدت فقال أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ﵊ ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به فسجدها داود ﵊ فسجدها رسول الله ﷺ.\nوقال الإمام أحمد (^٣) حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر هو ابن عبد الله المزني أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁ رأى رؤيا أنه يكتب ﴿ص﴾ فلما بلغ إلى الآية التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال فقصها\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٦٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة ٣٨.\n(^٣) المسند ٣/ ٧٨، ٨٤.","vol":"7","page":52},{"text":"على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد، تفرد به أحمد، وقال أبو داود (^١) حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزّن (^٢) الناس للسجود فقال ﷺ: «إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزّنتم» فنزل وسجدوا تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيحين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله ﷿ بها وحسن مرجع وهو الدرجات العالية في الجنة لتوبته وعدله التام في ملكه كما جاء في الصحيح «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا» (^٣) وقال الإمام أحمد (^٤) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا فضيل عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر» ورواه الترمذي من حديث فضيل وهو ابن مرزوق الأغر عن عطية به، وقال لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا فيقول وكيف وقد سلبته؟ فيقول الله ﷿ إني أرده عليك اليوم قال فيرفع داود ﵊ بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1682>[سورة ص (٣٨): آية ٢٦]</span>\n﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)﴾\nهذه وصية من الله ﷿ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎ ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد ﵎ من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد حدثنا مروان بن جناح حدثني إبراهيم أبو زرعة وكان قد قرأ الكتاب أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السجود باب ٥.\n(^٢) التشزّن: التأهب والتهيؤ للشيء والاستعداد له.\n(^٣) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٨، والنسائي في آداب القضاة باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٠.\n(^٤) المسند ٣/ ٢٢.","vol":"7","page":53},{"text":"وفقهت فقلت يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود ﵊، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية وقال عكرمة ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، وقال السدي لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب وهذا القول أمشى على ظاهر الآية والله ﷾ الموفق للصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1683>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)﴾\nيخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثا وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال ﵎: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي الذين لا يرون بعثا ولا معادا وإنما يعتقدون هذه الدار فقط ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ أي ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم، ثم بين تعالى أنه ﷿ من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ أي لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر وهذا الإرشاد يدل على العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعين أن هناك دارا أخرى لهذا الجزاء والمواساة.\nولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تعالى:\n﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي ذوو العقول وهي الألباب جمع لب وهو العقل، قال الحسن البصري والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى أن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1684>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]</span>\n﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)﴾","vol":"7","page":54},{"text":"يقول تعالى مخبرا أنه وهب لداود سليمان أي نبيا كما قال ﷿: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أي في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر.\nوقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله ﷿. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن خالد حدثنا الوليد حدثنا ابن جابر حدثنا مكحول قال لما وهب الله تعالى لداود سليمان قال له يا بني ما أحسن؟ قال سكينة الله وإيمان؟ قال فما أقبح؟ قال كفر بعد إيمان قال فما أحلى، قال روح الله بين عباده قال فما أبرد؟ قال عفوالله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض قال داود ﵇ فأنت نبي.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ أي إذ عرض على سليمان ﵊ في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات قال مجاهد وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة والجياد السراع وكذا قال غير واحد من السلف.\nوقال ابن جرير (^١) حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله ﷿: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ قال كانت عشرين فرسا ذات أجنحة كذا رواه ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي قال كانت الخيل التي شغلت سليمان ﵊ عشرين ألف فرس فعقرها وهذا أشبه، والله أعلم، وقال أبو داود (^٢) حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثنا عمارة بن غزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قالت قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها (^٣) ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة ﵂ لعب فقال ﷺ: «ما هذا يا عائشة؟» قالت ﵂ بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع (^٤) فقال ﷺ: «ما هذا الذي أرى وسطهن؟» قالت ﵂ فرس، قال رسول الله ﷺ: «وما هذا الذي عليه؟» قالت ﵂ جناحان قال رسول الله ﷺ «فرس له جناحان؟» قالت ﵂ أما سمعت أن سليمان ﵊ كانت له خيل لها أجنحة قالت ﵂ فضحك ﷺ حتى رأيت نواجذه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٧٨.\n(^٢) كتاب الأدب باب ٥٤.\n(^٣) السهودة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا، شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هو كالصفة تكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء.\n(^٤) جناحان من رقاع: أي جناحان من جلد.","vol":"7","page":55},{"text":"وقوله ﵎: ﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا بل نسيانا كما شغل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه من ذلك عن جابر ﵁ قال جاء عمر ﵁ يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال رسول الله ﷺ: «والله ما صليتها» فقال: فقمنا إلى بطحان (^١) فتوضأ نبي الله ﷺ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب (^٢).\nويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعا فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا يمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل الصحابة ﵃ في فتح تستر وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما والأول أقرب لأنه قال بعده ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ قال الحسن البصري: لا، قال: والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعقرت وكذا قال قتادة، وقال السدي:\nضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبالها.\nوهذا القول اختاره ابن جرير (^٣) قال: لأنه لم يكن ليعذب حيوانا بالعرقبة ويهلك مالا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضبا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله ﷿ ما هو خير منها وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر فهذا أسرع وخير من الخيل.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن\n_________\n(^١) بطحان: واد بالمدينة.\n(^٢) أخرجه البخاري في المواقيت باب ٣٦، ٣٩، والخوف باب ٤، والمغازي باب ٢٩، ومسلم في المساجد حديث ٢٠٩، والترمذي في الصلاة باب ١٨، والنسائي في السهو باب ١٠٥.\n(^٣) تفسير الطبري ١٠/ ٥٧٩.\n(^٤) المسند ٥/ ٧٨، ٧٩.","vol":"7","page":56},{"text":"أبي قتادة وأبي الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله ﷿ وقال: «إنك لا تدع شيئا اتقاء الله تعالى إلا أعطاك الله ﷿ خيرا منه».\n\n<span data-type='title' id=toc-1685>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٤ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ أي اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم يعني شيطانا ﴿ثُمَّ أَنابَ﴾ أي رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته. قال ابن جرير (^١)، وكان اسم ذلك الشيطان صخرا قاله ابن عباس ﵄ وقتادة وقيل آصف قاله مجاهد وقيل أصروا قاله مجاهد أيضا وقيل حبقيق قاله السدي وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة.\nوقد قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال أمر سليمان ﵊ ببناء بيت المقدس فقيل له ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، قال فطلب ذلك فلم يقدر عليه فقيل إن شيطانا في البحر يقال له صخر شبه المارد قال فطلبه وكانت في البحر عين يردها في كل سبعة أيام مرة فنزح ماءها وجعل فيها خمرا فجاء يوم ورده فإذا هو بالخمر فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم (^٢) وتزيدين الجاهل جهلا، قال ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلا، قال ثم شربها حتى غلب على عقله قال فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فذل، قال وكان ملكه في خاتمه فأتى به سليمان ﵊ فقال إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت وقيل لنا لا يسمعن فيه صوت حديد قال فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بألماس فوضعه عليه فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة وكان سليمان ﵊ إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بخاتمه فانطلق يوما إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه وذلك عند مقارفة قارف فيها بعض نسائه قال فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة ونزع ملك سليمان منه وألقي على الشيطان شبه سليمان قال فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه فجعل يقضي بينهم وجعلوا ينكرون منه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٥٨٠.\n(^٢) تصبين الحليم: أي تجعلينه يفعل فعل أهل اللهو والجهل.","vol":"7","page":57},{"text":"أشياء حتى قالوا لقد فتن نبي الله وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب ﵁ في القوة فقال والله لأجربنه قال: فقال يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس أترى عليه بأسا قال: لا فبينما هو كذلك أربعين ليلة إذ وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال هو الشيطان صخر (^١).\nوقال السدي ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ أي ابتلينا سليمان ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال شيطانا جلس على كرسيه أربعين يوما قال كان لسليمان ﵊ مائة امرأة وكانت امرأة منهم يقال لها جرادة وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمة ولم يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فأعطاها يوما خاتمه ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته فقال هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان ﵊ وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا وخرج وكأنه تائه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما قال فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا لهن إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه قال فبكى النساء عند ذلك قال فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا يقرءون التوراة قال فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال وأقبل سليمان ﵊ في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فاستطعمهم من صيدهم وقال إني أنا سليمان فقام إليه بعضهم فضربه بعصى فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه فقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته قال إنه زعم أنه سليمان، قال فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم ولم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما فجعل يغسل فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فردّ الله عليه بهاءه وملكه فجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان ﵊ فقام القوم يعتذرون مما صنعوا فقال ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الأمر لا بد منه قال فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة وكان اسمه حبقيق (^٢) قال وسخر الله له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٥٨٠ - ٥٨١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٥٨٠ - ٥٨١.","vol":"7","page":58},{"text":"وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﵎: ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال شيطانا يقال له آصف فقال له سليمان ﵊ كيف تفتنون الناس؟ قال أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان ﵊ وذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله ﵎ من نساء سليمان فلم يقربهنّ ولم يقربنه وأنكرنه. قال: فكان سليمان ﵊ يستطعم فيقول أتعرفوني؟ أطعموني أنا سليمان فيكذبونه حتى أعطته امرأة يوما حوتا ففتح بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر آصف فدخل البحر فارا (^١). وهذه كلها من الإسرائيليات، ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم:\nحدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا:\nحدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ﴾ قال أراد سليمان ﵊ أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها هاتي خاتمي فأعطته إياه فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان ﵇ من الخلاء قال لها هاتي خاتمي قالت أعطيته سليمان قال أنا سليمان قال كذبت ما أنت بسليمان فجعل لا يأتي أحدا يقول له أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة.\nفلما رأى ذلك سليمان عرف أنه من أمر الله ﷿ قال وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله ﵎ أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان قال فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن: أتنكرن من سليمان شيئا، قلن نعم إنه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبا فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس وقالوا بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفر الناس سليمان ﵊ فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان ﵇ يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان ﵊ فقال: تحمل لي هذا السمك؟ فقال نعم قال بكم؟ قال بسمكة من هذا السمك قال فحمل سليمان ﵊ السمك ثم انطلق به إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان ﵊ فشق بطنها فإذا بالخاتم في جوفها فأخذه فلبسه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٨٠.","vol":"7","page":59},{"text":"قال فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان ﵊ في طلبه وكان شيطانا مريدا فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما فجاؤوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثيب في مكان من البيت إلا انماط معه الرصاص، قال فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان ﵊ فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سدّ بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ﴾ قال: يعني الشيطان الذي كان سلط عليه، إسناده إلى ابن عباس ﵄ قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس ﵄ إن صح عنه من أهل الكتاب وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵊ فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله ﷿ منه تشريفا وتكريما لنبيه ﵇. وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف ﵃ كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله ﷾ أعلم بالصواب.\nقال يحيى بن أبي عمرو الشيباني: وجد سليمان خاتمه بعسقلان فمشى في خرقة إلى بيت المقدس تواضعا لله ﷿، رواه ابن أبي حاتم. وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان ﵊ خبرا عجيبا فقال حدثنا أبي ﵀ حدثنا أبو صالح كاتب الليث أخبرني أبو إسحاق المصري عن كعب الأحبار أنه لما فرغ من حديث إرم ذات العماد قال له معاوية: يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان ﵊ وما كان عليه ومن أي شيء هو، فقال كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مرصعا بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وقد جعل له درجة منها مفصّصة بالدر والياقوت والزبرجد عن ثم أمر بالكرسي فحف من جانبيه بالنخل نخل من ذهب شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ، وجعل على رؤوس النخل التي عن يمين الكرسي طواويس من ذهب ثم جعل على رؤوس النخل التي على يسار الكرسي نسورا من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتا صنوبر من ذهب وعلى يسارها أسدان من ذهب وعلى رؤوس الأسدين عمودان من زبرجد، وجعل من جانبي الكرسي شجرتا كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل عناقيدهما درا وياقوتا أحمر.\nثم جعل فوق درج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكا وعنبرا، فإذا أراد سليمان ﵇ أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان ﵊ ثم يوضع منبران من","vol":"7","page":60},{"text":"ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان، ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرا من ذهب يقعد عليها سبعون قاضيا من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرا من ذهب ليس عليها أحد فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد سليمان ﵊ على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وينشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى سليمان ﵊ على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان ﵊ فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة، فقال معاوية ﵁: وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال:\nتنين من ذهب ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني فإذا أحست بدورانه دارت تلك الأسود والنسور والطواويس التي في أسفل الكرسي درن إلى أعلاه فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رؤوسهن على رأس سليمان ﵊ وهو جالس ثم ينضحن جميعا ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام. ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراة فتجعلها في يده فيقرؤها سليمان ﵊ على الناس. وذكر تمام الخبر وهو غريب جدا.\n﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ قال بعضهم لا ينبغي لأحد من بعدي أي لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله وهذا هو ظاهر السياق من الآية وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة-أو كلمة نحوها-ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله ﵎ منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان ﵊ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (^١) قال روح فرده خاسئا وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به.\nوقال مسلم في صحيحه حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٧٥، والأنبياء باب ٤٠، وتفسير سورة ٣٨ باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٩٨.","vol":"7","page":61},{"text":"معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعناه يقول: «أعوذ بالله منك-ثم قال-ألعنك بلعنة الله» ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال ﷺ: «إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا أبو أحمد حدثنا ميسرة بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال حدثني أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال: «لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين-الإبهام والتي تليها-ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل».\nوقد روى أبو داود (^٣) منه «من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل» عن أحمد بن أبي سريج عن أبي أحمد الزبيري به.\nوقال الإمام أحمد (^٤) حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري حدثنا الأوزاعي حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد الله الديلمي قال دخلت على عبد الله بن عمرو ﵄ وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط وهو مخاصر فتى من قريش يزنّ بشرب الخمر فقلت بلغني عنك حديث أنه «من شرب شربة من الخمر لم يقبل الله ﷿ له توبة أربعين صباحا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وإنه من أتى البيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه» فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق فقال عبد الله بن عمرو ﵄ إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل سمعت رسول الله يقول: «من شرب من الخمر شربة لا تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد كان حقا على الله تعالى أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة» قال وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٤٠، والنسائي في السهو باب ١٩.\n(^٢) المسند ٣/ ٨٣.\n(^٣) كتاب الصلاة، باب ما يؤمر المصلي أن يورأ عن الممر بين يديه.\n(^٤) المسند ٢/ ١٧٦.","vol":"7","page":62},{"text":"من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله ﷿» وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن سليمان ﵇ سأل الله تعالى ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون الله ﷿ قد أعطانا إياها».\nوقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجة من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله: «إن سليمان ﵊ لما بنى بيت المقدس سأل ربه ﷿ خلالا ثلاثا» (^١) وذكره وقد روي من حديث رافع بن عمير ﵁ بإسناد وسياق غريبين.\nفقال الطبراني حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني حدثنا محمد بن أيوب بن سويد حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي الزاهرية عن رافع بن عمير قال سمعت رسول الله يقول: «قال الله ﷿ لداود ﵊ ابن لي بيتا في الأرض فبنى داود بيتا لنفسه قبل البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه يا داود نصبت بيتك قبل بيتي قال يا رب هكذا قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد فلما تم السور سقط ثلاثا فشكا ذلك إلى الله ﷿ فقال يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتا قال ولم يا رب؟ قال لما جرى على يديك من الدماء، قال يا رب أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم فشق ذلك عليه فأوحى الله إليه لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه ولما تمّ قرّب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل فأوحى الله إليه قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك قال أسألك ثلاث خصال حكما يصادف حكمك وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه-قال رسول الله ﷺ-أما الثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن راشد اليمامي حدثنا إياس بن سلمة الأكوع عن أبيه ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ دعا إلا استفتحه ب «سبحان الله ربي العلي الأعلى الوهاب» وقد قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن برقان عن صالح بن مسمار قال لما مات نبي الله داود ﵇ أوحى الله ﵎ إلى ابنه سليمان ﵊ أن سلني حاجتك قال أسألك أن تجعل لي قلبا يخشاك كما كان قلب أبي وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي فقال الله ﷿: أرسلت إلى عبدي\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في المساجد باب ٦.\n(^٢) المسند ٤/ ٥٤.","vol":"7","page":63},{"text":"وسألته حاجته فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبن له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.\nقال الله جلت عظمته: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ والتي بعدها قال فأعطاه ما أعطاه وفي الآخرة لا حساب عليه هكذا أورده أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة سليمان ﵊ في تاريخه، وروي عن بعض السلف أنه قال بلغني عن داود ﵊ أنه قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فأوحى الله ﷿ إليه: أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنت لي أكون له كما كنت لك. وقوله ﵎: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ قال الحسن البصري ﵀ لما عقر سليمان ﵊ الخيل غضبا لله ﷿ عوضه الله تعالى ما هو خير منها وأسرع، الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر.\nوقوله جل وعلا: ﴿حَيْثُ أَصابَ﴾ أي حيث أراد من البلاد. وقوله ﷻ:\n﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ أي منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون مما فيها من اللئالئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ أي موثقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى.\nوقوله ﷿: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك أي مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب.\nوقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما خير بين أن يكون عبدا رسولا-وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس كما أمره الله تعالى به-وبين أن يكون نبيا ملكا يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعد ما استشار جبريل ﵊ فقال له تواضع فاختار المنزلة الأولى لأنها أرفع قدرا عند الله ﷿ وأعلى منزلة في المعاد وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضا في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر ﵎ ما أعطى سليمان ﵊ في الدنيا نبه تعالى على أنه ذو حظ عند الله يوم القيامة أيضا فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1686>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤١ إلى ٤٤]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٤٤)﴾","vol":"7","page":64},{"text":"يذكر ﵎ عبده ورسوله أيوب ﵊ وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق في جسده مغرز إبرة سليمان سوى قلبه، ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة، وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة في الدنيا، فسلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحا ومساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبا، فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر المقدور، وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وفي هذه الآية الكريمة قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ قيل بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله ففعل فأنبع الله تعالى عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا، ولهذا قال ﵎: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾.\nقال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن نبي الله أيوب ﵊ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين قال له صاحبه وما ذاك؟ قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵊ لا أدري ما تقول غير أن الله ﷿ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق، قال وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله ﵎ إلى أيوب ﵊ أن ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ فاستبطأته فالتفتت تنظر فأقبل عليها وقد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو، قال وكان له","vol":"7","page":65},{"text":"أندران (^١) أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض، هذا لفظ ابن جرير (^٢) ﵀.\nوقال الإمام أحمد (^٣) حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب ﵊ يحثو في ثوبه فناداه ربه ﷿ يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال ﵊ بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك» انفرد بإخراجه البخاري (^٤) من حديث عبد الرزاق به، ولهذا قال ﵎: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ قال الحسن وقتادة أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم (^٥).\nوقوله ﷿: ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته ﴿وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة. وقوله جلت عظمته: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وذلك أن أيوب ﵊ كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته قيل باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، وقيل لغير ذلك من الأسباب فلما شفاه الله ﷿ وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله ﷿ أن يأخذ ضغثا وهو الشمراخ فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد برت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه، ولهذا قال جل وعلا: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أي رجاع منيب، ولهذا قال ﷻ:\n﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] واستدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الإيمان وغيرها. وقد أخذوها بمقتضاها والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1687>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨)﴾\n_________\n(^١) الأندر: بيت يجمع فيه الطعام.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٥٨٩ - ٥٩٠.\n(^٣) المسند ٢/ ٣١٤.\n(^٤) كتاب الغسل باب ٢٠، والتوحيد باب ٧، ٣٥.\n(^٥) تفسير الطبري ١٠/ ٥٩٠، بلفظ: فأحياهم الله بأعيانهم، وزادهم مثلهم.","vol":"7","page":66},{"text":"يقول ﵎ مخبرا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين ﴿وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ يعني بذلك العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ يقول أولي القوة والعبادة. ﴿وَالْأَبْصارِ﴾ يقول الفقه في الدين (^١).\nوقال مجاهد ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ يعني القوة في طاعة الله تعالى والأبصار يعني البصر في الحق وقال قتادة والسدي: أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين.\nوقوله ﵎: ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ قال مجاهد أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم همّ غيرها وكذا قال السدي ذكرهم للآخرة وعملهم لها. وقال مالك بن دينار نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها، وكذا قال عطاء الخراساني. وقال سعيد بن جبير يعني بالدار الجنة يقول أخلصناها لهم بذكرهم لها، وقال في رواية أخرى ذكرى الدار عقبى الدار، وقال قتادة كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها، وقال ابن زيد جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ أي لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون.\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله ﷿: ﴿هذا ذِكْرٌ﴾ أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، وقال السدي يعني القرآن العظيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1688>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ إلى ٥٤]</span>\n﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)﴾\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة لحسن مآب وهو المرجع والمنقلب ثم فسره بقوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أي جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب والألف واللام هاهنا بمعنى الإضافة كأنه يقول مفتحة لهم أبوابها أي إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها، قال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٩٢.","vol":"7","page":67},{"text":"ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن ثواب الهباري حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبد الله بن مسلم يعني ابن هرمز عن ابن سابط عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب عند كل باب خمسة آلاف حبرة (^١) لا يدخله-أو لا يسكنه-إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل» وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة.\nوقوله ﷿: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ قيل متربعين فيها على سرر تحت الحجال (^٢) ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أي مهما طلبوا وجدوا وأحضر كما أرادوا ﴿وَشَرابٍ﴾ أي من أي أنواعه شاؤوا أتتهم به الخدام ﴿بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أي عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن ﴿أَتْرابٌ﴾ أي متساويات في السن والعمر هذا معنى قول ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسدي ﴿هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ أي هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار. ثم أخبر ﵎ عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء فقال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾ كقوله ﷿ ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وكقوله جل وعلا ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وكقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي غير مقطوع وكقوله ﷿: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ [الرعد: ٣٥] والآيات في هذا كثيرة جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1689>[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٥ إلى ٦٤]</span>\n﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ (٦٤)﴾\nلما ذكر ﵎ مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال ﷿: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ﴾ وهم الخارجون عن طاعة الله ﷿ المخالفون لرسل الله ﷺ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله جل وعلا:\n﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ أي يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾\n_________\n(^١) الحبرة: حلة يمنية.\n(^٢) الحجلة، بفتح الحاء والجيم: بيت كالقبة يستر بالثياب، وتكون له أزرار كبيرة.","vol":"7","page":68},{"text":"أما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم.\nولهذا قال ﷿: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ أي وأشياء من هذا القبيل: الشيء وضده يعاقبون بها. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال لا نعرفه إلا من حديث رشدين كذا قال وقد تقدم في غير حديثه، ورواه ابن جرير (^٢) عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث به.\nوقال كعب الأحبار: غساق عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة (^٣) من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه، رواه ابن أبي حاتم. وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ ألوان من العذاب (^٤)، وقال غيره كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوي إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة والمتضادة والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه.\nوقوله ﷿: ﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية ﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أي داخل ﴿مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ أي لأنهم من أهل جهنم ﴿قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أي فيقول لهم الداخلون ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي فبئس المنزل والمستقر والمصير ﴿قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النّارِ﴾ كما قال ﷿: ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨] أي لكل منكم عذاب بحسبه ﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالا\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٨، ٨٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٦٠٠.\n(^٣) الحمة: سم العقرب.\n(^٤) تفسير الطبري ١٠/ ٦٠٠.","vol":"7","page":69},{"text":"كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا ما لنا لا نراهم معنا في النار.\nقال مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي في الدار الدنيا ﴿أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ يسألون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم، فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله ﷿: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ أي إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض ولعن بعضهم لبعض لحق لا مرية فيه ولا شك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1690>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٥ إلى ٧٠]</span>\n﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله إنما أنا منذر لست كما تزعمون ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ أي هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه ﴿الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ أي غفار مع عظمته وعزته ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي غافلون، قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يعني القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني في شأن آدم ﵊ وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١) حيث قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا جهضم اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أبي سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ ﵁ قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس فخرج ﷺ سريعا فثوب (^٢) بالصلاة فصلى\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٤٣.\n(^٢) التثويب: إقامة الصلاة.","vol":"7","page":70},{"text":"وتجوز (^١) في صلاته فلما سلم قال ﷺ: «كما أنتم على مصافكم» ثم أقبل إلينا فقال: «إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت لا أدري يا رب-أعادها ثلاثا-فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنا مله بين صدري فتجلى لي كل شيء وعرفت فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك-وقال رسول الله ﷺ-إنها حق فادرسوها وتعلموها» فهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط وهو في السنن من طرق، وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به، وقال:\nحسن صحيح وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر، وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو في قوله تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-1691>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧١ إلى ٨٥]</span>\n﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾\nهذه القصة ذكرها الله ﵎ في سورة البقرة وفي أول سورة الأعراف وفي سورة الحجر وسبحان والكهف وهاهنا وهي أن الله ﷾ أعلم الملائكة قبل خلق آدم ﵊ بأنه سيخلق بشرا من صلصال من حمأ مسنون وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكراما وإعظاما واحتراما وامتثالا لأمر الله ﷿ فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس ولم يكن منهم جنسا. كان من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه ﷿ فيه وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله\n_________\n(^١) تجوز في صلاة: خففها وأسرع بها.","vol":"7","page":71},{"text":"تعالى وكفر بذلك فأبعده الله ﷿ وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاما له بأنه قد أبلس (^١) من الرحمة وأنزله من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كما قال ﷿:\n﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢] وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥].\nوقوله ﵎: ﴿قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع الحق الأول وفسره مجاهد بأن معناه أنا الحق والحق أقول، وفي رواية عنه: الحق مني وأقول الحق، وقرأ آخرون بنصبهما قال السدي هو قسم أقسم الله به (^٢).\n(قلت) وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وكقوله ﷿: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1692>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٦ إلى ٨٨]</span>\n﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾\nيقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي وما أريد على ما أرسلني الله تعالى به ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله ﷿ والدار الآخرة، قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن مسعود ﵁ فقال يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم، الله أعلم، فإن الله ﷿ قال لنبيكم ﷺ: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أخرجاه من حديث الأعمش، به وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ يعني القرآن ذكر لجميع المكلفين به من الإنس والجن، قاله ابن عباس ﵄، وروى ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي غسان مالك بن إسماعيل: حدثنا قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ قال: الجن والإنس، وهذه الآية الكريمة كقوله\n_________\n(^١) أبلس: أي يئس.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٦٠٨.","vol":"7","page":72},{"text":"تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وكقوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي خبره وصدقه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي عن قريب قال قتادة بعد الموت وقال عكرمة يعني يوم القيامة، ولا منافاة بين القولين فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قال الحسن يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين (^١).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٦٠٩.","vol":"7","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1693>تفسير سورة الزمر</span>\nوهي مكية\nقال النسائي (^١) حدثنا محمد بن النضر بن مساور حدثنا حماد عن مروان أبي لبابة عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان ﷺ يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1694>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٤)﴾\nيخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده ﵎ فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] وقال ﵎:\n﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] وقال جل وعلا هاهنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ﴾ أي المنيع الجناب ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد ولهذا قال تعالى: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له.\nوقال قتادة في قوله ﵎: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ شهادة أن لا إله إلا الله (^٢) ثم أخبر ﷿ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾\n_________\n(^١) كتاب الصيام باب ٣٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٦١١.","vol":"7","page":74},{"text":"أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nوقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم ويجزي كل عامل بعمله «ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون» ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] وقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أي لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه، ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى فقال ﵎: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال ﷿: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] كل هذا من باب الشرط ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم.\nوقوله تعالى: ﴿سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت وذلت وخضعت ﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1695>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥ إلى ٦]</span>\n﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾","vol":"7","page":75},{"text":"يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران كل منها يطلب الآخر طلبا حثيثا كقوله ﵎:\n﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] هذا معنى ما روي عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم (^١).\nوقوله ﷿: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم ينقضي يوم القيامة ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ أي مع عزته وعظمته وكبريائه وهو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.\nوقوله جلت عظمته: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة وهو آدم ﵊ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ وهي حواء ﵍ كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ [النساء: ١] وقوله تعالى:\n﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أي خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام، ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ … ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وقوله ﷿: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أي قدركم في بطون أمهاتكم ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي يكون أحدكم أولا نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحما وعظما وعصبا وعروقا وينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\nوقوله جل وعلا: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ يعني في ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد. وقوله ﷻ: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أي هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق آباءكم هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ أي فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟\n\n<span data-type='title' id=toc-1696>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧ إلى ٨]</span>\n﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ (٨)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٦١٢ - ٦١٣.","vol":"7","page":76},{"text":"يقول ﵎ مخبرا عن نفسه أنه الغني عما سواه من المخلوقات كما قال موسى ﵊ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وفي صحيح مسلم «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي لا يحبه ولا يأمر به ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي يحبه منكم ويزدكم من فضله ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي لا تحمل نفس عن نفس شيئا بل كل مطالب بأمر نفسه ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي فلا تخفى عليه خافية.\nوقوله ﷿: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ أي عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] ولهذا قال ﵎: ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع كما قال ﷻ: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي في حال العافية يشرك بالله ويجعل له أندادا ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ أي قل لمن هذه حاله وطريقته ومسلكه تمتع بكفرك قليلا وهو تهديد شديد ووعيد أكيد كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-1697>[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]</span>\n﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)﴾\nيقول ﷿ أمّن هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أندادا، لا يستوون عند الله كما قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال ﵎ هاهنا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا﴾ أي في حال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في البر حديث ٥٥، والترمذي في القيامة باب ٤٨، وابن ماجة في الزهد باب ٣٠، وأحمد في المسند ٥/ ١٥٤.","vol":"7","page":77},{"text":"سجوده وفي حال قيامه ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة وليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون. وقال الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: القانت المطيع لله ﷿ ولرسوله ﷺ وقال ابن عباس ﵄ والحسن والسدي وابن زيد: آناء الليل جوف الليل. وقال الثوري عن منصور بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء، وقال الحسن وقتادة آناء الليل أوله وأوسطه وآخره.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي في حال عبادته خائف راج ولا بد في العبادة من هذا وهذا وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ولهذا قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت فقال له: «كيف تجدك؟» فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله ﷺ: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ﷿ الذي يرجو وأمنه الذي يخافه» (^١). ورواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة من حديث سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان به وقال الترمذي غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن أنس عن النبي مرسلا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبّة عن عبيدة النميري حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخزاز حدثنا يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر ﵄ يقرأ ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال ابن عمر ذاك عثمان بن عفان ﵁ وإنما قال ابن عمر ﵄ ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان ﵁ بالليل وقراءته حتى أنه ربما قرأ القرآن في ركعة كما روى ذلك أبو عبيدة عنه رضي الله تعالى عنه، وقال الشاعر: [البسيط] ضحّوا بأشمط عنوان السجود به … يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا (^٢)\nوقال الإمام أحمد (^٣): كتب إليّ الربيع بن نافع حدثنا الهيثم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع كلاهما عن الهيثم بن حميد به. وقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجنائز باب ١١، وابن ماجة في الزهد باب ٣١.\n(^٢) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص ٢١٦، ولسان العرب (عنن)، (ضحا)، وتاج العروس (عنن)، وتهذيب اللغة ١/ ١١١.\n(^٣) المسند ٤/ ١٠٣.","vol":"7","page":78},{"text":"﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب وهو العقل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1698>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٠ إلى ١٢]</span>\n﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم، وقوله: ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان (^١).\nوقال شريك عن منصور عن عطاء في قوله ﵎: ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ قال: إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ وقوله تعالى:\n﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قال الأوزاعي ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفا، وقال ابن جريح بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يعني في الجنة (^٢).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال السدي يعني من أمته ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1699>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٣ إلى ١٦]</span>\n﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾\nيقول تعالى قل يا محمد وأنت رسول الله ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة وهذا شرط معناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وهذا أيضا تهديد وتبرّ منهم ﴿قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ﴾ أي إنما الخاسرون كل الخسران ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور ﴿أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أي هذا هو الخسران البيّن الظاهر\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٦٢٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١٠/ ٦٢٢.","vol":"7","page":79},{"text":"الواضح ثم وصف حالهم في النار فقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ كما قال ﷿: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١].\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقوله ﷻ: ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أي إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله تعالى: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1700>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]</span>\n﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)﴾\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم (^١) والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ثم قال ﷿: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله ﵎ لموسى ﵊ حين آتاه التوراة ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ [الأعراف: ١٤٥]. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ﴾ أي المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة ﴿وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي ذو والعقول الصحيحة والفطر المستقيمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1701>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٩ إلى ٢٠]</span>\n﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠)﴾\nيقول تعالى أفمن كتب الله أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي لا يهديه أحد من بعد الله لأنه من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده فلا مضل له. ثم أخبر ﷿ عن عباده السعداء أن لهم غرفا في الجنة وهي القصور الشاهقة ﴿مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ أي طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات.\nقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لغرفا يرى بطونها من ظهورها وظهورها من بطونها» فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ: «لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٦٢٤.","vol":"7","page":80},{"text":"نيام» (^١) ورواه الترمذي (^٢) من حديث عبد الرحمن بن إسحاق وقال حسن غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه وقال الإمام أحمد (^٣) حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ابن معانق أو أبي معانق عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها لله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى والناس نيام» تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري ﵁ به.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماء» قال فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: «كما تراءون الكوكب الدّرّي في الأفق الشرقي أو الغربي» (^٥) أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي حازم وأخرجاه أيضا في الصحيحين من حديث مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا فزارة أخبرني فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل أهل الدرجات-فقالوا يا رسول الله أولئك النبيون؟ فقال ﷺ: «بلى والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل» ورواه الترمذي عن سويد عن ابن المبارك عن فليح به وقال حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا أبو النضر وأبو كامل قالا حدثنا زهير حدثنا سعد الطائي حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين ﵄ أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قلنا يا رسول الله إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا من أهل الآخرة فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشممنا النساء والأولاد قال ﷺ: «لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله ﷿ بقوم يذنبون\n_________\n(^١) مسند أحمد ١/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٨، باب ٢، ٤.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٤٣.\n(^٤) المسند ٥/ ٣٤٠.\n(^٥) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، ومسلم في الجنة حديث ١٠، ١١.\n(^٦) المسند ٢/ ٣٣٩.\n(^٧) المسند ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.","vol":"7","page":81},{"text":"كي يغفر لهم» قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال ﷺ: «لبنة ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثلاث لا ترد دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السموات ويقول الرب ﵎ وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» (^١) وروى الترمذي وابن ماجة بعضه من حديث سعد بن أبي مجاهد الطائي وكان ثقة عن أبي المدله وكان ثقة به.\nوقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي تسلك الأنهار من خلال ذلك كما يشاءون وأين أرادوا ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ أي هذا الذي ذكرناه وعده الله عباده المؤمنين ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1702>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢١ إلى ٢٢]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾\nيخبر تعالى أن أصل الماء من السماء كما قال ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها ولهذا قال ﵎: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو قتيبة عتبة بن يقظان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ فمن سره أن يعود الملح عذبا فليصعده، وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء، وقال سعيد بن جبير أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قرارها فتنبع العيون من أسافلها.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ﴾ أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعا مختلفا ألوانه أي أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفرا قد خالطه اليبس ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ أي ثم يعود يابسا يتحطم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء ثم تعود عجوزا شوهاء والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٢، والدارمي في الرقاق باب ١٠٠.","vol":"7","page":82},{"text":"وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيرا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء وينبت به زروعا وثمارا ثم يكون بعد ذلك حطاما كما قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].\nوقوله ﵎: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق كقوله ﷿: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ [الأنعام: ١٢٢] ولهذا قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أي فلا تلين عند ذكره ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1703>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]</span>\n﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)﴾\nهذا مدح من الله ﷿ لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم. قال الله تعالى:\n﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ قال مجاهد يعني القرآن كله متشابه مثاني، وقال قتادة: الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف وقال الضحاك: ﴿مَثانِيَ﴾ ترديد القول ليفهموا عن ربهم ﵎ وقال عكرمة والحسن: ثنى الله فيه القضاء زاد الحسن تكون السورة فيها آية وفي السورة الأخرى آية تشبهها (^١)، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿مَثانِيَ﴾ مردد ردد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة.\nوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ﴿مَثانِيَ﴾ قال القرآن يشبه بعضه بعضا ويرد بعضه على بعض، وقال بعض العلماء ويروى عن سفيان بن عيينة معنى قوله تعالى:\n﴿مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ أنّ سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد فهذان من المتشابه وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا فهذا من المثاني كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] وكقوله ﷿: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ -إلى أن قال- ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ٧ - ١٨] ﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ -إلى أن قال- ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩ - ٥٥] ونحو هذا من السياقات فهذا كله من المثاني أي في معنيين اثنين وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضا فهو المتشابه وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ذاك معنى آخر. وقوله تعالى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٠/ ٦٢٨.","vol":"7","page":83},{"text":"﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه.\n[أحدها] أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات (^١) [الثاني] أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم كما قال ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.\n[الثالث] أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون بما ليس فيهم بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة. قال عبد الرزاق حدثنا معمر قال تلا قتادة ﵀ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ قال هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله ﷿ بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.\nوقال السدي ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي إلى وعد الله، وقوله: ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي هذه صفة من هداه الله ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1704>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]</span>\n﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ويقرع فيقال له ولأمثاله من\n_________\n(^١) القينات: المغنيات.","vol":"7","page":84},{"text":"الظالمين ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ كمن يأتي آمنا يوم القيامة كما قال ﷿: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] وقال جل وعلا:\n﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] وقال ﵎:\n﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر. كقول الشاعر: [الوافر] فما أدري إذا يمّمت أرضا … أريد الخير أيهما يليني (^١)\nيعني الخير أو الشر. وقوله جلت عظمته: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ يعني القرون الماضية المكذبة للرسل أهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق، وقوله جل وعلا: ﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي بما أنزل بهم من العذاب والنكال وتشفي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء ﷺ والذي أعده الله ﷻ لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظم مما أصابهم في الدنيا ولهذا قال ﷿: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1705>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٧ إلى ٣١]</span>\n﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي بينا للناس فيه بضرب الأمثال ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان كما قال ﵎:\n﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] أي تعلمونه من أنفسكم، وقال ﷿: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].\nوقوله جل وعلا: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي يحذرون ما فيه من الوعيد ويعملون بما فيه من الوعد. ثم قال:\n﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ أي يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ أي سالما ﴿لِرَجُلٍ﴾ أي خالصا لرجل لا يملكه أحد غيره ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾\n_________\n(^١) البيت للمثقب العبدي في ديوانه ص ٢١٢، وخزانة الأدب ١١/ ٨٠، وشرح اختيارات المفضل ص ١٢٦٧، وشرح شواهد المغني ١/ ١٩١، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ١٤٥، وخزانة الأدب ٦/ ٣٧.","vol":"7","page":85},{"text":"أي لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له؟ فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أي على إقامة الحجة عليهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فلهذا يشركون بالله.\nوقوله ﵎: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق ﵁ عند موت الرسول ﷺ حتى تحقق الناس موته مع قوله ﷿:\n﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ومعنى هذه الآية أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله ﷿ فيفصل بينكم ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين. ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين. ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة فإنها شاملة لكل المتنازعين في الدنيا فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة.\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو عن أبي حاطب-يعني يحيى بن عبد الرحمن-عن ابن الزبير ﵄ قال لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير ﵁:\nيا رسول الله أتكرر علينا الخصومة؟ قال ﷺ: «نعم» قال ﵁: إن الأمر إذا لشديد (^١):\nوكذا رواه الإمام أحمد (^٢) عن سفيان وعنده زيادة، ولما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قال الزبير ﵁: أي رسول الله أي نعيم نسأل عنه وإنما يعني هما الأسودان: التمر والماء، قال ﷺ: «أما إن ذلك سيكون» وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان به وقال الترمذي: حسن وقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا ابن نمير حدثنا محمد-يعني ابن عمرو-عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير ﵁: أي رسول الله أيكرر\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٩، باب ١.\n(^٢) المسند ١/ ١٦٤.\n(^٣) المسند ١/ ١٦٧.","vol":"7","page":86},{"text":"علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال ﷺ: «نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه» قال الزبير ﵁: والله إن الأمر لشديد، ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به وقال حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن أبي عشّانة عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول الخصمين يوم القيامة جاران» تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا» تفرد به أحمد ﵀.\nوفي المسند (^٣) عن أبي ذر ﵁ أنه قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان فقال:\n«أتدري فيم تنتطحان يا أبا ذر؟» قلت: لا قال ﷺ: «ولكن الله يدري وسيحكم بينهما» وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا سهل بن بحر حدثنا حيان بن أغلب حدثنا أبي حدثنا ثابت عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلجون عليه فيقال له سد ركنا من أركان جهنم» ثم قال الأغلب بن تميم ليس بالحافظ.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر (^٤)، وقد روى ابن مندة في كتاب «الروح» عن ابن عباس ﵄ أنه قال:\nيختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد فتقول الروح للجسد أنت فعلت ويقول الجسد للروح أنت أمرت وأنت سولت فيبعث الله ملكا يفصل بينهما فيقول لهما إنّ مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والآخر ضرير دخلا بستانا فقال المقعد للضرير إني أرى هاهنا ثمارا ولكن لا أصل إليها فقال له الضرير اركبني فتناولها فركبه فتناولها فأيهما المعتدي؟ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك فإنكما قد حكمتما على أنفسكما، يعني أن الجسد للروح كالمطية وهي راكبه.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة حدثنا ضرار حدثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة حدثنا القمي-يعني يعقوب بن عبد الله عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٥١.\n(^٢) المسند ٣/ ٢٩.\n(^٣). ٥/ ١٦٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣.","vol":"7","page":87},{"text":"جبير عن ابن عمر ﵄ قال: نزلت هذه الآية وما نعلم في أي شيء نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قلنا من نخاصم؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر ﵄: هذا الذي وعدنا ربنا ﷿ نختصم فيه. ورواه النسائي عن محمد بن عامر عن منصور بن سلمة به، وقال أبو العالية في قوله ﵎: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال: يعني أهل القبلة، وقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر، وقد قدمنا أن الصحيح العموم والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1706>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]</span>\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾\nيقول ﷿ مخاطبا المشركين الذين افتروا على الله وجعلوا معه آلهة أخرى وادعوا أن الملائكة بنات الله وجعلوا لله ولدا تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولهذا قال ﷿: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ﴾ أي لا أحد أظلم من هذا لأنه جمع بين طرفي الباطل كذب على الله وكذب رسول الله قالوا الباطل وردوا الحق ولهذا قال جلت عظمته متوعدا لهم: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ وهم الجاحدون المكذبون. ثم قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الذي جاء بالصدق هو الرسول ﷺ وقال السدي: هو جبريل ﵇ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني محمدا ﷺ (^١).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قال: من جاء بلا إله إلا الله ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني رسول الله ﷺ وقرأ الربيع بن أنس «والذين جاءوا بالصدق» يعني الأنبياء «وصدقوا به» يعني الأتباع. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة فيقولون هذا ما أعطيتمونا فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين فإن المؤمنين يقولون الحق ويعملون به والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير فإنه جاء بالصدق وصدق المرسلين وآمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦.","vol":"7","page":88},{"text":"وملائكته وكتبه ورسله.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو رسول الله ﷺ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ المسلمون ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄: اتقوا الشرك (^١) ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني في الجنة مهما طلبوا وجدوا ﴿ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كما قال ﷿ في الآية الأخرى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1707>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]</span>\n﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ وقرأ بعضهم «عباده» (^٢) يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه وقال ابن أبي حاتم هاهنا: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو هانئ عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به» (^٣) ورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن أبي هانئ الخولاني به وقال الترمذي صحيح.\n﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني المشركين يخوفون الرسول ﷺ ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلا منهم وضلالا ولهذا قال ﷿: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ أي منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه فإنه العزيز الذي لا أعز منه ولا أشد انتقاما منه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ، وقوله تعالى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٧.\n(^٣) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١٢٥، والترمذي في الزهد باب ٣٥، وابن ماجة في الزهد باب ٩، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٨، ١٧٣.","vol":"7","page":89},{"text":"﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله ﷿ هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولهذا قال تبارك تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ أي لا تستطيع شيئا من الأمر.\nوذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس ﵄ مرفوعا «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف ورفعت الأقلام واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا. وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا» (^١) ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ أي الله كافيّ عليه توكلت و﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ كما قال هود ﵊ حين قال له قومه ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا محمد بن حاتم عن أبي المقدام مولى آل عثمان عن محمد بن كعب القرظي حدثنا ابن عباس ﵄ رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله ﷿ أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ﷿».\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي على طريقتكم وهذا تهديد ووعيد ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ أي على طريقتي ومنهجي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي ستعلمون غب ذلك ووباله ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي دائم مستمر لا محيد له عنه وذلك يوم القيامة، أعادنا الله منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1708>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤١ إلى ٤٢]</span>\n﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اِهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.","vol":"7","page":90},{"text":"يقول تعالى مخاطبا رسوله محمدا ﷺ: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ يعني القرآن ﴿لِلنّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أي إنما يرجع وبال ذلك على نفسه ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي بموكل أن يهتدوا ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. ثم قال تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان والوفاة الصغرى عند المنام كما قال ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠ - ٦١] فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى ولهذا قال ﵎: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فيه دلالة على أنه تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن مندة وغيره.\nوفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا آوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (^١). وقال بعض السلف تقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى.\nقال السدي إلى بقية أجلها، وقال ابن عباس ﵄ يمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء ولا يغلط ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1709>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]</span>\n﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى ذاما للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك وهي لا تملك شيئا من الأمر بل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الدعوات باب ١٢، ومسلم في الذكر حديث ٦٢.","vol":"7","page":91},{"text":"وليس لها عقل تعقل به ولا سمع تسمع به ولا بصر تبصر به بل هي جمادات أسوأ من الحيوان بكثير، ثم قال: قل أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه من شفعاء لهم عند الله تعالى أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له فمرجعها كلها إليه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هو المتصرف في جميع ذلك ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم القيامة فيحكم بينكم بعدله ويجزي كلا بعمله، ثم قال تعالى ذاما للمشركين أيضا: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ أي إذا قيل لا إله إلا الله وحده ﴿اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال مجاهد اشمأزت انقبضت وقال السدي نفرت وقال قتادة كفرت واستكبرت وقال مالك عن زيد بن أسلم استكبرت كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أي عن المتابعة والانقياد لها فقلوبهم لا تقبل الخير ومن لم يقبل الخير يقبل الشر ولذلك قال تبارك تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي من الأصنام والأنداد قاله مجاهد ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي يفرحون ويسرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1710>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]</span>\n﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)﴾\nيقول ﵎ بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة لهم في حبهم الشرك ونفرتهم عن التوحيد ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي ادع أنت الله وحده لا شريك له الذي خلق السموات والأرض وفطرها أي جعلها على غير مثال سبق ﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي السر والعلانية ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي في دنياهم ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم.\nقال مسلم (^١) في صحيحه: حدثنا عبد بن حميد حدثنا عمر بن يونس حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة ﵂ بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت ﵂ كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».\n_________\n(^١) كتاب صلاة المسافرين حديث ٢٠٠.","vol":"7","page":92},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة وأخبرنا سهيل بن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خثيم عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «من قال اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال ﷿ لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه فيدخله الله الجنة» قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونا أخبر بكذا وكذا فقال: ما في أهلنا جارية إلا وهي تقول هذا في خدرها انفرد به الإمام أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن حدثه قال أخرج لنا عبد الله بن عمرو ﵄ قرطاسا وقال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شيء وإله كل شيء أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك والملائكة يشهدون، أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك من أن أقترف على نفسي إثما أو أجره إلى مسلم. قال أبو عبد الرحمن ﵁ كان رسول الله ﷺ يعلمه عبد الله بن عمرو ﵄ أن يقول ذلك حين يريد أن ينام، تفرد به أحمد أيضا.\nوقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا خلف بن الوليد حدثنا ابن عياش عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو ﵄ فقلت له حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى بين يدي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت فقال له رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه أو أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم» ورواه الترمذي (^٤) عن الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن عياش به وقال حسن غريب من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا هاشم حدثنا شيبان عن ليث عن مجاهد قال: قال أبو بكر\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤١٢.\n(^٢) المسند ٢/ ١٧١.\n(^٣) المسند ٢/ ١٩٦.\n(^٤) كتاب الدعوات باب ٩٤.\n(^٥) المسند ١/ ١٤.","vol":"7","page":93},{"text":"الصديق: أمرني رسول الله ﷺ أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي من الليل: اللهم فاطر السموات والأرض إلخ.\nوقوله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي ولو أن جميع ما في الأرض وضعفه معه ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ﴾ أي الذي أوجبه الله تعالى لهم يوم القيامة ومع هذا لا يقبل منهم الفداء ولو كان ملء الأرض ذهبا كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1711>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]</span>\n﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾\nيقول ﵎ مخبرا عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله ﷿ وينيب إليه ويدعوه وإذا خوله نعمة منه بغى وطغى وقال ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أي لما يعلم الله تعالى من استحقاقي له ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا، قال قتادة على علم عندي على خير عندي (^١) قال الله ﷿: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي مع علمنا المقتدم بذلك فهي فتنة أي اختبار ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلهذا يقولون ما يقولون ويدعون ما يدعون.\n﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي فما صح قولهم ولا منعهم جمعهم وما كانوا يكسبون ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ﴾ أي من المخاطبين ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي كما أصاب أولئك ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ كما قال ﵎ مخبرا عن قارون أنه قال له قومه ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٢.","vol":"7","page":94},{"text":"[القصص: ٧٦ - ٧٨] وقال تعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] وقوله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لعبرا وحججا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1712>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٣ إلى ٥٩]</span>\n﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاِسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)﴾\nهذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه.\nوقال البخاري (^١): حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال يعلى أن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس ﵄ أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ونزل ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ (^٢) وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج عن يعلى بن مسلم المكي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ به. والمراد من الآية الأولى قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] الآية.\nوقال الإمام أحمد (^٣) حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو قبيل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية فقال رجل يا رسول الله فمن أشرك؟ فسكت النبي ﷺ ثم قال: «ألا ومن أشرك»\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٩٣، والنسائي في التحريم باب ٢.\n(^٣) المسند ٥/ ٢٧٥.","vol":"7","page":95},{"text":"ثلاث مرات تفرد به الإمام أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا حدثنا سريج بن النعمان حدثنا نوح بن قيس عن أشعث بن جابر الحداني عن مكحول عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ شيخ كبير يدعم على عصا له فقال: يا رسول الله لي غدرات وفجرات فهل يغفر لي؟ فقال ﷺ: «ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: بلى وأشهد أنك رسول الله فقال ﷺ: «قد غفر لك غدراتك وفجراتك» تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وسمعته ﷺ يقول: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يبالي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ورواه أبو داود والترمذي من حديث ثابت به. فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ولا يقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤].\nوقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وقال جل وعلا في حق المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦] وقال ﷻ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم قال جلت عظمته: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٤].\nوقال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠] قال الحسن البصري رحمة الله عليه انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة والآيات في هذا كثيرة جدا.\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ثم ندم وسأل عابدا من عباد بني إسرائيل هل له من توبة، فقال: لا فقتله وأكمل به مائة ثم سأل عالما من علمائهم هل له من توبة فقال ومن يحول بينك وبين التوبة. ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأمر الله ﷿ أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٨٥.\n(^٢) المسند ٦/ ٤٥٤.","vol":"7","page":96},{"text":"منها فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشير فقبضته ملائكة الرحمة (^١)، وذكر أنه نأى بصدره عند الموت وأن الله ﵎ أمر البلدة الخيرة أن تقترب وأمر تلك البلدة أن تتباعد، هذا معنى الحديث وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إلى آخر الآية قال قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله ومن زعم أن المسيح هو ابن الله ومن زعم أن عزيزا ابن الله ومن زعم أن الله فقير ومن زعم أن يد الله مغلولة ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول الله تعالى لهؤلاء: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولا من هؤلاء، من قال أنا ربكم الأعلى وقال: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله ﷿، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.\nوروى الطبراني من طريق الشعبي عن شتير بن شكل أنه قال سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] وإن أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الزمر ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ وإن أشد آية في كتاب الله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢] فقال له مسروق صدقت. وقال الأعمش عن أبي سعيد عن أبي الكنود قال مر عبد الله يعني ابن مسعود ﵁ على قاص وهو يذكر الناس فقال يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله؟ ثم قرأ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ رواه ابن أبي حاتم ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-1713>[ذكر أحاديث فيها نفي القنوط]</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سريج بن النعمان حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله حدثني أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد ﷺ بيده لو لم تخطئوا لجاء الله ﷿ بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم» تفرد به أحمد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٥٤، ومسلم في التوبة حديث ٤٦، ٤٧، وابن ماجة في الديات باب ٢، وأحمد في المسند ٣/ ٢٠، ٧٣.\n(^٢) المسند ٣/ ٢٣٨.","vol":"7","page":97},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني ليث حدثني محمد بن قيس قاص عمر بن عبد العزيز عن أبي صرمة عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال حين حضرته الوفاة قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله ﷺ يقول «لولا أنكم تذنبون لخلق الله ﷿ قوما يذنبون فيغفر لهم» (^٢) هكذا رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه والترمذي جميعا عن قتيبة عن الليث بن سعد به. ورواه مسلم من وجه آخر به عن محمد بن كعب القرظي عن أبي صرمة وهو الأنصاري صحابي عن أبي أيوب ﵄ به.\nوقال الإمام أحمد (^٣) حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النكري قال سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «كفارة الذنب الندامة» وقال رسول الله ﷺ: «لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم» تفرد به أحمد. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي حدثنا داود بن عبد الرحمن حدثنا أبو عبد الله مسلمة بن عبد الله الرازي عن أبي عمرو البجلي عن عبد الملك بن سفيان الثقفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن محمد ابن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يحب العبد المفتن التواب» (^٤) ولم يخرجوه من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت وحميد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: إن إبليس لعنه الله تعالى قال يا رب إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك قال فأنت مسلط، قال يا رب زدني، قال لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله، قال يا رب زدني قال أجعل صدورهم مساكن لكم وتجرون منهم مجرى الدم قال يا رب زدني قال أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فقال آدم ﵊ يا رب قد سلطته علي وإني لا أمتنع إلا بك قال ﵎ لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال يا رب زدني قال الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أمحوها قال يا رب زدني قال باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد قال يا رب زدني قال: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق قال نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر ﵁ في حديثه قال وكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٤١٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في التوبة حديث ١١، ٩٢.\n(^٣) المسند ١/ ٢٨٩.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٨٠، ١٠٣.","vol":"7","page":98},{"text":"أصابهم قال وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم قال فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ قال عمر ﵁ فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص ﵁ قال: فقال هشام لما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها حتى قلت اللهم أفهمنيها فألقى الله ﷿ في قلبي أنها إنما نزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا قال فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة.\nثم استحث ﵎ عباده إلى المسارعة إلى التوبة فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلخ، أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العظيم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي من حيث لا تعلمون ولا تشعرون ثم قال ﷿: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ أي يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله ﷿.\nوقوله ﵎: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أي إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي تود أن لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخبر الله ﷾ ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه. وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^١) حدثنا أسود حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لو أن الله هداني فتكون عليه حسرة، قال وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أن الله هداني قال فيكون له الشكر» ورواه النسائي من حديث أبي بكر بن عياش به. ولما تمنى أهل\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٥١٢.","vol":"7","page":99},{"text":"الجرائم العود إلى الدنيا وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله قال الله ﷾:\n﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا وقامت حججي عليك فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1714>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٠ إلى ٦١]</span>\n﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾\nيخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة قال تعالى هاهنا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ أي في دعواهم له شريكا وولدا ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي بكذبهم وافترائهم وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي أليست جهنم كافية لهم سجنا وموئلا لهم فيها الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق.\nقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا من النار في واد يقال له بولس من نار الأنيار ويسقون من عصارة أهل النار ومن طينة الخبال». وقوله ﵎: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ أي بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي يوم القيامة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع مزحزحون عن كل شر مؤملون كل خير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1715>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٢ إلى ٦٦]</span>\n﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٦)﴾\nيخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته، وقوله ﷿: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينة، وقال السدي ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خزائن السموات والأرض، والمعنى على كلا القولين أن أزمة الأمور بيده ﵎ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي حججه وبراهينه ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾.","vol":"7","page":100},{"text":"وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا وفي صحته نظر ولكن نحن نذكره كما ذكره فإنه قال حدثنا يزيد بن سنان البصري بمصر حدثنا يحيى بن حماد حدثنا الأغلب بن تميم عن مخلد بن هذيل العبدي عن عبد الرحمن المدني عن عبد الله بن عمر عن عثمان بن عفان ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال «ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان» قال ﷺ: «تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله ولا قوة إلا بالله، الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. من قالها يا عثمان إذا أصبح عشر مرار أعطي خصالا ستا: أما أولاهن فيحرس من إبليس وجنوده وأما الثانية فيعطى قنطارا من الأجر، وأما الثالثة فترفع له درجة في الجنة، وأما الرابعة فيتزوج من الحور العين، وأما الخامسة فيحضره اثنا عشر ملكا، وأما السادسة فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وله مع هذا يا عثمان من الأجر، كمن حج وتقبلت حجته واعتمر فتقبلت عمرته فإن مات من يومه طبع عليه بطابع الشهداء» (^١) ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد به مثله وهو غريب وفيه نكارة شديدة والله أعلم.\nوقوله ﵎: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس ﵄ أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم ويعبدوا معه إلهه فنزلت ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].\nوقوله ﷿: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن معك أنت ومن اتبعك وصدقك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1716>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٧]</span>\n﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾\nيقول ﵎: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شيء المالك لكل شيء وكل شيء تحت قهره وقدرته، قال مجاهد: نزلت في قريش، وقال السدي: ما عظموه حق عظمته (^٢).\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ٦٢٥ - ٦٢٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٣.","vol":"7","page":101},{"text":"وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم.\nفمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.\nقال البخاري قوله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حدثنا آدم حدثنا شيبان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله ﷿ يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (^١) الآية ورواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع من صحيحه والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما كلهم من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن ابن مسعود ﵁ بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع والسموات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع، قال فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه قال وأنزل الله ﷿ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية، وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حسين بن حسن الأشقر حدثنا أبو كدينة عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس ﵄ قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله ﷾ السماء على ذه-وأشار بالسبابة-والأرض على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه-كل ذلك يشير بأصابعه-قال فأنزل الله ﷿ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية وكذا رواه الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن محمد بن الصلت أبي جعفر عن أبي كدينة يحيى بن المهلب عن عطاء بن السائب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التوحيد باب ١٩، ٢٦، ٣٦، وتفسير سورة ٣٩، باب ٢ ومسلم في المنافقين حديث ١٩، ٢١، والترمذي في تفسير سورة ٣٩ باب ٣.\n(^٢) المسند ١/ ٣٧٨.\n(^٣) المسند ١/ ٣٢٤.","vol":"7","page":102},{"text":"عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به وقال حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nثم قال البخاري (^١): حدثنا سعيد بن غفير حدثنا الليث حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض» تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم (^٢) من وجه آخر.\nوقال البخاري (^٣) في موضع آخر حدثنا مقدم بن محمد حدثنا عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك» تفرد به أيضا من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٤) من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول فقال:\nحدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر «يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم» فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا ليخرنّ به وقد رواه مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث عبد العزيز بن أبي حازم زاد مسلم ويعقوب بن عبد الرحمن كلا هما عن أبي حازم عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر ﵄ به نحوه. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث أنه نظر إلى عبد الله بن عمر ﵄ كيف يحكي النبي ﷺ قال: يأخذ الله ﵎ سمواته وأرضيه بيده ويقول أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني لأقول أساقط هو برسول الله ﷺ.\nوقال البزار: حدثنا سليمان بن سيف حدثنا أبو علي الحنفي حدثنا عباد المنقري حدثني محمد بن المنكدر قال حدثنا عبد الله بن عمر ﵄ قال إن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ -حتى بلغ- ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فقال المنبر هكذا فجاء وذهب ثلاث مرات والله أعلم، ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمرو ﵄ وقال صحيح. وقال الطبراني في\n_________\n(^١) كتاب التفسير باب ٢.\n(^٢) كتاب المنافقين حديث ١٩، ٢١.\n(^٣) كتاب التوحيد باب ١٩.\n(^٤) المسند ٢/ ٧٢، ٨٧، ٨٨.","vol":"7","page":103},{"text":"المعجم الكبير حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي حدثنا حيان بن نافع عن صخر بن جويرية حدثنا سعيد بن سالم القداح عن معمر بن الحسن عن بكر بن خنيس عن أبي شيبة عن عبد الملك بن عمير عن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه ﵃: «إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمر فمن بكى منكم وجبت له الجنة» فقرأها ﷺ من عند قوله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر السورة فمنا من بكى ومنا من لم يبك فقال الذين لم يبكوا يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك فقال ﷺ: «إني سأقرؤها عليكم فمن لم يبك فليتباك» هذا حديث غريب جدا.\nوأغرب منه ما رواه في المعجم الكبير أيضا حدثنا هاشم بن زيد حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يقول ثلاث خلال غيبتهن عن عبادي لو رآهن رجل ما عمل بسوء أبدا: لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم وقبضت السموات بيدي ثم قبضت الأرضين ثم قلت أنا الملك من ذا الذي له الملك دوني فأريهم الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير فيستيقنوها وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها ولكن عمدا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون وقد بينته لهم» وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1717>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]</span>\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾\nيقول ﵎ مخبرا عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة فقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ هذه النفخة هي الثانية وهي نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض إلا من شاء الله كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء ويقول ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء وحكمت بالفناء على كل شيء، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل ويأمره أن ينفخ بالصور مرة أخرى وهي النفخة الثالثة نفخة البعث قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي أحياء بعد ما كانوا عظاما ورفاتا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]. وقال ﷿:","vol":"7","page":104},{"text":"﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] وقال جل وعلا:\n﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥].\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال سمعت رجلا قال لعبد الله بن عمرو ﵄ إنك تقول الساعة تقوم إلى كذا وكذا قال لقد هممت أن لا أحدثكم شيئا إنما قلت سترون بعد قليل أمرا عظيما ثم قال عبد الله بن عمرو ﵄. قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما أو أربعين ليلة فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم ﵊ كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيظهر فيهلكه الله تعالى ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله تعالى ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أنّ أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه» قال سمعتها من رسول الله ﷺ «ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا قال فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دارة أرزاقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى له وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى أو ينزل الله ﷿ مطرا كأنه الطل-أو الظل شك نعمان- فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] قال ثم يقال أخرجوا بعث النار قال فيقال كم؟ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيومئذ تبعث الولدان شيبا ويومئذ يكشف عن ساق» انفرد بإخراجه مسلم (^٢) في صحيحه.\n[حديث أبي هريرة ﵁] وقال البخاري (^٣) حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال سمعت أبا صالح قال سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث عن النبي ﷺ وقال «ما بين النفختين أربعون» قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال رضي الله تعالى عنه أبيت، قالوا أربعون سنة؟ قال أبيت، قالوا أربعون شهرا؟ قال أبيت ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٦٦.\n(^٢) كتاب الفتن حديث ١١٦.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٩ باب ٣.","vol":"7","page":105},{"text":"وقال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن معين حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سألت جبريل ﵊ عن هذه الآية ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ من الذين لم يشاء الله تعالى أن يصعقهم؟ قال هم الشهداء يتقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب (^١) من ياقوت نمارها (^٢) ألين من الحرير مد خطاها مد أبصار الرجال يسيرون في الجنة يقولون عند طول النزهة انطلقوا بنا إلى ربنا ﷿ لننظر كيف يقضي بين خلقه يضحك إليهم إلهي وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه» رجاله كلهم ثقات إلا شيخ إسماعيل بن عياش فإنه غير معروف والله ﷾ أعلم. وقوله ﵎: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أي أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ قال قتادة كتاب الأعمال ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يشهدون على الأمم بأنهم بلغوا رسالات الله إليهم ﴿وَالشُّهَداءِ﴾ أي الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] ولهذا قال ﷿: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أي من خير وشر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1718>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧١ إلى ٧٢]</span>\n﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾\nيخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار وإنما يساقون سوقا عنيفا.\nبزجر وتهديد ووعيد كما قال ﷿: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أي يدفعون إليها دفعا، هذا وهم عطاش ظماء كما قال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦] وهم في تلك الحال صم وبكم وعمي منهم من يمشي على وجهه ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\nوقوله ﵎: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أي بمجرد وصولهم إليها فتحت\n_________\n(^١) النجائب: جمع نجيبة، تأنيث النجيب من الإبل، وهو القوي الخفيف السريع.\n(^٢) النمار: جمع نمرة: وهي كل شملة مخططة من مآزر العرب.","vol":"7","page":106},{"text":"لهم أبوابها سريعا لتعجل لهم العقوبة ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية الذين هم غلاظ الأخلاق شداد القوى على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ﴾ أي يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي ويحذرونكم من شر هذا اليوم، فيقول الكفار لهم ﴿بَلى﴾ أي قد جاءونا وأنذرونا وأقاموا علينا الحجج والبراهين ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا من الشقوة التي كنا نستحقها حيث عدلنا عن الحق إلى الباطل كما قال ﷿ مخبرا عنهم في الآية الأخرى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ. ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨ - ١٠] أي رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أي بعدا لهم وخسارا.\nوقوله ﵎ هاهنا ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أي كل من رآهم وعلم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم ولهذا قال جل وعلا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها لا خروج لكم منها ولا زوال لكم عنها ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي فبئس المصير وبئس المقيل لكم بسبب تكبركم في الدنيا وإبائكم عن اتباع الحق فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه فبئس الحال وبئس المآل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1719>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]</span>\n﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤)﴾\nوهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدا إلى الجنة زمرا أي جماعة بعد جماعة: المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم وكل صنف مع صنف كل زمرة تناسب بعضها بعضا ﴿حَتّى إِذا جاؤُها﴾ أي وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول فيقصدون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدا ﷺ وعليهم أجمعين كما فعلوا في العرصات عند","vol":"7","page":107},{"text":"استشفاعهم إلى الله ﷿ أن يأتي لفصل القضاء ليظهر شرف محمد ﷺ على سائر البشر في المواطن كلها وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول شفيع في الجنة» (^١) وفي لفظ لمسلم «وأنا أول من يقرع باب الجنة» (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا هاشم حدثنا سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول محمد-قال-فيقول بك أمرت أن لا افتح لأحد قبلك» ورواه مسلم (^٤) عن عمرو بن محمد الناقد وزهير بن حرب كلاهما عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان وهو ابن المغيرة القيسي عن ثابت عن أنس ﵁ به.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله تعالى بكرة وعشيا» ورواه البخاري (^٦) عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك. ورواه مسلم (^٧) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق كلا هما عن معمر بإسناده نحوه وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ.\nوقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب درّيّ في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب والفضة ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء».\nوأخرجاه أيضا من حديث جرير وقال الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣٣٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣٣١.\n(^٣) المسند ٢/ ٣١٦.\n(^٤) كتاب الإيمان حديث ٣٣٢.\n(^٥) المسند ٢/ ٣١٦.\n(^٦) كتاب بدء الخلق باب ٨.\n(^٧) كتاب صفة الجنة حديث ٧.","vol":"7","page":108},{"text":"ليلة البدر» فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم فقال ﷺ: «سبقك بها عكاشة» (^١) أخرجاه.\nوقد روي هذا الحديث-في السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب-البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وابن مسعود ورفاعة بن عرابة الجهني وأم قيس بنت محصن ﵃ ولهما عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر». وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا أمامة الباهلي ﵁ يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وعدني ربي ﷿ أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب وثلاث حثيات من حثيات ربي ﷿» وكذا رواه الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر عن أبي اليمان عامر بن عبد الله بن لحيّ عن أبي أمامة ورواه الطبراني عن عتبة بن عبد السلمي «ثم يشفع مع كل ألف سبعين ألفا» ويروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري وله شواهد من وجوه كثيرة.\nوقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ لم يذكر الجواب هاهنا، وتقديره حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكراما وتعظيما وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء لا كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب (^٢) والتأنيب فتقديره إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم، وإذا حذف الجواب هاهنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل، ومن زعم أن الواو في قوله ﵎: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ واو الثمانية واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع، وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دعي من أبواب الجنة وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢١، ٥٠، واللباس باب ١٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٦٩، ٣٧٠.\n(^٢) التثريب: التوبيخ والتأنيث.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٦٨.","vol":"7","page":109},{"text":"الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان» فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله ما على أحد من ضرورة دعي من أيها دعي فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال ﷺ: «نعم وأرجو أن تكون منهم» (^١) رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» (^٢) وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (^٣) وقال الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مفتاح الجنة لا إله إلا الله».\n\n<span data-type='title' id=toc-1720>ذكر سعة أبواب الجنة</span>\n- نسأل الله من فضله العظيم أن يجعلنا من أهلها وفي الصحيحين من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ في حديث الشفاعة الطويل «فيقول الله تعالى يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن وهم شركاء الناس في الأبواب الأخر والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر-أو هجر ومكة-وفي رواية-مكة وبصرى» (^٤) وفي صحيح مسلم عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام (^٥)، وفي المسند (^٦) عن حكيم بن معاوية عن أبيه ﵁ عن رسول الله ﷺ مثله.\nوقال عبد بن حميد حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة» (^٧).\nوقوله ﵎: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ أي طابت أعمالكم وأقوالكم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصوم باب ٤، ومسلم في الزكاة حديث ٨٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الصوم باب ٤، ومسلم في الصيام حديث ١٦٦.\n(^٣) أخرجه مسلم في الطهارة حديث ١٧.\n(^٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٧ باب ٥، ومسلم في الإيمان حديث ٣٢٧.\n(^٥) أخرجه مسلم في الزهد حديث ١٤.\n(^٦) مسند أحمد ٥/ ٣.\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٩.","vol":"7","page":110},{"text":"وطاب سعيكم وطاب جزاؤكم كما أمر رسول الله ﷺ أن ينادي بين المسلمين في بعض الغزوات «إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة-وفي رواية-مؤمنة» (^١).\nوقوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أي ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ أي يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر والعطاء العظيم والنعيم المقيم والملك الكبير يقولون عند ذلك ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ أي الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام كما دعوا في الدنيا ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥].\nوقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾. قال أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وابن زيد أي أرض الجنة (^٢) فهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ولهذا قالوا ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ أي أين شئنا حللنا فنعم الأجر أجرنا على عملنا.\nوفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس ﵁ في قصة المعراج قال النبي ﷺ:\n«أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ (^٣) اللؤلؤ وإذا ترابها المسك» (^٤).\nوقال عبد الرحمن بن حميد: حدثنا روح بن عبادة حدثنا حماد بن سلمة حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنة فقال در مكة بيضاء مسك خالص فقال رسول الله ﷺ «صدق» (^٥) وكذا رواه مسلم من حديث أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ به، ورواه مسلم أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ قال إن ابن صائد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنة فقال: «در مكة بيضاء مسك خالص» (^٦).\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الحج باب ١٦١.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣٤.\n(^٣) الجنابذ: هي القباب، والجنبذة: القبة.\n(^٤) أخرجه البخاري في الصلاة باب ١، والأنبياء باب ٥، ومسلم في الإيمان حديث ٢٦٣، وأحمد في المسند ٥/ ١٤٤.\n(^٥) أخرجه مسلم في الفتن حديث ٩٢.\n(^٦) أخرجه مسلم في الفتن حديث ٩٣.","vol":"7","page":111},{"text":"إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ قال سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم فلم تغير أبشارهم بعدها أبدا ولم تشعث أشعارهم أبدا بعدها كأنما دهنوا بالدهان ثم عمدوا إلى الأخرى كأنما أمروا بها فشربوا منها فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ ويلقى كل غلمان صاحبهم يطيفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة أبشر قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا وقد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قال وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين فيقول هذا فلان باسمه في الدنيا فيقلن أنت رأيته فيقول نعم فيستخفهن الفرح حتى تخرج إلى أسكفة (^١) الباب قال فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة وأكواب موضوعة وزرابي مبثوثة، قال ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض ومن كل لون ثم يرفع طرفه إلى سقفه فلولا أن الله تعالى قدره له لألم أن يذهب ببصره إنه لمثل البرق ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين ثم يتكئ على أريكة من أرائكه ثم يقول:\n﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nثم قال: حدثنا أبي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري يقول إن عليا ﵁ كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون-أو يؤتون-بنوق لها أجنحة وعليها رحال الذهب شراك (^٢) نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون-أو فيأتون-باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها طنين يا علي فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها فيفتح له فإذا رآه خرّ له-قال مسلمة أراه قال ساجدا-.\nفيقول ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك فيتبعه ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر الياقوت حتى تعتنقه ثم تقول أنت حبي وأنا حبّك وأنا الخالدة التي لا أموت وأنا الناعمة التي لا أبأس وأنا الراضية التي لا أسخط وأنا المقيمة التي لا أظعن فيدخل بيتا من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق أصفر وأخضر وأحمر ليس فيها طريقة تشاكل صاحبتها في البيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون حشية\n_________\n(^١) الأسكفة: هي خشبة الباب التي يوطأ عليها.\n(^٢) شراك النعل: سير النعل.","vol":"7","page":112},{"text":"على كل حشية سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من باطن الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد «أنهار من ماء غير آسن» -قال صاف لا كدر فيه- «وأنهار من لبن لم يتغير طعمه» -قال لم يخرج من ضروع الماشية- «وأنهار من خمرة لذة للشاربين» -قال لم تعصرها الرجال بأقدامهم- «وأنهار من عسل مصفى» -قال لم يخرج من بطون النحل، يستجني الثمار فإن شاء قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء متكئا-ثم تلا ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض قال وربما قال أخضر قال فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت في الأرض لأضاءت الشمس معها سوادا في نور» هذا حديث غريب وكأنه مرسل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1721>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]</span>\n﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)﴾\nلما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار وأنه نزّل كلا في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور وقد فصل القضية وقضي الأمر وحكم بالعدل ولهذا قال ﷿: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الخلائق ﴿بِالْحَقِّ﴾. ثم قال ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي ونطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمة لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد قال قتادة افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] واختتم بالحمد في قوله ﵎: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.","vol":"7","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1722>تفسير سورة غافر</span>\nوهي مكية\nقد كره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال الحواميم وإنما يقال آل حم قال عبد الله بن مسعود ﵁: آل حم ديباج القرآن وقال ابن عباس ﵄: إن لكل شيء لبابا ولباب القرآن آل حم أو قال الحواميم وقال مسعر بن كدام كان يقال لهن العرائس وروى ذلك كله الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب فضائل القرآن.\nوقال حميد بن زنجويه: حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁ قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات (^١) فقال عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن أورده البغوي. وقال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس ﵄ قال: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم وقال ابن مسعود ﵁: إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات أتأنق فيهن (^٢).\nوقال أبو عبيد حدثنا الأشجعي حدثنا مسعر هو ابن كدام عمن حدثه أن رجلا رأى أبا الدرداء ﵁ يبني مسجدا فقال له ما هذا؟ فقال أبنيه من أجل آل حم وقد يكون هذا المسجد الذي بناه أبو الدرداء ﵁ هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق، وقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وضع له فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء كما قال رسول الله ﷺ لأصحابه في بعض الغزوات: «إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون -وفي رواية-لا تنصرون» (^٣).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا أحمد بن الحكم بن ظبيان بن خلف المازني ومحمد بن الليث الهمداني قالا: حدثنا موسى بن مسعود حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ آية الكرسي وأول حم المؤمن عصم ذلك اليوم من كل سوء» ثم قال لا نعلمه يروى إلا بهذا\n_________\n(^١) الروضة الدمثة: هي الأرض السهلة الرخوة.\n(^٢) أتأنق فيهن: أي أعجب بهن، واستلذ قراءتهن، وأتتبع محاسنهن.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٧١، والترمذي في الجهاد باب ١١، وأحمد في المسند ٤/ ٦٥، ٥/ ٣٧٧.","vol":"7","page":114},{"text":"الإسناد ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1723>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا وقد قيل إن ﴿حم﴾ اسم من أسماء الله ﷿ وأنشدوا في ذلك بيتا: [الطويل] يذكّرني حم والرّمح شاجر … فهلاّ تلاحم قبل التقدّم (^١)\nوقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني من سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن بيتم الليلة فقولوا وحم لا ينصرون» (^٢) وهذا إسناد صحيح، صفرة واختار أبو عبيد أن يروى فقولوا حم لا ينصروا أي إن قلتم ذلك لا ينصروا جعله جزاء لقوله فقولوا.\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من الله ذي العزة والعلم فلا يرام جنابه ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه. وقوله ﷿: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ أي يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه. وقوله جل وعلا: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ أي لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى وهذه كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء والخوف، وقوله تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قال ابن عباس ﵄ يعني السعة والغنى، وهكذا قال مجاهد وقتادة، وقال يزيد بن الأصم ذي الطول يعني الخير الكثير. وقال عكرمة ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذي المن. وقال قتادة ذي النعم والفواضل، والمعنى أنه المتفضل على عباده المتطول عليهم بما هم فيه من المنة والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] الآية.\nوقوله جلت عظمته: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره فلا إله\n_________\n(^١) البيت الأشتر النخعي في الاشتقاق ص ١٤٥، ولعدي بن حاتم الطائي في حماسة البحتري ص ٣٦، ولشريح بن أوفى العبسي في تفسير الطبري ١١/ ٣٨، ولسان العرب (حمم)، ولعصام بن مقشعر البصري في معجم الشعراء ص ٢٧٠، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ١٨١، ولسان العرب (ندم)، والمقتضب ١/ ٢٣٨، ٣/ ٣٥٦.\n(^٢) تقدم الحديث مع تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"7","page":115},{"text":"ولا رب سواه ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي إليه المرجع والمآب فيجازى كل عامل بعمله ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [الرعد: ٤٦] وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إني قتلت فهل لي من توبة فقرأ عمر ﵁ ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ وقال اعمل ولا تيأس. رواه ابن أبي حاتم: واللفظ له وابن جرير (^١).\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن مروان الرقي حدثنا عمر يعني ابن أيوب حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس وكان يفد إلى عمر بن الخطاب ﵁ ففقده عمر فقال ما فعل فلان بن فلان، فقالوا يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب. قال فدعا عمر كاتبه: فقال اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه وأن يتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر ﵁ جعل يقرؤه ويردده ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان وزاد فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسد دوه ووثقوه وادعوا الله له أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبّة حدثنا حماد بن واقد حدثنا أبو عمر الصفار حدثنا ثابت البناني قال كنت مع مصعب بن الزبير ﵁ في سواد الكوفة قد خلت حائطا أصلي ركعتين فافتتحت حم المؤمن حتى بلغت لا إله إلا هو إليه المصير فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال إذا قلت غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، وإذا قلت وقابل التوب فقل يا قابل التوب اقبل توبتي، وإذا قلت شديد العقاب فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني، قال فالتفت فلم أر أحدا فخرجت إلى الباب فقلت مر بكم رجل عليه مقطعات يمنية، قالوا ما رأينا أحدا فكانوا يرون أنه إلياس، ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه وليس فيه ذكر إلياس والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1724>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤ إلى ٦]</span>\n﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ (٦)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣٨.","vol":"7","page":116},{"text":"يقول تعالى ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان ﴿إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أي في أموالها ونعيمها وزهرتها كما قال جل وعلا: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] وقال ﷿: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه بأن له أسوة فيمن سلف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم وما آمن بهم منهم إلا قليل فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان ﴿وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي من كل أمة ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أي حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل رسوله ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي ما حلوا (^١) بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي.\nوقد قال أبو القاسم الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي يحدث عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أعان باطلا ليدحض به حقا فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ» وقوله جلت عظمته: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي فكيف بلغك عذابي لهم ونكالي بهم قد كان شديدا موجعا مؤلما. قال قتادة كان والله شديدا. وقوله ﷻ: ﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ أي كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1725>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾\nيخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين (^٢) بأنهم يسبحون بحمد ربهم أي يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص\n_________\n(^١) ما حل: أي دافع وحاول، من المحال وهو الكيد، وقيل: المكر.\n(^٢) الكروبيون: هم سادة الملائكة.","vol":"7","page":117},{"text":"والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي خاشعون له أذلاء بين يديه وأنهم ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي من أهل الأرض ممن آمن بالغيب فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب كما ثبت في صحيح مسلم «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله» (^١).\nوقد قال الإمام أحمد (^٢) حدثنا عبد الله بن محمد وهو ابن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال أن رسول الله ﷺ قال: «صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره» فقال: [الطويل] زحل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد (^٣)\nفقال رسول الله ﷺ: «صدق» فقال: [الطويل] والشمس تطلع كل آخر ليلة … حمراء يصبح لونها يتورد\nتأبى فما تطلع لنا في رسلها … إلا معذبة وإلا تجلد\nفقال رسول الله ﷺ: «صدق» وهذا إسناد جيد وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].\nوهنا سؤال وهو أن يقال ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية ودلالة هذا الحديث؟ وبين الحديث الذي رواه أبو داود حدثنا محمد بن الصباح البزار حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال:\nكنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: «ما تسمون هذه؟» قالوا السحاب، قال: «والمزن» قالوا والمزن قال: «والعنان» قالوا والعنان (^٤)، قال أبو داود ولم أتقن العنان جيدا، قال: «هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟» قالوا لا ندري، قال «بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهور هن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٩.\n(^٢) المسند ١/ ٢٥٦.\n(^٣) الأبيات في الإصابة ١/ ١٣٤، وخزانة الأدب ١/ ١٢١، والشعر والشعراء ١/ ٤٦٠.\n(^٤) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٦٩، باب ١، وأبو داود في السنة باب ١٨. وابن ماجة في المقدمة باب ١٣، وأحمد في المسند ١/ ٢٠٦.","vol":"7","page":118},{"text":"العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله ﵎ فوق ذلك». ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سماك بن حرب به وقال الترمذي حسن غريب.\nوهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية كما قال شهر بن حوشب ﵁: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي إن رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات ﴿وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ أي وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] أي ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني بل رفعنا ناقص العمل فساويناه بكثير العمل تفضلا منا ومنة.\nوقال سعيد بن جبير إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه وأين هم؟ فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل فيقول إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة ثم تلا هذه الآية ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ الآية وأغش عباده للمؤمنين الشياطين. وقوله ﵎: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي الذي لا يمانع ولا يغالب وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أي فعلها أو وبالها ممن وقعت منه ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي لطفت به ونجيته من العقوبة ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1726>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ إلى ١٤]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار أنهم ينادون يوم القيامة وهم في غمرات النيران يتلظون وذلك","vol":"7","page":119},{"text":"عندما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد به فمقتوا عند ذلك أنفسهم وأبغضوها غاية البغض بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخبارا عاليا نادوهم نداء بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان فيكفرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة.\nقال قتادة في قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يقول لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه وأبوا أن يقبلوه أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة (^١)، وهكذا قال الحسن البصري ومجاهد والسدي وذر بن عبيد الله الهمداني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير الطبري رحمة الله عليهم أجمعين. وقوله: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ﵁ هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] وكذا قال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو مالك وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية. وقال السدي أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة، وقال ابن زيد:\nأحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم ﵇ ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، وهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات، والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما، والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله ﷿ في عرصات القيامة كما قال ﷿: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] فلا يجابون ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة فلا يجابون قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] فإذا دخلوا النار وذاقوا مسّها وحسيسها ومقامعها وأغلالها كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨].\nوفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة وهي قولهم\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٣.","vol":"7","page":120},{"text":"﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي قدرتك عظيمة فإنك أحييتنا بعد ما كانا أمواتا ثم أمتنا ثم أحييتنا فأنت قادر على ما تشاء، وقد اعترفنا بذنوبنا وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا فإنك قادر على ذلك لنعمل غير الذي كنا نعمل فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون، فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا، ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تجحده وتنفيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي أنتم هكذا تكونون وإن رددتم إلى الدار الدنيا كما قال ﷿: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\nوقوله جل وعلا: ﴿فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أي هو الحاكم في خلقه العادل الذي لا يجور فيهدي من يشاء ويضل من يشاء ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء لا إله إلا هو، وقوله ﷻ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ أي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء ﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ أي يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي من هو بصير منيب إلى الله ﵎.\nوقوله ﷿: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام يعني ابن عروة بن الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن مدرس المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: وكان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (^٢) وذكر تمامه. وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في المساجد حديث ١٣٧، ١٣٨، وأبو داود في الوتر باب ٢٤، والنسائي في السهو باب ٨٣.","vol":"7","page":121},{"text":"الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» (^١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع حدثنا الخصيب بن ناصح حدثنا صالح يعني المري عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:\n«ادعوا الله ﵎ وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه».\n\n<span data-type='title' id=toc-1727>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٥ إلى ١٧]</span>\n﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٣ - ٤] وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة في قول جماعة من السلف والخلف وهو الأرجح إن شاء الله وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة.\nوارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة وقد تقدم في حديث الأوعال ما يدل على ارتفاعه عن السموات السبع بشيء عظيم.\nوقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ كقوله جلت عظمته: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] ولهذا قال ﷿: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يوم التلاق اسم من أسماء يوم القيامة حذر الله منه عباده (^٢).\nوقال ابن جريج قال ابن عباس ﵄ يلتقي فيه آدم وآخر ولده وقال ابن زيد يلتقي فيه العباد. وقال قتادة والسدي وبلال بن سعد وسفيان بن عيينة يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض وقال قتادة أيضا: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض وقال قتادة أيضا: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والخالق والخلق، وقال ميمون بن مهران يلتقي الظالم والمظلوم، وقد يقال إن يوم التلاق يشمل هذا كله ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عملها من خير وشر كما قاله آخرون.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ١٣٩. وأحمد في المسند ٤/ ٤، ٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٤٧.","vol":"7","page":122},{"text":"وقوله ﷻ: ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ﴾ أي ظاهرون بادون كلهم لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم ولهذا قال: ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أي الجميع في علمه على السواء. وقوله ﵎: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ قد تقدم في حديث ابن عمر ﵄ أنه تعالى يطوي السموات والأرض بيده ثم يقول أنا الملك أنا الجبار أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وفي حديث الصور أنه ﷿ إذا قبض أرواح جميع خلقه فلم يبق سواه وحده لا شريك له حينئذ يقول لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه قائلا ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ أي الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن غالب الدقاق حدثنا عبيد بن عبيدة حدثنا معتمر عن أبيه حدثنا أبو نضرة عن ابن عباس ﵄ قال: ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات قال وينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾.\nوقوله جلت عظمته: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة ولهذا قال ﵎: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا-إلى أن قال-يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ﵎، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (^١) وقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسا واحدة كما قال جل وعلا:\n﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وقال ﷻ: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1728>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٨ إلى ٢٠]</span>\n﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾\nيوم الآزفة اسم من أسماء يوم القيامة وسميت بذلك لاقترابها كما قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧ - ٥٨] وقال ﷿: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقال جل وعلا: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] وقال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في البر حديث ٥٥، وأحمد في المسند ٥/ ١٦٠.","vol":"7","page":123},{"text":"﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقال ﷻ: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧] الآية. وقوله ﵎: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ قال قتادة وقفت القلوب في الحناجر من الخوف فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها، وكذا قال عكرمة والسدي وغير واحد، ومعنى كاظمين أي ساكتين لا يتكلم أحد إلا بإذنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] وقال ابن جريج ﴿كاظِمِينَ﴾ أي باكين. وقوله ﷾: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يخبر ﷿ عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها ليحذر الناس علمه فيهم فيستحيوا من الله تعالى حق الحياء ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه فإنه ﷿ يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء أو تمر به وبهم المرأة الحسناء فإذا غفلوا لحظ إليها فإذا فطنوا غض بصره عنها فإذا غفلوا لحظ فإذا فطنوا غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم، وقال الضحاك ﴿خائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ هو الغمز وقول الرجل رأيت ولم ير. أو لم أر وقد رأى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة أم لا؟ وكذا قال مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا؟ وقال السدي ﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي من الوسوسة.\nوقوله ﷿: ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي يحكم بالعدل، قال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهذا الذي فسر به ابن عباس ﵄ في هذه الآية كقوله ﵎: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي من الأصنام والأوثان والأنداد ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أي لا يملكون شيئا ولا يحكمون بشيء ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي سميع لأقوال خلقه بصير بهم فيهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.","vol":"7","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1729>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢١ إلى ٢٢]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من الأمم المكذبة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما حل بهم من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة ﴿وَآثارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي أثروا في الأرض من البنايات والمعالم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] أي مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أخذهم الله بذنوبهم وهي كفرهم برسلهم ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ أي وما دفع عنهم عذاب الله أحد ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق، ثم ذكر علقة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها فقال تعالى:\n﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ﴾ تعالى أي أهلكهم ودمر عليهم وللكافرين أمثالها ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي ذو قوة عظيمة وبطش شديد وهو شديد العقاب أي عقابه أليم شديد وجيع، أعاذنا الله ﵎ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1730>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٧]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ (٢٤) فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاِسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)﴾\nيقول تعالى مسليا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه ومبشرا له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة كما جرى لموسى بن عمران ﵇ فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات. والدلائل الواضحات. ولهذا قال تعالى: ﴿بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ والسلطان هو الحجة والبرهان ﴿إِلى فِرْعَوْنَ﴾ وهو ملك القبط بالديار المصرية ﴿وَهامانَ﴾ وهو وزيره في مملكته ﴿وَقارُونَ﴾ وكان أكثر الناس في زمانه مالا وتجارة ﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أي كذبوه وجعلوه ساحرا مجنونا ممحزقا مموها كذابا في أن الله أرسله وهذه كقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].","vol":"7","page":125},{"text":"﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا﴾ أي بالبرهان القاطع الدال على أن الله ﷿ أرسله إليهم ﴿قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل. أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فللعلة الثانية لإهانة هذا الشعب ولكي يتشاءموا بموسى ﵇ ولهذا قالوا: ﴿أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] قال قتادة هذا أمر بعد أمر.\nقال الله ﷿: ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وهذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى إلى قتل موسى ﵊ أي قال لقومه دعوني حتى أقتل لكم هذا ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي لا أبالي به، وهذا في غاية الجحد والتجهرم والعناد، قوله قبحه الله: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ يعني موسى، يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكرا، يعني واعظا يشفق على الناس من موسى ﵇.\nوقرأ الأكثرون «أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد» وقرأ آخرون ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ وقرأ بعضهم ﴿يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ بالضم (^١) ﴿وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ أي لما بلغه قول فرعون ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ قال موسى ﵇ استجرت بالله وعذت به من شره وشر أمثاله ولهذا قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أيها المخاطبون ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي عن الحق مجرم «لا يؤمن بيوم الحساب» ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قوما قال: «اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1731>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)﴾\nالمشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيا من آل فرعون قال السدي: كان ابن عم فرعون\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٥٣.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٣٠، وأحمد في المسند ٤/ ٤١٤، ٤١٥.","vol":"7","page":126},{"text":"ويقال إنه الذي نجا مع موسى ﵊، واختاره ابن جرير ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيليا لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكف عن قتل موسى ﵇، ولو كان إسرائيليا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة لأنه منهم وقال ابن جريج عن ابن عباس ﵄ لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون والذي قال: ﴿يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ رواه ابن أبي حاتم وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ فأخذت الرجل غضبة لله ﷿.\nوأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر (^١) كما ثبت بذلك الحديث.\nولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه حيث قال حدثنا علي بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ قال بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٢) انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي.\nقال وتابعه محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه به. وقال ابن أبي حاتم حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني حدثنا عبدة عن هشام يعني ابن عروة عن أبيه عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سئل ما أشد ما رأيت قريشا بلغوا من رسول الله ﷺ؟ قال مر ﷺ بهم ذات يوم فقالوا له أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: «أنا ذاك» فقاموا إليه فأخذوا بمجامع ثيابه فرأيت أبا بكر ﵁ محتضنه من ورائه وهو يصيح بأعلى صوته وإن عينيه لتسيلان وهو يقول: يا قوم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة فجعله من مسند عمرو بن العاص ﵁.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي كيف تقتلون رجلا لكونه يقول ربي الله وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال:\n﴿وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ يعني إذا لم يظهر لكم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الملاحم باب ١٧، والترمذي في الفتن باب ١٣، والنسائي في البيعة باب ٣٧، وابن ماجة في الفتن باب ٢٠، وأحمد في المسند ٣/ ١٩، ٦١، ٤/ ٣١٤، ٣١٥، ٥/ ٢٥١، ٢٥٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٣٩، وتفسير سورة ٤٠ باب ١، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٤.","vol":"7","page":127},{"text":"صحة ما جاءكم به فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه فإن يك كاذبا فإن الله ﷾ سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة وإن يكن صادقا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة فمن الجائز عندكم أن يكون صادقا فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. وهكذا أخبر الله ﷿ عن موسى ﵇ أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾.\n﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ١٧ - ٢١] وهكذا قال رسول الله ﷺ لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله تعالى عباد الله ولا يمسوه بسوء وأن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته.\nقال الله ﷿: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٣٢] أي إلا أن لا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس، وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية وكان فتحا مبينا، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أي لو كان هذا الذي يزعم أن الله تعالى أرسله إليكم كاذبا كما تزعمون لكان أمره بينا يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله فكانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب وهذا نرى أمره سديدا ومنهجه مستقيما، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله، ثم قال المؤمن محذرا قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله بهم:\n﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله ﷺ واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله.\n﴿فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا﴾ أي لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بسوء قال فرعون لقومه رادا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون ﴿ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى ﵇ فيما جاء به من الرسالة ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] فقوله:\n﴿ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ كذب فيه وافترى وخان الله ﵎ ورسوله ﷺ ورعيته فغشهم وما نصحهم وكذا قوله: ﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد وقد كذب أيضا في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه قال الله ﵎: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] وقال جلت عظمته: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وفي الحديث «ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش","vol":"7","page":128},{"text":"لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» (^١) والله ﷾ الموفق للصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1732>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٠ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ (٣٥)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ عن هذا الرجل الصالح مؤمن آل فرعون أنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة فقال: ﴿يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ﴾ أي الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة كيف حل بهم بأس الله وما رده عنهم راد ولا صده عنهم صاد ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ أي إنما أهلكهم الله تعالى بذنوبهم وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره فأنفذ فيهم قدره ثم قال: ﴿وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ﴾ يعني يوم القيامة وسمي بذلك، قال بعضهم لما جاء في حديث الصور أن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر وماجت وارتجت فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضا وقال آخرون منهم الضحاك بل ذلك إذا جيء بجهنم ذهب الناس هرابا منهم فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] وقوله: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣].\nوقد روي عن ابن عباس ﵁ والحسن والضحاك أنهم قرءوا يوم التناد بتشديد الدال من ند البعير إذا شرد (^٢) وذهب وقيل لأن الميزان عنده ملك وإذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف عمله نادى ألا قد شقي فلان بن فلان وقال قتادة: ينادي كل قوم بأعمالهم، ينادي أهل الجنة أهل الجنة وأهل النار أهل النار (^٣)، وقيل سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] ومناداة أهل النار أهل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأحكام باب ٨، ومسلم في الإيمان حديث ٢٢٧، ٢٢٨، والإمارة حديث ٢١، والدارمي في الرقاق باب ٧٧، وأحمد في المسند ٥/ ٢٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٥٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٥٦.","vol":"7","page":129},{"text":"الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] والمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار كما هو مذكور في سورة الأعراف، واختار البغوي وغيره أنه سمي بذلك لمجموع ذلك وهو قول حسن جيد، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي ذاهبين هاربين ﴿كَلاّ لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١١ - ١٢] ولهذا قال ﷿: ﴿ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣، الزمر: ٢٣] أي من أضله الله فلا هادي له غيره.\nوقوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ﴾ يعني أهل مصر قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى ﵊ وهو يوسف ﵊ كان عزيز أهل مصر وكان رسولا يدعو إلى الله تعالى أمته القبط فما أطاعوه تلك الطاعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي ولهذا قال تعالى: ﴿فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي يئستم فقلتم طامعين: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ وذلك لكفرهم وتكذيبهم ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أي كحالكم هذا يكون حال من يضله الله لإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه.\nثم قال ﷿: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ﴾ أي الذين يدفعون الحق بالباطل ويجادلون بالحجج بغير دليل وحجة معهم من الله تعالى فإن الله ﷿ يمقت على ذلك أشد المقت ولهذا قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه فلا يعرف بعد ذلك معروفا ولا ينكر منكرا ولهذا قال ﵎: ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي على اتباع الحق ﴿جَبّارٍ﴾ وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة وحكي عن الشعبي أنهما قالا:\nلا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1733>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ (٣٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن فرعون وعتوه وتمرده وافترائه في تكذيبه موسى ﵊ أنه أمر وزيره هامان أن يبني له صرحا وهو القصر العالي المنيف الشاهق وكان اتخاذه من الآجر المضروب من الطين المشوي كما قال تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي","vol":"7","page":130},{"text":"صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨] ولهذا قال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون البناء بالآجر وأن يجعلوه في قبورهم رواه ابن أبي حاتم، وقوله ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ إلخ قال سعيد بن جبير وأبو صالح أبواب السموات وقيل طرق السموات ﴿فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا﴾ وهذا من كفره وتمرده أنه كذب موسى ﵊ في أن الله ﷿ أرسله إليه قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئا يتوصل به إلى تكذيب موسى ﵊ ولهذا قال تعالى: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد يعني إلا في خسار.\n\n<span data-type='title' id=toc-1734>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠)﴾\nيقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الجبار الأعلى فقال لهم:\n﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ لا كما كذب فرعون في قوله: ﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الآخرة وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى ﵊ فقال: ﴿يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ أي قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ أي الدار التي لا زوال لها ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها بل إما نعيم وإما جحيم ولهذا قال جلت عظمته: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾ أي واحدة مثلها ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي لا يتقدر بجزاء بل يثيبه الله ﷿ ثوابا كثيرا لا انقضاء له ولا نفاد والله تعالى الموفق للصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1735>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤١ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)﴾\nيقول لهم المؤمن ما بالي أدعوكم إلى النجاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله الله الذي بعثه ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي جهل بلا دليل ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ﴾ أي هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب","vol":"7","page":131},{"text":"إليه ﴿لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ يقول حقا؟ قال السدي وابن جرير معنى قوله ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا.\nوقال الضحاك ﴿لا جَرَمَ﴾ لا كذب وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿لا جَرَمَ﴾ يقول: بلى إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ قال مجاهد: الوثن ليس له شيء، وقال قتادة يعني الوثن لا ينفع ولا يضر، وقال السدي:\nلا يجيب داعيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا كقوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] وقوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ﴾ أي في الدار الآخرة فيجازي كلا بعمله ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ أي خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله ﷿: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه ونصحتكم ووضحت لكم وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفع الندم ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ﴾ أي وأتوكل على الله وأستعينه وأقاطعكم وأباعدكم ﴿إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي هو بصير بهم تعالى وتقدس فيهدي من يستحق الهداية ويضل من يستحق الإضلال وله الحجة البالغة والحكمة التامة والقدر النافذ.\nوقوله ﵎: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أي في الدنيا والآخرة، وأما في الدنيا فنجاه الله تعالى مع موسى ﵊ وأما في الآخرة فبالجنة ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾ وهو الغرق في اليم ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ أي أشده ألما وأعظمه نكالا، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور وهي قوله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾.\nولكن هاهنا سؤال وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ وقد قال الإمام أحمد (^١) حدثنا هاشم هو ابن القاسم أبو النضر حدثنا إسحاق بن سعيد هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص حدثنا سعيد يعني أباه عن عائشة ﵂ أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة ﵂ إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية وقال الله عذاب القبر قالت ﵂: فدخل رسول الله ﷺ علي فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال ﷺ: «لا، من زعم ذلك؟» قالت هذه اليهودية لا أصنع إليها\n_________\n(^١) المسند ١/ ٨١.","vol":"7","page":132},{"text":"شيئا من المعروف إلا قالت وقاك الله عذاب القبر قال ﷺ: «كذبت يهود وهم على الله أكذب لا عذاب دون يوم القيامة» ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه محمرة عيناه وهو ينادي بأعلى صوته «القبر كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم بكيتم كثيرا وضحكتم قليلا، أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق» وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.\nوروى أحمد (^١) حدثنا يزيد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت سألتها امرأة يهودية فأعطتها فقالت لها وقاك الله من عذاب القبر فأنكرت عائشة رضي لله عنها ذلك فلما رأت النبي ﷺ قالت له فقال ﷺ «لا» قالت عائشة ﵂ ثم قال لنا رسول الله ﷺ بعد ذلك «وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم» وهذا أيضا على شرطهما.\nفيقال فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية وفيها دلالة على عذاب البرزخ؟ والجواب أن الآية دلت على عرض الأرواح على النار غدوا وعشيا في البرزخ وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح فأما حصول ذلك للجسد في البرزخ وتألمه بسببه فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب.\nومما يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد (^٢) حدثنا عثمان بن عمر حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها امرأة من اليهود وهي تقول أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم، فارتاع رسول الله ﷺ وقال: «إنما يفتن يهود» قالت عائشة ﵂ فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله ﷺ: «ألا إنكم تفتنون في القبور» وقالت عائشة ﵂ فكان رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر، وهكذا رواه مسلم (^٣) عن هارون بن سعيد وحرملة كلاهما عن ابن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به.\nوقد يقال إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها فلما أوحي إلى النبي ﷺ في ذلك بخصوصه استعاذ منه والله ﷾ أعلم. وقد روى البخاري (^٤) من حديث شعبة عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن مسروق عن عائشة ﵂ أن يهودية دخلت عليها فقالت نعوذ بالله من عذاب القبر فسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال ﷺ: «نعم عذاب القبر حق» قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٢٣٨.\n(^٢) المسند ٦/ ٢٤٨.\n(^٣) كتاب المساجد حديث ١٢٣، ١٢٥.\n(^٤) كتاب الجنائز باب ٨٦.","vol":"7","page":133},{"text":"فهذا يدل على أنه بادر ﷺ إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر وقرر عليه، وفي الأخبار المتقدمة أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي فلعلهما قضيتان والله سبحانه أعلم وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صباحا ومساء ما بقيت الدنيا يقال لهم يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخا ونقمة وصغارا لهم (^١)، وقال ابن زيد هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة.\nوقال: ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد حدثنا المحاربي حدثنا ليث عن عبد الرحمن بن ثروان عن هذيل عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاؤوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح عليها فذلك عرضها، وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن الهذيل بن شرحبيل من كلامه في أرواح آل فرعون (^٢) وكذلك قال السدي.\nوفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال فيه «ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم مصفدون على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون» وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا زيد بن أخرم حدثنا عامر بن مدرك الحارثي حدثنا عتبة-يعني ابن يقظان-عن قيس بن مسلم عن طارق عن شهاب عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله تعالى» قال قلنا يا رسول الله ما إثابة الله الكافر؟ فقال: «إن كان قد وصل رحما أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة أثابه الله ﵎ المال والولد والصحة وأشباه ذلك» قلنا فما إثابته في الآخرة؟ قال ﷺ: «عذابا دون العذاب» وقرأ ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ ورواه البزار في مسنده عن زيد بن أخرم ثم قال: لا نعلم له إسنادا غير هذا.\nوقال ابن جرير (^٣) حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال: رحمك الله رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله ﷿ فإذا كان العشي رجع مثلها سودا قال وفطنتم إلى ذلك؟ قال نعم، قال إن ذلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٦، ٦٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٦.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٦٧.","vol":"7","page":134},{"text":"النار غدوا وعشيا فترجع إلى وكورها وقد احترقت أرياشها وصارت سودا فينبت عليها من الليل ريش أبيض ويتناثر الأسود ثم تغدو على النار غدوا وعشيا ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدنيا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ قال وكانوا يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل.\nوقال الإمام أحمد (^١) حدثنا إسحاق حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله ﷿ إليه يوم القيامة» أخرجاه في الصحيحين (^٢) من حديث مالك به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1736>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]</span>\n﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٥٠)﴾\nيخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار وتخاصمهم وفرعون وقومه من جملتهم فيقول الضعفاء وهم الأتباع للذين استكبروا وهم القادة والسادة والكبراء ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أي قسطا تتحملونه عنا ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها﴾ أي لا نتحمل عنكم شيئا كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنكال ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ أي يقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا كما قال تعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ … ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ﴾ [الأعراف: ٣٨ - ٣٩] لما علموا أن الله ﷿ لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم بل قد قال: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] سألوا الخزنة وهم كالسجانين لأهل النار أن يدعوا لهم الله تعالى أن يخفف عن الكافرين ولو يوما واحدا من العذاب فقالت لهم الخزنة رادين عليهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي أو ما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل ﴿قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا﴾ أي أنتم لأنفسكم فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم ونحن منكم براء ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم ولهذا قالوا:\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٩، ومسلم في الجنة حديث ٦٥، ٦٦.","vol":"7","page":135},{"text":"﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي إلا في ذهاب ولا يتقبل ولا يستجاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1737>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥١ إلى ٥٦]</span>\n﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾\nقد أورد أبو جعفر بن جرير (^١) رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ سؤالا فقال قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى فأين النصرة في الدنيا ثم أجاب عن ذلك بجوابين [أحدهما] أن يكون الخبر خرج عاما والمراد به البعض قال وهذا سائغ في اللغة [الثاني] أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم وقد ذكر أن النمرود أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح ﵇ من اليهود فسلط الله تعالى عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم ﵊ إماما عادلا وحكما مقسطا فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود ويقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام وهذه نصرة عظيمة وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقر أعينهم ممن آذاهم.\nففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول الله ﵎ من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب» (^٢) وفي الحديث الآخر: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث بالحرب» ولهذا أهلك الله ﷿ قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين فلم يهلك منهم أحدا وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣٨، بلفظ: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب». وأخرجه ابن ماجة في الفتن باب ١٦، بلفظ: «من عادى لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة».","vol":"7","page":136},{"text":"قال السدي لم يبعث الله ﷿ رسولا قط إلى قوم فيقتلونه أو قوما من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله ﵎ لهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا قال فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها. وهكذا نصر الله نبيه محمدا ﷺ وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه فجعل كلمته هي العليا ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية وجعل له فيها أنصارا وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر فنصره عليهم وخذلهم له وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم منّ عليهم بأخذه الفداء منهم ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة فقرت عينه ببلده وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم فأنقذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك وفتح له اليمن ودانت له جزيرة العرب بكاملها ودخل الناس في دين الله أفواجا، ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة فأقام الله ﵎ أصحابه خلفاء بعده فبلغوا عنه دين الله ﷿ ودعوا عباد الله تعالى إلى الله جل وعلا، وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائما منصورا ظاهرا إلى قيام الساعة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ أي يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل، قال مجاهد: الأشهاد الملائكة.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بدل من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ وقرأ آخرون يوم بالرفع كأنه فسره به ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ﴾ وهم المشركون ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي لا يقبل منهم عذر ولا فدية ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي الإبعاد والطرد من الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ وهي النار قاله السدي بئس المنزل والمقيل، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي سوء العاقبة وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى﴾ وهو ما بعثه الله ﷿ به من الهدى والنور ﴿وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ﴾ أي جعلنا لهم العاقبة وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه بما صبروا على طاعة الله ﵎ واتباع رسوله موسى ﵊ وفي الكتاب الذي أورثوه وهو التوراة ﴿هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ وهي العقول الصحيحة السليمة.\nوقوله ﷿: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أي يا محمد ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي وعدناك أنا سنعلي كلمتك ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك والله لا يخلف الميعاد وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك وقوله ﵎: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هذا تهييج للأمة على الاستغفار ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أي في أواخر النهار وأوائل الليل ﴿وَالْإِبْكارِ﴾ وهي أوائل النهار وأواخر الليل.","vol":"7","page":137},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ﴾ أي يدفعون الحق بالباطل ويردون الحج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ أي ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق واحتقار لمن جاءهم به وليس ما يرومونه من إخماد الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم بل الحق هو المرفوع وقولهم وقصدهم هو الموضوع ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ أي من حال مثل هؤلاء ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان هذا تفسير ابن جرير (^١).\nوقال كعب وأبو العالية نزلت هذه الآية في اليهود ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ قال أبو العالية وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم وأنهم يملكون به الأرض فقال الله تعالى لنبيه ﷺ آمرا له أن يستعيذ من فتنة الدجال ولهذا قال ﷿: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهذا قول غريب وفيه تعسف بعيد وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1738>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]</span>\n﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾\nيقول تعالى منبها على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة وأن ذلك سهل عليه يسير لديه بأنه خلق السموات والأرض وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣] وقال هاهنا: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله تعالى خلق السموات والأرض وينكرون المعاد استبعادا وكفرا وعنادا وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا ثم قال تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أي كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي ما أقل ما يتذكر كثير من الناس ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي لكائنة وواقعة ﴿لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لا يصدقون بها بل يكذبون بوجودها. قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أشهب حدثنا مالك عن شيخ قديم من أهل اليمن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٧١.","vol":"7","page":138},{"text":"قدم من ثم قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس واشتد حر الشمس، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1739>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]</span>\n﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)﴾\nهذا من فضله ﵎ وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه وتكفل لهم بالإجابة كما كان سفيان الثوري يقول: يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله وليس أحد كذلك غيرك يا رب. رواه ابن أبي حاتم وفي هذا المعنى يقول الشاعر:\n[الطويل] الله يغضب إن تركت سؤاله … وبنيّ آدم حين يسأل يغضب\nوقال قتادة: قال كعب الأحبار أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلها ولا نبي: كان إذا أرسل الله نبيا قال له أنت شاهد على أمتك وجعلتكم شهداء على الناس، وكان يقال له ليس عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] وكان يقال له ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني حدثنا صالح المرّي قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿ قال: «أربع خصال واحدة منهن لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين عبادي، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك».\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن ذر عن يسيع الكندي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الدعاء هو العبادة» (^٢) ثم قرأ ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ وهكذا رواه أصحاب السنن الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جرير كلهم من حديث الأعمش به. وقال الترمذي: حسن صحيح ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير أيضا من حديث شعبة عن منصور عن ذرّ به وأخرجه الترمذي أيضا من حديث الثوري عن منصور والأعمش كلا هما عن ذر به، وكذا رواه ابن يونس عن أسيد بن عاصم بن مهران حدثنا\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٧١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٣، والترمذي في تفسير سورة ٢ باب ١٦، وتفسير سورة ٤٠ باب ١، والدعوات باب ١، وابن ماجة في الدعاء باب ١.","vol":"7","page":139},{"text":"النعمان بن عبد السلام حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن ذر به، ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما وقال الحاكم صحيح الإسناد.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع أبو مليح المدني شيخ من أهل المدينة سمعه عن أبي صالح وقال مرة سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من لم يدع الله ﷿ غضب عليه» تفرد به أحمد وهذا إسناد لا بأس به، وقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا مروان الفزاري حدثنا صبيح أبو المليح سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من لا يسأله يغضب عليه» قال ابن معين أبو المليح هذا اسمه صبيح كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد وأما أبو صالح هذا فهو الخوزي سكن شعب الخوز، قاله البزار في مسنده، وكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يسأل الله يغضب عليه» وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي: حدثنا همام حدثنا إبراهيم عن الحسن حدثنا نائل بن نجيح حدثني عائذ بن حبيب عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتابا بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات فتعرضوا له لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا».\nوقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ أي عن دعائي وتوحيدي سيد خلون جهنم داخرين أي صاغرين حقيرين كما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر (^٤) في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت أبي يحدث عن وهيب بن الورد حدثني رجل قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم فسمعت هاتفا من فوق رأس جبل وهو يقول: يا رب عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحدا غيرك يا رب عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك. قال ثم ذهبت ثم جاءت الطامة الكبرى قال ثم عاد الثانية فقال يا رب عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك قال وهيب وهذه الطامة الكبرى، قال فناديته أجني أنت أم إنسي؟ قال بل\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٧٧.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٤٢.\n(^٣) المسند ٢/ ١٧٩.\n(^٤) الذر: النمل الصغير.","vol":"7","page":140},{"text":"إنسي اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1740>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ إلى ٦٥]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)﴾\nبقول تعالى ممتنا على خلقه بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه يستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار وجعل النهار مبصرا أي مضيئا ليتصرفوا فيه بالأسفار وقطع الأقطار والتمكن من الصناعات ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي لا يقومون بشكر نعم الله عليهم، ثم قال ﷿: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد خالق الأشياء الذي لا إله غيره ولا رب سواه ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف تعبدون غيره من الأصنام التي لا تخلق شيئا بل هي مخلوقة منحوتة.\nوقوله ﷿: ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله كذلك أفك الذين من قبلهم فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى.\nوجحدوا حجج الله وآياته وقوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا﴾ أي جعلها لكم مستقرا بساطا مهادا تعيشون عليها وتتصرفون فيها وتمشون في مناكبها وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم ﴿وَالسَّماءَ بِناءً﴾ أي سقفا للعالم محفوظا ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي فخلقكم في أحسن الأشكال ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي من المآكل والمشارب في الدنيا فذكر أنه خالق الدار والسكان والأرزاق فهو الخالق الرازق كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٠ - ٢١].\nوقال تعالى هاهنا بعد خلق هذه الأشياء: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي هو الحي أزلا وأبدا لم يزل ولا يزال وهو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي لا نظير له ولا عديل ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو الحمد لله رب العالمين. قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله أن يتبعها","vol":"7","page":141},{"text":"بالحمد لله رب العالمين عملا بهذه الآية. ثم روي عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق عن أبيه عن الحسين بن واقد عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين وذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.\nوقال أبو أسامة وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد عن سعيد بن جبير قال إذا قرأت ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فقل لا إله إلا الله وقل على أثرها الحمد لله رب العالمين ثم قرأ هذه الآية ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا هشيم يعني ابن عروة بن الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن بدر المكي قال كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال وكان رسول الله ﷺ يهل بهن دبر كل صلاة ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وذكر تمامه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1741>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٦ إلى ٦٨]</span>\n﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾\nيقول ﵎ قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن الله ﷿ ينهى أن يعبد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان وقد بين ﵎ أنه لا يستحق العبادة أحد سواه في قوله جلت عظمته: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أي هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا شريك له وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم بل تسقطه أمه سقطا ومنهم من يتوفى صغيرا وشابا وكهلا قبل الشيخوخة كقوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] وقال ﷿ هاهنا: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن جريج تتذكرون البعث ثم قال تعالى:\n﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي هو المتفرد بذلك لا يقدر على ذلك أحد سواه ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي لا يخالف ولا يمانع بل ما شاء كان لا محالة.","vol":"7","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1742>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٩ إلى ٧٦]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾\nيقول تعالى ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله ويجادلون في الحق بالباطل كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ أي من الهدى والبيان ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، من الرب ﷻ لهؤلاء كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] وقوله ﷿: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أي متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم ولهذا قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ كما قال ﵎: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤] وقال تعالى بعد ذكر أكلهم الزقوم وشربهم الحميم ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] وقال: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ -إلى أن قال- ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤ - ٥١ - ٥٦] وقال ﷿: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٥٠] أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتحقير والتصغير والتهكم والاستهزاء بهم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن منيع حدثنا منصور بن عمار حدثنا بشير بن طلحة الخزامي عن خالد بن دريك عن يعلى بن منبه رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: «ينشئ الله ﷿ سحابة لأهل النار سوداء مظلمة ويقال يا أهل النار أي شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقولون نسأل بارد الشراب فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيد في سلاسلهم وجمرا يلهب النار عليهم» هذا حديث غريب.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي قيل لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله هل ينصرونكم اليوم ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أي ذهبوا فلم ينفعونا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي جحدوا عبادتهم كقوله جلت عظمته: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ","vol":"7","page":143},{"text":"إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (^١) [الأنعام: ٢٣] ولهذا قال ﷿: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾. وقوله: ﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أي تقول لهم الملائكة هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير حق ومرحكم وأشركم وبطركم ﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1743>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]</span>\n﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه فإن الله تعالى سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي في الدنيا وكذلك وقع فإن الله تعالى أقر أعينهم من كبرائهم وعظمائهم أبيدوا في يوم بدر ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته ﷺ وقوله ﷿: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أي فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة.\nثم قال تعالى مسليا له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] كما قال جل وعلا في سورة النساء سواء أي منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف كما تقدم التنبيه على ذلك في سورة النساء ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات إلا أن يأذن الله له في ذلك فيدل على صدقه فيما جاءهم به ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ فينجي المؤمنين، ويهلك الكافرين ولهذا قال ﷿: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1744>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ إلى ٨١]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾\nيقول تعالى ممتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب ويحمل عليها الأثقال في الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة والبقر تؤكل ويشرب لبنها وتحرث عليها\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٥/ ٦٦٩.","vol":"7","page":144},{"text":"الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة كما فصل وبين في أماكن تقدم ذكرها في سورة الأنعام وسورة النحل وغير ذلك ولذا قال ﷿ هاهنا ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ أي حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم ﴿فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ أي لا تقدرون على إنكار شيء من آياته إلا أن تعاندوا وتكابروا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1745>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٢ إلى ٨٥]</span>\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾\nيخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر وماذا حل بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم وما آثروه في الأرض وجمعوه من الأموال فما أغنى عنهم ذلك شيئا ولا رد عنهم ذرة من بأس الله وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل قال مجاهد: قالوا نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب (^١).\nوقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم فأتاهم من بأس الله تعالى ما لا قبل لهم به ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي يكذبون ويستبعدون وقوعه ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ أي عاينوا وقوع العذاب بهم ﴿قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي وحدوا الله ﷿ وكفروا بالطاغوت ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] قال الله ﵎: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١] أي فلم يقبل الله منه لأنه قد استجاب لنبيه موسى ﵊ دعاءه حين قال: ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وهكذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ أي هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل ولهذا جاء في الحديث «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٨١.","vol":"7","page":145},{"text":"يغرغر» (^١) أي فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملك فلا توبة حينئذ ولهذا قال تعالى:\n﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ آخر سورة غافر ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٩٨، وابن ماجة في الزهد باب ٣٠، وأحمد في المسند ٢/ ١٣٢، ١٥٣، ٣/ ٤٢٥.","vol":"7","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1746>سورة فصلت</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1747>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ يعني القرآن منزل من الرحمن الرحيم كقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] وقوله ﵎: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أي بينت معانيه وأحكمت أحكامه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي في حال كونه قرآنا عربيا بينا واضحا فمعانيه مفصلة وألفاظه واضحة غير مشكلة كقوله تعالى:\n﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] أي هو معجز من حيث لفظه ومعناه ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\nوقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي تارة يبشر المؤمنين وتارة ينذر الكافرين ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي أكثر قريش فهم لا يفهمون منه شيئا مع بيانه ووضوحه ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أي في غلف مغطاة ﴿مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ أي صمم عما جئتنا به ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ فلا يصل إلينا شيء مما تقوله ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ أي اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا لا نتابعك.\nقال الإمام العالم عبد بن حميد في مسنده: حدثني ابن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح عن الزيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: اجتمعت قريش يوما فقالوا انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا أنت يا أبا الوليد فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال أنت خير أم عبد المطلب، فسكت رسول الله ﷺ فقال إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة (^١) قط أشأم على قومك منك،\n_________\n(^١) السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن.","vol":"7","page":147},{"text":"فرقت جماعتنا وشتت أمرنا، وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا واحدا، وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا، فقال رسول الله ﷺ: «فرغت» قال نعم، فقال رسول الله ﷺ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ -حتى بلغ- ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة حسبك حسبك ما عندك غير هذا، فقال رسول الله ﷺ «لا» فرجع إلى قريش فقالوا ما وراءك؟ قال ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا فهل أجابك؟ قال لا والذي نصبها بنية (^١) ما فهمت شيئا مما قاله غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة.\nوهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله سواء، وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فضيل عن الأجلح وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي وقد ضعف بعض الشيء عن الزيال بن حرملة عن جابر بن عبد الله ﵁ فذكر الحديث إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم، فقال أبو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمدا أبدا وقال والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ السورة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخشيت أن ينزل بكم العذاب، وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى والله تعالى أعلم.\nوقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط فقال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده:\nيا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها\n_________\n(^١) البنيّة: هي الكعبة، وكانت تسمى بنيّة إبراهيم ﵇.","vol":"7","page":148},{"text":"شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ﵁ ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السّطة (^١) في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضا. قال:\nفقال له رسول الله ﷺ: «قل يا أبا الوليد أسمع» قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع (^٢) على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال نعم. قال «فاستمع مني» قال أفعل. قال:\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ ثم مضى رسول الله ﷺ فيها وهو يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد ثم قال «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك» فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم.\nوهذا السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1748>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٦ إلى ٨]</span>\n﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾\n_________\n(^١) السّطة: الشرف.\n(^٢) التابع: ما يتبع الإنسان من الجن.\n(^٣) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٩٣، ٢٩٤.","vol":"7","page":149},{"text":"لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين إنما الله إله واحد ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي لسالف الذنوب ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي دمار لهم وهلاك عليهم ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله وكذا قال عكرمة وهذا كقوله ﵎: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] وكقوله جلت عظمته: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى:\n١٤ - ١٥] وقوله ﷿: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] والمراد بالزكاة هاهنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك، وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام وتكون سببا لزيادته وبركته وكثرة نفعه وتوفيقا إلى استعماله في الطاعات.\nوقال السدي ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي لا يدينون بالزكاة، وقال معاوية بن قرة ليس هم من أهل الزكاة وقال قتادة يمنعون زكاة أموالهم وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين واختاره ابن جرير وفيه نظر لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة على ما ذكره غير واحد وهذه الآية مكية اللهم إلا أن يقال لا يبعد أن يكون أصل أصل الصدقة والزكاة وكان مأمورا به في ابتداء البعثة كقوله ﵎: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين أمرها بالمدينة ويكون هذا جمعا بين القولين كما أن أصل الصلاة كان واجبا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله تعالى على رسوله ﷺ الصلوات الخمس وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئا فشيئا والله أعلم. ثم قال ﷻ بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال مجاهد وغيره:\nلا مقطوع ولا مجبوب كقوله تعالى: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣] وكقوله ﷿:\n﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وقال السدي ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ عليهم وقد رد عليه هذا التفسير بعض الأئمة فإن المنة لله ﵎ على أهل الجنة قال الله ﵎: ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقال أهل الجنة ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، وقال رسول الله ﷺ: «إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1749>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٩ إلى ١٢]</span>\n﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٨، ومسلم في المنافقين حديث ٧١ - ٧٣.","vol":"7","page":150},{"text":"هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره وهو الخالق لكل شيء القاهر لكل شيء المقتدر على كل شيء فقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا﴾ أي نظراء وأمثالا تعبدونها معه ﴿ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم. وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففصل هاهنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء فذكر أنه خلق الأرض أولا لأنها كالأساس والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده بالسقف كما قال ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] الآية فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وَالْجِبالَ أَرْساها مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٣].\nففي هذه الآية أن دحي الأرض كان بعد خلق السماء، فالدحي هو مفسر بقوله ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ وكان هذا بعد خلق السماء فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص وبهذا أجاب ابن عباس ﵁ فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه فإنه قال:\nوقال المنهال عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس ﵄ إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فقد كتموا في هذه الآية وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ -إلى قوله- ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] فذكر خلق السماء قبل الأرض.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ -إلى قوله- ﴿طائِعِينَ﴾ فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦ - ١٥٨] ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨ - ١٣٤] فكأنه كان ثم مضى فقال ابن عباس ﵄ ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون بينهم ثم في النفخة الأخرى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وأما قوله: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ فإن الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك يعرف أن الله تعالى لا يكتم حديثا، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢ وغيرها] الآية، وخلق الأرض في يومين ثم","vol":"7","page":151},{"text":"خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله تعالى ﴿دَحاها﴾.\nوقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلق السموات في يومين ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] سمى نفسه بذلك وذلك قوله أي لم يزل كذلك فإن الله تعالى لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد فلا يختلفن عليك القرآن فإن كلا من عند الله ﷿. قال البخاري حدثنيه يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال هو ابن عمرو بالحديث.\nوقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ يعني يوم الأحد ويوم الاثنين ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها﴾ أي جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس وقدر فيها أقواتها وهو ما ويحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس يعني يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع اليومين السابقين أربعة ولهذا قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ أي لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه وقال عكرمة ومجاهد في قوله ﷿: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها ومنه العصب (^١) باليمن والسابوري (^٢) بسابور والطيالسة (^٣) بالري (^٤) وقال ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ أي لمن أراد السؤال عن ذلك وقال ابن زيد معناه ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ أي على وفق مراد من له حاجة إلى رزق أو حاجة فإن الله تعالى قدر له ما هو محتاج إليه وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤] والله أعلم.\nوقوله ﵎: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾ وهو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي استجيبا لأمري وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين قال الثوري عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ قال: قال الله ﵎ للسموات أطلعي شمسي وقمري ونجومي وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ واختاره ابن جرير (^٥) ﵀ قالتا أتينا طائعين أي بل نستجيب لك مطيعين بما\n_________\n(^١) العصب: برود يمنية يعصب غزلها. أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج، فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ.\n(^٢) السابوري: نسبة إلى سابور قرية قريبة من أصبهان، وكل ثوب رقيق يسمى سابري.\n(^٣) الطيالسة: من لباس العجم، وقيل هو ثوب يلبس على الكتف.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ١١/ ٩٠.\n(^٥) تفسير الطبري ١١/ ٩٢.","vol":"7","page":152},{"text":"فينا مما تريد خلقه من الملائكة والجن والإنس جميعا مطيعين لك، حكاه ابن جرير عن بعض أهل العربية قال وقيل تنزيلا لهن معاملة من يعقل بكلامهما وقيل إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة ومن السماء ما يسامته منها والله أعلم وقال الحسن البصري لو أبيا عليه أمره عليه لعذبهما عذابا يجدان ألمه رواه ابن أبي حاتم.\n﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي ففرغ من تسويتهن سبع سموات في يومين أي آخرين وهما يوم الخميس ويوم الجمعة ﴿وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها﴾ أي ورتب مقررا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو ﴿وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض ﴿وَحِفْظًا﴾ أي حرسا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم قال ابن جرير حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال هناد: قرأت سائر الحديث أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال ﷺ: «خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ لمن سأله قال وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه [فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات] وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة» ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد قال «ثم استوى على العرش» قالوا قد أصبت لو أتممت، قالوا ثم استراح، فغضب النبي ﷺ غضبا شديدا فنزل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٨] هذا الحديث فيه غرابة.\nفأما حديث ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة ﵁ قال أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» (^١) فقد رواه مسلم والنسائي في كتابيهما من حديث ابن جريج به وهو من غرائب الصحيح وقد علله البخاري في التاريخ فقال رواه بعضهم عن أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار وهو الأصح.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المنافقين حديث ٢٧، وأحمد في المسند ٢/ ٣٢٧.","vol":"7","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1750>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٣ إلى ١٨]</span>\n﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾\nيقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ أي ومن شاكلها ممن فعل كفعلهما ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي في القرى المجاورة لبلادهم بعث الله إليهم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا وقالوا: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أي لو أرسل الله رسلا لكانوا ملائكة من عنده ﴿فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي أيها البشر ﴿كافِرُونَ﴾ أي لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي بغوا وعتوا وعصوا ﴿وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ أي منوا بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي أفما يتكفرون فيمن يبارزون بالعداوة فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها وأن بطشه شديد كما قال ﷿: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] فبارزوا الجبار بالعداوة وجحدوا بآياته وعصوا رسوله فلهذا قال: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قال بعضهم وهي الشديدة الهبوب، وقيل الباردة. وقيل هي التي لها صوت والحق أنها متصفة بجميع ذلك فإنها كانت ريحا شديدة قوية لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم وكانت باردة شديدة البرد جدا كقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أي باردة شديدة وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق صرصرا لقوة صوت جريه.\nوقوله تعالى: ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أي متتابعات ﴿سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧] وكقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ٦٩] أي ابتدءوا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس ﴿سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا﴾ حتى أبادهم عن آخرهم واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ","vol":"7","page":154},{"text":"الْآخِرَةِ أَخْزى﴾ أي أشد خزيا لهم ﴿وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي في الآخرة كما لم ينصروا في الدنيا وما كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال، وقوله ﷿: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄ وأبو العالية وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن زيد: بينا لهم، وقال الثوري دعوناهم ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ أي بصرناهم وبينا لهم ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح ﵊ فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة الله تعالى التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ﴾ أي بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلا وهوانا وعذابا ونكالا ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي من التكذيب والجحود ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي من بين أظهرهم لم يمسهم سوء ولا نالهم من ذلك ضرر بل نجاهم الله تعالى مع نبيهم صالح ﵊ بإيمانهم وتقواهم لله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1751>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ إلى ٢٤]</span>\n﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي تجمع الزبانية أولهم على آخرهم كما قال ﵎:\n﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] أي عطاشا. وقوله ﷿: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها﴾ أي وقفوا عليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي بأعمالهم مما قدموه وأخروه لا يكتم منه حرف ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ أي لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم فعند ذلك أجابتهم الأعضاء ﴿قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي فهو لا يخالف ولا يمانع وإليه ترجعون.\nقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا علي بن قادم حدثنا شريك عن عبيد المكتب عن الشعبي عن أنس بن مالك ﵁ قال ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وابتسم فقال ﷺ: «ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟» قالوا يا رسول الله عن أي شيء ضحكت؟ قال ﷺ: «عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول أي ربي أليس وعدتني أن لا تظلمني، قال بلى فيقول فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي فيقول الله ﵎ أوليس كفى بي شهيدا وبالملائكة الكرام الكاتبين-قال-فيردد هذا الكلام مرارا-قال-فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول بعدا لكن وسحقا عنكن كنت أجادل» ثم رواه هو","vol":"7","page":155},{"text":"وابن أبي حاتم من حديث أبي عامر الأسدي عن الثوري عن عبيد المكتب عن فضيل بن عمرو عن الشعبي ثم قال لا نعلم رواه عن أنس ﵁ غير الشعبي وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي عن الثوري به.\nثم قال النسائي لا أعلم أحدا رواه عن الثوري غير الأشجعي وليس كما قال كما رأيت والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا إسماعيل ابن علية عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه ﷿ عمله فيجحد ويقول أي رب وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل فيقول له الملك أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول لا وعزتك أي رب ما عملته قال فإذا فعل ذلك ختم على فيه، قال الأشعري ﵁: فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى.\nوقال الحافظ أبو يعلى حدثنا زهير حدثنا حسن عن ابن لهيعة قال دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عنه عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقول هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول كذبوا فيقول أهلك وعشيرتك فيقول كذبوا فيقول احلفوا فيحلفون ثم يصمتهم الله تعالى وتشهد عليهم ألسنتهم ويدخلهم النار» وقال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يقول حدثنا علي بن زيد عن مسلم بن صبيح أبي الضحى عن ابن عباس ﵄ أنه قال لابن الأزرق إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم ثم يؤذن لهم فيختصمون فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى فيحلفون له كما يحلفون لكم فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ويختم على أفواههم ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتقر الألسنة بعد الجحود.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا ابن المبارك حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن قال وصف رجلا جحد قال فيشير الله تعالى إلى لسانه فيربو في فمه حتى يملأه فلا يستطيع أن ينطق بكلمة ثم يقول لآرابه (^١) كلها تكلمي واشهدي عليه فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه ورجلاه صنعنا عملنا فعلنا. وقد تقدم أحاديث كثيرة وآثار عند قوله تعالى في سورة يس\n_________\n(^١) آرابه: أي أعضائه.","vol":"7","page":156},{"text":"﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما رجعت إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر قال «ألا تحدثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟» فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله بينما نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا؟ قال يقول رسول الله ﷺ: «صدقت صدقت كيف يقدس الله قوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم» (^١) هذا حديث غريب من هذا الوجه ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن سليم به.\nوقوله تعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ أي تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم ما كنتم تتكتّمون منا الذي كنتم تفعلونه بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي ولا تبالون منه في زعمكم لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم ولهذا قال تعالى: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ﴾ أي هذا الظن الفاسد وهو اعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم كثيرا مما تعملون هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم.\nقال الإمام أحمد (^٢) حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله ﵁ قال: كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان-أو ثقفي وختناه قرشيان-كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا، فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم نرفعه لم يسمعه فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله-قال-فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله ﷿ ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وهكذا رواه الترمذي (^٣) عن هناد عن أبي معاوية بإسناده نحوه، وأخرجه أحمد (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٣٠.\n(^٢) المسند ١/ ٣٨١.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤١ باب ١.\n(^٤) المسند ١/ ٤٠٨، ٤٢٦.","vol":"7","page":157},{"text":"ومسلم (^١) والترمذي (^٢) أيضا من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود بنحوه، ورواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤) أيضا من حديث السفيانين كلاهما عن منصور عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود ﵁ به.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ قال: «إنكم تدعون يوم القيامة مفدما على أفواهكم بالفدام فأول شيء يبين عن أحدكم فخذه وكفه» (^٥) قال معمر: وتلا الحسن ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ﴾ ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى أنا مع عبدي عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني» (^٦) ثم افتر (^٧) الحسن ينظر في هذا فقال: ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظن بالله فأساءا العمل ثم قال: قال الله ﵎: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ الآية.\nوقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا النضر بن إسماعيل القاص وهو أبو المغيرة حدثنا ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله فقال الله تعالى: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا هم في النار لا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا ان يستعتبوا ويبدوا أعذارهم فما لهم أعذار ولا تقال لهم عثرات. قال ابن جرير (^٩): ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي يسألوا الرجعة إلى الدنيا\n_________\n(^١) كتاب المنافقين حديث ٨.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤١ باب ٢.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤١، باب ٢.\n(^٤) كتاب المنافقين حديث ٨.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤، ٥.\n(^٦) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في التوحيد باب ١٥، ٣٥، ومسلم في التوبة حديث ١، والذكر حديث ٢، ٩، والترمذي في الزهد باب ٥١، والدعوات باب ١٣١، وابن ماجة في الأدب باب ٥٨، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥١، ٣/ ٢١٠، ٤/ ١٠٦.\n(^٧) أفتر: أي تبسم حتى بدت أسنانه من غير قهقهة.\n(^٨) المسند ٣/ ٣٩٠، ٣٩١.\n(^٩) تفسير الطبري ١١/ ١٠٣.","vol":"7","page":158},{"text":"فلا جواب لهم قال وهذا كقوله تعالى إخبارا عنهم: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1752>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾\nيذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته وهو الحكيم في أفعاله بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي حسنوا لهم أعمالهم في الماضي وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي كلمة العذاب كما حق على أمم قد خلت من قبلهم ممن فعل كفعلهم من الجن والإنس ﴿إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ أي استووا هم وإياهم في الخسار والدمار. وقوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ﴾ أي تواصوا فيما بينهم أن لا يطيعوا للقرآن ولا ينقادوا لأوامره ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ أي إذا تلي لا تستمعوا له كما قال مجاهد ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ يعني بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله ﷺ إذا قرأ القرآن قريش تفعله (^١).\nوقال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ عيبوه، وقال قتادة: اجحدوا به وأنكروه وعادوه ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن وقد أمر الله ﷾ عباده المؤمنين بخلاف ذلك فقال تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nثم قال ﷿ منتصرا للقرآن ومنتقما ممن عاداه من أهل الكفران ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا﴾ أي في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعهم ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ي بشر أعمالهم وسيئ أفعالهم ﴿ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٠٤.","vol":"7","page":159},{"text":"قال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن مالك بن الحصين الفزاري عن أبيه عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿الَّذَيْنِ أَضَلاّنا﴾ قال إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه (^١). وهكذا روى حبة العرني عن علي ﵁ مثل ذلك.\nوقال السدي عن علي ﵁ فإبليس يدعو به كل صاحب شرك وابن آدم يدعو به كل صاحب كبيرة فإبليس لعنه الله هو الداعي إلى كل شر من شرك فما دونه وابن آدم الأول كما ثبت في الحديث «ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل» (^٢). وقولهم: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا﴾ أي أسفل منا في العذاب ليكونا أشد عذابا منا ولهذا قالوا ﴿لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي في الدرك الأسفل من النار كما تقدم في الأعراف في سؤال الاتباع من الله تعالى أن يعذب قادتهم أضعاف عذابهم ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي أنه تعالى قد أعطى كلا منهم ما يستحقه من العذاب والنكال بحسب عمله وإفساده كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1753>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أي أخلصوا العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الجراح حدثنا سلم بن قتيبة أبو قتيبة الشعيري حدثنا سهيل بن أبي حزم حدثنا ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال:\nقرأ علينا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها، وكذا رواه النسائي في تفسيره والبزار وابن جرير عن عمرو بن علي الفلاس عن سلم بن قتيبة به. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن الفلاس به.\nثم قال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن سعيد بن نمران (^٤) قال: قرأت عند أبي بكر الصديق ﵁ هذه الآية:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٠٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٢، والاعتصام باب ١٥، والأنبياء باب ١، ومسلم في القسامة حديث ٢٧، والترمذي في العلم باب ١٤، وابن ماجة في الديات باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٣، ٤٣٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ١٠٦.\n(^٤) في تفسير الطبري: سعيد بن عمران.","vol":"7","page":160},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ قال هم الذين لم يشركوا بالله شيئا ثم روى من حديث الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ ما تقولون في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ قال فقالوا: ﴿رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ من ذنب فقال: لقد حملتموه على غير المحمل قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يلتفتوا إلى إله غيره. وكذا قال مجاهد وعكرمة والسدي وغير واحد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني أخبرنا حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال سئل ابن عباس ﵄ أي آية في كتاب الله ﵎ أرخص؟ قال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الزهري: تلا عمر ﵁ هذه الآية على المنبر ثم قال استقاموا والله لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ على أداء فرائضه (^١)، وكذا قال قتادة: قال وكان الحسن يقول اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة، وقال أبو العالية ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أخلصوا له الدين والعمل.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هشيم حدثنا يعلى بن عطاء عن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك قال ﷺ: «قل آمنت بالله ثم استقم» قلت فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه. ورواه النسائي من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء به. ثم قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا إبراهيم بن سعد حدثني ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز الغامدي عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال ﷺ «قل ربي الله ثم استقم» قلت:\nيا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله بطرف لسان نفسه ثم قال: «هذا» وهكذا رواه الترمذي (^٤) وابن ماجة (^٥) من حديث الزهري به وقال الترمذي حسن صحيح. وقد أخرجه مسلم (^٦) في صحيحه والنسائي من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال ﷺ: «قل آمنت بالله ثم استقم» وذكر تمام الحديث.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ١٠٨.\n(^٢) المسند ٤/ ٣٨٤، ٣٨٥.\n(^٣) المسند ٣/ ٤١٣.\n(^٤) كتاب الزهد باب ٦١.\n(^٥) كتاب الفتن باب ١٣.\n(^٦) كتاب الإيمان حديث ٦٢.","vol":"7","page":161},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ قال مجاهد والسدي وزيد بن أسلم وابنه: يعني عند الموت قائلين ﴿أَلاّ تَخافُوا﴾ قال مجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم أي مما تقدمون عليه من أمر الآخرة ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال أو دين فإنا نخلفكم فيه ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير:\nوهذا كما جاء في حديث البراء ﵁ قال: «إن الملائكة تقول لروح المؤمن اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان» (^١) وقيل إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم حكاه ابن جرير (^٢) عن ابن عباس والسدي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا عبد السلام بن مطهر حدثنا جعفر بن سليمان قال سمعت ثابتا قرأ سورة «حم السجدة» حتى بلغ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ فوقف فقال بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله تعالى من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له لا تخف ولا تحزن ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قال فيؤمن الله تعالى خوفه ويقر عينه فما عظيمة يخشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين لما هداه الله ﵎ ولما كان يعمل له في الدنيا وقال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث.\nرواه ابن أبي حاتم وهذا القول يجمع الأقوال كلها وهو حسن جدا وهو الواقع.\nوقوله ﵎: ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار نحن كنا أولياءكم في الحياة الدنيا أي قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور ونؤمنكم يوم البعث والنشور ونجاوز بكم الصراط المستقيم ونوصلكم إلى جنات النعيم ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ أي في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس وتقر به العيون ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أي مهما طلبتم وجدتم وحضر بين أيديكم كما اخترتم ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ أي ضيافة وعطاء وإنعاما من غفور لذنوبكم رحيم بكم رؤوف حيث غفر وستر ورحم ولطف. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث سوق الجنة عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ فقال:\nحدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين أبي سعيد حدثنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة ﵁\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣١، وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٤، ٦/ ١٤٠، بلفظ: أشري بروح وريحان ورب غير غضبان».\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ١٠٨.","vol":"7","page":162},{"text":"فقال أبو هريرة ﵁ أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد: أو فيها سوق؟ فقال: نعم أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله ﷿ ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة ويوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم دنيء (^١) على كثبان المسك والكافور ما يرون بأن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا. قال أبو هريرة ﵁ قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا، قال ﷺ: «نعم، هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر» قلنا لا، قال ﷺ: «فكذلك لا تتمارون في رؤية ربكم تعالى ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى أنه ليقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا يذكره ببعض غدراته في الدنيا-أي رب أفلم تغفر لي، فيقول بلى، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه-قال-فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط-قال-ثم يقول ربنا ﷿ قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة وخذوا ما اشتهيتم، قال فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب قال فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشتري وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا. قال فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه. وما فيهم دنيء فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا بحبيبنا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ﵎ ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به» (^٢) وقد رواه الترمذي في صفة الجنة من جامعه عن محمد بن إسماعيل عن هشام بن عمار ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار به نحوه ثم قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاءه الله كره الله لقاءه» قلنا يا رسول الله: كلنا نكره الموت قال ﷺ: «ليس ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر إليه فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى فأحب الله لقاءه-قال-وإن الفاجر-أو الكافر-إذا حضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر أو\n_________\n(^١) الدنيء: الخسيس.\n(^٢) أخرجه الترمذي في صفة الجنة باب ١٥، وابن ماجة في الزهد باب ٣٩.\n(^٣) المسند ٣/ ١٠٧.","vol":"7","page":163},{"text":"ما يلقى من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه» (^١) وهذا حديث صحيح وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1754>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ إلى ٣٦]</span>\n﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾\nيقول ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ﴾ أي دعا عباد الله إليه ﴿وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي هو في نفسه مهتد بما يقوله فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعد وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون عن المنكر ويأتونه بل يأتمر بالخير ويترك الشر ويدعو الخلق إلى الخالق ﵎ وهذه عامة في كل من دعا إلى الخير وهو في نفسه مهتد ورسول الله ﷺ أولى الناس بذلك كما قال محمد بن سيرين والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء كما ثبت في صحيح مسلم «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» (^٢) وفي السنن مرفوعا «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن عروبة الهروي حدثنا غسان قاضي هراة وقال أبو زرعة: حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مطر عن الحسن عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: «سهام المؤذنين عند الله تعالى يوم القيامة كسهام المجاهدين وهو بين الآذان والإقامة كالمتشحط في سبيل الله تعالى في دمه» قال: وقال ابن مسعود ﵁ لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا أحج ولا أعتمر ولا أجاهد قال: وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو كنت مؤذنا لكمل أمري وما باليت أن لا أنتصب لقيام الليل ولا لصيام النهار سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم اغفر للمؤذنين» ثلاثا، قال: فقلت يا رسول الله تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف قال ﷺ: «كلا يا عمر إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعافهم وتلك لحوم حرمها الله ﷿ على النار لحوم المؤذنين» قال وقالت عائشة ﵂ ولهم هذه الآية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤١، ومسلم في الذكر حديث ١٤، ١٦ - ١٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١٤، وابن ماجة في الأذان باب ٥، وأحمد في المسند ٣/ ١٦٩، ٢٦٤، ٤/ ٩٥، ٩٨.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ٣٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٢، ٢٨٤، ٣٨٢، ٥/ ٢٦٠، ٦/ ٦٥.","vol":"7","page":164},{"text":"﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قالت: فهو المؤذن إذا قال حي على الصلاة فقد دعا إلى الله وهكذا قال ابن عمر ﵄ وعكرمة إنها نزلت في المؤذنين وقد ذكر البغوي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أنه قال في قوله ﷿ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ قال: يعني صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة.\nثم أورد البغوي حديث عبد الله بن المغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بين كل أذانين-صلاة-ثم قال في الثالثة-لمن شاء» (^١) وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من حديث عبد الله بن بريدة عنه وحديث الثوري عن زيد العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك ﵁ قال قال الثوري: لا أراه إلا قد رفعه إلى النبي ﷺ «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في اليوم والليلة كلهم من حديث الثوري به وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه النسائي أيضا من حديث سليمان التيمي عن قتادة عن أنس به. والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعا بالكلية لأنها مكية والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري ﵁ في منامه فقصه على رسول الله ﷺ فأمره أن يلقيه على بلال ﵁ فإنه أندى صوتا كما هو مقرر في موضعه فالصحيح إذن أنها عامة كما قال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقال هذا حبيب الله هذا ولي الله هذا صفوة الله هذا خيرة الله هذا أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحا في إجابته وقال إنني من المسلمين هذا خليفة الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ أي فرق عظيم بين هذه وهذه ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه كما قال عمر ﵁:\nما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.\nوقوله ﷿: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وهو الصديق أي إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك، ثم قال ﷿:\n﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي وما يقبل هذه الموصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك فإنه يشق على النفوس ﴿وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٤، ١٦، ومسلم في المسافرين حديث ٣٠٤، وأبو داود في التطوع باب ١١، والترمذي في الصلاة باب ٢٢، والنسائي في الأذان باب ٣٩، وابن ماجة في الإقامة باب ١١٠، والدارمي في الصلاة باب ١٤٥، وأحمد في المسند ٤/ ٨٦، ٥/ ٥٤، ٥٦، ٥٧.","vol":"7","page":165},{"text":"عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ أي أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك فإذا استعذت بالله ولجأت إليه كفه عنك ورد كيده، وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» (^٢)، وقد قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠] وفي سورة المؤمنين عند قوله: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1755>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]</span>\n﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾\nيقول تعالى منبها خلقه على قدرته العظيمة وأنه الذي لا نظير له وأنه على ما يشاء قادر ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه وهما متعاقبان لا يفترقان، والشمس ونورها وإشراقها والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره فقال: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره فإنه لا يغفر أن يشرك به ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي عن إفراد العبادة له وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١١٢.\n(^٢) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١١٩، ١٢٠، والترمذي في المواقيت باب ٦٥، وابن ماجة في الإقامة باب ٢، والدارمي في الصلاة باب ٣٣، وأحمد في المسند ١/ ٤٠٣، ٤٠٤، ٣/ ٥٠، ٤/ ٨٠، ٨١، ٨٣، ٨٥، ٦/ ١٥٦.","vol":"7","page":166},{"text":"كقوله ﷿: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾.\nوقال الحافظ أبو يعلى حدثنا سفيان يعني ابن وكيع حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم وعذابا لقوم». وقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي على قدرته على إعادة الموتى ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً﴾ أي هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1756>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٠ إلى ٤٣]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾\nقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا﴾ قال ابن عباس: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه. وقال قتادة وغيره هو الكفر والعناد، وقوله ﷿: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ فيه تهديد شديد ووعيد أكيد أي إنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان. ثم قال ﷿ تهديدا للكفرة: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ قال مجاهد والضحاك وعطاء الخراساني ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ وعيد أي من خير أو شر إنه عالم بكم وبصير بأعمالكم ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ثم قال ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ قال الضحاك والسدي وقتادة وهو القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ أي منيع الجناب لا يرام أن يأتي أحد بمثله ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي ليس للبطلان إليه سبيل لأنه منزل من رب العالمين ولهذا قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي حكيم في أقواله وأفعاله حميد بمعنى محمود أي في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع محمودة عواقبه وغاياته.\nثم قال ﷿: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال قتادة والسدي وغيرهما ما يقال لك من التكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك فكما كذبت كذبوا وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر أنت على أذى قومك لك. وهذا اختيار ابن جرير (^١) ولم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ١١٧.","vol":"7","page":167},{"text":"يحك هو ولا ابن أبي حاتم غيره وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أي لمن تاب إليه ﴿وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ أي لمن استمر على كفره وطغيانه وعناده وشقاقه ومخالفته، قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال لما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: «لولا عفوالله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد».\n\n<span data-type='title' id=toc-1757>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]</span>\n﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾\nلما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته وإحكامه في لفظه ومعناه ومع هذا لم يؤمن به المشركون نبه على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت كما قال ﷿: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩] وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغة العجم لقالوا على وجه التعنت والعناد ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي لقالوا هلا أنزل مفصلا بلغة العرب ولأنكروا ذلك فقالوا أعجمي وعربي أي كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه؟ هكذا روي هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم؟ وقيل المراد بقولهم ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي هل أنزل بعضها بالأعجمي وبعضها بالعربي؟ هذا قول الحسن البصري وكان يقرؤها كذلك بلا استفهام في قوله أعجمي وهو رواية عن سعيد بن جبير وهو في التعنت والعناد أبلغ.\nثم قال ﷿: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ أي قل يا محمد هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي لا يفهمون ما فيه ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أي لا يهتدون إلى ما فيه من البيان كما قال ﷾: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قال مجاهد يعني بعيد من قلوبهم قال ابن جرير (^١) معناه كأن من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول.\nوقلت وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] وقال الضحاك ينادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم. وقال السدي كان عمر بن الخطاب ﵁: جالسا عند رجل من المسلمين\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ١٦٠.","vol":"7","page":168},{"text":"يقضي إذ قال: يا لبيكاه فقال له عمر ﵁ لم تلبي، هل رأيت أحدا أو دعاك أحد؟ فقال دعاني داع من وراء البحر فقال عمر ﵁ أولئك ينادون من مكان بعيد رواه ابن أبي حاتم. وقوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أي كذب وأوذي ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الشورى: ١٤] بتأخير الحساب إلى يوم المعاد ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا بل كانوا شاكين فيما قالوا غير محققين لشيء كانوا فيه، هكذا وجهه ابن جرير وهو محتمل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1758>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]</span>\n﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ اي إنما يعود نفع ذلك على نفسه ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ أي إنما يرجع وبال ذلك عليه ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي لا يعاقب أحدا إلا بذنبه ولا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه ثم قال جل وعلا: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي لا يعلم ذلك أحد سواه كما قال محمد ﷺ وهو سيد البشر لجبريل ﵊ وهو من سادات الملائكة حين سأله عن الساعة فقال «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (^١) وكما قال ﷿: ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ [النازعات: ٤٤] وقال ﷻ:\n﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nوقوله ﵎: ﴿وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي الجميع بعلمه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وقد قال ﷾: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال جلت عظمته: ﴿يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨] وقال تعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١] وقوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي﴾ أي يوم القيامة ينادي الله المشركين على رؤوس الخلائق أين شركائي الذين عبدتموهم معي ﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾ أي أعلمناك ﴿ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي ليس أحد منا اليوم يشهد أن معك شريكا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٧، وتفسير سورة ٣١، باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ١، ٥، ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في الإيمان باب ٤، والنسائي في الإيمان باب ٥، ٦، وابن ماجة في المقدمة باب ٩، والفتن باب ٢٥، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٦.","vol":"7","page":169},{"text":"ذهبوا فلم ينفعوهم ﴿وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي وظن المشركون يوم القيامة وهذا بمعنى اليقين ﴿ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي لا محيد لهم عن عذاب الله كقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1759>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٩ إلى ٥١]</span>\n﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾\nيقول تعالى لا يمل الإنسان من دعاء ربه بالخير وهو المال وصحة الجسم وغير ذلك فإن مسه الشر وهو البلاء أو الفقر ﴿فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ أي يقع في ذهنه أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ أي إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة ليقولن هذا لي إني كنت أستحقه عند ربي ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أي يكفر بقيام الساعة أي لأجل أنه خول نعمة يبطر ويفخر ويكفر كما قال تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أي ولئن كان ثم معاد فليحسنن إلي ربي كما أحسن إلي في هذه الدار، يتمنى على الله ﷿ مع إساءته العمل وعدم اليقين قال الله ﵎: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يتهدد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنكال.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي أعرض عن الطاعة واستكبر عن الانقياد لأوامر الله ﷿ كقوله ﷻ: ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩] ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي الشدة ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي يطيل المسألة في الشيء الواحد فالكلام العريض ما طال لفظه وقل معناه والوجيز عكسه وهو ما قل ودل وقد قال تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1760>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ؟﴾ أي كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله؟ ولهذا قال ﷿: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي في كفر وعناد ومشاقة للحق ومسلك","vol":"7","page":170},{"text":"بعيد من الهدى ثم قال ﷻ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقا منزلا من عند الله على رسوله ﷺ بدلائل خارجية ﴿فِي الْآفاقِ﴾ من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان قال مجاهد والحسن والسدي: ودلائل في أنفسهم قالوا: وقعة بدر وفتح مكة ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم نصر الله فيها محمدا ﷺ وصحبه وخذل فيها الباطل وحزبه ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع ﵎ وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة من حسن وقبيح وغير ذلك وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله وقوته وحيله وحذره أن يجوزها ولا يتعداها كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه التفكر والاعتبار عن شيخه أبي جعفر القرشي حيث قال وأحسن المقال:\nوإذا نظرت تريد معتبرا … فانظر إليك ففيك معتبر\nأنت الذي تمسي وتصبح في … الدنيا وكلّ أموره عبر\nأنت المصرف كان في صغر … ثم استقلّ بشخصك الكبر\nأنت الذي تنعاه خلقته … ينعاه منه الشّعر والبشر\nأنت الذي تعطي وتسلب لا … ينجيه من أن يسلب الحذر\nأنت الذي لا شيء منه له … وأحقّ منه بماله القدر\nوقوله تعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي كفى بالله شهيدا على أفعال عباده وأقوالهم وهو يشهد أن محمدا ﷺ صادق فيما أخبر به عنه كما قال: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي في شك من قيام الساعة ولهذا لا يتفكرون فيه ولا يعلمون له ولا يحذرون منه بل هو عندهم هدر لا يعبئون به وهو كائن لا محالة وواقع لا ريب فيه قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا خلف بن تميم حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سعيد الأنصاري قال: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم، ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق والمكذب به هالك، ثم نزل.\nومعنى قوله ﵁ إن المصدق به أحمق أي لأنه لا يعمل له عمل مثله ولا يحذر منه ولا يخاف من هوله وهو مع ذلك مصدق به موقن بوقوعه وهو مع ذلك يتمادى في لعبه وغفلته وشهواته وذنوبه فهو أحمق بهذا الاعتبار والأحمق في اللغة ضعيف العقل، وقوله والمكذب به هالك هذا واضح، والله أعلم. ثم قال تعالى مقررا أنه على كل شيء قدير وبكل شيء محيط","vol":"7","page":171},{"text":"وإقامة الساعة لديه يسير سهل عليه ﵎: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أي المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته وتحت طي علمه وهو المتصرف فيها كلها بحكمه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا إله إلا هو.","vol":"7","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1761>تفسير سورة الشورى</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1762>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة. وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا منكرا فقال أخبرنا أحمد بن زهير حدثنا عبد الوهاب نجدة الحوطي حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن أرطاة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال له وعنده حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: أخبرني عن تفسير قول الله تعالى: ﴿حم عسق﴾ قال فأطرق ثم أعرض عنه ثم كرر مقالته فأعرض عنه فلم يجبه بشيء وكره مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يحر إليه شيئا فقال له حذيفة ﵁: أنا أنبئك بها قد عرفت لم كرهها؟ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق تبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقا فإذا أذن الله ﵎ في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث الله ﷿ على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت؟ فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فذلك قوله تعالى:\n﴿حم عسق﴾ يعني عزيمة من الله تعالى وفتنة وقضاء حم عين يعني عدلا منه سين: يعني سيكون ق: يعني واقع بهاتين المدينتين.\nوأغرب منه ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في الجزء الثاني من مسند ابن عباس ﵁ وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ في ذلك ولكن إسناده ضعيف جدا ومنقطع فإنه قال: حدثنا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم حدثنا أبو عبد الله الحسن بن يحيى الخشني الدمشقي عن أبي معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب ﵁ المنبر فقال: أيها الناس هل سمع منكم أحد رسول الله ﷺ يفسر ﴿حم عسق﴾ فوثب ابن عباس ﵁ فقال أنا، قال حم اسم من أسماء الله تعالى، قال فعين؟ قال عاين المولون عذاب يوم بدر، قال فسين؟ قال سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، قال فقاف؟ فسكت فقام أبو ذر ففسر كما قال ابن عباس ﵄ وقال قاف قارعة من السماء تغشى الناس. وقوله ﷿:\n﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي كما أنزل إليك هذا القرآن","vol":"7","page":173},{"text":"كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك. وقوله تعالى: ﴿اللهُ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتقامه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله.\nقال الإمام مالك ﵀ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول ﷺ كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يأتيني الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة ﵂ فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ﷺ ليتفصد عرقا (^١).\nأخرجاه في الصحيحين ولفظه للبخاري.\nوقد رواه الطبراني عن عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن الحارث بن هشام أنه سأل رسول الله ﷺ كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال ﷺ: «في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قاله-وقال- وهو أشده علي-قال-وأحيانا يأتيني الملك فيتمثل لي فيكلمني فأعي ما يقول» (^٢). وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: «أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض» تفرد به أحمد، وقد ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة.\nوقوله ﵎: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي الجميع عبيد له وملك له تحت قهره وتصريفه ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] والآيات في هذا كثيرة.\nوقوله ﷿: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ قال ابن عباس ﵄ والضحاك وقتادة والسدي وكعب الأحبار أي فرقا من العظيمة (^٤) ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وقوله ﷻ: ﴿أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إعلام بذلك وتنويه به، وقوله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب ٢، والترمذي في المناقب باب ٧، والنسائي في الافتتاح باب ٣٧، ومالك في القرآن حديث ٧، وأحمد في المسند ٦/ ٢٥٧.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ١٥٨.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٢٢.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٢٨.","vol":"7","page":174},{"text":"﷾: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ يعني المشركين ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي شهيد على أعمالهم يحصيها ويعدها عدا، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1763>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٧ إلى ٨]</span>\n﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨)﴾\nيقول تعالى وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي واضحا جليا بينا ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ وهي مكة ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي من سائر البلاد شرقا وغربا، وسميت مكة أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها، ومن أوجز ذلك وأدله ما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: إن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو واقف بالحزورة (^٢) في سوق مكة «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (^٣) وهكذا رواية الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الزهري به وقال الترمذي حسن صحيح.\nوقوله ﷿: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وقوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في وقوعه وأنه كائن لا محالة.\nوقوله جل وعلا: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] أي يغبن أهل الجنة أهل النار، وكقوله ﷿: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥].\nقال الإمام أحمد (^٤) حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا ليث حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» قال: قلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله. قال ﷺ للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم-ثم\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٠٥.\n(^٢) الحزورة: موضع بمكة.\n(^٣) أخرجه الترمذي في المناقب باب ٦٨، وابن ماجة في المناسك باب ١٠٣، والدارمي في السير باب ٦٦.\n(^٤) المسند ٢/ ١٦٧.","vol":"7","page":175},{"text":"أجمل (^١) على آخرهم-لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا-ثم قال ﷺ للذي في يساره: هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا» فقال أصحاب رسول الله ﷺ فلأي شيء نعمل إن كان هذا الأمر قد فرغ منه فقال رسول الله ﷺ «سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل» ثم قال (^٢) ﷺ بيده فقبضها ثم قال «فرغ ربكم ﷿ من العباد-ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال فريق في الجنة-ونبذ باليسرى وقال-فريق في السعير» (^٣) وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث بن سعد وبكر بن مضر كلاهما عن أبي قبيل عن شفي بن مانع الأصبحي عن عبد الله بن عمرو ﵄ به.\nوقال الترمذي حسن صحيح غريب وساقه البغوي في تفسيره من طريق بشر بن بكر عن سعيد بن عثمان عن أبي الزاهرية عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ فذكره بنحوه وعنده زيادات منها-ثم قال: فريق في الجنة وفريق في السعير عدل من الله ﷿ ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث به ورواه ابن جرير (^٤) عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي قبيل عن شفي عن رجل من الصحابة ﵃ فذكره.\nثم روى عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح عن يحيى بن أبي أسيد أن أبا فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: إن الله تعالى يقول:\nإن الله تعالى لما خلق آدم نفضه نفض المزود (^٥) وأخرج منه كل ذريته فخرج أمثال النغف (^٦) فقبضهم قبضتين ثم قال شقي وسعيد ثم ألقاهما ثم قبضهما فقال فريق في الجنة وفريق في السعير (^٧) وهذا الموقوف أشبه بالصواب والله ﷾ أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٨) حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد يعني ابن سلمة أخبرنا الجريري عن أبي نضرة قال: إن رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعني يزورونه\n_________\n(^١) أجمل على آخرهم: أي جمعوا وأحصوا فلا يزاد عليهم ولا ينقص.\n(^٢) قال بيده: أي أشار بيده.\n(^٣) أخرجه الترمذي في القدر باب ٨.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ١٣٠.\n(^٥) المزود: وعاء للزاد.\n(^٦) النغف: هو دود يكون في أنوف الإبل والغنم.\n(^٧) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٣٠.\n(^٨) المسند ٤/ ١٧٦، ٥/ ٦٨.","vol":"7","page":176},{"text":"فوجدوه يبكي، فقالوا له ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله ﷺ خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني، قال بلى ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى قال هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي» فلا أدري في أي القبضتين أنا وأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدا منها حديث علي وابن مسعود وعائشة وجماعة جمة ﵃ أجمعين.\nوقوله ﵎: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي إما على الهداية أو على الضلالة ولكنه تعالى فاوت بينهم فهدى من يشاء إلى الحق وأضل من يشاء عنه وله الحكمة والحجة البالغة ولهذا قال ﷿: ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾.\nوقال ابن جرير (^١) حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي سويد أنه حدثه عن ابن حجيرة أنه بلغه أن موسى ﵊ قال: يا رب خلقك الذين خلقتهم جعلت منهم فريقا في الجنة وفريقا في النار لو ما أدخلتهم كلهم الجنة فقال يا موسى ارفع ذرعك فرفع قال قد رفعت قال ارفع فرفع فلم يترك شيئا قال يا رب قد رفعت قال ارفع قال قد رفعت إلا ما لا خير فيه قال كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1764>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٩ إلى ١٢]</span>\n﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾\nيقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ومخبرا أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده فإنه هو القادر على إحياء الموتى وهو على كل شيء قدير، ثم قال ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ أي مهما اختلفتم فيه من الأمور وهذا عام في جميع الأشياء ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ كقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي﴾ أي الحاكم في كل شيء ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع في جميع الأمور.\nوقوله ﷻ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما وما بينهما ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ أي من جنسكم وشكلكم منة عليكم وتفضلا جعل من جنسكم ذكرا وأنثى ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا﴾ أي وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج. وقوله ﵎:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ١٣٠.","vol":"7","page":177},{"text":"﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي يخلقكم فيه أي في ذلك الخلق على هذه الصفة لا يزال يذرؤكم فيه ذكورا وإناثا خلقا من بعد خلق وجيلا بعد جيل ونسلا بعد نسل من الناس والأنعام وقال البغوي ﵀ يذرؤكم فيه أي في الرحم وقيل في البطن وقيل في هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد نسلا من الناس والأنعام، وقيل في بمعنى الباء أي يذرؤكم به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي ليس كخالق الأزواج كلها شيء لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الزمر وحاصل ذلك أنه المتصرف الحاكم فيهما ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء وله الحكمة والعدل التام ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1765>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٣ إلى ١٤]</span>\n﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾\nيقول تعالى لهذه الأمة: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ فذكر أول الرسل بعد آدم ﵇ وهو نوح ﵇ وآخرهم محمد ﷺ. ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم وهم إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ﵈ وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال ﷿: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وفي الحديث «نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» (^١) أي القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم كقوله ﷻ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أي وصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة. ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.\nوقوله ﷿: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد. ثم قال ﷻ: ﴿اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد، ولهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٤٨، ومسلم في الفضائل حديث ١٤٣، ١٤٤، وأبو داود في السنّة باب ١٣.","vol":"7","page":178},{"text":"قال ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم وقيام الحجة عليهم وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشقة ثم قال ﷿: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي لولا الكلمة السابقة من الله تعالى بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعا. وقوله جلت عظمته: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1766>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٥]</span>\n﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها حكم برأسه، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضا عشرة فصول كهذه. وقوله:\n﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ﴾ أي فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك، أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه. وقوله ﷿:\n﴿وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أي واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم الله ﷿، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ يعني المشركين فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان.\nوقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ﴾ أي صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم. وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي في الحكم كما أمرني الله، وقوله جلت عظمته: ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ﴾ أي هو المعبود لا إله غيره فنحن نقر بذلك اختيارا وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا فله يسجد من في العالمين طوعا واختيارا. وقوله ﵎: ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي نحن برآء منكم، كما قال ﷾:\n﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقوله تعالى: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ قال مجاهد: أي لا خصومة. قال السدي:\nوذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه لأن هذه الآية مكية، وآية السيف بعد الهجرة. وقوله ﷿: ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ أي يوم القيامة، كقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع والمآب يوم الحساب.","vol":"7","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1767>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٦ إلى ١٨]</span>\n﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾\nيقول تعالى متوعدا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي باطلة عند الله ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ أي منه ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي يوم القيامة، قال ابن عباس ﵁ ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله ليصدوهم عن الهدى وطمعوا أن تعود الجاهلية، وقال قتادة: هم اليهود والنصارى قالوا لها: ديننا خير من دينكم ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم وأولى بالله منكم (^١)، وقد كذبوا في ذلك. ثم قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه ﴿وَالْمِيزانَ﴾ وهو العدل والإنصاف، قاله مجاهد وقتادة، وهذه كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وقوله: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧ - ٩].\nوقوله ﵎: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فيه ترغيب فيها وترهيب منها وتزهيد في الدنيا، وقوله ﷿: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أي: يقولون ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩]، وإنما يقولون ذلك تكذيبا واستبعادا وكفرا وعنادا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ أي خائفون وجلون من وقوعها ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها.\nوقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه أن رجلا سأل رسول الله ﷺ بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره، فناداه فقال:\nيا محمد، فقال له رسول الله ﷺ نحوا من صوته: «هاؤم»، فقال له: متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ: «ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟» فقال: حب الله ورسوله، فقال ﷺ:\n«أنت مع من أحببت» (^٢)، فقوله في الحديث «المرء مع من أحب» (^٣) هذا متواتر لا محالة،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٣٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب ٦، والأدب باب ٩٥، ومسلم في البر حديث ١٦١، والدارمي في الرقاق باب ٧١.\n(^٣) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الأدب باب ٩٦، ومسلم في البر حديث ١٦٥، والترمذي في الزهد باب ٥٠، والدعوات باب ٩٨، والدارمي في الرقاق باب ٧١، وأحمد في المسند ١/ ٣٩٢، ٣/ ١٠٤، ١١٠، ١٥٩، ١٦٥، ١٦٧، ١٦٨، ١٧٢، ١٧٨، ١٩٨، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢١٣، ٢٢٢، ٢٢٦، ٢٢٨، ٢٥٥، ٢٦٨، ٢٧٦، ٢٨٣، ٢٨٨، ٣٣٦، ٣٩٤، ٤/ ١٠٧، ١٦٠، ٢٣٩، ٢٤١، ٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٠٥.","vol":"7","page":180},{"text":"والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها.\nوقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ﴾ أي يجادلون في وجودها ويدفعون وقوعها ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي في جهل بين، لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-1768>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢]</span>\n﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم عن آخرهم لا ينسى أحدا منهم، سواء في رزقه البر والفاجر، كقوله ﷿: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] ولها نظائر كثيرة، وقوله جل وعلا:\n﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يوسع على من يشاء ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ أي لا يعجزه شيء ثم قال ﷿: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أي عمل الآخرة ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي نقويه ونعينه على ما هو بصدده ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا وليس له إلى الآخرة هم البتة بالكلية حرمه الله الآخرة والدنيا إن شاء أعطاه منها وإن لم يشأ لم يحصل لا هذه ولا هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، والدليل على هذا أن هذه الآية هاهنا مقيدة بالآية التي في سبحان وهي قوله ﵎: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].\nوقال الثوري عن مغيرة عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال","vol":"7","page":181},{"text":"رسول الله ﷺ: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» (^١) وقوله جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأقوال الفاسدة.\nوقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجر قصبه في النار» (^٢) لأنه أول من سيب السوائب، وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة وهو أول من فعل هذه الأشياء وهو الذي حمل قريشا على عبادة الأصنام لعنه الله وقبحه ولهذا قال تعالى:\n﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي لعوجلوا بالعقوبة لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي شديد موجع في جهنم وبئس المصير.\nثم قال تعالى: ﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أي في عرصات القيامة ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أي الذي يخافون منه واقع بهم لا محالة هذا حالهم يوم معادهم وهم في هذا الخوف والوجل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فأين هذا من هذا؟ أين من هو في العرصات في الذل والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه ممن هو في روضات الجنات فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال الحسن بن عرفة: حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الآبار، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري عن أبي طيبة قال إن الشرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول ما أمطركم؟ قال فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم حتى أن القائل منهم ليقول أمطرينا كواعب أترابا. ورواه ابن جرير عن الحسن بن عرفة به، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي الفوز العظيم والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1769>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]</span>\n﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾\nيقول تعالى لما ذكر روضات الجنات، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي هذا حاصل لهم كائن لا محالة ببشارة الله\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٣٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ٩، ومسلم في الجنة حديث ٥٠.","vol":"7","page":182},{"text":"تعالى لهم به. وقوله ﷿: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاوسا يحدث عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن قوله تعالى ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد فقال ابن عباس:\nعجلت إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة (^١)، انفرد به البخاري، ورواه الإمام أحمد عن يحيى القطان عن شعبة به، وهكذا روى عامر الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد عن ابن عباس ﵄ مثله، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.\nوقاله الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام بن القاسم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال لهم رسول الله ﷺ: «لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم» وروى الإمام أحمد (^٢) عن حسن بن موسى، حدثنا قزعة يعني ابن سويد وبن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن قزعة بن سويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال:\n«لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله وأن تقربوا إليه بطاعته» وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري مثله وهذا كأنه تفسير بقول ثان كأنه يقول ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أي إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى. وقول ثالث وهو ما حكاه البخاري وغيره رواية عن سعيد بن جبير ما معناه أنه قال معنى ذلك أن تودوني في قرابتي أي تحسنوا إليهم وتبروهم.\nوقال السدي عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين ﵁ أسيرا فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرني الفتنة (^٣) فقال له علي بن الحسين ﵁: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم، قال: ما قرأت ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٢ باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٢٢٩، ٢٨٣.\n(^٢) المسند ١/ ٢٦٨.\n(^٣) أي استأصل الفتنة.","vol":"7","page":183},{"text":"قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم، وقال أبو إسحاق السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله ﵎: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ فقال: قربى النبي ﷺ رواهما ابن جرير (^١).\nثم قال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام، حدثني يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس ﵄، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا، فقال ابن عباس أو العباس ﵄-شك عبد السلام-لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟» قالوا بلى يا رسول الله قال ﷺ: «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أفلا تجيبوني؟» قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال:\n«ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك أولم يكذبوك فصدقناك أولم يخذلوك فنصرناك» قال:\nفما زال ﷺ يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا في أيدينا لله ولرسوله، قال: فنزلت ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين عن عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف بإسناده مثله أو قريبا منه.\nوفي الصحيحين في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية، وذكر نزولها في المدينة فيه نظر لأن السورة مكية وليس يظهر بين هذه الآية وبين السياق مناسبة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر عن قيس عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: «فاطمة وولدها ﵄» وهذا إسناد ضعيف فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعي مخترق وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة ﵂ أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي ﵁ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ كما رواه عنه البخاري ولا تنكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرا وحسبا ونسبا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٤٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ١٤٤.","vol":"7","page":184},{"text":"الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين.\nوقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغدير خم: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا على الحوض» (^١) وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، قال: فغضب النبي ﷺ غضبا شديدا وقال «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله».\nثم قال أحمد (^٣): حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة، قال: دخل العباس ﵁ على رسول الله ﷺ فقال: إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ﷺ ودر عرق بين عينيه ثم قال ﷺ:\n«والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي»، وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵄ عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته (^٤). وفي الصحيح أن الصديق ﵁ قال لعلي ﵁: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي (^٥)، وقال عمر بن الخطاب للعباس ﵄ والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فحال الشيخين ﵄ هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين.\nوقال الإمام أحمد (^٦) ﵀: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي حيان التيمي، حدثني يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن ميسرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت معه، لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٣٦، ٣٧، والدارمي في فضائل القرآن باب ١.\n(^٢) المسند ١/ ٢٠٧.\n(^٣) المسند ١/ ٢٠٧، ٢٠٨.\n(^٤) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب ١٢، ٢٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٠٥.\n(^٥) أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٨.\n(^٦) المسند ٤/ ٢٦٦، ٢٦٧.","vol":"7","page":185},{"text":"رسول الله ﷺ، فقال: يا ابن أخي والله لقد كبر سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ فما حدثتكم فاقبلوه وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال ﵁: قام رسول الله ﷺ يوما خطيبا فينا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال ﷺ: «أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه وقال ﷺ: «وأهل بيتي أذكركم في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه لسن من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ﵃، قال: أكل هؤلاء حرم عليه الصدقة؟ قال: نعم (^١)، وهكذا رواه مسلم والنسائي من طرق يزيد بن حيّان به.\nوقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترة أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (^٢) تفرد بروايته ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وقال الترمذي (^٣) أيضا: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن عن جعفر بن محمد بن الحسن عن أبيه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول:\n«يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي» تفرد به الترمذي أيضا، وقال: حسن غريب، وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد ﵃.\nثم قال الترمذي (^٤) أيضا: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «أحبوا الله تعالى لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي» ثم قال: حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد أوردنا أحاديث أخر عند قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٣٧.\n(^٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب ٣١.\n(^٣) كتاب المناقب باب ٣١.\n(^٤) كتاب المناقب باب ٣١.","vol":"7","page":186},{"text":"﴿عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] بما أغنى عن إعادتها هاهنا، ولله الحمد والمنة. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مفضل بن عبد الله عن أبي إسحاق عن حنش، قال: سمعت أبا ذر ﵁ وهو آخذ بحلقة الباب يقول: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ﵊ من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك» هذا بهذا الإسناد ضعيف.\nوقوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أي ومن يعمل حسنة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أي أجرا وثوابا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي يغفر الكثير من السيئات ويكثر القليل من الحسنات، فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر، وقوله جل وعلا:\n﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أي لو افتريت عليه كذبا كما يزعم هؤلاء الجاهلون ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أي يطبع على قلبك ويسلبك ما كان آتاك من القرآن، كقوله ﷻ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٧] أي لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه.\nوقوله جلت عظمته: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ ليس معطوفا على قوله ﴿يَخْتِمْ﴾ فيكون مجزوما بل هو مرفوع على الابتداء. قاله ابن جرير، قال: وحذفت من كتابته الواو في رسم مصحف الإمام، كما حذفت في قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. وقوله ﷿ ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ معطوف على ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ أي يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه بكلماته، أي بحججه وبراهينه ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما تكنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1770>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]</span>\n﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾\nيقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه أنه من كرمه وحلمه أن يعفو ويصفح ويستر ويغفر، وكقوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وقد ثبت في صحيح مسلم رحمة الله عليه، حيث قال:","vol":"7","page":187},{"text":"حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، وهو عمه ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ: «لله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك-أخطأ من شدة الفرح» (^١). وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه.\nوقال عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ إن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش» وقال همام بن الحارث: سئل ابن مسعود ﵁ عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا بأس به، وقرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ الآية، رواه ابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم من حديث شريح القاضي عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي، عن همام فذكره، وقوله ﷿: ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ أي يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أي هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ومع هذا يتوب على من تاب إليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال السدي: يعني يستجيب لهم، وكذا قال ابن جرير (^٣): معناه يستجيب الدعاء لهم ولأصحابهم وإخوانهم، وحكاه عن بعض النحاة، وأنه جعلها كقوله ﷿: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ثم روى هو وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ ﵁ بالشام، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس والروم الجنة وذلك بأن أحدكم إذا عمل له-يعني أحدهم عملا قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت بارك الله فيك ثم قرأ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nوحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه جعل قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كقوله ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨] أي هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه كقوله ﵎: ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] والمعنى الأول أظهر لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك. ولهذا قال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في التوبة حديث ٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ١٤٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ١٤٧، ١٤٨.","vol":"7","page":188},{"text":"ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن عبد الله الكندي، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال «الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا» وقال قتادة عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله ﷿:\n﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال: يشفعون في إخوانهم ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: يشفعون في إخوان إخوانهم. وقوله ﷿ ﴿وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لما ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرا وبطرا.\nوقال قتادة: كان يقال خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك، وذكر قتادة حديث «إنما أخاف عليكم ما يخرج الله تعالى من زهرة الحياة الدنيا» وسؤال السائل: أيأتي الخير بالشر؟ الحديث. وقوله ﷿: ﴿وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك فيغني من يستحق الغنى ويفقر من يستحق الفقر كما جاء في الحديث المروي «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه».\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أي من بعد إياس الناس من نزول المطر ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه كقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] وقوله ﷻ: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط الناس. فقال عمر ﵁: مطرتم ثم قرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1771>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٩ إلى ٣١]</span>\n﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر ﴿خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما﴾ أي ذرأ فيهما في السموات والأرض ﴿مِنْ دابَّةٍ﴾ وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم","vol":"7","page":189},{"text":"وأجناسهم وأنواعهم وقد فرقهم في أرجاء أقطار السموات والأرض ﴿وَهُوَ﴾ مع هذا كله ﴿عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ أي يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق.\nوقوله ﷿: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هي عن سيئات تقدمت لكم ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي من السيئات فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وفي الحديث الصحيح «والذي نفسي بيده ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها» (^١). وقال ابن جرير (^٢): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: قرأت في كتاب أبي قلابة قال نزلت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وأبو بكر ﵁ يأكل فأمسك وقال: يا رسول الله إني أرى ما عملت من خير وشر، فقال: «أرأيت ما رأيت مما تكره، فهو من مثاقيل ذر الشر وتدخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة» وقال: قال أبو إدريس: فإني أرى مصداقها في كتاب الله تعالى:\n﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ ثم رواه من وجه آخر عن أبي قلابة عن أنس ﵁ قال والأول أصح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا الأزهر بن راشد الكاهلي عن الخضر بن القواس البجلي عن أبي سخيلة عن علي ﵁ قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله ﷿، وحدثنا به رسول الله ﷺ، قال: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسأفسرها لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله تعالى أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه» وكذا رواه الإمام أحمد (^٣) عن مروان بن معاوية وعبدة عن أبي سخيلة قال: قال علي ﵁ فذكر نحوه مرفوعا.\nثم روى ابن أبي من وجه آخر موقوفا فقال: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح عن أبي الحسن عن أبي جحيفة قال دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه؟ قال: فسألناه فتلا هذه الآية ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ قال ما عاقب الله تعالى به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه بالعقوبة يوم القيامة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المرضى باب ١، ومسلم في البر حديث ٥٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ١٥٠.\n(^٣) المسند ١/ ٨٥.","vol":"7","page":190},{"text":"من أن يعود عفوه يوم القيامة. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا طلحة يعني ابن يحيى عن أبي بردة عن معاوية هو ابن أبي سفيان ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله تعالى عنه به من سيئاته» وقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا حسين عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفرها».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن هو البصري قال في قوله ﵎: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ قال لما نزلت قال رسول الله ﷺ «والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا اختلاج (^٣) عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفوالله عنه أكثر». وقال أيضا:\nحدثنا أبي، حدثنا عمر بن علي، حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن عمران بن حصين ﵁ قال: دخل عليه بعض أصحابه وقد كان ابتلي في جسده فقال له بعضهم إنا لنبتئس لك لما نرى فيك، قال فلا تبتئس بما ترى فإن ما ترى بذنب وما يعفوالله عنه أكثر ثم تلا هذه الآية ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾.\nوحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا جرير عن أبي البلاد قال: قلت للعلاء بن بدر ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وقد ذهب بصري وأنا غلام؟ قال فبذنوب والديك. وحدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع عن عبد العزيز بن أبي رواد عن الضحاك قال: ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ثم قرأ الضحاك ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ ثم يقول الضحاك:\nوأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1772>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾\nيقول تعالى ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره وهي الجواري في البحر كالأعلام أي كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسدي والضحاك: أي هذه في البحر كالجبال في البر ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ أي التي تسير في البحر\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٩٨.\n(^٢) المسند ٦/ ١٥٧.\n(^٣) اختلاج عرق: أي اضطراب عرق.","vol":"7","page":191},{"text":"بالسفن لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك السفن بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب بل واقفة على ظهره أي على وجه الماء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ أي في الشدائد ﴿شَكُورٍ﴾ أي إن في تسخيره البحر وإجرائه الهوى بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم لدلالات على نعمة تعالى على خلقه لكل صبار أي في الشدائد ﴿شَكُورٍ﴾ في الرخاء. وقوله ﷿ ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ أي ولو شاء لأهلك السفن وغرقها بذنوب أهلها الذين هم راكبون عليها ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي من ذنوبهم ولو أخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك كل من ركب البحر.\nوقال بعض علماء التفسير معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ أي لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة مقصد، وهذا القول يتضمن هلاكها وهو مناسب للأول وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت أو لقواه فشردت وأبقت وهلكت، ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة كما يرسل المطر بقدر الكفاية ولو أنزله كثيرا جدا لهدم البنيان أو قليلا لما أنبت الزرع والثمار حتى أنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحا من أرض أخرى غيرها لأنهم لا يحتاجون إلى مطر ولو أنزل عليهم لهدم بنيانهم وأسقط جدرانهم، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي لا محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا فإنهم مقهورون بقدرتنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1773>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٦ إلى ٣٩]</span>\n﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾\nيقول تعالى محقرا لشأن الحياة الدنيا وزينتها وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني بقوله تعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنما هو متاع الحياة الدنيا وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي وثواب الله تعالى خير من الدنيا وهو باق سرمدي فلا تقدموا الفاني على الباقي ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات.\nثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش في سورة الأعراف ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس ليس سجيتهم الانتقام من الناس. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله (^١) وفي حديث آخر كان يقول لأحدنا عند المعتبة: «ما له\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٨٠، ومسلم في الفضائل حديث ٧٧، ٧٩.","vol":"7","page":192},{"text":"تربت جبينه» (^١) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن زائدة عن منصور عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا.\nوقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي اتبعوا رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ وهي أعظم العبادات لله ﷿ ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما قال ﵎: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية ولهذا كان ﵇ يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب ﵁ الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين فاجتمع رأي الصحابة كلهم ﵃ على تقديم عثمان عليهم ﵃ ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وذلك بالإحسان إلى خلق الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب.\nوقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا كما قال يوسف ﵊ لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه وكما عفا رسول الله ﷺ عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل التنعيم فلما قدر عليهم منّ عليهم مع قدرته على الانتقام وكذلك عفوه ﷺ عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم فاستيقظ ﵇ وهو في يده مصلتا فانتهره فوضعه من يده وأخذ رسول الله ﷺ السيف من يده ودعا أصحابه ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا عنه (^٢).\nوكذلك عفا ﷺ عن لبيد بن الأعصم الذي سحره ﵇ ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه مع قدرته عليه وكذلك عفوه ﷺ عن المرأة اليهودية-وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمود بن مسلمة-التي سمت الذراع يوم خيبر-فأخبره الذراع بذلك فدعاها فاعترفت فقال ﷺ: «ما حملك على ذلك؟» قالت: أردت إن كنت نبيا لم يضرك وإن لم تكن نبيا استرحنا منك (^٣) فأطلقها ﵊ ولكن لما مات منه بشر بن البراء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٣٨، وأحمد في المسند ٣/ ١٢٦، ١٤٤، ١٥٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الديات باب ٦.","vol":"7","page":193},{"text":"﵁ قتلها به، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1774>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٠ إلى ٤٣]</span>\n﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾\nقوله ﵎: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكقوله: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] الآية، فشرع العدل وهو القصاص وندب إلى الفضل وهو العفو كقوله جل وعلا: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ولهذا قال هاهنا: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي لا يضيع ذلك عند الله كما صح ذلك في الحديث «وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزا» (^١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي المعتدين وهو المبتدئ بالسيئة.\nثم قال جل وعلا: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم. قال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فحدثني علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد امرأة أبيه قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: قالت أم المؤمنين ﵂: دخل علينا رسول الله ﷺ وعندنا زينب بنت جحش ﵂، فجعل النبي ﷺ يصنع بيده شيئا فلم يفطن لها، فقلت بيده حتى فطنته لها فأمسك، وأقبلت زينب ﵂ تقحم (^٣) لعائشة ﵂ فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة ﵂ «سبيها» فسبتها فغلبتها، وانطلقت زينب ﵂ فأتت عليا ﵁ فقالت إن عائشة تقع بكم وتفعل بكم فجاءت فاطمة ﵂ فقال ﷺ لها «إنها حبة أبيك ورب الكعبة» فانصرفت، وقالت لعلي ﵁: إني قلت له ﷺ كذا وكذا، فقال لي كذاو كذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي إلى النبي ﷺ وكلمه في ذلك، هكذا أورد هذا السياق، وعلي بن زيد بن جدعان، يأتي في رواياته بالمنكرات غالبا، وهذا فيه نكارة.\nوالصحيح خلاف هذا السياق، كما رواه النسائي وابن ماجة من حديث خالد بن سلمة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في البر حديث ٦٩، والترمذي في البر باب ٨٢، والدارمي في الزكاة باب ٣٥، ومالك في الصدقة حديث ١٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣٨٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ١٥٦.\n(^٣) أي تشتمها من غير روية ولا تثبت.","vol":"7","page":194},{"text":"الفأفاء، عن عبد الله البهي عن عروة، قال: قالت عائشة ﵂، ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله ﷺ: حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر ذريّعتيها (^١)، ثم أقبلت علي فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ «دونك فانتصري» فأقبلت عليها حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فمها ما ترد علي شيئا، فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه (^٢)، وهذا لفظ النسائي.\nوقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو الأحوص عن أبي حمزة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» ورواه الترمذي (^٣) من حديث أبي الأحوص عن أبي حمزة واسمه ميمون، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي إنما الحرج والعنت ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي يبدؤون الناس بالظلم، كما جاء في الحديث الصحيح «المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم» (^٤) ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي شديد موجع.\nقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، حدثنا عثمان الشحام، حدثنا محمد بن واسع قال: قدمت مكة فإذا على الخندق منظرة (^٥)، فأخذت حاجتي فانطلق بي إلى مروان بن المهلب، وهو أمير على البصرة فقال ما حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي إن استطعت أن تكون كما قال أخو بني عدي، قال:\nومن أخو بني عدي؟ قال العلاء بن زياد: استعمل صديقا له مرة على عمل، فكتب إليه: أما بعد، فإن استطعت أن لا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك، لم يكن عليك سبيل ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فقال مروان: صدق والله ونصح، ثم قال: ما حاجتك يا أبا عبد الله، قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي، قال: نعم، رواه ابن أبي حاتم، ثم إن الله تعالى، لما ذم الظلم وأهله وشرع القصاص، قال نادبا إلى العفو والصفح: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾، أي صبر على الأذى، وستر السيئة ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني لمن حق الأمور التي أمر الله بها، أي لمن الأمور\n_________\n(^١) الذّريعة: تصغير ذراع.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في النكاح باب ٥٠، وأحمد في المسند ٦/ ٩٣.\n(^٣) كتاب الدعوات باب ١٠٢.\n(^٤) أخرجه مسلم في البر حديث ٦٩، وأبو داود في الأدب باب ٣٩، والترمذي في البر باب ٥١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٥، ٤٨٨، ٥١٧، ٤/ ١٦٢، ٢٦٦، ٦/ ٢٦٦.\n(^٥) المنظرة: موضع الحرس، وتكون في رأس الجبل.","vol":"7","page":195},{"text":"المشكورة، والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل، وثناء جميل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي، حدثنا عبد الصمد بن يزيد خادم الفضيل بن عياض قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا، فقل: يا أخي اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله ﷿، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان، عن ابن عجلان، حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رجلا شتم أبا بكر ﵁ والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي وقام، فلحقه أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال: «إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان-ثم قال-يا أبا بكر: ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها الله، إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله ﷿ بها قلة» وكذا رواه أبو داود عن عبد الأعلى بن حماد عن سفيان بن عيينة قال: ورواه صفوان بن عيسى كلاهما عن محمد بن عجلان، ورواه من طريق الليث عن سعيد المقبري عن بشير بن المحرر عن سعيد بن المسيب مرسلا، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى، وهو مناسب للصديق ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-1775>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة أنه ما يشاء كان ولا راد له، وما لم يشأ لم يكن فلا موجد له، وأنه من هداه فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، كما قال ﷿: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] ثم قال ﷿ مخبرا عن الظالمين وهم المشركون بالله: ﴿لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ أي يوم القيامة تمنوا الرجعة إلى الدنيا ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٣٦.","vol":"7","page":196},{"text":"كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨]. وقوله ﷿: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أي على النار ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله تعالى ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قال مجاهد: يعني ذليل أي ينظرون إليها مسارقة خوفا منها والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك.\n﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يقولون يوم القيامة ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ﴾ أي الخسار الأكبر ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي ذهب بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد وخسروا أنفسهم، وفرق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم وأهاليهم وقراباتهم فخسروهم ﴿أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أي دائم سرمدي أبدي لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها.\nوقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي ليس له خلاص.\n\n<span data-type='title' id=toc-1776>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]</span>\n﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾\nلما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة، حذر منه وأمر بالاستعداد له، فقال: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي إذا أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون، وليس له دافع ولا مانع. وقوله ﷿: ﴿ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي ليس لكم حصن تتحصنون فيه ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه فتغيبون عن بصره ﵎، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته، فلا ملجأ منه إلا إليه ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلاّ لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢] وقوله تعالى:\n﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ يعني المشركين ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي لست عليهم بمسيطر، وقال ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال جل وعلا هاهنا: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ أي إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم.\nثم قال ﵎: ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أي إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يعني الناس ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أي جدب وبلاء وشدة ﴿فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ أي يجحد ما تقدم من النعمة ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط، كما قال رسول الله ﷺ للنساء: «يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن","vol":"7","page":197},{"text":"أكثر أهل النار» فقالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يوما، قالت: ما رأيت منك خيرا قط» (^١) وهذا حال أكثر الناس، إلا من هداه الله تعالى وألهمه رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال ﷺ: «إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1777>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]</span>\n﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾\nيخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشأ ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا﴾ أي يرزقه البنات فقط. قال البغوي: ومنهم لوط ﵊. ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ أي يرزقه البنين فقط، قال البغوي:\nكإبراهيم الخليل ﵊ لم يولد له أنثى ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا﴾ أي ويعطي لمن يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى أي من هذا وهذا، قال البغوي: كمحمد ﵊ ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا﴾ أي لا يولد له.\nقال البغوي: كيحيى وعيسى ﵉، فجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيما لا نسل له ولا يولد له. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام ﴿قَدِيرٌ﴾ أي على من يشاء من تفاوت الناس في ذلك، وهذا المقام شبيه بقوله ﵎ عن عيسى ﵊ ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١] أي دلالة لهم على قدرته تعالى وتقدس حيث خلق الخلق على أربعة أقسام، فآدم ﵊ مخلوق من تراب لا من ذكر ولا أنثى، وحواء ﵍ مخلوقة من ذكر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى ﵇ من أنثى بلا ذكر، فتمت الدلالة بخلق عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ فهذا المقام في الآباء والمقام الأول في الأبناء وكل منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢١، والكسوف باب ٩، ومسلم في الكسوف حديث ١٧، والنسائي في الكسوف باب ١٧، ومالك في الكسوف حديث ٢، وأحمد في المسند ١/ ٢٩٨، ٣٥٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٤، وأحمد في المسند ٤/ ٣٣٢، ٣٣٣، ٦/ ١٥.","vol":"7","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1778>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥١ إلى ٥٣]</span>\n﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾\nهذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جنات الله ﷿، وهو أنه ﵎ تارة يقذف في روع النبي ﷺ شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله ﷿، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب». وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ كما كلم موسى ﵊، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها.\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجابر بن عبد الله ﵄: «ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا» (^١) كذا جاء في الحديث، وكان قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا. وقوله ﷿: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ كما ينزل جبريل ﵊ وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فهو علي عليم خبير حكيم. وقوله ﷿:\n﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ يعني القرآن ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ أي على التفصيل الذي شرع لك في القرآن ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أي القرآن ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ﴾ أي يا محمد ﴿لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الخلق القويم، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿صِراطِ اللهِ﴾ أي وشرعه الذي أمر به الله ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي ربهما ومالكهما والمتصرف فيهما والحاكم الذي لا معقب لحكمه ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي ترجع الأمور فيفصلها ويحكم فيها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣ باب ١٨، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣، والجهاد باب ١٦، والكفاح: المواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول.","vol":"7","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1779>سورة الزخرف</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1780>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ٨]</span>\n﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ، لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ أي نزلناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي بلغة العرب فصيحا واضحا ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهمونه وتتدبرونه، كما قال ﷿: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ بين شرفه في الملأ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ أي اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد ﴿لَدَيْنا﴾ أي عندنا، قاله قتادة وغيره ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل قاله قتادة ﴿حَكِيمٌ﴾ أي محكم بريء من اللبس والزيغ. وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال ﵎: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠] وقال تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:\n١١ - ١٦] ولهذا استنبط العلماء ﵃ من هاتين الآيتين أن المحدث لا يمس المصحف كما ورد به الحديث إن صح، لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى، لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله تعالى:\n﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.\nوقوله ﷿: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ اختلف المفسرون في معناها فقيل معناها أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به، قاله ابن عباس ﵄ وأبو صالح ومجاهد والسدي واختاره ابن جرير (^١)، وقال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ١٦٧.","vol":"7","page":200},{"text":"قتادة في قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ والله لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك، وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله أنه يقول في معناه إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه بل أمر به ليهتدي به من قدر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته.\nثم قال جل وعلا مسليا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه وآمرا له بالصبر عليهم:\n﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي في شيع الأولين ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي يكذبونه ويسخرون به. وقوله ﵎: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد، كقوله ﷿: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر: ٨٢] والآيات في ذلك كثيرة جدا. وقوله ﷻ: ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال مجاهد: سنتهم. وقال قتادة: عقوبتهم. وقال غيرهما: عبرتهم، أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] وكقوله جلت عظمته: ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وقال ﷿: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1781>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٩ إلى ١٤]</span>\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله، العابدين معه غيره ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي فراشا قرارا ثابتة تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتنصرفون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا﴾ أي طرقا بين الجبال والأودية ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.","vol":"7","page":201},{"text":"وقوله ﵎: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي أرضا ميتة، فلما جاءها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ثم نبه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها، فقال: ﴿كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.\nثم قال ﷿: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ أي مما تنبت الأرض من سائر الأصناف من نبات وزروع وثمار وأزاهير وغير ذلك من الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ أي السفن ﴿وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي ذللها لكم وسخرها ويسرها لأكلكم لحومها وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها، ولهذا قال جل وعلا: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي لتستووا متمكنين مرتفقين (^١) ﴿عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي على ظهور هذا الجنس ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ أي فيما سخر لكم ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي مقاومين، ولولا تسخير الله لنا هذا ما قدرنا عليه. قال ابن عباس ﵄ وقتادة والسدي وابن زيد: مقرنين، أي مطيقين (^٢)، ﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧] وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1782>ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة</span>\n[حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب] ﵁. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قال: رأيت عليا ﵁ أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد لله ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ثم حمد الله تعالى ثلاثا وكبر ثلاثا، ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ثم ضحك، فقلت له:\nمم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال ﵁: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثلما فعلت ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «يعجب الرب ﵎ من عبده إذا قال رب اغفر لي، ويقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» وهكذا رواه أبو\n_________\n(^١) ارتفق القوم: صاروا رفقاء، أي يركبونها مترافقين في سفرهم.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٧١.\n(^٣) المسند ١/ ١٩٧.","vol":"7","page":202},{"text":"داود (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣) من حديث أبي الأحوص، زاد النسائي ومنصور عن أبي إسحاق السبيعي عن علي بن ربيعة الأسدي الوالبي به. وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة: قلت لأبي إسحاق السبيعي: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من يونس بن خباب، فلقيت يونس بن خباب فقلت: ممن سمعته؟ فقال: من رجل سمعه من علي بن ربيعة، ورواه بعضهم عن يونس بن خباب عن شقيق بن عقبة الأسدي عن علي بن ربيعة الوالبي به.\n[حديث عبد الله بن عباس] ﵄. قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو المغيرة «حدثنا أبو بكر بن عبد الله عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس ﵄، قال:\nإن رسول الله ﷺ أردفه على دابته، فلما استوى عليها كبر رسول الله ﷺ ثلاثا وحمد ثلاثا، وهلل واحدة، ثم استلقى عليه فضحك، ثم أقبل عليه فقال «ما من امرئ مسلم يركب فيصنع كما صنعت، إلا أقبل الله ﷿ عليه، فضحك إليه كما ضحكت إليك» تفرد به أحمد.\n[حديث عبد الله بن عمر] ﵄. قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن علي بن عبد الله البارقي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ -ثم يقول-اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا وأخلفنا في أهلنا». وكان ﷺ إذا رجع إلى أهله قال: «آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون» (^٦) وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج، والترمذي من حديث حماد بن سلمة، كلاهما عن أبي الزبير به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٧): حدثنا محمد بن عبيد حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن عمرو بن الحكم بن ثوبان عن أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه،\n_________\n(^١) كتاب الجهاد باب ٧٤.\n(^٢) كتاب الدعوات باب ١٥، ٤٦.\n(^٣) كتاب الافتتاح باب ١٧، والاستعاذة باب ٥٧.\n(^٤) المسند ١/ ٣٣٠.\n(^٥) المسند ٢/ ١٤٤.\n(^٦) أخرجه مسلم في الحج حديث ٤٢٥، ٤٢٨، ٤٢٩، وأبو داود في الجهاد باب ٧٢، ١٥٨، والترمذي في الدعوات باب ٤٢، ٤٦.\n(^٧) المسند ٤/ ٢٢١.","vol":"7","page":203},{"text":"فقال ﷺ: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله ﷿» أبو لاس اسمه محمد بن الأسود بن خلف.\n[حديث آخر] في معناه-قال أحمد (^١): حدثنا عتاب، أخبرنا عبد الله، وعلي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، أخبرنا أسامة بن زيد، أخبرني محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فسموا الله ﷿ ثم لا تقصروا عن حاجاتكم».\n\n<span data-type='title' id=toc-1783>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٥ إلى ٢٠]</span>\n﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها لله تعالى، كما ذكر الله ﷿ عنهم في سورة الأنعام في قوله ﵎:\n﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦] وكذلك جعلوا له في قسمي البنات والبنين أخسهما وأردأهما وهو البنات، كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢] وقال جل وعلا هاهنا:\n﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾.\nثم قال جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثم ذكر تمام الإنكار، فقال جلت عظمته ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كابة من سوء ما بشر به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك، يقول ﵎: فكيف تأنفون من ذلك وتنسبونه إلى الله ﷿، ثم قال ﷾: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة وإذا خاصمت فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عيية أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم، فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه ليجبر ما فيها من نقص كما قال بعض شعراء العرب:\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٤٩٤.","vol":"7","page":204},{"text":"[الطويل] وما الحلي إلا زينة من نقيصة … يتمّم من حسن إذا الحسن قصّرا\nوأمّا إذا كان الجمال موفّرا … كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا\nوأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بشر ببنت: ما هي بنعم الولد نصرها بالبكاء، وبرها سرقة، وقوله ﵎: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا﴾ أي اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أي شاهدوه وقد خلقهم الله إناثا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ أي بذلك ﴿وَيُسْئَلُونَ﴾ عن ذلك يوم القيامة وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أي لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ:\n[أحدها] جعلهم لله تعالى ولدا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا.\n[الثاني] دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا.\n[الثالث] عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله ﷿، بل بمجرد الآراء والأهواء والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء والخبط في الجاهلية الجهلاء.\n[الرابع] احتجاجهم بتقريرهم على ذلك قدرا، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلا كبيرا، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار فإنه منذ بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال ﷿: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال جل وعلا في هذه الآية بعد أن ذكر حجتهم هذه: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي بصحة ما قالوه واحتجوا به ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون ويتقولون. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ يعني ما يعلمون قدرة الله ﵎ على ذلك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1784>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢١ إلى ٢٥]</span>\n﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٧٥.","vol":"7","page":205},{"text":"يقول تعالى منكرا على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل شركهم ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي فيما هم فيه ليس الأمر كذلك، كقوله ﷿: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٥] أي لم يكن ذلك. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة والمراد بها الدين هاهنا. وفي قوله ﵎: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] وقولهم: ﴿وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ﴾ أي وراءهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾ دعوى منهم بلا دليل. ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم فقالوا مثل مقالتهم ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] وهكذا قال هاهنا:\n﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.\nثم قال ﷿: «قل» أي يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي ولو علموا وتيقنوا صحة ما جئتم به لما انقادوا لذلك لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله. قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ أي من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب كما فصله ﵎ في قصصهم ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي كيف بادوا وهلكوا وكيف نجى الله المؤمنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1785>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ إلى ٣٥]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء ووالد من بعث بعده من الأنبياء","vol":"7","page":206},{"text":"الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال:\n﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله أي جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم ﵊ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي إليها.\nقال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله ﷿: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يعني لا إله إلا الله لا يزال في ذريته من يقولها (^١)، وروي نحوه عن ابن عباس ﵄. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة، ثم قال جل وعلا: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ﴾ يعني المشركين ﴿وَآباءَهُمْ﴾ أي فتطاول عليهم العمر في ضلالهم ﴿حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي بيّن الرسالة والنذارة ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أي كابروه وعاندوه ودفعوا بالصدور والراح كفرا وحسدا وبغيا ﴿وَقالُوا﴾ أي كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أي هلا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف، قاله ابن عباس ﵄ وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وابن زيد، وقد ذكر غير واحد منهم أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي.\nوقال مالك عن زيد بن أسلم والضحاك والسدي: يعنون الوليد بن المغيرة ومسعود بن عمرو الثقفي. وعن مجاهد: يعنون عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي وعنه أيضا أنهم يعنون عتبة بن ربيعة. وعن ابن عباس ﵄: جبارا من جبابرة قريش، وعنه ﵄ أنهم يعنون الوليد بن المغيرة وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وعن مجاهد: يعنون عتبة بن ربيعة بمكة وابن عبد يا ليل بالطائف. وقال السدي: عنوا بذلك الوليد بن المغيرة وكنانة بن عمرو بن عمير الثقفي، والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان قال الله ﵎ رادا عليهم في هذا الاعتراض ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودا إليهم. بل إلى الله ﷿، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا. وأشرفهم بيتا، وأطهرهم أصلا.\nثم قال ﷿ مبينا أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ الآية. وقوله جلت عظمته: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٧٩.","vol":"7","page":207},{"text":"قيل معناه ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي وغيره. وقال قتادة والضحاك ليملك بعضهم بعضا وهو راجع إلى الأول: ثم قال ﷿: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أي رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا، ثم قال ﷾: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه فيجتمعوا على الكفر لأجل المال هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغيرهم ﴿لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ﴾ أي سلالم ودرجا من فضة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أي يصعدون ولبيوتهم أبوابا أي أغلاقا على أبوابهم ﴿وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ﴾ أي جميع ذلك يكون فضة ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي وذهبا، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.\nثم قال ﵎: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى، أي يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب ليوافوا الآخرة، وليس لهم عند الله ﵎ حسنة يجزيهم بها كما ورد به الحديث الصحيح. وورد في حديث آخر «لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء» أسنده البغوي من رواية زكريا بن منظور عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ فذكره. ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ «لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما أعطى كافرا منها شيئا».\nثم قال ﷾: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا لما قال عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ حين صعد إليه في تلك المشربة لما آلى ﷺ من نسائه فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس وقال: «أو فيّ شاك أنت يا ابن الخطاب؟» ثم قال ﷺ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» (^١) وفي رواية «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» (^٢). وفي الصحيحين أيضا وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» (^٣) وإنما خولهم الله تعالى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المظالم باب ٢٥، ومسلم في الرضاع حديث ١٠١، وأحمد في المسند ١/ ٣٤،/ ٢ ٢/ ٢٩٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٦ باب ٢، وابن ماجة في الزهد باب ١١.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأطعمة باب ٢٩، ومسلم في اللباس حديث ٤، ٥، وابن ماجة في الأشربة باب ٢٥، وأحمد في المسند ١/ ٣٢١، ٤/ ٧٦.","vol":"7","page":208},{"text":"في الدنيا لحقارتهم كما روى الترمذي وابن ماجة من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال:\nقال رسول الله ﷺ «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء أبدا» (^١) قال الترمذي: حسن صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1786>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ إلى ٤٥]</span>\n﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي يتعامى ويتغافل ويعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ والعشا في العين ضعف بصرها، والمراد هاهنا عشا البصيرة ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ كقوله تعالى:\n﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] الآية، وكقوله: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وكقوله ﷻ: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآية، ولهذا قال ﵎ هاهنا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتّى إِذا جاءَنا﴾ (^٢) أي هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله ﷿ يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وقرأ بعضهم «حتى إذا جاءانا» يعني القرين والمقارن.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله ﵎ إلى النار، فذلك حين يقول ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ والمراد بالمشرقين هاهنا هو ما بين المشرق والمغرب وإنما استعمل هاهنا تغليبا كما يقال: القمران والعمران والأبوان، قاله ابن جرير (^٣) وغيره.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي لا يغني عنكم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الزهد باب ١٣، وابن ماجة في الزهد باب ٣.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٨٩.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ١٨٩.","vol":"7","page":209},{"text":"اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم. وقوله جلت عظمته: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحكم العدل في ذلك ثم قال تعالى:\n﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي لا بد أن ننتقم منهم ونعاقبهم ولو ذهبت أنت ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ أي نحن قادرون على هذا وعلى هذا ولم يقبض الله تعالى رسوله ﷺ حتى أقر عينه من أعدائه وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم! هذا معنى قول السدي واختاره ابن جرير.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر قال: تلا قتادة ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ فقال: ذهب النبي ﷺ وبقيت النقمة، ولن يري الله ﵎ نبيه ﷺ في أمته شيئا يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم ﷺ. قال: وذكر لنا أن رسول الله ﷺ أري ما يصيب أمته من بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله ﷿، وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه، ثم روى ابن جرير عن الحسن نحو ذلك أيضا، وفي الحديث «النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون» (^٢) ثم قال ﷿ ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي خذ بالقرآن المنزل على قلبك، فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم الموصل إلى جنات النعيم والخير الدائم المقيم.\nثم قال ﷻ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قيل معناه لشرف لك ولقومك، قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير (^٣) ولم يحك سواه وأورد البغوي هاهنا حديث الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية ﵁ قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين» (^٤) رواه البخاري ومعناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخلص من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم، وقيل معناه ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] وكقوله تبارك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ١٩٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٠٧، وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٨، ٣٩٩.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ١٩١.\n(^٤) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢، والأحكام باب ٢، وأحمد في المسند ٤/ ٩٤.","vol":"7","page":210},{"text":"وتعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ أي عن هذا القرآن، وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له.\nوقوله ﷾: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله جلت عظمته: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] قال مجاهد في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا. وهكذا حكاه قتادة والضحاك والسدي عن ابن مسعود ﵁، وهذا كأنه تفسير لا تلاوة، والله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: واسألهم ليلة الإسراء، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعوا له، واختار ابن جرير (^١) الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1787>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ إلى ٥٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عبده ورسوله موسى ﵇ أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء والقادة والأتباع والرعايا من القبط وبني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بعث معه آيات عظاما كيده وعصاه، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكذبوها وسخروا منها وضحكوا ممن جاءهم بها ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾ ومع هذا ما رجعوا عن غيهم وضلالهم، وجهلهم وخبالهم وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات يضرعون إلى موسى ﵊ ويتلطفون له في العبارة بقولهم: ﴿يا أَيُّهَا السّاحِرُ﴾ أي العالم، قاله ابن جرير (^٢).\nوكان علماء زمانهم هم السحرة. ولم يكن السحر في زمانهم مذموما عندهم فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منهم لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم، ففي كل مرة يعدون موسى ﵇ إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به ويرسلوا معه بني إسرائيل وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا عليه، وهذا كقوله ﵎:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ١٩٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ١٩٤.","vol":"7","page":211},{"text":"﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٣ - ١٣٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-1788>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥١ إلى ٥٦]</span>\n﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده، أنه جمع قومه فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ قال قتادة: قد كانت لهم جنات وأنهار ماء (^١) ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أي أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، يعني وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء وهذا كقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٥].\nوقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ قال السدي: يقول بل أنا خير من هذا الذي هو مهين (^٢)، وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن أم هاهنا بمعنى بل، ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها «أما أنا خير من هذا الذي هو مهين» قال ابن جرير (^٣): ولو صحت هذه القراءة لكان معناها صحيحا واضحا، ولكنها خلاف قراءة الأمصار فإنهم قرءوا ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ على الاستفهام [قلت] وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون لعنه الله بذلك أنه خير من موسى ﵊، وقد كذب في قوله هذا كذبا بينا واضحا، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ويعني بقوله ﴿مَهِينٌ﴾ كما قال سفيان حقير، وقال قتادة والسدي:\nيعني ضعيف. وقال ابن جرير: يعني لا ملك له ولا سلطان ولا مال ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ يعني لا يكاد يفصح عن كلامه فهو عيي حصر.\nقال السدي ﴿لا يَكادُ يُبِينُ﴾ أي لا يكاد يفهم. وقال قتادة والسدي وابن جرير: يعني عيي اللسان، وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فيه وهو صغير، وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد وهو ينظر إلى موسى ﵊ بعين كافرة شقية، وقد كان موسى ﵇ من الجلالة والعظمة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٩٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ١٩٥.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ١٩٦.","vol":"7","page":212},{"text":"والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب.\nوقوله: ﴿مَهِينٌ﴾ كذب. بل هو المهين الحقير خلقة وخلقا ودينا، وموسى هو الشريف الصادق البار الراشد. وقوله: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ افتراء أيضا فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل الله ﷿ أن يحل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وقد استجاب الله ﵎ له ذلك في قوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يسأل إزالته، كما قاله الحسن البصري وإنما سأل زوال ما يحصل معه الإبلاغ والإفهام، فالأشياء الخلقية التي ليست من فعل العبد لا يعاب بها ولا يذم عليها، وفرعون وإن كان يفهم وله عقل، فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته فإنهم كانوا جهلة أغبياء وهكذا قوله: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وهي ما يجعل في الأيدي من الحلي.\nقال ابن عباس ﵄ وقتادة وغير واحد ﴿أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ أي يكتنفونه خدمة له ويشهدون بتصديقه، نظر إلى الشكل الظاهر ولم يفهم السر المعنوي الذي هو أظهر مما نظر إليه لو كان يعلم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ أي استخف عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿آسَفُونا﴾ أسخطونا، وقال الضحاك عنه: أغضبونا، وهكذا قال ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وغيرهم من المفسرين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا ابن لهيعة عن عقبة بن مسلم التجيبي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله ﵎ يعطي العبد ما يشاء وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له» ثم تلا ﷺ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا قيس بن الربيع عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله ﵁، فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر، ثم قرأ ﵁ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: وجدت النقمة مع الغفلة يعني قوله ﵎: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقوله ﷾: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ قال أبو مجلز: سلفا لمثل من عمل بعملهم. وقال هو ومجاهد: ﴿وَمَثَلًا﴾ أي عبرة لمن بعدهم، والله ﷾ الموفق للصواب، وإليه المراجع والمآب.","vol":"7","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1789>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٧ إلى ٦٥]</span>\n﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاِتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال غير واحد عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة والسدي والضحاك: يضحكون أي أعجبوا بذلك، وقال قتادة: يجزعون ويضحكون.\nوقال إبراهيم النخعي: يعرضون، وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول الله ﷺ يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ، فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآيات.\nثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعرى التميمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، سلوا محمدا أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته» فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] أي عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان، الذين مضوا على طاعة الله ﷿، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله، ونزل فيما يذكر من أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] الآيات.\nونزل فيما يذكر من أمر عيسى ﵊، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أي يصدون عن أمرك بذلك من قوله. ثم ذكر عيسى ﵊ فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ","vol":"7","page":214},{"text":"لِلسّاعَةِ﴾ أي ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلا على علم الساعة يقول: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\nوذكر ابن جرير (^١) من رواية العوفي عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال: يعني قريشا، لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] إلى آخر الآيات. فقالت له قريش: فما ابن مريم؟ قال «ذاك عبد الله ورسوله» فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا، فقال الله ﷿: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، قال: قال ابن عباس ﵄:\nلقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها أو لم يفطنوا لها فيسألوا عنها. قال: ثم طفق يحدثنا، فلما قام تلاومنا أن لا نكون سألناه عنها، فقلت: أنا لها إذا راح غدا، فلما راح الغد قلت: يا ابن عباس ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها، فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها.\nقال ﵁: نعم إن رسول الله ﷺ قال لقريش «يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير» وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، وما تقول في محمد ﷺ، فقالوا: يا محمد ألست تزعم أن عيسى ﵊ كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا، فإن كنت صادقا كان آلهتهم كما يقولون.\nقال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قلت:\nما يصدون؟ قال: يضحكون ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ قال: هو خروج عيسى ابن مريم ﵊ قبل يوم القيامة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يعقوب الدمشقي، حدثنا آدم، حدثنا شيبان عن عاصم بن أبي النجود عن أبي أحمد مولى الأنصار عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير» فقالوا له: ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا فقد كان يعبد من دون الله؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قالت قريش إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى ﵇. ونحو هذا قال قتادة وقوله:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٠٠، ٢٠١.\n(^٢) المسند ١/ ٣١٨.","vol":"7","page":215},{"text":"﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ قال قتادة: يقولون آلهتنا خير منه وقال قتادة: قرأ ابن مسعود ﵁ وقالوا أآلهتنا خير أم هذا، يعنون محمدا ﷺ (^١).\nوقوله ﵎: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا﴾ أي مراء، وهم يعلمون أنه بوارد على الآية، لأنها لما لا يعقل، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه، فتعين أن مقالتهم إنما كانت جدلا منهم ليسوا يعتقدون صحتها.\nوقد قال الإمام أحمد (^٢) رحمه الله تعالى: حدثنا ابن نمير، حدثنا حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^٣) وقد رواه الترمذي وابن ماجة وابن جرير من حديث حجاج بن دينار به، ثم قال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديثه كذا قال وقد روي من وجه آخر عن أبي أمامة ﵁ بزيادة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا حميد بن عياش الرملي، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، أخبرنا ابن مخزوم عن القاسم أبي عبد الرحمن الشامي عن أبي أمامة ﵁، قال حماد: لا أدري رفعه أم لا؟ قال: ما ضلت أمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالها التكذيب بالقدر، وما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل، ثم قرأ ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^٤).\nوقال ابن جرير (^٥) أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن عن عبادة بن عباد عن جعفر عن القاسم عن أبي أمامة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبا شديدا حتى كأنما صب على وجهه الخل، ثم قال ﷺ:\n«لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل» ثم تلا ﷺ ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يعني عيسى ﵊. ما هو إلا عبد من عباد الله ﷿ أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة.\n﴿وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء.\nوقوله ﷿: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ﴾ أي بدلكم ﴿مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ قال السدي: يخلفونكم فيها، وقال ابن عباس ﵄ وقتادة: يخلف بعضهم بعضا كما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٠٢.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٥٢، ٢٥٦.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٤٣، وابن ماجة في المقدمة باب ٧.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٢٠٣.\n(^٥) تفسير الطبري ١١/ ٢٠٣.","vol":"7","page":216},{"text":"يخلف بعضكم بعضا، وهذا القول يستلزم الأول، قال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم.\nوقوله ﷾: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ تقدم تفسير ابن إسحاق أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى ﵊، من إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك من الأسقام، وفي هذا نظر وأبعد منه ما حكاه قتادة عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، أن الضمير في وأنه عائد على القرآن، بل الصحيح أنه عائد على عيسى ﵊ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي قبل موت عيسى ﵊ ثم ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى «وإنه لعلم للساعة» أي أمارة ودليل على وقوع الساعة. قال مجاهد «وإنه لعلم للساعة» أي آية للساعة خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا.\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ أي لا تشكوا فيها أنها واقعة وكائنة لا محالة ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ أي فيما أخبركم به ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أي عن اتباع الحق ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ أي بالنبوة ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال ابن جرير (^١) يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية، وهذا الذي قاله حسن جيد ثم رد قول من زعم أن بعض هاهنا بمعنى كل، واستشهد بقول لبيد الشاعر حيث قال:\n[الكامل] ترّاك أمكنة إذا لم أرضها … أو يعتلق بعض النفوس حمامها (^٢)\nوأولوه على أنه أراد جميع النفوس. قال ابن جرير (^٣) إنما أراد نفسه فقط، وعبر بالبعض عنها، وهذا الذي قاله محتمل. وقوله ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي فيما أمركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما جئتكم به ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي أنا وأنتم عبيد له فقراء مشتركون في عبادته وحده لا شريك له ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا الذي جئتكم به هو\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٠٧.\n(^٢) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٣١٣، والخصائص ١/ ٧٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٧٢، وشرح شواهد الشافية ص ٤١٥، والصاحبي في فقه اللغة ص ٢١٥، ومجالس ثعلب ص ٦٣، ٣٤٦، ٤٣٧، والمحتسب ١/ ١١١، وتفسير الطبري ١١/ ٢٠٧، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٣٤٩، والخصائص ٢/ ٣١٧، ٣٤١.\n(^٣) لفظ ابن جرير الطبري ١١/ ٢٠٧: وأما قول لبيد «أو يتعلق بعض النفوس»، فإنه إنما قال ذلك أيضا كذلك، لأنه أراد: أو يتعلق نفسه حمامها، فنفسه من بين النفوس لا شك أنها بعض لا كلّ.","vol":"7","page":217},{"text":"الصراط المستقيم وهو عبادة الرب جل وعلا وحده. وقوله ﷾: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي اختلفت الفرق وصاروا شيعا فيه، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله وهو الحق ومنهم من يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ولهذا قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1790>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٦ إلى ٧٣]</span>\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾\nيقول تعالى: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل ﴿إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدين فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها فحينئذ يندمون كل الندم حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم، وقوله تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان لله ﷿ فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال إبراهيم ﵊ لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة، فذكر خليله فقال: اللهم إن فلانا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثلما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له اذهب فلو تعلم ماله عندي لضحكت كثيرا وبكيت قليلا قال: ثم يموت الآخر فتجتمع أرواحهما فيقال: ليثن أحدكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ ونعم الصاحب ونعم الخليل.\nوإذا مات أحد الكافرين وبشر بالنار ذكر خليله فيقول: اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك. ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك.\nاللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت علي. قال: فيموت الكافر الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل! رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن عباس","vol":"7","page":218},{"text":"﵄ ومجاهد وقتادة: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن أحمد عن هشام بن عبد الله بن كثير، حدثنا أبو جعفر محمد بن الخضر بالرقة عن معافى، حدثنا حكيم بن نافع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن رجلين تحابا في الله أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب لجمع الله تعالى بينهما يوم القيامة يقول هذا الذي أحببته فيّ».\nوقوله ﵎: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ثم بشرهم فقال:\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ أي آمنت قلوبهم وبواطنهم وانقادت لشرع الله جوارحهم وظواهرهم، قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: إذا كان يوم القيامة فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع فينادي مناد ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيرجوها الناس كلهم، قال: فيتبعها ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قال: فييأس الناس منها غير المؤمنين (^١).\n﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي يقال لهم ادخلوا الجنة ﴿أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ﴾ أي نظراؤكم ﴿تُحْبَرُونَ﴾ أي تتنعمون وتسعدون وقد تقدم في سورة الروم. ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي زبادي آنية الطعام ﴿وَأَكْوابٍ﴾ وهي آنية الشراب أي من ذهب لا خراطيم لها ولا عرى «وفيها ما تشتهي الأنفس» وقرأ بعضهم ﴿تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ أي طيب الطعام والريح وحسن المنظر.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني إسماعيل بن أبي سعيد قال: إن عكرمة مولى ابن عباس ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل الجنة بعده أحد، يفسح له في بصرة مسيرة مائة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة من ذهب، ليس فيها صحفة إلا فيها لون ليس في الأخرى مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، ولو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطي لا ينقص ذلك مما أوتي شيئا» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا عمرو بن سواد السرحي، حدثني عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ أن أبا أمامة ﵁ حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم وذكر الجنة فقال: «والذي نفس محمد بيده، ليأخذن أحدكم اللقمة فيجعلها في فيه، ثم يخطر على باله طعام آخر فيتحول الطعام الذي في فيه على الذي اشتهى» ثم قرأ رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٠٩.\n(^٢) انظر الحديث في الدر المنثور ٥/ ٧٣٢.","vol":"7","page":219},{"text":"﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن هو ابن موسى حدثنا سكين بن عبد العزيز، حدثنا الأشعث الضرير عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن أدنى أهل الجنة منزلة إن له لسبع درجات وهو على السادسة وفوقه السابعة، وإن له ثلاثمائة خادم ويغدى عليه ويراح كل يوم بثلاثمائة صحفة-ولا أعلمه إلا قال من ذهب في كل صحفة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاثمائة إناء في كل إناء لون ليس في الآخر، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول يا رب لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص مما عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن لتأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض».\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ فِيها﴾ أي في الجنة ﴿خالِدُونَ﴾ أي لا تخرجون منها ولا تبغون عنها حولا.\nثم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي أعمالكم الصالحة كانت سببا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدا عمله الجنة، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات قال ابن أبي حاتم: حدثنا الفضل بن شاذان المقري، حدثنا يوسف بن يعقوب يعني الصفار، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيكون له حسرة فيقول ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] فيكون له شكرا» قال: وقال رسول الله ﷺ ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار. والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة. وذلك قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ أي من جميع الأنواع ﴿مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي مهما اخترتم وأردتم. ولما ذكر الطعام والشراب ذكر بعده الفاكهة لتتم النعمة والغبطة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1791>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ إلى ٨٠]</span>\n﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٥٣٧.","vol":"7","page":220},{"text":"لما ذكر تعالى حال السعداء ثنى بذكر الأشقياء فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أي ساعة واحدة ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي آيسون من كل خير. ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ أي بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجج عليهم. وإرسال الرسل إليهم، فكذبوا وعصوا فجوزوا بذلك جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد. ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ﴾ وهو خازن النار. قال البخاري (^١): حدثنا حجاج بن منهال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أي ليقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه فإنهم كما قال تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] وقال ﷿: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣] فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك ﴿قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ قال ابن عباس: مكث ألف سنة ثم قال: إنكم ماكثون رواه ابن أبي حاتم أي لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها ثم ذكر سبب شقوتهم، وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي بيناه لكم ووضحناه وفسرناه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ أي ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه، وتصد عن الحق وتأباه وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة. واندموا حيث لا تنفعكم الندامة.\nثم قال ﵎: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ قال مجاهد: أرادوا كيد شر، فكدناهم (^٢) وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم الله تعالى ورد وبال ذلك عليهم، ولهذا قال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ أي سرهم وعلانيتهم ﴿بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي نحن نعلم ما هم عليه والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1792>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨١ إلى ٨٩]</span>\n﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة الزخرف.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢١٤.","vol":"7","page":221},{"text":"يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أي لو فرض هذا لعبدته على ذلك، لأني عبد من عبيده مطيع لجميع ما يأمرني به ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا لكان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا كما قال ﷿: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أي الآنفين، ومنهم سفيان الثوري والبخاري (^١)، حكاه فقال ويقال أول العابدين الجاحدين من عبد يعبد.\nوذكر ابن جرير (^٢) لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، حدثني ابن أبي ذئب عن أبي قسيط عن بعجة بن زيد الجهني أن امرأة منهم دخلت على زوجها وهو رجل منهم أيضا، فولدت له في ستة أشهر فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان ﵁، فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب ﵁ فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقال ﷿: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] قال: فوالله ما عبد عثمان ﵁ أن بعث إليها ترد، قال يونس:\nقال ابن وهب: عبد استنكف. وقال الشاعر: [الطويل] متى ما يشأ ذو الودّ يصرم خليله … ويعبد عليه لا محالة ظالما (^٣)\nوهذا القول فيه نظر لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقديره إن كان هذا فأنا ممتنع منه؟ هذا فيه نظر فليتأمل اللهم إلا أن يقال: أن إن ليست شرطا وإنما هي نافية، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ﴾ يقول: لم يكن للرحمن ولد، فأنا أول الشاهدين.\nوقال قتادة هي كلمة من كلام العرب ﴿إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أي إن ذلك لم يكن فلا ينبغي، وقال أبو صخر ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أي فأنا أول من عبده بأن لا ولد له، وأول من وحده، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال مجاهد ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أي أول من عبده ووحده وكذبكم، وقال البخاري (^٤) ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ الآنفين وهما لغتان رجل عابد وعبد، والأول أقرب على أنه شرط وجزاء ولكن هو\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة الزخرف.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٢١٦.\n(^٣) البيت بلا نسبة في تفسير الطبري ١١/ ٢١٦.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة الزخرف.","vol":"7","page":222},{"text":"ممتنع، وقال السدي ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ يقول: لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدا ولكن لا ولد له، وهو اختيار ابن جرير (^١) ورد قول من زعم أن إن نافية. ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له ولا كفء له فلا ولد له.\nوقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ أي في جهلهم وضلالهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهو يوم القيامة أي فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم ومآلهم وحالهم في ذلك اليوم قوله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض يعبده أهلها وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ وهذه الآية كقوله ﷾: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] أي هو المدعو الله في السموات والأرض ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي هو خالقهما ومالكهما، والمتصرف فيهما بلا مدافعة ولا ممانعة، فسبحانه وتعالى عن الولد وتبارك، أي استقر له السلامة من العيوب والنقائص، لأنه الرب العلي العظيم المالك للأشياء الذي بيده أزمة الأمور نقضا وإبراما.\n﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي لا يجليها لوقتها إلا هو ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي فيجازي كلا بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.\nثم قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي من الأصنام والأوثان ﴿الشَّفاعَةَ﴾ أي لا يقدرون على الشفاعة لهم ﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ هذا استثناء منقطع. أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له. ثم قال ﷿:\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره ﴿مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ أي هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل. ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾.\nوقوله جل وعلا: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي وقال محمد ﷺ، قيله أي شكا إلى ربه شكواه من قومه الذين كذبوه فقال يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠] وهذا الذي قلناه هو قول ابن مسعود ﵁ ومجاهد وقتادة، وعليه فسر ابن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢١٦.","vol":"7","page":223},{"text":"جرير (^١)، قال البخاري (^٢): وقرأ عبد الله يعني ابن مسعود ﵁ ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ﴾ وقال مجاهد في قوله: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال فأبرّ الله ﷿ قول محمد ﷺ (^٣). وقال قتادة: هو قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه ﷿. ثم حكى ابن جرير (^٤) في قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ﴾ قراءتين إحداهما النصب، ولها توجيهان: أحدهما أنه معطوف على قوله ﵎: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ والثاني أن يقدر فعل وقال قيله، والثانية الخفض وقيله عطفا على قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ تقديره وعلم قيله. وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أي المشركين ﴿وَقُلْ سَلامٌ﴾ أي لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السيئ، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلا وقولا ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد من الله تعالى لهم، ولهذا أحلّ بهم بأسه الذي لا يرد وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب والله أعلم. آخر تفسير سورة الزخرف.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢١٩.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة الزخرف.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٢١٩.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٢١٩.","vol":"7","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1793>تفسير سورة الدخان</span>\nوهي مكية\nقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب عن عمر بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» (^١) ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمر بن أبي خثعم يضعف قال البخاري منكر الحديث.\nثم قال: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحباب عن هشام أبي المقدام عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له» (^٢) ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام يضعف، والحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁، كذا قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد رحمة الله عليهم أجمعين، وفي مسند البزار من رواية أبي الطفيل عامر بن واثلة عن زيد بن حارثة أن رسول الله ﷺ قال لابن صياد: «إني قد خبأت خبأ فما هو؟» وخبأ له رسول الله ﷺ سورة الدخان فقال: هو الدخ (^٣). فقال: «اخسأ ما شاء الله كان» ثم انصرف.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1794>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ إلى ٨]</span>\n﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر كما قال ﷿: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وكان ذلك في شهر رمضان كما قال ﵎: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقد ذكرنا في الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها في رمضان، والحديث الذي رواه عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب ٨.\n(^٢) أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب ٨، والدارمي في فضائل القرآن باب ٢٢.\n(^٣) أي الدخان.","vol":"7","page":225},{"text":"صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال:\nإن رسول الله ﷺ قال: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى» (^١) فهو حديث مرسل ومثله لا يعارض به النصوص. وقوله ﷿:\n﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ أي معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعا لتقوم حجة الله على عباده.\nوقوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد من السلف وقوله جل وعلا: ﴿حَكِيمٍ﴾ أي محكم لا يبدل ولا يغير، ولهذا قال ﷻ: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾ أي جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه ﴿إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ أي إلى الناس رسولا يتلو عليهم آيات الله مبينات فإن الحاجة كانت ماسة إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي الذي أنزل هذا القرآن هو رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي إن كنتم متحققين ثم قال تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1795>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٩ إلى ١٦]</span>\n﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾\nيقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون أي قد جاءهم الحق اليقين وهم يشكون فيه ويمترون ولا يصدقون به، ثم قال ﷿ متوعدا لهم ومهددا: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ قال سليمان بن مهران الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: دخلنا المسجد، يعني مسجد الكوفة عند أبواب كندة، فإذا رجل يقص على أصحابه ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ تدرون ما ذلك الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابن مسعود ﵁، فذكرنا له ذلك وكان مضطجعا، ففزع فقعد وقال: إن الله ﷿ قال لنبيكم ﷺ: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إن من العلم أن يقول الرجل لما\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٢٢.","vol":"7","page":226},{"text":"لا يعلم الله أعلم سأحدثكم عن ذلك، إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد.\nقال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فأتى رسول الله ﷺ فقيل يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى ﷺ لهم فسقوا فأنزل الله ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ قال ابن مسعود ﵁: فيكشف عنهم العذاب يوم القيامة فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال يعني يوم بدر (^١).\nقال ابن مسعود ﵁: فقد مضى خمسة: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (^٢) ورواه الإمام أحمد (^٣) في مسنده، وهو عند الترمذي (^٤) والنسائي في تفسيرهما، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به، وقد وافق ابن مسعود ﵁ على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى: جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد الرحمن الأعرج في قوله ﷿: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ قال: كان يوم فتح مكة وهذا القول غريب جدا بل منكر.\nوقال آخرون لم يمض الدخان بعد بل هو من أمارات الساعة كما تقدم من حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من عرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم والدجال وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس-أو تحشر الناس-تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» (^٥).\nتفرد بإخراجه مسلم في صحيحه، وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لابن الصياد: «إني\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٣٠، ٢٣١.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٤، باب ٢.\n(^٣) المسند ١/ ٢٣٦، ٣٨١.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة الدخان.\n(^٥) أخرجه مسلم في الفتن حديث ٣٩، ٤٠، وأبو داود في الملاحم باب ١٢، والترمذي في الفتن باب ٢١، وابن ماجة في الفتن باب ٢٨، وأحمد في المسند ٤/ ٦، ٧.","vol":"7","page":227},{"text":"خبأت لك خبأ» قال: هو الدخ، فقال له ﷺ «اخسأ فلن تعدو قدرك» (^١) قال: وخبأ له رسول الله ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم يقرطمون العبارة، ولهذا قال هو الدخ، يعني الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته وأنها شيطانية فقال ﷺ: «اخسأ فلن تعدو قدرك».\nثم قال ابن جرير (^٢): وحدثني عصام بن رواد بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن أبي سعيد الثوري، حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن أول الآيات الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان-قال حذيفة ﵁ يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ -يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره». قال ابن جرير (^٣): لو صح هذا الحديث لكان فاصلا وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روادا عن هذا الحديث هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، قال فقلت: أقرأته عليه؟ قال: لا، قال فقلت له: أقرئ عليه وأنت حاضر فأقر به؟ فقال: لا، فقلت له: فمن أين جئت به؟ فقال: جاءني به قوم فعرضوه علي وقالوا لي اسمعه منا، فقرؤوه علي ثم ذهبوا به فحدثوا به عني أو كما قال وقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابن جرير من سياقه في أماكن من هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى، والله أعلم.\nوقال ابن جرير أيضا (^٤): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة والثالثة الدجال». ورواه الطبراني عن هاشم بن يزيد عن محمد بن إسماعيل بن عياش به وهذا إسناد جيد. وقال ابن أبي حاتم:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٨٠، والجهاد باب ١٧٨، والخمس باب ١١، والأدب باب ٩٧، القدر باب ١٤، ومسلم في الفتن حديث ٨٧، ٩٥، ١٦٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٢٢٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٢٢٨.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٢٢٧، ٢٢٨.","vol":"7","page":228},{"text":"حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خليل عن الحسن عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه الزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه». ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي سعيد الخدري ﵁ موقوفا، وروى سعيد بن عوف عن الحسن مثله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ قال: لم تمض آية الدخان بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وتنفخ الكافر حتى ينفذ.\nوروى ابن جرير (^١) من حديث الوليد بن جميع عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن السليماني عن ابن عمر ﵄ قال: يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ أي المشوي على الرضف (^٢)، ثم قال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ﵄ ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن عمر عن سفيان عن عبد الله بن أبي يزيد، عن عبد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ فذكره، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ﵄ حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها مما فيه مقنع، ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي بين واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النّاسَ﴾ أي يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمرا خياليا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه ﴿يَغْشَى النّاسَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا كقوله ﷿: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٤] أو يقول بعضهم لبعض ذلك. وقوله ﷾: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ أي يقول الكافرون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٢٧.\n(^٢) الرضف: الحجارة الممحاة على النار.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٢٢٧.","vol":"7","page":229},{"text":"إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم كقوله جلت عظمته ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] وكذا قوله جل وعلا: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤].\nوهكذا قال جل وعلا هاهنا: ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾. يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولا بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه وما وافقوه بل كذبوه وقالوا معلم مجنون، وهذا كقوله جلت عظمته: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٣ - ٢٤] الآية وكقوله ﷿:\n﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ إلى آخر السورة [سبأ: ٥١ - ٥٤].\nوقوله تعالى: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ يحتمل معنيين: (أحدهما) أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] وكقوله جلت عظمته: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. و(الثاني) أن يكون المراد إنا مؤخر والعذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم. وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم كقوله تعالى: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى إخبارا عن شعيب ﵇ أنه قال لقومه حين قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها﴾ [الأعراف: ٨٨ - ٨٩] وشعيب ﵇ لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم، وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله (^١).\nوقوله ﷿: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فسر ذلك ابن مسعود ﵁ بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود ﵁ على تفسيره الدخان بما تقدم، وروي أيضا عن ابن عباس ﵄ من رواية العوفي عنه وعن أبي بن كعب ﵁، وهو محتمل، والظاهر أن ذلك يوم القيامة وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا قال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب حدثني ابن علية، حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال: قال ابن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٢٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٢٣١.","vol":"7","page":230},{"text":"عباس ﵄ قال ابن مسعود ﵁: البطشة الكبرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة، وهذا إسناد صحيح عنه وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1796>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٧ إلى ٣٣]</span>\n﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاُتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)﴾\nيقول تعالى: ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم قبط مصر ﴿وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى كليمه ﵊ ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ﴾ كقوله ﷿:\n﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى﴾ [طه: ٤٧]. وقوله جل وعلا: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي مأمون على ما أبلغكموه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ﴾ أي لا تستكبروا عن اتباع آياته والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه كقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي بحجة ظاهرة واضحة وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والأدلة القاطعة.\n﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ قال ابن عباس ﵄ وأبو صالح: هو الرجم باللسان وهو الشتم. وقال قتادة: الرجم بالحجارة أي أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم من أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي فلا تتعرضوا لي ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا. فلما طال مقامه ﷺ بين أظهرهم وأقام حجج الله تعالى عليهم. كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم كما قال ﵎: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩] وهكذا قال هاهنا: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه ولهذا قال ﷻ: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ","vol":"7","page":231},{"text":"يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧].\nوقوله ﷿ هاهنا: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ وذلك أن موسى ﵊ لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلا بينهم وبين فرعون فلا يصل إليهم، فأمره الله تعالى أن يتركه على حاله ساكنا وبشره بأنهم جند مغرقون فيه وأنه لا يخاف دركا ولا يخشى، وقال ابن عباس ﵄ ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ كهيئته وامضه (^١)، وقال مجاهد: رهوا طريقا يبسا كهيئته. يقول:\nلا تأمره يرجع اتركه حتى يرجع آخرهم، وكذا قال عكرمة والربيع بن أنس والضحاك وقتادة وابن زيد، وكعب الأحبار وسماك بن حرب وغير واحد.\nثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ﴾ وهي البساتين ﴿وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ﴾ والمراد بها الأنهار والآبار ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ وهي المساكن الأنيقة والأماكن الحسنة، وقال مجاهد وسعيد بن جبير ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ المنابر، وقال ابن لهيعة عن وهب بن عبد الله المعافري عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: نيل مصر سيد الأنهار سخر الله تعالى له كل نهر بين المشرق والمغرب وذلله له، فإذا أراد الله ﷿ أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله ﵎ له الأرض عيونا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله جل وعلا أوحى الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره، وقال في قول الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ قال: كانت الجنان بحافتي نهر النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعا، ما بين أسوان إلى رشيد، وكان له تسع خلج: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهي متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء وزروع ما بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعا لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها.\n﴿وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ أي عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل كما قال ﵎: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. وقال في هذه الآية الأخرى ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٣٥.","vol":"7","page":232},{"text":"وقال ﷿ هاهنا: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ وهم بنو إسرائيل كما تقدم. وقوله ﷾: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني يزيد الرقاشي حدثني أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال:\n«ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه». وتلا هذه الآية ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم، ورواه ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يحيى بن طلحة، حدثني عيسى بن يونس عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ. ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ ثم قال: «إنهما لا يبكيان على الكافر».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري، حدثنا العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل عليا ﵁ هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض ومصعد عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد في السماء ثم قرأ علي ﵁ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب حدثنا طلق بن غنام عن زائدة عن منصور عن منهال عن سعيد بن جبير قال: أتى ابن عباس ﵄ رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت قول الله تعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال ﵁: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٣٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٢٣٧، ٢٣٨.","vol":"7","page":233},{"text":"عمله وينزل منه رزقه ففقده بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله ﷿ فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله ﷿ منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ نحو هذا.\nوقال سفيان الثوري عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال:\nكان يقال تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحا، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد، وقال مجاهد أيضا: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا، قال فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟ وقال قتادة: كانوا أهون على الله ﷿ من أن تبكي عليهم السماء والأرض. وقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد السلام بن عاصم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا المستورد بن سابق عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين، قلت لعبيد: أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه حيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء السماء! قلت: لا. قال: تحمر وتصير وردة كالدهان، إن يحيى بن زكريا ﵊ لما قتل احمرت السماء وقطرت دما وإن الحسين بن علي ﵄ لما قتل احمرت السماء.\nوحدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو زنيج، حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي ﵄ احمرت آفاق السماء أربعة أشهر، قال يزيد: واحمرارها بكاؤها، وهكذا قال السدي في الكبير، وقال عطاء الخراساني: بكاؤها أن تحمر أطرافها وذكروا أيضا في مقتل الحسين ﵁ أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط، وأنه كسفت الشمس واحمر الأفق وسقطت حجارة، وفي كل ذلك نظر، والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين ﵁ ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب ﵁ وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء من ذلك، وعثمان بن عفان ﵁ قتل محصورا مظلوما ولم يكن شيء من ذلك.\nوعمر بن الخطاب ﵁ قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك ولم يكن شيء من ذلك.\nوهذا رسول الله ﷺ، وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة، يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ خسفت الشمس فقال الناس: خسفت لموت إبراهيم! فصلى بهم رسول الله ﷺ صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان","vol":"7","page":234},{"text":"لموت أحد ولا لحياته (^١).\nوقوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ يمتن عليهم تعالى بذلك حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون ولإذلاله لهم، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة. وقوله تعالى: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ أي مستكبرا جبارا عنيدا كقوله ﷿: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقوله جلت عظمته ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] من المسرفين أي مسرف في أمره سخيف الرأي على نفسه. وقوله ﷻ: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ قال مجاهد ﴿اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ على من هم بين ظهريه. وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك، وكان يقال: إن لكل زمان عالما، وهذا كقوله تعالى: ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي أهل زمانه ذلك كقوله ﷿ لمريم ﵍: ﴿وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ أي في أمانها فإن خديجة ﵂ إما أفضل منها أو مساوية لها في الفضل، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة ﵂ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (^٢).\nوقوله ﷻ: ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ﴾ أي الحجج والبراهين وخوارق العادات ﴿ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ أي اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1797>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]</span>\n﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾\nيقول تعالى منكرا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا ولا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور، ويحتجون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا فإن كان البعث حقا ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهذه حجة باطلة وشبه فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في هذه الدار الدنيا بل بعد انقضائها وذهابها وفراغها، يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.\nثم قال تعالى متهددا لهم ومتوعدا ومنذرا لهم بأسه الذي لا يرد كما حل بأشباههم ونظرائهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الكسوف باب ١، ٢، ١٣، ١٧، ومسلم في الكسوف حديث ١، وأحمد في المسند ٦/ ٧٦، ٨٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب ٣٠، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٧٠، ٨٩، والترمذي في المناقب باب ٦٣، والنسائي في النساء باب ٣، وابن ماجة في الأطعمة باب ١٤، والدارمي في الأطعمة باب ٢٩، وأحمد في المسند ٣/ ١٥٦، ٢٦٤.","vol":"7","page":235},{"text":"من المشركين والمنكرين للبعث كقوم تبع، وهم سبأ، حيث أهلكهم الله ﷿ وخرب بلادهم وشردهم في البلاد وفرقهم شذر مذر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ وهي مصدرة بإنكار المشركين للمعاد، وكذلك هاهنا شبههم بأولئك وقد كانوا عربا من قحطان، كما أن هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حمير وهم سبأ كلما ملك فيهم رجل سموه تبعا، كما يقال كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرا، والنجاشي لمن ملك الحبشة وغير ذلك من أعلام الأجناس.\nولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده وكثرت رعاياه وهو الذي مصر الحيرة، فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يقرونه (^١) بالليل فاستحيا منهم وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة، فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهياه عن ذلك أيضا وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناء إبراهيم الخليل ﵊، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها وكساها الملاء (^٢) والوصائل (^٣) والحبير (^٤)، ثم كر راجعا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵊ فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ﵊، فتهود معه عامة أهل اليمن، وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة (^٥).\nوقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر. وذكر أنه ملك دمشق وأنه كان إذا استعرض الخيل صفت له من دمشق إلى اليمن. ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تبع لعينا كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيا كان أم ملكا؟» وقال غيره «عزيز أكان نبيا أم لا؟» (^٦).\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن حماد الظهراني عن عبد الرزاق قال الدارقطني:\n_________\n(^١) يقرونه: أي يضيفونه\n(^٢) الملاء: واحدة ملاءة: وهي الملحفة.\n(^٣) الوصائل: ثياب يمنية يوصل بعضها ببعض.\n(^٤) الحبير من الثياب: ما كان موشيا مخططا.\n(^٥) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٩، ٢٨.\n(^٦) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٣.","vol":"7","page":236},{"text":"تفرد به عبد الرزاق، ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس ﵄ مرفوعا «عزير لا أدري أنبيا أم لا؟ ولا أدري ألعين تبع أم لا؟» ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكأنه والله أعلم كان كافرا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ﵇، وحج البيت في زمن الجرهميين وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ستة آلاف بدنة وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن.\nوقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أبي بن كعب، وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس ﵃، وكعب الأحبار وإليه المرجع في ذلك كله، وإلى عبد الله بن سلام أيضا وهو أثبت وأكبر وأعلم. وكذا روى قصته وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تبع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن تبعا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما توفي عادوا بعده إلى عبادة النيران والأصنام فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ، وقد بسطنا قصتهم هنالك ولله الحمد والمنة، وقال سعيد بن جبير: كسا تبع الكعبة وكان سعيد ينهى عن سبه، وتبع هذا هو تبع الأوسط، واسمه أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله ﷺ بنحو من سبعمائة سنة. وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي في آخر الزمان اسمه أحمد، قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة، فكانوا يتوارثونه ويروونه خلفا عن سلف، وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله ﷺ في داره وهو:\nشهدت على أحمد أنّه … رسول من الله باري النّسم\nفلو مدّ عمري إلى عمره … لكنت وزيرا له وابن عم\nوجاهدت بالسيف أعداءه … وفرّجت عن صدره كل غم\nوذكر ابن ابي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: هذا قبر حبي ولميس، وروي حيي وتماضر ابنتي تبع، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. وقد ذكرنا في سورة سبأ شعرا في ذلك أيضا.\nقال قتادة: ذكر لنا أن كعبا كان يقول في تبع نعت نعت الرجل الصالح: ذم الله تعالى قومه ولم يذمه. قال: وكانت عائشة ﵂ تقول: لا تسبوا تبعا فإنه قد كان رجلا صالحا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي زرعة-يعني عمرو بن جابر الحضرمي، قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي","vol":"7","page":237},{"text":"﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم» (^١).\nورواه الإمام أحمد (^٢) في مسنده عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة به وقال الطبراني:\nحدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي برزة، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال:\n«لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم» وقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أدري تبع نبيا كان لعينا أم غير نبي» وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر «لا أدري تبع كان لعينا أم لا» فالله أعلم ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى البدي عن عكرمة عن ابن عباس موقوفا. وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمران أبو الهذيل، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال: قال عطاء بن أبي رباح لا تسبوا تبعا فإن رسول الله ﷺ نهى عن سبه، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1798>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ إلى ٤٢]</span>\n﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل كقوله جل وعلا:\n﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ وهو يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق، فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين.\nوقوله ﷿: ﴿مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي يجمعهم كلهم أولهم وآخرهم ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ أي لا ينفع قريب قريبا كقوله ﷾: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وكقوله جلت عظمته: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠ - ١١] أي لا يسأل أخا له عن حاله وهو يراه عيانا. وقوله جل وعلا:\n﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي لا ينصر القريب قريبه ولا يأتيه نصره من خارج، ثم قال: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ أي لا ينفع يومئذ إلا رحمة الله ﷿ بخلقه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي هو عزيز ذو رحمة واسعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1799>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ إلى ٥٠]</span>\n﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٤١.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٤٠.","vol":"7","page":238},{"text":"يقول تعالى مخبرا عما يعذب به الكافرين الجاحدين للقائه: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ والأثيم: أي في قوله وفعله، وهو الكافر، وذكر غير واحد أنه أبو جهل، ولا شك في دخوله في هذه الآية، ولكن ليست خاصة به. قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ فقال: طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء ﵁: قل إن شجرة الزقوم طعام الفاجر أي ليس له طعام من غيرها، قال مجاهد: ولو وقعت قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معيشتهم، وقد تقدم نحوه مرفوعا، وقوله:\n﴿كَالْمُهْلِ﴾ قالوا: كعكر الزيت ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي من حرارتها ورداءتها، وقوله: ﴿خُذُوهُ﴾ أي الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية ﴿خُذُوهُ﴾ ابتدره سبعون ألفا منهم، وقوله: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي سوقوه سحبا ودفعا في ظهره، قال مجاهد ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي خذوه فادفعوه، وقال الفرزدق: [الكامل] ليس الكرام بناحليك أباهم … حتى تردّ إلى عطيّة تعتل (^١)\n﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي وسطها ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ﴾ كقوله ﷿: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠] وقد تقدم أن الملك يضربه بمقمعة من حديد، فتفتح دماغه ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمرق من كعبيه، أعاذنا الله تعالى من ذلك. وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ أي قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ، وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: أي لست بعزيز ولا كريم.\nوقد قال الأموي في مغازيه: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل لعنه الله فقال: «إن الله تعالى أمرني أن أقول لك، ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥] قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم، قال فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته وأنزل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. وقوله ﷿: ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٥] ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾.\n_________\n(^١) البيت في ديوان الفرزدق ٢/ ١٦٠، وتفسير الطبري ١١/ ٢٤٥.","vol":"7","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1800>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ إلى ٥٩]</span>\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر السعداء ولهذا سمي القرآن مثاني، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي لله في الدنيا ﴿فِي مَقامٍ أَمِينٍ﴾ أي في الآخرة وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع وتعب ونصب ومن الشيطان وكيده وسائر الآفات والمصائب ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجرة الزقوم وشرب الحميم.\nوقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ﴾ وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما فيه بريق ولمعان وذلك كالرياش وما يلبس على أعالي القماش ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ أي على السرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره. وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحسان الحور العين اللاتي ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ … ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ … ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن:\n٥٦ - ٥٨ - ٦٠] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نوح بن حبيب، حدثنا نصر بن مزاحم العطار. حدثنا عمر بن سعد عن رجل عن أنس ﵁ رفعه نوح قال: لو أن حوراء بزقت في بحر لجي لعذب ذلك الماء لعذوبة ريقها.\nوقوله ﷿: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أي مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه بل يحضر إليهم كلما أرادوا.\nوقوله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ هذا الاستثناء يؤكد النفي فإنه استثناء منقطع، ومعناه أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت» (^١) وقد تقدم الحديث في سورة مريم عليها الصلاة والسلام.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقال لأهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٩، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٤٠، والترمذي في تفسير سورة ١٩، باب ٢، والدارمي في الرقاق باب ٩٠، وأحمد في المسند ٢/ ٣٧٧، ٤٢٣، ٥١٣، ٣/ ٩.","vol":"7","page":240},{"text":"تسقموا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا» (^١) رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به. هكذا يقول أبو إسحاق، وأهل العراق يقولون أبو مسلم الأغر، وأهل المدينة يقولون أبو عبد الله الأغر. وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن الحجاج هو ابن حجاج عن عبادة عن عبيد الله بن عمرو عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اتقى الله دخل الجنة ينعم فيها ولا يبأس ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» (^٢).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سليم بن عبد الله الرقي، حدثنا مصعب بن إبراهيم، حدثنا عمران بن الربيع الكوفي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: سئل نبي الله ﷺ: أينام أهل الجنة؟ فقال ﷺ: «النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون» وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن المغيرة، حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون»، وقال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: قيل يا رسول الله: هل ينام أهل الجنة؟ قال ﷺ: «لا، النوم أخو الموت، ثم قال: لا نعلم أحدا أسنده عن ابن المنكدر عن جابر ﵁ إلا الثوري ولا عن الثوري إلا الفريابي، هكذا قال، وقد تقدم خلاف ذلك، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ أي مع هذا النعيم العظيم المقيم قد وقاهم وسلمهم ونجاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم، فحصل لهم المطلوب ونجاهم من المرهوب ولهذا قال ﷿: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي إنما كان هذا بفضله عليهم وإحسانه إليهم كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ﷺ: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (^٣)، وقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه في الجنة حديث ٢٢، والترمذي في تفسير سورة ٣٩ باب ١٠، والدارمي في الرقاق باب ١٠٣، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٩، ٣/ ٣٨، ٩٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٢١، والترمذي في الجنة باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣٠٥، ٣١٩، ٣٧٠، ٤٠٧، ٤١٦، ٤٤٥، ٤٦٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٨، ومسلم في المنافقين حديث ٧١، ٧٦، ٧٨.","vol":"7","page":241},{"text":"﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلا واضحا بينا جليا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي يتفهمون ويعملون.\nثم لما كان مع هذا الوضوح والبيان من الناس من كفر وخالف وعاند قال الله تعالى لرسوله ﷺ مسليا له وواعدا له بالنصر، ومتوعدا لمن كذبه بالعطب والهلاك: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي انتظر ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ أي فسيعملون لمن تكون النصرة والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعكم من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] الآية. وقال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٣].","vol":"7","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1801>تفسير سورة الجاثية</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1802>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾\nيرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات والأرض، وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل الله ﵎ من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقا لأن به يحصل الرزق ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء. وقوله ﷿:\n﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أي جنوبا وشمالا ودبورا وصبا (^١)، برية وبحرية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح ومنها ما هو عقيم لا ينتج، وقال ﷾ أولا: ﴿لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم يوقنون ثم يعقلون وهو ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى، وهذه الآيات شبيهة بآية البقرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا عن وهب بن منبه أثرا طويلا غريبا في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1803>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٦ إلى ١١]</span>\n﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اِتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾\n_________\n(^١) رياح الدبور، هي الرياح التي تأتي من دبر الكعبة، ورياح الصبا: هي الرياح التي تستقبل الكعبة.","vol":"7","page":243},{"text":"يقول تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ يعني القرآن بما فيه من الحجج والبينات ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي متضمنة الحق من الحق، فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟ ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أي أفاك في قوله كذاب حلاف مهين أثيم في فعله وقلبه كافر بآيات الله ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ﴾ أي تقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أي على كفره وجحوده استكبارا وعنادا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ أي كأنه ما سمعها ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذابا أليما موجعا.\n﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ أي إذا حفظ شيئا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوا ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (^١)، ثم فسر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أي لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ أي ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئا ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قال ﵎: ﴿هذا هُدىً﴾ يعني القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وهو المؤلم الموجع. والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1804>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٢ إلى ١٥]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾\nيذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ وهي السفن فيه بأمره تعالى. فإنه هو الذي أمر البحر بحملها ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي في المتاجر والمكاسب ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية، ثم قال ﷿: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي من الكواكب والجبال والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به أي الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه ولهذا قال: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال ﵎:\n﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١٢٩، ومسلم في الإمارة حديث ٩٢، ٩٣، ٩٤، وأبو داود في الجهاد باب ٨١، وابن ماجة في الجهاد باب ٤٥، ومالك في الجهاد وحديث ٧، وأحمد في المسند ٢/ ٦، ٧، ١٠، ٥٥، ٦٣، ٧٦، ١٢٨.","vol":"7","page":244},{"text":"وروى ابن جرير (^١) من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ كل شيء هو من الله. وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عمرو ﵄ قال: مم خلق الخلق؟ قال: من النور والنار والظلمة والثرى. قال: وائت ابن عباس ﵄ فاسأله، فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله مما خلق ذلك كله. فرجع إليه فسأله فتلا ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ هذا أثر غريب وفيه نكارة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ أي يصفحوا عنهم ويتحملوا الأذى منهم وكان هذا في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس ﵄ وقتادة، وقال مجاهد: ﴿لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ لا ينالون نعم الله تعالى، وقوله ﵎: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله ﷿ مجازيهم بأعمالكم السيئة في الآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم عليه فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1805>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ إلى ٢٠]</span>\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾\nيذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم وجعله الملك فيهم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي من المآكل والمشارب ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي في زمانهم ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي حججا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة، وإنما كان ذلك بغيا منهم على بعضهم بعضا ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٥٥.","vol":"7","page":245},{"text":"يا محمد ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي سيفصل بينهم بحكمة العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم وأن تقصد منهجهم.\nولهذا قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها﴾ أي اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين، وقال ﷻ هاهنا: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم بعضا فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارا ودمارا وهلاكا ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، ثم قال ﷿: ﴿هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ يعني القرآن ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1806>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢١ إلى ٢٣]</span>\n﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾\nيقول تعالى: «لا يستوي المؤمنون والكافرون» كما قال ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وقال ﵎: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي عملوها وكسبوها ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ أي نساويهم بهم في الدنيا والآخرة ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة وفي هذه الدار.\nقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا بكير بن عثمان التنوخي، حدثنا الوضين بن عطاء عن يزيد بن مرثد الباجي عن أبي ذر ﵁ قال: إن الله تعالى بنى دينه على أربعة أركان، فمن صبر عليهن ولم يعمل بهن لقي الله من الفاسقين، قيل: وما هن يا أبا ذر؟ قال يسلم حلال الله لله وحرام الله لله وأمر الله لله ونهي الله لله لا يؤتمن عليهن إلا الله.\nقال أبو القاسم ﷺ «كما أنه لا يجتني من الشوك العنب كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار». هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أنهم وجدوا حجرا بمكة في أس الكعبة مكتوب عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات أجل كما يجتني من الشوك العنب (^١). وقد روى الطبراني من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن مسروق أن تميما الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ١٩٦.","vol":"7","page":246},{"text":"﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وقال ﷿: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾.\nثم قال جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ أي إنما يأتمر بهواه، فما رآه حسنا فعله وما رآه قبيحا تركه، وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، وعن مالك فيما روي عنه من التفسير لا يهوي شيئا إلا عبده، وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين: أحدهما وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، والآخر وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول ولا ينعكس ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أي فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئا يهتدي به ولا يرى حجة يستضيء بها. ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1807>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]</span>\n﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾\nيخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ أي ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ولهذا قالوا ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي يتوهمون ويتخيلون.\nفأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول تعالى يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره» (^١) وفي رواية «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» (^٢) وقد أورده ابن جرير (^٣) بسياق غريب جدا فقال: حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٥، باب ١، والتوحيد باب ٣٥، ومسلم في الألفاظ حديث ٢، ٣، وأبو داود في الأدب باب ١٦٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٨، ٢٧٢.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٩٩، ٣١١.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٢٦٤.","vol":"7","page":247},{"text":"أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا يميتنا ويحيينا فقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ويسبون الدهر فقال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور عن شريح بن النعمان عن ابن عيينة مثله.\nثم روى عن يونس عن ابن وهب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قال الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار» وأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد به. وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ: قال «يقول الله تعالى: استقرضت عبدي فلم يعطني وسبني عبدي، يقول وا دهراه وأنا الدهر» قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﵊ «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا يا خيبة الدهر، فينسبون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله ﷿، لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار، لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أي إذا استدل عليهم وبين لهم الحق، وأن الله تعالى قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها ﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي أحيوهم إن كان ما تقولونه حقا. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي كما تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي إنما يجمعكم إلى يوم القيامة لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا ﴿اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٢ - ١٣] ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] وقال هاهنا ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك فيه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فلهذا ينكرون المعاد ويستبعدون قيام الأجساد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] أي يرون وقوعه بعيدا والمؤمنون يرون ذلك سهلا قريبا.","vol":"7","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1808>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة، ولهذا قال ﷿: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أي يوم القيامة ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ وهم الكافرون بالله الجاحدون بما أنزله على رسله من الآيات البينات والدلائل الواضحات.\nوقال ابن أبي حاتم: قدم سفيان الثوري المدينة فسمع المعافري يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله تعالى يوما يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تعرف في المعافري حتى لحق بالله تعالى، ذكره ابن أبي حاتم ثم قال تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أي على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال إن هذا إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة، لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل ﵊ ويقول: نفسي نفسي نفسي! لا أسألك اليوم إلا نفسي. وحتى أن عيسى ﵊ ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني! قال مجاهد وكعب الأحبار والحسن البصري ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أي على الركب. وقال عكرمة: جاثية متميزة على ناحيتها وليس على الركب، والأول أولى.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبد الله بن باباه أن رسول الله ﷺ قال: «كأني أراكم جاثين بالكوم (^١) دون جهنم» وقال إسماعيل بن أبي رافع المديني عن محمد بن كعب عن أبي هريرة ﵁، مرفوعا في حديث الصور: فيتميز الناس وتجثو الأمم، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا﴾ وهذا فيه جمع بين القولين ولا منافاة، والله أعلم.\nوقوله ﷿: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا﴾ يعني كتاب أعمالها كقوله ﷻ:\n﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩] ولهذا قال ﷾: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي تجازون بأعمالكم خيرها وشرها كقوله ﷿: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٣ - ١٥] ولهذا قال جلت عظمته: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص كقوله ﷻ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾\n_________\n(^١) الكوم: أي المواضع العالية.","vol":"7","page":249},{"text":"[الكهف: ٤٩] وقوله ﷿: ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم.\nقال ابن عباس ﵄ وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القدم على العباد قبل أن يخلقهم فلا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ثم قرأ ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1809>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ إلى ٣٧]</span>\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اِتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾\nيخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحات وهي الخالصة الموافقة للشرع ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ وهي الجنة كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة:\nأنت رحمتي أرحم بك من أشاء (^١).\n﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي البين الواضح. ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا، أما قرئت عليكم آيات الله تعالى فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عن سماعها، وكنتم قوما مجرمين في أفعالكم مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟ ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها﴾ أي إذا قال لكم المؤمنون ذلك ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ﴾ أي لا نعرفها ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا﴾ أي إن نتوهم وقوعها إلا توهما أي مرجوحا ولهذا قال: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي بمتحققين. قال الله تعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أي وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي من العذاب والنكال ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ﴾ أي نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي فلم تعملوا له لأنكم لم تصدقوا به ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾. وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٠.","vol":"7","page":250},{"text":"«ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني» (^١).\nقال الله تعالى: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ أي إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريا تسخرون وتستهزءون بها ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي خدعتكم فاطمأننتم إليها فأصبحتم من الخاسرين، ولهذا قال ﷿: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها﴾ أي من النار ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يطلب منهم العتبى بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب ثم لما ذكر تعالى حكمه في المؤمنين والكافرين، قال: ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ أي المالك لهما وما فيهما، ولهذا قال ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: يعني السلطان أي هو العظيم الممجد الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه. وقد ورد في الحديث الصحيح «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما أسكنته ناري» (^٢) ورواه مسلم من حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، عن رسول الله ﷺ بنحوه. وقوله تعالى:\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي الذي لا يغالب ولا يمانع ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره تعالى وتقدس لا إله إلا هو.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ١٦، والترمذي في القيامة باب ٦.\n(^٢) أخرجه مسلم في البر حديث ١٣٦، وأبو داود في اللباس باب ٢٥، وابن ماجة في الزهد باب ١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٨، ٣٧٦، ٤١٤، ٣٢٧، ٤٤٢، ٦/ ١٩.","vol":"7","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1810>سورة الأحقاف</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1811>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)﴾\nيخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد ﷺ، صلوات الله عليه دائما إلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال تعالى:\n﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي لا على وجه العبث والباطل ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي وإلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي لا هون عما يراد بهم، وقد أنزل الله تعالى إليهم كتابا وأرسل إليهم رسولا، وهم معرضون عن ذلك كله أي وسيعلمون غب ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره ﴿أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أي ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض وما يملكون من قطمير، إن الملك والتصرف كله إلا لله ﷿، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي هاتوا كتابا من كتب الله المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأمركم بعبادة هذه الأصنام ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي دليل بين على هذا المسلك الذي سلكتموه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي لا دليل لكم لا نقليا ولا عقليا على ذلك، ولهذا قرأ آخرون: أو أثرة من علم أي أو علم صحيح تؤثرونه عن أحد ممن قبلكم، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو أحد يأثر علما (^١)، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: أو بينة من الأمر.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٧٣.","vol":"7","page":252},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١) حدثنا يحيى عن سفيان عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس ﵄، قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي ﷺ، أو أثرة من علم، قال: الخط. وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم. وقال الحسن البصري: أو أثارة شيء يستخرجه فيثيره. وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضا: أو أثارة من علم يعني الخط. وقال قتادة: أو أثارة من علم خاصة من علم وكل هذه الأقوال متقاربة. وهي راجعة إلى ما قلناه وهو اختيار ابن جرير ﵀ وأكرمه وأحسن مثواه.\nوقوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ أي لا أضل ممن يدعو من دون الله أصناما، ويطلب ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش، لأنها جماد حجارة صم، وقوله ﵎: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ كقوله ﷿: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢] أي سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل ﵊: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-1812>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾\nيقول ﷿ مخبرا عن المشركين في كفرهم وعنادهم: أنهم إذا تتلى عليهم آيات الله بينات أي في حال بيانها ووضوحها وجلائها يقولون ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي سحر واضح وقد كذبوا وافتروا وضلوا وكفروا ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ يعنون محمدا ﷺ قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني وليس كذلك لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض لا أنتم ولا غيركم، أن يجيرني منه، كقوله ﵎: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاّ بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ﴾ [الجن: ٢٢ - ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] ولهذا قال ﷾ هاهنا: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٢٦.","vol":"7","page":253},{"text":"هذا تهديد لهم ووعيد أكيد وترهيب شديد.\nوقوله ﷿: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة أي ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم تاب عليكم وعفا عنكم وغفر ورحم، وهذه الآية كقوله ﷿ في سورة الفرقان: ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥ - ٦] وقوله ﵎: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لست بأول رسول طرق العالم بل جاءت الرسل من قبلي فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم فإنه قد أرسل الله جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم، قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ما أنا بأول رسول، ولم يحك ابن جرير (^١) ولا ابن أبي حاتم غير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: نزل بعدها ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] وهكذا قال عكرمة والحسن وقتادة: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بين الله تعالى، ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا:\nهنيئا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله ﷾ هذه الآية، وقال الضحاك ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ أي ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا؟ وقال أبو بكر الهذلي عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ قال: أما في الآخرة فمعاذ الله قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة (^٢)؟ وهذا القول هو الذي عول عليه ابن جرير وأنه لا يجوز غيره ولا شك أن هذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه عليه، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا، أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٣)، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء، وهي امرأة من نسائهم أخبرته وكانت بايعت\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٧٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٧٧.\n(^٣) المسند ٦/ ٤٣٦.","vol":"7","page":254},{"text":"رسول الله ﷺ قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون ﵁ فاشتكى عثمان ﵁ عندنا فمرضناه، حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه فدخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله ﷿ فقال رسول الله ﷺ: «وما يدريك أن الله تعالى أكرمه» فقلت:\nلا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ «أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ﷺ ما يفعل بي».\nقالت: فقلت والله لا أزكي أحدا بعده أبدا وأحزنني ذلك فنمت فرأيت لعثمان ﵁ عينا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ: «ذلك عمله» فقد انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، وفي لفظ له «ما أدري وأنا رسول الله ﷺ ما يفعل بي» (^١) وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها فأحزنني ذلك، وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة وابن سلام والغميصاء (^٢) وبلال وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة وما أشبه هؤلاء ﵃، وقوله ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي إنما أتبع ما ينزله الله علي من الوحي ﴿وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي بين النذارة وأمري ظاهر لكل ذي لب وعقل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1813>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٠ إلى ١٤]</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزل علي لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ أي وقد شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣، والتعبير باب ١٣.\n(^٢) وقيل: هي الرميصاء بنت ملحان بن خالد بن زيد، أم أنس بن مالك. انظر كتاب الثقات لابن حبان ٣/ ١٣٢.","vol":"7","page":255},{"text":"وقوله ﷿: ﴿فَآمَنَ﴾ أي هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن اتباعه، وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سلام ﵁ وغيره، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام ﵁، وهذه كقوله ﵎: ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ قال مسروق والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام ﵁ كان بالمدينة. رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم واختاره ابن جرير.\nوقال مالك عن أبي النضر عن عامر بن سعد عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام ﵁ (^١).\nقال: وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث مالك به، وكذا قال ابن عباس ﵄ ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ويوسف بن عبد الله بن سلام وهلال بن يساف والسدي والثوري ومالك بن أنس، وابن زيد أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن سلام.\nوقوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا ﵃، وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذلك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا وأخطئوا خطأ بينا كما قال ﵎: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] أي يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ وأما أهل السنة والجماعة، فيقولون: في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة ﵃ هو بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي كذب قديم أي مأثور عن الناس الأقدمين فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مناقب عبد الله بن سلام، ومسلم فضائل الصحابة حديث ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠.","vol":"7","page":256},{"text":"«بطر الحق وغمط الناس» (^١).\nثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ وهو التوراة ﴿إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ﴾ يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي لما قبله من الكتب ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ أي فصيحا بينا واضحا ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي مشتمل على النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ تقدم تفسيرها في سورة حم السجدة وقوله تعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي فيما يستقبلون ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1814>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٥ إلى ١٦]</span>\n﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾\nلما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن كقوله ﷿: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله ﷻ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال ﷿ هاهنا ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا﴾ أي أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما.\nوقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد ﵁ قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين فلا آكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا ونزلت هذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا﴾ الآية. ورواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجة من حديث شعبة بإسناده نحوه وأطول منه ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا من وحام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي بمشقة أيضا من الطلق وشدته ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾.\nوقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع التي في لقمان ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ [لقمان:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٤٧، وأبو داود في اللباس باب ٢٦، والترمذي في البر باب ٦١، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٥، ٤٢٧، وعند الترمذي بلفظ «غمص» بدل «غمط».","vol":"7","page":257},{"text":"١٤] وقوله ﵎: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وهو استنباط قوي وصحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ﵁، فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت:\nما يبكيك؟ فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله ﷾ فيّ ما شاء، فلما أتى بها عثمان ﵁ أمر برجمها فبلغ ذلك عليا ﵁: فأتاه فقال له ما تصنع، قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك، فقال له علي ﵁: أما تقرأ القرآن: قال: بلى. قال: أما سمعت الله ﷿ يقول ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فلم نجده بقي إلا ستة أشهر قال: فقال عثمان ﵁ والله ما فطنت لهذا عليّ بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها قال: فقال بعجة: فوالله ما الغراب بالغراب ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه قال: ابني والله لا أشك فيه. قال:\nوابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله حتى مات (^١)، رواه ابن أبي حاتم، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله ﷿: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرين شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين لأن الله تعالى يقول ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي قوي وشب وارتجل. ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه. ويقال إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين، قال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو عبد الله القواريري، حدثنا عروة بن قيس الأزدي، وكان قد بلغ مائة سنة، حدثنا أبو الحسن السلولي عمر بن أوس قال: قال محمد بن عمرو بن عثمان عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله تعالى حسابه، وإذا بلغ الستين سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله تعالى حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة\n_________\n(^١) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩.","vol":"7","page":258},{"text":"غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه الله تعالى في أهل بيته، وكتب في السماء أسير الله في أرضه» وقد روي هذا من غير وجه، وهو في مسند الإمام أحمد (^١)، وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أمية بدمشق، تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركتها حياء من الله ﷿، وما أحسن قول الشاعر: [الطويل] صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه … فلمّا علاه قال للباطل: ابعد (^٢)!\n﴿قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أي في المستقبل ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي نسلي وعقبي ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ﷿ ويعزم عليها، وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد «اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا».\nقال الله ﷿: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله تعالى المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم فيغفر لهم الكثير من الزلل ويتقبل منهم اليسير من العمل.\n﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾ أي هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وعد الله ﷿ من تاب إليه وأناب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ قال ابن جرير (^٣) حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان عن الحكم بن أبان عن الغطريف، عن جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ، عن الروح الأمين ﵊ قال: «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله تعالى له في الجنة» قال: فدخلت على يزداد فحدث بمثل هذا قال: قلت فإن ذهبت الحسنة؟ قال ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني عن المعتمر بن سليمان بإسناده مثله وزاد عن الروح الأمين.\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢١٨.\n(^٢) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص ٦٩، والأصمعيات ص ١٠٨، والشعر والشعراء ص ٧٥٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٨٢١، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٢٩٨.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٢٨٦.","vol":"7","page":259},{"text":"قال: قال الرب ﷻ: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فذكره، وهو حديث غريب وإسناده جيد لا بأس به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد، حدثنا عمرو بن عاصم الكلائي، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن يوسف بن سعد، عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر علي ﵁ على أهل البصرة فقال له يوما: لقد شهدت أمير المؤمنين عليا ﵁، وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر ﵃، فذكروا عثمان ﵁ فنالوا منه، فكان علي ﵁ على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم، فسألوه فقال علي ﵁: كان عثمان ﵁ من الذين قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ قال: والله عثمان وأصحاب عثمان ﵃، قالها ثلاثا. قال يوسف فقلت لمحمد بن حاطب: الله لسمعت هذا عن علي ﵁؟ قال: الله لسمعت هذا عن علي ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-1815>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٧ إلى ٢٠]</span>\n﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾\nلما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارين بهما وما لهم عنده من الفوز، والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق ﵄ وفي صحة هذا نظر، والله تعالى أعلم. وقال ابن جريج عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر ﵄ وهذا أيضا قاله ابن جريج. وقال آخرون عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، وهذا أيضا قول السدي، وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه ﴿أُفٍّ لَكُما﴾ عقهما.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد الله بن المديني، قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وأن يستخلفه فقد","vol":"7","page":260},{"text":"استخلف أبو بكر عمر ﵄، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄:\nأهرقلية؟ إن أبا بكر ﵁ والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أف لكما؟ فقال عبد الرحمن ﵁: ألست ابن اللعين الذين لعن رسول الله ﷺ أباك؟ قال وسمعتهما عائشة ﵂ فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن ﵁ كذا وكذا؟ كذبت ما فيه نزلت ولكن نزلت في فلان ابن فلان، ثم انتحب مروان ثم نزل عن المنبر، حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف.\nوقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، ﵄، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: ما أنزل الله ﷿ فينا شيئا من القرآن إلا أن الله تعالى أنزل عذري (^١).\n[طريق أخرى] قال النسائي: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية ﵁ لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر ﵄. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: سنة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآية. فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت: كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فضض من لعنة الله.\nوقوله: ﴿أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي أبعث ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ أي يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ أي دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم، من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.\nوقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِي قالَ﴾ دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك. وقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة سهل بن داود من طريق هشام بن عمار، حدثنا حماد بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٤ باب ٨.","vol":"7","page":261},{"text":"عبد الرحمن، حدثنا خالد بن الزبرقان الحلبي عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة الباهلي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أربعة لعنهم الله تعالى من فوق عرشه، وأمنت عليهم الملائكة: مضل المساكين» قال خالد الذي يهوي بيده إلى المسكين فيقول: هلم أعطيك، فإذا جاءه قال: ليس معي شيء «والذي يقول للماعون ابن وليس بين يديه شيء، والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها، والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا» غريب جدا.\nوقوله ﵎: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أي لكل عذاب بحسب عمله ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، درجات النار تذهب سفالا ودرجات الجنة تذهب علوا (^١)، وقوله ﷿: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا، وقد تورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن كثير من طيبات المآكل والمشارب. وتنزه عنها ويقول: إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم وبخهم وقرعهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ وقال أبو مجلز: ليفقدن أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا فيقال لهم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ وقوله ﷿:\n﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ فجوزوا من جنس عملهم فكما نعموا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله ﵎ بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة والحسرات المتتابعة والمنازل في الدركات المفظعة، أجارنا الله ﷾ من ذلك كله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1816>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢١ إلى ٢٥]</span>\n﴿وَاُذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى مسليا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذب من قومه ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ﴾ وهو هود ﵊، بعثه الله ﷿ إلى عاد الأولى وكانوا يسكنون الأحقاف، جمع حقف وهو الجبل من الرمل، قاله ابن زيد، وقال عكرمة: الأحقاف الجبل والغار، وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأحقاف واد بحضر موت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح الكفار، وقال قتادة: ذكر لنا أن عادا كانوا حيا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٨٨.","vol":"7","page":262},{"text":"الشحر (^١)، قال ابن ماجة: باب إذا دعا فليبدأ بنفسه. حدثنا الحسين بن علي الخلال، حدثنا أبي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «يرحمنا الله وأخا عاد» (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني وقد أرسل الله تعالى إلى من حول بلادهم من القرى مرسلين ومنذرين كقوله ﷿: ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] وكقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ … ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ١٣ - ١٤] أي قال لهم هود ذلك فأجابه قومه قائلين ﴿أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أي لتصدنا عن آلهتنا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعادا منهم وقوعه كقوله جلت عظمته ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] ﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فسيفعل ذلك بكم وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي لا تعقلون ولا تفهمون.\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر، ففرحوا واستبشروا به وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر.\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي هو العذاب الذي قلتم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ﴿تُدَمِّرُ﴾ أي تخرب ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من بلادهم مما من شأنه الخراب ﴿بِأَمْرِ رَبِّها﴾ أي بإذن الله لها في ذلك كقوله ﷾: ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي كالشيء البالي ولهذا قال ﷿: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ أي قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية.\n﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا. وقد ورد حديث في قصتهم وهو غريب جدا من غرائب الحديث وأفراده. قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ، فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سواد تخفق، وإذا بلال ﵁، متقلدا السيف بين يدي\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢٩١.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الدعاء باب ٦.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٨٢.","vol":"7","page":263},{"text":"رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص ﵁ وجها قال: فجلست فدخل منزله، أو قال رحله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال ﷺ: «هل كان بينكم وبين تميم شيء؟» قلت: نعم وكان لنا الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك فها هي بالباب، فأذن لها فدخلت فقلت: يا رسول الله إني رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت وقالت: يا رسول الله فإلى أين يضطر مضرك؟ قال: قلت إن مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال «هيه وما وافد عاد؟» وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير أفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت نسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر. فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها، خذها رمادا رمددا، لا تبقى من عاد أحدا، قال: فلما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال أبو وائل: وصدق وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد (^١). ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة كما تقدم في سورة الأعراف.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى رأيت منه لهواته إنما كان يبستم وقالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، فقال رسول الله ﷺ: «يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا» (^٣) وأخرجاه من حديث ابن وهب.\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ناشئا في أفق من آفاق\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥١ باب ١.\n(^٢) المسند ٦/ ٦٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩٦، باب ٢، ومسلم في الاستسقاء حديث ١٤، وأبو داود في الأدب باب ١٠٤.\n(^٤) المسند ٦/ ١٩٠.","vol":"7","page":264},{"text":"السماء ترك عمله وإن كان في صلاته ثم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه» فإن كشفه الله تعالى حمد الله ﷿، وإن أمطر قال: «اللهم صيبا نافعا».\n[طريق أخرى] قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر الطاهر، أخبرنا ابن وهب قال:\nسمعت ابن جريج يحدثنا عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» قالت: وإذا تخيلت (^١) السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة ﵂، فسألته فقال رسول الله ﷺ: «لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ (^٢) وقد ذكرنا قصة هلاك قوم عاد في سورتي الأعراف وهود بما أغنى عن إعادته هنا، ولله تعالى الحمد والمنة.\nوقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك بن مسلم الملائي عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر، فلما رآها أهل الحضر قالوا هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا، وكان أهل البوادي فيها، فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا-قال-عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1817>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]</span>\n﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه، ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي وأحاط بهم العذاب، والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه، أي فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) تخيلت: أي تغيمت وتهيأت للمطر.\n(^٢) أخرجه مسلم في الاستسقاء حديث ١٦.","vol":"7","page":265},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى﴾ يعني أهل مكة، وقد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضا، وقوله ﷿: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآياتِ﴾ أي بيناها وأوضحناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أي فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم. ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم ﴿وَذلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1818>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٢]</span>\n﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، سمعت عكرمة عن الزبير، ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال: بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] قال سفيان: اللّبد بعضهم على بعض كاللبد بعضه على بعض، تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير عن عكرمة، عن ابن عباس أنهم سبعة من جن نصيبين.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة (ح) وقال الإمام الشهير الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي أخبرنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم، فقالوا حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء\n_________\n(^١) المسند ١/ ١٦٧.\n(^٢) المسند ١/ ٢٥٢.","vol":"7","page":266},{"text":"فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء.\nفانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا يا قومنا ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا﴾ [الجن: ١] وأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (^١) [الجن: ١] وإنما أوحي إليه قول الجن رواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة به، ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث أبي عوانة.\nوقال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقا وما زادوا باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبث جنوده فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض (^٣)، ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث إسرائيل به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄ أيضا بمثل هذا السياق بطوله، وهكذا قال الحسن البصري إنه ﵇ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم.\nوذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج النبي ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله ﷿ وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها وأورد ذلك الدعاء الحسن «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».\nقال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٠٥، وتفسير سورة ٧٢ باب ١، ومسلم في الصلاة حديث ١٤٩، والترمذي في تفسير سورة ٧٢، باب ١.\n(^٢) المسند ١/ ٢٧٤.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٧٢، باب ٢.","vol":"7","page":267},{"text":"نصيبين، وهذا صحيح، ولكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره، والله أعلم، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا﴾ قال صه، وكانوا تسعة وأحدهم زوبعة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ -إلى- ﴿ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فهذا مع الأول من رواية ابن عباس ﵄ يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه إرسالا قوما بعد قوم وفوجا بعد فوج، كما ستأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار مما سنوردها إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nفأما ما رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبي يقول:\nسألت مسروقا من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك يعني ابن مسعود ﵁ أنه آذنته بهم شجرة (^١)، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس ﵄، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم ويحتمل أن يكون في المرة الأولى، ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة أي أعلمته باستماعهم، والله أعلم.\nقال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله ﷿ كما رواه عبد الله بن مسعود ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-1819>[ذكر الروايات عنه بذلك]</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود عن الشعبي وابن أبي زائدة، أخبرنا داود عن الشعبي عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٣٢، ومسلم في الصلاة حديث ١٥٣.\n(^٢) المسند ١/ ٤٣٦.","vol":"7","page":268},{"text":"فقلنا اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح -أو قال-في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا له الذي كانوا فيه فقال: «إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم» قال: فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال: قال الشعبي: سألوه الزاد، قال عامر: سألوه بمكة وكانوا من جن الجزيرة فقال:\n«كل عظم ذكر اسم الله عليه أن يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم-قال-فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن» وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن علي بن حجر عن إسماعيل ابن علية به نحوه.\nوقال مسلم (^١) أيضا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود ﵁ شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الحن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود ﵁ فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب فقيل استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذ هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن». قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: «كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم» قال رسول الله ﷺ: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم».\n[طريق أخرى] عن ابن مسعود ﵁. قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن ربعا بالحجون».\n[طريق أخرى] فيها أنه كان معه ليلة الجن. قال ابن جرير (^٢) ﵀: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي، وكان من أهل الشام قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل» فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله خطا ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه\n_________\n(^١) كتاب الصلاة حديث: ١٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٢٩٩.","vol":"7","page":269},{"text":"حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب، ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله مع الفجر فانطلق فتبرز ثم أتاني فقال: ما فعل الرهط. فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثا زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه ابن جرير (^١) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن أبي زرعة وهب بن راشد عن يونس بن يزيد الأيلي به.\nورواه البيهقي في الدلائل من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث عن يونس به، وقد روى إسحاق بن راهويه عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن مسعود ﵁، فذكر نحو ما تقدم ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق موسى بن عبيدة عن سعيد بن الحارث عن أبي المعلى عن ابن مسعود ﵁، فذكر نحوه أيضا.\n[طريق أخرى] قال أبو نعيم: حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا عفان وعكرمة قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة عن عمرو، ولعله قد يكون قال البكالي يحدثه عمرو عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:\nاستتبعني رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خطا فقال: «كن بين ظهر هذه لا تخرج منها فإنك إن خرجت هلكت» فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة.\n[طريق أخرى] قال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود ﵁:\nحدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطا وقال: «لا تبرح منها» فذكر مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله ﷺ، فذعر ثلاث مرات حتى إذا كان قريبا من الصبح أتاني النبي ﷺ فقال: «أنمت؟» فقلت: لا والله، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول «اجلسوا» فقال ﷺ: «لو خرجت لم آمن أن يتخطفك بعضهم» ثم قال ﷺ «هل رأيت شيئا؟» قلت: نعم رأيت رجالا سودا مستشعرين ثيابا بيضا قال ﷺ: «أولئك جن نصيبين سألوني المتاع-والمتاع الزاد-فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة فقلت يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال رسول الله ﷺ: إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل. ولا روثا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة».\n[طريق أخرى] قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٢٩٨.","vol":"7","page":270},{"text":"قتادة قالا أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فقال: «إن نفرا من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتونني الليلة فاقرأ عليهم القرآن» فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخط لي خطا وأجلسني فيه وقال لي «لا تخرج من هذا» فبت فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحممة فقال لي: «إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء» قال: فلما أصبحت قلت لأعلمن علمي حيث كان رسول الله ﷺ قال فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا.\n[طريق أخرى] قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا عثمان بن عمر عن الشمر بن الريان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن حتى أتى الحجون، فخط لي خطا ثم تقدم إليهم، فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك.\nفقال: إني لن يجيرني من الله أحد.\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان بن أبي فزارة العبسي، حدثنا أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كانت ليلة الجن قال لي النبي ﷺ: «أمعك ماء؟» قلت: ليس معي ماء ولكن معي إداوة فيها نبيذ فقال النبي ﷺ: «تمرة طيبة وماء طهور» فتوضأ (^٢) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث أبي زيد به.\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس عن عبد الله بن مسعود ﵃ قال: إنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال رسول الله ﷺ: «يا عبد الله أمعك ماء؟» قال: معي نبيذ في إداوة. قال ﷺ: «اصبب عليّ» فتوضأ. فقال النبي ﷺ: «يا عبد الله شراب وطهور» تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر عن ابن مسعود ﵁.\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي عن ميناء عن عبد الله ﵁ قال كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فلما انصرف تنفس فقلت:\nما شأنك؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» هكذا رأيته في المسند مختصرا، وقد رواه\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤٤٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ٤٢، والترمذي في الطهارة باب ٦٥، وابن ماجة في الطهارة باب ٣٧.\n(^٣) المسند ١/ ٣٩٨.\n(^٤) المسند ١/ ٤٤٩.","vol":"7","page":271},{"text":"الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة فقال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وحدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قالا: حدثنا عبد الرزاق عن أبيه عن ميناء عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» قلت: استخلف. قال: «من؟» قلت: أبا بكر. قال: فسكت ثم مضى ساعة فتنفس فقلت: ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» قلت: استخلف. قال: «من؟» قلت: عمر. فسكت ساعة ثم مضى ثم تنفس فقلت؟ ما شأنك؟ قال: «نعيت إلي نفسي» قلت: فاستخلف قال ﷺ «من؟» قلت: علي بن أبي طالب ﵁. قال ﷺ: «أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين».\nوهو حديث غريب جدا وأحرى به أن لا يكون محفوظا، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده إن شاء الله تعالى، فإن في ذلك الوقت كان في آخر الأمر لما فتحت مكة ودخل الناس والجان أيضا في دين الله أفواجا نزلت سورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [الفتح: ١ - ٣] وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه كما نص على ذلك ابن عباس ﵄، ووافقه عمر بن الخطاب ﵁ عليه، وقد ورد في ذلك حديث سنورده إن شاء الله تعالى عند تفسيرها، والله أعلم وقد رواه أبو نعيم أيضا عن الطبراني عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن علي بن الحسين بن أبي بردة، عن يحيى بن سعيد الأسلمي، عن حرب بن صبيح عن سعيد بن سلمة عن أبي مرة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي عن ابن مسعود ﵁ فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف، وهذا إسناد غريب وسياق عجيب.\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ خط حوله، فكان أحدهم مثل سودا النخل وقال: «لا تبرح مكانك فأقرئهم كتاب الله» فلما رأى الزّط قال: كأنهم هؤلاء وقال النبي ﷺ «أمعك ماء؟» قلت: لا. قال: «أمعك نبيذ؟» قلت: نعم فتوضأ به.\n[طريق أخرى مرسلة] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ قال هم اثنا عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموصل، فقال النبي ﷺ لابن مسعود ﵁: «أنظرني حتى آتيك» وخط عليه خطا وقال «لا تبرح حتى آتيك» فلما خشيهم ابن مسعود ﵁ كاد أن يذهب، فذكر قول رسول الله ﷺ فلم يبرح، فقال له النبي ﷺ: «لو ذهبت\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤٥٥.","vol":"7","page":272},{"text":"ما التقينا إلى يوم القيامة».\n[طريق أخرى مرسلة أيضا]: قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ قال: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى وأن نبي الله ﷺ قال: «إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟» فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله إن ذاك لذو ندبة، فأتبعه ابن مسعود ﵁ أخو هذيل، قال فدخل النبي ﷺ شعبا يقال له شعب الحجون وخط عليه، وخط على ابن مسعود ﵁ خطا ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله ﷺ ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله ﷺ قلت يا رسول الله ما اللغط الذي سمعت؟ قال ﷺ: «اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق» رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم.\nفهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصدا فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله ﷿ وشرع الله تعالى لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قاله ابن عباس ﵄. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود ﵁، وأما ابن مسعود ﵁ فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ﵁ ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير «قل أوحي إلي» من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذي لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود ﵁ ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي،: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، حدثنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة ﵁ يتبع رسول الله ﷺ بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يوما فقال «من هذا؟» قال: أنا أبو هريرة. قال ﷺ: «ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة». فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته فقلت: يا رسول الله ما بال العظم والروثة؟ قال ﷺ: «أتاني وقد جن نصيبين فسألوني الزاد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٩٧.","vol":"7","page":273},{"text":"فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاما» أخرجه البخاري (^١) في صحيحه عن موسى بن إسماعيل عن عمرو بن يحيى بإسناده قريبا منه، فهذا يدل على ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك.\nوقد روى ابن عباس غير ما ذكر عنه أولا من وجه جيد، فقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، حدثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية. قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله رسلا إلى قومهم. فهذا يدل على أنه روى القصتين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه عن ابن جريج عن مجاهد ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية، قال كانوا سبعة نفر ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم حيي وحسى ومنيثي وشاضر وماضر والأردوابيان والأحقم، وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال له بنو الشيصبان وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا، وهم كانوا عامة جنود إبليس.\nوقال سفيان الثوري عن عاصم عن ذر عن ابن مسعود ﵁ كانوا تسعة أحدهم زوبعة، أتوه من أصل نخلة، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان، وقيل: كانوا ثلاثمائة، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه ﷺ.\nومما يدل على ذلك ما قاله البخاري (^٣) في صحيحه: حدثنا يحيى بن سليمان حدثني ابن وهب، حدثني عمر هو ابن محمد قال: إن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: ما سمعت عمر ﵁ يقول لشيء قط إني لأظنه هكذا إلا كان كما يظن بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس إذ مر به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم، علي بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك فقال:\nما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك، قال: بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت: [السريع] ألم تر الجنّ وإبلاسها … ويأسها من بعد إنكاسها\nولحوقها بالقلاص وأحلاسها (^٤)\n_________\n(^١) كتاب مناقب الأنصار باب ٣٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٢٩٧.\n(^٣) كتاب مناقب الأنصار باب ٣٥.\n(^٤) يروي البيت: ألم تر الجن وإبلاسها وشدّ العيس بأحلاسها وهو لسواد بن قارب في لسان العرب (عيس) وبلا نسبة في لسان العرب (أنس)، (بلس)، والإبلاس: التحير والدهشة، والقلاص، جمع قلوس، وهي الناقة الشابة، والأحلاس جمع حلس: وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب.","vol":"7","page":274},{"text":"قال عمر ﵁: صدق بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح (^١)، أمر نجيح رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا (^٢) أن قيل هذا نبي. هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه، ثم قال وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر ﵁ بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر ﵁، في إسلامه وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله أعلم، وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر ﵁ فمن أراده فليأخذه من ثم، ولله الحمد والمنة.\nوقال البيهقي: حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني قراءة عليه، حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى الحمار الكوفي بالكوفة، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه، حدثنا أبو بكر القصري حدثنا محمد بن النواس الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فقلت يا أمير المؤمنين وما سواد بن قارب؟ قال فقال له عمر ﵁: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا، قال فبينما نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب قال: فقال له عمر ﵁: يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد ﵁: فإني كنت نازلا بالهند وكان لي رئي من الجن، قال فبينما أنا ذات ليلة نائم إذا جاءني في منامي ذلك، قال قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب ثم أنشأ يقول:\nعجبت للجنّ وتحساسها … وشدّها العيس بأحلاسها (^٣)\n_________\n(^١) جليح: هو اسم رجل.\n(^٢) ما نشبنا: أي ما لبثنا.\n(^٣) انظر تخريج البيت قبل حاشيتين.","vol":"7","page":275},{"text":"تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما خير الجن كأنحاسها\nفانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها\nقال: ثم أنبهني فأفزعني وقال يا سواد بن قارب، إن الله ﷿ بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ثم أنشأ يقول: [السريع] عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها\nتهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس قدماها كأذنابها\nفانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى قابها\nفلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال: [السريع] عجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها (^١)\nتهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس ذوو الشر كأخيارها\nفانهض إلى الصفوة من هاشم … ما مؤمنو الجن ككفارها\nقال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي فما حللت تسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله ﷺ فإذا هو بالمدينة يعني مكة، والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ قال: «مرحبا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك» قال: قلت يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه مني قال ﷺ: «قل يا سواد» فقلت: [الطويل] أتاني رئيّ بعد ليل وهجعة … ولم يك فيما قد بلوت بكاذب\nثلاث ليال قوله كل ليلة: … أتاك رسول من لؤي بن غالب\nفشمّرت عن ساقي الإزار ووسطت … بي الدّعلب الوجناء بين السباسب (^٢)\nفأشهد أن الله لا رب غيره … وأنك مأمون على كلّ غائب\nوأنك أدنى المرسلين شفاعة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب\nفمرنا بما يأتيك يا خير مرسل … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب\nوكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب (^٣)\n_________\n(^١) الأكوار: جمع كور، وهو رحل الناقة.\n(^٢) الدعلب: الناقبة الفتية الشابة. والوجناء: العظيمة الوجنتين والسباسب: القفار.\n(^٣) يروى البيت الأخير: فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب وهو لسواد بن قارب في الجنى الداني ص ٥٤، والدرر ٢/ ١٢٦، ٣/ ١٤٨، وشرح التصريح ١/ ٢٠١، ٢/ ٤١، وشرح عمدة الحافظ ص ٢١٥، والمقاصد النحوية ١/ ٢٩٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٢٥، وأوضح المسالك ١/ ٢٩٤، وشرح الأشموني ١/ ١٢٣، وشرح شواهد المغني ص ٨٣٥، وشرح ابن عقيل ص ١٥٦، ومغني اللبيب ص ٤١٩، وهمع الهوامع ١/ ١٢٧، ٢١٨.","vol":"7","page":276},{"text":"قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال لي: «أفلحت يا سواد» فقال له عمر ﵁: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني ونعم العوض كتاب الله ﷿ من الجن. ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين.\nومما يدل على وفادتهم إليه ﷺ بعد ما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة، حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن عبدة المصيصي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن أسلم أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود ﵁ فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قلت: حدثني كيف كان شأنه! فقال إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه، وتركت فلم يأخذني أحد منهم، فمر بي رسول الله ﷺ فقال: «من هذا؟» فقلت: أنا ابن مسعود، فقال ﷺ: «ما أخذك أحد يعشيك؟» فقلت: لا، قال ﷺ: «فانطلق لعلي أجد لك شيئا».\nقال: فانطلقنا حتى أتى رسول الله ﷺ حجرة أم سلمة ﵂، فتركني قائما ودخل إلى أهله ثم خرجت الجارية فقالت: يا ابن مسعود، إن رسول الله ﷺ لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك، قال فرجعت إلى المسجد فجمعت حصباء المسجد فتوسدته والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العشاء حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول الله ﷺ وفي يده عسيب (^١) من نخل فعرض به على صدري فقال ﷺ: «انطلقت أنت معي حيث انطلقت» قلت: ما شاء الله فأعادها علي ثلاث مرات. كل ذلك أقول ما شاء الله فانطلق، وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد فخط ﷺ بعصاه خطا ثم قال: «اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك» ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت قبله العجاجة السوداء ففرقت فقلت: ألحق برسول الله ﷺ فإني أظن أن هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول: «اجلسوا» فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله فقال: «أنمت بعدي؟» فقلت: لا ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت، فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، وكنت أظنها هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فقال «لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟».\n_________\n(^١) العسيب: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها.","vol":"7","page":277},{"text":"فقلت: رأيت رجالا سودا مستشعرين بثياب بيض، فقال رسول الله ﷺ: «أولئك وفد جن نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة» قلت:\nفما يغني عنهم ذلك؟ قال ﷺ «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة» وهذا إسناد غريب جدا ولكن فيه رجل مبهم لم يسم، والله تعالى أعلم. وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد: حدثني نمير بن زيد القنبر. حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثني الزبير بن العوام ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟» فأسكت القوم ثلاثا، فمر بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح مستشعرين بثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم.\nومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حبان، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التيمي، حدثنا حصين بن عمر، أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض، ينفح منه ريح المسك فقلت لأصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية. قال:\nفما لبثت أن ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرا. قلنا: ومن عمرو، قالت: أيكم دفن الحية؟ قال فقلت: أنا. قالت:\nأما والله لقد دفنت صواما قواما، يأمر بما أنزل الله تعالى، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة، فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة» وهذا حديث غريب جدا، والله أعلم.\nقال أبو نعيم، وقد روى الثوري عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل من ثقيف بنحوه، وروى عبد الله بن أحمد والظهراني عن صفوان بن المعطل: هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة وأنهم قالوا إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله ﷺ يستمعون القرآن، وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه، عن معاذ بن عبيد الله بن معمر قال: كنت جالسا عند عثمان بن عفان ﵁، فجاء رجل","vol":"7","page":278},{"text":"فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الاخر، قال: فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة، فلففتها في عمامتي ودفنتها، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت، هذان حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد الذي دفنته وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ قال: فقال عثمان لذلك الرجل إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك.\nوقوله ﵎: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ أي طائفة من الجن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا﴾ أي استمعوا وهذا أدب منهم.\nوقد قال الحافظ البيهقي: حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قرأ رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب فلك الحمد».\nورواه الترمذي (^١) في التفسير عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد عن الوليد بن مسلم به قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن فذكره ثم قال الترمذي:\nغريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد عن زهير كذا قال. وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري عن زهير بن محمد به مثله. وقوله ﷿: ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أي فرغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ كقوله جل وعلا: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل، ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولا لقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]. وقال ﷿: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال عن إبراهيم الخليل ﵊ ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي\n_________\n(^١) تفسير سورة ٥٥ باب ١.","vol":"7","page":279},{"text":"بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته.\nفأما قوله ﵎ في الأنعام: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فالمراد هنا مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما وهو الإنس كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أي أحدهما ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرا عنهم: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ ولم يذكروا عيسى لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل ﵊ أول مرة فقال:\nبخ بخ! هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا ليتني أكون فيه جذعا. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي في الاعتقاد والإخبار ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الأعمال فإن القرآن مشتمل على شيئين خبر وطلب، فخبره صدق وطلبه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\nوقال ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ في الاعتقادات ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي في العمليات ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدا ﷺ إلى الثقلين الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن ولهذا قال:\n﴿أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل إن من هاهنا زائدة وفيه نظر لأن زيادتها في الإثبات قليل، وقيل إنها على بابها للتبعيض ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي ويقيكم من عذابه الأليم، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا هذا في هذا المقام وهو مقام تبجح ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثت عن جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة، والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله ﷿: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧] فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك","vol":"7","page":280},{"text":"ربنا نكذب فلك الحمد، فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضا فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضا على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] وما أشبه ذلك من الآيات.\nوقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة ولله الحمد والمنة، وهذه الجنة لا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله تعالى لها خلقا أفلا يسكنها من آمن به وعمل صالحا، وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم هو يستلزم دخول الجنة، لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة، ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة، وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم. وهذا نوح ﵊ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة فكذلك هؤلاء.\nوقد حكي فيهم أقوال غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة، وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها، ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا.\nومن الناس من قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس عوضا عن الطعام والشراب كالملائكة لأنهم من جنسهم، وكل هذه الأقوال فيها نظر ولا دليل عليها، ثم قال مخبرا عنهم ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ﴾ أي لا يجيرهم منه أحد ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا مقام تهديد وترهيب فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفودا وفودا كما تقدم بيانه، ولله الحمد والمنة والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1820>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]</span>\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي ولم يكرثه (^١) خلقهن بل قال لها كوني فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك بقادر\n_________\n(^١) لم يكرثه: أي لم يشتد عليه ولم يبلغ منه المشقة.","vol":"7","page":281},{"text":"على أن يحيي الموتى؟ كما قال ﷿ في الآية الأخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ولهذا قال تعالى: ﴿بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nثم قال ﷻ مهددا ومتوعدا لمن كفر به ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ أي يقال لهم أما هذا حق أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا﴾ أي لا يسعهم إلا الاعتراف ﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ثم قال ﵎ آمرا رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي على تكذيب قومهم لهم. وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال وأشهرها أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء محمد ﷺ، قد نص الله تعالى على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل فتكون (من) في قوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس، والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي، حدثنا السري بن حيان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال: قالت عائشة ﵂: ظل رسول الله ﷺ صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم قال:\n«يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله.\n﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم كقوله ﵎: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] وكقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦] وكقوله ﷿:\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] الآية. وقوله جل وعلا: ﴿بَلاغٌ﴾. قال ابن جرير (^١) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون تقديره، وذلك لبث بلاغ، والآخر أن يكون تقديره هذا القرآن بلاغ.\nوقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله ﷿ أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣٠٣.","vol":"7","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1821>سورة محمد</span>\nوهي مدنية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1822>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بآيات الله ﴿وَصَدُّوا﴾ غيرهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها ثوابا ولا جزاء كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ثم قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي آمنت قلوبهم وسرائرهم وانقادت لشرع الله جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ عطف خاص على عام وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه. وقوله وتبارك تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جملة معترضة حسنة ولهذا قال ﷻ: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي أمرهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن زيد: حالهم والكل متقارب. وقد جاء في حديث تشميت العاطس «يهديكم الله ويصلح بالكم» (^١).\nثم قال ﷿: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ﴾ أي إنما أبطلنا أعمال الكفار.\nوتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل أي اختاروا الباطل على الحق ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ أي يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1823>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ إلى ٩]</span>\n﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ١٢٦، وأبو داود في الأدب باب ٩١، والترمذي في الأدب باب ٣، وابن ماجة في الأدب باب ٢٠، والدارمي في الاستئذان باب ٣.","vol":"7","page":283},{"text":"يقول تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أي إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف ﴿حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي أهلكتموهم قتلا ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه، والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله ﷾ عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ، ليأخذوا منهم الفداء والتقليل من القتل يومئذ فقال: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، رواه العوفي عن ابن عباس ﵄. وقاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وقال الآخرون وهم الأكثرون: ليست منسوخة، ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله.\nوقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء لحديث قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر. وقال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ حين قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل تعط منه ما شئت (^١). وزاد الشافعي رحمة الله عليه فقال: الإمام مخير بين قتله أو المن عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضا، وهذه المسألة محررة في علم الفروع وقد دللنا على ذلك في كتابنا «الأحكام» ولله ﷾ الحمد والمنة.\nوقوله ﷿: ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊ (^٢)، وكأنه أخذه من قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال» (^٣). وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش عن إبراهيم بن سليمان، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى رسول الله ﷺ فقال إني سيبت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها وقلت: لا قتال، فقال له النبي ﷺ: «الآن جاء القتال لا تزال\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٦٣٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣٠٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٤.\n(^٤) المسند ٤/ ١٠٤.","vol":"7","page":284},{"text":"طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله تعالى قلوب أقوام، فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عقد دار المؤمنين بالشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (^١) وهكذا رواه النسائي من طريقين عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل السكوني به.\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان ﵁ قال: لما فتح على رسول الله ﷺ فتح قالوا يا رسول الله سيبت الخيل ووضعت السلاح ووضعت الحرب أوزارها قالوا لا قتال قال: «كذبوا الآن جاء القتال، لا يزال الله تعالى يرفع قلوب قوم يقاتلونهم فيرزقهم منهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك وعقر دار المسلمين بالشام». وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به، والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نفيل كما تقدم، وهذا يقوي القول بعدم النسخ كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب. وقال قتادة ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ حتى لا يبقى شرك، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. ثم قال بعضهم: ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ أي أوزار المحاربين وهم المشركون بأن يتوبوا إلى الله ﷿، وقيل أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله تعالى. وقوله ﷿: ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي آل عمران وبراءة في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].\nوقال ﵎ في سورة براءة: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥] ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها.\nومنهم من يجري عليه عمله في طول برزخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢) في مسنده حيث قال: حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي-رجل كانت له صحبة-قال: قال رسول الله ﷺ «يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه تكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الخيل باب ٧.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٠٠.","vol":"7","page":285},{"text":"الجنة، ويزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان» تفرد به أحمد ﵀.\n[حديث آخر] قال أحمد (^١) أيضا: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج الحور العين ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصع بالدر والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه» (^٢).\nوقد أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يغفر للشهيد كل شيء إلا الدّين» (^٣) وروي من حديث جماعة من الصحابة ﵃، وقال أبو الدرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ: «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» (^٤) ورواه أبو داود والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدا.\nوقوله ﵎: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أي إلى الجنة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يونس: ٩].\nوقوله ﷿ ﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أي أمرهم وحالهم ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أي عرفهم بها وهداهم إليها. قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا (^٥)، وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا، وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه، ذكره ابن أبي حاتم ﵀.\nوقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضا رواه البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٣١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب ٢٥، والدارمي في فضائل القرآن باب ١٥، وابن ماجة في الجهاد.\n(^٣) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١١٩.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٢٦.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣١٠.","vol":"7","page":286},{"text":"الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا» (^١).\nثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ كقوله ﷿: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] فإن الجزاء من جنس العمل ولهذا قال تعالى:\n﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ كما جاء في الحديث «من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله تعالى قدميه على الصراط يوم القيامة» ثم قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى ولرسوله ﷺ، وقد ثبت الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش!» (^٢) أي فلا شفاه الله ﷿. وقوله ﷾: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي أحبطها وأبطلها، ولهذا قال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي لا يريدونه ولا يحبونه ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1824>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٠ إلى ١٣]</span>\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ يعني المشركين بالله المكذبين لرسوله ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم، أي ونجى المؤمنين من بين أظهرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾.\nثم قال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ ولهذا لما قال أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحد، حين سأل عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر ﵄ فلم يجب وقال: أما هؤلاء فقد هلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كذبت يا عدو الله بل أبقى الله تعالى لك ما يسوؤك، وإن الذين عددت لأحياء، فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مثلة (^٣) لم آمر بها، ولم تسوؤني، ثم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٨.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٨.\n(^٣) مثل بفلان مثلا ومثلة، بالضم: نكّل به، ومثل بالقتيل: إذا جدع أنفه أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئا من أطراقه.","vol":"7","page":287},{"text":"ذهب يرتجز ويقول: اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله ﷺ: «ألا تجيبوه؟» فقالوا: يا رسول الله وما نقول قال ﷺ قولوا: «الله أعلى وأجل» ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال ﷺ: «ألا تجيبوه؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: «الله مولانا ولا مولى لكم» (^١).\nثم قال ﷾: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي يوم القيامة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ﴾ أي في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام خضما وقضما، وليس لهم همة إلا في ذلك، ولهذا ثبت في الصحيح «المؤمن يأكل في معىّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (^٢) ثم قال تعالى: ﴿وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ أي يوم جزائهم، وقوله ﷿: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ يعني مكة ﴿أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله ﷺ، وهو سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله ﷿ قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والآخرة؟ فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ أي الذين أخرجوك من بين أظهرهم. وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبي عن محمد بن عبد الأعلى عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش، عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار أراه قال فالتفت إلى مكة وقال: «أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك» فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول (^٣) الجاهلية، فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1825>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]</span>\n﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١٦٤، والمغازي باب ١٧، وأحمد في المسند ٤/ ٢٩٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأطعمة باب ١٢، ومسلم في الأشربة حديث ١٨٢ - ١٨٦، والترمذي في الأطعمة باب ٢٠، وابن ماجة في الأطعمة باب ٣، والدارمي في الأطعمة باب ١٣، ٢٠، ومالك في صفة النبي حديث ٩، ١٠.\n(^٣) الذحول، جمع ذحل: الأحقاد والعداوات.","vol":"7","page":288},{"text":"يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي على بصيرة ويقين من أمر الله ودينه بما أنزل في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ [الرعد: ١٩] وكقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] ثم قال ﷿ ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ قال عكرمة ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ أي نعتها ﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة: يعني غير متغير (^١). وقال قتادة والضحاك وعطاء الخراساني: غير منتن، والعرب تقول: أسن الماء إذ تغير ريحه، وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: غير آسن يعني الصافي الذي لا كدر فيه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله ﵁: أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك.\n﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة، وفي حديث مرفوع «لم يخرج من ضروع الماشية» ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] وفي حديث مرفوع «لم يعصرها الرجال بأقدامهم» ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح. وفي حديث مرفوع «لم يخرج من بطون النحل».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد» ورواه الترمذي (^٣) في صفة الجنة عن محمد بن بشار عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي إياس الجريري وقال: حسن صحيح. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي، حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «هذه الأنهار تشخب (^٤) من جنة عدن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣١٣ - ٣١٤.\n(^٢) المسند ٥/ ٥.\n(^٣) كتاب صفة الجنة باب ٢٧.\n(^٤) تشخب: تسيل.","vol":"7","page":289},{"text":"في جوبة (^١) ثم تصدع بعد أنهارا» (^٢) وفي الصحيح «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن» (^٣).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري وعبد الله بن الصقر السكري قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني عبد الرحمن بن عياش عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر قال دلهم، وحدثنيه أيضا أبي الأسود عن عاصم بن لقيط قال: إن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة؟ قال ﷺ: «على أنهار عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة» قلت: يا رسول الله أولنا فيها زوجات مصلحات؟ قال «الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم، غير أن لا توالد» (^٤) وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيدة عن يزيد بن هارون، أخبرني الجريري عن معاوية بن قرة عن أبيه عن أنس بن مالك ﵁ قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض، حافاتها قباب اللؤلؤ وطينها المسك الأذفر (^٥)، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من حديث مهدي بن حكيم عن يزيد بن هارون به مرفوعا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ كقوله ﷿: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] وقوله ﵎: ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] وقوله ﷾: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي مع ذلك كله. وقوله ﷾: ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ﴾ أي هؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار؟ ليس هؤلاء كهؤلاء، أي ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ أي حارا شديد الحر لا يستطاع ﴿فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ أي قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء-عياذا بالله تعالى من ذلك.\n_________\n(^١) الجوبة: الحضرة المستديرة الواسعة.\n(^٢) أخرجه الدارمي في الرقاب باب ١٠١، وأحمد في المسند ٤/ ٤١٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٤، والترمذي في صفة الجنة باب ٤، وأحمد في المسند ٢/ ٣٣٥.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٣، ١٤.\n(^٥) المسك الأذفر: هو المسك الجيد النوعية.","vol":"7","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1826>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٦ إلى ١٩]</span>\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ ويستمعون كلامه فلا يفهمون منه شيئا فإذا خرجوا من عنده ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة ﵃ ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أي الساعة. لا يعقلون ما قال ولا يكترثون له. قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي فلا فهم صحيح ولا قصد صحيح. ثم قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ أي والذين قصدوا الهداية وفقهم الله تعالى لها فهداهم إليها وثبتهم عليها وزادهم منها ﴿وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ أي ألهمهم رشدهم. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي وهم غافلون عنها ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ أي أمارات اقترابها كقوله ﵎: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٦ - ٥٧] وكقوله جلت عظمته: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقوله ﷾: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقوله جل وعلا:\n﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة، لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين وأقام به الحجة على العالمين.\nوقد أخبر ﷺ بأمارات الساعة وأشراطها وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله، كما هو مبسوط في موضعه. وقال الحسن البصري: بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة وهو كما قال ولهذا جاء في أسمائه ﷺ أنه نبي التوبة ونبي الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي (^١).\nوقال البخاري: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل بن سعد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بإصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها «بعثت أنا والساعة كهاتين» (^٢) ثم قال تعالى: ﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ أي فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣]. ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦١، باب ١، ومسلم في الفضائل حديث ١٢٤، ١٢٥، والترمذي في الأدب باب ٦٧، ومالك في أسماء النبي حديث ١، وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٥. ٤٠٤، ٤٠٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣٩، وتفسير سورة ٧٩ باب ١، ومسلم في الجمعة حديث ٤٣، والفتن حديث ١٣٢، ١٣٥، وابن ماجة في المقدمة باب ٧، والفتن باب ٢٥، والدارمي في الرقاب باب ٤٦، وأحمد في المسند ٤/ ٣٠٩، ٥/ ٩٢، ١٠٣، ١٠٨.","vol":"7","page":291},{"text":"وقوله ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه قوله ﷿: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي» (^١). وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا إله إلا أنت» (^٢) وفي الصحيح أنه قال: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله ﷺ فأكلت معه من طعامه فقلت غفر الله لك يا رسول الله فقال ﷺ: «ولك» فقلت أستغفر لك. فقال رسول الله ﷺ: «نعم ولكم» وقرأ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ ثم نظرت إلى نغض كتفه (^٤) الأيمن-أو كتفه الأيسر شعبة الذي شك-فإذا هو كهيئة الجمع عليه الثآليل (^٥)، ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن عاصم الأحول به، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى:\nحدثنا محمد بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور عن أبي نصيرة عن أبي رجاء عن أبي بكر الصديق ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: إنما أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون».\nوفي الأثر المروي «قال إبليس وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله ﷿: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (^٦) والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدا. وقوله ﵎: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ أي يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم كقوله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وكقوله ﷾: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦٠] وهذا القول ذهب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٦١.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٨، ٢٤، ومسلم في المسافرين حديث ٢٠١.\n(^٣) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٣.\n(^٤) نغض الكتف: أعلى الكتف وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٨٢.\n(^٦) أخرجه في المسند ٣/ ٢٩، ٤١، ٧٦.","vol":"7","page":292},{"text":"إليه ابن جريج وهو اختيار ابن جرير (^١)، وعن ابن عباس ﵄ متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، وقال السدي متقلبكم في الدنيا ومثواكم في قبوركم، والأول أولى وأظهر، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1827>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]</span>\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله ﷿ وأمر به نكل عنه كثير من الناس كقوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] وقال ﷿ هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أي مشتملة على حكم القتال ولهذا قال: ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء، ثم قال مشجعا لهم ﴿فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا أي في الحالة الراهنة ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي جد الحال، وحضر القتال ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ﴾ أي خلصوا له النية ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.\nوقوله ﷾: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي عن الجهاد ونكلتم عنه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ أي تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما، وعن قطع الأرحام خصوصا، بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله ﷺ من طرق عديدة ووجوه كثيرة.\nقال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مزرد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خلق الله تعالى الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوى الرحمن ﷿ فقال مه، فقالت هذا مقام العائذ بك من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣١٨.","vol":"7","page":293},{"text":"القطيعة فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال:\nفذاك لك» (^١) قال أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ ثم رواه البخاري من طريقين آخرين عن معاوية بن أبي مزرد به قال قال رسول الله ﷺ: «اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾. ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مزرد به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل ابن علية، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» (^٣). أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث إسماعيل هو ابن علية به، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان ﵁ رسول الله ﷺ قال: «من سره النسأ (^٥) في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه». تفرد به أحمد وله شاهد في الصحيح. وقال أحمد (^٦) أيضا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون أفأكافئهم؟ قال ﷺ: «لا، إذن تتركون جميعا ولكن جد بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من الله ﷿ ما كنت على ذلك» تفرد به أحمد من هذا الوجه وله شاهد من وجه آخر.\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا يعلى، حدثنا قطر عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري (^٨). وقال أحمد (^٩): حدثنا بهز، حدثنا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٧، ومسلم في البر حديث ١٦، وأبو داود في الأدب باب ١٣، والتوحيد باب ٣٥، وأحمد في المسند ٢/ ٣٣٠، ٣٨٢، ٤٠٦، ٤٥٥.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٤٣، والترمذي في القيامة باب ٥٧، وابن ماجة في الزهد باب ٢٣، وأحمد في المسند ٥/ ٣٦، ٣٨.\n(^٤) المسند ٥/ ٢٧٩.\n(^٥) النّسأ: أي التأخير والتأجيل.\n(^٦) المسند ٢/ ١٨١.\n(^٧) المسند ٢/ ١٦٣.\n(^٨) كتاب الأدب باب ١٥، وأخرجه أيضا أبو داود في الزكاة باب ٤٥، والترمذي في البر باب ١٠.\n(^٩) المسند ٢/ ١٨٩.","vol":"7","page":294},{"text":"حماد بن سلمة، أخبرنا قتادة عن أبي ثمامة الثقفي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «توضع الرحم يوم القيامة لها حجنة كحجنة المغزل (^١) تتكلم بلسان طلق ذلق (^٢)، فتقطع من قطعها وتصل من وصلها».\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شجنة (^٤) من الرحمن من وصلها وصلته ومن قطعها بتته» (^٥) وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به، وهذا هو الذي يروي بتسلسل الأولية (^٦) وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا يزيد بن هارون حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف ﵁ وهو مريض فقال له عبد الرحمن ﵁، وصلت رحمك إن رسول الله ﷺ قال:\n«قال الله ﷿: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمها من اسمي، فمن يصلها أصله ومن يقطعها أقطعه فأبته-أو قال-من بتها أبته» (^٨) تفرد به أحمد (^٩) من هذا الوجه، ورواه أحمد أيضا من حديث الزهري عن أبي سلمة عن الرداد-أو أبي الرداد-عن عبد الرحمن بن عوف به، ورواه أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة عن أبيه، والأحاديث في هذا كثيرة جدا.\nوقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عيسى ابن يونس عن الحجاج بن يونس عن الحجاج بن الفرافصة، عن أبي عمر البصري عن سليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها\n_________\n(^١) حجنة المغزل: ضارته، وهي المعوجة التي في رأسه.\n(^٢) لسان طلق ذلق: أي فصيح بليغ.\n(^٣) المسند ٢/ ١٦٠.\n(^٤) الشجنة: هي الشعبة في غصن من غصون الشجرة، والمقصود أن القرابة مشتبكة كاشتباك العروق.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٣، والترمذي في البر باب ١٦.\n(^٦) تسلسل الأولية: هو نوع من المسلسل من الحديث، وهو ما تتابعت فيه الرواية، وأن يقول كل راو لتلميذه: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته.\n(^٧) المسند ١/ ١٩١.\n(^٨) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٤٥، والترمذي في البر باب ٩.\n(^٩) المسند ١/ ١٩٤.","vol":"7","page":295},{"text":"اختلف» (^١) وبه قال رسول الله ﷺ «إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه فعند ذلك لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم» والأحاديث في هذا كثيرة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1828>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٤ إلى ٢٨]</span>\n﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)﴾\nيقول تعالى آمرا بتدبر القرآن وتفهمه وناهيا عن الإعراض عنه فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ أي بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه، قال ابن جرير (^٢): حدثنا بشر حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ يوما ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى ولي فاستعان به.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ﴾ أي فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي زين لهم ذلك وحسنه ﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ أي غرهم وخدعهم ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي مالؤوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون. ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ أي ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به كقوله ﵎: ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١].\nثم قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ أي كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال ﷾: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] الآية. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي بالضرب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٩٥، ٥٢٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٣٢١.","vol":"7","page":296},{"text":"٩٣] ولهذا قال هاهنا: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1829>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٩ إلى ٣١]</span>\n﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ أي أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين، بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر، وقد أنزل الله تعالى في ذلك سورة براءة فبين فيها فضائحهم، وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم، ولهذا إنما كانت تسمى الفاضحة. والأضغان: جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ يقول ﷿ ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عيانا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة وردا للسرائر إلى عالمها ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه.\nوفي الحديث «ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى جلبابها إن خيرا فخير وإن شرا فشر» وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته هاهنا، وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن سلمة عن عياض بن عياض عن أبيه عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «إن منكم منافقين فمن سميت فليقم-ثم قال-قم يا فلان، قم يا فلان قم يا فلان-حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال-إن فيكم أو منكم-منافقين فاتقوا الله» قال فمر عمر ﵁ برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ فقال: بعدا لك سائر اليوم. وقوله ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي ﴿حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه ولهذا يقول ابن عباس ﵄ في مثل هذا: إلا لنعلم أي لنرى.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٧٣.","vol":"7","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1830>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)﴾\nيخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية كما أن الحسنات يذهبن السيئات.\nوقد قال الإمام أحمد بن نصر المروزي (^١) في كتاب الصلاة: حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع «لا إله إلا الله ذنب» كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ثم روي من طريق عبد الله بن المبارك أخبرني بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها.\nثم أمر ﵎ عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ أي بالردة، ولهذا قال بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ كقوله ﷾: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] الآية.\nثم قال جل وعلا لعباده المؤمنين: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أي لا تضعفوا عن الأعداء ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله أحمد بن نصر بن مالك الشهيد المروزي، كان رأسا في الحديث والفقه والعبادة، قيل لم يكن للشافعية في وقته مثله، توفي في المحرم سنة ٢٩٤ وهو في التسعين من عمره. له ترجمة في الثقات لابن حبان ٨/ ١٤.","vol":"7","page":298},{"text":"وعددكم، .. ولهذا قال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي في حال علوكم على عدوكم .. فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم ﷺ إلى ذلك. وقوله جلت عظمته: ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أي ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1831>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]</span>\n﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾\nيقول تعالى تحقيرا لأمر الدنيا وتهوينا لشأنها ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله ﷿، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ أي هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئا وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم ويرجع ثوابه إليكم، ثم قال ﷻ: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ أي يحرجكم تبخلوا ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾.\nقال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وصدق قتادة فإن المال محبوب ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وقوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ أي لا يجيب إلى ذلك ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي إنما نقص نفسه من الأجر وإنما يعود وبال ذلك عليه ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ أي عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه دائما، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ أي بالذات إليه، فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي عن طاعته واتباع شرعه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ أي ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره. وقال ابن أبي حاتم وابن جرير (^١):\nحدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣٢٩.","vol":"7","page":299},{"text":"استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ﵁ ثم قال «هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس» تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم، والله أعلم.\nآخر تفسير سورة القتال ولله الحمد والمنة.","vol":"7","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1832>تفسير سورة الفتح</span>\nوهي مدنية\nقال الإمام أحمد (^١) حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة قال سمعت عبد الله بن مغفل يقول قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته فرجّع (^٢) فيها قال معاوية لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم قراءته (^٣)، أخرجاه من حديث شعبة به.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1833>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾\nنزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ، من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام فيقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى، فلما نحر هديه حيث أحصر ورجع أنزل الله ﷿ هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحا باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود ﵁ وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية (^٤).\nوقال البخاري (^٥): حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة. والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتانا فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٨٥، ٨٦، ٥/ ٢٤.\n(^٢) الترجيع: أي ترديد القراءة.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٨، باب ١، ومسلم في المسافرين حديث ٢٣٧.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٣٣٢.\n(^٥) كتاب المغازي باب ٣٥.","vol":"7","page":301},{"text":"تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو نوح، حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر قال: فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليّ، قال فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ألححت رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك؟ قال: فركبت راحلتي فحركت بعيري فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد ينادي يا عمر، أين عمر قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء قال: فقال النبي ﷺ «نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ (^٢) ورواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك ﵀، وقال علي بن المديني هذا إسناد مدني جيد لم نجده إلا عندهم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية. قال النبي ﷺ: «لقد أنزلت علي الليلة آية أحب إلي مما على الأرض» ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئا مريئا يا نبي الله لقد بين الله ﷿ ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه ﷺ ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ -حتى بلغ- ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أخرجاه في الصحيحين (^٤) من رواية قتادة به.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب قال: سمعت أبي يحدث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري ﵁، وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون (^٦) الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: فقال: رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أي رسول الله أو فتح هو؟ قال ﷺ: «إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية فقسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهما. وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس أعطي الفارس سهمين وأعطي الراجل\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣١.\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ١٢، والترمذي في تفسير سورة ٤٨ باب ١.\n(^٣) المسند ٣/ ١٩٧.\n(^٤) أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٥، ومسلم في الجهاد حديث ٩٧.\n(^٥) المسند ٣/ ٤٢٠.\n(^٦) ينفرون: أي يزجرون.","vol":"7","page":302},{"text":"سهما ورواه أبو داود (^١) في الجهاد عن محمد بن عيسى عن مجمع بن يعقوب به.\nوقال ابن جرير (^٢) حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو بحر، حدثنا شعبة، حدثنا جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا فلم نستيقظ إلا والشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم قال: فقلنا أيقظوه فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «افعلوا ما كنتم تفعلون وكذلك يفعل من نام أو نسي» قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامها (^٣) بشجرة، فأتيته بها فركبها فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي قال: وكان إذا أتاه الوحي اشتد عليه، فلما سرى عنه أخبرنا أنه أنزل عليه ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (^٤) وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النبي ﷺ يصلي حتى ترم قدماه فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ «أفلا أكون عبدا شكورا؟» (^٦) أخرجاه وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث زياد به.\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر عن ابن قسيط عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه، فقالت له عائشة ﵂: يا رسول الله ﷺ أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ: «يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا». أخرجه مسلم (^٨) في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الله بن عون الخراز وكان ثقة بمكة حدثنا محمد بن بشر حدثنا مسعر عن قتادة عن أنس قال قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه -أو قال ساقاه-فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون\n_________\n(^١) كتاب الجهاد باب ٥٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٣٣٢.\n(^٣) خطام الناقة: زمامها.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤٦٤.\n(^٥) المسند ٤/ ٢٥٥.\n(^٦) أخرجه البخاري في التهجد باب ٦، وتفسير سورة ٤٨، باب ٢، ومسلم في المنافقين حديث ٧٩، والترمذي في الصلاة باب ١٨٧، والنسائي في قيام الليل باب ١٧، وابن ماجة في الإقامة باب ٢٠٠\n(^٧) المسند ٦/ ١١٥.\n(^٨) كتاب المنافقين حديث ٨٠، ٨١.","vol":"7","page":303},{"text":"عبدا شكورا» غريب من هذا الوجه فقوله: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أي بينا ظاهرا والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر وانتشر العلم النافع والإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ، وهو صلوات الله وسلامه عليه في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر على الإطلاق وسيدهم في الدنيا والآخرة، ولما كان أطوع خلق الله تعالى لله وأشدهم تعظيما لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: «حبسها حابس الفيل» ثم قال ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها» (^١) فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي بسبب خضوعك لأمر الله ﷿ يرفعك الله وينصرك على أعدائك كما جاء في الحديث الصحيح «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله ﷿ إلا رفعه الله تعالى» (^٢) وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ما عاقبت أي في الدنيا والآخرة أحدا عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله ﵎ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1834>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٤ إلى ٧]</span>\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي جعل الطمأنينة، قاله ابن عباس ﵄ وعنه: الرحمة وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة ﵃، يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الشروط باب ١٥، وأبو داود في الجهاد باب ١٥٨، وأحمد في المسند ٤/ ٣٢٩، ٣٣٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في البر حديث ٦٩، والترمذي في البر باب ٨٢، والدارمي في الزكاة باب ٣٤، ومالك في الصدقة حديث ١٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣٨٦.","vol":"7","page":304},{"text":"واستقرت زادهم إيمانا مع إيمانهم، وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب، ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال ﷾: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة والبراهين الدامغة، ولهذا قال جلت عظمته: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\nثم قال ﷿: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ قد تقدم حديث أنس ﵁ حين قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبدا ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أي خطاياهم وذنوبهم فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر ﴿وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ كقوله جل وعلا:\n﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي يتهمون الله تعالى في حكمه ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه ﵃ أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ ثم قال ﷿ مؤكدا لقدرته على الانتقام من الأعداء أعداء الإسلام ومن الكفرة والمنافقين ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1835>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٨ إلى ١٠]</span>\n﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ أي على الخلق ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي للكافرين وقد تقدم تفسيرها في سورة الأحزاب. ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغير واحد: تعظموه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي تسبحون الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي أول النهار وآخره.\nثم قال ﷿ لرسوله ﷺ تشريفا له وتعظيما وتكريما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو","vol":"7","page":305},{"text":"تعالى هو المبايع بواسطة رسوله الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري: حدثنا علي بن بكار عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله» وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر «والله ليبعثه الله ﷿ يوم القيامة له عينان ينظر بهما ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بالحق فمن استلمه فقد بايع الله تعالى» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أي إنما يعود وبال ذلك على الناكث والله غني عنه ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ثوابا جزيلا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر (^١) بالحديبية، وكان الصحابة ﵃ الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ قيل ألفا وثلاثمائة، وقيل وأربعمائة، وقيل وخمسمائة، والأوسط أصح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1836>ذكر الأحاديث الواردة في ذلك</span>\nقال البخاري (^٢): حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان عن عمرو عن جابر ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة ورواه مسلم (^٣) من حديث سفيان بن عيينة به، وأخرجاه أيضا من حديث الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر ﵁ قال: كنا يومئذ ألفا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى رووا كلهم (^٤)، وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﷺ أعطاهم سهما من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت (^٥) بالماء حتى كفتهم فقيل لجابر ﵁: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفا وأربعمائة ولو كنا مائة ألف لكفانا (^٦)، وفي رواية في الصحيحين عن\n_________\n(^١) شجرة سمر: شجرة الطلح، وهي شجرة طويلة عظيمة.\n(^٢) تفسير سورة ٤٨، باب ١.\n(^٣) كتاب الإمارة، حديث ٦٧، ٦٩.\n(^٤) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٥، ومسلم في الفضائل حديث ٦.\n(^٥) جاشت: أي فارت.\n(^٦) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٥، ومسلم في الإمارة حديث ٧٢، ٧٣.","vol":"7","page":306},{"text":"جابر ﵁ أنهم كانوا خمس عشرة مائة (^١).\nوروى البخاري من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قلت فإن جابر بن عبد الله ﵄ قال كانوا أربع عشرة مائة قال ﵀: وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة، قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول خمس عشرة مائة ثم ذكر الوهم فقال أربع عشرة مائة، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، والمشهور الذي رواه غير واحد عنه أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن العباس الدوري عن يحيى بن معين عن شبابة بن سوار عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفا وأربعمائة، وكذلك هو الذي في رواية سلمة بن الأكوع ومعقل بن يسار والبراء بن عازب ﵃، وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير، وقد أخرج صاحبا الصحيح من حديث شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ يقول: كان أصحاب الشجرة ألفا وأربعمائة وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين.\nوروى محمد بن إسحاق في السيرة عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله ﵄ فيما بلغني عنه يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة (^٢)، كذا قال ابن إسحاق وهو معدود من أوهامه فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1837>ذكر سبب هذه البيعة العظيمة</span>\nقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان ﵁، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته. فخرج عثمان ﵁ إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٥، ومسلم في الإمارة حديث ٨٠.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٨، ٣٠٩.","vol":"7","page":307},{"text":"دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ، فانطلق عثمان ﵁ حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان ﵁ حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان ﵁ قد قتل، قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: «لا نبرح حتى نناجز القوم».\nودعا رسول الله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر بن عبد الله ﵄ يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر، فبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر ﵁ يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضبأ (^١) إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي كان من أمر عثمان ﵁ باطل (^٢).\nوذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير ﵄ قريبا من هذا السياق، وزاد في سياقه أن قريشا بعثوا وعندهم عثمان ﵁، سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ، فبينما هم عندهم إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ وأمر بالبيعة، فأخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوا، فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فأرعب ذلك المشركين وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا تمتام، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ عنه قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان ﵁ رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس فقال رسول الله ﷺ: «اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله» فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان ﵁ خيرا من أيديهم لأنفسهم. قال ابن هشام وحدثني من أثق به\n_________\n(^١) ضبأ إليها: أي استتر بها.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٥، ٣١٦.","vol":"7","page":308},{"text":"عمن حدثه بإسناد له عن ابن مليكة عن ابن عمر ﵄ قال: بايع رسول الله ﷺ لعثمان ﵁، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال عبد الملك بن هشام النحوي:\nفذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: إن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي (^١)، وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد عن الشعبي قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: «علام تبايعني؟ فقال أبو سنان ﵁: على ما في نفسك، هذا أبو سنان وهب الأسدي ﵁.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا شجاع بن الوليد أنه سمع النضر بن محمد يقول: حدثنا صخر عن نافع ﵁ قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر ﵄ أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر ﵁ يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، أن يأتي به، ليقاتل عليه ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر ﵁ لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله ﵁، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر ﵁، وعمر ﵁ يستلئم (^٣) للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر ﵄. ثم قال البخاري، وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ قال: إن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال يعني عمر ﵁: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ، فوجدهم يبايعون فبايع، ثم رجع إلى عمر ﵁، فخرج فبايع.\nوقد أسنده البيهقي عن أبي عمرو الأديب عن أبي بكر الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان، عن دحيم، حدثني الوليد بن مسلم فذكره، وقال الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁، قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه، وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم (^٤) عن قتيبة عنه.\nوروى مسلم (^٥) عن يحيى بن يحيى عن يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار ﵁ قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس،\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٦.\n(^٢) كتاب المغازي باب ٣٥.\n(^٣) استلئم: أي ليس ما عنده من عدة الحرب.\n(^٤) كتاب الإمارة حديث ٦٧.\n(^٥) كتاب الإمارة حديث ٦٨.","vol":"7","page":309},{"text":"وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. وقال البخاري (^١): حدثنا المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال يزيد: قلت يا أبا مسلمة على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت.\nوقال البخاري (^٢) أيضا: حدثنا أبو عاصم! حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم تنحيت فقال ﷺ: «يا سلمة ألا تبايع؟» قلت: قد بايعت، قال ﷺ: «أقبل فبايع». فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؟ قال: على الموت. وأخرجه مسلم (^٣) من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد، وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت.\nوقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة بن الأكوع ﵁ قال:\nقدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جباها يعني الركي (^٤)، فإما دعا وإما بصق فيها فجاشت فسقينا واستقينا.\nقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس قال ﷺ: «بايعني يا سلمة قال: فقلت يا رسول الله: قد بايعتك في أول الناس قال ﷺ: «وأيضا» قال ورآني رسول الله ﷺ: عزلا (^٥) فأعطاني حجفة أو درقة (^٦)، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال ﷺ: «ألا تبايع يا سلمة؟» قال: قلت يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال ﷺ: «وأيضا» فبايعته الثالثة، فقال رسول الله ﷺ: «يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟» قال: قلت يا رسول الله لقيني عامر عزلا فأعطيتها إياه فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «إنك كالذي قال الأول اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي».\nقال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشى بعضنا في بعض فاصطلحنا. قال: وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله ﵁ أسقي فرسه وأحسّه وآكل من\n_________\n(^١) كتاب الجهاد باب ١١٠.\n(^٢) كتاب الأحكام باب ٤٣.\n(^٣) كتاب الإمارة حديث ٨٠.\n(^٤) الركي: البئر، وجباها: ما حولها.\n(^٥) الأعزل: الذي ليس معه سلاح.\n(^٦) الحجفة: ترس صغير، والدرقة: نوع من التروس.","vol":"7","page":310},{"text":"طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم! فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثا في يدي ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه! قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مركز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: «دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه» فعفا عنهم رسول الله ﷺ وأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وهكذا رواه مسلم (^١) عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسنده نحوه أو قريبا منه.\nوثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة عن طارق عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فانطلقنا من قابل حاجين فخفي علينا مكانها، فإن كان تبينت لكم فأنتم أعلم، وقال أبو بكر الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر ﵁ قال، لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعيره، رواه مسلم (^٢) من حديث ابن جريج عن ابن الزبير به.\nوقال الحميدي أيضا: حدثنا سفيان عن عمرو أنه سمع جابرا ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فقال لنا رسول الله ﷺ: «أنتم خير أهل الأرض اليوم» (^٣) قال جابر ﵁: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة، قال سفيان إنهم اختلفوا في موضعها أخرجاه من حديث سفيان، وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يونس حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي حدثنا محمد بن ثابت العبدي عن خداش بن عياش عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر» قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره فقلنا تعال فبايع. فقال: أصيب بعيري\n_________\n(^١) كتاب الجهاد حديث ١٣٢، وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٩.\n(^٢) كتاب الإمارة حديث ٦٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٥.\n(^٤) المسند ٣/ ٣٥٠.","vol":"7","page":311},{"text":"أحب إلي من أن أبايع وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قرة عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من يصعد الثنية ثنية المرار (^١) فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل» فكان أول من صعد خيل بني الخزرج ثم تبادر الناس بعد، فقال النبي ﷺ: «كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر» فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ. فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، فإذا هو رجل ينشد ضالة، رواه مسلم (^٢) عن عبيد الله به.\nوقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا ﵁ يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة ﵂: «لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد» قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت لحفصة ﵂ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] فقال النبي ﷺ: قد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] رواه مسلم (^٣)، وفيه أيضا عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: إن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ: «كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدرا والحديبية» (^٤) ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ كما قال ﷿ في الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1838>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١١ إلى ١٤]</span>\n﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم وتركوا المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم لذلك وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ﷺ وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد بل على وجه\n_________\n(^١) ثنية المرار: موضع بين مكة والمدينة.\n(^٢) كتاب المنافقين حديث ١٢.\n(^٣) كتاب فضائل الصحابة حديث ١٦٣.\n(^٤) كتاب فضائل الصحابة حديث ١٦١، ١٦٢.","vol":"7","page":312},{"text":"التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\nثم قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص بل تخلف نفاق ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم، وتستباد خضراؤهم ولا يرجع منهم مخبر ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي هلكى، قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد وغير واحد، وقال قتادة: فاسدين (^١)، وقيل هي بلغة عمان. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر. ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي لمن تاب إليه وأناب وخضع لديه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1839>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٥]</span>\n﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه ﵃ إلى خيبر يفتتحونها أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا ولا قدرا ولهذا قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ قال مجاهد وقتادة وجويبر وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية واختاره ابن جرير (^٢).\nوقال ابن زيد هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣] وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، لأن هذه الآية التي في براءة نزلت في غزوة تبوك وهي متأخرة عن غزوة الحديبية، وقال ابن جريج ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ يعني بتثبيطهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٢٤١.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٣٤٣.","vol":"7","page":313},{"text":"المسلمين عن الجهاد ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أي أن نشرككم في المغانم ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1840>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٦ إلى ١٧]</span>\n﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا (١٧)﴾\nاختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال [أحدها] أنهم هوازن، رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعا، ورواه هشيم عن أبي بشر عنهما وبه يقول قتادة في رواية عنه [الثاني] ثقيف، قاله الضحاك. [الثالث] بنو حنيفة، قاله جويبر ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري وروي مثله عن سعيد وعكرمة.\n[الرابع] هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه. وقال كعب الأحبار: هم الروم، وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: وهم فارس والروم، وعن مجاهد: هم أهل الأوثان، وعنه أيضا:\nهم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القواريري عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: لم يأت أولئك بعد.\nوحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن ابن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون قال وحدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف الآنف، كأن وجوههم المجان المطرقة» قال سفيان: هم الترك، قال ابن أبي عمر: وجدت في مكان آخر، حدثنا ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ﵁ ففسر قول رسول الله ﷺ: «تقاتلوا قوما نعالهم الشعر» قال: هم البارزون يعني الأكراد، وقوله تعالى: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ يعني شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرا عليهم، ولكم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.\nثم قال ﷿: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه ﴿يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فمنها لازم كالعمى","vol":"7","page":314},{"text":"والعرج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أياما ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ. ثم قال ﵎ مرغبا في الجهاد وطاعة الله ورسوله:\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1841>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]</span>\n﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾\nيخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية، قال البخاري (^١): حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق أن عبد الرحمن ﵁ قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ وهي الطمأنينة ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو ما أجرى الله ﷿ على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا موسى يعني ابن عبيدة، حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: أيها الناس، البيعة البيعة نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال: فبايع رسول الله ﷺ لعثمان ﵁ بإحدى يديه على الأخرى فقال الناس: هنيئا لابن عفان يطوف بالبيت ونحن هاهنا فقال رسول الله ﷺ:\n«لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف».\n_________\n(^١) كتاب المغازي باب ٣٥.","vol":"7","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1842>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]</span>\n﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾\nقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ هي جميع المغانم إلى اليوم ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ يعني فتح خيبر، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ يعني صلح الحديبية (^١) ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يعتبرون بذلك، فأن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم إنه العالم بعواقب الأمور، وإن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر كما قال ﷿ ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله ﷺ.\nوقوله ﵎: ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ أي وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون، وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها فقال العوفي عن ابن عباس ﵄ هي خيبر، وهذا على قوله ﷿: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ إنها صلح الحديبية، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال قتادة: هي مكة واختاره ابن جرير (^٢)، وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: هي فارس والروم، وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن سماك الحنفي عن ابن عباس ﵄ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ يقول ﷿ مبشرا لعباده المؤمنين، بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولا نهزم جيش الكفر فارا مدبرا لا يجدون وليا ولا نصيرا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين. ثم قال ﵎: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ أي هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن إلا نصر الله\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣٥١.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٣٥٣.","vol":"7","page":316},{"text":"الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين نصرهم على أعدائه من المشركين مع قلة عدد المسلمين وعددهم وكثرة المشركين وعددهم.\nوقوله ﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ هذا امتنان من الله على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين وأوجد بينهم صلحا فيه خير للمؤمنين وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع ﵁ حين جاءوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوقفوهم بين يدي رسول الله ﷺ فنظر إليهم فقال: «أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه». قال وفي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة بالسلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأخذوا. قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (^٢) ورواه مسلم وأبو داود في سننه والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما من طرق عن حماد بن سلمة به.\nوقال أحمد (^٣) أيضا: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البناني عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ﵁. وسهيل بن عمرو بين يديه فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁:\n«اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال: «اكتب باسمك اللهم-وكتب-هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة» فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله «فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله تعالى بأسماعهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال رسول الله ﷺ: «هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحدا أمانا؟»\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٢٢، ١٢٤، ١٢٥، ٢٩٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجهاد حديث ١٣٣، وأبو داود في الجهاد باب ١٢٠، والترمذي في تفسير سورة ٤٨ باب ٣.\n(^٣) المسند ٤/ ٨٦، ٨٧.","vol":"7","page":317},{"text":"فقالوا: لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ الآية رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا جعفر عن ابن أبزى قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر ﵁: يا نبي الله، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع؟ قال: فبعث ﷺ إلى المدينة فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد ﵁: «يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل» فقال خالد ﵁: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي سيف الله، فقال: يا رسول الله ابعثني أين شئت، فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿عَذابًا أَلِيمًا﴾ قال فكف الله ﷿ النبي ﷺ عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل.\nورواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه، وهذا السياق فيه نظر فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالدا ﵁ لم يكن أسلم بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح، ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء لأنهم قاضوه على أن يأتي في العام المقبل فيعتمر، ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولما قدم ﷺ لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه.\nفإذا قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هديا، وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل وقد وقع فيه شيء فليتأمل والله أعلم.\nوقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس ﵁ قال: إن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا، فأتي بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا إلى عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. قال ابن إسحاق: وفي ذلك أنزل الله تعالى:\n﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣٥٦.","vol":"7","page":318},{"text":"فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار فقال لهم: «هل لكم علي عهد؟ هل لكم علي ذمة؟» قالوا:\nلا، فأرسلهم وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1843>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]</span>\n﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار من مشركي العرب من قريش، ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله ﷺ ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي هم الكفار دون غيرهم ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي أنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمر ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي وصدوا الهدي أن يصل إلى محله وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nوقوله ﷿: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ أي بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم ولكن بين إفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال تعالى:\n﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي إثم وغرامة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم قال ﵎: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ أي لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلا ذريعا.\nقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد مولى بني هاشم، حدثنا حجر بن خلف قال: سمعت عبد الله بن عوف يقول: سمعت جنيد بن سبع يقول: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافرا، وقاتلت معه آخر النهار مسلما، وفينا نزلت ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ قال: كنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين، ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه عن أبي جمعة جنيد بن سبع فذكره، والصواب أبو جعفر حبيب بن سباع، ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف به: وقال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة،\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٤، وتفسير الطبري ١١/ ٣٣٥، ٣٥٦.","vol":"7","page":319},{"text":"وفينا نزلت ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ وقال ابن أبي حاتم، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري. حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة عن أبي حمزة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذابا أليما بقتلهم إياهم.\nوقوله ﷿: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ وذلك حين أبوا أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ وهي قول «لا إله إلا الله» كما قال ابن جرير وعبد الله ابن الإمام أحمد (^١). حدثنا الحسن بن قزعة أبو علي البصري حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة عن ثوير عن أبيه عن الطفيل، يعني ابن أبي بن كعب عن أبيه ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «وألزمهم كلمة التقوى» قال «لا إله إلا الله» (^٢) وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ﷿» وأنزل الله في كتابه وذكر قوما فقال: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] وقال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاستكبروا عنها، واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية فكاتبهم رسول الله ﷺ على قضية المدة، وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير (^٣) من حديث الزهري، والظاهر أنها مدرجة من كلام الزهري والله أعلم.\nوقال مجاهد: كلمة التقوى الإخلاص، وقال عطاء بن أبي رباح هي «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن عباية بن ربعي عن علي ﵁ ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال: «لا إله إلا الله والله اكبر» وكذا قال ابن عمر ﵄،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣٦٥، ومسند أحمد ٥/ ١٣٨.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٤٨ باب ٤، وأحمد في المسند ٤/ ٣٣١، ٣٣٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٣٦٥.","vol":"7","page":320},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال: يقول شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأس كل تقوى.\nوقال سعيد بن جبير ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال «لا إله إلا الله والجهاد في سبيله» وقال عطاء الخراساني هي «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال «بسم الله الرحمن الرحيم». وقال قتادة ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال «لا إله إلا الله» ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ كان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر، وقد قال النسائي: حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا شبابة بن سوار عن أبي رزين عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن بسر بن عبد الله عن أبي إدريس عن أبي بن كعب ﵁ أنه كان يقرأ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فبلغ ذلك عمر ﵁ فأغلظ له فقال إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله تعالى، فقال عمر ﵁: بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله تعالى ورسوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1844>وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقضية الصلح</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن هارون. أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ﵄ قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش، قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل (^٢)، قد لبست جلود النمور يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة (^٣) أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهرني الله ﷿ أو تنفرد هذه السالفة».\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٢٣، ٣٢٦، ٣٢٨، ٣٣١.\n(^٢) العوذ: جمع عائذ: هي الناقة إذا وضعت، والمطافيل: النوق القريبة العهد بالنتاج معها أطفالها.\n(^٣) العنوة: القهر والغلبة.","vol":"7","page":321},{"text":"ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلأت، فقال رسول الله ﷺ: «ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها».\nثم قال ﷺ للناس: «انزلوا» قالوا: يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله ﷺ سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فيه، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن. فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا:\nيا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد ﷺ، وإن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحقه، فاتهموهم.\nقال محمد بن إسحاق: قال الزهري: كانت خزاعة في عيبة رسول الله ﷺ، مشركها ومسلمها لا يخفون على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا كان بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدا علينا عنوة، ولا يتحدث بذلك العرب، ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا رجل غادر» فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ، كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلّم به أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي» في وجهه فبعثوا الهدي فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما رأى فقال: يا معشر قريش لقد رأيت ما لا يحل صده الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، قالوا: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك.\nفبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي. قالوا:\nصدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا، قال وأبو بكر ﵁ قاعد خلف رسول الله ﷺ","vol":"7","page":322},{"text":"فقال: امصص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟ قال من هذا يا محمد؟ قال ﷺ: «هذا ابن أبي قحافة «قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها.\nثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة ﵁ واقف على رأس رسول الله ﷺ بالحديد، قال: فقرع يده ثم قال أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل والله أن لا تصل إليك قال ويحك ما أفظك وأغلظك! فتبسم رسول الله قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» قال: أغدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره بأنه لم يأت يريد حربا. قال فقام من عند رسول الله ﷺ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكا قط مثل محمد ﷺ في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم.\nقال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ، فدعا عمر ﵁ ليبعثه إلى مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بها من بني عدي أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني بها عثمان بن عفان ﵁.\nقال: فدعاه رسول الله ﷺ، فبعثه يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته، فخرج عثمان ﵁ حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه أردفه خلفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ، فانطلق عثمان ﵁ حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان ﵁: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. قال: واحتبسته قريش عندها قال: وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان ﵁ قد قتل.\nقال محمد: فحدثني الزهري أن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو وقالوا: ائت محمدا فصالحه ولا تلن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل». فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ، تكلما وأطالا الكلام وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح.\nفلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب ﵁، فأتى أبا بكر","vol":"7","page":323},{"text":"﵁ فقال: يا أبا بكر أوليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر ﵁: يا عمر الزم غرزه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. فقال عمر ﵁: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال ﷺ «بلى» قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال ﷺ: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني» ثم قال عمر ﵁: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرا.\nقال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: اكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فقال رسول الله ﷺ: «اكتب باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو» فقال له سهيل بن عمرو: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال. وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا، نحن في عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب.\nفبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ، قال وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه قال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال «صدقت» فقام إليه فأخذ بتلابيبه قال وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال فزاد الناس شرا إلى ما بهم. فقال رسول الله ﷺ «يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدا وإنا لن نغدر بهم».\nقال: فوثب إليه عمر بن الخطاب ﵁، فجعل يمشي مع أبي جندل، وهو يقول","vol":"7","page":324},{"text":"اصبر أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه. قال: فضن الرجل بأبيه، قال ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس انحروا واحلقوا» قال: فما قام أحد، قال ثم عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل، حتى عاد ﷺ بمثلها فما قام رجل، فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة ﵂ فقال «يا أم سلمة ما شأن الناس؟» قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانا واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدا حتى إذا أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون، قال حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح.\nهكذا ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن ابن إسحاق (^١) بنحوه وفيه إغراب.\nوقد رواه أيضا عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به نحوه، وخالفه في أشياء، وقد رواه البخاري (^٢) ﵀ في صحيحه فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيدة، فقال في كتاب الشروط من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه.\nفلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره (^٣) وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط (^٤) أتاه عينه فقال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك. فقال ﷺ: «أشيروا أيها الناس علي، أترون أن نميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟» وفي لفظ:\n«أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم، فإن يأتونا كان الله قد قطع عنقا من المشركين، وإلا تركناهم محزونين»، وفي لفظ «فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٦، ٣١٩.\n(^٢) كتاب المغازي باب ٣٥.\n(^٣) إشعار الهدي: أن يشق أحد جانبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك علامة يعرف بها بأنها هدي، وتقليد الهدي: أن يجعل في عنقها ما يعلم به أنها هدي.\n(^٤) غدير الأشطاط: موضع قريب من عسفان.","vol":"7","page":325},{"text":"محروبين (^١)، وإن نجوا يكن عنقا قطعها الله ﷿. أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه».\nفقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربا، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، وفي لفظ: فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله علم إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي ﷺ: «فروحوا إذن» وفي لفظ «فامضوا على اسم الله تعالى» حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ: «إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش (^٢) فانطلق يركض نذيرا لقريش.\nوسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس:\nحل حل (^٣) فألحت، فقالوا: خلأت القصواء (^٤) خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال ﷺ: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها». ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد (^٥) قليل الماء يتبرضه (^٦) الناس تبرضا، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع ﷺ من كنانته سهما ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.\nفبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: «إننا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، فأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا (^٧)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره». قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال:\nإنا قد جئنا من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال\n_________\n(^١) محروبين: أي مسلوبين منهوبين.\n(^٢) قترة الجيش: غبرته.\n(^٣) حل حل: لفظة زجر للإبل.\n(^٤) خلأت القصواء: أي امتنعت عن صاحبها.\n(^٥) الثمد: الماء القلل. تبرّص الماء القليل.\n(^٦) تبرّض الماء: أخذه قليلا قليلا.\n(^٧) جمّوا: أي استراحوا من جهد الحرب.","vol":"7","page":326},{"text":"سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء.\nوقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قاله رسول الله ﷺ فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال:\nأولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلّحوا (^١) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى.\nقال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ له نحوا من قوله لبديل بن ورقاء، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخرى فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا (^٢) من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات أنحن نفر وندعه؟ قال: من ذا؟ قالوا أبو بكر.\nقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما كلمه أخذ بلحيته ﷺ، والمغيرة بن شعبة ﵁ قائم على رأس النبي ﷺ، ومعه السيف وعليه المغفر (^٣)، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. قال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة ﵁ صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ:\n«أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء».\nثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيما له ﷺ فرجع عروة إلى أصحابه. فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.\n_________\n(^١) بلّحوا: أي عجزوا.\n(^٢) الأشواب: الأخلاط والأنواع.\n(^٣) المغفر: ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد.","vol":"7","page":327},{"text":"فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه ﵃، قال النبي ﷺ: «هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له».\nفبعثت له واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: «هذا مكرز وهو رجل فاجر» فجعل يكلم النبي ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.\nوقال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: «قد سهل لكم من أمركم» قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابا. فدعا النبي ﷺ بعلي ﵁ وقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ «اكتب باسمك اللهم-ثم قال-هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال له النبي ﷺ: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله» قال الزهري: وذلك لقوله: «والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها» فقال له النبي ﷺ: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة (^١) ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟.\nفبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي ﷺ: «إنا لم نقض الكتاب بعد» قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا، فقال النبي ﷺ: «فأجزه لي» قال: ما أنا بمجيز ذلك لك قال «بلى فافعل» قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ﷿. قال عمر ﵁: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت ألست نبي الله حقا؟ قال ﷺ: «بلى» قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال ﷺ «بلى» قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟\n_________\n(^١) ضغطة: أي قهرا.","vol":"7","page":328},{"text":"قال ﷺ: «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري» قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال ﷺ: «بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟». قلت: لا. قال ﷺ: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت:\nألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال:\nأيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق.\nقلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال بلى، قال: أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به.\nقال الزهري قال عمر ﵁: فعملت لذلك أعمالا. قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ﷺ ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل ﷺ على أم سلمة ﵂، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة ﵂: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله ﷺ، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ -حتى بلغ- ﴿بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلق عمر ﵁ يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية.\nثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت منه ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ حين رآه «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله تعالى منهم. فقال النبي ﷺ: «ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد».\nفلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر قال وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم: «فمن أتاه منهم فهو آمن» فأرسل النبي ﷺ إليهم وأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي","vol":"7","page":329},{"text":"كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ -حتى بلغ- ﴿حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.\nهكذا ساقه البخاري هاهنا.\nوقد أخرجه في التفسير وفي عمرة الحديبية وفي الحج وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري به. ووقع في بعض الأماكن عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور عن رجال من أصحاب النبي ﷺ بذلك وهذا أشبه والله أعلم، ولم يسقه أبسط من هاهنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلى ما هاهنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.\nوقال البخاري (^١) في التفسير: حدثنا أحمد بن إسحاق السلمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال كنا بصفين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله، فقال علي بن أبي طالب ﵁: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين، ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر ﵁ فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال ﷺ: «يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا» فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا، فنزلت سورة الفتح.\nوقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان بن سلمة عن سهل بن حنيف به، وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أقدر على أن أرد على رسول الله ﷺ أمره لرددته، وفي رواية:\nفنزلت سورة الفتح فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ فقرأها عليه (^٢).\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان حدثنا حماد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: إن قريشا صالحوا النبي ﷺ وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي ﵁: «اكتب\n_________\n(^١) تفسير سورة ٤٨، باب ٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجزية باب ١٨، في الترجمة، وتفسير سورة ٤٨، باب ٥، ومسلم في الجهاد حديث ٩٤.\n(^٣) المسند ٣/ ٢٦٨.","vol":"7","page":330},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: لا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم. فقال ﷺ: «اكتب من محمد رسول الله» قال: لو نعلم أنك رسول الله لا تبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ: «اكتب من محمد بن عبد الله» واشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال ﷺ: «نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله» رواه مسلم (^١) من حديث حماد بن سلمة به.\nوقال أحمد (^٢) أيضا، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني سماك عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا فقلت لهم إن رسول الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي ﵁: «اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» قالوا لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك فقال رسول الله ﷺ:\n«امح يا علي اللهم إنك تعلم أني رسولك امح يا علي واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله» والله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه ولم يكن محوه ذلك يمحوه من النبوة أخرجت من هذه؟ قالوا نعم ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي بنحوه.\nوروى الإمام أحمد (^٣) عن يحيى بن آدم حدثنا زهير بن حرب عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1845>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]</span>\n﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾\nكان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل وقع في نفوس بعض الصحابة ﵃ من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك فقال له فيما قال أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟» قال لا، قال النبي ﷺ: «فإنك آتيه ومطوف به» وبهذا أجاب الصديق رضي الله\n_________\n(^١) كتاب الجهاد حديث ٩٣.\n(^٢) المسند ١/ ٣٤٢.\n(^٣) المسند ١/ ٣١٤، ٣١٥.","vol":"7","page":331},{"text":"عنه أيضا حذو القذة بالقذة (^١) ولهذا قال ﵎: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ﴾ هذا لتحقيق الخبر وتوكيده وليس هذا من الاستثناء في شيء.\nوقوله ﷿: ﴿آمِنِينَ﴾ أي في حال دخولكم. وقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ حال مقدرة لأنهم في حال حرمهم لم يكونوا محلقين ومقصرين وإنما كان هذا في ثاني الحال.\nكان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصره، وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال:\n«رحم الله المحلقين» قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ: «رحم الله المحلقين» قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ: «رحم الله المحلقين» قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ: «والمقصرين» في الثالثة أو الرابعة (^٢).\nوقوله ﷾: ﴿لا تَخافُونَ﴾ حال مؤكدة في المعنى فأثبت لهم الأمن حال الدخول ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة. فأقام بها ذا الحجة والمحرم وخرج في صفر إلى خيبر، ففتحها الله عليه بعضها عنوة وبعضها صلحا، وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه ﵃، ولم يغب منهم أحد، قال ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة، كما هو مقرر في موضعه ثم رجع إلى المدينة.\nفلما كان في ذي القعدة سنة سبع خرج ﷺ إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة، فلبى وسار أصحابه يلبون. فلما كان ﷺ قريبا من مر الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا، وظنوا أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، وذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا محمد ما عرفناك تنقض العهد، فقال ﷺ: «وما ذاك؟» قال «دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح.\n_________\n(^١) القذة: هي ريش السهم.\n(^٢) أخرجه البخاري في الحج باب ١٢٧، ومسلم في الحج حديث ٣١٩.","vol":"7","page":332},{"text":"فقال ﷺ: «لم يكن ذلك وقد بعثنا به إلى يأجج». فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه ﵃ غيظا وحنقا. وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان، فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام ناقة رسول الله يقودها وهو يقول: [رجز] باسم الذي لا دين إلا دينه … باسم الذي محمد رسوله\nخلّوا بني الكفّار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله\nكما ضربناكم على تنزيله … ضربا يزيل الهام عن مقيله\nويذهل الخليل عن خليله … قد أنزل الرحمن في تنزيله\nفي صحف تتلى على رسوله … بأن خير القتل في سبيله (^١)\nيا رب إني مؤمن بقيله\nفهذا مجموع من روايات متفرقة. قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء دخلها وعبد الله بن رواحة ﵁ آخذ بخطام ناقته ﷺ وهو يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله … إني شهيد أنه رسوله\nخلوا فكل الخير في رسوله … يا رب إني مؤمن بقيله\nنحن قتلناكم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله\nضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن الزهري عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة ﵁ بين يديه وفي رواية: وابن رواحة آخذ بغرزه وهو ﵁ يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله … قد نزل الرحمن في تنزيله\nبأن خير القتل في سبيله … يا رب إني مؤمن بقيله\nنحن قتلناكم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله\nاليوم نضربكم على تأويله … ضربا يزيل الهام عن مقيله\nويذهل الخليل عن خليله\n_________\n(^١) الرجز لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص ١٠١، ١٠٢ ولسان العرب (قيل)، وأساس البلاغة (أول)، وتاج العروس (قيل)","vol":"7","page":333},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل يعني ابن زكريا عن عبد الله، يعني ابن عثمان عن أبي الطفيل عن ابن عباس ﵄، قال: إن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف (^٢)، فقال أصحابه لو انتحرنا (^٣) من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة (^٤). قال ﷺ: لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم، فجمعوا له وبسطوا الأنطاع (^٥) فأكلوا حتى تركوا وحثا كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر فاضطبع ﷺ بردائه ثم قال «لا يرى القوم فيكم غميرة» (^٦) فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم لتنقزون نقز الظباء (^٧)، ففعل ذلك ثلاثة أشواط فكانت سنة. قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع:\nوقال أحمد (^٨) أيضا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها سوءا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرا وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يرملوا (^٩) الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم. فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا (^١٠) أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به.\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٠٥.\n(^٢) ما يتباعثون من العجف: أي لا يستطيعون التصرف من الهزال.\n(^٣) انتحرنا: ذبحنا.\n(^٤) وبنا جمامة: أي بنا راحة وشبع وري.\n(^٥) الأنطاع: الجلود.\n(^٦) الغميرة: العيب.\n(^٧) أي يثبون ويقفزون قفز الظباء.\n(^٨) المسند ١/ ٢٩٥.\n(^٩) الرمل: الإسراع بالمشي مع هز المنكبين.\n(^١٠) أخرجه البخاري في المغازي باب ٤٣، ومسلم في الحج حديث ٢٣٧.","vol":"7","page":334},{"text":"وفي لفظ: قدم النبي ﷺ وأصحابه ﵃ صبيحة رابعة يعني من ذي القعدة، فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.\nقال البخاري (^١): وزاد ابن سلمة. يعني حماد بن سلمة، عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال ارملوا، ليري المشركين قوتهم والمشركون من قبل قعيقعان (^٢)، وحدثنا محمد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: إنما سعى النبي ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة ليري المشركون قوته (^٣).\nورواه في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن سفيان بن عيينة به. وقال أيضا:\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان حدثنا إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم، أن يؤذوا رسول الله ﷺ، انفرد به البخاري (^٤) دون مسلم.\nوقال البخاري (^٥) أيضا: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا فليح وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر ﷺ من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج ﷺ، وهو في صحيح مسلم أيضا.\nوقال البخاري (^٦) أيضا: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر بهذا ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال ﷺ: «أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله» ثم قال ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «امح رسول الله» قال ﵁: لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ\n_________\n(^١) كتاب المغازي باب ٤٣.\n(^٢) قعيقعان: جبل بمكة.\n(^٣) أخرجه البخاري في المغازي باب ٤٣.\n(^٤) كتاب المغازي باب ٤٣.\n(^٥) كتاب المغازي باب ٤٣.\n(^٦) كتاب المغازي باب ٤٣.","vol":"7","page":335},{"text":"رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أن لا يدخل مكة بالسلاح إلا بالسيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها».\nفلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة ﵁ تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي ﵁ فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵂: دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ﵃ فقال علي ﵁: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر ﵁: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد ﵁: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي ﵁: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر ﵁ «أشبهت خلقي وخلقي وقال ﷺ لزيد ﵁: «أنت أخونا ومولانا» قال علي ﵁: ألا تتزوج ابنة حمزة ﵁؟ قال ﷺ: «إنها ابنة أخي من الرضاعة» تفرد به من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي فعلم الله ﷿ من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموه أنتم ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فتحا قريبا، وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين.\nثم قال ﵎ مبشرا للمؤمنين بنصرة الرسول ﷺ على عدوه، وعلى سائر أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومليين ومشركين ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ أي أنه رسوله وهو ناصره، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1846>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]</span>\n﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾\nيخبر تعالى عن محمد ﷺ أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه ﵃ فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ كما قال ﷿: ﴿فَسَوْفَ","vol":"7","page":336},{"text":"يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار، رحيما برا بالأخيار، غضوبا عبوسا في وجه الكافر ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وقال النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (^١). وقال ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (^٢). وشبك ﷺ بين أصابعه، كلا الحديثين في الصحيح.\nوقوله ﷾: ﴿تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا﴾ وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله ﷿ والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله ﷿ وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الأول كما قال جل وعلا: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].\nوقوله ﷻ: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ يعني السمت الحسن (^٣). وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن منصور عن مجاهد ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون. وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم، وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، وقد أسنده ابن ماجة في سننه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى عن شريك، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (^٤) والصحيح أنه موقوف. وقال بعضهم: إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس.\nوقال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى أصلح الله ﷿ ظاهره للناس، كما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٢٧، ومسلم في البر حديث ٦٦، ٦٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في المظالم باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣٧٠.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في الإقامة باب ١٧٤.","vol":"7","page":337},{"text":"روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان البجلي ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر» العرزمي متروك.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة» ورواه أبو داود (^٣) عن عبد الله بن محمد النفيلي عن زهير به، فالصحابة ﵃ خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم. وقال مالك ﵁: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃ الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ، وقد نوه الله ﵎ بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال ﷾ هاهنا: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾ ثم قال ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي شده ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي شب وطال ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ أي فكذلك أصحاب محمد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾.\nومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه، بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃ قال: لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة ﵃ فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء ﵃ على ذلك، والأحاديث في فضائل الصحابة ﵃ والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم:\nثم قال ﵎: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ﴾ من هذه لبيان\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٨.\n(^٢) المسند ١/ ٢٩٦.\n(^٣) كتاب الأدب باب ٢.","vol":"7","page":338},{"text":"الجنس ﴿مَغْفِرَةً﴾ أي لذنوبهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ثوابا جزيلا ورزقا كريما. ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة ﵃ فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، ﵃ وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل. قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (^١). آخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي باب ٥، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٢١، ٢٢٢، وأبو داود في السنة باب ١٠، والترمذي في المناقب باب ٥٨، وابن ماجة في المقدمة باب ١١، وأحمد في المسند ٣/ ١١، ٥٤.","vol":"7","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1847>تفسير سورة الحجرات</span>\nوهي مدنية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1848>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾\nهذه آيات أدب الله تعالى بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال ﵎: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه أي قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله تعالى، قال ﷺ: «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله ﷺ، قال ﷺ: «فإن لم تجد؟» قال ﵁: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ». وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقال العوفي عنه: نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه، وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه، وقال الضحاك:\nلا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم، وقال سفيان الثوري ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل، وقال الحسن البصري ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال:\nلا تدعوا قبل الإمام، وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون لو أنزل في كذا كذا وكذا، لو صنع كذا، فكره الله تعالى ذلك وتقدم فيه ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي فيما أمركم به ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ أي لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم.\nوقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.","vol":"7","page":340},{"text":"وقال البخاري (^١): حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ﵁ أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر ﵄، ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ الآية قال ابن الزبير ﵄ فما كان عمر ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر ﵁. انفرد به دون مسلم.\nثم قال البخاري (^٢): حدثنا حسن بن محمد، حدثنا حجاج عن ابن جريج، حدثني ابن أبي ملكية أن عبد الله بن الزبير ﵄ أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر ﵁: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر ﵁: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ﵁: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر ﵁: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتى انقضت الآية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. وهكذا رواه هاهنا منفردا به أيضا.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عمر عن مخارق عن طارق بن شهاب عن أبي بكر الصديق ﵁ قال:\nلما نزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قلت:\nيا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي السرار (^٣). حصين بن عمر، هذا وإن كان ضعيفا لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ﵄ بنحو ذلك، والله أعلم.\nوقال البخاري (^٤): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس ﵁ فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكسا رأسه فقال له:\nما شأنك؟ فقال: شر كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤٩، باب ١.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤٩، باب ١.\n(^٣) أخو السرار: صاحب المسارة.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٤٩، باب ١.","vol":"7","page":341},{"text":"عظيمة فقال: «اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة» تفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال:\nأنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، أنا من أهل النار حبط عملي وجلس في أهله حزينا ففقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال، فقال النبي ﷺ: «لا، بل هو من أهل الجنة» قال أنس ﵁: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه فقال: بئسما تعودون أقرانكم فقاتلهم حتى قتل ﵁.\nوقال مسلم (^٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى آخر الآية، جلس ثابت ﵁ في بيته قال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: «يا أبا عمرو ما شأن ثابت أشتكى؟» فقال سعد ﵁: إنه لجاري وما علمت له بشكوى. قال:\nفأتاه سعد ﵁ فذكر له قول رسول الله ﷺ فقال ثابت ﵁: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد ﵁ للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «بل هو من أهل الجنة» ثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي عن حيان بن هلال عن سليمان بن المغيرة به قال ولم يذكر سعد بن معاذ ﵁، وعن قطن بن نسير عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ﵁ بنحوه، وقال ليس فيه ذكر سعد بن معاذ ﵁. حدثنا هريم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يذكر عن ثابت عن أنس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية فاقتص الحديث ولم يذكر سعد بن معاذ ﵁ وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة.\nفهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٣٧.\n(^٢) كتاب الإيمان حديث ٣٢٦.","vol":"7","page":342},{"text":"﵁، والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ ﵁ موجودا، لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآيات نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ قال: قعد ثابت بن قيس ﵁ في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا صيت رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي ﵁ إلى رسول الله ﷺ، قال:\nوغلبه البكاء فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي على الضبة بمسمار، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله تعالى، أو يرضى عني رسول الله ﷺ.\nقال: وأتى عاصم ﵁ رسول الله ﷺ فأخبره خبره فقال: «اذهب فادعه لي» فجاء عاصم ﵁ إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس فقال له:\nإن رسول الله ﷺ يدعوك، فقال: اكسر الضبة، قال: فخرجا فأتيا النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك يا ثابت؟» فقال ﵁: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ فقال النبي ﷺ:\n«أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟» فقال: رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله ﷺ ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله ﷺ.\nقال: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ الآية.\nوقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا. وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﵊، لأنه محترم حيا وفي قبره صلوات الله وسلامه عليه دائما، ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣٧٩.","vol":"7","page":343},{"text":"﵎: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].\nوقوله ﷿: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده، خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض» (^١) ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك، وأرشد إليه، ورغب فيه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية، ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1849>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ إلى ٥]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nثم إنه ﵎ ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب فقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة. ثم قال جل ثناؤه داعيا لهم إلى التوبة والإنابة ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي ﵁ فيما أورده غير واحد.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس ﵁، أنه نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية: يا رسول الله، فلم يجبه فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال ﷺ: «ذاك الله ﷿».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢٣، والترمذي في الزهد باب ١٢، وابن ماجة في الفتن باب ١٢، وما لك في الكلام حديث ٥، وأحمد في المسند ٣/ ٤٦٩.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٨٨، ٦/ ٣٩٤.","vol":"7","page":344},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق عن البراء في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إن حمدي زين وذمي شين، فقال ﷺ: «ذاك الله ﷿» وهكذا ذكره الحسن البصري وقتادة مرسلا.\nوقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب، وهما عند الحجاج جالسان، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ قالوا:\nأسلمنا ولم يقاتلك بنو أسد، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي الباهلي.\nحدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت داود الطفاوي يحدث عن أبي مسلم البجلي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكا نعش بجناحه. قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرة النبي ﷺ فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد يا محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ قال: فأخذ رسول الله ﷺ بأذني، فمدها فجعل يقول «لقد صدق الله تعالى قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد» ورواه ابن جرير (^٢) عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1850>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٦ إلى ٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾\nيأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله ﷿ عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال، وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري ولله تعالى الحمد والمنة، وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣٨١.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٣٨٢.","vol":"7","page":345},{"text":"حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق، وهو الحارث بن ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي ﵁ يقول: قدمت على رسول الله فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به. ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته. ويرسل إلي يا رسول الله رسولا لإبّان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة.\nفلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبّان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول فلم يأته وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسروات قومه (^٢) فقال لهم إن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله ﷺ، وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق أي خاف، فرجع حتى أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول الله ﷺ فضرب البعث إلى الحارث ﵁ وأتى الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله. قال ﵁: لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني.\nفلما دخل الحارث على رسول الله قال: «منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟» قال:\nلا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ﷺ، خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله. قال فنزلت الحجرات ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ -إلى قوله- ﴿حَكِيمٌ﴾.\nورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه الحارث بن سرار والصواب أنه الحارث بن ضرار كما تقدم.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٧٩.\n(^٢) سروات القوم: أشرافهم.","vol":"7","page":346},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: بعث رسول الله ﷺ رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله قالت فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم. فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون، قالت فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلا مصدقا (^٢) فسررنا بذلك وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله تعالى ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال ﵁ فأذن بصلاة العصر قالت ونزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾.\nوروى ابن جرير (^٣) أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله ﷺ، وإنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع الوليد إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبا شديدا، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله، إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، وإن النبي ﷺ استغشهم وهم بهم، فأنزل الله ﵎ عذرهم في الكتاب فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخر الآية.\nوقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة فرجع فقال إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك، زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه فلما جاءوا أخبروا خالدا ﵁ أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ﵁ فرأى الذي يعجبه فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال قتادة: فكان رسول الله ﷺ يقول «التثبت من الله والعجلة من الشيطان» (^٤) وكذا ذكر غير واحد من السلف\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣٨٣.\n(^٢) المصدّق: جامع الزكاة.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٣٨٣، ٣٨٤.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣٨٤.","vol":"7","page":347},{"text":"منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم في هذه الآية أنها أنزلت في الوليد بن عقبة، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال ﵎: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، كما قال ﷾: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] وقوله ﷿: ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا بهز حدثنا علي بن مسعدة، حدثنا قتادة عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «الإسلام علانية والإيمان في القلب-قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول-التقوى هاهنا التقوى هاهنا» ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ﴾ أي وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار والعصيان، وهي جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة، وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ أي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ:\n«استووا حتى أثني على ربي ﷿» فصاروا خلفه صفوفا فقال ﷺ: «اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن من يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٣٤، ١٣٥.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٢٤.","vol":"7","page":348},{"text":"الحق» ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به.\nوفي الحديث المرفوع: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» (^١) ثم قال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ أي هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1851>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\n﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾\nيقول تعالى آمرا بالإصلاح بين الفئتين الباغين بعضهم على بعض: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خطب يوما، ومعه على المنبر الحسن بن علي ﵄، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (^٢). فكان كما قال صلوات الله وسلامه عليه، أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ أي حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قلت: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال ﷺ: «تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه» (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عارم، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يحدث أن أنسا ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ، لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي ﷺ، وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق النبي ﷺ إليه قال: «إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك» فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الفتن باب ٧، وأحمد في المسند ١/ ١٨، ٢٦، ٣/ ٤٤٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الصلح باب ٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في المظالم باب ٤، ومسلم في البر حديث ٦٢، والترمذي في الفتن باب ٦٨.\n(^٤) المسند ٣/ ١٥٧، ٢١٩.","vol":"7","page":349},{"text":"ريحا منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال:\nفكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ (^١) ورواه البخاري في الصلح عن مسدد ومسلم في المغازي عن محمد بن عبد الأعلى كلاهما عن المعتمر بن سليمان عن أبيه به نحوه.\nوذكر سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر بالصلح بينهما، وقال السدي: كان رجل من الأنصار يقال له عمران، كانت له امرأة تدعى أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها، فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها. وإن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، وإن الرجل كان قد خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم الآية، فبعث إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم وفاؤوا إلى أمر الله تعالى.\nوقوله ﷿: ﴿فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي اعدلوا بينهم فيما كان أصاب بعضهم لبعض بالقسط وهو العدل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن ﷿ بما أقسطوا في الدنيا» (^٢) ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى به. وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط الصحيح، وحدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال:\n«المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا» (^٣) ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أي الجميع إخوة في الدين، كما قال رسول الله ﷺ: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» (^٤) وفي الصحيح «والله في عون العبد ما كان العبد في عون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصلح باب ١، ومسلم في الجهاد حديث ١١٧.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٥٩، ٢٠٣.\n(^٣) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٨، والنسائي في آداب القضاة باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في المظالم باب ٣، ومسلم في البر حديث ٥٨، وأبو داود في الأدب باب ٣٨، والترمذي في الحدود باب ٣، والبر باب ١٨، وابن ماجة في الكفارات باب ١٤، وأحمد في المسند ٢/ ٩١.","vol":"7","page":350},{"text":"أخيه» (^١) وفي الصحيح أيضا «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك مثله» (^٢) والأحاديث في هذا كثيرة، وفي الصحيح «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (^٣) وفي الصحيح أيضا «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه ﷺ (^٤).\nوقال أحمد (^٥): حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا مصعب بن ثابت حدثني أبو حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ قال:\n«إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» تفرد به أحمد ولا بأس بإسناده، وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يعني الفئتين المقتتلتين ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي في جميع أموركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1852>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (١١)﴾\nينهى تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الكبر بطر الحق وغمص الناس-ويروى-وغمط الناس» (^٦) والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، ولهذا قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ فنص على نهي الرجال، وعطف نهي النساء. وقوله ﵎: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٣٧، ٣٨، وأبو داود في الأدب باب ٦٠، والترمذي في الحدود باب ٣، وابن ماجة في المقدمة باب ١٧، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٢، ٢٩٦، ٥٠٠، ٥١٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٨٧، وأبو داود في الوتر باب ٢٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب باب ٢٧، ومسلم في البر حديث ٦٦، وأحمد في المسند ٤/ ٢٧٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٨٨، والمظالم باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٥، والترمذي في البر باب ١٨، والنسائي في الزكاة باب ٦٧، وأحمد في المسند ٤/ ٤٠٤، ٤٠٥، ٤٠٩.\n(^٥) المسند ٥/ ٣٤٠.\n(^٦) أخرجه بلفظ «غمط» مسلم في الإيمان حديث ١٤٧، وأبو داود في اللباس باب ٢٦، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٥، ٣٢٧، وأخرجه بلفظ «غمص»، الترمذي في البر باب ٦١، وأحمد في المسند ٤/ ١٣٤، ١٥١.","vol":"7","page":351},{"text":"[الهمزة: ١] والهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال ﷿: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] أي يحتقر الناس ويهمزهم طاغيا عليهم ويمشي بينهم بالنميمة وهي اللمز بالمقال، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي لا يقتل بعضكم بعضا.\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل بن حيان ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يطعن بعضكم على بعض (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ أي لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك، قال فينا نزلت في بني سلمة ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعي أحد منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ (^٣) ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن داود به. وقوله جل وعلا: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ﴾ أي بئس الصفة والاسم الفسوق. وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يتناعتون بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي من هذا ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1853>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾\nيقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا. وقال أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النضري، حدثنا عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرا» (^٤) تفرد به ابن ماجة\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣٩١.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٦٠.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٦٣، وابن ماجة في الأدب باب ٣٥.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٢.","vol":"7","page":352},{"text":"من هذا الوجه، وقال مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» (^١) رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن العتبي عن مالك به.\nوقال سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» (^٢) رواه مسلم والترمذي وصححه من حديث سفيان بن عيينة به.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي العدوي، حدثنا بكر بن عبد الوهاب المدني، حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال عن أبيه، عن جده حارثة بن النعمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن» فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال ﷺ: «إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض».\nوقال أبو داود (^٣): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد ﵁ قال: أتي ابن مسعود ﵁ برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبد الله رضي الله: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. سماه ابن أبي حاتم في روايته الوليد بن عقبة بن أبي معيط.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا هاشم، حدثنا ليث عن إبراهيم بن نشيط الخولاني عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم عن دخين كاتب عقبة قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم. قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دخين فقال: إني قد نهيتهم فلم ينتهوا وإني داع لهم الشرط فتأخذهم، فقال له عقبة: ويحك لا تفعل؟ فإني سمعت رسول الله يقول: «من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موؤودة من قبرها» (^٥) ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد به نحوه، وقال سفيان الثوري عن ثور عن راشد بن سعد عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» فقال أبو الدرداء رضي الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٥٧، ومسلم في البر حديث ٢٨، ٣٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ٥٧، ومسلم في البر حديث ٢٣، ٢٥، ٢٦، وأبو داود في الأدب باب ٤٧، والترمذي في البر باب ٢١.\n(^٣) كتاب الأدب باب ٥٨.\n(^٤) المسند ٤/ ١٥٣، ٤/ ١٥٨.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٠٠.","vol":"7","page":353},{"text":"عنه كلمة سمعها معاوية ﵁ من رسول الله ﷺ نفعه الله تعالى بها، ورواه أبو داود (^١) منفردا به من حديث الثوري به.\nوقال أبو داود أيضا: حدثنا سعيد بن عمرو الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن جبير بن نفير وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود والمقدام بن معد يكرب وأبي أمامة ﵃ عن النبي ﷺ قال: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» (^٢).\n﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أي على بعضكم بعضا والتجسس غالبا يطلق في الشر ومنه الجاسوس.\nوأما التحسس فيكون غالبا في الخير كما قال ﷿ إخبارا عن يعقوب أنه قال ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ [يوسف: ٨٧] وقد يستعمل كل منهما في الشر كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» وقال الأوزاعي: التجسس البحث عن الشيء. والتحسس الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون أو يستمع على أبوابهم، والتدابر: الصرم، رواه ابن أبي حاتم عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال ﷺ: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال ﷺ إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» (^٣) ورواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي به وقال: حسن صحيح. ورواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة عن العلاء. وهكذا قال ابن عمر ﵄ ومسروق وقتادة وأبو إسحاق ومعاوية بن قرة. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن سفيان، حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا. قال غير مسدد: تعني قصيرة، فقال ﷺ: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» قالت: وحكيت له إنسانا فقال ﷺ: «ما أحب أني حكيت إنسانا وإن لي كذا وكذا» (^٤) ورواه الترمذي من حديث يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن علي بن الأقمر عن أبي حذيفة سلمة بن صهيب الأرحبي عن عائشة ﵂ به وقال: حسن صحيح.\n_________\n(^١) كتاب الأدب باب ٣٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٣٧، وأحمد في المسند ٦/ ٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٣٥، ومسلم في البر حديث ٧٠، والترمذي في البر باب ٢٣.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٣٥، والترمذي في القيامة باب ٥١، وأحمد في المسند ٦/ ١٨٩.","vol":"7","page":354},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا حسان بن المخارق أن امرأة دخلت على عائشة ﵂، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة ﵂ بيدها إلى النبي ﷺ أي إنها قصيرة فقال النبي ﷺ «اغتبتها» والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا من رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة كقوله ﷺ، لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة!» (^٢) وكقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس ﵂، وقد خطبها معاوية وأبو الجهم:\n«أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» (^٣) وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على الترحيم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها ﵎ بأكل اللحم من الإنسان الميت كما قال ﷿: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] أي كما تكرهون هذا طبعا فاكرهوه ذاك شرعا، فإن عقوبته أشد من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها كما قال ﷺ في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» (^٤) وقد قال: «ليس لنا مثل السوء» (^٥) وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه ﷺ قال في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» (^٦).\nوقال أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أسباط بن محمد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (^٧) ورواه الترمذي عن عبيد بن أسباط بن محمد عن أبيه به وقال: حسن غريب.\nوحدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٣٩٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ٤٨، وأبو داود في الأدب باب ٥.\n(^٣) أخرجه مسلم في الطلاق حديث ٣٦، وأبو داود في الطلاق باب ٣٩، والترمذي في النكاح باب ٣٨، والنسائي في النكاح باب ٢٢، ومالك في الطلاق باب ٦٧، وأحمد في المسند ٦/ ٤١٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الهبة باب ٣٠، ومسلم في الهبات حديث ٥، ٦، وأبو داود في البيوع باب ٨١، والنسائي في الهبة باب ٣، ٤، وابن ماجة في الصدقات باب ١.\n(^٥) أخرجه البخاري في الهبة باب ٣٠، والترمذي في البيوع باب ٦١.\n(^٦) أخرجه البخاري في العلم باب ٣٧، ومسلم في الحج حديث ٤٤٥، ٤٤٦، والترمذي في تفسير سورة ٩ باب ٢، وابن ماجة في الفتن باب ٢، وأحمد في المسند ١/ ٢٣٠، ٣/ ٣١٣، ٣٧١، ٤٨٥، ٤/ ٧٦، ٥/ ٦٨.\n(^٧) أخرجه مسلم في البر حديث ٣٢، وأبو داود في الأدب باب ٣٥، والترمذي في البر باب ١٨، وابن ماجة في الزهد باب ٢٣، وأحمد في المسند ٣/ ٤٩١.","vol":"7","page":355},{"text":"عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» (^١) تفرد به أبو داود وقد روي من حديث البراء بن عازب. فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا إبراهيم بن دينار، حدثنا مصعب بن سلام عن حمزة بن حبيب الزيات، عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في بيوتها-أو قال-في خدورها، فقال: يا معشر من آمن بلسانه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته».\n[طريق أخرى] عن ابن عمر. قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يحيى بن أكثم، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني عن الحسين بن واقد عن أوفى بن دلهم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» قال: ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك (^٢).\nقال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا قتيبة عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول، عن وقاص بن ربيعة عن المستورد أنه حدثه أن النبي ﷺ قال: «من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله تعالى يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» (^٣) تفرد به أبو داود. وحدثنا ابن مصفى حدثنا بقية وأبو المغيرة، قالا: حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال:\nهؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» (^٤) تفرد به أبو داود وهكذا رواه الإمام أحمد (^٥) عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أخبرنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٣٥.\n(^٢) أخرجه لترمذي في البر باب ١٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٣٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٣٥.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٢٤.","vol":"7","page":356},{"text":"يا رسول الله حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء موكل بهم رجال يعمدون إلى عرض جنب أحدهم، فيجذون منه الجذة من مثل النعل ثم يضعونه في أحدهم. فيقال له كل كما أكلت وهو يجد من أكله الموت يا محمد لو يجد الموت وهو يكره عليه، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون واللمازون أصحاب النميمة، فيقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ وهو يكره على أكل لحمه، هكذا أورد هذا الحديث وقد سقناه بطوله في أول تفسير سورة سبحان ولله الحمد والمنة.\nوقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا الربيع عن يزيد عن أنس أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن يصوموا يوما ولا يفطرن أحد حتى آذن له، فصام الناس، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله ﷺ فيقول ظللت منذ اليوم صائما فائذن لي فأفطر فأذن له ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين، فائذن لهما فليفطرا، فأعرض عنه ثم أعاد، فقال رسول الله ﷺ: «ما صامتا، وكيف صام ظل يأكل من لحوم الناس؟ اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا» ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما علقة علقة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار» إسناد ضعيف ومتن غريب. وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون.\nحدثنا سليمان التيمي قال: سمعت رجلا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد مولى رسول الله ﷺ أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله ﷺ، وأن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن هاهنا امرأتين صامتا وإنهما كادتا تموتان من العطش، أراه قال بالهاجرة، فأعرض عنه أو سكت عنه، فقال: يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا أو كادتا تموتان، فقال:\nادعهما. فجاءتا قال: فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما قيئي. فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما ودما عبيطا (^١) وغيره حتى ملأت القدح، ثم قال: «إن هاتين صامتا عما أحل الله تعالى لهما وأفطرنا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس». وهكذا قد رواه الإمام أحمد (^٢) عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي، كلاهما عن سليمان بن طرخان التيمي به مثله أو نحوه، ثم رواه أيضا من حديث مسدد عن يحيى القطان عن عثمان بن غياث.\nحدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان عن سعد مولى رسول الله ﷺ، أنهم أمروا بصيام، فجاء رجل في نصف النهار فقال: يا رسول الله فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد فأعرض عنه مرتين أو\n_________\n(^١) اللحم العبيط: اللحم الطري غير النضيج.\n(^٢) المسند ٥/ ٤٣١.","vol":"7","page":357},{"text":"ثلاثا ثم قال «ادعهما» فجاء بعس أو قدح فقال لإحداهما: قيئي. فقاءت لحما ودما عبيطا وقيحا، وقال للأخرى مثل ذلك ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما. أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحا. قال البيهقي: كذا قال عن سعد، والأول وهو عبيد أصح.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن ابن عمّ لأبي هريرة أنّ ماعزا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى قالها أربعا، فلما كان في الخامسة قال:\nزنيت؟ قال: نعم قال: وتدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: ما تريد إلى هذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني. قال: فقال رسول الله ﷺ:\nأدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: نعم يا رسول الله قال: فأمر برجمه، فرجم، فسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب؟ ثم سار النبي ﷺ حتى مر بجيفة حمار فقال: «أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار» قالا: غفر الله لك يا رسول الله وهل يؤكل هذا؟ قال ﷺ: «فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» (^١) إسناد صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي. حدثنا واصل مولى ابن عيينة، حدثني خالد بن عرفطة عن طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح جيفة منتنة. فقال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون الناس».\n[طريق أخرى] قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض عن سليمان عن أبي سفيان وهو طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فهاجت ريح منتنة، فقال النبي ﷺ: «إن نفرا من المنافقين اغتابوا ناسا من المسلمين فلذلك بعثت هذه الريح» وربما قال «فلذلك هاجت هذه الريح» وقال السدي في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ زعم أن سلمان الفارسي ﵁ كان مع رجلين من أصحاب النبي ﷺ في سفر يخدمهما ويخف لهما وينال من طعامهما، وأن سلمان ﵁ لما سار الناس ذات يوم، وبقي سلمان ﵁ نائما لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه فلم يجداه، فضربا الخباء فقالا: ما يريد سلمان أو هذا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٢٥.\n(^٢) المسند ٣/ ٣٥١.","vol":"7","page":358},{"text":"العبد شيئا غير هذا أن يجيء إلى طعام مقدور وخباء مضروب، فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ﷺ يطلب لهما إداما، فانطلق فأتى رسول الله ﷺ ومعه قدح له فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال ﷺ: «ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا» فرجع سلمان ﵁ يخبرهما بقول رسول الله ﷺ فانطلقا حتى أتيا رسول الله فقالا:\nوالذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاما منذ نزلنا. قال رسول الله ﷺ: «إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما» قال: ونزلت ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ إنه كان نائما.\nوروى الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المختار من طريق حبّان بن هلال عن حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر ﵄، رجل يخدمهما فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاما فقالا: إن هذا لنؤوم فأيقظاه، فقالا له: ائت رسول الله ﷺ فقل له إن أبا بكر وعمر ﵄ يقرئانك السلام ويستأدمانك فقال ﷺ: «إنهما قد ائتدما» فجاءا فقالا يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا؟ فقال ﷺ: «بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما» فقالا ﵄: استغفر لنا يا رسول الله، فقال ﷺ «مراه فليستغفر لكما».\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا محمد بن مسلم عن محمد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أكل من لحم أخيه في الدنيا قرب الله إليه لحمه في الآخرة فيقال له كله ميتا كما أكلته حيا -قال-فيأكله ويكلح (^١) ويصيح» غريب جدا.\nوقوله ﷿: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي فيما أمركم به ونهاكم عنه فراقبوه في ذلك واخشوا منه ﴿إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ أي تواب على من تاب إليه رحيم لمن رجع إليه واعتمد عليه. قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك ويعزم على أن لا يعود، وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه. وقال آخرون:\nلا يشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه فطريقه إذا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، فتكون تلك بتلك كما قال الإمام أحمد (^٢)، حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبد الله بن سليمان أن إسماعيل بن يحيى المعافري أخبره أن سهل بن معاذ بن أنس الجهني أخبره عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، بعث الله تعالى إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء\n_________\n(^١) يكلح: يعبس حتى تبدو أسنانه.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٤١.","vol":"7","page":359},{"text":"يريد سبه حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» (^١) وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله وهو ابن المبارك به بنحوه. وقال أبو داود أيضا: حدثنا إسحاق بن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث، حدثني يحيى بن سليم أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول:\nسمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاري ﵄ يقولان قال رسول الله ﷺ: «ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرئ ينصر امرءا مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره ﷿ في مواطن يحب فيها نصرته» تفرد به أبو داود (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1854>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبا وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك، وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل، وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب الإنباه لأبي عمر بن عبد البر، ومن كتاب (القصد والأمم في معرفة أنساب العرب والعجم) فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء ﵉ سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله ﷺ، ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا، منبها على تساويهم في البشرية ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ أي ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته، وقال مجاهد في قوله ﷿ ﴿لِتَعارَفُوا﴾ كما يقال فلان بن فلان من كذا وكذا أي من قبيلة كذا وكذا، وقال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها.\nوقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد مولى المنبعث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر» (^٣) ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٣٦.\n(^٢) كتاب الأدب باب ٣٦.\n(^٣) أخرجه الترمذي في البر باب ٤٩.","vol":"7","page":360},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ أي إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب، وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ.\nقال البخاري ﵀: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبدة عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد ﵁ عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم» قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله ابن خليل الله» قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألوني»؟ قالوا: نعم. قال: «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» (^١) وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان، ورواه النسائي في التفسير من حديث عبيد الله وهو ابن عمر العمري به.\n[حديث آخر] قال مسلم ﵀: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^٢) ورواه ابن ماجة عن أحمد بن سنان عن كثير بن هشام به.\n[حديث آخر] وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع عن أبي هلال عن بكر عن أبي ذر ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال له: «انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله» تفرد به أحمد ﵀.\n[حديث آخر] وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، حدثنا عبيد بن حنين الطائي، سمعت محمد بن حبيب بن خراش العصري يحدث عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى».\n[حديث آخر] قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا قيس يعني ابن الربيع عن شبيب بن غرقدة، عن المستظل بن حصين عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان» (^٤). ثم قال لا نعرفه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ١٤، ١٩، وتفسير سورة ١٢، باب ٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٦٨، وأحمد في المسند ٢/ ٤٣١.\n(^٢) أخرجه مسلم في البر حديث ٣٣، وابن ماجة في الزهد باب ٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٨٥، ٥٣٩.\n(^٣) المسند ٥/ ١٥٨.\n(^٤) الجعلان، جمع جعل: دويبة صغيرة.","vol":"7","page":361},{"text":"عن حذيفة إلا من هذا الوجه.\n[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا القطان، حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن (^١) في يده، فما وجد لها مناخا في المسجد حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن رسول الله ﷺ خطبهم على راحلته فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: «يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبّيّة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، إن الله ﷿ يقول: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ -ثم قال ﷺ-أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» هكذا رواه عبد بن حميد عن أبي عاصم الضحاك عن مخلد عن موسى بن عبيدة به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر ﵄ قال إن رسول الله ﷺ قال: «إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طف الصاع (^٣) لم يملؤوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيا بخيلا فاحشا». وقد رواه ابن جرير (^٤) عن يونس عن ابن وهب عن ابن لهيعة به ولفظه «الناس لآدم وحواء طف الصاع لم يملؤوه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم». وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك عن سماك عن عبد الله بن عميرة زوج درة بنت أبي لهب، عن درة بنت أبي لهب ﵂ قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال ﷺ: «خير الناس أقرأهم وأتقاهم لله ﷿، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم».\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود عن\n_________\n(^١) المحجن: عصا معقوفة الرأس.\n(^٢) المسند ٤/ ١٥٨.\n(^٣) طف الصاع: أي قريب بعضكم من بعض.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٣٩٩.\n(^٥) المسند ٦/ ٤٣٢.\n(^٦) المسند ٦/ ٦٩.","vol":"7","page":362},{"text":"القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: ما أعجب رسول الله ﷺ شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقى، تفرد به أحمد.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي عليم بكم خبير بأموركم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله، وقد استدل بهذه الآية الكريمة وهذه الآحاديث الشريفة من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط ولا يشترط سوى الدين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ وذهب الآخرون إلى أدلة أخرى مذكورة في كتب الفقه، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في (كتاب الأحكام) ولله الحمد والمنة، وقد روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلا من بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله ﷺ فقال غيره: أنا أولى به منك ولك منه نسبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1855>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٤ إلى ١٨]</span>\n﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)﴾\nيقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵊ حين سأل عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص ثم للأخص منه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵄ قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا، فقال سعد رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا، وهو مؤمن، فقال النبي ﷺ: أو مسلم؟ حتى أعادها سعد ﵁ ثلاثا والنبي ﷺ يقول:\nأو مسلم؟ ثم قال النبي ﷺ: «إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي منهم، فلا أعطيه شيئا\n_________\n(^١) المسند ١/ ١٧٦.","vol":"7","page":363},{"text":"مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم» (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به، فقد فرق النبي ﷺ بين المؤمن والمسلم، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام، وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقا لأنه تركه من العطاء، ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه فأدبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي وقتادة واختاره ابن جرير (^٢). وإنما قلنا هذا لأن البخاري ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك.\nوقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد أنهم قالوا في قوله ﵎: ﴿وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ أي استسلمنا خوف القتل والسبي. قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة.\nوقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله ﷺ، والصحيح الأول أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديبا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي لا ينقصكم من أجوركم ﴿شَيْئًا﴾ كقوله ﷿: ﴿وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لمن تاب إليه وأناب.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي إنما المؤمنون الكمل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أي لم يشكوا ولا تزلزلوا بل ثبتوا على حال واحدة هي التصديق المحض ﴿وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أي في قولهم إذا قالوا إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب الذين ليس لهم من الإيمان إلا الكلمة الظاهرة.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثنا عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: «المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع تركه لله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ١٩، ومسلم في الإيمان باب ٢٣٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٤٠٠.\n(^٣) المسند ٣/ ٨.","vol":"7","page":364},{"text":"﷿» وقوله ﷾: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي أتخبرونه بما في ضمائركم ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ يعني الأعراب الذين يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول ﷺ يقول الله تعالى ردا عليهم: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم ولله المنة عليكم فيه ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي في دعواكم ذلك كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلاّلا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟» كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن (^١).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن قيس عن أبي عون، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وقاتلتك العرب ولم تقاتلك. فقال رسول الله ﷺ: إن فقههم قليل وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم. ونزلت هذه الآية ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله عن سعيد بن جبير غير هذا الحديث ثم كرر الإخبار بعلمه بجميع الكائنات وبصره بأعمال المخلوقات فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ آخر تفسير سورة الحجرات، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ٥٦، ومسلم في الزكاة حديث ١٣٩، وأحمد في المسند ٤/ ٤٢.","vol":"7","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1856>تفسير سورة ق</span>\nوهي مكية\nوهذه السورة هي أول الحزب المفصل على الصحيح وقيل من الحجرات. وأما ما يقوله العامة إنه من (عم) فلا أصل له ولم يقله أحد من العلماء ﵃ المعتبرين فيما نعلم.\nوالدليل على أن هذه السورة هي أول المفصل ما رواه أبو داود في سننه باب تحزيب القرآن ثم قال: حدثنا مسدد، حدثنا قران بن تمام، وحدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، سليمان بن حيّان، وهذا لفظه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده، قال عبد الله بن سعيد: حدثنيه أوس بن حذيفة ثم اتفقا قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة ﵁، وأنزل الرسول ﷺ بني مالك في قبة له، قال مسدد: وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من ثقيف، قال كان رسول الله ﷺ كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا، قال أبو سعيد، قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا به ﷺ ما لقي من قومه قريش ثم يقول ﷺ: «لا سواء وكنا مستضعفين مستذلين-قال مسدد بمكة-فلما خرجنا إلى المدينة كانت الحرب سجالا بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا» فلما كانت ليلة أبطأ ﷺ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة، قال ﷺ: «إنه طرأ على حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه» (^١). قال أوس: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة. وحزب المفصل وحده، ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر به، ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن عبد الرحمن هو ابن يعلى الطائفي به.\nإذا علم هذا فإذا عددت ثمانيا وأربعين سورة فالتي بعدهن سورة ق. بيانه ثلاث: البقرة وآل عمران والنساء. وخمس: المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة. وسبع: يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل. وتسع: سبحان والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان. وإحدى عشرة: الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان والم السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس. وثلاث عشرة: الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال والفتح والحجرات. ثم بعد ذلك الحزب المفصل كما قاله الصحابة ﵃. فتعين أن أوله سورة ق. وهو الذي قلنا ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في رمضان باب ٩، وابن ماجة في الإقامة باب ١٧٨، وأحمد في المسند ٤/ ٩.","vol":"7","page":366},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد؟ قال: بقاف واقتربت (^٢)، ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث مالك به. وفي رواية لمسلم عن فليح عن ضمرة عن عبيد الله عن أبي واقد قال: سألني عمر ﵁، فذكره.\n[حديث آخر] وقال أحمد (^٣): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن أم هشام بنت حارثة قالت: لقد كان تنورنا وتنور النبي ﷺ واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا على لسان رسول الله، وكان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس (^٤)، رواه مسلم من حديث ابن إسحاق به. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن خبيب عن عبد الله بن محمد بن معن عن ابنة الحارث بن النعمان قالت ما حفظت ﴿ق﴾ إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة. قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدا، وكذا رواه مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث شعبة به، والقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار كالعيد والجمع لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب، والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب، والله أعلم.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1857>[سورة ق (٥٠): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾\n﴿ق﴾: حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور كقوله تعالى: ﴿ص﴾ - ﴿ن﴾ - ﴿الم﴾ - ﴿حم﴾ - ﴿طس﴾ ونحو ذلك، قاله مجاهد وغيره وقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ﴿ق﴾ جبل\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢١٧، ٢١٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في صلاة العيدين حديث ١٤، ١٥، والترمذي في الجمعة باب ٣٣، والنسائي في العيدين باب ١٢، وابن ماجة في الإقامة باب ١٥٧.\n(^٣) المسند ٦/ ٤٣٥، ٤٣٦.\n(^٤) أخرجه مسلم في الجمعة حديث ٤٥.","vol":"7","page":367},{"text":"محيط بجميع الأرض يقال له جبل قاف، وكأن هذا، والله أعلم، من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد من قدم فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى وقلة الحفاظ النقاد فيهم وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله:\n«وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (^١) فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول ويحكم عليه بالبطلان ويغلب على الظنون كذبه فليس من هذا القبيل، والله أعلم.\nوقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، رحمة الله عليه، أورد هاهنا أثرا غريبا لا يصح سنده عن ابن عباس ﵄ فقال: حدثنا أبي قال: حدثت عن محمد بن إسماعيل المخزومي، حدثنا ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال:\nخلق الله ﵎ من وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك البحر جبلا يقال له ﴿ق﴾، السماء الدنيا مرفوفة عليه (^٢)، ثم خلق الله تعالى من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له ﴿ق﴾ السماء الثانية مرفوفة عليه، حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سموات، قال وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع، والذي رواه علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿ ﴿ق﴾ هو اسم من أسماء الله ﷿ والذي ثبت عن مجاهد أنه حرف من حروف الهجاء كقوله تعالى: ﴿ص﴾ - ﴿ن﴾ - ﴿حم﴾ - ﴿طس﴾ - ﴿الم﴾ ونحو ذلك، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس ﵄. وقيل: المراد قضي الأمر والله، وأن قوله جل ثناؤه ﴿ق﴾ قال: دلت على المحذوف من بقية الكلم كقول الشاعر: [الرجز] قلت لها قفي فقالت قاف (^٣) وفي هذا التفسير نظر لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٥٠، وأبو داود في العلم باب ١١، والترمذي في العلم باب ١٣، وأحمد في المسند ٢/ ١٥٩، ١٠٢، ٢١٤، ٤٧٤، ٥٠٢، ٣/ ٤٦، ٥٦.\n(^٢) مرفوفة عليه: أي مسقوفة عليه.\n(^٣) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (وقف) وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٧٩، وتاج العروس (سين). وتفسير الطبري ١١/ ٤٠٦.","vol":"7","page":368},{"text":"يفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟ وقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي الكريم العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ وفي هذا نظر بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم ملتقي لفظا، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] وهكذا قال هاهنا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أي تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله ﷻ: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] أي وليس هذا بعجيب فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس.\nثم قال ﷿ مخبرا عنهم في تعجبهم أيضا من المعاد واستبعادهم لوقوعه ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي يقولون أإذا متنا وبلينا وتقطعت الأوصال منا وصرنا ترابا، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي بعيد الوقوع. ومعنى هذا أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه. قال الله تعالى رادا عليهم: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي ما تأكل من أجسادهم في البلى نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان وأين ذهبت وإلى أين صارت ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أي حافظ لذلك فالعلم شامل والكتاب أيضا فيه كل الأشياء مضبوطة. قال العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم (^١)، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم، ثم بين ﵎ سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، والمريج: المختلف المضطرب الملتبس المنكر خلاله كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:\n٨ - ٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1858>[سورة ق (٥٠): الآيات ٦ إلى ١١]</span>\n﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٠٧.","vol":"7","page":369},{"text":"يقول تعالى منبها للعباد على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها﴾ أي بالمصابيح ﴿وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ قال مجاهد: يعني من شقوق، وقال غيره: فتوق، وقال غيره: صدوع، والمعنى متقارب كقوله ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤] أي كليل عن أن يرى عيبا أو نقصا.\nوقوله ﵎: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها﴾ أي وسعناها وفرشناها ﴿وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ وهي الجبال لئلا تميد بأهلها وتضطرب، فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] وقوله ﴿بَهِيجٍ﴾ أي حسن نضر ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي ومشاهدة خلق السموات والأرض وما جعل الله فيهما من الآيات العظيمة تبصرة ودلالة ﴿وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي خاضع خائف وجل رجاع إلى الله ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أي نافعا ﴿فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أي حدائق من بساتين ونحوها ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وهو الزرع الذي يراد لحبه وادخاره ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ أي طوالا شاهقات، وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: الباسقات الطوال (^١) ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أي منضود ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ أي للخلق ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وهي الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله الموتى وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث، كقوله ﷿:\n﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] وقال ﷾: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1859>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ إلى ١٥]</span>\n﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤١١.","vol":"7","page":370},{"text":"يقول تعالى مهددا لكفار قريش، بما أحله بأشباههم ونظرائهم وأمثالهم من المكذبين قبلهم، من النقمات والعذاب الأليم في الدنيا كقوم نوح وما عذبهم الله تعالى به من الغرق العام لجميع أهل الأرض وأصحاب الرس، وقد تقدمت قصتهم في سورة الفرقان ﴿وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ﴾ وهم أمته الذين بعث إليهم من أهل سدوم ومعاملتها من الغور، وكيف خسف الله تعالى بهم الأرض، وأحال أرضهم بحيرة منتنة خبيثة بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحق. ﴿وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﵊ ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهو اليماني، وقد ذكرنا من شأنه في سورة الدخان ما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والشكر.\n﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي كل من هذه الأمم وهؤلاء القرون كذب رسوله، ومن كذب رسولا فكأنما كذب جميع الرسل كقوله جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنما جاءهم رسول واحد فهم في نفس الأمر لو جاءهم جميع الرسل كذبوهم ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي فحق عليهم ما أوعدهم الله تعالى على التكذيب من العذاب والنكال، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذب أولئك. وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أي أفأعجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من الإعادة ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ والمعنى أن ابتداء الخلق لم يعجزنا والإعادة أسهل منه كما قال ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقال الله ﷻ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] وقد تقدم في الصحيح «يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يقول لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته».\n\n<span data-type='title' id=toc-1860>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٦ إلى ٢٢]</span>\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾\nيخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه وعلمه محيط بجميع أموره، حتى أنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال «إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل» (^١) وقوله ﷿:\n﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأيمان باب ١٥، ومسلم في الأيمان حديث ٢٠١، ٢٠٢، وأبو داود في الطلاق باب ١٥، والترمذي في الطلاق باب ٨، والنسائي في الطلاق باب ٢٢، وابن ماجة في الطلاق باب ١٤، ١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٣٩٨، ٤٢٥، ٤٧٤، ٤٨١، ٤٩١.","vol":"7","page":371},{"text":"إليه، ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنما قال:\n﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كما قال في المحتضر ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] يعني ملائكته.\nوكما قال ﵎: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فالملائكة نزلت بالذكر وهو القرآن بإذن الله ﷿، وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار الله جل وعلا لهم على ذلك. فللملك لمة في الإنسان كما أن للشيطان لمة (^١)، وكذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (^٢)، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ﴾ يعني الملكين الذين يكتبان عمل الإنسان.\n﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ أي مترصد ﴿ما يَلْفِظُ﴾ أي ابن آدم ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أي ما يتكلم بكلمة ﴿إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها لا يترك كلمة ولا حركة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:\n١٠ - ١٢] وقد اختلف العلماء هل يكتب الملك كل شيء من الكلام. وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس ﵄، فعلى قولين وظاهر الآية الأول لعموم قوله ﵎: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي عن أبيه عن جده علقمة عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان ﷺ تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله ﷿ له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» (^٤) قال: فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح وله شاهد في الصحيح.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٢، باب ٢٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأحكام باب ٢١، وبدء الخلق باب ١١، والاعتكاف باب ١١، ١٢، وأبو داود في الصوم باب ٧٨، والسنة باب ١٧، والأدب باب ٨١، وابن ماجة في الصيام باب ٦٥، والدارمي في الرقاب باب ٦٦، وأحمد في المسند ٣/ ١٥٦، ٢٨٥، ٣٠٩، ٦/ ٣٣٧.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٦٩.\n(^٤) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢٣، والترمذي في الزهد باب ١٢، وابن ماجة في الفتن باب ١٢، ومالك في الكلام باب ٥.","vol":"7","page":372},{"text":"وقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال فإن أصاب العبد خطيئة قال له أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها وإن أبى كتبها، رواه ابن أبي حاتم، وقال الحسن البصري وتلا هذه الآية ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة فعند ذلك يقول تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ثم يقول: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى أنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه فبلغه عن طاوس أنه قال يكتب الملك كل شيء حتى الأنين فلم يئن أحمد حتى مات ﵀. وقوله ﵎: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ يقول ﷿: وجاءت أيها الإنسان سكرة الموت بالحق أي كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ﴿ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك فلا محيد ولا مناص ولا فكاك ولا خلاص.\nوقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو، وقيل الكافر، وقيل غير ذلك، وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان، أخبرنا عباد بن عباد عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: إن عائشة ﵂ قالت:\nحضرت أبي ﵁ وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه فأخذته غشية، فتمثلت ببيت من الشعر:\nمن لا يزال دمعه مقنّعا … فإنه لا بدّ مرّة مدقوق (^١)\n_________\n(^١) الرواية عند ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث ٤/ ١١٥. من لا يزال دمعه مقنّعا لا بدّ يوما أن يهراق هكذا ورد، وتصحيحه: من لا يزال دمعه مقنّعا لا بدّ يوما أنّه يهراق وهو من الضرب الثاني من بحر الرجز، ورواه بعضهم: ومن لا يزال الدّمع فيه مقنّعا فلا بدّ يوما أنه مهراق وهو من الضرب الثالث من الطويل، فسّروا المقنع بأنه المحبوس في جوفه»، وكذلك الرواية في النهاية في غريب الحديث للزمخشري ٣/ ١٢٨.","vol":"7","page":373},{"text":"قالت: فرفع ﵁ رأسه فقال: يا بنية ليس كذلك ولكن كما قال الله تعالى:\n﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وحدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو شهاب الخياط عن إسماعيل بن أبي خالد عن البهي قال: لما أن ثقل أبو بكر ﵁ جاءت عائشة ﵂ فتمثلت بهذا البيت: [الطويل] لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (^١)\nفكشف عن وجهه وقال ﵁: ليس كذلك، ولكن قولي ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وقد أوردت لهذا الأثر طرقا كثيرة في سيرة الصديق ﵁ عند ذكر وفاته، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: «سبحان الله إن للموت لسكرات» (^٢) وفي قوله: ﴿ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قولان: [أحدهما] أن ما هاهنا موصولة أي الذي كنت منه تحيد بمعنى تبتعد وتنأى وتفر قد حل بك ونزل بساحتك [والقول الثاني] أن «ما» نافية بمعنى ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا الحيد عنه وقد قال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص عن ابن عمر الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهذلي عن يونس بن عبيد عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيى وأسهر دخل جحره فقالت له الأرض يا ثعلب ديني، فخرج وله حصاص فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات» ومضمون هذا المثل كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض، كذلك الإنسان لا محيد له عن الموت.\nوقوله ﵎: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ قد تقدم الكلام على حديث النفخ في الصور والفزع والصعق والبعث، وذلك يوم القيامة. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له» قالوا:\nيا رسول الله كيف نقول؟ قال ﷺ: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل» فقال القوم: حسبنا الله\n_________\n(^١) البيت لحاتم الطائي في ديوانه ص ١٩٩، والأغاني ١٧/ ٢٩٥، وجمهرة اللغة ص ١٠٣٤، ١١٣٣، وخزانة الأدب ٤/ ٢١٢، والدرر ١/ ٢١٥، والشعر والشعراء ١/ ٢٥٢، والصاحبي في فقه اللغة ص ٢٦١، ولسان العرب (قرن)، وأساس البلاغة (حشر)، وبلا نسبة في لسان العرب (حشرج)، وهمع الهوامع ١/ ٦٥، والرواية في ديوان حاتم الطائي «أماويّ» بدل «لعمرك».\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٢، والترمذي في الجنائز باب ٧، وابن ماجة في الجنائز باب ٦٤، وأحمد في المسند ٦/ ٦٤، ٧٠، ٧٧، ١٥١.","vol":"7","page":374},{"text":"ونعم الوكيل.\n﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أي ملك يسوقه إلى المحشر وملك يشهد عليه بأعماله هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، وهو اختيار ابن جرير ثم روي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يحيى بن رافع مولى لثقيف قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يخطب فقرأ هذه الآية ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ فقال سائق يسوقها إلى الله تعالى وشاهد يشهد عليها بما عملت، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد. وقال مطرف عن أبي جعفر مولى أشجع عن أبي هريرة ﵁ قال: السائق الملك والشهيد العمل، وكذا قال الضحاك والسدي، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: السائق من الملائكة والشهيد الإنسان نفسه، يشهد على نفسه، وبه قال الضحاك بن مزاحم أيضا.\nوحكى ابن جرير (^١) ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [أحدها] أن المراد بذلك الكافر، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، وبه يقول الضحاك بن مزاحم وصالح بن كيسان. [والثاني] أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ﵄. [والثالث] أن المخاطب بذلك النبي ﷺ وبه يقول زيد بن أسلم وابنه، والمعنى على قولهما: لقد كنت في غفلة من هذا الشأن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك فبصرك اليوم حديد.\nوالظاهر من السياق خلاف هذا بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾ يعني من هذا اليوم ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي قوي لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا حتى الكفار في الدنيا، يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨]. وقال ﷿: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-1861>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٩]</span>\n﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٤٢٠.","vol":"7","page":375},{"text":"ويقول: ﴿هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي معتمد محضر بلا زيادة ولا نقصان. وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق، يقول ابن آدم الذي وكلتني به قد أحضرته وقد اختار ابن جرير أنه يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة، فعند ذلك يحكم الله تعالى في الخليقة بالعدل فيقول: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ وقد اختلف النحاة في قوله: ﴿أَلْقِيا﴾ فقال بعضهم هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية كما روي عن الحجاج أنه كان يقول يا حرسي اضربا عنقه، ومما أنشد ابن جرير (^١) على هذه قول الشاعر: [الطويل] فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر … وإن تتركاني أحم عرضا ممنّعا (^٢)\nوقيل: بل هي نون التأكيد سهلت إلى الألف، وهذا بعيد لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم، وبئس المصير ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي كثير الكفر والتكذيب بالحق عنيد معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي لا يؤدي ما عليه من الحقوق ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة ﴿مُعْتَدٍ﴾ أي فيما ينفقه ويصرفه يتجاوز فيه الحد.\nوقال قتادة: معتد في منطقه وسيره وأمره ﴿مُرِيبٍ﴾ أي شاك في أمره مريب لمن نظر في أمره ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ أي أشرك بالله فعبد معه غيره ﴿فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ وقد تقدم في الحديث أن عنقا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين (^٣)، ثم تلوى عليهم، قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا معاوية هو ابن هشام، حدثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن نبي الله ﷺ أنه قال: «يخرج عنق من النار يتكلم يقول وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمرات جهنم».\n﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة وغيرهم: هو الشيطان الذي وكل به ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ أي يقول عن الإنسان الذي قد وافى القيامة كافرا يتبرأ منه شيطانه فيقول: ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ أي ما أضللته ﴿وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي بل كان هو في نفسه ضالا قابلا للباطل معاندا للحق، كما أخبر ﷾ في الآية الأخرى في قوله:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٤٢٢.\n(^٢) البيت لسويد بن كراع العكلي في لسان العرب (جزز)، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٢٣٩، وتاج العروس (جزز)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٨٣٩، والمخصص ٢/ ٥.\n(^٣) أخرجه الترمذي في صفة جهنم باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ٣٣٦.\n(^٤) المسند ٣/ ٤٠.","vol":"7","page":376},{"text":"﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nوقوله ﵎: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يقول الرب ﷿ للإنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى، فيقول الإنسي يا رب هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، ويقول الشيطان: ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي عن منهج الحق، فيقول الرب ﷿ لهما: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي عندي ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أي قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قال مجاهد: يعني قد قضيت ما أنا قاض ﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي لست أعذب أحدا إلا بذنب أحد ولكن لا أعذب أحد إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1862>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٠ إلى ٣٥]</span>\n﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) اُدْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)﴾\nيخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: هل امتلأت؟ وذلك أنه تبارك وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو ﷾ يأمر بمن يأمر به إليها ويلقى وهي تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر في سياق الآية وعليه تدل الأحاديث.\nقال البخاري (^١) عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثني حرمي بن عمارة، حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يلقى في النار وتقول هل من مزيد؟» حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن أنس ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة» (^٣) ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه، ورواه أبان العطار وسليمان التيمي عن قتادة بنحوه.\n_________\n(^١) تفسير سورة ٥٠، باب ١.\n(^٢) المسند ٣/ ٢٣٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٣٨.","vol":"7","page":377},{"text":"[حديث آخر] قال البخاري (^١): حدثنا محمد بن موسى القطان، حدثنا أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى بن مهدي، حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة ﵁، رفعه وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان: «يقال لجهنم هل امتلأت، وتقول هل من مزيد فيضع الرب ﵎ قدمه عليها فتقول قط قط» ورواه أبو أيوب وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين به.\n[طريق أخرى] قال البخاري (^٢): وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله ﷿ للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها فتقول قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله ﷿ من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ﷿ ينشئ لها خلقا آخر».\n[حديث آخر] قال مسلم (^٣) في صحيحه. حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «احتجت الجنة والنار فقالت النار: فيّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة فيّ ضعفاء الناس ومساكينهم فقضي بينهما فقال للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها» انفرد به مسلم دون البخاري من هذا الوجه والله ﷾ أعلم.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٤) من طريق أخرى عن أبي سعيد ﵁ بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا حسن وروح قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «افتخرت الجنة والنار فقالت النار يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين فيقول الله ﵎ للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة أنت رحمتي وسعت كل شيء ولكل واحدة منكما ملؤها فيلقى في النار أهلها فتقول هل من مزيد، قال ويلقى فيها وتقول هل من مزيد، ويلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يأتيها ﷿ فيضع قدمه عليها فتنزوي وتقول قدني قدني (^٥)، وأما الجنة فيبقى\n_________\n(^١) كتاب التفسير تفسير سورة ٥٠، باب ١، وأخرجه الترمذي في الجنة باب ٢٠.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٠، باب ١.\n(^٣) كتاب الجنة حديث ٣٤، ٣٥.\n(^٤) المسند ٣/ ١٣.\n(^٥) قدني، قدني: أي حسبي، حسبي.","vol":"7","page":378},{"text":"فيها ما شاء تعالى أن يبقى فينشئ الله ﷾ لها خلقا ما يشاء».\n[حديث آخر] وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثني عقبة بن مكرم، حدثنا يونس، حدثنا عبد الغفار بن القاسم عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «يعرفني الله تعالى نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى بها عني ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم، فيمرون أسرع من الطرف والسهم وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وأنا على الحوض» قيل: وما الحوض يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج. وأطيب ريحا من المسك، وآنيته أكثر من عدد النجوم لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدا ولا يصرف فيروى أبدا» (^١) وهذا القول هو اختيار ابن جرير.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الحماني عن نضر الخزاز عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قال: ما امتلأت قال تقول وهل فيّ من مكان يزاد في، وكذا رواه الحاكم بن أبان عن عكرمة ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ وهل في مدخل واحد قد امتلأت. قال الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي مريم أنه سمع مجاهدا يقول: لا يزال يقذف فيها حتى تقول قد امتلأت فتقول: هل من مزيد، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا فعند هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ إنما هو بعد ما يضع عليها قدمه فتنزوي وتقول حينئذ هل بقي في مزيد يسع شيئا؟ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: وذلك حين لا يبقى فيها موضع يسع إبرة، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قال قتادة وأبو مالك والسدي ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ أدنيت وقربت من المتقين ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وذلك يوم القيامة، وليس ببعيد لأنه واقع لا محالة وكل ما هو آت قريب ﴿هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ﴾ أي راجع تائب مقلع ﴿حَفِيظٍ﴾ أي يحفظ العهد فلا ينقضه ولا ينكثه، وقال عبيد بن عمير: الأواب الحفيظ الذي لا يجلس مجلسا فيقوم حتى يستغفر الله ﷿ ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي من خاف الله في سره حيث لا يراه أحد إلا الله ﷿ كقوله ﷺ: «ورجل ذكر الله تعالى خاليا، ففاضت عيناه» (^٢).\n﴿وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي ولقي الله ﷿ يوم القيامة بقلب منيب سليم إليه خاضع لديه\n_________\n(^١) انظر الدر المنثور ٦/ ١٢٧، ١٢٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ٣٦، والزكاة باب ١٦، ومسلم في الزكاة حديث ٩١، والترمذي في الزهد باب ٥٣، ومالك في الشعر حديث ١٤، وأحمد في المسند ٢/ ٤٣٩.","vol":"7","page":379},{"text":"﴿اُدْخُلُوها﴾ أي الجنة ﴿بِسَلامٍ﴾ قال قتادة سلموا من عذاب الله ﷿، وسلم عليهم ملائكة الله، وقوله ﷾: ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدا، ولا يظعنون أبدا ولا يبغون عنها حولا، وقوله جلت عظمته: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها﴾ أي مهما اختاروا وجدوا من أي أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة قال: من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم، قال كثير: لئن أشهدني الله تعالى ذلك لأقولن أمطرينا جواري مزينات.\nوفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال له: «إنك لتشتهي الطير في الجنة فيخر بين يديك مشويا» وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن عامر الأحول عن أبي بكر الصديق ﵁ عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة» (^٢) ورواه الترمذي وابن ماجة عن بندار عن معاذ بن هشام به. وقال الترمذي حسن غريب وزاد: كما يشتهي.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ كقوله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي أنها النظر إلى وجه الله الكريم.\nوقد روى البزار وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس بن مالك ﵁ في قوله ﷿: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قال: يظهر لهم الرب ﷿ في كل جمعة.\nوقد رواه الإمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعا فقال في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: أتى جبرائيل ﵊ بمرآة بيضاء فيها نكتة (^٣) إلى رسول الله فقال رسول الله ﷺ: «ما هذه؟» فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن، يدعو الله تعالى فيها بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد.\nقال النبي ﷺ: «يا جبريل وما يوم المزيد؟» قال ﵇: إن ربك ﵎ اتخذ في الفردوس واديا أفيح (^٤) فيه كثب المسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تعالى ما شاء من\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٩.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٢٣، وابن ماجة في الزهد باب ٣٩، والدارمي في الرقاق باب ١١٠.\n(^٣) النكتة: هي الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه.\n(^٤) الوادي الأفيح: الواسع.","vol":"7","page":380},{"text":"ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله ﷿: أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم ولكم علي ما تمنيتم ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم ﵎ من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة.\nهكذا أورده الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الجمعة من الأم، وله طرق عن أنس بن مالك ﵁، وقد أورد ابن جرير (^١) هذا الحديث من رواية عثمان بن عمير عن أنس ﵁ بأبسط من هذا، وذكر هاهنا أثرا مطولا عن أنس بن مالك ﵁ موقوفا وفيه غرائب كثيرة.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل في الجنة ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول، ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام فيسألها من أنت؟ فتقول أنا من المزيد وإنه ليكون عليها سبعون حلة أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب» وهكذا رواه عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1863>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾\nيقول تعالى: وكم أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي كانوا أكثر منهم وأشد قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: أثروا فيها. وقال مجاهد ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ ضربوا في الأرض وقال قتادة: فساروا في البلاد أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم أنتم فيها، ويقال لمن طوف في البلاد نقب فيها، قال امرؤ\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٤٣١.\n(^٢) المسند ٣/ ٧٥.","vol":"7","page":381},{"text":"القيس: [الوافر] لقد نقّبت في الآفاق حتى … رضيت من الغنيمة بالإياب (^١)\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره وهل نفعهم ما جمعوه ورد عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل فأنتم أيضا لا مفر لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص. وقوله ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى﴾ أي لعبرة ﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي لب يعي به وقال مجاهد: عقل ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي استمع الكلام فوعاه وتعقله بعقله وتفهمه بلبه، وقال مجاهد: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ يعني لا يحدث نفسه بغيره، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وقال شاهد بالقلب (^٢)، وقال الضحاك: العرب تقول ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه، وهو شاهد بقلب غير غائب (^٣)، وهكذا قال الثوري وغير واحد.\nوقوله ﷾: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ فيه تقرير للمعاد لأن من قدر على خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى، وقال قتادة: قالت اليهود-عليهم لعائن الله- خلق الله السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة فأنزل الله تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه ﴿وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي من إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال ﵎ في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] وكما قال ﷿: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧].\nوقوله ﷿: ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين اصبر عليهم واهجرهم هجرا جميلا ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل طلوع الشمس في وقت الفجر وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبا على النبي ﷺ وعلى أمته حولا ثم نسخ في حق الأمة وجوبه ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر فهما قبل طلوع\n_________\n(^١) يروى البيت: وقد نقبت في الأفاق حتى رضيت من السلامة بالإياب وهو لامرئ القيس في ديوانه ص ٤٣، ولسان العرب (نقب)، وجمهرة الأمثال ١/ ٤٨٤، والعقد الفريد ٣/ ١٢٦، والفاخر ص ٢٦٠، وكتاب الأمثال ص ٣٤٩، والمستقصى ٢/ ١٠٠، ومجمع الأمثال ١/ ٢٩٥، وتهذيب اللغة ٩/ ١٩٧، وتاج العروس (نقب)، وتفسير الطبري ١١/ ٤٣٢.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٣٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٤٣٣.","vol":"7","page":382},{"text":"الشمس وقبل الغروب.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله ﵄ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون فيه، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (^٢) ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة من حديث إسماعيل به.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي فصل له كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ قال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﵄: هو التسبيح بعد الصلاة.\nويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي ﷺ: «وما ذاك؟» قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال ﷺ: «أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين» قال: فقالوا يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله.\nفقال ﷺ: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (^٣) والقول الثاني أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ هما الركعتان بعد المغرب روي ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة ﵃ وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وغيرهم.\nقال الإمام أحمد (^٤) حدثنا وكيع وعبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر، وقال عبد الرحمن دبر كل صلاة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٦٥، ٣٦٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٠، باب ٢، ومسلم في المساجد حديث ٢١١، وأبو داود في السنة باب ١٩، والترمذي في الجنة باب ١٦، ١٧، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٥٥، والدعوات باب ١٧، ومسلم في المساجد حديث ١٤٢، والزكاة حديث ٥٣، وأبو داود في الوتر باب ٢٤، وابن ماجة في الإقامة باب ٣٢، والدارمي في الصلاة باب ٩٠، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٨، ٥/ ١٦٧، ١٦٨.\n(^٤) المسند ١/ ١٢٤.","vol":"7","page":383},{"text":"سفيان الثوري به، زاد النسائي ومطرف عن أبي إسحاق به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن فضيل عن رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: بت ليلة عند رسول الله ﷺ، فصلى ركعتين خفيفتين اللتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال يا ابن عباس «ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود» ورواه الترمذي عن أبي هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل به. وقال:\nغريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوحديث ابن عباس ﵄، وأنه بات في بيت خالته ميمونة ﵂، وصلى تلك الليلة مع النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة (^١) ثابت في الصحيحين وغيرهما. فأما هذه الزيادة فغريبة لا تعرف إلا من هذا الوجه ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس ﵄ موقوفا عليه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1864>[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ إلى ٤٥]</span>\n﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يا محمد ﴿يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قال قتادة: قال كعب الأحبار يأمر الله تعالى ملكا أن ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة، إن الله تعالى يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ يعني النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي من الأجداث ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ أي هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلاّ بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا﴾ وذلك أن الله ﷿ ينزل مطرا من السماء ينبت به أجساد الخلائق كلها في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور فإذا نفخ إسرافيل فيه خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله ﷿:\nوعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ وتنشق الأرض عنهم فيقومون إلى موقف الحساب سراعا مبادرين إلى أمر الله ﷿ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ٥٨.","vol":"7","page":384},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول من تنشق عنه الأرض» (^١)، وقوله ﷿: ﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ أي تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا كما قال ﷻ: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].\nوقال ﷾: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] وقوله جل وعلا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ أي نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهولنك ذلك كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩].\nوقوله ﵎: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك مما كلفت به. وقال مجاهد وقتادة والضحاك ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أي لا تتجبر عليهم، والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال: ولا تكن جبارا عليهم، وإنما قال:\n﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ بمعنى وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ، وقال الفراء:\nسمعت العرب تقول جبر فلان فلانا على كذا بمعنى أجبره، ثم قال ﷿: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ أي بلغ أنت رسالة ربك فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقوله ﷻ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ كان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعودك يا بار يا رحيم.\nآخر تفسير سورة ق والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الفضائل حديث ٣.","vol":"7","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1865>تفسيرسورة الذاريات</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1866>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ إلى ١٤]</span>\n﴿وَالذّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾\nقال شعبة بن الحجاج عن سماك عن خالد بن عرعرة أنه سمع عليا ﵁، وشعبة أيضا عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل أنه سمع عليا ﵁، وثبت أيضا من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى، ولا عن سنة عن رسول الله ﷺ إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء، فقال:\nيا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى: ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ قال علي ﵁، الريح، قال:\n﴿فَالْحامِلاتِ وِقْرًا﴾ قال ﵁: السحاب، قال: ﴿فَالْجارِياتِ يُسْرًا﴾ قال ﵁:\nالسفن، قال: ﴿فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا﴾ قال ﵁ الملائكة (^١).\nوقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، فأخبرني عن الذاريات ذروا، فقال ﵁: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قلته. قال: فأخبرني عن المقسمات أمرا، قال ﵁ هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن الجاريات يسرا، قال ﵁: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. ثم أمر بضربه فضرب مائة وجعل في بيت، فلما برأ دعا به فضربه مائة أخرى وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى ﵁، فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا، فكتب في ذلك إلى عمر ﵁، فكتب عمر: ما إخاله إلا قد صدق فخل بينه وبين مجالسة الناس.\nقال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٤٢، ٤٤٣.","vol":"7","page":386},{"text":"الحديث. قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر ﵁، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر ﵁، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا، والله أعلم. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة، وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر ﵃، ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد، ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك، وقد قيل إن المراد بالذاريات الريح كما تقدم، وبالحاملات وقرا السحاب كما تقدم، لأنها تحمل الماء كما قال زيد بن عمرو بن نفيل: [المتقارب] وأسلمت نفسي لمن أسلمت … له المزن تحمل عذبا زلالا (^١)\nفأما الجاريات يسرا فالمشهور عن الجمهور كما تقدم أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جريا سهلا، وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرا في أفلاكها ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق كذلك، والمقسمات أمرا الملائكة فوق ذلك تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية، وهذا قسم من الله ﷿ على وقوع المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ أي لخبر صدق ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ وهو الحساب ﴿لَواقِعٌ﴾ أي لكائن لا محالة.\nثم قال تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ﴾ قال ابن عباس ﵄: ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو صالح والسدي وقتادة وعطية العوفي والربيع بن أنس وغيرهم. وقال الضحاك والمنهال بن عمرو وغيرهما مثل تجعد الماء والرمل والزرع، إذا ضربته الريح فينسج بعضه بعضا طرائق، فذلك الحبك.\nقال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حبك حبك» يعني بالحبك الجعودة: وعن أبي صالح: ﴿ذاتِ الْحُبُكِ﴾ الشدة وقال خصيف: ﴿ذاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الصفاقة. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري:\nذات الحبك حبكت بالنجوم، وقال قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمرو البكالي عن عبد الله بن عمرو ﵄ ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ﴾ يعني السماء السابعة، وكأنه والله أعلم أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم.\nوكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد وهو الحسن والبهاء كما قال ابن عباس ﵄، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء متسعة الأرجاء أنيقة البهاء، مكللة\n_________\n(^١) البيت في سيرة ابن هشام ١/ ٢٣١.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٤٤٥.","vol":"7","page":387},{"text":"بالنجوم الثوابت والسيارات موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أي إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب لا يلتئم ولا يجتمع، وقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به.\n﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي إنما يروج على من هو ضال في نفسه، لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه، ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال غمر لا فهم له كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٢] قال ابن عباس ﵄ والسدي ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ يضل عنه من ضل. وقال مجاهد ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ يؤفن عنه من أفن، وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به. وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ﴾ قال مجاهد: الكذابون، قال: وهي مثل التي في عبس ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ﴾ أي لعن المرتابون.\nوهكذا كان معاذ ﵁ يقول في خطبته. هلك المرتابون. وقال قتادة: الخراصون أهل الغرة والظنون.\nوقوله ﵎: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغير واحد في الكفر والشك غافلون لاهون ﴿يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ وإنما يقولون هذا تكذيبا وعنادا وشكا واستبعادا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يعذبون. كما يفتن الذهب على النار، وقال جماعة آخرون كمجاهد أيضا وعكرمة وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم وسفيان الثوري: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ قال مجاهد: حريقكم، وقال غيره: عذابكم ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1867>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٥ إلى ٢٣]</span>\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المتقين لله ﷿ أنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال. وقوله تعالى: ﴿آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال ابن جرير: أي عاملين بما آتاهم الله من الفرائض ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في الأعمال أيضا (^١)، ثم روي عن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٥١.","vol":"7","page":388},{"text":"ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن أبي عمر عن مسلم البطين، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال: من الفرائض ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ قبل الفرائض يعملون، وهذا الإسناد ضعيف ولا يصح عن ابن عباس ﵄.\nوقد رواه عثمان بن أبي شيبة عن معاوية بن هشام عن سفيان، عن أبي عمر البزار عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ فذكره، والذي فسر به ابن جرير فيه نظر، لأن قوله ﵎: ﴿آخِذِينَ﴾ حال من قوله في ﴿جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذين ما آتاهم ربهم، أي من النعيم والسرور والغبطة.\nوقوله ﷿: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ﴾ أي في الدار الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ كقوله ﷻ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ثم إنه تعالى بين إحسانهم في العمل فقال جل وعلا: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ اختلف المفسرون في ذلك على قولين: [أحدهما] أن ﴿ما﴾ نافية تقديره كانوا قليلا من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس ﵄: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا، وقال قتادة عن مطرف بن عبد الله: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله ﷿، إما من أولها وإما من أوسطها. وقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون، وكذا قال قتادة، وقال أنس بن مالك ﵁ وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وقال أبو جعفر الباقر كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة، [والقول الثاني] أن ﴿ما﴾ مصدرية تقديره كانوا قليلا من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير.\nوقال الحسن البصري ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر، وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ كانوا لا ينامون إلا قليلا ثم يقول: لست من أهل هذه الآية. وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم يكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة صفة لا أجدها فينا ذكر الله تعالى قوما فقال: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم، فقال له أبي ﵁: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ.\nوقال عبد الله بن سلام ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول","vol":"7","page":389},{"text":"ما سمعته ﷺ يقول: «يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام».\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال:\n«إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها» فقال أبو موسى الأشعري ﵁: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ: «لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما والناس نيام» وقال معمر في قوله تعالى: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ كان الزهري والحسن يقولان كانوا كثيرا من الليل ما يصلون، وقال ابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ما ينامون. وقال الضحاك ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وهذا القول فيه بعد وتعسف.\nوقوله ﷿: ﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال مجاهد وغير واحد: يصلون وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار كما قال ﵎: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة ﵃، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر» وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارا عن يعقوب أنه قال لبنيه ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قالوا أخرهم إلى وقت السحر.\nوقوله ﵎: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة فقال: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ﴾ أي جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم. أما السائل فمعروف وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق كما قال الإمام أحمد (^٢):\nحدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«للسائل حق وإن جاء على فرس» (^٣) ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري به. ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب ﵁، وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعا.\nوأما المحروم فقال ابن عباس ﵄ ومجاهد: هو المحارف (^٤) الذي ليس له في\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٧٣.\n(^٢) المسند ١/ ٢٠١.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٣٣، والترمذي في القيامة باب ٤١.\n(^٤) المحارف، بفتح الراء: المحروم.","vol":"7","page":390},{"text":"الإسلام سهم، يعني لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها، وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ذلك. وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة ﵃: هذا المحروم وقال ابن عباس ﵄ أيضا وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر ﵄ وعطاء بن أبي رباح:\nالمحروم المحارف. وقال قتادة والزهري: المحروم الذي لا يسأل الناس شيئا.\nقال الزهري وقد قال رسول الله ﷺ: «ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه» (^١) وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر.\nوقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فيرضخ له. وقال محمد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز ﵁ في طريق مكة، فجاء كلب، فانتزع عمر ﵁ كتف شاة فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم، وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم، واختار ابن جرير (^٢) أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها. وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا، فجاء قوم لم يشهدوا الغنيمة، فنزلت هذه الآية ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وهذا يقتضي أن هذه مدنية وليس كذلك بل هي مكية شاملة لما بعدها.\nوقوله ﷿: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أي فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال ﷿: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة.\nثم قال تعالى: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ يعني المطر ﴿وَما تُوعَدُونَ﴾ يعني الجنة، قاله ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٥٣، ومسلم في الزكاة حديث ١٠١، والنسائي في الزكاة باب ٧٦، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٤، ٤٤٦، ٢/ ٣١٦، وانظر تفسير الطبري ١١/ ٤٥٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٥٨.","vol":"7","page":391},{"text":"عباس ﵄ ومجاهد وغير واحد. وقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ﴾ فقال: ألا إني أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا، فلما أن كان اليوم الثالث إذا هو بدوخلة (^١) من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق بينهما الموت (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون، وكان معاذ ﵁ إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك هاهنا، قال مسدد عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا» ورواه ابن جرير (^٣) عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن فذكره مرسلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1868>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ إلى ٣٠]</span>\n﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾\nهذه القصة قد تقدمت في سورة هود والحجر أيضا فقوله: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي الذين أرصد لهم الكرامة، وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل. وقوله تعالى: ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرده أفضل من التسليم ولهذا قال تعالى:\n﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] فالخليل اختار الأفضل.\nوقوله تعالى: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وذلك أن الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا عليه في صورة شبان حسان عليهم مهابة عظيمة ولهذا قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وقوله ﷿:\n﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ﴾ أي انسل خفية في سرعة ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أي من خيار ماله، وفي الآية الأخرى: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] أي مشوي على الرضف ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ أي أدناه منهم ﴿قالَ أَلا تَأْكُلُونَ؟﴾ تلطف في العبارة وعرض حسن، وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال: نأتيكم بطعام بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي،\n_________\n(^١) الدوخلة: النسيجة من خوص.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٦١.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٦٢.","vol":"7","page":392},{"text":"فقربه إليهم لم يضعه وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ هذا محال على ما تقدم في القصة في السورة الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧٠ - ٧١] أي استبشرت بهلاكهم لتمردهم وعتوهم على الله تعالى، فعند ذلك بشرتها الملائكة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢ - ٧٣] ولهذا قال الله ﷾ هاهنا: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ فالبشارة له هي بشارة لها. لأن الولد منها فكل منهما بشر به.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ أي في صرخة عظيمة ورنّة، قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم والثوري والسدي وهي قولها ﴿يا وَيْلَتى﴾ … ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَها﴾ أي ضربت بيدها على جبينها قاله مجاهد وابن سابط، وقال ابن عباس ﵄: لطمت أي تعجبا كما تتعجب النساء من الأمر الغريب ﴿وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أي كيف ألد وأنا عجوز وقد كنت في حال الصبا عقيما لا أحبل؟ ﴿قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ أي عليم بما تستحقون من الكرامة حكيم في أقواله وأفعاله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1869>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣١ إلى ٣٧]</span>\n﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾\nقال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم ﵊: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٤، ٧٦] وقال هاهنا: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي ما شأنكم وفيم جئتم ﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون قوم لوط ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً﴾ أي معلمة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي مكتتبة عنده بأسمائهم كل حجر عليه اسم صاحبه، فقال في سورة العنكبوت: ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] وقال تعالى هاهنا:\n﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته.","vol":"7","page":393},{"text":"﴿فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ احتج بهذه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس فاتفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أي جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين الذين ﴿يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1870>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اِسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٤٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي بدليل باهر وحجة قاطعة ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ أي فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين استكبارا وعنادا. وقال مجاهد: تعزز بأصحابه، وقال قتادة: غلب عدو الله على قومه، وقال ابن زيد ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ أي بجموعه التي معه ثم قرأ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ والمعنى الأول قوي كقوله تعالى: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الحج: ٩] أي معرض عن الحق مستكبر ﴿وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرا أو مجنونا قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ﴾ أي ألقيناهم ﴿فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي وهو ملوم كافر جاحد فاجر معاند.\nثم قال ﷿ ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ أي المفسدة التي لا تنتج شيئا قاله الضحاك وقتادة وغيرهما ولهذا قال تعالى: ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ أي مما تفسده الريح ﴿إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي كالشيء الهالك البالي، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، حدثني عبد الله يعني ابن عياش القتباني، حدثني عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الريح مسخرة من الثانية-يعني من الأرض الثانية-، فلما أراد الله تعالى أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا قال أي رب أرسل عليهم الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار ﵎ لا إذا تكفأ الأرض ومن عليها ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم فهي التي قال الله ﷿ في كتابه: ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ هذا الحديث رفعه منكر والأقرب أن يكون موقوفا على","vol":"7","page":394},{"text":"عبد الله بن عمرو ﵄ من زاملتيه (^١) اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم.\nقال سعيد بن المسيب وغيره في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ قالوا: هي الجنوب. وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» (^٢) ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ قال ابن جرير: يعني إلى وقت فناء آجالكم.\nوالظاهر أن هذه كقوله تعالى: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧] وهكذا قال هاهنا: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ﴾ أي من هرب ولا نهوض ﴿وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي لا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه. وقوله ﷿: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة من سور متعددة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1871>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٧ إلى ٥١]</span>\n﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾\nيقول تعالى منبها على خلق العالم العلوي والسفلي ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها﴾ أي جعلناها سقفا محفوظا رفيعا ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثوري وغير واحد ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي قد وسعنا أرجاءها فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها﴾ أي جعلناها فراشا للمخلوقات ﴿فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ أي وجعلناها مهدا لأهلها.\n﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أي جميع المخلوقات أزواج سماء وأرض وليل ونهار، وشمس وقمر وبر وبحر وضياء وظلام، وإيمان وكفر وموت وحياة وشقاء وسعادة وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ أي الجؤوا إليه واعتمدوا في أموركم عليه ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ. وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ أي لا تشركوا به شيئا ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1872>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٢ إلى ٦٠]</span>\n﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾\n_________\n(^١) الزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع.\n(^٢) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب ٢٦، ومسلم في الاستسقاء حديث ١٧.","vol":"7","page":395},{"text":"يقول تعالى مسليا لنبيه ﷺ وكما قال لك هؤلاء المشركون قال المكذبون الأولون لرسلهم:\n﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ قال الله ﷿:\n﴿أَتَواصَوْا بِهِ؟﴾ أي أوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أي لكن هم قوم طغاة تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم.\nقال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي فأعرض عنهم يا محمد ﴿فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ يعني فما نلومك على ذلك ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة، ثم قال ﷻ: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها. وهذا اختيار ابن جرير (^١) وقال ابن جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي إلا للعبادة، وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك، وقال الضحاك: المراد بذلك المؤمنون.\nوقوله تعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقرأني رسول الله ﷺ «إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين» (^٣) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حسن صحيح. ومعنى الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب. وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. فهو خالقهم ورازقهم. قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عمران-يعني ابن زائدة بن نشيط عن أبيه عن أبي خالد-هو الوالبي-عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى- «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٩٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد، باب ٣، وأبو داود في الحروف باب ٢٥، والترمذي في القرآن باب ٦.\n(^٣). ٢/ ٣٥٨.\n(^٤). ٢/ ٣٥٨.","vol":"7","page":396},{"text":"فقرك» (^١) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عمران بن زائدة، وقال الترمذي: حسن غريب.\nوقد روى الإمام أحمد عن وكيع وأبي معاوية عن الأعمش عن سلام بن شرحبيل: سمعت حبة وسواء ابني خالد يقولان: أتينا رسول الله ﷺ وهو يعمل عملا أو يبني بناء، وقال أبو معاوية: يصلح شيئا، فأعناه عليه فلما فرغ دعا لنا وقال: «لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ثم يعطيه الله ويرزقه» (^٢). وقد ورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ أي نصيبا من العذاب ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي فلا يستعجلوا ذلك فإنه واقع لا محالة ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ يعني يوم القيامة.\nآخر تفسير سورة الذاريات ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1873>تفسير سورة الطور</span>\nوهي مكية\nقال مالك عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه (^٣)، أخرجاه من طريق مالك.\nوقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» فطفت ورسول الله يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور (^٤).\n\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1874>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ إلى ١٦]</span>\n﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٣٠، وابن ماجة في الزهد باب ٢.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ١٤، وأحمد في المسند ٣/ ٤٦٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٢، باب ١، والأذان باب ١٠٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٢، باب ١.","vol":"7","page":397},{"text":"قسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم، فالطور هو الجبل الذي يكون فيه أشجار مثل الذي كلم الله عليه موسى وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا إنما يقال له جبل ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا ولهذا قال: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾.\nثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: «ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم» (^١) يعني يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، كذلك ذاك البيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وجد إبراهيم الخليل ﵊ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا روح بن جناح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «في السماء السابعة بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة، يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدا، ويولي عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة» هذا حديث غريب جدا، تفرد به روح بن جناح هذا وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي.\nوقد أنكر عليه هذا الحديث جماعة من الحفاظ، منهم الجوزجاني والعقيلي والحاكم أبو عبد الله النيسابوري وغيرهم، قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة ولا سعيد ولا الزهري.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٦، ومناقب الأنصار باب ٤٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٦٤، والنسائي في الصلاة باب ١، وأحمد في المسند ٤/ ٢٠٧، ٢٠٩، ٢١٠.","vol":"7","page":398},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة، أن رجلا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدا، وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري عن سماك، وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك ثم رواه ابن جرير عن أبي كريب عن طلق بن غنام، عن زائدة عن عاصم عن علي بن ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور قال: مسجد في السماء يقال له الضراح، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدا. ورواه من حديث أبي الطفيل عن علي بمثله وقال العوفي عن ابن عباس:\nهو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه. وكذا قال عكرمة ومجاهد والربيع بن أنس والسدي وغير واحد من السلف.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: «هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم» وزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس، فالله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ قال سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك عن خالد بن عرعرة عن علي ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ يعني السماء. قال سفيان ثم تلا ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد واختاره ابن جرير:\nوقال الربيع بن أنس: هو العرش، يعني أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه وهو مراد مع غيره كما قاله الجمهور.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش الذي ينزل الله منه المطر، الذي يحيي به الأجساد في قبورها يوم معادها، وقال الجمهور: هو هذا البحر، واختلف في معنى قوله المسجور فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله:\n﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ أي أضرمت فتصير نارا تتأجج محيطة بأهل الموقف. ورواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب. وروي عن ابن عباس وبه يقول سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهم. وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء ولا يسقى به زرع وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم.\nوعن سعيد بن جبير ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني المرسل، وقال قتادة: المسجور المملوء،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٤٨٠.","vol":"7","page":399},{"text":"واختاره ابن جرير (^١) ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء. وقيل: المراد به الفارغ.\nقال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمة عن ابن عباس في قوله تعالى:\n﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: الفارغ خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت: إن الحوض مسجور يعني فارغا. رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء. وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢)، ﵀، في مسنده فإنه قال: حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: «ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله ﷿».\nوقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان عن إسحاق بن راهويه عن يزيد، وهو ابن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي رؤوس الجبال، فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: «ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله ﷿» فيه رجل مبهم لم يسم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ هذا هو المقسم عليه أي الواقع بالكافرين كما قال في الآية الأخرى: ﴿ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ أي ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك. قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود عن صالح المري عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يعس في المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائما يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ ﴿وَالطُّورِ﴾ -حتى إذا بلغ- ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث مليا ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه ﵁.\nوقال الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن: حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان عن الحسن أن عمر قرأ ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ فربا لها ربوة عيد منها عشرين يوما. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكا. وعن ابن عباس: هو تشققها. وقال مجاهد: تدور دورا وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٤٨٣.\n(^٢) المسند ١/ ٥٣.","vol":"7","page":400},{"text":"معمر بن المثنى بيت الأعشى فقال: [البسيط] كأنّ مشيتها من بيت جارتها … مور السحابة لا ريث ولا عجل (^١)\n﴿وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا﴾ أي تذهب فتصير هباء منبثا وتنسف نسفا ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم وعقابه لهم ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي هم في الدنيا يخوضون في الباطل ويتخذون دينهم هزوا ولعبا ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أي يدفعون ويساقون ﴿إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ وقال مجاهد والشعبي ومحمد بن كعب والضحاك والسدي والثوري: يدفعون فيها دفعا ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي تقول لهم الزبانية ذلك تقريعا وتوبيخا ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ اِصْلَوْها﴾ أي ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي سواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها و﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ولا يظلم الله أحدا بل يجازي كلا بعمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1875>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ إلى ٢٠]</span>\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾\nأخبر الله تعالى عن حال السعداء فقال ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم من أصناف الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك ﴿وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ أي وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة التي فيها من السرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أي هذا بذاك تفضلا منه وإحسانا. وقوله تعالى:\n﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ قال الثوري عن حصين عن مجاهد عن ابن عباس السرر في الحجال، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه». وحدثنا أبي، أخبرنا هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة عنده\n_________\n(^١) البيت في ديوان الأعشى ص ١٠٥، ولسان العرب (مور)، وتهذيب اللغة ١/ ٣٧٢، ٢/ ٢٥٦، وتاج العروس (مور)","vol":"7","page":401},{"text":"من أزواجه وخدمه، وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا، ومعنى ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ أي وجوه بعضهم إلى بعض كقوله ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي وجعلنا لهم قرينات صالحات وزوجات حسانا من الحور العين، وقال مجاهد ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ أنكحناهم بحور عين، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته هاهنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1876>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢١ إلى ٢٨]</span>\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ اِمْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾\nيخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا قال: ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nورواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري به، وكذا رواه ابن جرير من حديث شعبة عن عمرو بن مرة به، ورواه البزار عن سهل بن بحر عن الحسن بن حماد الوراق، عن قيس بن الربيع عن عمرو بن مرة عن سعيد عن ابن عباس مرفوعا، فذكره ثم قال وقد رواه الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد عن ابن عباس موقوفا، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي، أخبرني محمد بن شعيب، أخبرني شيبان، أخبرني ليث عن حبيب بن أبي ثابت الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا.\nوقال الحافظ الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا محمد بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٤٨٨.","vol":"7","page":402},{"text":"عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أظنه عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به» وقرأ ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ﴾ الآية.\nوقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية يقول: والذين أدرك ذريتهم الإيمان فعملوا بطاعتي ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم (^١)، وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذاك مفسر أصرح من هذا، وهكذا يقول الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وأبو صالح والربيع بن أنس والضحاك وابن زيد، وهو اختيار ابن جرير وقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي قال: سألت خديجة النبي ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ: «هما في النار» فلما رأى الكراهية في وجهها قال: «لو رأيت مكانهما لأبغضتهما» قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: «في الجنة» قال: ثم قال رسول الله ﷺ:\n«إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار» ثم قرأ رسول الله ﷺ «والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم» (^٢) الآية.\nهذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء فقد قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك» (^٤) إسناده صحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ لما أخبر عن مقام الفضل وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل وهو أنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد فقال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي مرتهن بعمله لا يحمل عليه ذنب\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٨٨.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٣٥.\n(^٣) المسند ٢/ ٥٠٩.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في الأدب باب ١.\n(^٥) أخرجه مسلم في الوصية حديث ١٤، وأبو داود في الوصايا باب ١٤، والترمذي في الأحكام باب ٣٦، والنسائي في الوصايا باب ٨، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٦، ٣٥٠.","vol":"7","page":403},{"text":"غيره من الناس، سواء كان أبا أو ابنا كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤٠] وقوله: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أي وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى مما يستطاب ويشتهى.\nوقوله: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أي يتعاطون فيها كأسا أي من الخمر، قاله الضحاك ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ أي لا يتكلمون فيها بكلام لاغ أي هذيان ولا إثم أي فحش كما يتكلم به الشربة من أهل الدنيا، وقال ابن عباس: اللغو الباطل والتأثيم الكذب، وقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون.\nوقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، كما تقدم فنفى عنها صداع الرأس ووجع البطن وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة المتضمن هذيانا وفحشا، وأخبر بحسن منظرها وطيب طعمها ومخبرها فقال: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٦ - ٤٧] وقال: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] وقال هاهنا ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة، كأنهم اللؤلؤ الرطب المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحادث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم ﴿قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ أي قد كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أي فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أي نتضرع إليه فاستجاب لنا وأعطانا سؤلنا ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.\nوقد ورد في هذا المقام حديث رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده فقال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن دينار، حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان، فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله ﷿ فغفر لنا» ثم قال البزار: لا نعرفه يروى إلا بهذا الإسناد.\nقلت: وسعيد بن دينار الدمشقي؟ قال أبو حاتم: هو مجهول وشيخه الربيع بن صبيح، قد تكلم فيه غير واحد من جهة حفظه وهو رجل صالح ثقة في نفسه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا","vol":"7","page":404},{"text":"عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة أنها قرأت هذه الآية ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ فقالت: اللهم من علينا وقنا عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم. قيل للأعمش في الصلاة؟ قال: نعم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1877>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٩ إلى ٣٤]</span>\n﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه بأن يبلغ رسالته إلى عباده، وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه، ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والفجور فقال: ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ أي لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار قريش، والكاهن الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء ﴿وَلا مَجْنُونٍ﴾ وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس. ثم قال تعالى منكرا عليهم في قولهم في الرسول ﷺ ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي قوارع الدهر، والمنون الموت، يقولون ننظره ونصبر عليه حتى يأتيه الموت فنستريح منه ومن شأنه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي انتظروا فإني منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.\nقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﵄: أن قريشا لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من هلك قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم، فأنزل الله تعالى ذلك من قولهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (^١).\nثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا﴾ أي عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقاويل الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أي ولكن هم قوم طاغون ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أي اختلقه وافتراه من عند نفسه يعنون القرآن، قال الله تعالى: ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أي إن كانوا صادقين في قولهم تقوله وافتراه، فليأتوا بمثل ما جاء به محمد ﷺ من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس ما جاءوا بمثله،\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٤٩٤.","vol":"7","page":405},{"text":"ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1878>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٥ إلى ٤٣]</span>\n﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾\nهذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ أي أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم، أي لا هذا ولا هذا بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، قال البخاري (^١): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال: حدثوني عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير (^٢)، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق عن الزهري به. وجبير بن مطعم كان قد قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركا، فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ أي أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له، ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك بل الله ﷿ هو المالك المتصرف الفعال لما يريد.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أي مرقاة إلى الملأ الأعلى ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، أي وليس لهم سبيل إلى ذلك فليسوا على شيء وليس لهم دليل، ثم قال منكرا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات وجعلهم الملائكة إناثا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، بحيث إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله وعبدوهم مع الله فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد.\n﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا﴾ أي أجرة إبلاغك إياهم رسالة الله، أي لست تسألهم على ذلك شيئا\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٢، باب ١.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الإقامة باب ٩.","vol":"7","page":406},{"text":"﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أي فهم من أدنى شيء يتبرمون منه ويثقلهم ويشق عليهم ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بقولهم هذا في الرسول وفي الدين غرور الناس وكيد الرسول وأصحابه، فكيدهم إنما يرجع وباله على أنفسهم فالذين كفروا هم المكيدون ﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله، ثم نزه نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون فقال: ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1879>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٩]</span>\n﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ أي عليهم يعذبون به لما صدقوا، ولما أيقنوا بل يقولون: هذا سحاب مركوم، أي متراكم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥]. وقال الله تعالى ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي دعهم يا محمد ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وذلك يوم القيامة ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أي لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجزي عنهم يوم القيامة شيئا ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ﴾ أي قبل ذلك في الدار الدنيا كقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١].\nولهذا قال تعالى: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي نعذبهم في الدنيا ونبتليهم فيها بالمصائب لعلهم يرجعون وينيبون فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلى عنهم مما كانوا فيه، عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه كما جاء في بعض الأحاديث «إن المنافق إذا مرض وعوفي مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أرسلوه» وفي الأثر الإلهي: كم أعصيك ولا تعاقبني؟ قال الله تعالى: يا عبدي كم أعافيك وأنت لا تدري؟ وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ أي اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا والله يعصمك من الناس. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال الضحاك: أي إلى الصلاة. سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك (^١).\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٥٠٠.","vol":"7","page":407},{"text":"وقد روي مثله عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما، وروى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول: هذا في ابتداء الصلاة، ورواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد وغيره، عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك (^١).\nوقال أبو الجوزاء ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي من نومك من فراشك، واختاره ابن جرير ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد (^٢)، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية. حدثنا عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: «من تعارّ (^٣) من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nثم قال، رب اغفر لي-أو قال ثم دعا-استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته» (^٤) وأخرجه البخاري في صحيحه وأهل السنن من حديث الوليد بن مسلم به. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: من كل مجلس وقال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال:\nسبحانك اللهم وبحمدك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبي رباح أنه حدثه عن قول الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ يقول حين تقوم من كل مجلس إن كنت أحسنت ازددت خيرا، وإن كنت غير ذلك كان هذا كفارة له.\nوقد قال عبد الرزاق في جامعه: أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عثمان الفقير، أن جبريل علم النبي ﷺ إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، قال معمر: وسمعت غيره يقول هذا القول كفارة المجالس وهذا مرسل، وقد وردت أحاديث مسندة من طرق يقوي بعضها بعضا بذلك، فمن ذلك حديث ابن جريج عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر الله له ما كان في مجلسه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ٦٥، والوتر باب ١٩، والنسائي في الافتتاح باب ١٨، وابن ماجة في الإقامة باب ١، والدارمي في الصلاة باب ٣٣، وأحمد في المسند ٣/ ٥٠، ٦٩.\n(^٢) المسند ٥/ ٣١٣.\n(^٣) تعار: أي استيقظ.\n(^٤) أخرجه البخاري في التهجد باب ٢١، والترمذي في الدعوات باب ٢٦، وابن ماجة في الدعاء باب ١٦، والدارمي في الاستئذان باب ٥٣.","vol":"7","page":408},{"text":"ذلك» (^١) رواه الترمذي، وهذا لفظه والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال إسناد على شرط مسلم، إلا أن البخاري علله، قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج، على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه، ورواه أبو داود، واللفظ له والنسائي والحاكم في المستدرك من طريق الحجاج بن دينار عن هاشم، عن أبي العالية عن أبي برزة الأسلمي، قال: كان رسول الله ﷺ يقول بآخر عمره: إذا أراد أن يقوم من المجلس «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». فقال رجل: يا رسول الله، إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى، قال: «كفارة لما يكون في المجلس» وقد روي مرسلا عن أبي العالية، فالله أعلم.\nوهكذا رواه النسائي والحاكم من حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ مثله سواء، وروي مرسلا أيضا والله أعلم، وكذا رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو أنه قال: «كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر، إلا ختم له بهن كما يختم بالخاتم على الصحيفة:\nسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة وصححه، ومن رواية جبير بن مطعم، ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلهم عن النبي ﷺ، وقد أفردت لذلك جزءا على حدة بذكر طرقه وألفاظه وعلله، وما يتعلق به ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ قد تقدم في حديث ابن عباس، أنهما الركعتان اللتان قبيل صلاة الفجر، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم أي عند جنوحها للغيبوبة. وقد روى ابن سيلان عن أبي هريرة مرفوعا «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل» (^٢) يعني ركعتي الفجر، رواه أبو داود. ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب الإمام أحمد القول بوجوبهما، وهو ضعيف الحديث «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل علي غيرها قال: «لا إلا أن تطوع» (^٣) وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ على شيء من\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٢٧، والترمذي في الدعوات باب ٣٢.\n(^٢) أخرجه أبو داود في التطوع باب ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٤٠٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٤، والصوم باب ١، والحيل باب ٣، ومسلم في الإيمان حديث ٨، وأبو داود في الصلاة باب ١، والترمذي في الزكاة باب ٢.","vol":"7","page":409},{"text":"النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر (^١)، وفي لفظ لمسلم «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (^٢).\n\nآخر تفسير سورة الطور ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1880>تفسير سورة النجم</span>\nوهي مكية\nقال البخاري: حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد-يعني الزبيدي-حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد عن عبد الله قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ قال: فسجد النبي ﷺ وسجد من خلفه، إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا وهو أمية بن خلف (^٣)، وقد رواه البخاري أيضا في مواضع ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن أبي إسحاق به، وقوله في الممتنع إنه أمية بن خلف في هذه الرواية مشكل، فإنه قد جاء من غير هذه الطريق أنه عتبة بن ربيعة.\n\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1881>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤)﴾\nقال الشعبي وغيره: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق، رواه ابن أبي حاتم: واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ فقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: يعني بالنجم الثريا إذا سقط مع الفجر، وكذا روي عن ابن عباس وسفيان الثوري واختاره ابن جرير (^٤)، وزعم السدي أنها الزهرة، وقال الضحاك ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ إذا رمي به الشياطين وهذا القول له اتجاه. وروى الأعمش عن مجاهد في قوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التهجد باب ٢٧.\n(^٢) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٩٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٢٩، وتفسير سورة ٥٣، باب ٤، والمغازي باب ٨، ومسلم في المساجد حديث ١٠٥، ١٠٦، وأبو داود في السجود باب ٣، والنسائي في الافتتاح باب ٤٩، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٨، ٤٣٧، ٤٤٣.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٥٠٣.","vol":"7","page":410},{"text":"﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ يعني القرآن إذا نزل، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠].\nوقوله تعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول ﷺ بأنه بارّ راشد تابع للحق ليس بضال، وهو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي هو العالم بالحق، العادل عنه قصدا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشرعه، عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود. وعن علم الشيء وكتمانه، والعمل بخلافه، بل هو صلوات الله وسلامه عليه وما بعثه به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ أي ما يقول قولا عن هوى وغرض ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ أي إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان كما رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين-أو مثل أحد الحيين-ربيعة ومضر» فقال رجل: يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر؟ قال: «إنما أقول ما أقول».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرنا الوليد بن عبد الله عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب. فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق» (^٣) ورواه أبو داود عن مسدد وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:\n«ما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه» ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يونس، حدثنا ليث عن محمد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أقول إلا حقا قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٥٧، ٢٦١، ٢٦٧.\n(^٢) المسند ٢/ ١٦٢، ١٩٢.\n(^٣) أخرجه أبو داود في العلم باب ٣، والدارمي في المقدمة باب ٤٣.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٤٠، ٣٦٠.","vol":"7","page":411},{"text":"يا رسول الله؟ قال: «إني لا أقول إلا حقا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1882>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥ إلى ١٨]</span>\n﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله محمد ﷺ أنه علمه الذي جاء به إلى الناس ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾ وهو جبريل ﵊، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] وقال هاهنا ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي ذو قوة، قاله مجاهد والحسن وابن زيد. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. ولا منافاة بين القولين فإنه ﵇ ذو منظر حسن وقوة شديدة.\nوقد ورد في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر وأبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» (^٢) وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَوى﴾ يعني جبريل ﵇، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ يعني جبريل استوى في الأفق الأعلى، قاله عكرمة وغير واحد. قال عكرمة: والأفق الأعلى الذي يأتي منه الصبح. وقال مجاهد هو مطلع الشمس. وقال قتادة: هو الذي يأتي منه النهار، وكذا قال ابن زيد وغيرهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مصرف بن عمرو اليامي أبو القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن طلحة بن مصرف، حدثني أبي عن الوليد هو ابن قيس عن إسحاق بن أبي الكهتلة، أظنه ذكره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ لم ير جبريل في صورته إلا مرتين: أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق. وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد فذلك قوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ وقد قال ابن جرير هاهنا قولا لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى ﴿فَاسْتَوى﴾ أي هذا الشديد القوي ذو المرة هو ومحمد ﷺ بالأفق الأعلى، أي استويا جميعا بالأفق الأعلى وذلك ليلة الإسراء، كذا قال ولم يوافقه أحد على ذلك، ثم شرع يوجه ما قال من حيث العربية فقال وهو كقوله تعالى:\n﴿أَإِذا كُنّا تُرابًا وَآباؤُنا﴾ فعطف بالآباء على المكنى في كنا من غير إظهار نحن فكذلك قوله ﴿فَاسْتَوى﴾ وهو، قال وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده: [الطويل]\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في البر باب ٥٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٢٤، والترمذي في الزكاة باب ٢٣، والنسائي في الزكاة باب ٩٠، وابن ماجة في الزكاة باب ٢٦، والدارمي في الزكاة باب ١٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٤، ١٩٢، ٣٧٧، ٣٨٩، ٤/ ٦٢، ٥/ ٣٧٥.","vol":"7","page":412},{"text":"ألم تر أن النّبع يصلب عوده … ولا يستوي والخروع المتقصّف (^١)\nوهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها، ورسول الله ﷺ في الأرض، فهبط عليه جبريل ﵇ وتدلى إليه فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى يعني ليلة الإسراء، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعد ما جاءه جبريل ﵇ أول مرة، فأوحى الله إليه صدر سورة ﴿اِقْرَأْ﴾، ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي ﷺ فيها مرارا ليتردى من رؤوس الجبال. فكلما هم بذلك ناداه جبريل من الهواء، يا محمد أنت رسول الله حقا وأنا جبريل، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه، وكلما طال عليه الأمر عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل ورسول الله ﷺ بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح قد سد عظم خلقه الأفق، فاقترب منه وأوحى إليه عن الله ﷿ ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة الملك الذي جاءه بالرسالة وجلالة قدره وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه.\nفأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حيث قال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل ﵇ فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها كوكرى الطير فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر. فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلى جبريل كأنه حلس لاط فعرفت فضل علمه بالله علي. وفتح لي باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرفة الدر والياقوت. وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحي» ثم قال البزار:\n«لا يرويه إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلا مشهورا من أهل البصرة.\n(قلت) الحارث بن عبيد هذا هو أبو قدامة الإيادي أخرج له مسلم في صحيحه إلا أن ابن معين ضعفه، وقال: ليس هو بشيء، وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كثر وهمه فلا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، فهذا الحديث من غرائب رواياته، فإن فيه نكارة وغرابة ألفاظ وسياقا عجيبا ولعله منام، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حجاج، حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله أنه قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق،\n_________\n(^١) البيت لجرير في ديوانه ص ٢٩٨، وبلا نسبة في أساس البلاغة (قصف)، وتفسير الطبري ١١/ ٥٠٦.\n(^٢). ١/ ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٠٧.","vol":"7","page":413},{"text":"يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم. انفرد به أحمد. وقال أحمد (^١):\nحدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس بن منبه عن وهب بن منبه عن ابن عباس قال: سأل النبي ﷺ جبريل أن يراه في صورته فقال: ادع ربك، فدعا ربه ﷿ فطلع عليه سواد من قبل المشرق فجعل يرتفع وينتشر، فلما رآه النبي ﷺ صعق فأتاه فنعشه ومسح البزاق عن شدقه، تفرد به أحمد.\nوقد رواه ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب من طريق محمد بن إسحاق عن عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه عن هبار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام فتجهزت معهما، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينه في ربه ﷾، فانطلق حتى أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد هو يكفر بالذي دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال النبي ﷺ: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه فقال:\nيا بني ما قلت له، فذكر له ما قال له، قال: فما قال لك؟ قال: قال: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» قال: يا بني والله ما آمن عليك دعاءه، فسرنا حتى نزلنا الشراة وهي مأسدة ونزلنا إلى صومعة راهب فقال الراهب: يا معشر العرب، ما أنزلكم هذه البلاد فإنها تسرح الأسد فيها كما تسرح الغنم. فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة، والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة وافرشوا لا بني عليها ثم افرشوا حولها، ففعلنا فجاء الأسد فشم وجوهنا فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة فإذا هو فوق المتاع، فشم وجهه ثم هزمه هزمة ففضخ رأسه فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد.\nوقوله تعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ أي فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض حتى كان بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين، أي بقدرهما إذا مدا، قاله مجاهد وقتادة وقد قيل إن المراد بذلك بعد ما بين وتر القوس إلى كبدها. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَدْنى﴾ قد تقدم أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] أي ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها أو تزيد عليها في الشدة والقسوة وكذا قوله: ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] وقوله: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أي ليسوا أقل منها بل هم مائة ألف حقيقة أو يزيدون عليها. فهذا تحقيق للمخبر به لا شك ولا تردد فإن هذا ممتنع وهكذا هاهنا هذه الآية ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد صلى الله تعالى عليه\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٢٢.","vol":"7","page":414},{"text":"وسلم إنما هو جبريل ﵇، وهو قول أم المؤمنين عائشة وابن مسعود وأبي ذر وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريبا إن شاء الله تعالى.\nوروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: «رأى محمد ربه بفؤاده مرتين» (^١) فجعل هذه إحداهما، وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء: «ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى»، ولهذا قد تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صح فهو محمول على وقت آخر وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ فهذه هي ليلة الإسراء والأولى كانت في الأرض.\nوقد قال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود في هذه الآية ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت جبريل له ستمائة جناح».\nوقال ابن وهب: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة ﵂ قالت:\nكان أول شأن رسول الله ﷺ أنه رأى في منامه جبريل بأجياد (^٣)، ثم إنه خرج ليقضي حاجته فصرخ به جبريل: يا محمد يا محمد! فنظر رسول الله يمينا وشمالا فلم ير أحدا ثلاثا، ثم رفع بصره فإذا هو ثاني إحدى رجليه مع الأخرى على أفق السماء فقال يا محمد جبريل جبريل يسكنه. فهرب النبي ﷺ حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئا، ثم خرج من الناس ثم نظر فرآه فدخل في الناس فلم ير شيئا، ثم خرج فنظر فرآه، فذلك قول الله ﷿ ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ -إلى قوله- ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ يعني جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ ويقولون: القاب نصف إصبع، وقال بعضهم: ذراعين كان بينهما، رواه ابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر شاهدا لهذا.\nوروى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة عن الشيباني قال: سألت زرا عن قوله: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ قال: حدثنا عبد الله أن محمدا ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٨٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٠٨.\n(^٣) أجياد: موضع بأسفل مكة.\n(^٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٣، في الترجمة.","vol":"7","page":415},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني ابن بزيع البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض، فعلى ما ذكرناه يكون قوله: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ معناه فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل، وكلا المعنيين صحيح. وقد ذكر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ قال: أوحى الله إليه ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ [الضحى: ٦]- ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] وقال غيره: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.\nوقوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ قال مسلم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين، وكذا رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس مثله، وكذا قال أبو صالح والسدي وغيرهما: إنه رآه بفؤاده مرتين (^٢)، وقد خالفه ابن مسعود وغيره. وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة ﵃، وقول البغوي في تفسيره وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة فيه نظر والله أعلم.\nوقال الترمذي (^٣): حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان، حدثنا يحيى بن كثير العنبري عن سلمة بن جعفر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال:\nويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. ثم قال: حسن غريب. وقال أيضا: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: لقي ابن عباس كعبا بعرفة فسأله عن شيء فكبر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين.\nوقال مسروق: دخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربه، فقالت: لقد تكلمت بشيء قفّ له شعري فقلت: رويدا، ثم قرأت ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ فقالت: أين يذهب بك إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمدا رأى ربه أو كنتم شيئا مما أمر به أو يعلم الخمس التي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥١١.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٨٦.\n(^٣) تفسير سورة ٥٣، باب ٤.","vol":"7","page":416},{"text":"قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فقد أعظم على الله الفرية ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد وله ستمائة جناح قد سد الأفق.\nوقال النسائي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد عليهم الصلاة والسلام؟ وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﵌: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أني أراه» (^١) وفي رواية «رأيت نورا» (^٢) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال:\nقالوا: يا رسول الله رأيت ربك؟ قال: «رأيته بفؤادي مرتين» ثم قرأ ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ ورواه ابن جرير (^٣) عن ابن حميد عن مهران عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قلنا يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: «لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرتين» ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾.\nثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرني عباد بن منصور قال: سألت عكرمة عن قوله: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ فقال عكرمة: تريد أن أخبرك أنه قد رآه، قلت نعم، قال: قد رآه ثم قد رآه، قال: فسألت عنه الحسن فقال: قد رأى جلاله وعظمته ورداءه، وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن مجاهد، حدثنا أبو عامر العقدي، أخبرنا أبو خلدة عن أبي العالية قال: سئل رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: «رأيت نهرا ورأيت وراء النهر حجابا، ورأيت وراء الحجاب نورا لم أر غير» وذلك غريب جدا.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٤): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ربي ﷿» فإنه حديث إسناده على شرط الصحيح، لكنه مختصر من حديث المنام كما رواه الإمام أحمد (^٥) أيضا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني ربي الليلة في أحسن صورة-أحسبه يعني في النوم-فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قال: قلت لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩١.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٥١٠.\n(^٤) المسند ١/ ٢٩٠.\n(^٥) المسند ١/ ٣٦٨.","vol":"7","page":417},{"text":"ثديي-أو قال نحري-فعلمت ما في السموات وما في الأرض. ثم قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قال: قلت نعم، يختصمون في الكفارات والدرجات، قال:\nوما الكفارات والدرجات؟ قال: قلت المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: قل يا محمد إذا صليت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون قال: والدرجات بذل الطعام وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام» وقد تقدم في آخر سورة ﴿ص﴾ عن معاذ نحوه.\nوقد رواه ابن جرير (^١) من وجه آخر عن ابن عباس وفيه سياق آخر وزيادة غريبة فقال:\nحدثني أحمد بن عيسى التميمي، حدثني سليمان بن عمر بن سيار، حدثني أبي عن سعيد بن زربي عن عمر بن سليمان، عن عطاء عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: «رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت لا يا رب، فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السموات والأرض فقلت يا رب في الدرجات والكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فقلت يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما وفعلت وفعلت فقال ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أفعل بك ألم أفعل بك؟ قال فأفضى إلي بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها قال فذاك قوله في كتابه: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي» إسناده ضعيف.\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر بسنده إلى هبار بن الأسود ﵁ أن عتبة بن أبي لهب لما خرج في تجارة إلى الشام قال لأهل مكة اعلموا أني كافر بالذي دنا فتدلى، فبلغ قوله رسول الله ﷺ فقال: سلط الله عليه كلبا من كلابه. قال هبار: فكنت معهم فنزلنا بأرض كثيرة الأسد، قال فلقد رأيت الأسد جاء فجعل يشم رؤوس القوم واحدا واحدا حتى تخطى إلى عتبة فاقتطع رأسه من بينهم. وذكر ابن إسحاق وغيره في السيرة أن ذلك كان بأرض الزرقاء وقيل بالسراة، وأنه خالف ليلتئذ، وأنهم جعلوه بينهم وناموا من حوله فجاء الأسد فجعل يزأر ثم تخطاهم إليه فضغم رأسه لعنه الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله ﷺ فيها جبريل على صورته التي خلقه الله عليها وكانت ليلة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥١٠.","vol":"7","page":418},{"text":"الإسراء. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الإسراء بطرقها وألفاظها في أول سورة ﴿سُبْحانَ﴾ بما أغنى عن إعادته هاهنا، وتقدم أن ابن عباس ﵄ كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء ويستشهد بهذه الآية، وتابعه جماعة من السلف والخلف، وقد خالفه جماعات من الصحابة ﵃ والتابعين وغيرهم.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ قال:\nقال رسول الله ﷺ «رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتثر من ريشه التهاويل (^٢) من الدر والياقوت» وهذا إسناد جيد قوي، وقال أحمد (^٣) أيضا: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عن عبد الله قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل من الدر والياقوت ما الله به أعلم. إسناده حسن أيضا.\nوقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين، حدثني عاصم بن بهدلة قال، سمعت شقيق بن سلمة يقول: سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ: «رأيت جبريل على سدرة المنتهى وله ستمائة جناح» سألت عاصما عن الأجنحة فأبى أن يخبرني، قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب، وهذا أيضا إسناد جيد.\nوقال أحمد (^٥): حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين، حدثنا عاصم بن بهدلة حدثني شقيق بن سلمة قال: سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل ﵇ في خضر معلق به الدر» إسناد جيد أيضا.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا يحيى عن إسماعيل، حدثنا عامر قال: أتى مسروق عائشة فقال يا أم المؤمنين هل رأى محمد ﷺ ربه ﷿؟ قالت: سبحان الله لقد قفّ شعري لما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. ومن أخبرك\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤٦٠.\n(^٢) التهاويل: الأشياء المختلفة الألوان.\n(^٣) المسند ١/ ٣٩٥.\n(^٤) المسند ١/ ٤٠٧.\n(^٥) المسند ١/ ٤٠٧.\n(^٦) المسند ٦/ ٤٩، ٥٠.","vol":"7","page":419},{"text":"أن محمدا قد كتم فقد كذب، ثم قرأت ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين.\nوقال الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق قال: كنت عند عائشة فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ فقالت: أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله ﷺ عنها فقال: «إنما ذاك جبريل» لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطا من السماء إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض (^٢)، أخرجاه في الصحيحين من حديث الشعبي به.\n[رواية أبي ذر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان حدثنا همام: حدثنا قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأى ربه ﷿؟ فقال: إني قد سألته فقال: «قد رأيته نورا أني أراه» هكذا وقع في رواية الإمام أحمد وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أني أراه» (^٤). وقال حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: قلت: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألته فقال «رأيت نورا» (^٥) وقد حكى الخلال في علله أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث فقال: ما زلت منكرا له وما أدري ما وجهه.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون الواسطي، أخبرنا هشيم عن منصور عن الحكم عن إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر قال: رآه بقلبه ولم يره بعينه، وحاول ابن خزيمة أن يدعي انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وبين أبي ذر، وأما ابن الجوزي فتأوله على أن أبا ذر لعله سأل رسول الله ﷺ قبل الإسراء فأجابه بما أجابه به، ولو سأله بعد الإسراء لأجابه بالإثبات، وهذا ضعيف جدا، فإن عائشة أم المؤمنين ﵂ قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يثبت لها الرؤية، ومن قال إنه خاطبها على قدر عقلها أو حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه كابن خزيمة في كتاب التوحيد، فإنه هو المخطئ والله أعلم. وقال النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشام عن منصور عن الحكم عن يزيد بن شريك عن أبي ذر قال: رأى\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٢٣٦، ٢٤١.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٣، باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٨٧.\n(^٣) المسند ٥/ ١٤٧.\n(^٤) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩١.\n(^٥) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٢.","vol":"7","page":420},{"text":"رسول الله ﷺ ربه بقلبه ولم يره ببصره.\nوقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن مسهر، عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قال رأى جبريل ﵇ (^١).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته مرتين، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ قد تقدم في أحاديث الإسراء أنه غشيتها الملائكة مثل الغربان وغشيها نور الرب وغشيتها ألوان ما أدري ما هي؟ وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا مالك بن مغول، حدثنا الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة عن عبد الله هو ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ قال فراش من ذهب، قال:\nوأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات (^٣). انفرد به مسلم (^٤).\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره-شك أبو جعفر- قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى إلى السدرة، فقيل له إن هذه السدرة، فغشيها نور الخلاق وغشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجر، وقال فكلمه عند ذلك فقال له سل.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ قال كان أغصان السدرة لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا، فرآها النبي ﷺ ورأى ربه بقلبه، وقال ابن زيد قيل: يا رسول الله أي شيء رأيت يغشى تلك السدرة؟ قال: «رأيت يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله ﷿».\nوقوله تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ قال ابن عباس ﵄: ما ذهب يمينا ولا شمالا ﴿وَما طَغى﴾ ما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة فإنه ما فعل إلا ما أمر به ولا سأل فوق ما أعطي، وما أحسن ما قال الناظم:\nرأى جنة المأوى وما فوقها ولو … رأى غيره ما قد رآه لتاها\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ كقوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ [طه:٢٣] أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا، وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٨٣.\n(^٢) المسند ١/ ٤٢٢.\n(^٣) المقحمات: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار.\n(^٤) كتاب الإيمان حديث ٢٧٩.","vol":"7","page":421},{"text":"تلك الليلة لم تقع لأنه قال: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة سبحان.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة عن الوليد بن قيس عن إسحاق بن أبي الكهتلة قال محمد أظنه عن ابن مسعود أنه قال: إن محمدا لم ير جبريل في صورته إلا مرتين: أما مرة فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته فأراه صورته فسد الأفق، وأما الأخرى فإنه صعد معه حين صعد به، وقوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ قال: فلما أحسّ جبريل ربه ﷿ عاد في صورته وسجد، فقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ قال: خلق جبريل ﵇، وهكذا رواه أحمد وهو غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1883>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ إلى ٢٦]</span>\n﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى (٢٤) فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)﴾\nيقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم البيوت لها مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن ﵇ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ﴾ وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، قال ابن جرير (^٢): وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فقالوا اللات، يعنون مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا اللات بتشديد التاء وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.\nوقال البخاري (^٣): حدثنا مسلم هو ابن إبراهيم، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿اللاّتَ وَالْعُزّى﴾ قال: كان اللات رجلا يلت السويق سويق الحاج، قال ابن جرير (^٤): وكذا العزى من العزيز، وكانت شجرة عليها بناء وأستار\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤٠٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٢٠.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٣، باب ٢.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٥٢٠.","vol":"7","page":422},{"text":"بنخلة، وهي بين مكة والطائف، وكانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم».\nوروى البخاري (^١) من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق» فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما قال النسائي: أخبرنا أحمد بن بكار، وعبد الحميد بن محمد قالا: حدثنا مخلد، حدثنا يونس عن أبيه، حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال:\nحلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلت! قلت هجرا. فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وانفث عن شمالك ثلاثا، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم لا تعد» (^٢).\nوأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة. وروى البخاري (^٣) عن عائشة نحوه، وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة. غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها.\nقال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة. بها سدنة وحجاب وتهدي لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده: فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم، حلفاء بني هاشم (^٤).\nقلت: بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول: [رجز] يا عزّى كفرانك لا سبحانك … إنّي رأيت الله قد أهانك (^٥)\nوقال النسائي: أخبرنا علي بن المنذر، أخبرنا ابن فضيل، حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: «ارجع فإنك لم تصنع شيئا» فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة وهم\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٣، باب ٢.\n(^٢) أخرجه النسائي في الأيمان باب ١٢.\n(^٣) تفسير سورة ٥٣، باب ٢.\n(^٤) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٨٣، ٨٤.\n(^٥) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (عزز)، وتاج العروس (عزز)، والمخصص ١٥/ ١٩٠.","vol":"7","page":423},{"text":"حجبتها أمعنوا في الحيل وهم يقولون: يا عزى، يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال «تلك العزى!».\nقال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب (^١).\nقلت: وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان صخر بن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف. قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، فبعث رسول الله ﷺ إليها أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها، ويقال علي بن أبي طالب قال: وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة. قلت: وكان يقال لها الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية، فبعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه، قال: وكانت فلس لطيئ ولمن يليها بجبل طيئ من سلمى وأجا، قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين:\nالرسوب والمخذم، فنفله إياهما رسول الله ﷺ فهما سيفا علي. قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له ريام، وذكر أنه كان به كلب أسود وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت. قال ابن إسحاق: وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام: [الطويل] ولقد شددت على رضاء شدة … فتركتها قفرا بقاع أسحما\nقال ابن هشام: إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة وهو القائل: [الوافر] ولقد سئمت من الحياة وطولها … وعمرت من عدد السنين مئينا\nمائة حدتها بعدها مائتان لي … وعمرت من عدد الشهور سنينا\nهل ما بقي إلا كما قد فاتنا … يوم يمر وليلة تحدونا\nقال ابن إسحاق: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد، وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة: [الكامل] بين الخورنق والسّدير وبارق … والبيت ذي الكعبات من سنداد (^٢)\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٨٥.\n(^٢) البيت للأسود بن يعفر في ديوانه ص ٢٧، ولسان العرب (كعب)، (برق)، وكتاب العين ١/ ٢٠٧، وتهذيب اللغة ١/ ٣٢٥، وتاج العروس (كعب)، (سند)، وشرح اختيارات المفضل ص ٩٦٩، والشعر والشعراء ص ٢٦١، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣٦٥.","vol":"7","page":424},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ أي أتجعلون له ولدا وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكور، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت ﴿قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أي جورا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورا وسفها، وقال تعالى منكرا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة:\n﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ أي من تلقاء أنفسكم ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي من حجة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رئاستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين. ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ أي ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءوهم به ولا انقادوا له.\nثم قال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى﴾ أي ليس كل من تمنى خيرا حصل له ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٣] ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ود شيئا يحصل له. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسحاق حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته» تفرد به أحمد.\nوقوله: ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ أي إنما الأمر كله لله مالك الدنيا والآخرة والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟\n\n<span data-type='title' id=toc-1884>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى (٣٠)﴾\nيقول تعالى منكرا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٥٧، ٣٨٧.","vol":"7","page":425},{"text":"[الزخرف: ١٩] ولهذا قال تعالى: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ليس لهم علم صحيح يصدّق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي لا يجدي شيئا ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أي أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره. وقوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد (^٢) عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:\nقال رسول الله ﷺ: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» وفي الدعاء المأثور «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا» (^٣) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أي هو الخالق لجميع المخلوقات والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته وهو العادل الذي لا يجور أبدا لا في شرعه ولا في قدره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1885>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]</span>\n﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى (٣٢)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الغني عما سواه الحاكم في خلقه بالعدل وخلق الخلق بالحق ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ أي يجازي كلا بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي لا يتعاطون المحرمات والكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] وقال هاهنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ وهذا استثناء منقطع، لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الوصايا باب ٨، والنكاح باب ٤٥، والفرائض باب ٢، والأدب باب ٥٧، ومسلم في البر حديث ٢٨، والترمذي في البر باب ٥٦، ومالك في حسن الخلق حديث ١٥، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٥، ٢٨٧، ٣١٢، ٣٤٢، ٤٧٠، ٤٨٢، ٤٩١، ٤٩٢، ٥٠٤، ٥١٧، ٥٣٩.\n(^٢) المسند ٦/ ٧١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٧٩.","vol":"7","page":426},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن ثور، حدثنا معمر عن الأعمش عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم، وكذا قال مسروق والشعبي. وقال عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له: ابن لبابة الطائفي قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ إلا ما سلف وكذا قال زيد بن أسلم. وقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور عن مجاهد أنه قال في هذه الآية:\n﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه، قال الشاعر: [رجز] إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك ما ألمّا؟ (^٥)\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قول الله تعالى:\n﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:\nإن تغفر اللهم تغفر جما … وأي عبد لك ما ألما؟\nوقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعا قال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا أبو\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٧٦، ٣٤٣، ٣٧٩، ٤٣١، ٥٣٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الاستئذان باب ١٢، والقدر باب ٩، ومسلم في القدر حديث ٢٠، ٢١.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٥١٦.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٥٢٨.\n(^٥) الرجز لأبي خراش في الأزهية ص ١٥٨، وخزانة الأدب ١١/ ١٩٠، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١٣٤٦، وشرح شواهد المغني ص ٦٢٥، ولسان العرب (جمم)، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٦، وتاج العروس (جمم)، ولأمية بن أبي الصلت في الأغاني ٤/ ١٣١، ١٣٥، وخزانة الأدب ٤/ ٤، ولسان العرب (لمم)، وتهذيب اللغة ١٥/ ٣٤٧، ٤٢٠، وكتاب العين ٨/ ٣٥٠، وتاج العروس (لمم)، ولأمية أو لأبي خراش في خزانة الأدب ٢/ ٢٩٥، ولسان العرب (لمم)، وبلا نسبة في الإنصاف ص ٧٦، وجمهرة اللغة ص ٩٢، والجنى الداني ص ٢٩٨، ولسان العرب (لا)، ومغني اللبيب ١/ ٢٤٤، وكتاب العين ٨/ ٣٢١، وديوان الأدب ٣/ ١٦٦، وتاج العروس (لا)، وتفسير الطبري ١١/ ٥٢٧.","vol":"7","page":427},{"text":"عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: هو الرجل الذي يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال: قال رسول الله ﷺ:\nإن تغفر اللهم تغفر جما … وأي عبد لك ما ألما؟\nوهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصري عن أبي عاصم النبيل ثم قال:\nهذا حديث صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق، وكذا قال البزار:\nلا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة تنزيل، وفي صحته مرفوعا نظر.\nثم قال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ أراه رفعه في: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: اللمم من الزنا ثم يتوب ولا يعود. واللمم من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمم من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، قال: فذلك الإلمام، وحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ثم لا يعود إليه.\nوحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن أبي رجاء عن الحسن في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا واللمة من شرب الخمر فيجتنبها ويتوب منها. وقال ابن جرير (^٢) عن عطاء عن ابن عباس ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ يلم بها في الحين قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس ﵁ قال:\nاللمم، الذي يلم المرة. وقال السدي: قال أبو صالح سئلت عن اللمم فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم، حكاه البغوي.\nوروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح-وهو ضعيف-عن عمرو بن شعيب أن عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك، وقال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن عطاء عن ابن الزبير ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: ما بين الحدين حد الدنيا وعذاب الآخرة، وكذا رواه شعبة عن الحكم عن ابن عباس مثله سواء. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ كل شيء بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة، تكفره الصلوات فهو اللمم، وهو دون كل موجب، فأما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥٢٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٢٧، ٥٢٨.","vol":"7","page":428},{"text":"حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي هو بصير بكم عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي تصدر عنكم، وتقع منكم حين أنشأ أباكم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر ثم قسمهم فريقين: فريقا للجنة وفريقا للسعير. وكذا قوله: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟ قال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط، وكنا فيمن بقي ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا لا أبالك فماذا بعد هذا ننتظر؟ رواه ابن أبي حاتم عنه.\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال:\nسميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم وسميت برة، فقال رسول الله ﷺ: «لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم» فقالوا: بم نسميها؟ قال: «سموها زينب» (^١) وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢) حيث قال:\nحدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال:\nمدح رجل رجلا عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «ويلك قطعت عنق صاحبك-مرارا-إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك» (^٣) ثم رواه عن غندر عن شعبة عن خالد الحذاء به، وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة من طرق عن خالد الحذاء به.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: أخبرنا سفيان عن منصور عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الآداب حديث ١٦، ١٧.\n(^٢) المسند ٥/ ٤١، ٤٥، ٤٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب باب ٥٤، ٩٥، ومسلم في الزهد حديث ٦٥، وأبو داود في الحدود باب ٢٣.\n(^٤) المسند ٦/ ٥.","vol":"7","page":429},{"text":"إبراهيم عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب (^١). ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري عن منصور به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1886>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ إلى ٤١]</span>\n﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى (٣٧) أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)﴾\nيقول تعالى ذاما لمن تولى عن طاعة الله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى﴾ [القيامة: ٣٢] قال ابن عباس: أطاع قليلا ثم قطعه (^٢)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وغير واحد. قال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرا، فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل فيقولون أكدينا ويتركون العمل.\nوقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى﴾ أي أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق وقطع معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده حتى قد أمسك عن معروفه فهو يرى ذلك عيانا؟ أي ليس الأمر كذلك. وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا، ولهذا جاء في الحديث «أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا» وقد قال الله تعالى ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قال سعيد بن جبير والثوري: أي بلغ جميع ما أمر به، وقال ابن عباس ﴿وَفّى﴾ لله بالبلاغ، وقال سعيد بن جبير ﴿وَفّى﴾ ما أمر به، وقال قتادة ﴿وَفّى﴾ طاعة الله وأدى رسالته إلى خلقه وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فقام بجميع الأوامر وترك جميع النواهي وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٨، ٦٩، وأبو داود في الأدب باب ٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٥٣١.","vol":"7","page":430},{"text":"هذه الآية ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قال «أتدري ما وفى؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال «وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار» ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير وهو ضعيف.\nوقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السمناني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: «ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» (^١) قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ حتى ختم الآية.\nورواه ابن جرير (^٢) عن أبي كريب عن رشدين بن سعد عن زبان به.\nثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨] ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ أي كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.\nوأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به» (^٣) فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» (^٤) والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الوتر باب ١٥، وأحمد في المسند ٥/ ٢٨٦، ٢٨٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٣٣.\n(^٣) أخرجه مسلم في الوصية حديث ١٤، وأبو داود في الوصايا باب ١٤، والترمذي في الأحكام باب ٣٦، والنسائي في الوصايا باب ٨، وأحمد في المسند ٢/ ٣٧٢.\n(^٤) أخرجه النسائي في البيوع باب ١، وابن ماجة في التجارات باب ١، والدارمي في البيوع باب ٦، وأحمد في المسند ٦/ ٣١، ٤٢، ١٢٦، ١٢٧، ١٩٣، ٢٢٠.","vol":"7","page":431},{"text":"آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ [يس:١٢] الآية. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله.\nوثبت في الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا» (^١). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أي يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] أي فيخبركم به ويجزيكم عليه أتم الجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهكذا قال هاهنا: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ أي الأوفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1887>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٢ إلى ٥٥]</span>\n﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشّاها ما غَشّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ أي المعاد يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله إلى الجنة أو النار.\nوذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ قال: لا فكرة في الرب. قال البغوي: وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة».\nكذا أورده وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته» (^٢) وفي الحديث الآخر الذي في السنن «تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله تعالى فإن الله خلق ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ثلاثمائة سنة» أو كما قال:\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ أي خلق في عباده الضحك والبكاء وسببهما\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ٦، والنسائي في الزكاة باب ٦٤، وابن ماجة في المقدمة باب ١٤، ١٥، وأحمد في المسند ٢/ ٣٨٠، ٣٩٧، ٥٠٥، ٥٢١.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١١، ومسلم في الإيمان حديث ٢١٤.","vol":"7","page":432},{"text":"وهما مختلفان ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك: ٢] ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى﴾ أي كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة وهي النشأة الآخرة يوم القيامة ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ أي ملك عباده المال وجعله لهم قنية مقيما عندهم لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم، وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين، منهم أبو صالح وابن جرير وغيرهما، وعن مجاهد ﴿أَغْنى﴾ موّل ﴿وَأَقْنى﴾ أخدم، وكذا قال قتادة، وقال ابن عباس ومجاهد أيضا ﴿أَغْنى﴾ أعطى ﴿وَأَقْنى﴾ رضى.\nوقيل: معناه أغنى نفسه وأفقر الخلائق إليه، قاله الحضرمي بن لاحق، وقيل: ﴿أَغْنى﴾ من شاء من خلقه، ﴿وَأَقْنى﴾ أي أفقر من شاء منهم، قاله ابن زيد، حكاهما ابن جرير وهما بعيدان من حيث اللفظ. وقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له (مرزم الجوزاء) كانت طائفة من العرب يعبدونه ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى﴾ وهم قوم هود ويقال لهم عاد بن إرم بن سام بن نوح كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨] فكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله تعالى وعلى رسوله فأهلكهم الله ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦ - ٧] أي متتابعة.\nوقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ أي دمرهم فلم يبق منهم أحدا ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ أي أشد تمردا من الذين من بعدهم ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ يعني مدائن لوط قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: فغشاها ما غشى يعني من الحجارة التي أرسلها عليهم ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] قال قتادة، كان في مدائن لوط أربعة آلاف ألف إنسان، فانضرم عليهم الوادي شيئا فشيئا من نار ونفط وقطران كفم الأتون. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن وهب بن عطية عن الوليد بن مسلم عن خليد عنه به، وهو غريب جدا ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ أي ففي أي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري؟ قاله قتادة وقال ابن جريج ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ يا محمد والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1888>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٦ إلى ٦٢]</span>\n﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاُعْبُدُوا (٦٢)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥٤٠.","vol":"7","page":433},{"text":"﴿هذا نَذِيرٌ﴾ يعني محمدا ﷺ ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ أي من جنسهم أرسل كما أرسلوا كما قال تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أي اقتربت القريبة وهي القيامة ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أي لا يدفعها إذا من دون الله أحد ولا يطلع على علمها سواه، والنذير الحذر لما يعاين من الشر الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وفي الحديث: «أنا النذير العريان» (^١) أي الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئا، بل بادر إلى إنذار قومه قبل ذلك فجاءهم عريانا مسرعا، وهو مناسب لقوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أي اقتربت القريبة يعني يوم القيامة. كما قال في أول السورة التي بعدها: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حاتم لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا ببطن واد، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبرتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه».\nوقال أبو حازم: قال رسول الله ﷺ قال أبو نضرة: لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال:\n«مثلي ومثل الساعة كهاتين» وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم قال: «مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان» ثم قال: «مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم» ثم يقول رسول الله ﷺ: «أنا ذلك» وله شواهد من وجوه أخر من صحاح وحسان.\nثم قال تعالى منكرا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم ﴿تَعْجَبُونَ﴾ من أن يكون صحيحا ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ منه استهزاء وسخرية ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ أي كما يفعل الموقنون به كما أخبر عنهم ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ قال سفيان الثوري عن أبيه عن ابن عباس قال: الغناء هي يمانية أسمد لنا غن لنا، وكذا قال عكرمة، وفي رواية عن ابن عباس ﴿سامِدُونَ﴾ معرضون، وكذا قال مجاهد وعكرمة، وقال الحسن غافلون، وهو رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفي رواية عن ابن عباس تستكبرون، وبه يقول السدي، ثم قال تعالى آمرا لعباده بالسجود له والعبادة المتابعة لرسوله ﷺ والتوحيد والإخلاص ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا﴾ أي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢٦، والاعتصام باب ٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٦.\n(^٢) المسند ١/ ٤٠٢، ٥/ ٣٣١، ٦/ ٧٠.","vol":"7","page":434},{"text":"فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوا.\nقال البخاري (^١): حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. انفرد به دون مسلم، وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح عن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم فسجد وسجد من عنده فرفعت رأسي فأبيت أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرؤها إلا سجد معه (^٣). وقد رواه النسائي في الصلاة عن عبد الملك بن عبد الحميد عن أحمد بن حنبل به.\nآخر تفسير سورة النجم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1889>تفسير سورة القمر</span>\nوهي مكية\nقد تقدم في حديث أبي واقد: أن رسول الله كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة في الأضحى والفطر، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار لإشمالهما على ذكر الوعد والوعيد وبدء الخلق وإعادته والتوحيد وإثبات النبوات وغير ذلك من المقاصد العظيمة.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1890>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾\nيخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها كما قال تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقال: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وقد وردت الأحاديث بذلك. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا: حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبق منها إلا شف يسير فقال: «والذي\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٣، باب ٤.\n(^٢) المسند ٦/ ٣٩٩، ٤٠٠.\n(^٣) أخرجه النسائي في الافتتاح باب ٤٩.","vol":"7","page":435},{"text":"نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه وما نرى من الشمس إلا يسيرا» قلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العمي عن أبيه، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.\n[حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا شريك، حدثنا سلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عمر قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ والشمس على قعيقعان (^٢) بعد العصر فقال: «ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى» وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى (^٤) وأخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا محمد بن عبيد، أخبرنا الأعمش عن أبي خالد عن وهب السوائي قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقها» وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنتم والساعة كهاتين» تفرد به أحمد ﵀، وشاهد ذلك أيضا في الصحيح في أسماء رسول الله ﷺ أنه الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه (^٧). وقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان ابن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان، قال بهز، وقال قبل هذه المرة: خطبنا رسول الله ﷺ، قال: فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم (^٩) وولت حذاء (^١٠)، ولم يبق منها إلا\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١١٥، ١١٦.\n(^٢) قعيقعان: جبل بمكة.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٨٨.\n(^٤) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣٩، ومسلم في الفتن حديث ١٣٢، ١٣٥.\n(^٥) المسند ٤/ ٣٠٩.\n(^٦) المسند ٣/ ٢٢٣.\n(^٧) أخرجه البخاري في المناقب باب ١٧، ومسلم في الفضائل حديث ١٢٤، ١٢٥.\n(^٨) المسند ٤/ ١٧٤، ٥/ ٦١.\n(^٩) آذنت برم: أي آذنت بانقطاع.\n(^١٠) ولت حذاء: أي ولست مسرعة.","vol":"7","page":436},{"text":"صبابة (^١) كصبابة الإناء يتصابها صاحبها (^٢)، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا، والله لتملئونه أفعجبتم والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ (^٣) من الزحام» (^٤) وذكر تمام الحديث انفرد به مسلم.\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يعقوب، حدثني ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق (^٥)، فقلت لأبي: أيستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى، فحضرنا فخطب حذيفة فقال: ألا إن الله ﷿ يقول: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال:\n«خمس قد مضين الروم والدخان واللزام والبطشة والقمر» (^٧) وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1891>ذكر الأحاديث الواردة في ذلك</span>\n[رواية أنس بن مالك]: قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين فقال:\n_________\n(^١) الصبابة: البقية القليلة.\n(^٢) يتصابها صاحبها: أي يشربها.\n(^٣) الكظيظ: الممتلئ.\n(^٤) أخرجه مسلم في الزهد باب ١٤.\n(^٥) اليوم المضمار وغدا السباق: أي اليوم العمل في الدنيا وغدا السباق إلى الجنة.\n(^٦) تفسير الطبري ١١/ ٥٤٥، ٥٤٦.\n(^٧) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٢ باب ٤، وسورة ٢٥ باب ٤، وسورة ٤٤ باب ١، ٥، ٦.\n(^٨) المسند ٣/ ١٦٥.","vol":"7","page":437},{"text":"﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^١) ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وقال البخاري:\nحدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك، أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما (^٢). وأخرجاه أيضا من حديث يونس بن محمد المؤدب عن شيبان عن قتادة، ورواه مسلم أيضا من حديث أبي داود الطيالسي ويحيى القطان وغيرهما عن شعبة عن قتادة به.\n[رواية جبير بن مطعم ﵁] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه وأسنده البيهقي في الدلائل من طريق محمد بن كثير عن أخيه سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرحمن.\nوهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به، ورواه البيهقي أيضا من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم، كلاهما عن حصين عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده فذكره.\n[رواية عبد الله بن عباس ﵄] قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر عن جعفر عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي ﷺ (^٤). ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك به مثله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ -إلى قوله- ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾.\n[رواية عبد الله بن عمر] قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المنافقين حديث ٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٣٦، ومسلم في المنافقين حديث ٤٣، ٤٥.\n(^٣) المسند ٤/ ٨١، ٨٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في المناقب باب ٣٦، وتفسير سورة ٥٤ باب ١، ومسلم في المنافقين حديث ٤٧.","vol":"7","page":438},{"text":"أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري:\nحدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى:\n﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ، انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي ﷺ: «اللهم اشهد» (^١) وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد به، قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وقال الترمذي: حسن صحيح.\n[رواية عبد الله بن مسعود] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ: «اشهدوا» (^٣) وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به، وأخرجاه من حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود به.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش عن إبراهيم عن رجل عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى، فانشق القمر فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ «اشهدوا اشهدوا» قال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله بمكة وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة (^٥). قال: فقالوا انظروا ما يأتيكم به السفّار (^٦)، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار فقالوا ذلك.\nوقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المنافقين حديث ٤٤، ٤٥، والترمذي في تفسير سورة ٥٤، باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٤٤٧.\n(^٢) المسند ١/ ٣٧٧.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٤ باب ١، ومسلم في المنافقين حديث ٤٨.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٥٤٥.\n(^٥) ابن أبي كبشة: رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان، وعبد الشعرى. فلما خالفهم النبي ﷺ في عبادة الأوثان شبهوه به، وقيل إنّ ابن أبي كبشة كان جد النبي ﷺ من قبل أمة.\n(^٦) السفّار: أي المسافرون.","vol":"7","page":439},{"text":"صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار، قال:\nوقدموا من كل وجهة فقالوا: رأيناه، ورواه ابن جرير من حديث المغيرة به، وزاد فأنزل الله ﷿: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ثم قال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن محمد هو ابن سيرين قال: نبئت أن ابن مسعود ﵁ كان يقول: لقد انشق القمر.\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط عن سماك عن إبراهيم عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فرج القمر حين انشق، ورواه الإمام أحمد (^٣) عن مؤمل عن إسرائيل عن سماك عن إبراهيم، عن الأسود عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر.\nوقال ليث عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «اشهد يا أبا بكر» فقال المشركون: سحر القمر حتى انشق.\nوقوله تعالى، ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أي دليلا وحجة وبرهانا ﴿يُعْرِضُوا﴾ أي لا ينقادون له بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ويقولون هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر سحرنا به ومعنى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ذاهب، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما: أي باطل مضمحل لا دوام له ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم.\nوقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال قتادة: معناه أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر، وقال ابن جريج: مستقر بأهله، وقال مجاهد ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي يوم القيامة، وقال السدي: مستقر أي واقع، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ﴾ أي من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في القرآن ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب. وقوله تعالى:\n﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ أي في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يعني أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وكذا قوله تعالى: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].\n\n<span data-type='title' id=toc-1892>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٦ إلى ٨]</span>\n﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥٤٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٤٥.\n(^٣) المسند ١/ ٤١٣.","vol":"7","page":440},{"text":"يقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أي إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب وما فيه من البلاء بل والزلازل والأهوال، ﴿خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ﴾ أي ذليلة أبصارهم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ وهي القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي ﴿جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ في الآفاق، ولهذا قال:\n﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي مسرعين ﴿إِلَى الدّاعِ﴾ لا يخالفون ولا يتأخرون ﴿يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أي يوم شديد الهول عبوس قمطرير ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1893>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ إلى ١٧]</span>\n﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أي صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ قال مجاهد: ﴿وَازْدُجِرَ﴾. أي استطير جنونا، وقيل: وازدجر أي انتهروه وزجروه وتواعدوه ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (^١) [الشعراء: ١١٦]، قاله ابن زيد وهذا متوجه حسن ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أنت لدينك. قال الله تعالى:\n﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قال السدي: وهو الكثير ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ أي نبعت جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا، ﴿فَالْتَقَى الْماءُ﴾ أي من السماء ومن الأرض ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي أمر مقدر.\nقال ابن جريج عن ابن عباس ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان على أمر قد قدر، وروى ابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليا عن المجرة فقال:\nهي شرج السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير والقرظي وقتادة وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير (^٢)، قال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٥٥١.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٥٢، ٥٥٣.","vol":"7","page":441},{"text":"وواحدها دسار. ويقال: دسير كما يقال حبيك وحباك والجمع حبك، وقال مجاهد: الدسر أضلاع السفينة.\nوقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج. وقال الضحاك: طرفاها وأصلها، وقال العوفي عن ابن عباس: هو كلكلها أي صدرها. وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا﴾ أي بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ أي جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارا لنوح ﵇.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة، والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢] وقال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي فهل من يتذكر ويتعظ. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وهكذا رواه البخاري (^٢)، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي ﷺ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وقال النبي ﷺ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وروى البخاري أيضا من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\nوقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أو «مذكر»، قال: سمعت عبد الله يقرأ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. دالا (^٣). وقد أخرج مسلم هذا الحديث وأهل السنن إلا ابن ماجة من حديث أبي إسحاق.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [ص: ٢٩] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] قال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ يعني هونا قراءته، وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال الضحاك عن ابن عباس: لولا\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٩٥.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٤، باب ٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٤، باب ٢، ومسلم في المسافرين حديث ٢٨٠، ٢٨١، وأبو داود في الحروف باب ٢٦، والترمذي في القرآن باب ٤.","vol":"7","page":442},{"text":"أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ﷿.\nقلت: ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» (^١) وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة، وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن رافع، حدثنا ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر هو الوراق في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ هل من طالب علم فيعان عليه، وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق، ورواه ابن جرير (^٢)، وروي عن قتادة مثله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1894>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ إلى ٢٢]</span>\n﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عاد قوم هود، إنهم كذبوا رسولهم أيضا، كما صنع قوم نوح وأنه تعالى أرسل عليهم ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وهي الباردة الشديدة البرد ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أي عليهم، قاله الضحاك وقتادة والسدي ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ عليهم نحسه ودماره لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه فيسقط إلى الأرض، فتثلغ (^٣) رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾.\n﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1895>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٣ إلى ٣٢]</span>\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾\nوهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا ﴿فَقالُوا أَبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ٥، ومسلم في المسافرين حديث ٢٦٤، ٢٧٠، ٢٧٢، ٢٧٤، وأبو داود في الوتر باب ٢٢، والترمذي في القرآن باب ٩، والنسائي في الافتتاح باب ٣٧، ومالك في القرآن حديث ٥، وأحمد في المسند ٥/ ١٤١، ١١٤، ١٢٤، ١٢٧، ١٢٨، ١٣٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٥٦.\n(^٣) ثلغ: أي شدخ.","vol":"7","page":443},{"text":"يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كلنا قيادنا لواحد منا. ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم ثم رموه بالكذب فقالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ أي متجاوز في حد الكذب، قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ وهذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد. ثم قال تعالى: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي اختبارا لهم، أخرج الله لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صماء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح ﵇ فيما جاءهم به، ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله صالح: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ أي انتظر ما يؤول إليه أمرهم، واصبر عليهم فإن العاقبة لك، والنصر لك في الدنيا والآخرة ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي يوم لهم ويوم للناقة كقوله: ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ قال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء. وإذا جاءت حضروا اللبن، ثم قال تعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ قال المفسرون: هو عاقر الناقة، واسمه قدار بن سالف، وكان أشقى قومه. كقوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ﴿فَتَعاطى﴾ أي فحبسر ﴿فَعَقَرَ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فعاقبتهم فكيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد وييبس الزرع والنبات، قاله غير واحد من المفسرين، والمحتظر قال السدي هو المرعى بالصحراء حين ييبس ويحترق وتنسفه الريح، وقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظارا على الإبل والمواشي من يبيس الشوك فهو المراد من قوله: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ وقال سعيد بن جبير: هشيم المحتظر هو التراب المتناثر من الحائط، وهذا قول غريب، والأول أقوى والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1896>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٣ إلى ٤٠]</span>\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وخالفوه، وارتكبوا المكروه من إتيان الذكور وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ولهذا أهلكهم الله هلاكا لم يهلكه أمة من الأمم، فإنه تعالى أمر جبريل ﵇ فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم وأرسلها وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ وهي الحجارة ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أي خرجوا من آخر الليل فنجوا مما أصاب قومهم، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته","vol":"7","page":444},{"text":"أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالما لم يمسسه سوء، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا﴾ أي ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه فما التفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه بل شكوا فيه وتماروا به.\n﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ وذلك ليلة ورد عليه الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل في صور شباب مرد حسان محنة من الله بهم، فأضافهم لوط ﵇، وبعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، وذلك عشية ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه ويقول لهم: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي﴾ يعني نساءهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ … ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [الحجر: ٧١ - ٧٢] أي ليس لنا فيهن أرب ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم، يقال إنها غارت من وجوههم، وقيل إنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطا ﵇ إلى الصباح. قال الله تعالى:\n﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي لا محيد لهم عنه ولا انفكاك لهم منه ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1897>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤١ إلى ٤٦]</span>\n﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن فرعون وقومه: إنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنذارة إن كفروا، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر أي فأبادهم الله ولم يبق منهم مخبر ولا عين ولا أثر، ثم قال تعالى: ﴿أَكُفّارُكُمْ﴾ أي أيها المشركون من كفار قريش ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ يعني من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل وكفرهم بالكتب، أأنتم خير من أولئكم؟ ﴿أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أي أم معكم من الله براءة أن لا ينالكم عذاب ولا نكال؟ ثم قال تعالى مخبرا عنهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أي يعتقدون أنهم يتناصرون بعضهم بعضا، وأن جميعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء. قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي سيتفرق شملهم ويغلبون.\nقال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد عن خالد، وقال أيضا: حدثنا محمد حدثنا عفان بن مسلم عن وهيب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال وهو في قبة له","vol":"7","page":445},{"text":"يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا» فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (^١) وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع من حديث خالد، وهو ابن مهران الحذاء به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد عن أيوب عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب قال عمر:\nفلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: «سيهزم الجمع ويولون الدبر» فعرفت تأويلها يومئذ.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم، أخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين فقالت: نزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ هكذا رواه هاهنا مختصرا، ورواه في فضائل القرآن مطولا ولم يخرجه مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1898>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٥]</span>\n﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾\nيخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق وسعر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أي كما كانوا في سعر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، وكما كانوا ضلالا يسحبون فيها على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] وكقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٨٩، وتفسير سورة ٥٤، باب ٥، ٦، وأحمد في المسند ١/ ٣٢٩.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٤، باب ٧، والفضائل باب ٦.","vol":"7","page":446},{"text":"القدرية، الذين نبغوا (^١) في أواخر عصر الصحابة، وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلا وما ورد فيه من الأحاديث في شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ﵀، ولنذكر هاهنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة.\nقال أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٣) وهكذا رواه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث وكيع عن سفيان الثوري به.\nوقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا يونس بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ما نزلت هذه الآيات ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ إلا في أهل القدر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، حدثني قرة بن حبيب عن كنانة، حدثني جرير بن حازم عن سعيد بن عمرو بن جعدة، عن ابن زرارة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ قال: «نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله».\nوحدثنا الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم، وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له قد تكلم في القدر، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أولئك شرار هذه لأمة، فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بإصبعي هاتين.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٤) من وجه آخر وفيه مرفوع فقال: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي عن بعض إخوته عن محمد بن عبيد المكي عن عبد الله بن عباس قال: قيل له إن رجلا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه وهو أعمى، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق إلياتهن مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى\n_________\n(^١) نبغوا: أي خرجوا.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٤٤، ٤٧٦.\n(^٣) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٩، والترمذي في القدر باب ١٩، وتفسير سورة ٥٤، باب ٦، والنسائي في الضحايا باب ٤٠، وابن ماجة في المقدمة باب ١٠.\n(^٤) المسند ١/ ٣٣٠.","vol":"7","page":447},{"text":"يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا، كما أخرجوه من أن يكون قدر شرا» ثم رواه أحمد عن أبي المغيرة عن الأوزاعي عن العلاء بن الحجاج عن محمد بن عبيد فذكر مثله لم يخرجوه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الله بن يزيد: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو صخر عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه. فكتب إليه عبد الله بن عمر أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر» ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به.\nوقال أحمد (^٢): حدثنا أنس بن عياض، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.\nوقال أحمد (^٣): حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين عن أبي صخر حميد بن زياد عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة مسخ ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية» (^٤) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي صخر حميد بن زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إسحاق بن الطباع، أخبرني مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليماني قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (^٦) ورواه مسلم منفردا به من حديث مالك.\nوفي الحديث الصحيح «استعن بالله ولا تعجز فإن أصابك أمر فقل قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان» (^٧) وفي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك جفت الأقلام وطويت الصحف» (^٨) وقال الإمام\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٩٠.\n(^٢) المسند ٢/ ٨٦.\n(^٣) المسند ٢/ ١٠٨.\n(^٤) أخرجه الترمذي في القدر باب ١٦.\n(^٥) المسند ٢/ ١١٠.\n(^٦) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٨، ومالك في القدر حديث ٤.\n(^٧) أخرجه مسلم في القدر حديث ٣٤. وابن ماجة في المقدمة باب ١٠.\n(^٨) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٩٣، ٣٠٣، ٣٠٧.","vol":"7","page":448},{"text":"أحمد (^١): حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث عن معاوية عن أيوب بن زياد، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم طعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار (^٢).\nورواه الترمذي عن يحيى بن موسى البلخي عن أبي داود الطيالسي عن عبد الواحد بن سليم عن عطاء بن أبي رباح عن الوليد بن عبادة عن أبيه به وقال: حسن صحيح غريب. وقال سفيان الثوري عن منصور عن ربعي بن خراش، عن رجل عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره» (^٣) وكذا رواه الترمذي من حديث النضر بن شميل عن شعبة عن منصور به، ورواه من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة عن منصور عن ربعي عن علي فذكره وقال: هذا عندي أصح، وكذا رواه ابن ماجة من حديث شريك عن منصور عن ربعي عن علي به. وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن أبي هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (^٤) زاد ابن وهب ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود: ٧] ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.\nوقوله تعالى: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبرنا بنفوذ قدره فيهم فقال: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ﴾ أي إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلا موجودا كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنما … يقول له كن قولة فيكون\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣١٧.\n(^٢) أخرجه الترمذي في القدر باب ١٧.\n(^٣) أخرجه الترمذي في القدر باب ١٠، وابن ماجة في المقدمة باب ٩.\n(^٤) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٦، والترمذي في القدر باب ١٨.","vol":"7","page":449},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ﴾ يعني أمثالكم وسلفكم من الأمم السالفة المكذبين بالرسل ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك وقدر لهم من العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ أي مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة ﵈ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ أي من أعمالهم ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أي مجموع عليهم ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم بن بانك، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث وهو ابن أخي عائشة لأمها عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» (^٢) ورواه النسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن مسلم بن بانك المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. وقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر. ثم قال سعيد فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي: ويحك يا سعيد بن مسلم! لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنبا فاستصغره فأتاه آت في منامه فقال له يا سليمان: [الطويل] لا تحقرنّ من الذنوب صغيرا … ان الصغير غدا يعود كبيرا\nإن الصغير ولو تقادم عهده … عند الإله مسطّر تسطيرا\nفازجر هواك على البطالة لا تكن … صعب القياد وشمّرن تشميرا\nإن المحبّ إذا أحب إلهه … طار الفؤاد وألهم التفكيرا\nفاسأل هدايتك الإله بنيّة … فكفى بربك هاديا ونصيرا\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسعر والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد. وقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي في دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه وجوده وإحسانه ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها. وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون.\nوقد قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (^٤) انفرد بإخراجه\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٧٠، ١٥١.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٢٩.\n(^٣) المسند ٢/ ١٧٠.\n(^٤) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٨، والنسائي في آداب القضاة باب ١.","vol":"7","page":450},{"text":"مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة بإسناده مثله.\nآخر تفسير سورة اقتربت ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1899>تفسير سورة الرحمن</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد عن عاصم عن زر أن رجلا قال لابن مسعود: كيف تعرف هذا الحرف من ماء غير آسن أو آسن؟ فقال: كل القرآن قد قرأت. قال:\nإني لأقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال: أهذا كهذا الشعر لا أبالك؟ قد علمت. قرائن النبي ﷺ التي كان يقرن قرينتين قرينتين من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود ﴿الرَّحْمنُ﴾.\nوقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد الرحمن بن واقد وأبو مسلم السعدي، حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» (^٢) ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، ثم حكي عن الإمام أحمد أنه كان لا يعرفه، ينكر رواية أهل الشام عن زهير بن محمد هذا، ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن مالك عن الوليد بن مسلم، وعن عبد الله بن أحمد بن شبويه عن هشام بن عمارة، كلاهما عن الوليد بن مسلم به ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من هذا الوجه.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك البصري قالا: حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن أو قرئت عنده فقال: «ما لي أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم؟» قالوا:\nوما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ما أتيت على قول الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ إلا قالت الجن لا بشيء من نعم ربنا نكذب» ورواه الحافظ البزار عن عمرو بن مالك به، ثم قال:\nلا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤١٢.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥٥ باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٥٨٢.","vol":"7","page":451},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1900>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ إلى ١٣]</span>\n﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)﴾\nيخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن، ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ قال الحسن: يعني النطق، وقال الضحاك وقتادة وغيرهما: يعني الخير والشر، وقول الحسن هاهنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها. وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أي يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].\nوعن عكرمة أنه قال: لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجابا واحدا من سبعين حجابا دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها. ونور الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ قال ابن جرير (^١): اختلف المفسرون في معنى قوله ﴿وَالنَّجْمُ﴾ بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: النجم ما انبسط على وجه الأرض يعني من النبات، وكذا قال سعيد بن جبير والسدي وسفيان الثوري، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى. وقال مجاهد:\nالنجم الذي في السماء. وكذا قال الحسن وقتادة، وهذا القول هو الأظهر والله أعلم لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ١٨] الآية.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥٧٤.","vol":"7","page":452},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ يعني العدل كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وهكذا قال هاهنا: ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ أي خلق السموات والأرض بالحق والعدل لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ أي لا تبخسوا الوزن بل زنوا بالحق والقسط كما قال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ أي كما رفع السماء وضع الأرض ومهدها وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقر لما على وجهها من الأنام وهم الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم في سائر أقطارها وأرجائها.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام الخلق ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ أي مختلفة الألوان والطعوم والروائح ﴿وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ أفرده بالذكر لشرفه ونفعه رطبا ويابسا، والأكمام قال ابن جريج عن ابن عباس: هي أوعية الطلع وهكذا قال غير واحد من المفسرين، وهو الذي يطلع فيه القنو ثم ينشق عن العنقود، فيكون بسرا ثم رطبا ثم ينضج ويتناهى ينعه واستواؤه.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا أبو قتيبة، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: أخبرك أن رسلي أتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير، تخرج مثل آذان الحمير ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع فتنضج فتكون كأطيب فالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم وزادا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠] وقيل: الأكمام رفاتها وهو الليف الذي على عنق النخلة، وهو قول الحسن وقتادة.\n﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ يعني التبن. وقال العوفي عن ابن عباس: العصف ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فهو يسمى العصف إذا يبس، وكذا قال قتادة والضحاك وأبو مالك عصفه تبنه. وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ يعني الورق. وقال الحسن: هو ريحانكم هذا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ خضر الزرع، ومعنى هذا-والله أعلم- أن الحب كالقمح والشعير ونحوهما له في حال نباته عصف، وهو ما على السنبلة، وريحان وهو الورق الملتف على ساقها. وقيل: العصف الورق أول ما ينبت الزرع بقلا والريحان الورق","vol":"7","page":453},{"text":"يعني إذا أدجن وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة:\n[الطويل] وقولا له من ينبت الحب في الثّرى … فيصبح منه البقل يهتزّ رابيا (^١)\nويخرج منه حبه في رؤوسه … ففي ذاك آيات لمن كان واعيا\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس والجن تكذبان؟ قاله مجاهد وغير واحد، ويدل عليه السياق بعده، أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به:\nاللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد. وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها، قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1901>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ إلى ٢٥]</span>\n﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥)﴾\nيذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، وهو طرف لهبها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وبه يقول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد، وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ من لهب النار من أحسنها، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ من خالص النار، وكذلك قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (^٤) ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به.\n_________\n(^١) البيتان في سيرة ابن هشام ١/ ٢٢٨.\n(^٢) المسند ٦/ ٣٤٩.\n(^٣) المسند ٦/ ١٦٨.\n(^٤) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٠.","vol":"7","page":454},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يعني مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس. وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب، ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال ابن عباس: أي أرسلهما. وقوله: ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ قال ابن زيد: أي منعهما أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما، والمراد بقوله ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] قد اختار ابن جرير هاهنا أن المراد بالبحرين: بحر السماء وبحر الأرض، وهو مروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية وابن أبزى، قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض وهذا وإن كان هكذا لكن ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ فإنه تعالى قد قال:\n﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ أي وجعل بينهما برزخا، وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيفسد كل واحد منهما الآخر ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه، وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخا وحجرا محجورا.\nوقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ أي من مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى كما قال تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن وقد صح هذا الإطلاق. واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل هو صغار اللؤلؤ (^١)، قاله مجاهد وقتادة وأبو رزين والضحاك وروي عن علي، وقيل كباره وجيده، حكاه ابن جرير عن بعض السلف ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس، وحكاه عن السدي عمن حدثه عن ابن عباس، وروي مثله عن علي ومجاهد أيضا ومرة الهمداني، وقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون، قال السدي عن أبي مالك عن مسروق عن عبد الله قال: المرجان الخرز الأحمر، قال السدي: وهو البسذ بالفارسية، وأما قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] فاللحم من كل من الأجاج والعذب والحلية إنما هي من الملح دون العذب. قال ابن عباس: ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر فوقعت في صدفة إلا صار منها لؤلؤة، وكذا قال عكرمة، وزاد: فإذا لم تقع\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥٨٩.","vol":"7","page":455},{"text":"في صدفة نبتت بها عنبرة، وروي من غير وجه عن ابن عباس نحوه.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها، يعني من قطر فهو اللؤلؤ. إسناده صحيح، ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض، امتن بها عليهم فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ﴾ يعني السفن التي تجري في البحر قال مجاهد:\nما رفع قلعه من السفن فهي منشأة وما لم يرفع قلعه فليس بمنشأة، وقال قتادة: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ يعني المخلوقات، وقال غيره، المنشئات بكسر الشين يعني البادئات ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ أي كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم، مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا العرار بن سويد عن عميرة بن سعد قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ على شاطئ الفرات إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها فبسط علي يديه ثم قال: يقول الله ﷿:\n﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1902>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]</span>\n﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات إلا من شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبدا، قال قتادة: أنبأ بما خلق ثم أنبأ أن ذلك كله فان. وفي الدعاء المأثور:\nيا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك. وقال الشعبي: إذا قرأت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام أي هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] وكقوله إخبارا عن المتصدقين: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان:٩].","vol":"7","page":456},{"text":"قال ابن عباس: ذو الجلال والإكرام ذو العظمة والكبرياء، ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمة العدل قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وهذا إخبار عن غناه عما سواه وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم وأنه كل يوم هو في شأن، قال الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال من شأنه أن يجيب داعيا أو يعطي سائلا، أو يفك عانيا أو يشفي سقيما.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كل يوم هو يجيب داعيا ويكشف كربا ويجيب مضطرا ويغفر ذنبا، وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السموات والأرض يحيي حيا ويميت ميتا، ويربي صغيرا ويفك أسيرا وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحمصي، حدثنا جرير بن عثمان عن سويد بن جبلة هو الفزاري قال: إن ربكم كل يوم هو في شأن فيعتق رقابا، ويعطي رغابا، ويقحم عقابا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثني إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثني عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني عن أبيه، عن منيب بن عبد الله بن منيب الأزدي عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: «أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن أحمد الواسطي قالا:\nحدثنا الوزير بن صبيح الثقفي أبو روح الدمشقي والسياق لهشام قال: سمعت يونس بن ميسرة بن حلبس، يحدث عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «قال الله ﷿:\n﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ -قال-من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين» (^٢). وقد رواه ابن عساكر من طرق متعددة عن هشام بن عمار به، ثم ساقه من حديث أبي همام الوليد بن شجاع عن الوزير بن صبيح قال: «ودلنا عليه الوليد بن مسلم عن مطرف عن الشعبي عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ فذكره قال: والصحيح الأول، يعني إسناده الأول.\nقلت: وقد روي موقوفا كما علقه البخاري بصيغة الجزم فجعله من كلام أبي الدرداء فالله أعلم. وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا محمد بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥٩٢.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب ١٣.","vol":"7","page":457},{"text":"عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال «يغفر ذنبا، ويكشف كربا» ثم قال ابن جرير (^١): وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى عن أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس إن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1903>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ إلى ٣٦]</span>\n﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ قال:\nوعيد من الله تعالى للعباد وليس بالله شغل وهو فارغ، وكذا قال الضحاك: هذا وعيد، وقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه، وقال ابن جريج ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي سنقضي لكم.\nوقال البخاري (^٢): سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يقال لأتفرغن لك وما به شغل، يقول: لآخذنك على غرتك. وقوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ الثقلان: الإنس والجن كما جاء في الصحيح: «ويسمعها كل شيء إلا الثقلين» (^٣) وفي رواية «إلا الإنس والجن». وفي حديث الصور «الثقلان الإنس والجن» ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ أي لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب فلا يقدر أحد على الذهاب ﴿إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ أي إلا بأمر الله ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلاّ لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢].\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ولهذا قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الشواظ: هو لهب النار، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥٩٢.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٥ في الترجمة.\n(^٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٦٧، ٨٦، وأحمد في المسند ٣/ ٤.","vol":"7","page":458},{"text":"الشواظ الدخان، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع، وقال أبو صالح: الشواظ هو اللهيب الذي فوق النار ودون الدخان. وقال الضحاك ﴿شُواظٌ مِنْ نارٍ﴾ سيل من نار. وقوله تعالى: ﴿وَنُحاسٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَنُحاسٌ﴾ دخان النار، وروي مثله عن أبي صالح وسعيد بن جبير وأبي سنان.\nوقال ابن جرير (^١): والعرب تسمي الدخان نحاسا، بضم النون وكسرها، والقراء مجمعة على الضم، ومن النحاس بمعنى الدخان قول نابغة جعدة: [المتقارب] يضيء كضوء سراج السّليط … لم يجعل الله فيه نحاسا (^٢)\nيعني دخانا هكذا قال، وقد روى الطبراني من طريق جويبر عن الضحاك أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهدا على ذلك من اللغة، فأنشده قول أمية بن أبي الصلت في حسان: [الوافر] ألا من مبلغ حسّان عني … مغلغلة تدب إلى عكاظ (^٣)\nأليس أبوك فينا كان قينا … لدى القينات فسلا في الحفاظ\nيمانيّا يظل يشدّ كيرا … وينفخ دائبا لهب الشّواظ\nقال: صدقت فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له، قال: فهل تعرفه العرب؟ قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول: [المتقارب] يضيء كضوء سراج السليط … لم يجعل الله فيه نحاسا (^٤)\nوقال مجاهد: النحاس الصفر يذاب فيصب على رؤوسهم، وكذا قال قتادة، وقال الضحاك: ونحاس سيل من نحاس، والمعنى على كل قول لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار، والنحاس المذاب عليكم لترجعوا، ولهذا قال:\n﴿فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1904>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ إلى ٤٥]</span>\n﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٥٩٧.\n(^٢) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه ص ٨١، وجمهرة اللغة ص ٥٣٦، ولسان العرب (نحس)، (سلط)، وتاج العروس (نحس)، (سلط) والكامل ص ٤٧٧، والشعر والشعراء ص ٣٠٢، ولنابغة بني ذبيان في تفسير الطبري ١١/ ٥٩٨، وبلا نسبة في كتاب العين ٣/ ١٤٤، وتهذيب اللغة ٤/ ٣٢٠.\n(^٣) البيت الأول لأمية بن خلف الخزاعي في المقاصد النحوية ٤/ ٥٦٣، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٨٠٧، والبيتان الثاني والثالث لأمية بن خلف في لسان العرب (شوظ)، وتاج العروس (شوظ)\n(^٤) تقدم قبل قليل مع تخريجه، وقد نسبه ابن كثير قبل للنابغة الجعدي وهو الصحيح.","vol":"7","page":459},{"text":"يقول تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ يوم القيامة كما دلت عليه هذه الآيات مع ما شاكلها من الآيات الواردة في معناها كقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ وقوله:\n﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] وقوله: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١ - ٢] وقوله تعالى: ﴿فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ أي تذوب كما يذوب الدردي والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الصهباء، حدثنا نافع أبو غالب الباهلي، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم» قال الجوهري: الطش المطر الضعيف، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ قال: هو الأديم الأحمر، وقال أبو كدينة عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس ﴿فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ كالفرس الورد، وقال العوفي عن ابن عباس: تغير لونها، وقال أبو صالح: كالبرذون الورد، ثم كانت بعد كالدهان.\nوحكى البغوي وغيره أن الفرس الورد تكون في الربيع صفراء، وفي الشتاء حمراء، فإذا اشتد البرد تغير لونها، وقال الحسن البصري: تكون ألوانا. وقال السدي: تكون كلون البغلة الوردة، وتكون كالمهل كدردي الزيت، وقال مجاهد ﴿كَالدِّهانِ﴾ كألوان الدهان، وقال عطاء الخراساني: كلون دهن الورد في الصفرة، وقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذ لونها إلى الحمرة يوم ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم.\nوقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الرسلات: ٣٥ - ٣٦] فهذا في حال وثم حال يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم، وقال الله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:\n٩٢ - ٩٣] ولهذا قال قتادة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ قال: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا، لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟ فهذا قول ثان. وقال مجاهد في هذه الآية: لا تسأل الملائكة عن المجرمين بل يعرفون بسيماهم، وهذا قول ثالث، وكأن هذا بعد ما يؤمر بهم إلى النار فذلك الوقت لا يسألون عن\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٦٦، ٢٦٧.","vol":"7","page":460},{"text":"ذنوبهم بل يقادون إليها ويلقون فيها كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ أي بعلامات تظهر عليهم. وقال الحسن وقتادة: يعرفونهم باسوداد الوجوه وزرقة العيون. قلت:\nوهذا كما يعرف المؤمنون بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ أي يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك، وقال الأعمش عن ابن عباس: يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور، وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، وقال السدي:\nيجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط ناصيته بقدمه ويفتل ظهره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يعني جده، أخبرني عبد الرحمن، حدثني رجل من كندة قال: أتيت عائشة فدخلت عليها وبيني وبينها حجاب فقلت: حدثك رسول الله ﷺ أنه يأتي عليه ساعة لا يملك فيها لأحد شفاعة؟ قالت: نعم لقد سألته عن هذا وأنا وهو في شعار واحد قال: «نعم حين يوضع الصراط لا أملك لأحد فيها شفاعة حتى أعلم أين يسلك بي، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه حتى أنظر ماذا يفعل بي-أو قال يوحى-وعند الجسر حين يستحد ويستحر» فقالت: وما يستحد وما يستحر؟ قال يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجيزه لا يضره، وأما المنافق فيتعلق حتى إذا بلغ أوسطه خر من قدميه فيهوي بيديه إلى قدميه-قالت: فهل رأيت من يسعى حافيا فتأخذه شوكة حتى تكاد تنفذ قدميه، فإنه كذلك يهوي بيده ورأسه إلى قدميه فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدمه، فتقذفه في جهنم فيهوي فيها مقدار خمسين عاما-قلت: ما ثقل الرجل؟ قالت: ثقل عشر خلفات سمان فيومئذ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام». هذا حديث غريب جدا، وفيه ألفاظ منكر رفعها، وفي الإسناد من لم يسم ومثله لا يحتج به، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها، ها هي حاضرة تشاهدونها عيانا، يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتصغيرا وتحقيرا.\nوقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي تارة يعذبون في الجحيم وتارة يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء، وهذه كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:\n٧١ - ٧٢].\nوقوله تعالى: ﴿آنٍ﴾ أي حار قد بلغ الغاية في الحرارة لا يستطاع من شدة ذلك، قال ابن عباس في قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي قد انتهى غليه واشتد حره، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن والثوري والسدي وقال قتادة: قد آن طبخه منذ خلق الله السموات والأرض، وقال محمد بن كعب القرظي: يؤخذ العبد فيحرك بناصيته في","vol":"7","page":461},{"text":"ذلك الحميم حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان في الرأس وهي كالتي يقول الله تعالى:\n﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢] والحميم الآن يعني الحار، وعن القرظي رواية أخرى ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي حاضر وهو قول ابن زيد أيضا، والحاضر لا ينافي ما روي عن القرظي أولا أنه الحار كقوله تعالى: ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أي حارة شديدة الحر لا تستطاع، وكقوله: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] يعني استواءه ونضجه فقوله:\n﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي حميم حار جدا. ولما كان معاقبة العصاة المجرمين وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم عن عذابه وبأسه مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك قال ممتنا بذلك على بريته ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1905>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٦ إلى ٥٣]</span>\n﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣)﴾\nقال ابن شوذب وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ في أبي بكر الصديق، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار لعلّي أضل الله قال تاب يوما وليلة، بعد أن تكلم بهذا فقبل الله منه وأدخله الجنة (^١).\nوالصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره يقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ بين يدي الله ﷿ يوم القيامة ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ [النازعات: ٤٠] ولم يطغ ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى فأدى فرائض الله واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما قال البخاري ﵀: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (^٢) وأخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث عبد العزيز به، وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه في قوله تعالى:\n﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وفي قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ جنتان من ذهب للمقربين\n_________\n(^١) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٥، باب ١ و٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٦، والترمذي في الجنة باب ٣، ٧، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣، والدارمي في الرقاق باب ١٠١، وأحمد في المسند ٤/ ٤١١، ٤١٦.","vol":"7","page":462},{"text":"وجنتان من ورق لأصحاب اليمين.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار أخبرني أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ قرأ يوما هذه الآية ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق فقال: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: «وإن رغم أنف أبي الدرداء» ورواه النسائي من حديث محمد بن أبي حرملة به، ورواه النسائي أيضا عن مؤمل بن هشام عن إسماعيل عن الجريري، عن موسى عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبي الدرداء به، وقد روي موقوفا على أبي الدرداء، وروي عنه أنه قال: إن من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق.\nوهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتن الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ثم نعت هاتين الجنتين فقال: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ أي أغصان نضرة حسنة تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ هكذا قال عطاء الخراساني وجماعة أن الأفنان أغصان الشجر يمس بعضها بعضا، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا مسلم بن قتيبة، حدثنا عبد الله بن النعمان، سمعت عكرمة يقول: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ يقول: ظل الأغصان على الحيطان، ألم تسمع قول الشاعر: [الوافر] ما هاج شوقك من هديل حمامة … تدعو على فنن الغصون حماما (^٢)\nتدعو أبا فرخين صادف طاويا … ذا مخلبين من الصقور قطاما\nوحكى البغوي عن مجاهد وعكرمة والضحاك والكلبي، أنه الغصن المستقيم، قال:\nوحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ ذواتا ألوان، قال: وروي عن سعيد بن جبير والحسن والسدي وخصيف والنضر بن عربي وأبي سنان مثل ذلك، ومعنى هذا القول أن فيهما فنونا من الملاذ، واختاره ابن جرير، وقال عطاء: كل غصن يجمع فنونا من الفاكهة، وقال الربيع بن أنس ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ واسعتا الفناء وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها، والله أعلم، وقال قتادة: ذواتا أفنان يعني بسعتها وفضلها ومزيتها على ما سواها.\nوقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهى، فقال: «يسير في ظل الفنن منها الراكب\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٠٢.\n(^٢) البيتان بلا نسبة في تفسير الطبري ١١/ ٦٠٤.","vol":"7","page":463},{"text":"مائة سنة-أو قال يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب-فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال» (^١). ورواه الترمذي من حديث يونس بن بكير به.\nوقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه، قال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه في قوله: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وفي قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قال:\nجنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين.\n﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان فتثمر من جميع الألوان ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قال الحسن البصري: إحداهما يقال لها تسنيم، والأخرى السلسبيل. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين، ولهذا قال بعد هذا: ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ أي من جميع أنواع الثمار مما يعلمون وخير مما يعلمون، ومما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nقال إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس، ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل، وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء يعني أن بين ذلك بونا عظيما وفرقا بينا في التفاضل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1906>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٤ إلى ٦١]</span>\n﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)﴾\nيقول تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يعني أهل الجنة، والمراد بالاتكاء هاهنا الاضطجاع ويقال:\nالجلوس على صفة التربيع ﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ من الديباج، قاله عكرمة والضحاك وقتادة وقال أبو عمران الجوني، هو الديباج المزين بالذهب، فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى. قال أبو إسحاق عن هبيرة بن يريم عن عبد الله بن مسعود قال: هذه البطائن، فكيف لو رأيتم الظواهر (^٢). وقال مالك بن دينار:\nبطائنها من إستبرق وظواهرها من نور، وقال سفيان الثوري أو شريك: بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور جامد، وقال القاسم بن محمد: بطائنها من إستبرق وظواهرها من الرحمة، وقال ابن شوذب عن أبي عبد الله الشامي: ذكر الله البطائن ولم يذكر الظواهر، وعلى الظواهر المحابس ولا يعلم ما تحت المحابس إلا الله تعالى، ذكر ذلك كله الإمام ابن أبي حاتم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٩.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٦٠٥.","vol":"7","page":464},{"text":"﵀.\n﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ أي ثمرهما قريب إليهم متى شاؤوا تناولوه على أي صفة كانوا، كما قال تعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] وقال ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] أي لا تمتنع ممن تناولها بل تنحط إليه من أغصانها ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟﴾ ولما ذكر الفرش وعظمتها قال بعد ذلك ﴿فِيهِنَّ﴾ أي في الفرش ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أي غضيضات عن غير أزواجهن فلا يرين شيئا في الجنة أحسن من أزواجهن، قاله ابن عباس وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد، وقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك. ولا في الجنة شيئا أحب إلي منك فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك.\n﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أي بل هن أبكار عرب أتراب لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن، وهذه أيضا من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة، وقال أرطاة بن المنذر: سئل ضمرة بن حبيب هل يدخل الجن الجنة؟ قال: نعم وينكحون، للجن جنيات وللإنس إنسيات (^١)، وذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nثم قال ينعتهن للخطاب ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: في صفاء الياقوت وبياض المرجان، فجعلوا المرجان هاهنا اللؤلؤ. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من وراء سبعين حلة من الحرير حتى يرى مخها» (^٢) وذلك قول الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه، وهكذا رواه الترمذي من حديث عبيدة بن حميد وأبي الأحوص عن عطاء بن السائب به، ورواه موقوفا ثم قال: وهو أصح.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الثياب» تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.\nوقد روى مسلم حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٦٠٧.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٥.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٤٥.","vol":"7","page":465},{"text":"وإما تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على ضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب» (^١) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث همام بن منبه وأبي زرعة عن أبي هريرة ﵁.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة عن حميد عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده-يعني سوطه-من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولطاب ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» (^٣) ورواه البخاري من حديث أبي إسحاق عن حميد عن أنس بنحوه.\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ أي ما لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقال البغوي، حدثنا أبو سعيد الشريحي، حدثنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام، حدثنا الحجاج بن يوسف المكتب، حدثنا بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ وقال «هل تدرون ما قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» ولما كان في الذي ذكر نعم عظيمة لا يقاومها عمل بل مجرد تفضل وامتنان قال بعد ذلك كله ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ما رواه الترمذي والبغوي من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم عن أبي عقيل الثقفي، عن أبي فروة يزيد بن سنان الرهاوي عن بكير بن فيروز عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (^٤) ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر وروى البغوي من حديث علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة مولى حويطب بن عبد العزى، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله ﷺ يقص على المنبر وهو يقول: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فقلت الثانية:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ١٤.\n(^٢) المسند ٣/ ١٤١.\n(^٣) أخرجه البخاري في فضائل الجهاد باب ١٧.\n(^٤) أخرجه الترمذي في القيامة باب ١٨.","vol":"7","page":466},{"text":"وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال «وإن رغم أنف أبي الدرداء».\n\n<span data-type='title' id=toc-1907>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ إلى ٧٨]</span>\n﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)﴾\nهاتان الجنتان دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ وقد تقدم في الحديث: جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، فالأوليان للمقربين والأخريان لأصحاب اليمين وقال أبو موسى: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من فضة لأصحاب اليمين وقال ابن عباس ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ من دونهما في الدرج، وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل.\nوالدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه: [أحدها] أنه نعت الأوليين قبل هاتين والتقديم يدل على الاعتناء ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني وقال هناك ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ وهي الأغصان أو الفنون في الملاذ، وقال هاهنا ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أي سوداوان من شدة الري من الماء قال ابن عباس في قوله ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ قد اسودتا من الخضرة من شدة الري من الماء.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ قال: خضراوان. وروي عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن أبي أوفى وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في إحدى الروايات وعطاء وعطية العوفي والحسن البصري، ويحيى بن رافع وسفيان الثوري نحو ذلك، وقال محمد بن كعب ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ممتلئتان من الخضرة، وقال قتادة: خضراوان من الري ناعمتان ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض.\nوقال هناك ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ وقال هاهنا ﴿نَضّاخَتانِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، أي فياضتان والجري أقوى من النضخ، وقال الضحاك ﴿نَضّاخَتانِ﴾ أي ممتلئتان ولا تنقطعان وقال هناك ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وقال هاهنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة، وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم، ولهذا فسر قوله: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما، قال عبد بن حميد:","vol":"7","page":467},{"text":"حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا حصين بن عمر، حدثنا مخارق عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أفي الجنة فاكهة؟ قال: «نعم فيها فاكهة ونخل ورمان» قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال «نعم وأضعاف» قالوا: فيقضون الحوائج؟ قال «لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب الله ما في بطونهم من أذى».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نخل الجنة سعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم ومنها حللهم وكربها ذهب أحمر وجذوعها زمرد أخضر، وثمرها أحلى من العسل وألين من الزبد وليس له عجم، وحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد هو ابن سلمة عن أبي هارون عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كالبعير المقتب».\nثم قال: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ قيل: المراد خيرات كثيرة حسنة في الجنة قاله قتادة، وقيل: خيرات جمع خيرة وهي المرأة الصالحة الحسنة الخلق الحسنة الوجه، قاله الجمهور، وروي مرفوعا عن أم سلمة، وفي الحديث الآخر الذي سنورده في سورة الواقعة إن شاء الله تعالى أن الحور العين يغنين: نحن الخيرات الحسان خلقنا لأزواج كرام، ولهذا قرأ بعضهم ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ بالتشديد ﴿حِسانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nثم قال: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ وهناك قال: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ ولا شك أن التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قصرت وإن كان الجميع مخدرات، قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع بن سفيان عن جابر عن القاسم بن أبي بزة عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: إن لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليه كل يوم تحفة وكرامة وهدية، لم تكن قبل ذلك لا مرحات ولا طمحات ولا بخرات ولا ذفرات، حور عين كأنهن بيض مكنون.\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْخِيامِ﴾ قال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون» (^١) ورواه أيضا من حديث أبي عمران به وقال ثلاثون ميلا، وأخرجه مسلم من حديث أبي عمران به ولفظه «إن للمؤمنين في الجنة لخيمة من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٥، باب ٢، وبدء الخلق باب ٨، ومسلم في الجنة حديث ٢٣، و٢٥، والترمذي في الجنة باب ٣، والدارمي في الرقاق باب ١٠٩.","vol":"7","page":468},{"text":"لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهل يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة، أخبرني خليد العصري عن أبي الدرداء قال: الخيمة لؤلؤة واحدة فيها سبعون بابا من در، وحدثنا أبي، حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، حدثنا جرير عن هشام عن محمد بن المثنى عن ابن عباس في قوله تعالى، ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ قال: خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، وقال عبد الله بن وهب: أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء» (^١) ورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث به. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ قد تقدم مثله سواء إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفرف المحابس، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهما: هي المحابس، وقال العلاء بن بدر: الرفرف على السرير كهيئة المحابس المتدلي. وقال عاصم الجحدري ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ يعني الوسائد وهو قول الحسن البصري في رواية عنه، وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال: الرفرف رياض الجنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي: العبقري الزرابي، وقال سعيد بن جبير هي عتاق الزرابي يعني جيادها، وقال مجاهد: العبقري الديباج، وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ فقال: هي بسط أهل الجنة لا أبا لكم فاطلبوها، وعن الحسن رواية أنها المرافق، وقال زيد بن أسلم: العبقري أحمر وأصفر وأخضر، وسئل العلاء بن زيد عن العبقري فقال: البسط أسفل من ذلك. وقال أبو حرزة يعقوب بن مجاهد: العبقري من ثياب أهل الجنة لا يعرفه أحد، وقال أبو العالية: العبقري الطنافس المخملة إلى الرقة ما هي، وقال القتيبي: كل ثوب موشى عند العرب عبقري، وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي، وقال الخليل بن أحمد: كل شيء نفيس من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب عبقريا.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في صفة الجنة باب ٢٣.","vol":"7","page":469},{"text":"ومنه قول النبي ﷺ في عمر «فلم أر عبقريا يفري فريه» (^١) وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة فإنه قد قال هناك: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها اكتفاء بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ؟﴾ فوصف أهلها بالإحسان، وهو أعلى المراتب والنهايات كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخريين، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين.\nثم قال: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ أي هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، وقال ابن عباس ﴿ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ ذي العظمة والكبرياء.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عمير بن هانئ عن أبي العذراء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «أجلوا الله يغفر لكم» وفي الحديث الآخر «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان، وحامل القرآن غير المغالي فيه ولا الجافي عنه» (^٣) وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو يوسف الحربي حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا حميد الطويل عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» (^٤) وكذا رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به، ثم قال غلط المؤمل فيه وهو غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن النبي ﷺ.\nوقد قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن حسان المقدسي عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألظوا بذي الجلال والإكرام» ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك به، وقال الجوهري ألظ فلان بفلان إذا لزمه، وقول ابن مسعود ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام أي الزموا، يقال: الإلظاظ هو الإلحاح. [قلت] وكلاهما قريب من الآخر، والله أعلم، وهو المداومة واللزوم والإلحاح.\nوفي صحيح مسلم والسنن الأربعة من حديث عبد الله بن الحارث عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم لا يقعد يعني بعد الصلاة إلا بقدر ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٥، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٩.\n(^٢) المسند ٥/ ١٩٩.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٢٠.\n(^٤) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٩١.\n(^٥) المسند ٤/ ١٧٧.","vol":"7","page":470},{"text":"السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (^١).\n\nآخر تفسير سورة الرحمن ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ١٣٥، ١٣٦، وأبو داود في الوتر باب ٢٣، والترمذي في الصلاة باب ١٠٨، والنسائي في السهو باب ٥٨، ٨١، وابن ماجة في الإقامة باب ٣٢.","vol":"7","page":471},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1908>تفسير سورة الواقعة</span>\nوهي مكية\nقال أبو إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت، قال «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» (^١) رواه الترمذي وقال:\nحسن غريب قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن مسعود بسنده إلى عمرو بن الربيع بن طارق المصري: حدثنا السري بن يحيى الشيباني عن أبي شجاع عن أبي ظبية قال:\nمرض عبد الله مرضه الذي توفي فيه، فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي.\nقال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال:\nألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه؟ قال: يكون لبناتك من بعدك. قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا».\nثم قال ابن عساكر: كذا قال، والصواب عن شجاع كما رواه عبد الله بن وهب عن السري.\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني السري بن يحيى أن شجاعا حدثه عن أبي ظبية عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» فكان أبو ظبية لا يدعها، وكذا رواه أبو يعلى عن إسحاق بن إبراهيم عن محمد بن منيب عن السري بن يحيى عن شجاع عن أبي ظبية عن ابن مسعود به.\nثم رواه عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن محمد بن منيب العدني عن السري بن يحيى عن أبي ظبية عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» لم يذكر في مسنده شجاعا قال: وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة. وقد رواه ابن عساكر أيضا من حديث حجاج بن نصير وعثمان بن اليمان عن السري بن يحيى عن شجاع عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله فأتاه عثمان بن عفان يعوده، فذكر الحديث بطوله، قال عثمان بن اليمان: كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة ٥٦، باب ٦.","vol":"8","page":3},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل ويحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، وكانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1909>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ إلى ١٢]</span>\n﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾\nالواقعة من أسماء يوم القيامة سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ أي ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها ولا دافع يدفعها كما قال: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ [الشورى: ٤٧] وقال ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢] وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]. ومعنى ﴿كاذِبَةٌ﴾ كما قال محمد بن كعب لا بد أن تكون، وقال قتادة: ليس فيها مثنوية ولا ارتداد ولا رجعة قال ابن جرير (^٢): والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية.\nوقوله تعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أي تخفض أقواما إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء، هكذا قال الحسن وقتادة وغيرهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعني، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن أبيه عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تخفض أقواما وترفع آخرين، وقال عبيد الله العتكي عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. وقال محمد بن كعب: تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين، وقال السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أسمعت القريب والبعيد،\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٠٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٢٢.","vol":"8","page":4},{"text":"وقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى، وكذا قال الضحاك وقتادة.\nوقوله تعالى: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ أي حركت تحريكا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد في قوله تعالى: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ أي زلزلت زلزالا، وقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ أي فتتت فتا، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم، وقال ابن زيد صارت الجبال كما قال الله تعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قال أبو إسحاق عن الحارث عن علي ﵁:\nهباء منبثا كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئا، وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته. وقال قتادة ﴿هَباءً مُنْبَثًّا﴾ كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح. وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة وذهابها وتسييرها ونسفها أي قلعها وصيرورتها كالعهن المنفوش.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش. وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم ويؤخذ بهم ذات اليمين، وقال السدي: وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمائلهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار-عياذا بالله من صنيعهم-وطائفة سابقون بين يديه ﷿، وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عددا من أصحاب اليمين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [فاطر:٣٢] الآية.\nوذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه، قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قال: هي التي في سورة الملائكة ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال ابن جريج عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون","vol":"8","page":5},{"text":"في آخر السورة وفي سورة الملائكة، وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قال: أصنافا ثلاثة.\nوقال مجاهد ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ يعني فرقا ثلاثة. وقال ميمون بن مهران: أفواجا ثلاثة، وقال عبيد الله العتكي عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ اثنان في الجنة وواحد في النار (^١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] قال: الضرباء، كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله، وذلك بأن الله تعالى يقول ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قال: هم الضرباء.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثنا البراء الغنوي، حدثنا الحسن عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ﴾ فقبض بيده قبضتين فقال: «هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي».\nوقال الإمام أحمد (^٣) أيضا: حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» وقال محمد بن كعب وأبو حرزة ويعقوب بن مجاهد ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هم الأنبياء ﵈. وقال السدي: هم أهل عليين، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قال: يوشع بن نون، سبق إلى موسى ومؤمن آل يس، سبق إلى عيسى وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله ﷺ.\nرواه ابن أبي حاتم عن محمد بن هارون الفلاس عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزاز، عن شعيب بن الضحاك المدائني عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح به.\nوقال ابن أبي حاتم وذكر عن محمد بن أبي حماد: حدثنا مهران عن خارجة عن قرة عن ابن سيرين ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ الذين صلوا إلى القبلتين ورواه ابن جرير (^٤) من حديث خارجة به. وقال الحسن وقتادة ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ أي من كل أمة، وقال الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثم قال: أولهم رواحا إلى\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٦٢٦.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٣٩.\n(^٣) المسند ٦/ ٦٧، ٦٩.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٦٢٧.","vol":"8","page":6},{"text":"المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله (^١)، وهذه الأقوال كلها صحيحة فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] وقال فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا يحيى بن زكريا القزاز الرازي، حدثنا خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة يا رب جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون فاجعل لنا الآخرة، فقال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثا فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. ثم قرأ عبد الله ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية ولفظه: فقال الله ﷿: لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1910>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ إلى ٢٦]</span>\n﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم ثلة أي جماعة من الأولين وقليل من الآخرين، وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية وبالآخرين هذه الأمة، وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري، رواها عنهما ابن أبي حاتم:\nوهو اختيار ابن جرير واستأنس بقوله ﷺ: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد.\nومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال:\nلما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فقال النبي ﷺ: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني» ورواه الإمام\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٢٧.","vol":"8","page":7},{"text":"أحمد (^١) عن أسود بن عامر عن شريك عن محمد بياع الملاء عن أبيه عن أبي هريرة فذكره.\nوقد روي من حديث جابر نحو هذا، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمار، حدثنا عبد ربه بن صالح عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ: لما نزلت ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ ذكر فيها ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال عمر: يا رسول الله ثلة من الأولين وقليل منا؟ قال: فأمسك آخر السورة سنة ثم نزل ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: «يا عمر تعال فاسمع ما قد أنزل الله ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ألا وإن من آدم إلى ثلة وأمتي ثلة، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» هكذا أورده في ترجمة عروة بن رويم إسنادا ومتنا، ولكن في إسناده نظر، وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله ﷺ: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» الحديث بتمامه وهو مفرد في صفة الجنة، ولله الحمد والمنة. وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن لمقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، هو أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي من صدر هذه الأمة ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي من هذه الأمة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا عبد الله بن بكر المزني، سمعت الحسن أتى على هذه الآية ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فقال:\nما السابقون فقد مضوا ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين. ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو لوليد، حدثنا السري بن يحيى قال: قرأ الحسن ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ قال ثلة ممن مضى من هذه الأمة.\nوحدثنا أبي حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري حدثنا أبو هلال عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة، ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (^٢) الحديث بتمامه.\n_________\n(^١) المسند: ٢/ ٣٩١.\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ باب ١، والترمذي في الفتن باب ٤٥، وابن ماجة في الأحكام باب ٢٧، وأحمد في المسند ١/ ٣٧٨.","vol":"8","page":8},{"text":"فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زياد أبو عمر عن الحسن عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره» فهذا الحديث، بعد الحكم بصحة إسناده، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لو لاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال ﵇ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة» وفي لفظ «حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك» (^٢) والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ، أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وفي لفظ «مع كل ألف سبعون ألفا-وفي آخر-مع كل واحد سبعون ألفا (^٣).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام بن يزيد الطبراني، حدثنا محمد هو ابن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم يعني ابن زرعة عن شريح هو ابن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة لما جاء مع محمد ﷺ أكثر مما جاء مع الأنبياء ﵈».\nوحسن أن يذكر هاهنا عند قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة حيث قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبد الله بن مسرح الحراني، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي ابن زمل الجهني ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح يقول وهو ثان رجليه «سبحان الله وبحمده أستغفر الله إن الله كان توابا» سبعين مرة ثم يقول: «سبعين بسبعمائة لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة» ثم يقول ذلك مرتين ثم يستقبل الناس بوجهه.\nوكان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا ثم يقول «هل رأى أحد منكم شيئا؟» قال ابن زمل:\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣١٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١٠، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤٧.\n(^٣) أخرجه البخاري في اللباس باب ١٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٦٩، ٣٧٠، ٣٧٣.","vol":"8","page":9},{"text":"فقلت أنا يا رسول الله، فقال «خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك» فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لا حب (^١) والناس على الجادة (^٢) منطلقين، فبينما هم كذلك إذ أشفى (^٣) ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفا يقطر ماؤه فيه من أنواع الكلأ، قال وكأني بالرعلة (^٤) الأولى حين أشفوا على المرج كبروا ثم أكبّوا (^٥) رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه (^٦) يمينا ولا شمالا، قال فكأني أنظر إليهم منطلقين، ثم جاءت الرعلة الثانية، وهم أكثر منهم أضعافا فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع (^٧) ومنهم الآخذ الضغث (^٨)، ومضوا على ذلك، قال ثم قدم عظم الناس (^٩)، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا هذا خير المنزل، كأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل (^١٠) أقنى (^١١) إذا هو تكلم يسمو فيفرع (^١٢) الرجال طولا، وإذا عن يسارك رجل ربعة باذ (^١٣) كثير خيلان الوجه (^١٤)، كأنما حمّم شعره بالماء (^١٥) إذا هو تكلم أصغيتم إكراما له، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها كلكم تأمونه تريدونه وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف (^١٦)، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها.\nقال: فامتقع لون رسول الله ﷺ ساعة ثم سري عنه، وقال رسول الله ﷺ: «أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى وأنتم عليه، وأما المرج الذي\n_________\n(^١) لاحب: واسع لا ينقطع.\n(^٢) الجادة: وسط الطريق.\n(^٣) أشفى: أي أشرف.\n(^٤) الرعلة: القطعة من الفرسان.\n(^٥) أكبّوا رواحلهم في الطريق: أي ألزموها الطريق.\n(^٦) لم يظلموه: أي لم يعدلوا عنه.\n(^٧) المرتع: هو الذي يخلي ركابه ترتع.\n(^٨) الضغث: ملء اليد من الحشيش المختلط.\n(^٩) عظم الناس: معظمهم.\n(^١٠) الشثل: الغليظ الأصابع خشنها.\n(^١١) الأقنى: ارتفاع في أعلى الأنف واحديداب في وسطه.\n(^١٢) يفرع الرجال طولا: أي يعلوهم.\n(^١٣) يقال: باذ الهيئة: أي رث الهيئة، وهي صفة للتواضع.\n(^١٤) كثير خيلان الوجه الخال: الشامة في الوجه.\n(^١٥) حمّم شعر بالماء: أي سوّد، لأن الشعر إذا غسل بالماء ظهر سواده.\n(^١٦) الشارف: الناقة المسنة.","vol":"8","page":10},{"text":"رأيت فالدنيا وغدارة عيشها، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ولم تتعلق منا ولم نردها ولم تردنا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافا، فمنهم المرتع ومنهم الآخذ الضغث ونجوا على ذلك، ثم جاء عظم الناس فمالوا في المرج يمينا وشمالا فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفا، وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل فذلك موسى ﵇، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه، والذي رأيت عن يساري الباذ الربعة الكثير خيلان الوجه كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى ابن مريم نكرمه لإكرام الله إياه، وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقا ووجها فذاك أبونا إبراهيم كلنا نؤمه ونقتدي به، وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي «قال: فما سأل رسول الله ﷺ عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيء الرجل فيحدثه بها متبرعا.\nوقوله تعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قال ابن عباس: أي مرمولة بالذهب يعني منسوجة به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وقتادة والضحاك وغيره، وقال السدي: مرمولة بالذهب واللؤلؤ، وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت، وقال ابن جرير (^١):\nومنه يسمى وضين الناقة الذي تحت بطنها، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مضفور، وكذلك السرر في الجنة مضفورة بالذهب واللئالئ.\nوقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ أي وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي مخلدون على صفة واحدة لا يتكبرون عنها ولا يشيبون ولا يتغيرون ﴿بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أما الأكواب فهي الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان، والأباريق التي جمعت الوصفين والكؤوس الهنابات، والجميع من خمر من عين جارية معين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون سارحة.\nوقوله تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ أي لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال. وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطية وقتادة والسدي ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ يقول ليس لهم فيها صداع رأس وقالوا في قوله: ﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ أي لا تذهب بعقولهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أي ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار، وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، ويدل على\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٢٨.","vol":"8","page":11},{"text":"ذلك حديث عكراش بن ذؤيب الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده، حدثنا العباس بن الوليد النرسي، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية، حدثنا عبيد الله بن عكراش عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: بعثني بنو مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ، فقدمت المدينة فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى (^١) قال: «من الرجل؟» قلت: عكراش بن ذؤيب، قال «ارفع في النسب» فانتسبت له إلى مرة بن عبيد وهذه صدقة مرة بن عبيد، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «هذه إبل قومي هذه صدقات قومي» ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضم إليها، ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أم سلمة فقال: «هل من طعام؟» فأتينا بجفنة كالقصعة كثيرة الثريد والوذر (^٢)، فجعل يأكل منها فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمنى فقال: يا عكراش، كل من موضع واحد فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب شك عبيد الله رطبا كان أو تمرا، فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق وقال: يا عكراش، كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد. ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يده ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثا ثم قال: «يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار» (^٣).\nوهكذا رواه الترمذي مطولا وابن ماجة جميعا عن محمد بن بشار عن أبي الهذيل العلاء بن الفضل به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا بهز بن أسد وعفان، وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا شيبان، قالوا حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت قال: قال أنس كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلا، كان النبي ﷺ قد بعث سرية قبل ذلك فجيء بهم عليهم ثياب طلس (^٥) تشخب أوداجهم، فقيل اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذخ، قال فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاؤوا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم فأتى البشير من تلك السرية، فقال ما كان\n_________\n(^١) الأرطى: شجر عروقه حمر طوال.\n(^٢) الوذر: قطع من اللحم لا عظم فيها، واحدتها: وذرة.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الأطعمة باب ٤١، وابن ماجة في الأطعمة باب ١١.\n(^٤) المسند ٣/ ١٣٥.\n(^٥) ثياب طلس: ثياب مغبرة.","vol":"8","page":12},{"text":"من رؤيا كذا وكذا فأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلا، فدعا رسول الله ﷺ المرأة، فقال قصي رؤياك، فقصتها وجعلت تقول فجيء بفلان وفلان كما قال. هذا لفظ أبي يعلى، قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة عادت مكانها أخرى».\nوقوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ قال الإمام أحمد (^١): حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «إن طير الجنة كأمثال البخت يرعى في شجر الجنة» فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة، فقال «آكلها أنعم منها-قالها ثلاثا-وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها» انفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة من حديث إسماعيل بن علي الخطمي عن أحمد بن علي الخيوطي عن عبد الجبار بن عاصم عن عبد الله بن زياد، عن زرعة عن نافع عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي ﷺ طوبى فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال «طوبى شجرة في الجنة ما يعلم طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا ورقها الحلل يقع عليها الطير كأمثال البخت» فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هناك لطيرا ناعما؟ قال «أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله تعالى» وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون، قال «من يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر».\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني مجاهد بن موسى، حدثنا معن بن عيسى، حدثني ابن أخي ابن شهاب عن أبيه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ سئل عن الكوثر فقال: «نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق الجزر» فقال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله ﷺ: «آكلها أنعم منها» (^٢) وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن القعنبي عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب عن أبيه عن أنس، وقال حسن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن الوليد الرصافي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٢١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في صفة الجنة باب ١٠.","vol":"8","page":13},{"text":"«إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنة فينتفض، فيخرج من كل ريشة يعني لونا أبيض من اللبن وألين من الزبد وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه ثم يطير» هذا حديث غريب جدا والرصافي وشيخه ضعيفان، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أبي حازم عن عطاء عن كعب قال: إن طائر الجنة أمثال البخت يأكل من ثمرات الجنة ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له فإذا اشتهى منها شيئا أتى حتى يقع بين يديه، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير لم ينقص منه شيء، صحيح إلى كعب وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا».\nوقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قرأ بعضهم بالرفع وتقديره ولهم فيها حور عين! وقراءة الجر تحتمل معنيين: أحدهما أن يكون الإعراب على الإتباع بما قبله كقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ﴾ كما قال تعالى:\n﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكما قال تعالى: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١] والاحتمال الثاني أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين، ولكن يكون ذلك في القصور لا بين بعضهم بعضا، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه كما تقدم في سورة الصافات ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] وقد تقدم في سورة الرّحمن وصفهن أيضا، ولهذا قال: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل.\nثم قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ أي لا يسمعون في الجنة كلاما لاغيا أي عبثا خاليا عن المعنى أو مشتملا على معنى حقير أو ضعيف كما قال ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أي كلمة لاغية ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أي ولا كلاما فيه قبح ﴿إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وكلامهم أيضا سالم من اللغو والإثم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1911>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٧ إلى ٤٠]</span>\n﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾\nلما ذكر تعالى مآل السابقين وهم المقربون، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين وهم","vol":"8","page":14},{"text":"الأبرار، كما قال ميمون بن مهران أصحاب اليمين منزلتهم دون المقربين فقال ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ أي أي شيء أصحاب اليمين وما حالهم وكيف مآلهم. ثم فسر ذلك فقال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو الأحوص وقسامة بن زهير والسفر بن نسير، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وأبو حزرة وغيرهم: هو الذي لا شوك فيه، وعن ابن عباس: هو الموقر بالثمر، وهو رواية عن عكرمة ومجاهد، وكذا قال قتادة أيضا: كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك فيه، والظاهر أن المراد هذا وهذا، فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على عكس من هذا لا شوك فيه وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله.\nكما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد، حدثنا محمد بن محمد هو البغوي، حدثني حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله: «وما هي؟» قال السدر فإن له شوكا مؤذيا. فقال رسول الله ﷺ:\n«أليس الله تعالى يقول ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرا تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونا من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر».\n[طريق آخر] قال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، حدثني حبيب بن عبيد عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ: فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها، يعني الطلح، فقال رسول الله ﷺ «إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر» وقوله ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ الطلح شجر عظام يكون بأرض الحجاز من شجر العضاه واحدته طلحة، وهو شجر كثير الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض الحداة: [البسيط] بشّرها دليلها وقالا … غدا ترين الطلح والجبالا (^١)\nوقال مجاهد ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي متراكم الثمر يذكر بذلك قريشا لأنهم كانوا يعجبون من وجّ ظلاله من طلح وسدر وقال السدي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ مصفود. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل، قال الجوهري والطلح لغة في الطلع قلت: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد عن شيخ من همدان قال: سمعت عليا يقول هذا الحرف في\n_________\n(^١) البيت للجعدي في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧/ ٢٠٨، وفيه «والأحبالا» بدل «والجبالا»، وبلا نسبة في تفسير الطبري ١١/ ٦٣٦.","vol":"8","page":15},{"text":"﴿طَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾، قال: طلع منضود، فعلى هذا يكون من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود، وهو الذي لا شوك له، وأن طلعه منضود وهو كثرة ثمره، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية عن إدريس عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قال الموز، قال وروي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك وبه قال مجاهد وابن زيد: وزاد فقال:\nأهل اليمن يسمون الموز الطلح، ولم يحك ابن جرير غير هذا القول.\nوقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (^١) ورواه مسلم من حديث الأعرج به. وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سريج، حدثنا فليح عن هلال بن علي، عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» وكذا رواه مسلم من حديث الأعرج به. وكذا رواه البخاري (^٣) عن محمد بن سنان عن فليح به، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، وكذا رواه حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة والليث بن سعد عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة: وعوف عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين-أو مائة-سنة هي شجرة الخلد». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ إسناده جيد ولم يخرجوه، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن عبدة وعبد الرّحيم والبخاري، كلهم عن محمد بن عمرو به، وقد رواه الترمذي من حديث عبد الرّحمن بن سليمان به.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٦، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٦، ٨.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٨٢.\n(^٣) كتاب بدء الخلق باب ٨.\n(^٤) المسند ٢/ ٤٤٥.\n(^٥) تفسير الطبري ١١/ ٦٣٧.","vol":"8","page":16},{"text":"اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ فبلغ ذلك كعبا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد، لو أن رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما، إن الله غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء ستار الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن منهال الضرير: حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال:\n«في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» وكذا رواه البخاري (^١) عن روح بن عبد المؤمن عن يزيد بن زريع، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران بن داود القطان عن قتادة به، وكذا رواه معمر وأبو هلال عن قتادة به، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد عن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمّر (^٢) السريع مائة عام ما يقطعها» (^٣) فهذا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ، بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد، لتعدد طرقه وقوة أسانيده وثقة رجاله.\nوقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو حصين قال: كنا على باب في موضع ومعنا أبو صالح وشقيق يعني الضبي، فحدث أبو صالح قال:\nحدثني أبو هريرة قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما، قال أبو صالح:\nأتكذب أبا هريرة؟ قال: ما أكذب أبا هريرة ولكني أكذبك أنت، فشق ذلك على القراء يومئذ.\nقلت: فقد أبطل من يكذب بهذا الحديث مع ثبوته وصحته ورفعه إلى رسول الله ﷺ وقال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز عن أبيه عن جده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب» (^٥) ثم قال: حسن غريب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا أبو عامر العقدي عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيها، مائة عام، قال: فيخرج إليها أهل الجنة أهل\n_________\n(^١) كتاب بدء الخلق باب ٨.\n(^٢) الجواد المضمّر: هو الذي يعلف حتى يسمن، ثم يرد ليخف، وقيل: هو الذي يشد عليه السرج حتى يعرق تحته فيذهب رهله ويشتد لحمه.\n(^٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٥١، ومسلم في الجنة حديث ٨.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٦٣٩.\n(^٥) أخرجه الترمذي في الجنة باب ١.","vol":"8","page":17},{"text":"الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها، قال: فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا. هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان حدثنا سفيان، حدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال سبعون ألف سنة، وكذا رواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان مثله، ثم قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال: خمسمائة ألف سنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا حصين بن نافع عن الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال: في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، وقال عوف عن الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» رواه ابن جرير وقال شبيب عن عكرمة عن ابن عباس: في الجنة شجر لا يحمل يستظل به، رواه ابن أبي حاتم، وقال الضحاك والسدي وأبو حزرة في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لا ينقطع، ليس فيها شمس ولا حر مثل قبل طلوع الفجر، وقال ابن مسعود: الجنة سجسج (^٢) كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقد تقدمت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] وقوله: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥] وقوله: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] إلى غير ذلك من الآيات وقوله تعالى:\n﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قال الثوري: يجري في غير أخدود، وقد تقدم الكلام عند تفسير قوله تعالى:\n﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] الآية. بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أي وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى:\n﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أي يشبه الشكل الشكل ولكن الطعم غير الطعم، وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى: «فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر» (^٣). وفيهما أيضا من حديث مالك عن زيد عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه فذكر الصلاة، وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت، قال: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا».\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٣٧.\n(^٢) الجنة سجسج: أي ظلها معتدل، لا حر ولا برد.\n(^٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٦، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٩.","vol":"8","page":18},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا ابن عقيل عن جابر قال: بينا نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا معه، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال أبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما كنت تصنعه، قال: «إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقص منه» (^١) وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر نحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فسأله عن الحوض وذكر الجنة ثم قال الأعرابي: فيها فاكهة؟ قال: «نعم وفيها شجرة تدعى طوبى». قال: فذكر شيئا لا أدري ما هو، قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: «ليست تشبه شيئا من شجر أرضك؟» فقال النبي ﷺ أتيت الشام؟ قال: لا. قال:\n«تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحدة وينفرش أعلاها». قال: ما عظم العنقود؟ قال: «مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر». قال: ما عظم أصلها؟ قال: «لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما» قال: فيها عنب؟ قال: «نعم» قال: فما عظم الحبة؟ قال: «هل ذبح أبوك تيسا من غنمه قط عظيما؟» قال: نعم، قال: «فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال اتخذي لنا منه دلوا؟» قال: نعم. قال الأعرابي: فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال: «نعم وعامة عشيرتك».\nوقوله تعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أي لا تنقطع شتاء ولا صيفا بل أكلها دائم مستمر أبدا، مهما طلبوا وجدوا لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء، وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عود ولا شوك ولا بعد، وقد تقدم في الحديث «إذا تناول الرجل الثمرة عادت مكانها أخرى» وقوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أي عالية وطيئة ناعمة قال النسائي وأبو عيسى الترمذي:\nحدثنا أبو كريب، حدثنا رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام (^٣) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، قال: وقال بعض أهل العلم: معنى هذا الحديث ارتفاع الفرش في الدرجات وبعد ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، هكذا قال إنه لا يعرف هذا إلا من رواية رشدين بن سعد، وهو المصري وهو ضعيف، وهكذا رواه أبو جعفر بن جرير عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٥٣.\n(^٢) المسند ٤/ ١٨٤.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٨.","vol":"8","page":19},{"text":"كريب عن رشدين به.\nثم رواه هو وابن أبي حاتم كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث فذكره، وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضا عن نعيم بن حماد عن ابن وهب، وأخرجه الضياء في صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وهب به مثله، ورواه الإمام (^١) أحمد عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة، حدثنا دراج فذكره. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية عن جويبر عن أبي سهل يعني كثير بن زياد عن الحسن ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: ارتفاع فراش الرجل من أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا عُرُبًا أَتْرابًا لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ جرى الضمير على غير مذكور. ولكن لما دل السياق وهو ذكر الفرش على النساء اللاتي يضاجعن فيها اكتفى بذلك عن ذكرهن وعاد الضمير عليهن كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [ص: ٣١ - ٣٢] يعني الشمس على المشهور من قول المفسرين، وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً﴾ أضمرهن ولم يذكرهن قبل ذلك، وقال أبو عبيدة: ذكرن في قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ فقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ﴾ أي أعدناهن في النشأة الأخرى بعد ما كن عجائز رمصا (^٢)، صرن أبكارا عربا أي بعد الثيوبة عدن أبكارا عربا متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة.\nوقال بعضهم ﴿عُرُبًا﴾ أي غنجات، قال موسى بن عبيدة الربذي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً﴾ قال نساء عجائز كن في الدنيا عمشا رمصا» (^٣) رواه الترمذي وابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم ثم قال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم يعني ابن أبي إياس، حدثنا شيبان عن جابر عن يزيد بن مرة عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً﴾ يعني الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا. وقال عبد بن حميد: حدثنا مصعب بن مقدام، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: أتت عجوز فقالت يا رسول الله ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز» قال: فولت تبكي. قال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا﴾». وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن عبد بن حميد.\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٧٥.\n(^٢) الرمص، بفتحتين: وسخ أبيض يجتمع في العين.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥٦، باب ٥.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٦٤١.","vol":"8","page":20},{"text":"وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي، أخبرنا سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ قال: «حور بيض عين ضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر» قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قال: «صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي» قلت: أخبرني عن قوله:\n﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ قال «خيرات الأخلاق حسان الوجوه» قلت: أخبرني عن قوله ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: «رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر وهو الغرقئ» قلت: يا رسول الله أخبرني عن قوله ﴿عُرُبًا أَتْرابًا﴾ قال «هن اللواتي قبضن في الدار الدنيا عجائز رمصا شمصا، خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عربا متعشقات محببات أترابا على ميلاد واحد» قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة» قلت: يا رسول الله وبم ذاك؟ قال:\n«بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ﷿. ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير.\nبيض الألوان خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب، يقلن نحن الخالدات فلا نموت أبدا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، طوبى لمن كنا له وكان لنا» قلت: يا رسول الله المرأة منا تتزوج زوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها، من يكون زوجها؟ قال: «يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا، فتقول يا رب إن هذا كان أحسن خلقا معي فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة».\nوفي حديث الصور الطويل المشهور أن رسول الله ﷺ، يشفع للمؤمنين كلهم في دخول الجنة، فيقول الله تعالى قد شفعتك وأذنت لهم بدخولها، فكان رسول الله ﷺ يقول: «والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة سبعين مما ينشئ الله، وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس وإستبرق، وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة، يعني وكبدها له مرآة، فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها إلا أنه لا مني ولا منية، فبينما هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل، إلا أن لك أزواجا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شيء أحسن منك، وما في الجنة شيء أحب إلي منك» وقال عبد الله بن وهب:","vol":"8","page":21},{"text":"أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال له: أنطأ في الجنة؟ قال «نعم، والذي نفسي بيده دحما دحما (^١)، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا».\nوقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه البغدادي، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي حدثنا معلى بن عبد الرّحمن الواسطي، حدثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا».\nوقال أبو داود الطيالسي: أخبرنا عمران عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في النساء، قلت: يا رسول الله ويطيق ذلك؟ قال: يعطى قوة مائة» (^٢) ورواه الترمذي من حديث أبي داود وقال: صحيح غريب. وروى أبو القاسم الطبراني من حديث حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ قال: «إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء» قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: هذا الحديث عندي على شرط الصحيح والله أعلم.\nوقوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني متحببات إلى أزواجهن، ألم تر إلى الناقة الضبعة (^٣) هي كذلك، وقال الضحاك عن ابن عباس: العرب العواشق لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون، وكذا قال عبد الله بن سرجس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية ويحيى بن أبي كثير وعطية والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، وقال ثور بن يزيد عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال: هي الملقة لزوجها. وقال شعبة عن سماك عن عكرمة: هي الغنجة. وقال الأجلح بن عبد الله عن عكرمة: هي الشكلة، وقال صالح بن حيّان عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال: الشكلة بلغة أهل مكة والغنجة بلغة أهل المدينة، وقال تميم بن حذلم: هي حسن التبعل. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرّحمن: العرب حسنات الكلام وقال ابن أبي حاتم ذكر عن سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «﴿عُرُبًا﴾ -قال-كلامهن عربي».\nوقوله: ﴿أَتْرابًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: يعني في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة، وقال مجاهد: الأتراب المستويات، وفي رواية عنه الأمثال، وقال عطية الأقران وقال السدي\n_________\n(^١) دحمة: دفعه شديدا، ودحم المرأة: نكحها بدفع وقوة.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٦.\n(^٣) ضبعت الناقة: أي اشتهت الفحل.","vol":"8","page":22},{"text":"﴿أَتْرابًا﴾ أي في الأخلاق المتواخيات بينهن، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني لا كما كن ضرائر متعاديات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن عبد الله بن الكهف عن الحسن ومحمد ﴿عُرُبًا أَتْرابًا﴾ قالا: المستويات الأسنان يأتلفن جميعا ويلعبن جميعا.\nوقد روى أبو عيسى الترمذي عن أحمد بن منيع عن أبي معاوية عن عبد الرّحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن أصواتا لم تسمع الخلائق بمثلها-قال-يقلن نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له» (^١) ثم قال:\nهذا حديث غريب.\nوقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذئب عن فلان ابن عبد الله بن رافع عن بعض ولد أنس بن مالك عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الحور العين ليغنين في الجنة يقلن نحن خيرات حسان خبئنا لأزواج كرام» قلت: إسماعيل بن عمر هذا هو أبو المنذر الواسطي أحد الثقات الأثبات. وقد روى هذا الحديث الإمام عبد الرّحيم بن إبراهيم الملقب بدحيم عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب عن عون بن الخطاب بن عبد الله بن رافع عن ابن لأنس عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الحور العين يغنين في الجنة نحن الحور الحسان خلقنا لأزواج كرام» وقوله تعالى: ﴿لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ أي خلقن لأصحاب اليمين أو ادخرن لأصحاب اليمين أو زوجن لأصحاب اليمين، والأظهر أنه متعلق بقوله ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا عُرُبًا أَتْرابًا لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ فتقديره أنشأناهن لأصحاب اليمين، وهذا توجيه ابن جرير.\nوروي عن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى قال: صليت ليلة ثم جلست أدعو وكان البرد شديدا فجعلت أدعو بيد واحدة، فأخذتني عيني فنمت فرأيت حوراء لم ير مثلها وهي تقول: يا أبا سليمان أتدعو بيد واحدة وأنا أغذى لك في النعيم منذ خمسمائة سنة.\nقلت: ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ متعلقا بما قبله وهو قوله: ﴿أَتْرابًا لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ أي في أسنانهم، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٢٤.","vol":"8","page":23},{"text":"أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد بن هارون وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة وروى الطبراني واللفظ له من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع».\nوروى الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن عمران القطان عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرّحمن بن غنم عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ: «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين بني ثلاث وثلاثين سنة» (^٣) ثم قال: حسن غريب.\nوقال ابن وهب: أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار» (^٤) ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث به.\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا رواد بن الجراح العسقلاني، حدثنا الأوزاعي عن هارون بن رئاب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك! على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون» وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد قالا: حدثنا عمر عن الأوزاعي عن هارون بن رئاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين جردا مردا مكحلين. ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم».\nوقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين عن عبد الله بن مسعود، قال وكان بعضهم يأخذ عن بعض قال: أكرينا (^٥) ذات ليلة عند رسول الله ﷺ ثم غدونا عليه فقال: «عرضت علي الأنبياء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ١، ومسلم في الجنة حديث ١٥، ١٦.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٩٥، ٣٤٣.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٨.\n(^٤) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٢٣.\n(^٥) أكرينا: أي أطلنا وأخرنا.","vol":"8","page":24},{"text":"وأتباعها بأممها فيمر علي النبي والنبي في العصابة! والنبي في الثلاثة والنبي وليس معه أحد- وتلا قتادة هذه الآية ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] قال: حتى مر علي موسى بن عمران في كبكبة (^١) من بني إسرائيل قال: قلت ربي من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومن تبعه من بني إسرائيل! قال: قلت رب فأين أمتي؟ قال: انظر عن يمينك في الظّراب (^٢) قال فإذا وجوه الرجال قال: قال أرضيت؟ قال: قلت: قد رضيت رب.\nقال: انظر إلى الأفق عن يسارك فإذا وجوه الرجال قال: أرضيت؟ قلت: قد رضيت رب.\nقال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب». قال وأنشأ عكاشة بن محصن من بني أسد قال سعيد وكان بدريا قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: فقال «اللهم اجعله منهم» قال أنشأ رجل آخر قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: «سبقك بها عكاشة» قال: فقال رسول الله ﷺ: «فإن استطعتم فداكم أبي وأمي أن تكونوا من أصحاب السبعين فافعلوا، وإلا فكونوا من أصحاب الظّراب، وإلا فكونوا من أصحاب الأفق، فإني قد رأيت أناسا كثيرا قد تأشّبوا حوله-ثم قال-إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» فكبرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» قال: فكبرنا قال: «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» قال فكبرنا، قال ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال: فقلنا بيننا:\nمن هؤلاء السبعون ألفا؟ فقلنا: هم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا. قال: فبلغه ذلك فقال: «بل هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون».\nوكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه، وهذا الحديث له طرق كثيرة من غير هذا الوجه في الصحاح وغيرها، وقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي».\n\n<span data-type='title' id=toc-1912>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤١ إلى ٥٦]</span>\n﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾\nلما ذكر تعالى حال أصحاب اليمين عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال فقال:\n_________\n(^١) الكبكبة: الجماعة من الناس.\n(^٢) الظراب: الجبال الصغار\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٦٤٦.","vol":"8","page":25},{"text":"﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ﴾ أي أيّ شيء هم فيه أصحاب الشمال؟ ثم فسر ذلك فقال: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وهو الهواء الحار ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وهو الماء الحار ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قال ابن عباس: ظل الدخان، وكذا قال مجاهد وعكرمة وأبو صالح وقتادة والسدي وغيرهم، وهذه كقوله تعالى: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩ - ٣٤] ولهذا قال هاهنا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وهو الدخان الأسود ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أي ليس طيب الهبوب ولا حسن المنظر كما قال الحسن وقتادة ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أي ولا كريم المنظر، قال الضحاك: كل شراب ليس بعذب فليس بكريم.\nوقال ابن جرير (^١): العرب تتبع هذه اللفظة في النفي فيقولون: هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم. وهذه الدار ليست بنظيفة ولا كريمة. وكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه، ثم ذكر تعالى استحقاقهم لذلك فقال تعالى:\n﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم لا يلوون ما جاءتهم به الرسل ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ﴾ أي يقيمون ولا ينوون توبة ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وهو الكفر بالله وجعل الأوثان والأنداد أربابا من دون الله. قال ابن عباس ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: الشرك. وكذا قال مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم. وقال الشعبي: هو اليمين الغموس.\n﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ يعني أنهم يقولون ذلك مكذبين به مستبعدين لوقوعه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أي أخبرهم يا محمد أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عرصات القيامة لا يغادر منهم أحدا، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥] ولهذا قال هاهنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أي هو موقت بوقت محدود، لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص.\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ وذلك أنهم يقبضون ويسجرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم حتى يملؤوا منها بطونهم، ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وهي الإبل العطاش، واحدها أهيم والأنثى هيماء، ويقال: هائم وهائمة، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٤٧. ولفظه: والعرب تتبع كل منفيّ عنه صفة حمد نفي الكرم عنه، فتقول: ما هذا الطعام بطيب ولا كريم.","vol":"8","page":26},{"text":"الهيم، الإبل العطاش الظماء، وعن عكرمة أنه قال: الهيم الإبل المراض تمص الماء مصا ولا تروى. وقال السدي: الهيم داء يأخذ الإبل فلا تروى أبدا حتى تموت، فكذلك أهل جهنم لا يروون من الحميم أبدا. وعن خالد بن معدان أنه كان يكره أن يشرب شرب الهيم عبة واحدة من غير أن يتنفس ثلاثا، ثم قال تعالى: ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم، كما قال تعالى في حق المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] أي ضيافة وكرامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1913>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٧ إلى ٦٢]</span>\n﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾\nيقول تعالى مقررا للمعاد، ورادا على المكذبين به من أهل الزيغ، والإلحاد من الذين قالوا ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد. فقال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أي نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى؟ ولهذا قال:\n﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي فهلا تصدقون بالبعث! ثم قال مستدلا عليهم بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ أي أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي صرفناه بينكم، وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي وما نحن بعاجزين ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ﴾ أي نغير خلقكم يوم القيامة.\n﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي من الصفات والأحوال. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] وقال ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].","vol":"8","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1914>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٣ إلى ٧٤]</span>\n﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ وهو شق الأرض وإثارتها والبذر فيها ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أي تنبتونه في الأرض ﴿أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ أي بل نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض. قال ابن جرير (^١): وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقولن زرعت ولكن قل حرثت» قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ورواه البزار عن محمد بن عبد الرّحيم عن مسلم الجرمي به، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن عطاء عن أبي عبد الرّحمن: لا تقولوا زرعنا ولكن قولوا حدثنا وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ وأمثالها يقول: بل أنت يا رب.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ أي نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا وأبقيناه لكم رحمة بكم بل ولو نشاء لجعلناه حطاما أي لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ثم فسر ذلك بقوله: ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي لو جعلناه حطاما لظللتم تفكهون في المقالة تنوعون كلامكم فتقولون تارة إنا لمغرمون أي لملقون.\nوقال مجاهد وعكرمة: إنا لموقع بنا. وقال قتادة: معذبون وتارة يقولون بل نحن محرومون. وقال مجاهد أيضا: ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ملقون للشر أي بل نحن محارفون، قاله قتادة، أي لا يثبت لنا مال ولا ينتج لنا ربح، وقال مجاهد: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي محدودون يعني لا حظ لنا، وقال ابن عباس ومجاهد ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. وقال مجاهد أيضا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم، وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم، وهذا اختيار ابن جرير (^٢). وقال عكرمة: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تلاومون، وقال الحسن وقتادة والسدي: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تندمون، ومعناه إما على ما أنفقتم أو على ما أسلفتم من الذنوب، قال الكسائي:\nتفكه من الأضداد، تقول العرب تفكهت بمعنى تنعمت، وتفكهت بمعنى حزنت.\nثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يعني السحاب، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ يقول بل نحن المنزلون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٥٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٥٤.","vol":"8","page":28},{"text":"﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ أي زعاقا مرا لا يصلح لشرب ولا زرع ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أي فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبا زلالا ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١١].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة، حدثنا فضيل بن مرزوق عن جابر عن أبي جعفر عن النبي ﷺ أنه كان إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا» ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أي تقدحون من الزناد وتستخرجونها من أصلها ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ أي بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها. وللعرب شجرتان [إحداهما] المرخ، [والأخرى] العفار، إذا أخذ منهما غصنان أخضران فحك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار.\nوقوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى، قال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: «يا قوم ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية. قال: «إنها قد ضربت بالماء ضربتين-أو مرتين-حتى يستنفع بها بنو آدم ويدنوا منها» وهذا الذي أرسله قتادة قد رواه الإمام أحمد (^١) في مسنده فقال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» وقال الإمام مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: «إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» (^٢) رواه البخاري من حديث مالك ومسلم من حديث أبي الزناد ورواه مسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به وفي لفظ «والذي نفسي بيده لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» (^٣).\nوقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا معن بن عيسى القزار عن مالك عن عمه أبي سهل عن أبيه عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ «أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادا من ناركم هذه بسبعين ضعفا» قال الضياء المقدسي وقد رواه أبو مصعب عن مالك ولم يرفعه وهو عندي على\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٤٤.\n(^٢) أخرجه الترمذي في جهنم باب ٧، ومالك في جهنم حديث ٥١، والبخاري في بدء الخلق ١٠، ومسلم في الجنة حديث ٣٠.\n(^٣) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٣١.","vol":"8","page":29},{"text":"شرط الصحيح.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والنضر بن عربي: يعني بالمقوين المسافرين، واختاره ابن جرير (^١) وقال: ومنه قولهم: أقوت الدار إذا رحل أهلها، وقال غيره: القي والقواء القفر الخالي البعيد من العمران. وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: المقوي هاهنا الجائع، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ﴿وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾، للحاضر والمسافر لكل طعام لا يصلحه إلا النار، وكذا روى سفيان عن جابر الجعفي عن مجاهد، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قوله: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ يعني المستمتعين من الناس أجمعين، وكذا ذكر عن عكرمة، وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير الجميع محتاجون إليها للطبخ والاصطلاء والإضاءة وغير ذلك من المنافع، ثم من لطف الله تعالى أن أودعها في الأحجار وخالص الحديد بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا احتاج إلى ذلك في منزله أخرج زنده وأورى وأوقد ناره فأطبخ بها واصطلى بها واشتوى، واستأنس بها وانتفع بها سائر الانتفاعات، فلهذا أفرد المسافرون وإن كان ذلك عاما في حق الناس كلهم! وقد يستدل له بما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي خداش حبان بن زيد الشرعبي الشامي عن رجل من المهاجرين من قرن أن رسول الله ﷺ قال: «المسلمون شركاء في ثلاثة:\nالنار والكلأ والماء» (^٢) وروى ابن ماجة بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار» (^٣) وله من حديث ابن عباس مرفوعا مثل هذا وزيادة «وثمنه حرام» (^٤)، ولكن في إسناده عبد الله بن خراش بن حوشب وهو ضعيف، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة: الماء الزلال العذب البارد ولو شاء لجعله ملحا أجاجا كالبحار المغرقة، وخلق النار المحرقة وجعل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم وزجرا لهم في المعاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1915>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ إلى ٨٢]</span>\n﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٥٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في البيوع باب ٦٠، وابن ماجة في الرهون باب ١٦، وأحمد في المسند ٥/ ٣٦٤.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الرهون باب ١٦.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في الرهون باب ١٦.","vol":"8","page":30},{"text":"قال جويبر عن الضحاك: إن الله تعالى لا يقسم بشيء من خلقه ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه، وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته، ثم قال بعض المفسرين: لا هاهنا زائدة وتقديره أقسم بمواقع النجوم، ورواه ابن جرير (^١) عن سعيد بن جبير ويكون جوابه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ وقال آخرون: ليست لا زائدة لا معنى لها بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسما به على منفي كقول عائشة ﵂. لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، وهكذا هاهنا تقدير الكلام:\nلا أقسم بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة بل هو قرآن كريم.\nوقال ابن جرير (^٢) وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فليس الأمر كما تقولون ثم استأنف القسم بعد ذلك فقيل أقسم واختلفوا في معنى قوله: ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ فقال حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية، وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد ﷺ عشرين سنة فهو قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ نجوم القرآن، وكذا قال عكرمة ومجاهد والسدي وأبو حزرة، وقال مجاهد أيضا: مواقع النجوم في السماء ويقال مطالعها ومشارقها.\nوكذا قال الحسن وقتادة وهو اختيار ابن جرير، وعن قتادة: مواقعها منازلها، وعن الحسن أيضا: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة. وقال الضحاك ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ يعني بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ أي معظم، في كتاب معظم محفوظ موقر.\nوقال ابن جرير (^٣) حدثني إسماعيل بن موسى: أخبرنا شريك عن حكيم هو ابن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: الكتاب الذي في السماء. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ يعني الملائكة، وكذا قال أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نهيك والسدي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٥٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٥٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٦٥٩.","vol":"8","page":31},{"text":"وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر عن قتادة ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، وقال: وهي في قراءة ابن مسعود: ما يمسه إلا المطهرون، وقال أبو العالية ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب، وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به.\nوقال آخرون ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي من الجنابة والحدث قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحف، كما روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (^٢) واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر (^٣).\nوروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قال: «ولا يمس القرآن إلا طاهر» وهذه وجادة (^٤) جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص وفي إسناد كل منها نظر، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي هذا القرآن منزل من الله رب العالمين وليس هو كما يقولون إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه وليس وراءه حق نافع. وقوله تعالى: ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: أي مكذبون غير مصدقين، وكذا قال الضحاك وأبو حزرة والسدي، وقال مجاهد ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أي تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال بعضهم: معنى وتجعلون رزقكم بمعنى شكركم أنكم تكذبون أي تكذبون بدل الشكر، وقد روي عن علي وابن عباس أنهما قرءاها «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون» كما سيأتي وقال ابن جرير (^٥): وقد ذكر عن الهيثم بن عدي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٥٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١٢٩، ومسلم في الإمارة حديث ٩٢، ٩٣، ٩٤.\n(^٣) أخرجه مالك في مس القرآن حديث ١.\n(^٤) الوجادة في اصطلاح المحدثين: اسم لما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة.\n(^٥) تفسير الطبري ١١/ ٦٦٢.","vol":"8","page":32},{"text":"أن من لغة أزدشنوءة ما رزق فلان بمعنى ما شكر فلان.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرّحمن عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ يقول:\nشكركم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا بنجم كذا وكذا» (^٢) وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن مخول بن إبراهيم النهدي، وابن جرير عن محمد بن المثنى عن عبيد الله بن موسى، وعن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى بن أبي بكير، ثلاثتهم عن إسرائيل به مرفوعا، وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن حسين بن محمد وهو المروزي به، وقال: حسن غريب، وقد رواه سفيان الثوري عن عبد الأعلى ولم يرفعه.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما مطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرا يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا. وقرأ ابن عباس «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون» وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس.\nوقال مالك في الموطأ عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب» (^٤) أخرجاه في الصحيحين وأبو داود والنسائي، كلهم من حديث مالك به.\nوقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي وعمرو بن سواد، حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الغيث فيقولون بكوكب كذا وكذا» (^٥) انفرد به مسلم من هذا الوجه.\n_________\n(^١) المسند ١/ ١٠٨.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥٦، باب ٤.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٦٦٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٢٥، وأبو داود في الطب باب ٢٢، والترمذي في تفسير سورة ٥٦، باب ٤، والنسائي في الاستسقاء باب ١٦، والدارمي في الرقاق باب ٤٩، ومالك في الاستسقاء حديث ٤.\n(^٥) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ١٢٦.","vol":"8","page":33},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني يونس، أخبرنا سفيان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا»، قال محمد: هو ابن إبراهيم، فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس فقال: يا عباس يا عم رسول الله كم أبقى من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعا، قال: فما مضت سابعة حتى مطروا، وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده، وقد تقدم شيء من هذه الأحاديث عند قوله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطر: ٢].\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني يونس، أخبرنا سفيان عن إسماعيل بن أمية فيما أحسبه أو غيره أن رسول الله ﷺ سمع رجلا ومطروا يقول: مطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال: «كذبت بل هو رزق الله» ثم قال ابن جرير (^٣): حدثني أبو صالح الصراري، حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي، حدثنا جعفر بن الزبير عن القاسم، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «ما مطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين-ثم قال- ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ يقول قائل مطرنا بنجم كذا وكذا». وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعا: «لو قحط الناس سبع سنين ثم مطروا لقالوا مطرنا بنوء المجدح» (^٤). وقال مجاهد ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: قولهم في الأنواء مطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا، يقول: قولوا هو من عند الله وهو رزقه، وهكذا قال الضحاك وغير واحد، وقال قتادة: أما الحسن فكان يقول بئس ما أخذ قوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، فمعنى قول الحسن هذا وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به ولهذا قال قبله: ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1916>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٣ إلى ٨٧]</span>\n﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ﴾ أي الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي الحلق وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٦٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٦٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٦٦٣.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٧.","vol":"8","page":34},{"text":"﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ [القيامة: ٢٦ - ٣٠] ولهذا قال هاهنا: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي بملائكتنا ﴿وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أي ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١ - ٦٢] وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها﴾ معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ومقرها في الجسد إن كنتم غير مدينين. قال ابن عباس: يعني محاسبين، وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبي حزرة مثله.\nوقال سعيد بن جبير والحسن البصري ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس، وعن مجاهد ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غير موقنين. وقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1917>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ إلى ٩٦]</span>\n﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾\nهذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم، إما أن يكون من المقربين أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى الجاهلين بأمر الله، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ﴾ أي المحتضر ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أي فلهم روح وريحان وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت كما تقدم في حديث البراء أن ملائكة الرحمة تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان (^١). قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَرَوْحٌ﴾ يقول راحة وريحان يقول مستراحة، وكذا قال مجاهد: إن الروح الاستراحة، وقال أبو حزرة: الراحة من الدنيا، وقال سعيد بن جبير والسدي: الروح الفرح، وعن مجاهد ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ﴾ جنة ورخاء وقال قتادة: فروح فرحمة، وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، ﴿وَرَيْحانٌ﴾ رزق، وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقربا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور والرزق الحسن، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ وقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيقبض روحه\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الجنائز باب ٩، وابن ماجة في الزهد باب ٣١، وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٤، ٦/ ١٤٠.","vol":"8","page":35},{"text":"فيه. وقال محمد بن كعب: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم من أهل الجنة هو أم من أهل النار.\nوقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ولو كتبت هاهنا لكان حسنا، ومن جملتها حديث تميم الداري عن النبي ﷺ يقول: «يقول الله تعالى لملك الموت انطلق إلى فلان فائتني به فإنه قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب، ائتني به فلأريحنة-قال-فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان-أصل الريحانة واحد-وفي رأسها عشرون لونا لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك» وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا هارون عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ «فروح وريحان» برفع الراء (^١)، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث هارون، وهو ابن موسى الأعور به، وقال الترمذي:\nلا نعرفه إلا من حديثه، وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده وخالفه الباقون فقرؤوا ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ﴾ بفتح الراء.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرّحمن بن نوفل أنه سمع درة بنت معاذ تحدث عن أم هانئ، أنها سألت رسول الله ﷺ:\nأنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضا؟ فقال رسول الله ﷺ: «يكون النسم طيرا يعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها». هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن، ومعنى يعلق يأكل، ويشهد له بالصحة أيضا ما رواه الإمام أحمد (^٣) عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي عن الإمام مالك بن أنس عن الزهري، عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه». وهذا إسناد عظيم ومتن قويم.\nوفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في رياض الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش» (^٤) الحديث. وقال الإمام\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الحروف باب ٢٣، والترمذي في القرآن باب ٤، وأحمد في المسند ٤/ ٢٦٠، ٦/ ٦٤.\n(^٢) المسند ٦/ ٤٢٤، ٤٢٥.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٥٥.\n(^٤) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٢١.","vol":"8","page":36},{"text":"أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا عطاء بن السائب قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرّحمن بن أبي ليلى رأيت شيخا أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع جنازة فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله ﷺ يقول: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» قال: فأكب القوم يبكون، فقال: «ما يبكيكم؟» فقالوا:\nإنا نكره الموت، قال: «ليس ذاك ولكنه إذا احتضر ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله ﷿، والله ﷿ للقائه أحب ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ فإذا بشر بذلك كره لقاء الله والله تعالى للقائه أكره» (^٢)، هكذا رواه الإمام أحمد، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ شاهد لمعناه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ أي وأما إذا كان المحتضر من أصحاب اليمين ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ أي تبشرهم الملائكة بذلك تقول لأحدهم: سلام لك أي لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين، وقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله وسلمت عليه ملائكة الله، كما قال عكرمة: تسلم عليه الملائكة وتخبره أنه من أصحاب اليمين، وهذا معنى حسن، ويكون ذلك كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].\nوقال البخاري (^٣) ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أي مسلم لك أنك من أصحاب اليمين، وألغيت أن وبقي معناها كما تقول أنت مصدق مسافر عن قليل إذا كان قد قال إني مسافر عن قليل، وقد يكون كالدعاء له كقولك سقيا لك من الرجال إن رفعت السّلام، فهو من الدعاء، وقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية ومال إليه والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي فضيافة ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه ولا محيد لأحد عنه ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا موسى بن أيوب الغافقي، حدثني\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٥٩، ٢٦٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في الذكر حديث ١٨.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٦، في الترجمة.\n(^٤) المسند ٤/ ١٥٥.","vol":"8","page":37},{"text":"عمي إياس بن عامر عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال رسول الله ﷺ: «اجعلوها في سجودكم» وكذا رواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب به، وقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة» (^١) هكذا رواه الترمذي من حديث روح، ورواه هو والنسائي أيضا من حديث حماد بن سلمة، من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ به، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير، وقال البخاري في آخر كتابه: حدثنا أحمد بن إشكاب حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (^٢) ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث محمد بن فضيل بإسناده مثله، آخر تفسير سورة الواقعة ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٥٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٥٨، ومسلم في الذكر حديث ٣٠، والترمذي في الدعوات باب ٥٩، وابن ماجة في الأدب باب ٥٦، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٢.","vol":"8","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1918>تفسير سورة الحديد</span>\nوهي مدنية\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن ابن أبي بلال عن عرباض بن سارية أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال: «إن فيهن آية أفضل من ألف آية» (^٢)، وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن بقية به. وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه النسائي عن ابن أبي السرح عن ابن وهب عن معاوية بن صالح عن بجير بن سعد، عن خالد بن معدان قال:\nكان رسول الله ﷺ فذكره مرسلا، ولم يذكر عبد الله بن أبي بلال ولا العرباض بن سارية، والآية المشار إليها في الحديث هي والله أعلم قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل ..\n\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1919>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾\nيخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض أي من الحيوانات والنباتات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي الذي قد خضع له كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وأمره وشرعه ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي هو المالك المتصرف في خلقه فيحيي ويميت ويعطي من يشاء ما يشاء ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ وهذه الآية هي المشار إليها في حديث عرباض بن سارية أنها أفضل من ألف آية.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٢٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٩٨، والترمذي في ثواب القرآن باب ٢١.","vol":"8","page":39},{"text":"وقال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة-يعني ابن عمار-حدثنا أبو زميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال:\nما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به. قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآية، قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولا.\nوقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علما والباطن على كل شيء علما. وقال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه معاني القرآن، وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول ليس قبلك شيء وأنت الآخر ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» ورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر (^٣)، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.\nوقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا فقال: حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عائشة أنها قالت:\nكان رسول الله ﷺ يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا آوى إليه توسد كفه اليمنى ثم همس ما يدرى ما يقول، فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال: «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، إله كل شيء ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى. أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته. اللهم أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٠٩.\n(^٢) المسند ١/ ٤٠٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٦٠.","vol":"8","page":40},{"text":"ليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر» السري بن إسماعيل هذا هو ابن عم الشعبي وهو ضعيف جدا والله أعلم.\nوقال أبو عيسى الترمذي (^١) عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد المعنى واحد قالوا حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرّحمن عن قتادة قال حدث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان (^٢) هذه روايا (^٣) الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه (^٤). ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:\nفإنها الرقيع (^٥) سقف محفوظ وموج مكفوف (^٦). ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة-حتى عد سبع سموات-ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء مثل بعد ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال فإنها الأرض. ثم قال: هل تدرون ما الذي تحت ذلك. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن تحتها أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة-حتى عد سبع أرضين-بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلا إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس يعني ابن عبيد وعلي بن زيد وقالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف في كتابه، انتهى كلامه.\nوقد روى الإمام أحمد (^٧) هذا الحديث عن سريج عن الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، فذكره وعنده بعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمائة عام\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٧، باب ١.\n(^٢) العنان: السحاب.\n(^٣) الروايا: جمع راوية، والروايا من الإبل: الحوامل للماء.\n(^٤) لا يدعونه: أي لا يعبدونه.\n(^٥) الرقيع: اسم لسماء الدنيا.\n(^٦) موج مكفوف: أي ممنوع من الاسترسال.\n(^٧) المسند ٢/ ٣٧٠.","vol":"8","page":41},{"text":"وقال: لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ورواه ابن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة فذكر الحديث ولم يذكر ابن أبي حاتم آخره، وهو قوله لو دليتم بحبل وإنما قال حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، ثم تلا ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال البزار: لم يروه عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة.\nورواه ابن جرير (^١) عن بشر عن يزيد عن سعيد عن قتادة ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾. وذكر لنا أن نبي الله ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ مر عليهم سحاب فقال: هل تدرون ما هذا؟ وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ والله أعلم. وقد روي من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ وأرضاه، رواه البزار في مسنده والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات، ولكن في إسناده نظر وفي متنه غرابة ونكارة، والله ﷾ أعلم.\nوقال ابن جرير (^٢) عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي ﷿ من السماء السابعة وتركته ثمّ. قال الآخر: أرسلني ربي ﷿ من الأرض السابعة وتركته ثمّ. قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثمّ. قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثمّ. وهذا حديث غريب جدا، وقد يكون الحديث الأول موقوفا على قتادة كما روي هاهنا من قوله، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1920>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٤ إلى ٦]</span>\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾\nيخبر تعالى عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر تعالى باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأشباهها في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي يعلم عدد ما يدخل فيها من حب وقطر ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ من نبات وزرع وثمار كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٧٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٤٦.","vol":"8","page":42},{"text":"[الأنعام: ٥٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أي من الأمطار. والثلوج والبرد والأقدار. والأحكام مع الملائكة الكرام. وقد تقدم في سورة البقرة أنه ما ينزل من قطرة من السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمر الله به حيث يشاء الله تعالى. وقوله تعالى، ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ أي من الملائكة والأعمال كما جاء في الصحيح «يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم برا أو بحرا، في ليل أو نهار في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].\nوقال تعالى: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠] فلا إله غيره ولا رب سواه، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^٢) وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة: حدثني أبي عن نصر بن علقمة عن أخيه عن عبد الرّحمن بن عائذ قال: قال عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال زودني حكمة أعيش بها فقال: «استح الله كما تستحي رجلا من صالحي عشيرتك لا يفارقك» هذا حديث غريب، وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعا «ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان إن عبد الله وحده وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة (^٣) ولا الشّرط اللئيمة ولا المريضة (^٤)، ولكن من أوسط أموالكم وزكى نفسه» وقال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: «يعلم أن الله معه حيث كان».\nوقال نعيم بن حماد ﵀: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي عن محمد بن مهاجر عن عروة بن رويم، عن عبد الرّحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» غريب، وكان الإمام أحمد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ١، ٥، ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في الإيمان باب ٤، والنسائي في الإيمان باب ٥، ٦، وابن ماجة في المقدمة باب ٩، وأحمد في المسند ٢/ ١٠٧، ١٣٢.\n(^٣) الدرنة: الجرباء.\n(^٤) الشرط اللئيمة والمريضة: أي رذال المال.","vol":"8","page":43},{"text":"رحمه الله تعالى ينشد هذين البيتين: [الطويل] إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل … خلوت ولكن قل عليّ رقيب\nولا تحسبن الله يغفل ساعة … ولا أن ما تخفي عليه يغيب\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي هو المالك للدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ [الليل: ١٣] وهو المحمود على ذلك كما قال تعالى:\n﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]، فجميع ما في السموات والأرض ملك له، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:\n٩٣ - ٩٥] ولهذا قال: ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي إليه المرجع يوم القيامة فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة بل إن يكن عمل أحدهم حسنة واحدة يضاعفها إلى عشرة أمثالها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وكما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي هو المتصرف في الخلق يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاء ثم ربيعا ثم صيفا ثم خريفا، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي يعلم السرائر وإن دقت وإن خفيت.\n\n<span data-type='title' id=toc-1921>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٧ إلى ١١]</span>\n﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾\nأمر ﵎ بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحث على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه أي مما هو معكم على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد الله تعالى إلى استعمال ما استخلفتم فيه من المال في طاعته، فإن تفعلوا وإلا حاسبكم عليه وعاقبكم لترككم الواجبات فيه، وقوله تعالى: ﴿مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفا عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه فتكون قد","vol":"8","page":44},{"text":"سعيت في معاونته على الإثم والعدوان.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف يعني ابن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﵌ وهو يقول: «ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟» ورواه مسلم من حديث شعبة به وزاد: «وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة ثم قال تعالى: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أي وأي شيء يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به، وقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: فالأنبياء. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها» وقد ذكرنا طرفا من هذه الرواية في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ [المائدة: ٧] ويعني بذلك بيعة الرسول ﷺ، وزعم ابن جرير (^٣) أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم وهو مذهب مجاهد فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي حججا واضحات ودلائل باهرات وبراهين قاطعات ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين والإيمان ﴿وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس وإزاحة العلل وإزالة الشبه، ولما أمرهم أولا بالإيمان والإنفاق ثم حثهم على الإيمان وبين أنه قد أزال عنهم موانعه حثهم أيضا على الإنفاق فقال: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أنفقوا ولا تخشوا فقرا وإقلالا فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السموات والأرض وبيده مقاليدهما وعنده خزائنهما، هو مالك العرش بما حوى، وهو القائل ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩].\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٣، ٤.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٦٧٢.","vol":"8","page":45},{"text":"وقال: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فمن توكل على الله أنفق ولم يخش من ذي العرش إقلالا، وعلم أن الله سيخلفه عليه، وقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ﴾ أي لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدا فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورا عظيما ودخل الناس في دين الله أفواجا. ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ والجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة، وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح هاهنا صلح الحديبية، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرّحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرّحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم».\nومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرّحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرّحمن بسبب ذلك (^٢)، والذي في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (^٣).\nوروى ابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب، أخبرنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» فقلنا من هم يا رسول الله؟ أقريش؟ قال: «لا ولكن أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا» فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: «لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وهذا الحديث غريب بهذا السياق والذي في الصحيحين من رواية جماعة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ذكر الخوارج: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٦٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأحكام باب ٣٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي باب ٥، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٢١، ٢٢٢.\n(^٤) تفسير الطبري ١١/ ٦٧٤.","vol":"8","page":46},{"text":"صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (^١). الحديث، ولكن روى ابن جرير (^٢) هذا الحديث من وجه آخر فقال: حدثني ابن البرقي حدثني ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم عن أبي سعيد التمار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» قلنا: من هم يا رسول الله؟ قريش؟ قال: «لا ولكن أهل اليمن لأنهم أرق أفئدة وألين قلوبا» وأشار بيده إلى اليمن فقال: «هم أهل اليمن ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية» فقلنا: يا رسول الله هم خير منا؟ قال: «والذي نفسي بيده لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدى مد أحدكم ولا نصيفه» ثم جمع أصابعه ومد خنصره وقال: «ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾».\nفهذا السياق ليس فيه ذكر الحديبية، فإن كان ذلك محفوظا كما تقدم فيحتمل أنه أنزل قبل الفتح إخبارا عما بعده كما في قوله تعالى في سورة المزمل وهي مكية من أوائل ما نزل ﴿وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية. فهي بشارة بما يستقبل وهكذا هذه والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ يعني المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء كما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] وهكذا الحديث الذي في الصحيح «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» (^٣) وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن فعل ذلك بعد ذلك وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث «سبق درهم مائة ألف» (^٤) ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر ﵁ له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٥، وفضائل القرآن باب ٣٦، ومسلم في الزكاة حديث ١٤٧، ١٤٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٧٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في القدر حديث ٣٤، وابن ماجة في المقدمة باب ١٠، والزهد باب ١٤، وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٦، ٣٧٠.\n(^٤) أخرجه النسائي في الزكاة باب ٤٩.","vol":"8","page":47},{"text":"أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله ﷿، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها.\nوقد قال أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي عند تفسير هذه الآية: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، فنزل جبريل فقال: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: «أنفق ماله علي قبل الفتح» قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه¬ السّلام وقل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر إن الله يقرأ عليك السّلام ويقول لك: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟» فقال أبو بكر ﵁: أسخط على ربي ﷿؟ إني عن ربي راض. هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ … ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥] أي جزاء جميل ورزق باهر، وهو الجنة يوم القيامة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال:\n«نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال: فجاء أبو الدحداح فناداها يا أم الدحداح. قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي ﷿، وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح. ونقلت منه متاعها وصبيانها وإن رسول الله ﷺ قال: «كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح» وفي لفظ «رب نخلة مدلاة عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة».","vol":"8","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1922>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٢ إلى ١٥]</span>\n﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَاِرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتّقد مرة ويطفأ مرة، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١)، وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول «من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك حتى أن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه» (^٢) وقال سفيان الثوري عن حصين، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلالكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة، قيل: يا فلان هذا نورك، يا فلان لا نور لك، وقرأ ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.\nوقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين فقالوا:\nربنا أتمم لنا نورنا، وقال الحسن: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني على الصراط وقد قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن مسعود أنه سمع عبد الرّحمن بن جبير يحدث، أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يخبران عن النبي ﷺ قال: «أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم» فقال له رجل: يا نبي الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ فقال: أعرفهم محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم».\nوقوله ﴿وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ قال الضحاك أي وبأيمانهم كتبهم كما قال: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء: ٧١] وقوله: ﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي يقال لهم:\n﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ﴾ أي لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبدا ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٧٦.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٦٧٦.","vol":"8","page":49},{"text":"المزعجة والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله وعمل بما أمر الله به وترك ما عنه زجر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلّى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا-يشير إلى القبر-بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا، وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ وهي خدعة الله التي يخدع بها المنافقين حيث قال: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا، فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم ﴿بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور ويميز الله بين المنافق والمؤمن، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال: يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورا، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون ﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ﴾ من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن بن عرفة بن علوية العطار، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر بن حذيفة، حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على","vol":"8","page":50},{"text":"عباده، وأما عند الصراط فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نورا وكل منافق نورا، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ وقال المؤمنون ﴿رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨] فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا».\nوقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم هو الذي قال الله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] وهكذا روي عن مجاهد ﵀ وغير واحد وهو الصحيح ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ -أي الجنة وما فيها- ﴿وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ أي النار قاله قتادة وابن زيد وغيرهما، قال ابن جرير (^١) وقد قيل إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم. ثم قال: حدثنا ابن البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن عطية بن قيس عن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ هو السور الشرقي باطنه المسجد وما يليه وظاهره وادي جهنم (^٢).\nثم روي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار وعلي بن الحسين زين العابدين نحو ذلك، وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالا لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين نفسه ونفس المسجد، وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم، فإن الجنة في السموات في أعلى عليين والنار في الدركات أسفل سافلين، وقول كعب الأحبار إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد فهذا من إسرائيلياته وترهاته، وإنما المراد بذلك سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة.\n﴿يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي ينادي المنافقون المؤمنين أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات ونصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ ﴿قالُوا بَلى﴾ أي فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين:\nبلى قد كنتم معنا ﴿وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ﴾ قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ أي أخرتم التوبة من وقت إلى وقت.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٧٨.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٦٧٨.","vol":"8","page":51},{"text":"وقال قتادة: ﴿تَرَبَّصْتُمْ﴾ بالحق وأهله ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ أي بالبعث بعد الموت ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ﴾ أي قلتم سيغفر لنا وقيل غرتكم الدنيا ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي ما زلتم في هذا حتى جاءكم الموت ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ أي الشيطان قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار: ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين أنكم كنتم معنا أي بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراؤون الناس ولا تذكرون الله إلا قليلا، قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم ويغشونهم ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتا ويعطون النور جميعا يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور ويماز بينهم حينئذ.\nوهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر الله تعالى به عنهم حيث يقول، وهو أصدق القائلين ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤٧] فهذا إنما خرج منهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ. ثم قال تعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] كما قال تعالى هاهنا ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه. وقوله تعالى: ﴿مَأْواكُمُ النّارُ﴾ أي هي مصيركم وإليها منقلبكم، وقوله تعالى: ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أي هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم وبئس المصير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1923>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]</span>\n﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾\nيقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا صالح المري عن قتادة عن ابن عباس أنه قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية، رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن حسين المروزي عن ابن المبارك به.\nثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، يعني الليثي، عن عون بن عبد الله عن أبيه عن ابن مسعود ﵁ قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ","vol":"8","page":52},{"text":"تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية، إلا أربع سنين (^١)، كذا رواه مسلم في آخر الكتاب، وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب به. وقد رواه ابن ماجة من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه مثله، فجعله من مسند ابن الزبير، لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب عن أبي حازم عن عامر عن ابن الزبير عن ابن مسعود فذكره.\nوقال سفيان الثوري عن المسعودي عن القاسم قال: ملّ أصحاب رسول الله ﷺ ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] قال: ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ وقال قتادة ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله ﷺ قال: «إن أول ما يرفع من الناس الخشوع» (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمنا قليلا ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي في الأعمال فقلوبهم فاسدة وأعمالهم باطلة كما قال تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] أي فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار، حدثنا شهاب بن خراش، حدثنا حجاج بن دينار عن منصور بن المعتمر عن الربيع بن عميلة الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثا ما سمعت أعجب إلي منه إلا شيئا من كتاب الله أو شيئا قاله النبي ﷺ قال: «إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم فقالوا تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه ومن كره أن يتابعنا قتلناه، ففعلوا ذلك وكان\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في التفسير حديث ٢٤.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٦٨١.","vol":"8","page":53},{"text":"فيهم رجل فقيه.\nفلما رأى ما يصنعون عمد إلى ما يعرف من كتاب الله فكتبه في شيء لطيف ثم أدرجه، فجعله في قرن ثم علق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل فادعوا فلانا فأعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس وإن أبى فاقتلوه، فدعوا فلانا ذلك الفقيه فقالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا، قال: وما فيه؟ اعرضوه علي فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال: نعم آمنت بما في هذا وأشار بيده إلى القرن فتركوه فلما مات فتشوه فوجدوه معلقا ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة، فافترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن» قال ابن مسعود: وإنكم أوشك بكم إن بقيتم أو بقي من بقي منكم أن تروا أمورا تنكرونها لا تستطيعون لها غيرا، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره.\nوروى أبو جعفر الطبري (^١) حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود فقال: يا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله: هلك من لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر قلبه منكرا.\nإن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ثم جعل القرن بين ثندوتيه، فلما قيل له أتؤمن بهذا؟ قال آمنت به ويومئ إلى القرن بين ثندوتيه (^٢)، وما لي أؤمن بهذا الكتاب؟ فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن.\nوقوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٨١.\n(^٢) الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة.","vol":"8","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1924>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]</span>\n﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾\nيخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا، ولهذا قال: ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ أي يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، وفوق ذلك ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي ثواب جزيل حسن ومرجع صالح ومآب كريم. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ هذا تمام الجملة وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون، قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ هذه مفصولة ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ وقال أبو الضحى ﴿أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم.\nوقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى، ﴿أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصدقين والصديقين والشهداء، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ففرق بين الصديقين والشهداء فدل على أنهما صنفان ولا شك أن الصديق أعلى مقاما من الشهيد.\nكما رواه الإمام مالك بن أنس ﵀ في كتابه الموطأ عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما تتراؤون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (^١) اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك به، وقال آخرون: بل المراد من قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وشهداء، حكاه ابن جرير عن مجاهد.\nثم قال ابن جرير (^٢): حدثني صالح بن حرب أبو معمر، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن البراء بن عازب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مؤمنو أمتي شهداء» قال: ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذا حديث غريب. وقال أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون في قوله\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الجنة باب ١٩، وأحمد في المسند ٣/ ٣٣٩، وأخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٨، والرقاق باب ٥١، ومسلم في الجنة حديث ١١.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٨٣.","vol":"8","page":55},{"text":"تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ قال: يجيئون يوم القيامة معا كالأصبعين.\nوقوله تعالى: ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي في جنات النعيم كما جاء في الصحيحين «إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تريدون؟! فقالوا: نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة، فقال: إني قد قضيت أنهم إليها لا يرجعون» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي لهم عند الله أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال كما قال الإمام أحمد (^٢)، حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار عن أبي يزيد الخولاني قال: سمعت فضالة بن عبيد يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الشهداء أربعة رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله فقتل فذاك الذي ينظر الناس إليه هكذا» ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله ﷺ أو قلنسوة عمر «والثاني مؤمن لقي العدو فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح جاءه سهم غرب فقتله فذاك في الدرجة الثانية، والثالث رجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الثالثة، والرابع رجل مؤمن من أسرف على نفسه إسرافا كثيرا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الرابعة» وهكذا رواه علي بن المديني عن أبي داود الطيالسي عن ابن المبارك عن ابن لهيعة، وقال هذا إسناد مصري صالح، ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال: حسن غريب.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ لما ذكر السعداء ومآلهم عطف بذكر الأشقياء وبين حالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1925>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]</span>\n﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾\nيقول تعالى موهنا أمر الحياة الدنيا ومحقرا لها: ﴿أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ أي إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٢١، وأبو داود في الجهاد باب ٢٥، وأحمد في المسند ١/ ٢٦٦.\n(^٢) المسند ١/ ٢٣.","vol":"8","page":56},{"text":"[آل عمران: ١٤] ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ أي يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ أي يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرا بعد ما كان خضرا نضرا، ثم يكون بعد ذلك كله حطاما أي يصير يبسا متحطما، هكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزا شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضا طريا لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه وينفد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخا كبيرا ضعيف القوى، قليل الحركة يعجزه الشيء اليسير كما قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].\nولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أي وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أي هي متاع فان غارّ لمن ركن إليه، فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى دار الآخرة. قال ابن جرير (^١): حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾» (^٢) وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا ابن نمير ووكيع كلاهما عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك» انفرد بإخراجه البخاري (^٤) في الرقاق من حديث الثوري عن الأعمش به.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٨٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢.\n(^٣) المسند ١/ ٣٨٧، ٤٤٢.\n(^٤) كتاب الرقاق باب ٢٩.","vol":"8","page":57},{"text":"ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك فلهذا حثه الله تعالى على المبادرة إلى الخيرات من فعل الطاعات وترك المحرمات التي تكفر عنه الذنوب والزلات وتحصل له الثواب والدرجات فقال تعالى: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ والمراد جنس السماء والأرض كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال هاهنا: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم، كما قدمناه في الصحيح أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور بالدرجات العلى والنعيم المقيم قال «وما ذاك؟» قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال: «أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين» قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1926>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]</span>\n﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾\nيخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي في الآفاق وفي أنفسكم ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ أي من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة. وقال بعضهم: من قبل أن نبرأها عائد على النفوس، وقيل: عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة الكلام عليها كما قال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب، حدثني ابن علية عن منصور بن عبد الرّحمن قال: كنت جالسا مع الحسن فقال رجل سله عن قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ فسألته عنها فقال: سبحان الله ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة. وقال قتادة: ما أصاب من مصيبة في الأرض قال: هي السنون يعني الجدب ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ يقول: الأوجاع والأمراض، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفوالله عنه أكثر.\nوهذه الآية الكريمة العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق-قبحهم الله-وقال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٥٥، والدعوات باب ١٧، ومسلم في المساجد حديث ١٤٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٨٦.","vol":"8","page":58},{"text":"الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا: حدثنا أبو هانئ الخولاني أنه سمع أبا عبد الرّحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة». ورواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن زيد وثلاثتهم عن أبي هانئ به، وزاد ابن وهب «وكان عرشه على الماء» (^٢) ورواه الترمذي وقال حسن صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله ﷿، لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.\nوقوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ أي أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم لأنه لو قدر شيء لكان ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ أي جاءكم، وتفسير ﴿آتاكُمْ﴾ أي أعطاكم وكلاهما متلازم أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم فلا تتخذوا نعم الله أشرا وبطرا تفخرون بها على الناس، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أي مختال في نفسه متكبر فخور أي على غيره. وقال عكرمة: ليس أحد إلا هو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي يفعلون المنكر ويحضون الناس عليه ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي عن أمر الله وطاعته ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كما قال موسى ﵇ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1927>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٥]</span>\n﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ وهو النقل المصدق ﴿وَالْمِيزانَ﴾ وهو العدل، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى:\n﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٦٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في القدر حديث ٣٤، والترمذي في القدر باب ١٨.","vol":"8","page":59},{"text":"[الرّحمن: ٧] ولهذا قال في هذه الآية: ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالحق والعدل وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوءوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين وبيان وإيضاح للتوحيد وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الرّحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي المنيب الجرشي الشامي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم» (^١) ولهذا قال تعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ أي في معايشهم كالسكة والفأس والقدوم والمنشار والإزميل والمجرفة والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ والخبز، وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك. قال علباء بن أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم: السندان والكلبتان والميقعة يعني المطرقة، ورواه ابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم، وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسله ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي هو قوي عزيز ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض.\n\n<span data-type='title' id=toc-1928>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]</span>\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)﴾\nيخبر تعالى أنه منذ بعث نوحا ﵇ لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من ذريته وكذلك\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٤، وأحمد في المسند ٢/ ٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٨٩.","vol":"8","page":60},{"text":"إبراهيم ﵇ خليل الرّحمن، لم ينزل من السماء كتابا ولا أرسل رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾ وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وهم الحواريون ﴿رَأْفَةً﴾ أي رقة وهي الخشية ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالخلق. وقوله:\n﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ أي ابتدعها أمة النصارى ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أي ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾ فيه قولان [أحدهما] أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة. [والآخر]-ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. وقوله تعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين [أحدهما]-في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله و[الثاني]-في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله ﷿.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي حدثنا السندي بن عبدويه، حدثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن القاسم بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه عن جده ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا ابن مسعود» قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم ﵇، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكر الله تعالى: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾».\nوقد رواه ابن جرير (^١) بلفظ آخر من طريق أخرى فقال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصعق بن حزن، حدثنا عقيل الجعدي عن أبي إسحاق الهمداني عن سويد بن غفلة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم» وذكر نحو ما تقدم وفيه «﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ هم الذين آمنوا بي وصدقوني ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ وهم الذين كذبوني\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٩١.","vol":"8","page":61},{"text":"وخالفوني» ولا يقدح في هذه المتابعة لحال داود بن المحبر فإنه أحد الوضاعين للحديث، لكن قد أسنده أبو يعلى عن شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن به مثل ذلك، فقوي الحديث من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير (^١) وأبو عبد الرّحمن النسائي واللفظ له: أخبرنا الحسين بن حريث، حدثنا الفضل بن موسى عن سفيان بن سعيد عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان ملوك بعد عيسى ﵇ بدلت التوراة والإنجيل فكان منهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم ما نجد شيئا أشد من شتم يشتموناه هؤلاء إنهم يقرءون ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] هذه الآيات مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرءوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا:\nما تريدون إلى ذلك دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة (^٢) ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾.\nوالآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث الله النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل انحط منهم رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره فآمنوا به وصدقوه فقال الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أجرين بإيمانهم بعيسى ابن مريم وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ﷺ وتصديقهم قال ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ القرآن واتباعهم النبي ﷺ قال: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ الذين يتشبهون بكم ﴿أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ هذا السياق فيه غرابة، وسيأتي تفسير هاتين الآيتين على غير هذا، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني سعيد بن عبد الرّحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٩٠.\n(^٢) أسطوانة: أي منارة مرتفعة.","vol":"8","page":62},{"text":"صلاة المسافر أو قريبا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة وإنها صلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه، إن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» ثم غدوا من الغد فقالوا: نركب فننظر ونعتبر، قال: نعم فركبوا جميعا فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا خاوية على عروشها، فقالوا: أتعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها هؤلاء أهل الديار أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف تزني والقدم والجسد واللسان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعمر، حدثنا عبد الله أخبرنا سفيان عن زيد العمي عن أبي إياس، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «لكل نبي رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ﷿» ورواه الحافظ أبو يعلى عن عبد الله بن محمد ابن أسماء عن عبد الله بن المبارك به ولفظه «لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسين-هو ابن محمد-حدثنا ابن عياش يعني إسماعيل عن الحجاج بن مروان الكلاعي وعقيل بن مدرك السلمي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض. تفرد به أحمد، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1929>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾\nقد تقدم في رواية النسائي عن ابن عباس أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب وأنهم يؤتون أجرهم مرتين كما في الآية التي في القصص وكما في حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» (^٣) أخرجاه في الصحيحين\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٢٦٦.\n(^٢) المسند ٣/ ٨٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في العلم باب ٣١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤١.","vol":"8","page":63},{"text":"ووافق ابن عباس على هذا التفسير الضحاك وعتبة بن أبي حكيم وغيرهما وهو اختيار ابن جرير وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى عليه هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي ضعفين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وزادهم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني هدى يتبصر به من العمى والجهالة ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة رواه ابن جرير (^١) عنه.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل عمر بن الخطاب حبرا من أحبار اليهود كم أفضل ما ضعّفت لكم حسنة؟ قال كفل ثلاثمائة وخمسين حسنة، قال فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين، ثم ذكر سعيد قول الله ﷿: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قال سعيد: والكفلان في الجمعة مثل ذلك، رواه ابن جرير (^٢). ومما يؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد (^٣): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى، ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم، فغضبت النصارى واليهود وقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء».\nقال أحمد (^٤) وحدثناه مؤمل عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر نحو حديث نافع عنه انفرد بإخراجه البخاري (^٥) فرواه عن سليمان بن حرب عن حماد عن أيوب عن نافع به، وعن قتيبة عن الليث عن نافع بمثله، وقال البخاري (^٦): حدثني محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا واستأجر آخرين بعدهم فقال أكملوا بقية\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٩٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١١/ ٦٩٤.\n(^٣) المسند ٢/ ٦.\n(^٤) المسند ٢/ ١١١.\n(^٥) كتاب الإجارة باب ٨.\n(^٦) كتاب الإجارة باب ١٠.","vol":"8","page":64},{"text":"يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا. فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا له بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجرة الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور» انفرد به البخاري ولهذا قال تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ أي ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه الله ولا إعطاء ما منع الله ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\nقال ابن جرير (^١) ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أي ليعلم وقد ذكر عن ابن مسعود أنه قرأها لكي يعلم وكذا حطّان بن عبد الله وسعيد بن جبير. قال ابن جرير: لأن العرب تجعل لا صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح فالسابق كقوله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] بالله ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥].\nآخر تفسير سورة الحديد ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١١/ ٦٩٧.","vol":"8","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1930>تفسير سورة المجادلة</span>\nوهي مدنية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1931>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]</span>\n﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة قالت الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقوله، فأنزل الله ﷿ ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ (^٢) إلى آخر الآية، وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقا فقال، وقال الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة فذكره وأخرجه النسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جرير من غير وجه عن الأعمش به. وفي رواية لابن أبي حاتم عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ، وهي تقول يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾.\nقالت: وزوجها أوس بن الصامت، وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة هو أوس بن الصامت: وكان أوس امرءا به لمم، فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته، وإذا ذهب لم يقل شيئا فأتت رسول الله ﷺ تستفتيه في ذلك وتشتكي إلى الله، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ الآية. وهكذا روى هشام بن عروة عن أبيه أن رجلا كان به لمم فذكر مثله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، حدثنا جرير يعني ابن حازم قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لقيت امرأة عمر يقال لها: خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز، قال ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا. قال هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٤٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٩، والنسائي في الطلاق باب ٣٣، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣.","vol":"8","page":66},{"text":"سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضى حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضى حاجتها. هذا منقطع بين أبي يزيد وعمر بن الخطاب وقد روي من غير هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى، حدثنا زكريا عن عامر قال: المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت الصامت وأمها معاذة التي أنزل الله فيها ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] صوابه خولة امرأة أوس بن الصامت.\n\n<span data-type='title' id=toc-1932>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٢ إلى ٤]</span>\n﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب قالا: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت ثعلبة قالت: فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت: فدخل علي يوما فراجعته بشيء، فغضب فقال: أنت عليّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قالت: قلت كلا، والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلي، وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله ﷺ فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: «يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه».\nقالت: فوالله ما برحت حتى نزل في القرآن، فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يتغشاه ثم سري عنه فقال لي: «يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا-ثم قرأ علي ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ قالت: فقال لي رسول الله ﷺ «مريه فليعتق رقبة» قالت:\nفقلت يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال «فليصم شهرين متتابعين» قالت: فقلت والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام قال «فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر» قالت: فقلت والله يا رسول الله\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٤١٠، ٤١١.","vol":"8","page":67},{"text":"ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله ﷺ «فإنا سنعينه بعرق (^١) من تمر» قالت: فقلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعرق آخر قال «قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا» قالت: ففعلت.\nورواه أبو داود (^٢) في كتاب الطلاق من سننه من طريقين عن محمد بن إسحاق بن يسار به، وعنده خولة بنت ثعلبة ويقال فيها خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقد تصغر فيقال خويلة، ولا منافاة بين هذه الأقوال فالأمر فيها قريب والله أعلم. هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كانت سبب النزول ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنت امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني من الليل إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت:\nانطلقوا معي إلى النبي ﷺ فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا، أو يقول فينا رسول الله ﷺ مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت، فاصنع ما بدا لك.\nقال: فخرجت حتى أتيت النبي ﷺ فأخبرته خبري فقال لي «أنت بذاك» فقلت: أنا بذاك فقال «أنت بذاك» فقلت أنا بذاك قال «أنت بذاك» قلت نعم، ها أنا ذا فأمض في حكم الله ﷿ فإني صابر له قال «أعتق رقبة» قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال «فصم شهرين متتابعين» قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام قال «فتصدق» فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشي ما لنا عشاء، قال «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا من تمر ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك» قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة والبركة قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ فدفعوها إليّ (^٤)، وهكذا رواه أبو داود وابن ماجة واختصره الترمذي وحسنه، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن الصامت وزوجته خويلة بنت ثعلبة، كما دل عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل.\n_________\n(^١) العرق: زنبيل منسوج من الخوص.\n(^٢) كتاب الطلاق باب ١٧.\n(^٣) المسند ٤/ ٣٧.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الطلاق باب ١٧، وابن ماجة في الطلاق باب ٢٥.","vol":"8","page":68},{"text":"قال خصيف عن مجاهد عن ابن عباس: أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك فلما ظاهر منها خشيت أن يكون ذلك طلاقا، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أوسا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا وقد نثرت بطني منه وقدمت صحبته، وهي تشكو ذلك وتبكي ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «أتقدر على رقبة تعتقها» قال:\nلا والله يا رسول الله ما أقدر عليها. قال: فجمع له رسول الله ﷺ حتى أعتق عنه ثم راجع أهله، رواه ابن جرير (^١) ولهذا ذهب ابن عباس والأكثرون إلى ما قلناه والله أعلم. فقوله تعالى:\n﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقا فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة ولم يجعله طلاقا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى عن أبي حمزة عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية أنت علي كظهر أمي حرمت عليه فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خويلة بنت ثعلبة، فظاهر منها فأسقط في يديه، وقال ما أراك إلا قد حرمت علي وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله ﷺ فأتت رسول الله ﷺ فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فقال: «يا خويلة» ما أمرنا في أمرك بشيء، فأنزل الله على رسوله فقال: «يا خويلة أبشري» قالت: خيرا-فقرأ عليها ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ قالت: وأي رقبة لنا والله ما يجد رقبة غيري قال ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ قالت:\nوالله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالت: من أين ما هي إلا أكلة إلي مثلها، قال: فدعا بشطر وسق ثلاثين صاعا والوسق ستون صاعا فقال: ليطعم ستين مسكينا وليراجعك وهذا إسناد قوي وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرّحمن الهروي، حدثنا علي بن العاصم عن داود بن أبي هند عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دليج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيرا سيئ الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد رجل أن يطلق امرأته قال:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤.","vol":"8","page":69},{"text":"أنت علي كظهر أمي، وكان لها منه عيل أو عيلان فنازعته يوما في شيء فقال: أنت علي كظهر أمي، فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي ﷺ وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شق رأسه فقدمت عليه ومعها عيلها، فقالت: يا رسول الله إن زوجي ضرير البصر فقير لا شيء له سيئ الخلق، وإني نازعته في شيء، فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي ولم يرد به الطلاق، ولي منه عيل أو عيلان فقال: «ما أعلمك إلا قد حرمت عليه».\nفقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي أنا وصبيتي، قالت: ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر، فدارت معها فقالت: يا رسول الله زوجي ضرير البصر فقير سيئ الخلق وإن لي منه عيلا أو عيلان وإني نازعته في شيء فغضب وقال: أنت علي كظهر أمي ولم يرد به الطلاق، قالت: فرفع إلي رأسه وقال: «ما أعلمك إلا قد حرمت عليه» فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي أنا وصبيتي قال: ورأت عائشة وجه النبي ﷺ تغير، فقالت لها: وراءك وراءك فتنحت، فمكث رسول الله ﷺ في غشيانه ذلك ما شاء الله، فلما انقطع الوحي قال: يا عائشة أين المرأة فدعتها، فقال لها رسول الله ﷺ: «اذهبي فأتيني بزوجك» فانطلقت تسعى، فجاءت به فإذا هو كما قالت ضرير البصر فقير سيئ الخلق.\nفقال النبي ﷺ: «أستعيذ بالله السميع العليم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ -إلى قوله- ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قال النبي ﷺ: «أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها» قال لا، قال: «أفلا تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد يعشو بصري. قال:\n«أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا، إلا أن تعينني. قال: فأعانه رسول الله ﷺ فقال: «أطعم ستين مسكينا» قال: وحول الله الطلاق فجعله ظهارا، ورواه ابن جرير (^١) عن ابن المثنى عن عبد الأعلى عن داود سمعت أبا العالية فذكر نحوه بأخصر من هذا السياق، وقال سعيد بن جبير: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر وجعل في الظهار الكفارة، رواه ابن أبي حاتم بنحوه، وقد استدل الإمام مالك على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ فالخطاب للمؤمنين، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، واستدل الجمهور عليه بقوله: ﴿مِنْ نِسائِهِمْ﴾ على أن الأمة لإظهار منها ولا تدخل في هذا الخطاب.\nوقوله تعالى: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾ أي لا تصير المرأة بقول الرجل أنت علي كأمي أو مثل أمي أو كظهر أمي وما أشبه ذلك، لا تصير أمه بذلك إنما أمه التي ولدته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أي كلاما فاحشا باطلا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٣.","vol":"8","page":70},{"text":"﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي عما كان منكم في حال الجاهلية، وهكذا أيضا عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم، كما رواه أبو داود أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول لامرأته يا أختي، فقال: «أختك هي؟» فهذا إنكار، ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك لأنه لم يقصده ولو قصده لحرمت عليه لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل وهو اختيار ابن حزم وقول داود وحكاه أبو عمر بن عبد البر عن بكير بن الأشج والفراء وفرقة من أهل الكلام، وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة، وقد حكي عن مالك أنه العزم على الجماع والإمساك، وعنه أنه الجماع، وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريما لا يرفعه إلا الكفارة، وإليه ذهب أصحابه والليث بن سعد وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء عن سعيد بن جبير ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يعني يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم.\nوقال الحسن البصري: يعني الغشيان في الفرج وكان لا يرى بأسا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ والمس النكاح، وكذا قال عطاء والزهري وقتادة ومقاتل بن حيان، وقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يكفر.\nوقد روى أهل السنن من حديث عكرمة عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: «ما حملك على ذلك يرحمك الله» قال:\nرأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله ﷿» (^١)، وقال الترمذي: حسن غريب صحيح، ورواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة مرسلا، قال النسائي: وهو أولى بالصواب.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فههنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فحمل الشافعي ﵀ ما أطلق هاهنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه عن مالك بسنده\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الطلاق باب ١٧، والترمذي في الطلاق باب ١٩، وابن ماجة في الطلاق باب ٢٥، والنسائي في الطلاق باب ٣٣.","vol":"8","page":71},{"text":"عن معاوية بن الحكم السلمي في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله ﷺ قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (^١) وقد رواه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير عن إسماعيل بن يسار عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال إني تظاهرت من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر، فقال رسول الله ﷺ: «ألم يقل الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ قال: أعجبتني، قال: «أمسك حتى تكفر» ثم قال البزار:\nلا يروى عن ابن عباس بأحسن من هذا، وإسماعيل بن مسلم تكلم فيه وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم، وفيه من الفقه أنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي تزجرون به ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي خبير بما يصلحكم عليم بأحوالكم، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قد تقدمت الأحاديث الواردة بهذا على الترتيب كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان ﴿ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي شرعنا هذا لهذا. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي محارمه فلا تنتهكوها. وقوله تعالى:\n﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء كلا ليس الأمر كما زعموا بل لهم عذاب أليم أي في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1933>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٥ إلى ٧]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾\nيخبر تعالى عمن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي أهينوا ولعنوا وأخزوا كما فعل بمن أشبههم ممن قبلهم ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي واضحات لا يعاندها ولا يخالفها إلا كافر فاجر مكابر ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي في مقابلة ما استكبروا عن اتباع شرع الله والانقياد له والخضوع لديه.\nثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ وذلك يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ أي فيخبرهم بالذي صنعوا من خير وشر ﴿أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ أي ضبطه الله وحفظه عليهم وهم قد نسوا ما كانوا عملوا ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٣٣، ومالك في العتق حديث ٨، ٩، وأحمد في المسند ٥/ ٤٤٧.","vol":"8","page":72},{"text":"أي لا يغيب عنه شيء ولا يخفى ولا ينسى شيئا.\nثم قال تعالى مخبرا عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ أي من سر ثلاثة ﴿إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا﴾ أي مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم ورسله أيضا مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه لهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضا مع علمه بهم محيط بهم وبصره نافذ فيهم فهو ﷾ مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء، ثم قال تعالى ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1934>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٨ إلى ١٠]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾\nقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ قال اليهود (^١)، وكذا قال مقاتل بن حيان وزاد: كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم الرجل من أصحاب النبي ﷺ جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرّحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ نبيت عنده يطرقه من الليل أمر وتبدو له حاجة فلما كانت ذات ليلة كثر أهل النوب والمحتسبون حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما هذه النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوى؟» قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله، إنا كنا في ذكر المسيح فرقا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٤.","vol":"8","page":73},{"text":"منه. فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟» قلنا: بلى يا رسول الله! قال:\n«الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» هذا إسناد غريب وفيه بعض الضعفاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ أي يتحدثون فيما بينهم ﴿بِالْإِثْمِ﴾ وهو ما يختص بهم ﴿وَالْعُدْوانِ﴾ وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته يصرون عليها ويتواصون بها وقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن نمير عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ يهود فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقالت عائشة:\nوعليكم السام قالت: فقال رسول الله ﷺ: «يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟ فقال رسول الله ﷺ «أو ما سمعت أقول وعليكم» (^١) فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾ وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة، وأن رسول الله ﷺ قال «إنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا» (^٢).\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه إذ أتى عليهم يهودي، فسلم عليهم فردوا عليه فقال نبي الله ﷺ «هل تدرون ما قال؟» قالوا سلم يا رسول الله قال «بل قال سام عليكم» أي تسامون دينكم. قال رسول الله ﷺ «ردوه» فردوه عليه فقال نبي الله «أقلت سام عليكم؟» قال: نعم فقال رسول الله ﷺ «إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك» أي عليك ما قلت، وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة بنحوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ أي يفعلون هذا ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السّلام وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم لو كان هذا نبيا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان هذا نبيا حقا لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي جهنم كفايتهم في الدار الآخرة ﴿يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر، أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾؟ فنزلت هذه الآية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٣٥، ومسلم في السّلام حديث ١٠ وأحمد في المسند ٦/ ٢٢٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ٣٨، ومسلم في السّلام حديث ١١، ١٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ١٥.\n(^٤) المسند ٢/ ١٧٠.","vol":"8","page":74},{"text":"﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ إسناد حسن ولم يخرجوه.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾ قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله ﷺ إذا حيوه سام عليك، قال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ثم قال الله تعالى مؤدبا عباده المؤمنين أن لا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ أي كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين ﴿وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم وسيجزيكم بها.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا بهز وعفان قالا: أخبرنا همام عن قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» (^٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي إنما النجوى وهي المسارة حيث يتوهم مؤمن بها سوءا ﴿مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ليسوءهم وليس ذلك بضارهم شيئا إلا بإذن الله ومن أحسّ من ذلك شيئا فليستعذ بالله وليتوكل على الله فإنه لا يضره شيء بإذن الله.\nوقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذ على مؤمن، كما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع وأبو معاوية قالا: حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه» (^٤) اخرجاه من حديث الأعمش وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال:\nقال رسول الله ﷺ «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه» (^٥)\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٧٤، ١٠٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ١، ومسلم في التوبة حديث ١٠.\n(^٣) المسند ١/ ٤٣١، ٤٣٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الاستئذان باب ٤٧، ومسلم في السّلام حديث ٣٧.\n(^٥) أخرجه مسلم في السّلام حديث ٣٨.","vol":"8","page":75},{"text":"انفرد بإخراجه مسلم عن أبي الربيع وأبي كامل، كلاهما عن حماد بن زيد عن أيوب به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1935>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾\nيقول تعالى مؤدبا عباده المؤمنين وآمرا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ﴾ وقرئ «في المجلس» ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل كما جاء في الحديث الصحيح: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة» (^١) وفي الحديث الآخر: «ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (^٢) ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ قال قتادة:\nنزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ضنوه بمجالسهم عند رسول الله ﷺ فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض (^٣).\nوقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصفة وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوه إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ فقالوا السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي ﷺ عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، فشق ذلك على النبي ﷺ فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: «قم يا فلان وأنت يا فلان» فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي ﷺ الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قبل عدل على هؤلاء إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله رجلا فسح لأخيه» فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا فيفسح القوم لإخوانهم ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. رواه ابن أبي حاتم.\nوقد قال الإمام أحمد والشافعي حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا» (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٢٤، ٢٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٣٨.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١٢/ ١٨.\n(^٤) أخرجه البخاري في الجمعة باب ٢٠، وأحمد في المسند ٢/ ١٧، ٢٢، ١٠٢.","vol":"8","page":76},{"text":"وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع به. وقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال:\nقال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل افسحوا» على شرط السنن ولم يخرجوه وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا فليح عن أيوب بن عبد الرّحمن بن أبي صعصعة عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يفسح الله لكم» ورواه أيضا عن سريج بن يونس ويونس بن محمد المؤدب عن فليح به ولفظه: «لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه ولكن افسحوا يفسح الله لكم» تفرد به أحمد (^٢).\nوقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث «قوموا إلى سيدكم» (^٣) ومنهم من منع من ذلك محتجا بحديث «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» (^٤) ومنهم من فصل فقال يجوز عند القدوم من سفر وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي حاكما في بني قريظة فرآه مقبلا قال للمسلمين «قوموا إلى سيدكم» وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم. فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ وكان إذا جاء لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك.\nوفي الحديث المروي في السنن أن رسول الله ﷺ كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس فكان الصحابة ﵃ يجلسون منه على مراتبهم، فالصديق ﵁ يجلسه عن يمينه وعمر عن يساره، وبين يديه غالبا عثمان وعلي لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهما بذلك كما رواه مسلم من حديث الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود أن رسول الله ﷺ كان يقول: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم» (^٥) وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر، إما لتقصير أولئك في حق البدريين أو ليأخذ البدريون من العلم نصيبهم، كما أخذ أولئك قبلهم أو\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٥٢٣.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٣٨، ٤٣٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في العتق باب ١٧، والاستئذان باب ٢٦، وأبو داود في الأدب باب ١٤٤، وأحمد في المسند ٣/ ٢٢، ٧١، ٦/ ١٤٢.\n(^٤) أخرجه الترمذي في الأدب باب ١٣، ولفظه: «من سرّه أن يتمثل له الرجال قياما».\n(^٥) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١٢٢، ١٢٣، وأبو داود في الصلاة باب ٩٥، والترمذي في المواقيت باب ٥٤، والنسائي في الإمامة باب ٢٣، ٢٦، وابن ماجة في الإقامة باب ٤٥، والدارمي في الصلاة باب ٥١، وأحمد في المسند ١/ ٤٥٧.","vol":"8","page":77},{"text":"تعليما بتقديم الأفاضل إلى الأمام.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع عن الأعمش عن عمارة بن عمير التيمي عن أبي معمر عن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا (^٢)، وكذا رواه مسلم وأهل السنن إلا الترمذي من طرق عن الأعمش به، وإذا كان هذا أمره لهم في الصلاة أن يليه العقلاء منهم والعلماء فبطريق الأولى أن يكون ذلك في غير الصلاة.\nوروى أبو داود من حديث معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشياطين ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله» (^٣) ولهذا كان أبي بن كعب سيد القراء إذا انتهى إلى الصف الأول انتزع منه رجلا يكون من أفناء الناس، ويدخل هو في الصف المتقدم ويحتج بهذا الحديث: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى».\nوأما عبد الله بن عمر فكان لا يجلس في المكان الذي يقوم له صاحبه عنه عملا بمقتضى ما تقدم من روايته الحديث الذي أوردناه، ولنقتصر على هذا المقدار من الأنموذج المتعلق بهذه الآية، وإلا فبسطه يحتاج إلى غير هذا الموضع. وفي الحديث الصحيح: بينا رسول الله ﷺ جالس إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الآخر فجلس وراء الناس، وأدبر الثالث ذاهبا فقال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بخبر الثلاثة، أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه» (^٤).\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عتاب بن زياد أخبرنا عبد الله، أخبرنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما» (^٦) ورواه أبو داود والترمذي من حديث أسامة بن زيد الليثي به وحسنه الترمذي وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري وغيرهما أنهم قالوا في قوله تعالى:\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٢٢.\n(^٢) انظر الحاشية ما قبل الأخيرة.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٩٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في العلم باب ٨، ومسلم في السّلام حديث ٢٦، وأحمد في المسند ٥/ ٢١٩.\n(^٥) المسند ٢/ ٢١٣.\n(^٦) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٢١، والترمذي في الأدب باب ١١.","vol":"8","page":78},{"text":"﴿إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ يعني في مجالس الحرب قالوا:\nومعنى قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي انهضوا للقتال. وقال قتادة ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا وقال مقاتل إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا إليها. وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم كانوا إذا كانوا عند النبي ﷺ في بيته فأرادوا الانصراف، أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجا من عنده، فربما يشق ذلك عليه، ﵇ وقد تكون له الحاجة فأمروا أنهم إذا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي لا تعتقدوا أنه إذا أفسح أحد منكم لأخيه إذا أقبل أو إذا أمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصا في حقه بل هو رفعة ورتبة عند الله، والله تعالى لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة فإن من تواضع لأمر الله رفع الله قدره ونشر ذكره، ولهذا قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى قال:\nوما ابن أبزى فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض قاض، فقال عمر ﵁: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب قوما ويضع به آخرين» وهكذا رواه مسلم (^٢) من غير وجه عن الزهري به، وروي من غير وجه عن عمر بنحوه، وقد ذكرت فضل العلم وأهله وما ورد في ذلك من الأحاديث مستقصاة في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1936>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٢ إلى ١٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ أي يسارّه فيما بينه وبينه، أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٥.\n(^٢) كتاب المسافرين حديث ٢٦٩.","vol":"8","page":79},{"text":"تعالى: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أي إلا من عجز عن ذلك لفقره ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فما أمر بها إلا من قدر عليها. ثم قال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ أي أخفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فنسخ وجوب ذلك عنهم، وقد قيل إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب ﵁.\nقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نهوا عن مناجاة النبي ﷺ حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب قدم دينارا صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي ﷺ، فسأله عن عشر خصال ثم أنزلت الرخصة، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال علي ﵁: آية في كتاب الله ﷿ لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم، فنسخت ولم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد عن علي بن علقمة الأنماري عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ:\n«ما ترى، دينار؟» قال: لا يطيقون. قال «نصف دينار» قال: لا يطيقون. قال «ما ترى»؟ قال: شعيرة. فقال له النبي ﷺ «إنك لزهيد» قال: فنزلت ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ قال علي: فبي خفف الله عن هذه الأمة.\nورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع عن يحيى بن آدم عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن سالم بن أبي الجعد عن علي بن علقمة الأنماري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ إلى آخرها قال لي النبي ﷺ: «ما ترى، دينار» قلت: لا يطيقونه (^٢) وذكره بتمامه مثله، ثم قال: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، ثم قال: ومعنى قوله شعيرة يعني وزن شعيرة من ذهب، ورواه أبو يعلى عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن آدم به.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ -إلى- ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. كان المسلمون يقدمون بين يدي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥٨، باب ٢.","vol":"8","page":80},{"text":"النجوى صدقة فلما نزلت الزكاة نسخ هذا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله:\n﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه ﵇، فلما قال ذلك جبن كثير من المسلمين وكفوا عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ فوسع الله عليهم ولم يضيق.\nوقال عكرمة والحسن البصري في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ نسختها الآية التي بعدها ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ إلى آخرها. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة ففطمهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله ﷺ فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال معمر عن قتادة ﴿إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ إنها منسوخة ما كانت إلا ساعة من نهار. وهكذا روى عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب عن مجاهد قال علي: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وأحسبه قال: وما كانت إلا ساعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1937>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٤ إلى ١٩]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)﴾\nيقول الله تعالى منكرا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن. وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣] وقال هاهنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني اليهود الذين كان المنافقون يمالئونهم ويوالونهم في الباطن ثم قال تعالى:\n﴿ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ أي هؤلاء المنافقون ليسوا في الحقيقة لا منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين يوالونهم وهم اليهود، ثم قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني المنافقين يحلفون على الكذب، وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين عياذا بالله منه، فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا جاءوا الرسول حلفوا له بالله أنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به، لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه وإن كان في نفس الأمر مطابقا، ولهذا شهد الله","vol":"8","page":81},{"text":"بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك.\nثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة وهي موالاة الكافرين ونصحهم ومعاداة المؤمنين، وغشهم، ولهذا قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض الناس ﴿فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة.\nثم قال تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي لن يدفع ذلك عنهم بأسا إذا جاءهم ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ أي يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدا ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي يحلفون بالله ﷿ أنهم كانوا على الهدى والاستقامة كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة ولهذا قال:\n﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي حلفهم بذلك لربهم ﷿.\nثم قال تعالى: منكرا عليهم حسبانهم ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ فأكد الخبر عنهم بالكذب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير عن سماك بن حرب، حدثني سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدثه أن النبي ﷺ كان في ظل حجره من حجره وعنده نفر من المسلمين قد كاد يقلص عنهم الظل قال: «إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه» فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله فكلمه فقال: «علام تشتمني أنت وفلان وفلان» نفر دعاهم بأسمائهم، قال فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا له واعتذروا إليه، قال فأنزل الله ﷿ ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾.\nوهكذا رواه الإمام أحمد (^١) من طريقين عن سماك به، ورواه ابن جرير (^٢) عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن سماك به نحوه، وأخرجه أيضا من حديث سفيان الثوري عن سماك بنحوه إسناد جيد ولم يخرجوه، وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤].\nثم قال تعالى: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ﴾ أي استحوذ على قلوبهم الشيطان\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٤٠، ٢٦٧، ٣٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢٤.","vol":"8","page":82},{"text":"حتى أنساهم أن يذكروا الله ﷿، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه، ولهذا قال أبو داود:\nحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زائدة، حدثنا السائب بن حبيش عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية» (^١) قال زائدة: قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة. ثم قال تعالى: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ يعني الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ثم قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1938>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله، يعني الذين هم في حد والشرع في حد، أي مجانبون للحق مشاقون له هم في ناحية والهدى في ناحية ﴿أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ أي في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب الأذلين في الدنيا والآخرة. ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي قد حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يخالف ولا يمانع ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة و﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر:\n٥١ - ٥٢].\nوقال هاهنا: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه، وهذا قدر محكم وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة ثم قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي لا يوادّون المحادّين ولو كانوا من الأقربين كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] الآية.\nوقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٤٦.","vol":"8","page":83},{"text":"[التوبة: ٢٤] وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة ﵃: ولو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر ﴿أَوْ أَبْناءَهُمْ﴾ في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرّحمن ﴿أَوْ إِخْوانَهُمْ﴾ في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، فالله أعلم.\nقلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم، وقال عمر: أرى ما أرى، يا رسول الله هل تمكنني من فلان قريب لعمر فأقتله، وتمكن عليا من عقيل وتمكن فلانا من فلان ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين القصة بكمالها. وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان أي كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته. قال السدي: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ﴾ جعل في قلوبهم الإيمان. وقال ابن عباس ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي قواهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ كل هذا تقدم تفسيره غير مرة، وفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ سر بديع وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم. وقوله تعالى:\n﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي هؤلاء حزب الله أي عباد الله وأهل كرامته. وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة في مقابلة ما ذكر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان ثم قال: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن حميد الواسطي، حدثنا الفضل بن عنبسة عن رجل قد سماه فقال: هو عبد الحميد بن سليمان-انقطع من كتابي-عن الذيال بن عباد قال:\nكتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: اعلم أن الجاه جاهان جاه يجريه الله تعالى على أيدي أوليائه لأوليائه، وأنهم الخامل ذكرهم الخفية شخوصهم، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله ﷺ «إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا","vol":"8","page":84},{"text":"لم يدعوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة» (^١) فهؤلاء أولياء الله تعالى الذين قال الله: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال نعيم بن حماد:\nحدثنا محمد بن ثور عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدا ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته إلي ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال سفيان: يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان رواه أبو أحمد العسكري. آخر تفسير سورة المجادلة ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ١٦.","vol":"8","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1939>تفسير سورة الحشر</span>\nوهي مدنية\nوكان ابن عباس يقول: سورة بني النضير قال سعيد بن المنصور: حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس سورة الحشر، قال: أنزلت في بني النضير، ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر عن هشيم به، ورواه البخاري من حديث أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير: قال قلت لابن عباس سورة الحشر؟ قال سورة بني النضير (^١).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1940>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)﴾\nيخبر تعالى أن جميع ما في السموات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه ويصلي له ويوحده كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي منيع الجناب ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قدره وشرعه.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ يعني يهود بني النضير. قاله ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد: كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه فأحل الله بهم بأسه الذي لا مرد له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصد، فأجلاهم النبي ﷺ وأخرجهم من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٩، باب ١، ومسلم في التفسير حديث ٣١.","vol":"8","page":86},{"text":"حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئا وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، وسيرهم رسول الله ﷺ وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر، وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي لا يمكن أن تحمل معهم، ولهذا قال تعالى:\n﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله وكذب كتابه كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم.\nقال أبو داود (^١): حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان معه يعبد الأوثان من الأوس، والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنكم أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبي ﷺ، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به أنفسكم يريدون أن يقاتلوا أبناءكم وإخوانكم» فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهو الخلاخل، فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ أيقنت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ: أخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي بمكان المنصف، وليسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك.\nفلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحصرهم فقال لهم: «إنكم والله لا تأمنوا عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه فأبوا أن يعطوه عهدا فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا من الغد على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه، فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة أعطاه الله إياها وخصه بها فقال تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ يقول بغير قتال، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين قسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة ولم يقسم من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة، ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار\n_________\n(^١) كتاب الإمارة باب ٢٢.","vol":"8","page":87},{"text":"وبالله المستعان.\nوكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسير أنه لما قتل أصحاب بئر معونة من أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا سبعين وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: «لقد قتلت رجلين لأدينهما» وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير ليستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة (^١): ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري للجوار الذي كان رسول الله ﷺ عقد لهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه-ورسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم إلى جنب جدار من بيوتهم-فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال أنا لذلك فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃ فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعا إلى المدينة.\nفلما استلبث النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال رأيته داخلا المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم، ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا فقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠ - ١٩٢.","vol":"8","page":88},{"text":"الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن إيجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خبير ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة-سماك بن خرشة-ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله ﷺ، قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمرو بن كعب بن عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها.\nقال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله ﷺ قال ليامين: «ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني» فجعل يامين بن عمرو لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها وهكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق بنحو ما تقدم.\nفقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ يعني بني النضير ﴿مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس قال: من شك في أن أرض المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال لهم رسول الله ﷺ «اخرجوا» قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن عوف عن الحسن قال: لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير قال: «هذا أول الحشر وإنا على الأثر» ورواه ابن جرير (^١) عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن به.\nوقوله تعالى: ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أي في مدة حصاركم لهم وقصرها وكانت ستة أيام مع شدة حصونهم ومنعتها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أي الخوف والهلع والجزع وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر صلوات الله وسلامه عليه. وقوله:\n﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم وتحملها على الإبل، وكذلك قال عروة بن الزبير وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد، وقال مقاتل بن حيان كان رسول الله ﷺ يقاتلهم فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكان اليهود إذا علوا مكانا أو\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨.","vol":"8","page":89},{"text":"غلبوا على درب أو دار نقبوا من أدبارها ثم حصنوها ودربوها، يقول الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ أي لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء وهو النفي من ديارهم وأموالهم لكان لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي ونحو ذلك، قاله الزهري عن عروة والسدي وابن زيد لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الدار الآخرة من العذاب في نار جهنم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: ثم كانت وقعة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم بناحية من المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وأن لهم ما أقلت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة وهي السلاح، فأجلاهم رسول الله ﷺ قبل الشام، قال: والجلاء كتب عليهم في آي من التوراة وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبل ما سلط عليهم رسول الله ﷺ وأنزل الله فيهم ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ وقال عكرمة: الجلاء القتل، وفي رواية عنه الفناء، وقال قتادة: الجلاء خروج الناس من البلد إلى البلد. وقال الضحاك: أجلاهم إلى الشام وأعطى كل ثلاثة بعيرا وسقاء، فهذا الجلاء.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن سعيد العوفي حدثني أبي عن عمي، حدثنا أبي عن جدي عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء، والجلاء إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى.\nوروي أيضا من حديث يعقوب بن محمد الزهري عن إبراهيم بن جعفر عن محمود بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جده، عن محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ أي حتم لازم لا بد لهم منه. وقوله تعالى:\n﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين، لأنهم خالفوا الله ورسوله وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد ﷺ، وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾.","vol":"8","page":90},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ اللين نوع من التمر وهو جيد قال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر، وقال كثيرون من المفسرين: اللينة ألوان التمر سوى العجوة. قال ابن جرير (^١): هو جميع النخل ونقله عن مجاهد وهو البويرة (^٢) أيضا، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهابا وإرعابا لقلوبهم، فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: فبعث بنو النضير يقولون لرسول الله ﷺ إنك تنهى عن الفساد فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة أي ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذنه ومشيئته وقدرته ورضاه وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم.\nوقال مجاهد: نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه، وقد روي نحو هذا مرفوعا، فقال النسائي: أخبرنا الحسن بن محمد عن عفان، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله:\n﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ قال:\nيستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضا وتركنا بعضا فلنسألن رسول الله ﷺ هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حفص عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر وعن أبي الزبير عن جابر، قال: رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم، فأتوا النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو علينا وزر فيما تركنا، فأنزل الله ﷿ ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرّحمن، حدثنا سفيان عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق، وأخرجه صاحبا الصحيح من رواية موسى بن عقبة بنحوه، ولفظ البخاري من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، قال: حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل من رجالهم وسبى وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمنهم وأسلموا وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع، وهم رهط\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٣٢.\n(^٢) البويرة: موضع.\n(^٣) المسند ٢/ ٧، ٨.","vol":"8","page":91},{"text":"عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهود بالمدينة (^١)، ولهما أيضا عن قتيبة عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة، فأنزل الله ﷿ فيه ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾.\nوللبخاري (^٢) ﵀ من رواية جويرية ابن أسماء عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير، ولها يقول حسان بن ثابت ﵁:\n[الوافر] وهان على سراة بني لؤيّ … حريق بالبويرة مستطير (^٣)\nفأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول: [الوافر] أدام الله ذلك من صنيع … وحرّق في نواحيها السعير\nستعلم أينّا منها بنزه … وتعلم أي أرضينا نضير\nوكذا رواه البخاري ولم يذكره ابن إسحاق، وقال محمد بن إسحاق وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف: [الوافر] لقد خزيت بغدرتها الحبور … كذاك الدهر ذو صرف يدور (^٤)\nوذلك أنهم كفروا برب … عظيم أمره أمر كبير\nوقد أوتوا معا فهما وعلما … وجاءهم من الله النذير\nنذير صادق أدى كتابا … وآيات مبينة تنير\nفقالوا ما أتيت بأمر صدق … وأنت بمنكر منا جدير\nفقال بلى لقد أديت حقا … يصدقني به الفهم الخبير\nفمن يتبعه يهد لكل رشد … ومن يكفر به يجز الكفور\nفلما أشربوا غدرا وكفرا … وجد بهم عن الحق النفور\nأرى الله النبي برأي صدق … وكان الله يحكم لا يجور\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ١٤، ومسلم في الجهاد حديث ٦٢.\n(^٢) كتاب المغازي باب ١٤.\n(^٣) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص ٢٥٣، وتاج العروس (بور). ومعجم البلدان (البويرة) وبلا نسبة في لسان العرب (طير)، وجمهرة اللغة ص ٧٥٣، وتابع العروس (طير)\n(^٤) الأبيات في ديوان كعب بن مالك ص ٢٠٣، ويروى البيت الأول في الديوان: لقد جزيت بعذرتها الحبور كذاك الدهر ذو خرق يدور والبيت في لسان العرب (حبر)، وتابع العروس (حبر) وانظر سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.","vol":"8","page":92},{"text":"فأيده وسلطه عليهم … وكان نصيره نعم النصير\nفغودر منهمو كعب صريعا … فذلت بعد مصرعه النضير\nعلى الكفين ثم وقد علته … بأيدينا مشهرة ذكور (^١)\nبأمر محمد إذ دس ليلا … إلى كعب أخا كعب يسير\nفما كره فأنزله بمكر … ومحمود أخو ثقة جسور\nفتلك بنو النضير بدار سوء … أبادهم بما اجترموا (^٢) المبير\nغداة أتاهم في الزحف رهوا (^٣) … رسول الله وهو بهم بصير\nوغسان الحماة موازروه … على الأعداء وهو لهم وزير\nفقال السلم ويحكم فصدوا … وخالف أمرهم كذب وزور\nفذاقوا غب أمرهم وبالا … لكل ثلاثة منهم بعير\nوأجلوا عامدين لقينقاع … وغودر منهم نخل ودور\nقال: وكان مما قيل من الأشعار في بني النضير قول ابن لقيم العبسي، ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريف، قال ابن هشام (^٤): الأشجعي: [الطويل] أهلي فداء لامرئ غير هالك … أجلى اليهود بالحسيّ المزنّم (^٥)\nيقيلون في جمر الغضاة (^٦) وبدلوا … أهيضب عودا بالودي (^٧) المكمم (^٨)\nفإن يك ظني صادقا بمحمد … يروا خيله بين الصلا ويرمرم (^٩)\nيؤم بها عمرو بن بهثة إنهم … عدو وما حي صديق كمجرم\n_________\n(^١) مشهرة ذكور: أي سيوف مسلولة من أغمادها؛ والذكور: جمع ذكر بفتحتين، القوي الصلب.\n(^٢) اجترموا: أي اكتسبوا.\n(^٣) أتى رهوا: أي أتى ساكنا، وقيل أتت الخيول متتابعة.\n(^٤) الأبيان في سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٥ - ١٩٦.\n(^٥) يريد أحلهم بأرض غربة وفي غير عشائرهم، والزنيم والمزنم: الرجل يكون في القوم وليس منهم، أي: أنزلهم بمنزلة الحسي، أي: المبعد الطريد، وإنما جعل الطريد الذليل حسيا، لأنه عرضه للأكل، والحسي والحسو: ما يحسى من الطعام حسوا، أي أنه لا يمتنع على آكل، ويجوز أن يريد بالحسي معنى الغذى من الغنم، وهو الصغير الضعيف الذي لا يستطيع الرعي، ويقال أيضا: المزنم: صغار الإبل. انظر الروض الأنف للسهيلي ٢/ ١٧٧.\n(^٦) الغضاة: شجر.\n(^٧) الودي: صغار النخل.\n(^٨) المكمم: النخل الذي خرج طلعه.\n(^٩) الصلا ويرمرم: موضعان.","vol":"8","page":93},{"text":"عليهن أبطال مساعير (^١) في الوغى … يهزون أطراف الوشيج (^٢) المقوم\nوكل رقيق الشفرتين مهند … تورث من أزمان عاد وجرهم\nفمن مبلغ عني قريشا رسالة … فهل بعدهم في المجد من متكرم\nبأن أخاكم فاعلمن محمدا … تليد الندى بين الحجون وزمزم\nفدينوا له بالحق تحسم أموركم … وتسمو من الدنيا إلى كل معظم\nنبي تلاقته من الله رحمة … ولا تسألوه أمر غيب مرجم\nفقد كان في بدر لعمري عبرة … لكم يا قريش والقليب الملمم\nغداة أتى في الخزرجية عامدا … إليكم مطيعا للعظيم المكرم\nمعانا بروح القدس ينكي (^٣) عدوه … رسولا من الرّحمن حقا بمعلم\nرسولا من الرّحمن يتلو كتابه … فلما أنار الحق لم يتلعثم\nأرى أمره يزداد في كل موطن … علوا لأمر حمه الله محكم\nوقد أورد ابن إسحاق ﵀ هاهنا أشعارا كثيرة فيها آداب ومواعظ وحكم وتفاصيل للقصة، تركنا باقيها اختصارا واكتفاء بما ذكرناه، ولله الحمد والمنة. قال ابن إسحاق: كانت وقعة بني النضير بعد وقعة أحد وبعد بئر معونة، وحكى البخاري عن الزهري عن عروة أنه قال:\nكانت وقعة بني النضير بعد بدر بستة أشهر (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1941>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٦ إلى ٧]</span>\n﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)﴾\nيقول تعالى مبينا مال الفيء وما صفته وما حكمه، فالفيء كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ، فأفاءه الله على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما يشاء فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله ﷿ في هذه الآيات فقال تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي من بني النضير ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾\n_________\n(^١) المساعير: الذين يسعّرون الحرب ويثيرونها.\n(^٢) الوشيج: الرماح.\n(^٣) نكى عدوه: أصاب منه.\n(^٤) أخرجه البخاري في المغازي باب ١٤.","vol":"8","page":94},{"text":"يعني الإبل ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي هو قدير لا يغالب ولا يمانع بل هو القاهر لكل شيء.\nثم قال تعالى: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ أي جميع البلدان التي تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير ولهذا قال تعالى: ﴿فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ إلى آخرها والتي بعدها فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان عن عمرو ومعمر عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لو يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته، وقال مرة قوت سنته وما بقي جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله ﷿ (^٢)، هكذا أخرجه أحمد هاهنا مختصرا، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم إلا ابن ماجة من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن الزهري به، وقد رويناه مطولا.\nوقال أبو داود ﵀: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس المعنى واحد قالا: حدثنا بشر بن عمر الزهراني حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن مالك بن أوس قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب ﵁ حين تعالى النهار فجئته فوجدته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله (^٣) فقال حين دخلت عليه: يا مالك إنه قد دفّ (^٤) أهل أبيات من قومك وقد أمرت فيهم بشيء فأقسم فيهم، قلت لو أمرت غيري بذلك فقال خذه، فجاءه يرفأ (^٥) فقال يا أمير المؤمنين هل لك في عثمان بن عفان وعبد الرّحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص؟ قال: نعم.\nفأذن لهم فدخلوا ثم جاءه يرفأ فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في العباس وعلي؟ قال:\nنعم، فأذن لهما فدخلا فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا يعني عليا، فقال بعضهم: أجل يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرحهما، قال مالك بن أوس: خيل إلي أنهما قدما أولئك النفر لذلك، فقال عمر ﵁ اتئدا ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» قالوا: نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٥، ٤٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٨٠، ومسلم في الجهاد حديث ٤٨، وأبو داود في الإمارة باب ٢١، والترمذي في الجهاد باب ٤٠، والنسائي في الفيء باب ٨٠.\n(^٣) رمال السرير: ما ينسج في وجهه بالسعف. والمقصود: موصلا جسده إلى رماله.\n(^٤) دف: أي جاءوا مسرعين.\n(^٥) يرفأ: غلام لعمر بن الخطاب.","vol":"8","page":95},{"text":"هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» فقالا: نعم. فقال: إن الله خص رسوله بخاصة لم يخص بها أحدا من الناس فقال تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكان الله تعالى أفاء على رسوله أموال بني النضير فوالله ما استأثر بها عليكم ولا أحرزها دونكم، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منها نفقة سنة أو نفقته ونفقة أهله سنة، ويجعل ما بقي أسوة المال.\nثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فلما توفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر ﵁: قال رسول الله ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة» والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق فوليها أبو بكر، فلما توفي قلت أنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر فوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فسألتمانيها، فقلت إن شئتما فأنا أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله ﷺ يليها، فأخذتماها مني على ذلك ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فرداها إلي (^١)، أخرجوه من حديث الزهري به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عارم وعفان قالا: أخبرنا معتمر سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: إن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله حتى فتحت عليه قريظة والنضير قال فجعل يرد بعد ذلك، قال وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله قال، فسألت النبي ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول كلا والله الذي لا إله إلا هو لا يعطيكهن وقد أعطانيهن، أو كما قالت فقال نبي الله: «لك كذا وكذا» قال وتقول كلا والله قال ويقول «لك كذا وكذا» قال وتقول كلا والله، قال: «ويقول لك كذا وكذا» قال حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله أو قال قريبا من عشرة أمثاله، أو كما قال (^٣) رواه البخاري ومسلم من طرق عن معتمر به، وهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خمس الغنيمة، وقد قدمنا الكلام عليها في سورة الأنفال بما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الخمس باب ١، ومسلم في الجهاد حديث ٤٩، وأبو داود في الإمارة باب ١٩.\n(^٢) المسند ٣/ ٢١٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في الخمس باب ١٢، والمغازي باب ١٤، ومسلم في الجهاد حديث ٧١.","vol":"8","page":96},{"text":"أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد.\nوقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ﴾ أي جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء. وقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أي مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن العوفي عن يحيى بن الجزار عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود قالت:\nبلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة (^١)، أشيء وجدته في كتاب الله تعالى أو عن رسول الله ﷺ؟ قال: بلى شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله ﷺ. قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول. قال: فما وجدت فيه ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة (^٢)، قالت: فلعله في بعض أهلك، قال فادخلي فانظري، فدخلت فنظرت ثم خرجت قالت: ما رأيت بأسا، فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرّحمن، حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله هو ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ﷿، قال فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت بلغني أنك قلت كيت وكيت، قال ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله تعالى، فقالت إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته، فقال إن كنت قرأته فقد وجدته أما قرأت ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى. قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه. قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئا، قال: لو كان كذا لما تجامعنا (^٤). أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري.\nوقد ثبت في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (^٥) وقال النسائي: أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا يزيد، حدثنا منصور بن حيان عن سعيد بن جبير»، عن ابن عمر وابن عباس أنهما شهدا على\n_________\n(^١) الواصلة: هي التي توصل شعر بشعر غيرها زورا وكذبا.\n(^٢) النامصة: هي تنتف الشعر من وجهها.\n(^٣) المسند ١/ ٤٣٣، ٤٣٤.\n(^٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٩، باب ٤، ومسلم في اللباس حديث ١٢.\n(^٥) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٣٠.","vol":"8","page":97},{"text":"رسول الله ﷺ أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت (^١)، ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه وارتكب ما عنه زجره ونهاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1942>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٨ إلى ١٠]</span>\n﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾\nيقول تعالى مبينا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا﴾ أي خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أي هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم وهؤلاء هم سادات المهاجرين. ثم قال تعالى مادحا للأنصار ومبينا فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم. قال عمر:\nوأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم رواه البخاري (^٢) هاهنا أيضا.\nقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أي من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس قال: قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال «لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» (^٤) لم أره في الكتب من هذا الوجه.\nوقال البخاري (^٥): حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الإيمان باب ٢٥.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٩، باب ٦.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٠٠، ٢٠١، ٢٠٤.\n(^٤) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٤٤.\n(^٥) كتاب مناقب الأنصار باب ٨.","vol":"8","page":98},{"text":"مالك حين خرج معه إلى الوليد قال دعا النبي ﷺ الأنصار أن يقطع لهم البحرين. قالوا لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها قال «إما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أثرة» تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري: حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا. فقالوا: أتكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا (^١). تفرد به دون مسلم.\n﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ أي ولا يجدون في أنفسهم حسدا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة.\nقال الحسن البصري ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً﴾ يعني الحسد (^٢) ﴿مِمّا أُوتُوا﴾ قال قتادة يعني فيما أعطى إخوانهم. وكذا قال ابن زيد ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد (^٣) حيث قال: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن أنس قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فقال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال «نعم».\nقال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق، ورواه النسائي في اليوم والليلة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن معمر به، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الحرث باب ٥.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٤١.\n(^٣) المسند ٣/ ١٦٦.","vol":"8","page":99},{"text":"أنس، فالله أعلم.\nوقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ يعني مما أوتوا المهاجرين، قال وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار فعاتبهم الله في ذلك فقال تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: وقال رسول الله ﷺ: «إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم» فقالوا أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله ﷺ: «أو غير ذلك» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر» فقالوا: نعم يا رسول الله. وقوله تعالى:\n﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ يعني حاجة أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.\nوقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفضل الصدقة جهد المقل» (^١) وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقوله ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه، ومن هذا المقام تصدق الصديق ﵁ بجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ:\n«ما أبقيت لأهلك؟» فقال ﵁: أبقيت لهم الله ورسوله (^٢)، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم ﵃ وأرضاهم.\nوقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير حدثنا أبو أسامة حدثنا فضيل بن غزوان حدثنا أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة قال: أتى رجل لرسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال النبي ﷺ: «ألا رجل يضيف هذه الليلة ﵀» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته:\nهذا ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئا، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئ السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال: «لقد عجب الله ﷿-أو ضحك-من فلان وفلانة» وأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الوتر باب ١٢، والنسائي في الزكاة باب ٤٩، والدارمي في الصلاة باب ١٣٥، وأحمد في المسند ٢/ ٣٥٨، ٣/ ٤١٢، ٥/ ١٧٨، ١٧٩، ٢٦٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب ١٦.","vol":"8","page":100},{"text":"(^١) وكذا رواه البخاري في موضع آخر ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن فضيل بن غزوان به نحوه وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة ﵁.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح.\nقال أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا داود بن قيس الفراء عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» انفرد بإخراجه مسلم (^٣) فرواه عن القعنبي عن داود بن قيس به.\nوقال الأعمش وشعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن زهير بن الأقمر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» (^٤) ورواه أحمد وأبو داود من طريق شعبة والنسائي من طريق الأعمش، كلاهما عن عمرو بن مرة به، وقال الليث عن يزيد بن الهاد عن سهيل بن أبي صالح عن صفوان بن أبي يزيد عن القعقاع بن اللجلاج عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا» (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا المسعودي عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرّحمن إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال له عبد الله: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا، فقال عبد الله: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذاك البخل وبئس الشيء البخل.\nوقال سفيان الثوري عن طارق بن عبد الرّحمن عن سعيد بن جبير عن أبي الهياج الأسدي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ١٠، وتفسير سورة ٥٩، باب ٦، ومسلم من الأشربة حديث ١٧٢، والترمذي في تفسير سورة ٥٩، باب ٣.\n(^٢) المسند ٣/ ٣٢٣.\n(^٣) كتاب البر حديث ٥٦، ٥٧.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٤٦، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٠.\n(^٥) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب ٨، والنسائي في الجهاد باب ٨، وابن ماجة في الجهاد باب ٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٦، ٣٤٠، ٣٤٢، ٤٤١، ٥٠٥.","vol":"8","page":101},{"text":"قال: كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلا يقول: اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل، وإذا الرجل عبد الرّحمن بن عوف ﵁. رواه ابن جرير (^١).\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا سليمان بن عبد الرّحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا مجمع بن جارية الأنصاري عن عمه يزيد بن جارية عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة».\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى: في هذه الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أي قائلين ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ﴾ أي بغضا وحسدا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ وما أحسن ما استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب، لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن عبد الرّحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ﴾ الآية. وقال إسماعيل ابن علية عن عبد الملك بن عمير عن مسروق عن عائشة قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسببتموهم. سمعت نبيكم ﷺ يقول:\n«لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها» ورواه البغوي، وقال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب عن الزهري قال: قال عمر ﵁ ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ قال الزهري: قال عمر ﵁: هذه لرسول الله ﷺ خاصة قرى عربية فدك وكذا فما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل-وللفقراء المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم- ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ -\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٢.","vol":"8","page":102},{"text":"﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاستوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق. قال أيوب-أو قال حظّ-إلا بعض من تملكون من أرقائكم (^١). كذا رواه أبو داود وفيه انقطاع.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ -حتى بلغ- ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى﴾ -حتى بلغ- ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ … ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ - ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا له فيها حق ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1943>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١١ إلى ١٧]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (١٧)﴾\nيخبر تعالى عن المنافقين كعبد الله بن أبي وأضرابه حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر من أنفسهم فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي لكاذبون فيما وعدوهم به إما لأنهم قالوا لهم قولا، ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أي لا يقاتلون معهم ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أي قاتلوا معهم ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهذه بشارة مستقلة بنفسها، وقوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ﴾ أي يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله كقوله: ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] ولهذا قال تعالى ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ﴾ يعني أنهم من جبنهم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الإمارة باب ١٩، والنسائي في الفيء باب ١٦.","vol":"8","page":103},{"text":"وهلعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقاتلة بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة.\nثم قال تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي عداوتهم فيما بينهم شديدة، كما قال تعالى:\n﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] ولهذا قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ أي تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين وهم مختلفون غاية الاختلاف، قال إبراهيم النخعي:\nيعني أهل الكتاب والمنافقين ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ قال مجاهد والسدي ومقاتل بن حيان: يعني كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر، وقال ابن عباس: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني يهود بني قينقاع، وكذا قال قتادة ومحمد بن إسحاق، وهذا القول أشبه بالصواب فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله ﷺ قد أجلاهم قبل هذا.\nوقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يعني مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين وقول المنافقين لهم ﴿إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾، ثم لما حقت الحقائق وجد بهم الحصار والقتال، تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول للإنسان-والعياذ بالله-الكفر، فإذا دخل فيما سول له تبرأ منه وتنصل وقال ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾. وقد ذكر بعضهم هاهنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها.\nفقال ابن جرير (^١): حدثنا خلاد بن أسلم أخبرنا النضر بن شميل أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت عبد الله بن نهيك قال: سمعت عليا ﵁ يقول إن راهبا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاؤوا بها إليه فداواها وكانت عنده، فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك إنك أعييتني أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك، فاسجد لي سجدة، فسجد له فلما سجد له قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي حدثنا أبي عن أبيه عن جده عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرّحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧.","vol":"8","page":104},{"text":"﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ قال:\nكانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال فنزل الراهب ففجر بها فحملت، فأتاه الشيطان فقال له اقتلها ثم ادفنها فإنك رجل مصدق يسمع قولك، فقتلها ثم دفنها قال فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا بل قصها علينا.\nقال فقصها فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، فقالوا: فوالله ما هذا إلا لشيء قال فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به فلقيه الشيطان، فقال إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال فسجد له، فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل. وكذا روي عن ابن عباس وطاوس ومقاتل بن حيان نحو ذلك، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا فالله أعلم.\nوهذه القصة مخالفة لقصة جريج العابد فإن جريجا اتهمته امرأة بغي بنفسها، وادعت أن حملها منه ورفعت أمرها إلى ولي الأمر فأمر به فأنزل من صومعته وخربت صومعته وهو يقول ما لكم ما لكم؟ قالوا يا عدو الله فعلت بهذه المرأة كذا وكذا، فقال جريج اصبروا ثم أخذ ابنها وهو صغير جدا، ثم قال يا غلام من أبوك. قال أبي الراعي وكانت قد أمكنته من نفسها فحملت منه، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك عظموه كلهم تعظيما بليغا وقالوا نعيد صومعتك من ذهب، قال لا بل أعيدوها من طين كما كانت.\nوقوله تعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ أي فكان عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له ومصيرهما إلى نار جهنم خالدين فيها ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أي جزاء كل ظالم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1944>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٨ إلى ٢٠]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)﴾\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتغير وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام الصلاة فصلى ثم خطب فقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ -إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] وقرأ الآية التي في الحشر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ","vol":"8","page":105},{"text":"لِغَدٍ﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره-حتى قال- ولو بشق تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله ﷺ يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (^١) انفرد بإخراجه مسلم من حديث شعبة بإسناده مثله، فقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ أمر بتقواه وهو يشمل فعل ما به أمر وترك ما عنه زجر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ تأكيد ثان ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية ولا يغيب من أموركم جليل ولا حقير وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي لا تنسوا ذكر الله تعالى: فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله الهالكون يوم القيامة الخاسرون يوم معادهم، كما قال تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا المغيرة، حدثنا حريز بن عثمان عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق ﵁: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله ﷿ فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله ﷿، إن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم الله ﷿ أن تكونوا أمثالهم ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم وخلوا بالشقوة والسعادة، وأين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستنصحوا بكتابه وتبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] لا خير في قول لا يراد به وجه الله ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٧٠، وأحمد في المسند ٤/ ٣٥٨، ٣٦١.","vol":"8","page":106},{"text":"لائم. هذا إسناد جيد ورجاله كلهم ثقات، وشيخ حريز بن عثمان وهو نعيم بن نمحة لا أعرفه بنفي ولا إثبات، غير أن أبا داود السجستاني قد حكم بأن شيوخ حريز كلهم ثقات، وقد روي لهذه الخطبة شواهد من وجوه أخر والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ أي لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨]. في آيات أخر دالات على أن الله تعالى يكرم الأبرار ويهين الفجار، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي الناجون المسلمون من عذاب الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1945>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢١ إلى ٢٤]</span>\n﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾\nيقول تعالى معظما لأمر القرآن ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ أي فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله ﷿، فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ إلى آخرها يقول لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه لتصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وكذا قال قتادة وابن جرير.\nوقد ثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله ﷺ لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع وجاء النبي ﷺ ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حن الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي","vol":"8","page":107},{"text":"يسكنّ لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده، ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده: فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله ﷺ من الجذع وهكذا هذه الآية الكريمة إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ [الرعد: ٣١] الآية. وقد تقدم أن معنى ذلك أي لكان هذا القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [البقرة: ٧٤].\nثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة أي يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير حتى الذر في الظلمات.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير بما أغنى عن إعادته هاهنا، والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ﴾ أي المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة. وقوله تعالى: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قال وهب بن منبه أي الطاهر. وقال مجاهد وقتادة أي المبارك وقال ابن جريج تقدسه الملائكة الكرام ﴿السَّلامُ﴾ أي من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمن خلقه من أن يظلمهم. وقال قتادة: أمن بقوله أنه حق. وقال ابن زيد: صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به. وقوله تعالى:\n﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: أي الشاهد على خلقه بأعمالهم بمعنى هو رقيب عليهم كقوله ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] وقوله ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:٤٦] وقوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ﴾ أي الذي قد عز كل شيء فقهره وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه، ولهذا قال تعالى: ﴿الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ أي الذي لا تليق الجبرية إلا له ولا التكبر إلا لعظمته، كما تقدم في الصحيح «العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته» (^١) وقال قتادة: الجبار الذي جبر خلقه على ما يشاء. وقال ابن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٢٦، وابن ماجة في الزهد باب ١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٨، ٣٧٦، ٤١٤، ٤٢٧، ٤٤٢.","vol":"8","page":108},{"text":"جرير: الجبار المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم. وقال قتادة: المتكبر يعني عن كل سوء ثم قال تعالى: ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الخلق التقدير والبرء هو الفري، وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود وليس كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ﷿. قال الشاعر يمدح آخر: [الكامل] ولأنت تفري ما خلقت وبعض … القوم يخلق ثم لا يفري (^١)\nأي أنت تنفذ ما خلقت أي قدرت، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق التقدير والفري التنفيذ، ومنه يقال قدر الجلاد ثم فرى أي قطع على ما قدره بحسب ما يريده. وقوله تعالى: ﴿الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ أي الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ ولهذا قال ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ قد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف. ونذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» (^٢) وتقدم سياق الترمذي وابن ماجة له عن أبي هريرة أيضا وزاد بعد قوله: «وهو وتر يحب الوتر». واللفظ للترمذي:\n«هو الله الذي لا إله إلا هو الرّحمن، الرّحيم، الملك، القدوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع،\n_________\n(^١) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٩٤، ولسان العرب (خلق)، (فرا)، وتهذيب اللغة ٧/ ٢٦، ١٥/ ٢٤٢، ومقاييس اللغة ٢/ ٢١٤، ٤/ ٤٩٧، وديوان الأدب ٢/ ١٢٣، وكتاب الجيم ٣/ ٤٩، والمخصص ٤/ ١١١، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٦١٩، وتابع العروس (فرا)\n(^٢) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٦٩، ومسلم في الذكر حديث ٥، ٦ وأبو داود في الوتر باب ١، والترمذي في الوتر باب ٢، والنسائي في قيام الليل باب ٢٧، وابن ماجة في الإقامة باب ١١٤.","vol":"8","page":109},{"text":"الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور». وسياق ابن ماجة بزيادة ونقصان وتقديم وتأخير وقد قدمنا ذلك مبسوطا مطولا بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي فلا يرام جنابه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في شرعه وقدره، وقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا خالد يعني ابن طهمان أبو العلاء الخفاف حدثنا نافع بن أبي نافع، عن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: «من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة» ورواه الترمذي (^٢) عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد الزبيري به. وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. آخر تفسير سورة الحشر، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٦.\n(^٢) كتاب ثواب القرآن باب ٢٢.","vol":"8","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1946>تفسير سورة الممتحنة</span>\nوهي مدنية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1947>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَاِبْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾\nكان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبا هذا كان رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان، فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال «اللهم عم عليهم خبرنا» فعمد حاطب هذا فكتب كتابا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ من غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدا فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله ﷺ استجابة لدعائه، فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان عن عمرو، أخبرني حسن بن محمد بن علي، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع وقال مرة إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره أنه سمع عليا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (^٢) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة (^٣) قلنا أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها (^٤)، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) المسند ١/ ٧٩، ٨٠.\n(^٢) روضة خاخ: موضع على اثني عشر ميلا من المدينة.\n(^٣) الظعينة: المرأة.\n(^٤) العقاص: الذوائب المضفورة.","vol":"8","page":111},{"text":"فقال رسول الله ﷺ «يا حاطب ما هذا؟» قال: لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «إنه صدقكم».\nفقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (^١) وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة من غير وجه عن سفيان بن عيينة به، وزاد البخاري في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ وقال في كتاب التفسير: قال عمرو ونزلت فيه ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ وقال لا أدري الآية في الحديث أو قال عمرو. قال البخاري قال علي يعني ابن المديني قيل لسفيان في هذا نزلت ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ فقال سفيان: هذا في حديث الناس حفظته من عمرو، ما تركت منه حرفا ولا أدري أحدا حفظه غيري.\nوقد أخرجاه في الصحيحين من حديث حصين بن عبد الرّحمن عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرّحمن السلمي عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير بن العوام وكلنا فارس، وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ فقلنا: الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا، فقلنا ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه فقال النبي ﷺ: «ما حملك على ما صنعت؟» قال حاطب:\nوالله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله ﷺ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هنالك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال: «صدق لا تقولوا له إلا خيرا».\nفقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال: «أليس من أهل بدر؟ -فقال-لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة -أو قد غفرت لكم-» فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، هذا لفظ البخاري في المغازي في غزوة بدر، وقد روي من وجه آخر عن علي قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ٩، ٤٦، وتفسير سورة ٦٠، باب ١، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٦١، وأبو داود في الجهاد باب ٩٨، والترمذي في تفسير سورة ٦٠، باب ١، والدارمي في الرقاق باب ٤٨.","vol":"8","page":112},{"text":"الحسن الهسنجاني، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن أبي سنان هو سعيد بن سنان عن عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري الطائي، عن الحارث عن علي قال:\nلماذا أراد النبي ﷺ أن يأتي مكة أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، قال: فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله ﷺ يريدكم، فأخبر رسول الله ﷺ، قال فبعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس فقال: «ائتوا روضة خاخ فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب فخذوه منها».\nفانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر رسول الله ﷺ فقلنا لها هات الكتاب فقالت ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشناها فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد لعله أن لا يكون معها، فقلت ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا فقلنا لها لتخرجنه أو لنعرينك. فقالت أما تتقون الله! ألستم مسلمين! فقلنا لتخرجنه أو لنعرينك. قال عمرو بن مرة. فأخرجته من حجزتها. وقال حبيب بن أبي ثابت: أخرجته من قبلها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، فقام عمر فقال يا رسول الله خان الله ورسوله فائذن لي فلأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: «أليس قد شهد بدرا؟ قالوا: بلى، وقال عمر: بلى ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال يا رسول الله ﷺ: «فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم إني بما تعملون بصير» ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم فأرسل رسول الله ﷺ إلى حاطب فقال: «يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟» فقال: يا رسول الله إني كنت امرأ ملصقا في قريش، وكان لي بها مال وأهل ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت بذلك إليهم والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: «صدق حاطب فلا تقولوا لحاطب إلا خيرا» قال حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية. وهكذا رواه ابن جرير (^١) عن ابن حميد عن مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان بإسناده مثله.\nوقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير فقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (^٢):\nحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم ثم أعطاه امرأة، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبني عبد المطلب وجعل لها جعلا على أن تبلغه لقريش، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٧.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٨، ٣٩٩، وتفسير الطبري ١٢/ ٥٧، ٥٨.","vol":"8","page":113},{"text":"بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: «أدركا امرأة قد كتب معها حاطب كتابا إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم».\nفخرجا حتى أدركاها بالخليفة، خليفة بني أبي أحمد، فاستنزلاها بالحليفة فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله وما كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه قالت: أعرض، فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه، فأتى به رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا فقال: «يا حاطب ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب:\nيا رسول الله دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ: «وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».\nفأنزل الله ﷿ في حاطب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ -إلى قوله- ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ إلى آخر القصة.\nوروى معمر عن الزهري عن عروة نحو ذلك، وهكذا ذكر مقاتل بن حيان أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة أنه بعث سارة مولاة بني هاشم، وأنه أعطاها عشرة دراهم، وأن رسول الله ﷺ بعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ فأدركاها بالجحفة وذكر تمام القصة كنحو ما تقدم، وعن السدي قريبا منه، وهكذا قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة.\nفقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا؟﴾ [النساء: ١٤٤] وقال تعالى:\n﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولهذا قبل رسول الله ﷺ عذر حاطب، لما","vol":"8","page":114},{"text":"ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.\nويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١): حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح عن قيس بن أبي مسلم عن ربعي بن خراش سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالا واحدا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر، قال فضرب لنا منها مثلا وترك سائرها قال: «إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه» وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ﴾ هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين كقوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكقوله تعالى:\n﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ [الحج: ٤٠].\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقا عليكم وسخطا لدينكم. وقوله تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ﴾ أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ أي لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيرا فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضا.\nوقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءا، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبا إلى نبي من الأنبياء. قال الإمام أحمد (^٢):\nحدثنا عفان، حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال «في النار» فلما قفّى دعاه فقال «إن أبي وأباك في النار» (^٣) ورواه مسلم وأبو داود من حديث حماد بن سلمة به.\n_________\n(^١). ٥/ ٤٠٧.\n(^٢) المسند ٣/ ١١٩.\n(^٣) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣٤٧، وأبو داود في السنة باب ١٧.","vol":"8","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1948>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٤ إلى ٦]</span>\n﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاِغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾\nيقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي وأتباعه الذين آمنوا معه ﴿إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ﴾ أي تبرأنا منكم ﴿وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أي بدينكم وطريقكم ﴿وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا﴾ يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبدا نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أي لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم ويقولون إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه، فأنزل الله ﷿ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤].\nوقال تعالى في هذه الآية: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي ليس لكم في ذلك أسوة أي في الاستغفار للمشركين هكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وغير واحد.\nثم قال تعالى مخبرا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرؤوا منهم، فلجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك وإليك المصير أي المعاد في الدار الآخرة ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه، واختاره ابن جرير، وقال","vol":"8","page":116},{"text":"علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.\nوقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي واستر ذنوبنا عن غيرك واعف عنها فيما بيننا وبينك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ أي الذي لا يضام من لاذ بجنابك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضا لأن هذه الأسوة المثبتة هاهنا هي الأولى بعينها، وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ تهييج إلى ذلك لكل مؤمن بالله والمعاد.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي عما أمر الله به ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كقوله تعالى:\n﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الغني الذي قد كمل في غناه وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار الحميد المستحمد إلى خلقه أي هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله لا إله غيره ولا رب سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1949>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩)﴾\nيقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي محبة بعد البغضة ومودة بعد النفرة وألفة بعد الفرقة ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ﴾ أي على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنا على الأنصار ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ [آل عمران: ١٠٣] الآية.\nوكذا قال لهم النبي ﷺ: «ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟» (^١) وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] وفي الحديث «أحبب حبيبك هونا ما فعسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما» (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ٥٦، ومسلم في الزكاة حديث ١٣٩، وأحمد في المسند ٣/ ٥٧، ٧٦، ١٠٤، ٢٥٣، ٤/ ٤٢.\n(^٢) أخرجه الترمذي في البر باب ٦٠.","vol":"8","page":117},{"text":"وقال الشاعر: [الطويل] وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما … يظنّان كل الظنّ أن لا تلاقيا (^١)\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرّحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان.\nوقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب، فإن رسول الله ﷺ تزوج ابنته، فكانت هذه مودة ما بينه وبينه، وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر، فإن رسول الله ﷺ تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف، وأحسن من هذا ما رواه ابن أبي حاتم حيث قال: قرئ على محمد بن عزيز، حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب أن رسول الله ﷺ استعمل أبا سفيان صخر بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ أقبل فلقي ذا الخمار مرتدا فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين، قال ابن شهاب: وهو ممن أنزل الله فيه ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية. وفي صحيح مسلم (^٢) عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن قال: «نعم» قال: تأمرني أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: «نعم» قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال:\n«نعم» قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها-الحديث-وقد تقدم الكلام عليه.\nوقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ أي يعاونوا على إخراجكم أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ أي تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي تعدلوا ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: «نعم صلي أمك» (^٣) أخرجاه.\n_________\n(^١) البيت للمجنون في ديوانه ص ٢٤٣، وشرح التصريح ١/ ٣٢٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢١٣، والخصائص ٢/ ٤٤٨، وشرح الأشموني ١/ ٢١٠، ولسان العرب (شتت)\n(^٢) كتاب فضائل الصحابة حديث ١٦٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في الهبة باب ٢٩، والجزية باب ١٨، والأدب باب ٨، ومسلم في الزكاة حديث ٥٠، وأبو داود في الزكاة باب ٣٤، وأحمد في المسند ٦/ ٣٤٤، ٣٤٧، ٣٥٥.","vol":"8","page":118},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا صناب وأقط وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها. فسألت عائشة النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى آخر الآية. فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها.\nوهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث مصعب بن ثابت به، وفي رواية لأحمد ولابن جرير قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد من بني مالك بن حسل، وزاد ابن أبي حاتم في المدة التي كانت بين قريش ورسول الله ﷺ.\nوقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو قتادة العدوي عن ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن عائشة وأسماء أنهما قالتا: قدمت علينا أمنا المدينة وهي مشركة في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش فقلنا يا رسول الله إن أمنا قدمت علينا المدينة وهي راغبة أفنصلها؟ قال: «نعم فصلاها؟» ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن الزهري عن عروة عن عائشة إلا من هذا الوجه.\n(قلت): وهو منكر بهذا السياق لأن أم عائشة هي أم رومان وكانت مسلمة مهاجرة وأم أسماء غيرها كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة والله أعلم. وقوله تعالى:\n﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ قد تقدم تفسير ذلك في سورة الحجرات وأورد الحديث الصحيح «المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا» (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم ينهاكم الله ﷿ عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم، ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٨، والنسائي في آداب القضاة باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٠.","vol":"8","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1950>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١٠ إلى ١١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾\nتقدم في سورة الفتح في ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش فكان فيه: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وفي رواية: على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وهذا قول عروة والضحاك وعبد الرّحمن بن زيد والزهري ومقاتل بن حيان والسدي، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله ﷿ أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن.\nوقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أبي أحمد بن جحش من المسند الكبير من طريق أبي بكر بن أبي عاصم عن محمد بن يحيى الذهلي عن يعقوب بن محمد عن عبد العزيز بن عمران عن مجمع بن يعقوب عن حنين بن أبي لبانة عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في الهجرة فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ، فكلماه فيها أن يردها إليهما فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل الله آيات الامتحان.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير عن قيس بن الربيع عن الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين عن أبي نصر الأسدي قال سئل ابن عباس كيف كان امتحان رسول الله ﷺ النساء، قال: كان يمتحنهن بالله ما خرجت من بغض زوج وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله، ثم رواه من وجه آخر عن الأغر بن الصباح به، وكذا رواه البزار من طريقه وذكر فيه أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول الله ﷺ له عمر بن الخطاب، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وكان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، وقال مجاهد: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فاسألوهن عما جاء بهن، فإذا كان جاء بهن غضب على أزواجهن أو سخطة أو غيره ولم يؤمن فأرجعوهن إلى أزواجهن، وقال عكرمة: يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا ولا فرار من زوجك فذلك قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وقال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله وحرص عليه، فإذا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٤.","vol":"8","page":120},{"text":"قلن ذلك قبل ذلك منهن.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ﴾ فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقينا.\nوقوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين وقد كان جائزا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي ﷺ زينب ﵂، قد كانت مسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا» ففعلوا فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك وصدقه فيما وعده وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة ﵁، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر.\nوكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان فردها عليه بالنكاح الأول ولم يحدث لها صداقا.\nكما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا ابن إسحاق حدثنا داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول ولم يحدث شهادة ولا صداقا (^٢)، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة ومنهم من يقول بعد سنتين، وهو صحيح، لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين وقال الترمذي: ليس بإسناده بأس ولا نعرف وجه هذا الحديث ولعله جاء من حفظ داود بن الحصين، وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يذكر عن ابن إسحاق هذا الحديث وحديث ابن الحجاج يعني ابن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد، فقال يزيد: حديث ابن عباس أجود إسنادا والعمل على حديث عمرو بن شعيب، ثم قلت وقد روى حديث الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وضعفه الإمام أحمد وغير واحد، والله أعلم.\nوأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين، يحتمل أنه لم تنقض عدتها منه لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يسلم انفسخ نكاحها منه. وقال آخرون بل إذا انقضت العدة هي بالخيار، إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٦١.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الطلاق باب ٢٤، والترمذي في النكاح باب ٤٣، وابن ماجة في النكاح باب ٥٦، وأحمد في المسند ٢/ ٢٠٨.","vol":"8","page":121},{"text":"فسخته وذهبت فتزوجت وحملوا عليه حديث ابن عباس، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا﴾ يعني أزواج المهاجرات من المشركين ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن من الأصدقة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري وغير واحد، وقوله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن أي تزوجوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك. وقوله تعالى:\n﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ تحريم من الله ﷿ على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن.\nوفي الصحيح عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات فأنزل الله ﷿ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ فطلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية (^١).\nوقال ابن ثور عن معمر عن الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو بأسفل الحديبية حين صالحهم، على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاءه النساء نزلت هذه الآية وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردوا الصداق إلى زوجها وقال ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾.\nوهكذا قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك لأجل ما كان بينهم وبينهم من العهد. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري: طلق عمر يومئذ قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة. فتزوجها معاوية وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم عبيد الله فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجل من قومه وهما على شركهما، وطلق طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ أي وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار إن ذهبن وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي في الصلح واستثناء النساء منه والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بما يصلح عباده حكيم في ذلك، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الشروط باب ١٥، وأحمد في المسند ٤/ ٣٣١.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٧، وتفسير الطبري ١٢/ ٦٨.","vol":"8","page":122},{"text":"قال مجاهد وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد إذا فرت إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئا، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن الزهري قال: أقر المؤمنون بحكم الله فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبي المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله تعالى للمؤمنين به ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.\nفلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رد المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم، التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرن، ثم ردوا إلى المشركين فضلا إن كان بقي لهم، والعقب ما كان بأيدي المؤمنين من صداق نساء الكفار حين آمن وهاجرن.\nوقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية، يعني إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار أمر له رسول الله ﷺ أنه يعطى مثل ما أنفق من الغنيمة، وهكذا قال مجاهد ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا﴾ يعني مهر مثلها.\nوهكذا قال مسروق وإبراهيم وقتادة ومقاتل والضحاك وسفيان بن حسين والزهري أيضا. وهذا لا ينافي الأول لأنه إن أمكن الأول فهو أولى وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1951>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾\nقال البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ -إلى قوله- ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال عروة: قالت عائشة فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ: «قد بايعتك» كلاما، ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، وما يبايعهن إلا بقوله: «قد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧١.","vol":"8","page":123},{"text":"بايعتك على ذلك» هذا لفظ البخاري (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرّحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئا الآية وقال «فيما استطعتن وأطقتن» قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال «إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة» (^٣) هذا إسناد صحيح وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة والنسائي أيضا من حديث الثوري ومالك بن أنس، كلهم عن محمد بن المنكدر عن أميمة به، وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، وقد رواه أحمد أيضا من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن أميمة به وزاد: ولم يصافح منا امرأة، وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر به.\nورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي عن محمد بن المنكدر، حدثتني أميمة بنت رقيقة وكانت أخت خديجة خالة فاطمة من فيها إلى فيّ فذكره.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم عن أمه سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ وقد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف قال: «ولا تغششن أزواجكن» قالت:\nفبايعناه ثم انصرفنا فقلت لامرأة منهن ارجعي فسلي رسول الله ﷺ ما غش أزواجنا؟ قالت:\nفسألته فقال «تأخذ ماله فتحابي به غيره».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرّحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي عن أمه عائشة بنت قدامة يعني ابن مظعون قالت أنا مع أمي رائطة ابنة سفيان الخزاعية والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصينني في معروف قالت: فأطرقن فقال لهن النبي ﷺ: -قلن نعم-فيما استطعتن» فكن يقلن وأقول معهن وأمي تقول لي أي بنية نعم، فيما استطعت فكنت أقول كما يقلن.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٠، باب ٣.\n(^٢) المسند ٦/ ٣٥٧.\n(^٣) أخرجه الترمذي في السير باب ٣٧، والنسائي في البيعة باب ١٨، وابن ماجة في الجهاد باب ٤٣.\n(^٤) المسند ٦/ ٣٧٩، ٣٨٠، ٤٢٢، ٤٢٣.\n(^٥) المسند ٦/ ٣٦٥.","vol":"8","page":124},{"text":"وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها قالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله ﷺ شيئا، فانطلقت ورجعت فبايعها (^١)، ورواه مسلم. وفي رواية: فما وفي منهن امرأة غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان.\nوللبخاري (^٢) عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمسة نسوة. أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ وامرأتان أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى.\nوقد كان رسول الله ﷺ يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد، كما قال البخاري (^٣): حدثنا محمد بن عبد الرّحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جريج أن الحسن بن مسلم أخبره عن طاوس عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ حتى فرغ من الآية كلها ثم قال حين فرغ «أنتن على ذلك؟» فقالت امرأة واحدة ولم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن من هي، قال: فتصدقن، قال: وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش عن سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله تبايعه على الإسلام فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم-قرأ الآية التي أخذت على النساء: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٠، باب ٣، ومسلم في الجنائز حديث ٣٣.\n(^٢) كتاب الجنائز باب ٤٦.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٠، باب ٣.\n(^٤) المسند ٢/ ١٩٦.\n(^٥) المسند ٥/ ٣١٤.","vol":"8","page":125},{"text":"-فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه» (^١) أخرجاه في الصحيحين.\nوقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الله عبد الرّحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، وقال «فإن وفيتم فلكم الجنة» رواه ابن أبي حاتم.\nوقد روى ابن جرير (^٢) من طريق العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: «قل لهن إن رسول الله ﷺ يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا» وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء فقالت: إني إن أتكلم يعرفني وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فرقا من رسول الله ﷺ فسكت النسوة اللاتي مع هند وأبين أن يتكلمن فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئا لم تقبله من الرجال؟.\nففطن إليها رسول الله ﷺ وقال لعمر «قل لهن ولا يسرقن» قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهن لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فدعاها فأخذت بيده فعاذت به فقال: «أنت هند؟» قالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال: «ولا يزنين» فقالت:\nيا رسول الله، وهل تزني امرأة حرة؟ قال «لا والله ما تزني الحرة-قال-ولا يقتلن أولادهن» قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر، قال: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور، ويدعون بالويل والثبور. وهذا أثر غريب وفي بعضه نكارة والله أعلم، فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله يخيفهما بل أظهر الصفاء والود لهما، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما.\nوقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، بايع رسول الله ﷺ الرجال على الصفا، وعمر بايع النساء تحتها عن رسول الله ﷺ فذكر بقيته كما تقدم وزاد: فلما قال: ولا تقتلن أولادكن. قالت هند: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي حدثتني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٠، باب ٣، ومسلم في الحدود حديث ٤١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٧٤.","vol":"8","page":126},{"text":"غبطة بنت سليمان، حدثتني عمتي عن جدتها عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه فنظر إلى يدها فقال «اذهبي فغيري يدك» فذهبت فغيرتها بحناء ثم جاءت فقال «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا» فبايعها وفي يدها سواران من ذهب، فقالت:\nما تقول في هذين السوارين؟ فقال «جمرتان من نار جهنم».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل عن حصين عن عامر هو الشعبي قال: بايع رسول الله ﷺ النساء وفي يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال «ولا تقتلن أولادكن» فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال، وكان بعد ذلك إذا جاء النساء يبايعنه جمعهن فعرض عليهن، فإذا أقررن رجعن، فقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ أي من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها ﴿عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ﴾ أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جرت به عادة أمثالها وإن كان من غير علمه عملا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (^١) أخرجاه في الصحيحين.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] وفي حديث سمرة: ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم. وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله ﷺ فأخذ عليها ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ الآية، قالت:\nفوضعت يدها على رأسها حياء فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذا، فبايعها بالآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل عن حصين عن عامر هو الشعبي قال: بايع رسول الله ﷺ النساء وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال «ولا تقتلن أولادكن» فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصي بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءت النساء يبايعنه جمعهن فعرض عليهن فإذا أقررن رجعن. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ وهذا يشمل قتله بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم وكذا قال مقاتل. ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأحكام باب ٢٨، ومسلم في الأقضية حديث ٧.\n(^٢) المسند ٦/ ١٥١.","vol":"8","page":127},{"text":"داود (^١): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب. حدثنا عمرو يعني ابن الحارث عن ابن الهاد عن عبد الله بن يونس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين».\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ يعني فيما أمرتهن به من معروف ونهيتهن عنه من منكر. قال البخاري (^٢): حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال:\nسمعت الزبير عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. وقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله طاعة لنبيه إلا في المعروف والمعروف طاعة، وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله وهو خيرة الله من خلقه في المعروف.\nوقد قال غيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وسالم بن أبي الجعد وأبي صالح وغير واحد:\nنهاهن يومئذ عن النوح، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضا.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة في هذه الآية ذكر لنا أن النبي ﷺ أخذ عليهن النياحة ولا تحدثن الرجال إلا رجلا منكن محرما، فقال عبد الرّحمن بن عوف: يا رسول الله إن لنا أضيافا وإنا نغيب عن نسائنا فقال رسول الله ﷺ: «ليس أولئك عنيت، ليس أولئك عنيت» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء أخبرنا ابن أبي زائدة حدثني مبارك عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي ﷺ ألا تحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن حميد حدثنا هارون عن عمرو عن عاصم عن ابن سيرين عن أم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشترط علينا رسول الله من المعروف حين بايعناه أن لا ننوح فقالت امرأة من بني فلان إن بني فلان أسعدوني فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم ثم جاءت فبايعت، قالت فما وفي منهن غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان أم أنس بن مالك.\nوقد روى البخاري هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين عن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂. وقد روي نحوه من وجه آخر أيضا.\nوقال ابن جرير (^٥) حدثنا أبو كريب حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن فروخ القتات حدثني\n_________\n(^١) كتاب الطلاق باب ٢٩.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٠، باب ٦٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٧٤.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٧٥.\n(^٥) تفسير الطبري ١٢/ ٧٥.","vol":"8","page":128},{"text":"مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزا لنا كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ، قالت فأتيته لأبايعه فأخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن، فقالت عجوز يا رسول الله إن أناسا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني وإنهم قد أصابتهم مصيبة فأنا أريد أسعدهم قال: «فانطلقي فكافئيهم» فانطلقت فكافأتهم ثم إنها أتته فبايعته وقال هو المعروف الذي قال الله ﷿:\n﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي حدثنا القعنبي حدثنا الحجاج بن صفوان عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن امرأة من المبايعات قالت كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نعصيه في معروف أن لا نخمش وجها ولا ننشر شعرا ولا نشق جيبا ولا ندعوا ويلا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن سنان القزاز حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا إسحاق بن عثمان أبو يعقوب، حدثني إسماعيل بن عبد الرّحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁، فقام على الباب وسلّم علينا فرددن أو فرددنا عليه¬ السّلام، ثم قال أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن قالت فقلنا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله، فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين، قالت: فقلنا نعم، قالت فمد يده من خارج الباب أو البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال: اللهم اشهد، قالت، وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحيض والعواتق ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز قال إسماعيل فسألت جدتي عن قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت: النياحة.\nوفي الصحيحين من طريق الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» (^٢) وفي الصحيحين أيضا عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة (^٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد حدثنا أبان بن يزيد حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت-وقال-النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (^٤).\nورواه مسلم في صحيحه منفردا به من حديث أبان بن يزيد العطار به وعن أبي سعيد أن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٦، ومسلم في الإيمان حديث ١٦٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٦٨.\n(^٤) أخرجه مسلم في الجنائز حديث ٢٩.","vol":"8","page":129},{"text":"رسول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة رواه أبو داود (^١). وقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن يزيد مولى الصهباء عن شهر بن حوشب عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال النوح (^٣)، ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد عن أبي نعيم وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع كلاهما عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء به وقال الترمذي حسن غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1952>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾\nينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها في أولها فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء وقد يئسوا من الآخرة أي من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ فيه قولان: أحدهما كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك لأنهم لا يعتقدون بعثا ولا نشورا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه. قال العوفي عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر السورة يعني من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله ﷿، وقال الحسن البصري ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات، وقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا وكذا قال الضحاك، رواهن ابن جرير (^٤).\nوالقول الثاني معناه كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير، قال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ قال كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل وابن زيد والكلبي ومنصور، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nآخر تفسير سورة الممتحنة، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) كتاب الجنائز باب ٢٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٧٥.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٦، باب ٣، وابن ماجة في الجنائز باب ٥١.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٧٦.","vol":"8","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1953>تفسير سورة الصف</span>\nوهي مدنية\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وعن عطاء بن يسار، عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله ﷺ، فيسأله أي الأعمال أحب إلى الله، فلم يقم أحد منا فأرسل رسول الله ﷺ إلينا رجلا، فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة يعني سورة الصف كلها، هكذا رواه الإمام أحمد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قراءة قال أخبرني أبي سمعت الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرّحمن حدثني عبد الله بن سلام أن أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحب الأعمال إلى الله ﷿، فلم يذهب إليه أحد منا وهبنا أن نسأله عن ذلك، قال فدعا رسول الله ﷺ أولئك النفر رجلا رجلا حتى جمعهم ونزلت فيهم هذه السورة ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ الصف. قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ كلها (^٢).\nقال أبو سلمة: وقرأها علينا عبد الله بن سلام كلها. قال يحيى بن أبي كثير: وقرأها علينا أبو سلمة كلها. قال الأوزاعي وقرأها علينا يحيى بن أبي كثير كلها، قال أبي وقرأها علينا الأوزاعي كلها وقد رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرّحمن الدارمي حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله ﷿ لعملناه فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾.\nقال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ. قال أبو سلمة فقرأها علينا ابن سلام، قال يحيى فقرأها علينا أبو سلمة، قال ابن كثير فقرأها علينا الأوزاعي، قال عبد الله فقرأها علينا ابن كثير. ثم قال الترمذي، وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي، فروى ابن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن سلام أو عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام، قلت: وهكذا رواه الإمام\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٤٥٢.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٦١، باب ١.","vol":"8","page":131},{"text":"أحمد عن يعمر عن ابن المبارك به، قال الترمذي وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير.\nقلت وكذا رواه الوليد بن يزيد عن الأوزاعي كما رواه ابن كثير، قلت وقد أخبرني بهذا الحديث الشيخ المسند أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار قراءة عليه، وأنا أسمع، أخبرنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللتي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبد الرّحمن بن المظفر بن محمد بن داود الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا عيسى بن عمر بن عمران السمرقندي.\nأخبرنا الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرّحمن الدارمي بجميع مسنده، أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي فذكر بإسناده مثله، وتسلسل لنا قراءتها إلى شيخنا أبي العباس الحجار ولم يقرأها لأنه كان أميا، وضاق الوقت عن تلقينها إياه ولكن أخبرني الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ﵀، أخبرنا القاضي تقي الدين بن سليمان ابن الشيخ أبي عمر، أخبرنا أبو المنجا بن اللتي، فذكره بإسناده وتسلسل لي من طريقه وقرأها علي بكمالها ولله الحمد والمنة.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1954>[سورة الصف (٦١): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾\nقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ غير مرة بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إنكار على من يعد وعدا أو يقول قولا لا يفي به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقا، سواء ترتب عليه عزم للموعود أم لا، واحتجوا أيضا من السنة بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان» (^١). وفي الحديث الآخر في الصحيح «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها» (^٢) فذكر منهن إخلاف الوعد، وقد استقصينا الكلام على هذين الحديثين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الشهادات باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٧، ١٠٩، والترمذي في الإيمان باب ١٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٢.","vol":"8","page":132},{"text":"في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة، ولهذا أكد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى:\n﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله ﷺ وأنا صبي فذهبت لأخرج لألعب فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطك فقال لها رسول الله ﷺ:\n«وما أردت أن تعطيه؟» قالت: تمرا. فقال: «أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة» (^١) وذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إذا تعلق بالوعد غرم على الموعود وجب الوفاء به كما لو قال لغيره تزوج ولك علي كل يوم كذا فتزوج وجب عليه أن يعطيه ما دام كذلك، لأنه تعلق به حق آدمي وهو مبني على المضايقة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فرض نكل عنه بعضهم كقوله تعالى:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٦ - ٧٧].\nوقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] الآية.\nوهكذا هذه الآية معناها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون لوددنا أن الله ﷿ دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره فقال الله ﷾: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال مقاتل بن حيان: قال المؤمنون لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملنا به، فدلهم الله على أحب الأعمال إليه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ فبين لهم فابتلوا يوم أحد بذلك، فولوا عن النبي ﷺ مدبرين فأنزل الله في ذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وقال: أحبكم إلي من قاتل في سبيلي.\nومنهم من يقول: أنزلت في شأن القتال، يقول الرجل قاتلت ولم يقاتل وطعنت ولم يطعن وضربت ولم يضرب وصبرت ولم يصبر. وقال قتادة والضحاك: نزلت توبيخا لقوم كانوا يقولون قتلنا وضربنا وطعنا وفعلنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك. وقال ابن زيد: نزلت في قوم من\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٨٠، وأحمد في المسند ٣/ ٤٤٧.","vol":"8","page":133},{"text":"المنافقين كانوا يعدون المسلمين النصر ولا يفون لهم بذلك، وقال مالك عن زيد بن أسلم ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قال: في الجهاد.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فما بين ذلك في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت فأنزل الله تعالى هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة لا أبرح حبيسا في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي عن أبيه قال: بعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه منهم ثلاثمائة رجل كلهم قد قرأ القرآن، فقال أنتم قراء أهل البصرة وخيارهم. وقال كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيناها غير أني قد حفظت منها ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فهذا إخبار من الله تعالى بمحبة عباده المؤمنين إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال» ورواه ابن ماجة من حديث مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا الأسود يعني ابن شيبان حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: قال مطرف كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه فلقيته، فقلت يا أبا ذر كان يبلغني عنك حديث فكنت أشتهي لقاءك، فقال: لله أبوك فقد لقيت فهات، فقلت كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم أن الله يبغض ثلاثة ويحب ثلاثة، قال أجل فلا إخالني أكذب على خليلي ﷺ قلت فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله ﷿؟ فقال: رجل غزا في سبيل الله خرج محتسبا مجاهدا فلقي العدو فقتل وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ثم قرأ ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ وذكر الحديث هكذا أورد هذا الحديث من هذا الوجه بهذا السياق، وهذا اللفظ واختصره، وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث شعبة عن منصور بن المعتمر\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٨٠.","vol":"8","page":134},{"text":"عن ربعي بن خراش عن زيد بن بيان عن أبي ذر بأبسط من هذا السياق وأتم، وقد أوردناه في مواضع أخر ولله الحمد.\nوعن كعب الأحبار أنه قال: يقول الله تعالى لمحمد ﷺ: «عبدي المتوكل المختار ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطابة وملكه بالشام وأمته الحمادون يحمدون الله على كل حال، وفي كل منزلة لهم دوي كدوي النحل في جو السماء بالسحر، يوضون أطرافهم ويأتزرون على أنصافهم صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة» ثم قرأ ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ رعاة الشمس يصلون الصلاة حيث وأدركتهم لو على ظهر دابة. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ قال:\nكان رسول الله ﷺ لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. قال وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أي ملتصق بعضه في بعض من الصف في القتال، وقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى بعض، وقال ابن عباس ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض.\nوقال قتادة ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه. فكذلك الله ﷿ لا يحب أن يختلف أمره وإن الله صف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به، أورد ذلك كله ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير (^١): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد عن أبي بكر بن أبي مريم عن يحيى بن جابر الطائي عن أبي بحرية قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل ويستحبون القتال على الأرض لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قال: وكان أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني ألتفت في الصف فجؤوا في لحيي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1955>[سورة الصف (٦١): الآيات ٥ إلى ٦]</span>\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ أنه قال لقومه:\n﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي لم توصلون الأذى إلي وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة. وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر ولهذا قال «رحمة الله على موسى: لقد أوذي بأكثر من هذا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٨٢.","vol":"8","page":135},{"text":"فصبر» وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي ﷺ أو يوصلوا إليه أذى كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩].\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ولهذا قال تعالى في هذه الآية ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني التوراة قد بشرت بي وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد.\nفعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشرا بمحمد وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة.\nوما أحسن ما أورد البخاري الحديث الذي قال فيه: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب» (^١) ورواه مسلم من حديث الزهري به نحوه.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال:\nسمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظنا فقال «أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة والتوبة والملحمة» (^٢) ورواه مسلم من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به.\nوقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] قال ابن عباس:\nما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو حي ليتبعنه وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦١، باب ١، ومسلم في الفضائل حديث ١٢٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في الفضائل حديث ١٢٦.","vol":"8","page":136},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله ﷺ أخبرنا عن نفسك قال: «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» (^١) وهذا إسناد جيد وروي له شواهد من وجوه أخر، فقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرّحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض ابن سارية قال: قال رسول الله ﷺ «إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين».\nوقال أحمد (^٣) أيضا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر قال:\nسمعت أبا أمامة قال: قلت يا رسول الله ما كان بدء أمرك. قال «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام».\nوقال أحمد (^٤) أيضا: حدثنا حسن بن موسى، سمعت خديجا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا منهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن رواحة، وعثمان بن مظعون وأبو موسى، فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا قال: فأين هم؟ قالا: هم في أرضك فابعث إليهم فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك.\nقال: إنا لا نسجد إلا لله ﷿ قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ﷿ وأمرنا بالصلاة والزكاة.\nقال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه. قالوا: نقول كما قال الله ﷿ هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يعترضها ولد، قال: فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله وأنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا، وزعم أن النبي ﷺ استغفر\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ١٦٦.\n(^٢) المسند ٤/ ١٢٧.\n(^٣) المسند ٥/ ٢٦٢.\n(^٤) المسند ١/ ٤٦١.","vol":"8","page":137},{"text":"له حين بلغه موته.\nقد رويت هذه القصة عن جعفر وأم سلمة ﵄ وموضع ذلك كتاب السيرة والمقصد أن الأنبياء ﵈ لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها وتأمرهم باتباعه ونصره وموازرته إذا بعث، وكان ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، وكذا على لسان عيسى ابن مريم، ولهذا قالوا: أخبرنا عن بدء أمرك يعني في الأرض قال: «دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ابن مريم ورؤيا أمي التي رأت» أي ظهر في أهل مكة أثر ذلك، والإرهاص فذكره صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قال ابن جريج وابن جرير (^١) ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أحمد أي المبشر به في الأعصار المتقادمة المنوه بذكره في القرون السالفة. لما ظهر أمره وجاء بالبينات، قال الكفرة والمخالفون ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1956>[سورة الصف (٦١): الآيات ٧ إلى ٩]</span>\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ﴾ أي:\nلا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله ويجعل له أندادا وشركاء وهو يدعي إلى التوحيد والإخلاص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي يحاولون أن يردوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذاك ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في سورة براءة بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1957>[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ إلى ١٣]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾\nتقدم في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة ﵃ أرادوا أن يسألوا رسول الله ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله ﷿ ليفعلوه، فأنزل الله تعالى هذه السورة ومن جملتها هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم فسر\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٨٢.","vol":"8","page":138},{"text":"هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، التي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور فقال تعالى:\n﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي من تجارة الدنيا والكد لها والتصدي لها وحدها، ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم الزلات وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أي وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها وهي ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه تكفل الله بنصركم، قال الله تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقال تعالى:\n﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي عاجل، فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله ونصر الله ودينه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1958>[سورة الصف (٦١): آية ١٤]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم وأن يستجيبوا لله ولرسوله كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من معيني في الدعوة إلى الله ﷿؟ ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى ﵇ ﴿نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي نحن أنصارك على ما أرسلت به وموازروك على ذلك، ولهذا بعثهم دعاة إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين، وهكذا كان رسول الله ﷺ يقول في أيام الحج: «من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي» (^١) حتى قيض الله ﷿ له الأوس والخزرج من أهل المدينة فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه، وفوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا سماهم الله ورسوله الأنصار وصار ذلك علما عليهم ﵃ وأرضاهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أي لما بلغ عيسى ابن مريم ﵊ رسالة ربه إلى قومه وآزره من وازره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به وضلت طائفة، فخرجت عما جاءهم به وجحدوا نبوته ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وغلت فيه طائفة ممن اتبعه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٢٢، ٣٣٩.","vol":"8","page":139},{"text":"حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة وافترقوا فرقا وشيعا فمن قائل منهم: إنه ابن الله، وقائل إنه ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، ومن قائل إنه الله، وكل هذه الأقوال مفصلة في سورة النساء.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ أي نصرناهم على من عاداهم من فرق النصارى ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ أي عليهم، وذلك ببعثة محمد ﷺ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١) ﵀: حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال يعني ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: لما أراد الله ﷿ أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلا من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنا فقال: أنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال له: «اجلس» ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا، فقال: نعم أنت ذاك.\nقال: فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى ﵇ من روزنة في البيت إلى السماء قال:\nوجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمنوا به، فتفرقوا فيه ثلاث فرق، فقالت فرقة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه إليه وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ يعني الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى والطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ بإظهار محمد ﷺ دينهم على دين الكفار.\nهذا لفظه في كتابه عند تفسير هذه الآية الكريمة، وهكذا رواه النسائي عند تفسير هذه الآية من سننه عن أبي كريب محمد بن العلاء عن أبي معاوية بمثله سواء.\nفأمة محمد ﷺ لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم الدجال مع المسيح عيسى ابن مريم ﵇ كما وردت بذلك الأحاديث الصحاح، والله أعلم. آخر تفسير سورة الصف ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٨٦.","vol":"8","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1959>تفسير سورة الجمعة</span>\nوهي مدنية\nعن ابن عباس وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، رواه مسلم (^١) في صحيحه.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1960>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾\nيخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض، أي من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ثم قال تعالى:\n﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ أي هو مالك السموات والأرض المتصرف فيهما بحكمه، وهو القدوس، أي المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيرهما غير مرة.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الأميون هم العرب، كما قال تعالى:\n﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر، كما قال تعالى في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به، وكذا قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].\nوهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقوله تعالى إخبارا عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام بالآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.\nوهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا\n_________\n(^١) كتاب الجمعة حديث ٦٤.","vol":"8","page":141},{"text":"منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فبعثه الله ﷾ وله الحمد والمنة على حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، أي نزرا يسيرا ممن تمسك بما بعث الله به عيسى ابن مريم ﵇، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.\nوذلك أن العرب كانوا قديما متمسكين بدين إبراهيم الخليل ﵇، فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها، فبعث الله محمدا صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع، وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان قبله وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين ولا يعطيه أحدا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.\nوقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة ﵁، قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان الفارسي ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لنا له رجال-أو رجل-من هؤلاء» (^١) ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق، عن ثور بن زيد الديلي عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة به.\nففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس، لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله ﷿ وإلى اتباع ما جاء به، ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال: هم الأعاجم وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٢، باب ١، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٣١، والترمذي في تفسير سورة ٦٢، باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ٤١٧، وتفسير الطبري ١٢/ ٩٠.","vol":"8","page":142},{"text":"حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في أصلاب أصلاب رجال من أصحابي ورجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب» ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يعني بقية من بقي من أمة محمد ﷺ. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يعني ما أعطاه الله محمدا ﷺ من النبوة العظيمة وما خص به أمته من بعثته ﷺ إليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1961>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٥ إلى ٨]</span>\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾\nيقول تعالى ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسيا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظا ولم يفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالا من الحمير، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى:\n﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى هاهنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا ابن نمير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليس له جمعة».\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين إن كنتم صادقين، أي فيما تزعمونه.\nقال الله تعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وقد قدمنا الكلام في سورة البقرة على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٣٠.","vol":"8","page":143},{"text":"﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦]، وقد أسلفنا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على الضلال من أنفسهم أو خصومهم كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] ومباهلة المشركين في سورة مريم ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥].\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي، أبو يزيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال رسول الله ﷺ: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا» (^٢) رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الكريم، قال البخاري وتبعه عمرو بن خالد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم، ورواه النسائي أيضا عن عبد الرّحمن بن عبيد الله الحلبي عن عبيد الله بن عمرو الرقي به أتم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كقوله تعالى في سورة النساء ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وفي معجم الطبراني من حديث معاذ بن محمد الهذلي عن يونس عن الحسن عن سمرة مرفوعا «مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره فقالت له الأرض يا ثعلب ديني، فخرج له حصاص (^٣) فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات».\n\n<span data-type='title' id=toc-1962>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾\nإنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة،\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٤٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩٦، في الترجمة، والترمذي في تفسير سورة ٩٦، باب ١.\n(^٣) الحصاص: شدة العدو.","vol":"8","page":144},{"text":"وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع الضبي، حدثنا سلمان قال: قال أبو القاسم ﷺ:\n«يا سلمان ما يوم الجمعة؟» قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: «يوم الجمعة يوم جمع الله فيه أبواكم-أو أبوكم-» وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا فالله أعلم.\nوقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» (^١) لفظ البخاري وفي لفظ لمسلم (^٢) «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق».\nوقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي اقصدوا واعمدوا واهتموا في سيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع وإنما هو الاهتمام بها كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ يقرءانها «فامضوا إلى ذكر الله».\nفأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه لما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (^٣) لفظ البخاري وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلما صلّى قال: «ما شأنكم؟» قالوا: استعجلنا إلى الصلاة قال «فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجمعة باب ١، ١٢، والأيمان باب ١، والتعبير باب ٤٠، ومسلم في الجمعة حديث ١٩.\n(^٢) كتاب الجمعة حديث ٢١.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأذان باب ٢٠، ومسلم في المساجد حديث ١٥١، ١٥٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في الأذان باب ٢٠، ومسلم في المساجد ١٥٣، ١٥٤، ١٥٥.","vol":"8","page":145},{"text":"أخرجاه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها تمشون، وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (^١). رواه الترمذي من حديث عبد الرزاق كذلك، وأخرجه من طريق يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بمثله، قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة في قوله:\n﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ يعني أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها، وكان يتأول قوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي المشي معه، وروي عن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وغيرهما نحو ذلك.\nويستحب لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (^٢) ولهما عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (^٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» (^٤) رواه مسلم، وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة» (^٥) رواه أحمد والنسائي وابن حبان.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة أجر صيامها وقيامها» (^٧) وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي، وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ١٢٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجمعة باب ٢، ومسلم في الجمعة حديث ١.\n(^٣) أخرجه البخاري في الجمعة باب ٢، ومسلم في الجمعة حديث ٥.\n(^٤) أخرجه مسلم في الجمعة حديث ٧.\n(^٥) أخرجه النسائي في الجمعة باب ٧، وأحمد في المسند ٣/ ٣٠٤.\n(^٦) المسند ٤/ ١٠٤.\n(^٧) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ١٢٧، والترمذي في الجمعة باب ٦، والنسائي في الجمعة باب ١٤، وابن ماجة في الإقامة باب ٨٣.","vol":"8","page":146},{"text":"قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (^١) أخرجاه.\nويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويتنظف ويتسوك ويتطهر. وفي حديث أبي سعيد المتقدم «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس من طيب أهله».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أيوب الأنصاري: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى» وفي سنن أبي داود وابن ماجة عن عبد الله بن سلام ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر:\n«ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (^٣) وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار فقال: «ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته» (^٤) رواه ابن ماجة.\nوقوله تعالى: ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله ﷺ إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، فإنما كان هذا لكثرة الناس كما رواه البخاري ﵀ حيث قال: حدثنا آدم هو ابن أبي إياس، حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن وكثر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء (^٥) يعني يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم، حدثنا محمد بن راشد المكحولي عن مكحول أن النداء كان في يوم الجمعة مؤذن واحد، حين يخرج الإمام ثم تقام الصلاة وذلك النداء الذي يحرم عنده الشراء والبيع إذا نودي به، فأمر عثمان ﵁ أن ينادي قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس. وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجمعة باب ٤، ومسلم في الجمعة حديث ١٠.\n(^٢) المسند ٥/ ٤٢٠.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٢١٣، وابن ماجة في الإقامة باب ٨٣.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في الإقامة باب ٨٣.\n(^٥) أخرجه البخاري في الجمعة باب ٢١، وابن ماجة في الإقامة باب ٩٧.","vol":"8","page":147},{"text":"العبيد والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض وقيّم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار، كما هو مقرر في كتب الفروع.\nوقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء ﵃ على تحريم البيع بعد النداء الثاني، واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ على قولين وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خير لكم أي في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ أي فرغ منها ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، كما كان عراك بن مالك ﵁ إذا صلّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، رواه ابن أبي حاتم.\nوروي عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارك الله له سبعين مرة لقول الله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي في حال بيعكم وشرائكم وأخذكم وإعطائكم اذكروا الله ذكرا كثيرا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة، ولهذا جاء في الحديث «من دخل سوقا من الأسواق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة» (^١) وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1963>[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]</span>\n﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١)﴾\nيعاتب ﵎ على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ أي على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائما على المنبر إلا القليل منهم، وقد صح بذلك الخبر فقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا ابن إدريس عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٣٥، وابن ماجة في التجارات باب ٤٠، وأحمد في المسند ١/ ٤٧.\n(^٢) المسند ٣/ ٣١٣.","vol":"8","page":148},{"text":"جابر قال: قدمت عير مرة المدينة، ورسول الله ﷺ يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلا فنزلت ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث سالم به.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هشيم عن حصين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ، حتى لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارا» ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ: أبو بكر وعمر ﵄.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائما. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس (^٢)، ولكن هاهنا شيء ينبغي أن يعلم وهو: أن هذه القصة قد قيل إنها كانت لما كان رسول الله ﷺ يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل، حدثنا محمود بن خالد عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي ﷺ يخطب، وقد صلّى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، يعني فانفضوا ولم يبق معه إلا نفر يسير وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ﴾ أي الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته. آخر تفسير سورة الجمعة ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٢، باب ٢، ومسلم في الجمعة حديث ٣٦ - ٣٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجمعة حديث ٣٤.","vol":"8","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1964>تفسير سورة المنافقون</span>\nوهي مدنية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1965>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المنافقين أنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي ﷺ، فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك بل على الضد من ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ أي إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليسوا كما يقولون، ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله فقال: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ أي فيما أخبروا به وإن كان مطابقا للخارج لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم.\nوقوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة والحلفات الآثمة ليصدقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالا، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولهذا كان الضحاك بن مزاحم يقرؤها «اتخذوا إيمانهم جنة» أي تصديقهم الظاهر جنة أي تقية يتقون به القتل، والجمهور يقرؤها ﴿أَيْمانَهُمْ﴾ جمع يمين، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى، فطبع الله ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾. أي فلا يصل إلى قلوبهم هدى ولا يخلص إليها خير فلا تعي ولا تهتدي.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي وكانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك","vol":"8","page":150},{"text":"في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن، ولهذا قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم كما قال تعالى:\n﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] فهم جهامات (^١) وصور بلا معاني، ولهذا قال تعالى:\n﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال.\nوقد قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يزيد، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي عن إسحاق بن بكير بن أبي الفرات عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة وطعامهم نهبة وغنيمتهم غلول ولا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل صخب بالنهار» وقال يزيد بن مرة: سخب بالنهار.\n\n<span data-type='title' id=toc-1966>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٥ إلى ٨]</span>\n﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن المنافقين عليهم لعائن الله أنهم ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ أي صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارا عن ذلك واحتقارا لما قيل لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ثم جازاهم على ذلك فقال تعالى:\n﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ كما قال في سورة براءة، وقد تقدم الكلام على ذلك وإيراد الأحاديث المروية هنالك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان ﴿لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ قال ابن أبي عمر: وحوّل سفيان وجهه على يمينه ونظر بعينه شزرا ثم قال: هو هذا.\nوقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي ابن سلول كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقد قال محمد بن إسحاق في السيرة (^٣): ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، يعني مرجعه\n_________\n(^١) الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه، وهنا بمعنى الذي لا خير فيه.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٩٣.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٥.","vol":"8","page":151},{"text":"من أحد، وكان عبد الله بن أبي ابن سلول كما حدثني ابن شهاب الزهري له مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر شوفا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، يعني مرجعه بثلث الجيش ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدو الله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا إن قمت أشدد أمره، فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك ما لك؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجرا إن قمت أشدد أمره.\nقالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ، فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.\nوقال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله ﷺ، فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله ﷺ فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعذموه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله ﷺ فجعل يلوي رأسه، أي لست فاعلا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل منزلا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي: ائت النبي ﷺ حتى يستغفر لك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير. وقوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق.\nوقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة في قصة بني المصطلق، فبينا رسول الله ﷺ مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري، وكان أجيرا لعمر بن الخطاب وسنان بن وبر قال ابن إسحاق:\nفحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل","vol":"8","page":152},{"text":"على من عنده من قومه وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد بن أرقم ﵁ فذهب بها إلى رسول الله ﷺ: وهو غليم عند عمر بن الخطاب ﵁، فأخبره الخبر، فقال عمر ﵁: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ «فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه، لا، ولكن ناد يا عمر الرحيل» فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله ﷺ أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل.\nوراح رسول الله ﷺ مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير ﵁ فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله ﷺ: «أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل» قال: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل. ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوّجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكا، فسار رسول الله ﷺ بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا ونزلت سورة المنافقين (^١).\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمر بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فكسع (^٢) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار:\nفقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال رسول الله ﷺ: «ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة».\nوقال عبد الله بن أبي ابن سلول: وقد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله ﷺ، ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» (^٣) ورواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد المروزي عن سفيان بن عيينة، ورواه البخاري عن الحميدي ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان به نحوه.\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠، ٢٩٢.\n(^٢) كسع: ضرب.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٣، باب ٥، وأحمد في المسند ٣/ ٣٩٢، ٣٩٣.","vol":"8","page":153},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال:\nفحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمت كئيبا حزينا، قال: فأرسل إلي نبي الله ﷺ فقال: «إن الله قد أنزل عذرك وصدقك» قال: فنزلت هذه الآية ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ -حتى بلغ- ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (^٢) ورواه البخاري عند هذه الآية عن آدم بن أبي إياس عن شعبة، ثم قال: وقال ابن أبي زائدة عن الأعمش عن عمرو عن ابن أبي ليلى عن زيد عن النبي ﷺ، ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضا من حديث شعبة به.\n[طريق أخرى عن زيد] قال الإمام أحمد (^٣) ﵀: حدثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكير قالا: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم، وقال ابن أبي بكير عن زيد بن أرقم قال: خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله ﷺ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ فحدثته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا، فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك! قال حتى أنزل الله ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ قال: فبعث إلي رسول الله ﷺ فقرأها رسول الله ﷺ علي ثم قال: «إن الله قد صدقك».\nثم قال أحمد (^٤) أيضا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق أنه سمع زيد بن أرقم يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأصاب الناس شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضوا من حوله، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا: كذب زيد يا رسول الله، فوقع في نفسي مما قالوا فأنزل الله تصديقي ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ قال ودعاهم رسول الله ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٦٨، ٣٦٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٣، باب ٧، والترمذي في تفسير سورة ٦٣، باب ٣.\n(^٣) المسند ٤/ ٣٧٣.\n(^٤) المسند ٤/ ٣٧٣.","vol":"8","page":154},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قال كانوا رجالا أجمل شيء (^١)، وقد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث زهير ورواه البخاري أيضا والترمذي من حديث إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي عن زيد به.\n[طريق أخرى عن زيد] قال أبو عيسى الترمذي (^٢): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي سعيد الأزدي، قال: حدثنا زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله ﷺ، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا إليه فسبق أعرابي أصحابه ليملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار الأعرابي فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه فانتزع حجرا ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله ﷺ عند الطعام، فقال عبد الله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن معه، ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل.\nقال زيد وأنا ردف عمي، قال فسمعت عبد الله بن أبي يقول ما قال، فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله ﷺ فأرسل إليه رسول الله ﷺ فحلف وجحد، قال فصدقه رسول الله ﷺ وكذبني، قال فجاء إلي عمي فقال ما أردت إلا أن مقتك رسول الله ﷺ وكذبك والمسلمون، قال فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط، قال فبينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر، وقد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله ﷺ فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني وقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قلت: ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أن أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين.\nانفرد بإخراجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي عن سعيد بن مسعود عن عبيد الله بن موسى به، وزاد بعد قوله سورة المنافقين ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ -حتى بلغ- ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ -حتى بلغ- ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.\nوقد روى عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير في المغازي، وكذا ذكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٣، باب ١، ٢، ٣، ومسلم في المنافقين حديث ١.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٣، باب ١.","vol":"8","page":155},{"text":"موسى بن عقبة في مغازيه أيضا هذه القصة بهذا السياق، ولكن جعلا الذي بلغ رسول الله ﷺ كلام عبد الله بن أبي ابن سلول إنما هو أوس بن أرقم من بني الحارث بن الخزرج، فلعله مبلغ آخر أو تصحيف من جهة السمع والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، حدثني سلامة، حدثني عقيل، أخبرني محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو بن ثابت الأنصاري أخبراه أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبي ابن سلول فقال: قد كنت ترجى وتدفع فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب وكانوا يدعون كل حديث هجرة الجلابيب، فقال عبد الله بن أبي عدو الله: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.\nقال مالك بن الدخشم وكان من المنافقين: ألم أقل لكم لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، فسمع بذلك عمر بن الخطاب فأقبل يمشي حتى أتى رسول الله ﷺ فقال:\nيا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، يريد عمر عبد الله بن أبي، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» قال عمر: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه، فقال رسول الله ﷺ: «اجلس» فأقبل أسيد بن حضير وهو أحد الأنصار ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: «أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» قال: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط أذنيه، فقال رسول الله ﷺ: «اجلس» ثم قال رسول الله ﷺ: «آذنوا بالرحيل» فهجر بالناس فسار يومه وليلته والغد حتى متع النهار، ثم نزل ثم هجر بالناس مثلها حتى صبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل.\nفلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أرسل إلى عمر فدعاه فقال له رسول الله ﷺ: «أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟» قال عمر: نعم، فقال رسول الله ﷺ: «والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله امتثلوه، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرا» وأنزل الله ﷿ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾","vol":"8","page":156},{"text":"-إلى قوله تعالى- ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية. وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار (^١): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».\nوذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة، واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك! فقال: ما لك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله ﷺ وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله ﷺ فقال: أما إذا أذن لك رسول الله ﷺ فجز الآن. وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أبو هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول:\nرسول الله ﷺ الأعز وأنا الأذل، قال وجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي فوالذي بعثك بالحق، ما تأملت وجهه قط هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك فإني أكره أن أرى قاتل أبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1967>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٩ إلى ١١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)﴾\nيقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرا لهم بأنه من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فكل مفرط يندم عند الاحتضار ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرا ليستعتب ويستدرك ما فاته وهيهات، كان ما كان وأتى ما هو آت،\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢، ٢٩٣.","vol":"8","page":157},{"text":"وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وقال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠].\nثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي لا ينظر أحدا بعد حلول أجله. وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ وقال أبو عيسى الترمذي (^١): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو جناب الكلبي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنا ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير.\nثم قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن أبي حية وهو أبو جناب الكلبي عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ بنحوه ثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره عن أبي جناب عن الضحاك عن ابن عباس من قوله وهو أصح، وضعف أبا جناب الكلبي.\nقلت: ورواية الضحاك عن ابن عباس فيها انقطاع والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا سليمان بن عطاء عن مسلمة الجهني عن عمه يعني أبا مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال «إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له فيلحقه دعاؤهم في قبره». آخر تفسير سورة المنافقين. ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٣، باب ١.","vol":"8","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1968>تفسير سورة التغابن</span>\nوهي مدنية وقيل مكية\nقال الطبراني: حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال حدثنا الوليد بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن» أورده ابن عساكر في ترجمة الوليد بن صالح، وهو غريب جدا بل منكر.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1969>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾\nهذه السورة هي آخر المسبحات وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ أي هو المتصرف في جميع الكائنات المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ أي هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال، وهو شهيد على أعمال عباده وسيجزيهم بها أتم الجزاء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل والحكمة ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي أحسن أشكالكم، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. وكقوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [غافر: ٦٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع والمآب، ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية فقال تعالى:\n﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾.","vol":"8","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1970>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ إلى ٦]</span>\n﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الأمم الماضين وما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي خبرهم وما كان من أمرهم ﴿فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم وهو ما حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي، ثم علل ذلك فقال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالحجج والدلائل والبراهين ﴿فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ أي استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾ أي كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل ﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ أي عنهم ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1971>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٧ إلى ١٠]</span>\n﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ أي لتخبرن بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها ﴿وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي بعثكم ومجازاتكم، وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه ﷿ على وقوع المعاد ووجوده، فالأولى في سورة يونس ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] والثانية في سورة سبأ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] الآية. والثالثة هي هذه ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا﴾ يعني القرآن ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠].\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة، وذلك أن","vol":"8","page":160},{"text":"أهل الجنة يغبنون أهل النار، وكذا قال قتادة ومجاهد، وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ويذهب بأولئك إلى النار. قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقد تقدم تفسير مثل هذه غير مرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1972>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١١ إلى ١٣]</span>\n﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا بما أخبر به في سورة الحديد: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وهكذا قال هاهنا:\n﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال ابن عباس: بأمر الله، يعني عن قدره ومشيئته ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه. وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيرا منه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (^١).\nوقال الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئ عنده هذه الآية ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، وقال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني يسترجع يقول ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].\nوفي الحديث المتفق عليه «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (^٢).\nوقال أحمد (^٣): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد عن علي بن رباح أنه سمع جنادة بن أبي أمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيل الله» قال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ١١٦.\n(^٢) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٦٤، وأحمد في المسند ٤/ ٣٣٢، ٣٣٣.\n(^٣) المسند ٥/ ٣١٨، ٣١٩.","vol":"8","page":161},{"text":"أريد أهون من هذا يا رسول الله قال السماحة: والصبر. قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله قال: «لا تتهم الله في شيء قضى لك به» لم يخرجوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع وفعل ما به أمر وترك ما عنه نهى وزجر، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من البلاغ وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم.\nثم قال تعالى مخبرا أنه الأحد الصمد الذي لا إله غيره فقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فالأول خبر عن التوحيد ومعناه معنى الطلب أي وحدوا الإلهية له وأخلصوها لديه وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1973>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ إلى ١٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو الزوج والوالد بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] ولهذا قال تعالى هاهنا:\n﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال ابن زيد: يعني على دينكم، وقال مجاهد ﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢) وكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى عن\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ١١٧.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٦٤، باب ١.","vol":"8","page":162},{"text":"الفريابي، وهو محمد بن يوسف به. وقال حسن صحيح. ورواه ابن جرير (^١) والطبراني من حديث إسرائيل به، وروي من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وهكذا قال عكرمة مولاه سواء.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد فتنة أي اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه ليعلم من يطيعه ممن يعصيه وقوله تعالى:\n﴿وَاللهُ عِنْدَهُ﴾ أي يوم القيامة ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] والتي بعدها.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة: سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطب، فجاء الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» (^٣) ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد به، وقال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من حديثه.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقال لي: «هل لك من ولد؟» قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ولوددت أن بمكانه شبع القوم، فقال لي: «لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا» ثم قال: «ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة» تفرد به أحمد رحمه الله تعالى، وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمود بن بكر، حدثنا أبي عن عيسى عن ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «الولد ثمرة القلوب وإنهم مجبنة مبخلة محزنة» ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.\nوقال الطبراني: حدثنا هاشم بن مزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال:\n«ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزا لك وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك».\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١١٧.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٥٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٢٢٧، والترمذي في المناقب باب ٣٠، والنسائي في الجمعة باب ٣٠، والعيدين باب ٢٧، وابن ماجة في اللباس باب ٢٠.\n(^٤) المسند ٥/ ٢١١.","vol":"8","page":163},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي جهدكم وطاقتكم كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (^١) وقد قال بعض المفسرين كما رواه مالك عن زيد بن أسلم إن هذه الآية ناسخة للتي في آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء هو ابن دينار عن سعيد بن جبير في قوله:\n﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية تخفيفا على المسلمين ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت الآية الأولى وروي عن أبي العالية وزيد بن أسلم وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ أي كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله ولا تتخلفوا عما به أمرتم. ولا تركبوا ما عنه زجرتم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي وابذلوا مما رزقكم الله على الأرقاب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن الله إليكم يكن خيرا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرا لكم في الدنيا والآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحشر وذكر الأحاديث الواردة في معنى هذه الآية بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه. ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه، ونزل ذلك منزلة القرض له كما ثبت في الصحيحين أن الله تعالى يقول: من يقرض غير ظلوم ولا عديم (^٢)، ولهذا قال تعالى يضاعفه لكم كما تقدم في سورة البقرة ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي ويكفر عنكم السيئات ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ شَكُورٌ﴾ أي يجزي على القليل بالكثير ﴿حَلِيمٌ﴾ أي يصفح ويغفر ويستر ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدم تفسيره غير مرة، آخر تفسير سورة التغابن، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢، ومسلم في الحج حديث ٤١٢، والنسائي في المناسك باب ١، وابن ماجة في المقدمة باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٧، ٢٥٨، ٣١٤، ٣١٥، ٣٥٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ١٧٠، ١٧١.","vol":"8","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1974>تفسير سورة الطلاق</span>\nوهي مدنية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1975>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاِتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١)﴾\nخوطب النبي ﷺ أولا تشريفا وتكريما ثم خاطب الأمة تبعا فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد عن سعيد عن قتادة عن أنس قال طلق رسول الله ﷺ حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فقيل له:\nراجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك ونسائك في الجنة، ورواه ابن جرير (^١) عن ابن بشار عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة فذكره مرسلا، وقد ورد من غير وجه أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها.\nوقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأة له وهي حائض فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: «ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر بها الله ﷿» (^٢) هكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه في مواضع من كتابه ومسلم ولفظه «فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعددة وألفاظ كثيرة، وموضع استقصائها كتب الأحكام.\nوأمس لفظ يورد هاهنا ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٢٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الطلاق باب ١، ٢، ٣، ٤٤، ٤٥، وتفسير سورة ٦٥، باب ١، والأحكام باب ١٣، ومسلم في الطلاق حديث ٢، ٣. وأبو داود في الطلاق باب ٤، والنسائي في الطلاق باب ١، ٣، وابن ماجة في الطلاق باب ١، ٣، ومالك في الطلاق حديث ٥٣، وأحمد في المسند ١/ ٤٤، ٢/ ٢٦، ٤٣، ٥١، ٥٤، ٥٨، ٦١، ٦٣، ٦٤، ٧٤، ٧٨، ٧٩، ٨٠، ١٢٨، ١٣٠، ١٤٦، ٣/ ٣٨٦.","vol":"8","page":165},{"text":"سمع عبد الرّحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع: كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «ليراجعها-فردها وقال-إذا طهرت فليطلق أو يمسك».\nقال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقال الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرّحمن بن يزيد عن عبد الله في قوله تعالى:\n﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: الطهر من غير جماع، وروي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة، وميمون بن مهران ومقاتل بن حيان مثل ذلك، وهو رواية عن عكرمة، والضحاك.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال:\nلا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة. وقال عكرمة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ العدة الطهر والقرء الحيضة أن يطلقها حبلى مستبينا حملها ولا يطلقها، وقد طاف عليها ولا يدري حبلى هي أم لا.\nومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها، والبدعة هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه ولا يدري أحملت أم لا، وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة وهو طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع والله ﷾ أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أي احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها، لئلا تطول العدة على المرأة فتمنع من الأزواج ﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ﴾ أي في ذلك. وقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ أي في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه فليس للرجل أن يخرجها ولا يجوز لها أيضا الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضا.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل الزنا كما قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي، والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو قلابة، وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والسدي وسعيد بن أبي هلال وغيرهم، وتشمل ما إذا نشزت المرأة أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال كما قاله أبي بن كعب وابن عباس وعكرمة وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي شرائعه ومحارمه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ﴾ أي يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أي بفعل ذلك.","vol":"8","page":166},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا﴾ أي إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل، قال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن فاطمة بنت قيس في قوله تعالى:\n﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا﴾ قالت: هي الرجعة، وكذا قال الشعبي وعطاء وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والثوري، ومن هاهنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم كالإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى، إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة (^١) أي المقطوعة وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضا على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات وكان غائبا عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك فأرسل إليها وكيله بشعير يعني نفقة فتسخطته فقال: والله ليس لك علينا نفقة، فأتت رسول الله ﷺ فقال: «ليس لك عليه نفقة» ولمسلم «ولا سكنى» وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال:\n«تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» (^٢) الحديث.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٣) من طريق أخرى بلفظ آخر فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، حدثنا عامر قال: قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد رسول الله ﷺ فبعثه رسول الله ﷺ في سرية قالت: فقال لي أخوه: أخرجي من الدار، فقلت: إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل، قال: لا، قالت: فأتيت رسول الله فقلت: إن فلانا طلقني وإن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة، فأرسل إليه فقال له: «ما لك ولابنة آل قيس؟» قال: يا رسول الله إن أخي طلقها ثلاثا جميعا، قالت: فقال رسول الله ﷺ: «انظري يا بنت آل قيس إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى اخرجي فانزلي على فلانة» ثم قال إنه يتحدث إليها «انزلي على ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يراك» وذكر تمام الحديث.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التستري، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي، حدثنا عامر الشعبي أنه دخل على فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك بن قيس القرشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى فقالوا ما أرسل إلينا في ذلك شيئا ولا أوصانا به، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي بطلاقي،\n_________\n(^١) المبتوتة: التي تطلق طلاقا بائنا لا رجعة فيه.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤١٢، وأبو داود في الطلاق باب ٣٩.\n(^٣) المسند ٦/ ٣٧٣، ٣٧٤.","vol":"8","page":167},{"text":"فسألت أولياء السكنى والنفقة علي فقال أولياؤه لم يرسل إلينا في ذلك بشيء، فقال رسول الله ﷺ: «إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى» (^١) وكذا رواه النسائي عن أحمد بن يحيى الصوفي عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن سعيد بن يزيد وهو الأحمسي البجلي الكوفي، قال أبو حاتم الرازي: وهو شيخ يروى عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1976>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٢ إلى ٣]</span>\n﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾\nيقول تعالى: فإذا بلغت المعتدات أجلهن أي شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك، ولكن لم تفرغ العدة بالكلية، فحينئذ إما أن يعزم الزوج على إمساكها وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي محسنا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على مفارقتها بمعروف أي من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود وابن ماجة عن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلقت لغير سنة ورجعت لغير سنة وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد (^٢)، وقال ابن جريج كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله ﷿ إلا أن يكون من عذر.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي هذا الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة إنما يأتمر به من يؤمن بالله واليوم الآخر، وأنه شرع هذا ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة، ومن هاهنا ذهب الشافعي في أحد قوليه إلى وجوب الإشهاد في الرجعة كما يجب عنده في ابتداء النكاح، وقد قال بهذا طائفة من العلماء ومن قال بهذا يقول:\nإن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ أي ومن يتق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب أي من جهة لا تخطر بباله.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الطلاق باب ٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الطلاق باب ٥، وابن ماجة في الطلاق باب ٥.","vol":"8","page":168},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد أنبأنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل عن أبي ذر قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو علي هذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ حتى فرغ من الآية ثم قال: «يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم» وقال فجعل يتلوها ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: «يا أبا ذر كيف تصنع إذا خرجت من المدينة؟» قلت إلى السعة والدعة أنطلق فأكون حمامة من حمام مكة قال: «كيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟» قلت: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة، قال «وكيف تصنع إذا أخرجت من الشام؟» قلت: إذا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي، قال: «أو خير من ذلك» قلت: أو خير من ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع وإن كان عبدا حبشيا».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا زكريا عن عامر عن شتير بن شكل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] وإن أكبر آية في القرآن فرجا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.\nوفي المسند (^٢): حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم عن الحكم بن مصعب عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب». وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (^٣) وقال الربيع بن خيثم ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ أي من كل شيء ضاق على الناس (^٤)، وقال عكرمة من طلق كما أمره الله يجعل له مخرجا، وكذا روي عن ابن عباس والضحاك، وقال ابن مسعود ومسروق ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يعلم أن الله إن شاء أعطى وإن شاء منع ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ أي من حيث لا يدري. وقال قتادة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ أي من شبهات الأمور والكرب عند الموت ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ومن حيث لا يرجو ولا يأمل.\nوقال السدي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ﴾ يطلق للسنة، ويراجع للسنة، وزعم أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له عوف بن مالك الأشجعي كان له ابن، وأن المشركين أسروه فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله ﷺ فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، فكان\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٧٨، ١٧٩.\n(^٢) المسند ١/ ٢٤٨.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ١٣٠.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ١٣٠.","vol":"8","page":169},{"text":"رسول الله ﷺ يأمره بالصبر ويقول له: «إن الله سيجعل لك فرجا» فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا أن انفلت ابنه من أيدي العدو، فمر بغنم من أغنام العدو فاستاقها فجاء بها إلى أبيه وجاء معه بغنى قد أصابه من المغنم، فنزلت فيه هذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ رواه ابن جرير (^١): وروي أيضا من طريق سالم بن أبي الجعد مرسلا نحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر» (^٣) ورواه النسائي وابن ماجة من حديث سفيان وهو الثوري به.\nوقال محمد بن إسحاق: جاء مالك الأشجعي إلى رسول الله ﷺ فقال له أسر ابني عوف فقال له رسول الله ﷺ: «أرسل إليه أن رسول الله ﷺ يأمر أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم، فاتبع أولها آخرها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فقالت: أمه: وا سوأتاه! وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد، فاستبقا الباب والخادم فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل فقال أبوه:\nقفا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله عنها، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله ﷺ: «اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعا بمالك» ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض عن هشام بن الحسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله إليها».\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يونس، حدثنا ليث، حدثنا قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يوما، فقال له رسول الله ﷺ: «يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٣٠.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٢٢.\n(^٤) المسند ١/ ٢٩٣، ٣٠٣، ٣٠٧.","vol":"8","page":170},{"text":"يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» (^١) وقد رواه الترمذي من حديث الليث بن سعد وابن لهيعة به وقال: حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله هو ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قمنا ألا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله تعالى أتاه الله برزق عاجل أو بموت آجل» ثم رواه عن عبد الرزاق عن سفيان عن بشير عن سيار أبي حمزة ثم قال وهو الصواب، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه ﴿قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1977>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٤ إلى ٥]</span>\n﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾\nيقول تعالى مبينا لعدة الآيسة، وهي التي انقطع عنها المحيض لكبرها، أنها ثلاثة أشهر عوضا عن الثلاثة القروء في حق من تحيض، كما دلت على ذلك آية البقرة، وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض أن عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فيه قولان [أحدهما] وهو قول طائفة من السلف كمجاهد والزهري وابن زيد أي إن رأين دما وشككتم في كونه حيضا أو استحاضة وارتبتم فيه.\n[والقول الثاني] إن ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر، وهذا مروي عن سعيد بن جبير وهو اختيار ابن جرير وهو أظهر في المعنى، واحتج عليه بما رواه عن أبي كريب وأبي السائب قالا: حدثنا ابن إدريس حدثنا مطرف عن عمرو بن سالم قال: قال أبي بن كعب:\nيا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الأحمال، قال: فأنزل الله ﷿ ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ، وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nورواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة حدثنا جرير عن مطرف عن عمر بن سالم عن أبي بن كعب قال: قلت لرسول الله ﷺ إن ناسا من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم يذكرن في القرآن! الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل قال: فأنزلت\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٥٩.\n(^٢) المسند ١/ ٤٤٢.","vol":"8","page":171},{"text":"التي في النساء القصرى ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يقول تعالى: ومن كانت حاملا فعدتها بوضعه، ولو كان بعد الطلاق أو الموت بفواق ناقة في قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة وكما وردت به السنة النبوية، وقد روي عن علي وابن عباس ﵃ أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع والأشهر، عملا بهذه الآية والتي في سورة البقرة.\nقال البخاري: حدثنا سعيد بن حفص، حدثنا شيبان عن يحيى قال: أخبرني أبو سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة جالس فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي-يعني أبا سلمة-فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها (^١)، هكذا أورد البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرا، وقد رواه هو ومسلم وأصحاب الكتب مطولا من وجوه أخر.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حماد بن أسامة أنبأنا هشام عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حامل فلم تمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تعلّت (^٣) من نفاسها خطبت، فاستأذنت رسول الله ﷺ في النكاح فأذن لها أن تنكح، فنكحت، ورواه البخاري في صحيحه ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عنها، كما قال مسلم بن الحجاج: حدثني أبو الطاهر أنبأنا ابن وهب، حدثني يونس بن يزيد عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها وعما قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته، فكتب عمر بن عبد الله يخبره أن سبيعة أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة، وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: مالي أراك:\nمتجملة؟ لعلك ترجين النكاح إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي باب ١٠، وتفسير سورة ٦٥، باب ٢، ومسلم في الطلاق باب ٥٦، وأبو داود في الطلاق باب ٤٧، والترمذي في الطلاق باب ١٧، والنسائي في الطلاق باب ٥٦، وابن ماجة في الطلاق باب ٧، والدارمي في الطلاق باب ١١.\n(^٢) المسند ٤/ ٣٢٧.\n(^٣) تعلّت: أي طهرت.","vol":"8","page":172},{"text":"قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي، هذا لفظ مسلم ورواه البخاري مختصرا، ثم قال البخاري بعد روايته الحديث الأول عند هذه الآية، وقال سليمان بن حرب وأبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد هو ابن سيرين قال: كنت في حلقة فيها عبد الرّحمن بن أبي ليلى ﵀، وكان أصحابه يعظمونه فذكر آخر الأجلين، فحدثت بحديث سبيعة بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة قال: فضمز لي بعض أصحابه. وقال محمد: ففطنت له، فقلت له: إني لجريء أن أكذب على عبد الله وهو في ناحية الكوفة، قال فاستحيا وقال: لكن عمه لم يقل ذلك، فلقيت أبا عطية مالك بن عامر فسألته فذهب يحدثني بحديث سبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئا؟ فقال: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة؟ فنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ورواه ابن جرير من طريق سفيان بن عيينة وإسماعيل ابن علية عن أيوب به مختصرا، ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن ابن عون عن محمد بن سيرين فذكره.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني ابن شبرمة الكوفي عن إبراهيم عن علقمة بن قيس أن عبد الله بن مسعود قال: من شاء لاعنته ما نزلت ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، قال: وإذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت يريد بآية المتوفى عنها زوجها ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقد رواه النسائي (^٢) من حديث سعيد بن أبي مريم به. ثم قال ابن جرير (^٣): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: ذكر عند ابن مسعود آخر الأجلين فقال: من شاء قاسمته بالله إن هذه الآية التي في النساء القصرى نزلت بعد الأربعة الأشهر والعشر ثم قال: أجل الحامل أن تضع ما في بطنها.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرّحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: بلغ ابن مسعود أن عليا ﵁ يقول آخر الأجلين فقال: من شاء لاعنته إن التي في النساء القصرى نزلت بعد البقرة ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٤) ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث أبي معاوية عن الأعمش.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٣٤، ١٣٥.\n(^٢) كتاب الطلاق باب ٥٦.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ١٣٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الطلاق باب ٤٧، والنسائي في الطلاق باب ٥٦.","vol":"8","page":173},{"text":"وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أحمد حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي، أنبأنا عبد الوهاب الثقفي، حدثني المثنى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن أبي بن كعب قال: قلت للنبي ﷺ ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ المطلقة ثلاثا أو المتوفى عنها زوجها، فقال: هي للمطلقة ثلاثا والمتوفى عنها (^١). هذا حديث غريب جدا بل منكر لأن في إسناده المثنى بن الصباح وهو متروك الحديث بمرة، ولكن رواه ابن أبي حاتم بسند آخر فقال: حدثنا محمد بن داود السمناني، حدثنا عمرو بن خالد يعني الحراني، حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن أبي بن كعب أنه لما نزلت هذه الآية، قال لرسول الله ﷺ: لا أدري أمشتركة أم مبهمة، قال رسول الله ﷺ «أية آية؟» قال ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ المتوفى عنها والمطلقة؟ قال نعم.\nوكذا رواه ابن جرير (^٢) عن أبي كريب عن موسى بن داود عن ابن لهيعة به. ثم رواه عن أبي كريب أيضا عن مالك بن إسماعيل عن ابن عيينة عن عبد الكريم بن أبي المخارق أنه حدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال: «أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها» عبد الكريم هذا ضعيف ولم يدرك أبيا. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ أي يسهل له أمره وييسره عليه ويجعل له فرجا قريبا ومخرجا عاجلا ثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ أي حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسول الله ﷺ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ أي يذهب عنه المحذور ويجزل له الثواب على العمل اليسير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1978>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٦ إلى ٧]</span>\n﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده إذا طلق أحدهم المرأة أن يسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها فقال:\n﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أي عندكم ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني سعتكم (^٣) حتى قال قتادة: إن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه، وقوله تعالى:\n﴿وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ قال مقاتل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه، وقال الثوري عن منصور عن أبي الضحى: ﴿وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١١٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٣٥.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٣٧.","vol":"8","page":174},{"text":"قال يطلقها فإذا بقي يومان راجعها.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال كثير من العلماء منهم ابن عباس وطائفة من السلف وجماعات من الخلف: هذه في البائن إن كانت حاملا أنفق عليها حتى تضع حملها، قالوا بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملا أو حائلا، وقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات وإنما نص على وجوب الإنفاق على الحامل، وإن كانت رجعية، لأن الحمل تطول مدته غالبا فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة، ثم اختلف العلماء هل النفقة لها بواسطة الحمل أم للحمل وحده؟ على قولين منصوصين عن الشافعي وغيره ويتفرع عليها مسائل كثيرة مذكورة في علم الفروع.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أي إذا وضعن حملهن وهن طوالق فقد بنّ بانقضاء عدتهن ولها حينئذ أن ترضع الولد ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللبأ، وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للمولود غالبا إلا به، فإن أرضعت استحقت أجرة مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف من غير إضرار ولا مضارة كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أي وإن اختلف الرجل والمرأة فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيرا، ولم يجبها الرجل إلى ذلك أو بذل الرجل قليلا ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها، فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ أي لينفق على المولود والده أو وليه بحسب قدرته ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ ما آتاها﴾ كقوله تعالى:\n﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] روى ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة فقيل إنه يلبس الغليظ من الثياب ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها؟ فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاءه الرسول فأخبره، فقال رحمه الله تعالى تأول هذه الآية ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ﴾.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد الطبراني حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، أخبرني أبي، أخبرني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٤١.","vol":"8","page":175},{"text":"أبي مالك الأشعري واسمه الحارث، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة نفر كان لأحدهم عشرة دنانير فتصدق منها بدينار، وكان لآخر عشر أواق فتصدق منها بأوقية وكان لآخر مائة أوقية فتصدق منها بعشر أواق-فقال رسول الله ﷺ-هم في الأجر سواء كل قد تصدق بعشر ماله قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وعد منه تعالى ووعده حق لا يخلفه وهذه كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وقد روى الإمام أحمد (^١) حديثا يحسن أن نذكره هاهنا: فقال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب قال: قال أبو هريرة: بينما رجل وامرأة من السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته مسغبة شديدة، فقال لامرأته عندك شيء؟ قالت: نعم أبشر أتانا رزق الله فاستحثها فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شيء، قالت: نعم هنيهة ترجو رحمة الله، حتى إذا طال عليه الطول قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شيء فائتيني به فإني قد بلغت وجهدت، فقالت: نعم، الآن نفتح التنور فلا تعجل، فلما أن سكت عنها ساعة وتحينت أن يقول لها قالت من عند نفسها: لو قمت فنظرت إلى تنوري فقامت فنظرت إلى تنورها ملآن من جنوب الغنم ورحييها تطحنان، فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم، قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده هو قول محمد ﷺ: «لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة».\nوقال في موضع آخر (^٢): حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر عن هشام عن محمد، وهو ابن سيرين عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما رأت امرأته قامت إلى الرحى فوضعتها وإلى التنور فسجرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا، قال فرجع الزوج فقال:\nأصبتم بعدي شيئا؟ قالت: امرأته: نعم من ربنا، فأمّ إلى الرحى فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ «أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة».\n\n<span data-type='title' id=toc-1979>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٨ إلى ١١]</span>\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾\nيقول تعالى متوعدا لمن خالف أمره وكذب رسله وسلك غير ما شرعه، ومخبرا عما حل\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٢١.\n(^٢) المسند ٢/ ٥١٣.","vol":"8","page":176},{"text":"بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ﴾ أي تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أي منكرا فظيعا ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها﴾ أي غب مخالفتها وندموا حيث لا ينفعهم الندم ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ أي في الدار الآخرة مع ما عجل لهم من العذاب في الدنيا، ثم قال تعالى بعد ما قص من خبر هؤلاء ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي الأفهام المستقيمة لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي صدقوا بالله ورسله ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ أي القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nوقوله تعالى: ﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ﴾ قال بعضهم: رسولا منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر.\nقال ابن جرير (^١): الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر يعني تفسيرا له، ولهذا قال تعالى:\n﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ﴾ أي في حال كونها بينة واضحة جلية ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] وقال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورا لما يحصل به من الهدى كما سماه روحا لما يحصل به من حياة القلوب فقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1980>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]</span>\n﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من الدين القويم ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ كقوله تعالى إخبارا عن نوح أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] وقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي سبعا أيضا كما ثبت في الصحيحين «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» (^٢) وفي صحيح\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٤٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٢، ومسلم في المساقاة حديث ١٣٧، ١٤٢.","vol":"8","page":177},{"text":"البخاري «خسف به إلى سبع أرضين» وقد ذكرت طرقه وألفاظه وعزوه في أول البداية والنهاية عند ذكر خلق الأرض ولله الحمد والمنة، ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وخالف القرآن والحديث بلا مستند، وقد تقدم في سورة الحديد عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ [الحديد: ٣] ذكر الأرضين السبع وبعد ما بينهن وكثافة كل واحدة منهن خمسمائة عام. وهكذا قال ابن مسعود وغيره وكذا في الحديث الآخر «ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة».\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها، وحدثنا ابن حميد: حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القمي الأشعري عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي عن سعيد بن جبير قال:\nقال رجل لابن عباس ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية. فقال ابن عباس: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في هذه الآية ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال عمرو: قال في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق. وقال ابن المثنى في حديثه في كل سماء إبراهيم، وروى البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات» هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا عبيد بن غنام النخعي أنبأنا علي بن حكيم، حدثنا شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس قال ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى.\nثم رواه البيهقي من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل أرض نحو إبراهيم ﵇، ثم قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا والله أعلم. قال الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه «التفكر والاعتبار»، حدثني إسحاق بن حاتم المدائني حدثنا يحيى بن سليمان عن عثمان بن أبي دهرش قال: بلغني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٤٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٤٥.","vol":"8","page":178},{"text":"فقال: «ما لكم لا تتكلمون؟» فقالوا: نتفكر في خلق الله ﷿ قال: «فكذلك فافعلوا تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا فيه فإن بهذا المغرب أرضا بيضاء نورها ساحتها-أو قال ساحتها نورها-مسيرة الشمس أربعين يوما بها خلق من خلق الله تعالى لم يعصوا الله طرفة عين قط» قالوا: فأين الشيطان عنهم؟ قال: «ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق؟» قالوا: أمن ولد آدم؟ قال «لا يدرون خلق آدم أم لم يخلق؟».\nوهذا حديث مرسل وهو منكر جدا وعثمان بن أبي دهرش ذكره ابن أبي حاتم في كتابه، فقال: روي عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص وعنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سليم الطائفي وابن المبارك سمعت أبي يقول ذلك. آخر تفسير سورة الطلاق، ولله الحمد والمنة.","vol":"8","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1981>تفسير سورة التحريم</span>\nوهي مدنية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1982>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا (٥)﴾\nاختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل: نزلت في شأن مارية وكان رسول الله ﷺ قد حرمها، فنزل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ﴾ الآية.\nقال أبو عبد الرّحمن النسائي: أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله ﷿ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ إلى آخر الآية. وقال ابن جرير (^١): حدثني ابن عبد الرّحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه فقالت:\nأي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حراما فقالت: أي رسول الله كيف يحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ قال زيد بن أسلم: فقوله أنت علي حرام لغو وهكذا روى عبد الرّحمن بن زيد عن أبيه.\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال:\nقال لها: «أنت علي حرام ووالله لا أطؤك» وقال سفيان الثوري وابن علية عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال: آلى رسول الله ﷺ وحرم، فعوتب في التحريم وأمر بالكفارة في\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٤٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٤٧، ١٤٨.","vol":"8","page":180},{"text":"اليمين رواه ابن جرير وكذا روي عن قتادة وغيره عن الشعبي نفسه، وكذا قال غير واحد من السلف منهم الضحاك والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان، وروى العوفي عن ابن عباس القصة مطولة.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية القبطية أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها، فوجدت حفصة: فقالت: يا نبي الله لقد جئت إليّ شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال: «ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها» قالت: بلى فحرمها وقال لها «لا تذكري ذلك لأحد» فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ﴾ الآيات كلها. فبلغنا أن رسول الله ﷺ كفر عن يمينه وأصاب جاريته.\nوقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: «لا تخبري أحدا وإن أم إبراهيم علي حرام» فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: «فوالله لا أقربها» قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال: فأنزل الله تعالى:\n﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج.\nوقال ابن جرير (^٢) أيضا: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدستوائي قال: كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان يقول في الحرام يمين تكفرها، وقال ابن عباس ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] يعني أن رسول الله ﷺ حرم جاريته فقال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ -إلى قوله- ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ فكفر يمينه فصير الحرام يمينا، ورواه البخاري (^٣) عن معاذ بن فضالة عن هشام الدستوائي عن يحيى، هو ابن أبي كثير، عن ابن حكيم وهو يعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الحرام يمين تكفر وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ورواه مسلم (^٤) من حديث هشام الدستوائي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٤٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٤٩.\n(^٣) تفسير سورة ٦٦، باب ١.\n(^٤) كتاب الطلاق حديث ٢٠.","vol":"8","page":181},{"text":"به. وقال النسائي (^١): أنبأنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي، حدثنا مخلد وهو ابن يزيد، حدثنا سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال إني جعلت امرأتي علي حراما، قال: كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة، تفرد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ قال: حرم رسول الله ﷺ سريته ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته أو زوجته أو طعاما أو شرابا أو ملبسا أو شيئا من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة، وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية إذا حرم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قوله، فأما إن نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة نفذ فيهما.\nوقال ابن أبي حاتم حدثني أبو عبد الله الظهراني أنبأنا حفص بن عمر العدني أنبأنا الحكم بن أبان أنبأنا عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وهذا قول غريب، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري (^٢) عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير، قال: «لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا» ﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ﴾ هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ.\nوقال في كتاب الأيمان والنذور (^٣): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل له إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير، فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك له فقال: «لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له» فنزلت ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: «بل شربت عسلا» وقال\n_________\n(^١) كتاب الطلاق باب ١٦.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٦، باب ١.\n(^٣) كتاب الأيمان والنذور، باب ٢٥.","vol":"8","page":182},{"text":"إبراهيم بن موسى عن هشام: «ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا».\nوهكذا رواه في كتاب الطلاق (^١) بهذا الإسناد ولفظه قريب منه، ثم قال: المغافير شبيه بالصمغ يكون في الرمث فيه حلاوة، أغفر به الرمث إذا ظهر فيه، واحدها مغفور ويقال مغافير، وهكذا قال الجوهري قال وقد يكون المغفور أيضا للعشر والثمام والسلم والطلح، قال والرمث بالكسر مرعى من مراعي الإبل وهو من المحض، قال والعرفط شجر من العضاه ينضح المغفور منه.\nوقد روى مسلم (^٢) هذا الحديث في كتاب الطلاق من صحيحه عن محمد بن حاتم عن حجاج بن محمد عن ابن جريج، أخبرني عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة به، ولفظه كما أورده البخاري في الأيمان والنذور.\nثم قال البخاري (^٣) في كتاب الطلاق: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربة فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي أكلت مغافير فإنه سيقول لك لا، فقولي له ما هذه الريح التي أجد فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل، فقولي جرست نحله العرفط وسأقول لك، وقولي له أنت يا صفية ذلك، قالت: تقول سودة فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال:\n«لا» قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: «سقتني حفصة شربة عسل» قالت: جرست نحله العرفط، فلما دار إلي قلت نحو ذلك فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال: «لا حاجة لي فيه» قالت: تقول سودة والله لقد حرمناه، قلت لها اسكتي، هذا لفظ البخاري.\nوقد رواه مسلم (^٤) عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن هشام بن عروة به، وعنده قالت: وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح، يعني الريح الخبيثة، ولهذا قلن له أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء، فلما قال: «بل شربت عسلا» قلن جرست نحله العرفط أي\n_________\n(^١) كتاب الطلاق باب ٨.\n(^٢) كتاب الطلاق حديث ٢١.\n(^٣) كتاب الطلاق باب ٨.\n(^٤) كتاب الطلاق حديث ٢٢.","vol":"8","page":183},{"text":"رعت نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته. قال الجوهري: جرست النحل العرفط تجرس إذا أكلته، ومنه قيل للنحل جوارس، قال الشاعر:\n[الطويل] تظلّ على الثمراء منها جوارس (^١)\nوقال الجرس والجرس الصوت الخفي، ويقال: سمعت جرس الطير إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث «فيسمعون جرس طير الجنة» قال الأصمعي: كنت في مجلس شعبة، قال: فيسمعون جرش طير الجنة بالشين فقلت جرس فنظر إلي فقال: خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منا، والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن خالته عائشة، وفي طريق ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة أن زينب بنت جحش هي التي سقته العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه فالله أعلم. وقد يقال إنهما واقعتان ولا بعد في ذلك إلا أن كونهما سببا لنزول هذه الآية فيه نظر، والله أعلم.\nومما يدل على أن عائشة وحفصة ﵄ هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢) في مسنده حيث قال: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز، ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ فقال عمر: وا عجبا لك يا ابن عباس:\nقال الزهري: كره والله ما سألته عنه ولم يكتمه قال: هي عائشة وحفصة.\nقال: ثم أخذ يسوق الحديث قال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم قال: وكان منزلي في دار أمية بن زيد بالعوالي، قال: فغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت:\n_________\n(^١) عجزه: مراضيع صهب الرّيش زغب رقابها والبيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص ٥١، ولسان العرب (رقب)، (زغب)، (ثمر)، (جرس)، (ريش)، (رضع)، والمخصص ١١/ ٦، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٩٣، ٢٦٣، وتاج العروس (ثمر)، (خرس)، (رضع)، وتهذيب اللغة ١٠/ ٥٧٩، ١٥/ ٨٥، وأساس البلاغة (جرس)، وللهذلي في مجمل اللغة ١/ ٤٢١، وبلا نسبة في المخصص ٨/ ١٨١، ١٦/ ٤٢.\n(^٢) المسند ١/ ٣٣، ٣٤.","vol":"8","page":184},{"text":"ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج رسول الله ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل.\nقال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ فقالت: نعم. قلت:\nوتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئا وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم-أي أجمل-وأحب إلى رسول الله ﷺ منك-يريد عائشة-قال: وكان لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ، ينزل يوما وأنزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك.\nقال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يوما ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: وما ذاك أجاءت غسان؟ قال:\nلا بل أعظم من ذلك وأطول طلق رسول الله ﷺ نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا كائنا حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ فقالت: لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلاما له أسود فقلت استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال: ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده قليلا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت، فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فوليت مدبرا، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل قد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ فإذا هو متكئ على رمال الحصير-قال الإمام أحمد: وحدثناه يعقوب في حديث صالح قال: رمال حصير-وقد أثر في جنبه فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال: «لا» فقلت: الله أكبر. ولو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت علي امرأتي يوما فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت:\nما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله فإذا هي قد هلكت.\nفتبسم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله ﷺ منك. فتبسم أخرى، فقلت: استأنس يا رسول الله، قال: «نعم» فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا أهبة مقامه، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس","vol":"8","page":185},{"text":"والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب. أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» (^١) فقلت استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله ﷿.\nوقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به، وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيد بن حنين، عن ابن عباس، قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ. هذا لفظ البخاري، ولمسلم:\nمن المرأتان اللتان قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ قال عائشة وحفصة، ثم ساق الحديث بطوله ومنهم من اختصره.\nوقال مسلم (^٢) أيضا: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار عن سماك بن الوليد أبي زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب فقلت لأعلمن ذلك اليوم، فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما، إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكفة المشربة، فناديت فقلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله ﷺ، فذكر نحو ما تقدم-إلى أن قال-فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت-وأحمد الله-بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي، فنزلت هذه الآية آية التخيير ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ فقلت: أطلقتهن؟ قال: «لا» فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه. ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.\nوكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك وغيرهم ﴿وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أبو بكر وعمر، زاد الحسن البصري وعثمان، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد ﴿وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: علي بن أبي طالب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في النكاح باب ٨٣، والمظالم باب ٢٥، ومسلم في الطلاق حديث ٣٦، والترمذي في تفسير سورة ٦٦.\n(^٢) كتاب الطلاق حديث ٣٠.","vol":"8","page":186},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، قال: أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى علي قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: «هو علي بن أبي طالب» إسناده ضعيف وهو منكر جدا.\nوقال البخاري (^١): حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هشيم عن حميد عن أنس قال: قال عمر:\nاجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية، وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن: منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها قوله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا حميد عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن، فأمسكت فأنزل الله ﷿ ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾ وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء هي أم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري.\nوقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة عن أبي سنان عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها رسول الله ﷺ:\n«لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة. إن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا مت» فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة لرسول الله ﷺ: من أنبأك هذا؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية، فحرمها، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إسناده فيه نظر وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات.\nومعنى قوله: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ﴾ ظاهر. وقوله تعالى:\n﴿سائِحاتٍ﴾ أي: صائمات، قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء، ومحمد بن كعب القرظي وأبو عبد الرّحمن السلمي وأبو مالك وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وغيرهم، وتقدم فيه حديث مرفوع عند قوله: ﴿السّائِحُونَ﴾ في سورة براءة، ولفظه «سياحة هذه الأمة الصيام» وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرّحمن ﴿سائِحاتٍ﴾ أي مهاجرات، وتلا عبد الرّحمن ﴿السّائِحُونَ﴾، أي المهاجرون،\n_________\n(^١) كتاب التفسير سورة ٦٦، باب ١.","vol":"8","page":187},{"text":"والقول الأول أولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾ أي منهن ثيبات ومنهن أبكارا ليكون ذلك أشهى إلى النفس، فإن التنوع يبسط النفس، ولهذا قال: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾ وقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أمية، حدثنا عبد القدوس عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾ قال:\nوعد الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يزوجه، فالثيب آسية امرأة فرعون وبالأبكار مريم بنت عمران. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مريم ﵍ من طريق سويد بن سعيد:\nحدثنا محمد بن صالح بن عمر عن الضحاك ومجاهد عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فمرت خديجة فقال: إن الله يقرئها السّلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم.\nومن حديث أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل على خديجة وهي في الموت فقال: «يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السّلام»، فقالت:\nيا رسول الله ﷺ وهل تزوجت قبلي؟ قال: «لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى» ضعيف أيضا، وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن عرعرة، حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يوسف بن شعيب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون؟» فقلت: هنيئا لك يا رسول الله، وهذا أيضا ضعيف وروي مرسلا عن ابن أبي داود.\n\n<span data-type='title' id=toc-1983>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٦ إلى ٨]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾\nقال سفيان الثوري عن منصور عن رجل عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾ يقول: أدبوهم وعلموهم (^١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾ يقول اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر ينجكم الله من النار، وقال مجاهد ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾ قال اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله، وقال قتادة تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ١٥٧.","vol":"8","page":188},{"text":"وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها، وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه.\nوفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك ابن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (^١) هذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ مثل ذلك، قال الفقهاء وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمرينا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر، والله الموفق.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ وقودها أي حطبها الذي يلقى فيها جثث بني آدم ﴿وَالْحِجارَةُ﴾ قيل المراد بها الأصنام التي تعبد لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي، هي حجارة من كبريت، زاد مجاهد: أنتن من الجيفة، وروى ذلك ابن أبي حاتم ﵀ ثم قال حدثنا أبي حدثنا عبد الرّحمن بن سنان المنقري حدثنا عبد العزيز-يعني ابن أبي روّاد-قال:\nبلغني أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ وعنده بعض أصحابه وفيهم شيخ فقال الشيخ: يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ﷺ «والذي نفسي بيده لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها» قال: فوقع الشيخ مغشيا عليه، فوضع النبي ﷺ يده على فؤاده فإذا هو حي فناداه قال: «يا شيخ قل لا إله إلا الله» فقالها فبشره بالجنة. قال: فقال أصحابه يا رسول الله أمن بيننا؟ قال: «نعم يقول الله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] هذا حديث مرسل غريب.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ أي طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله ﴿شِدادٌ﴾ أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج. كما قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد نزع الله من قلوبهم الرحمة ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو طير الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفا ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٢٦، والترمذي في المواقيت باب ١٨٢، والدارمي في الصلاة باب ١٤١، وأحمد في المسند ٣/ ٤٠٤.","vol":"8","page":189},{"text":"ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها.\nوقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أي مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية -عياذا بالله منهم- وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم، ثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أي توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات، وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن مثنى حدثنا محمد، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب: سمعت النعمان بن بشير يخطب، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه، وقال الثوري عن سماك عن النعمان عن عمر قال: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه.\nوقال أبو الأحوص وغيره عن سماك عن النعمان: سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيئ ثم لا يعود إليه أبدا. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: يتوب ثم لا يعود.\nوقد روي هذا مرفوعا فقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «التوبة من الذنب أن يتوب منه ثم لا يعود فيه» تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، والموقوف أصح والله أعلم. ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر ويندم على ما سلف منه في الماضي ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سفيان عن عبد الكريم، أخبرني زياد بن أبي مريم عن عبد الله بن معقل قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت النبي ﷺ يقول: «الندم توبة؟» قال: نعم وقال مرة: نعم سمعته يقول: «الندم توبة» (^٤) ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار عن سفيان بن عيينة عن عبد الكريم وهو ابن مالك الجزري به.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٥٨.\n(^٢) المسند ١/ ٤٤٦.\n(^٣) المسند ١/ ٣٧٦.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣٠.","vol":"8","page":190},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الوليد بن بكير أبو خباب عن عبد الله بن محمد العدوي عن أبي سنان البصري عن أبي قلابة، عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة، منها نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرم الله عليه ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله ومنها نكاح الرجل الرجل وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحا.\nقال زر: فقلت لأبي بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا تعود إليه أبدا». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو حدثنا أبو عمرو بن العلاء سمعت الحسن يقول: التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته وتستغفر منه إذا ذكرته، فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح «الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها» (^١) وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات-كما تقدم في الحديث وفي الأثر-ثم لا يعود فيه أبدا. أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارا في تكفير ما تقدم لعموم قوله ﵇: «التوبة تجب ما قبلها؟» وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضا «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (^٢) فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة فالتوبة بطريق الأولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وعسى من الله موجبة ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة ﴿نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ كما تقدم في سورة الحديد ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك عن يحيى بن حسان عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف رسول الله ﷺ عام الفتح فسمعته يقول: «اللهم لا تخزني يوم القيامة».\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٩٩، ٢٠٤، ٢٠٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في المرتدين باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ١٨٩، ١٩٠.\n(^٣) المسند ٤/ ٢٣٤.","vol":"8","page":191},{"text":"وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرّحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم، فقال رجل: يا رسول الله، وكيف تعرف أمتك من بين الأمم؟ قال: غر محجلون من آثار الطهور ولا يكون من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1984>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ (١٠)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين، هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي في الدنيا ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي في الآخرة ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أن ذلك لا يجدي عنهم شيئا ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ أي نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلا ونهارا يؤاكلان ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط ﴿فَخانَتاهُما﴾ أي في الإيمان لم يوافقاهما على الإيمان ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يجد ذلك كله شيئا ولا دفع عنهما محذورا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي لكفرهما ﴿وَقِيلَ﴾ أي للمرأتين ﴿اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ وليس المراد بقوله:\n﴿فَخانَتاهُما﴾ في فاحشة بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور.\nقال سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتّة: سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية ﴿فَخانَتاهُما﴾ قال: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه، وقال العوفي عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٩٩.","vol":"8","page":192},{"text":"وقال الضحاك عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم، وقد استدل بهذه الآية الكريمة بعض العلماء على ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس: من أكل مع مغفور له غفر له. وهذا الحديث لا أصل له وإنما يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال: يا رسول الله أنت قلت من أكل مع مغفور له غفر له؟ قال: لا ولكني الآن أقوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1985>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١١ إلى ١٢]</span>\n﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)﴾\nوهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها، ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه. وقال ابن جرير (^١): حدثنا إسماعيل بن حفص الإربليّ، حدثنا محمد بن جعفر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سليمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة، ثم رواه عن محمد بن عبيد المحاربي عن أسباط بن محمد عن سليمان التيمي به.\nثم قال ابن جرير (^٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزعت روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح، فقولها ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قالت العلماء:\nاختارت الجار قبل الدار، وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ أي خلصني منه فإني أبرأ إليك من عمله ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ﵂.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون فوقع المشط من يدها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٦٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٦٢.","vol":"8","page":193},{"text":"فقالت: تعس من كفر بالله! فقالت لها بنت فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله، فلطمتها بنت فرعون وضربتها وأخبرت أباها، فأرسل فرعون إليها فقال:\nتعبدين ربا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك ورب كل شيء الله وإياه أعبد، فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها وأرسل عليها الحيات، فكانت كذلك، فأتى عليها يوما فقال لها:\nما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك ورب كل شيء الله.\nفقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي فقالت له: اقض ما أنت قاض، فذبح ابنها في فيها، وإن روح ابنها بشرها فقال لها: أبشري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت ثم أتى عليها فرعون يوما آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر في فيها، فبشرها روحه أيضا وقال لها: اصبري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، قال:\nوسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر، فآمنت امرأة فرعون وقبض الله روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت، فازدادت إيمانا ويقينا وتصديقا فأطلع الله فرعون على إيمانها فقال للملأ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها فقال لهم: إنها تعبد غيري، فقالوا له: اقتلها.\nفأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها فدعت آسية ربها فقالت ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها في الجنة ﵂.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أي حفظته وصانته، والإحصان هو العفاف والحرية ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ أي بواسطة الملك وهو جبريل فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى ﵇، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ﴾ أي بقدره وشرعه ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات عن علباء عن عكرمة عن ابن عباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط وقال: «أتدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون».\nوقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على\n_________\n(^١) المسند ١/ ٢٩٣.","vol":"8","page":194},{"text":"سائر الطعام» (^١). وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم ﵉ في كتابنا [البداية والنهاية] ولله الحمد والمنة، وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ﵇ في الجنة عند قوله تعالى ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾.\nآخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1986>تفسير سورة الملك</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (^٣) ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد أبي عبد الله القرشي النيسابوري المقري الزاهد الفقيه، أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم لكن في غير الصحيحين.\nوروى عنه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وعليه تفقه في مذهب أبي عبيد بن حربويه وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن رجلا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه، فقال لها إنك من كتاب الله وأنا أكره مساءتك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضرا ولا نفعا، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب ﵎ فاشفعي له، فتنطلق إلى الرب فتقول يا رب إن فلانا عمد إلي من بين كتابك فتعلمني وتلاني، أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلا ذاك به فامحني من كتابك فيقول ألا أراك غضبت، فتقول وحق لي أن أغضب فيقول اذهبي فقد وهبته لك وشفعتك فيه-قال-فتجيء فتزجر الملك، فيخرج كاسف البال لم يحل منه بشيء -قال-فتجيء فتضع فاها على فيه فتقول مرحبا بهذا الفم فربما تلاني، مرحبا بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحبا بهاتين القدمين فربما قامتا بي، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه» قال:\nفلما حدث بهذا رسول الله ﷺ لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها وسماها رسول الله ﷺ المنجية.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري الأنبياء، باب، ٣٢، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٧٠.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٩٩، ٣٢١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب ٩، وابن ماجة في الأدب باب ٥٢.","vol":"8","page":195},{"text":"قلت وهذا حديث منكر جدا وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم والدارقطني وغير واحد، وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري من قوله مختصرا، وروى البيهقي في كتاب إثبات عذاب القبر عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا ما يشهد لهذا، وقد كتبناه في كتاب الجنائز من الأحكام الكبرى ولله الحمد والمنة.\nوقد روى الطبراني والحافظ الضياء المقدسي من طريق سلام بن مسكين عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾». وقال الترمذي: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا يحيى بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك: تبارك حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ: «هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي الباب عن أبي هريرة، ثم روى الترمذي أيضا من طريق ليث بن أبي سليم عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾، و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وقال ليث عن طاوس: يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن علاف الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:\n«لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» يعني ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، هذا الحديث غريب وإبراهيم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة يس، وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى، قال: اقرأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن ينجيه من عذاب النار وينجي بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ: «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي».\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1987>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)﴾","vol":"8","page":196},{"text":"يمجد تعالى نفسه الكريمة ويخبر أنه بيده الملك أي هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ واستدل بهذه الآية من قال إن الموت أمر وجودي، لأنه مخلوق، ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم أي يختبرهم أيهم أحسن عملا، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فسمى الحال الأول وهو العدم موتا وسمى هذه النشأة حياة، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا خليد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء» ورواه معمر عن قتادة.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي خير عملا كما قال محمد بن عجلان، ولم يقل أكثر عملا ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ أي هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب بعد ما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزا هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ أي طبقة بعد طبقة وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض أو متفاصلات بينهن خلاء، فيه قولان أصحهما الثاني كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره.\nوقوله تعالى: ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ أي بل هو مصطحب مستو ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة ولا نقص ولا عيب ولا خلل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو فطورا، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي شقوق (^١)، وقال السدي ﴿هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي من خروق، وقال ابن عباس في رواية ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾ أي من وهاء، وقال قتادة ﴿هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي هل ترى خللا يا ابن آدم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال قتادة: مرتين ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا﴾ قال ابن عباس: ذليلا، وقال مجاهد وقتادة: صاغرا ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يعني وهو كليل، وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير المنقطع من الإعياء، ومعنى الآية أنك لو كررت البصر مهما كررت لانقلب إليك أي لرجع إليك البصر ﴿خاسِئًا﴾ عن أن يرى عيبا أو خللا\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ١٦٥.","vol":"8","page":197},{"text":"﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر ولا يرى نقصا، ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ عاد الضمير في قوله ﴿وَجَعَلْناها﴾ على جنس المصابيح لا على عينها لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أي جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا وأعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة كما قال تعالى في أول الصافات: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ٦ - ١٠] قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال خلقها الله زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به، رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1988>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ إلى ١١]</span>\n﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَ﴾ أعتدنا ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي بئس المآل والمنقلب ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ قال ابن جرير (^٢): يعني الصياح ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحب القليل في الماء الكثير.\nوقوله تعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي تكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ يذكر تعالى عدله في خلقه، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٦٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٦٧، ولفظه: يعني بالشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار.","vol":"8","page":198},{"text":"لا تنفعهم الندامة فقالوا: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم. قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله ﷺ أنه قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم» وفي حديث آخر «لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة».\n\n<span data-type='title' id=toc-1989>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ إلى ١٥]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى بأنه له مغفرة وأجر كبير أي تكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين «سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» فذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (^٢).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عبيد عن ثابت عن أنس قال: قالوا يا رسول الله، إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره قال: «كيف أنتم وربكم؟» قالوا: الله ربنا في السر والعلانية، قال: «ليس ذلكم النفاق» لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عبيد فيما نعلمه، ثم قال منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما يخطر في القلوب.\n﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ أي ألا يعلم الخالق، وقيل معناه ألا يعلم الله مخلوقه؟ والأول أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهيأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٦٠، ٥/ ٢٩٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ٣٦، ومسلم في الزكاة حديث ٩١.","vol":"8","page":199},{"text":"عليكم شيئا إلا أن ييسره الله لكم.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ فالسعي في السبب لا ينافي التوكل كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبد الله بن هبيرة يقول: إنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا (^٢) وتروح بطانا» (^٣) رواه (^٤) الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث ابن هبيرة، وقال الترمذي: حسن صحيح، فأثبت لها رواحا وغدوا لطلب الرزق مع توكلها على الله ﷿ وهو المسخر المسير المسبب.\n﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي المرجع يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة:\n﴿مَناكِبِها﴾ أطرافها وفجاجها ونواحيها، وقال ابن عباس وقتادة أيضا: ﴿مَناكِبِها﴾ الجبال، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام الأزدي، حدثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ فقال لأم ولد له: إن علمت ﴿مَناكِبِها﴾ فأنت عتيقة فقالت: هي الجبال، فسأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1990>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ إلى ١٩]</span>\n﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾\nوهذه أيضا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره، وهو مع هذا يحلم ويصفح ويؤجل ولا يعجل كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] وقال هاهنا ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ أي تذهب وتجيء وتضطرب ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا﴾ أي ريحا فيها حصباء تدمغكم كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] وهكذا توعدهم هاهنا بقوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذب به.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من الأمم السالفة والقرون الخالية\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٠، ٥٢.\n(^٢) الخماص: الجياع.\n(^٣) البطان: امتلاء البطن، والشبع.\n(^٤) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٣، وابن ماجة في الزهد باب ١٤.","vol":"8","page":200},{"text":"﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم، أي عظيما شديدا أليما. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ أي تارة يصففن أجنحتهن في الهواء وتارة تجمع وتنشر جناحا ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ أي في الجو ﴿إِلاَّ الرَّحْمنُ﴾ أي بما سخر لهن من الهواء من رحمته ولطفه ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ أي بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، وهذه كقوله تعالى ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1991>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٧]</span>\n﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾\nيقول تعالى للمشركين الذين عبدوا معه غيره يبتغون عندهم نصرا ورزقا، منكرا عليهم فيما اعتقدوه ومخبرا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ أي ليس لكم من دونه من ولي ولا واق ولا ناصر لكم غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه يرزقكم بعده، أي لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا الله ﷿ وحده لا شريك له، أي وهم يعلمون ذلك ومع هذا يعبدون غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أي استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي في معاندة واستكبار ونفور على إدبارهم عن الحق لا يسمعون له ولا يتبعونه.\nثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبا على وجهه، أي يمشي منحنيا لا مستويا على وجهه أي لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب بل تائه حائر ضال، أهذا أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ أي منتصب القامة ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على طريق واضح بين وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة، هذا مثلهم في الدنيا وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم.\n﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ -","vol":"8","page":201},{"text":"٢٦] الآيات. أزواجهم: أشباههم. قال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نفيع، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: «أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم» (^٢) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق يونس بن محمد عن شيبان عن قتادة عن أنس به نحوه.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ أي ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي العقول والإدراك ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أي قلما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، وحلالكم وأشكالكم وصوركم ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، يجمعكم كما فرقكم ويعيدكم كما بدأكم. ثم قال تعالى مخبرا عن الكفار المنكرين للمعاد المستبعدين وقوعه ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله ﷿ لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي وإنما علي البلاغ وقد أديته إليكم.\nقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي لما قامت القيامة وشاهدها الكفار ورأوا أن الأمر كان قريبا لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك لما يعلمون ما لهم هناك من الشر أي فأحاط بهم ذلك وجاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ولا حساب ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨] ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي تستعجلون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1992>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي خلصوا أنفسكم فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة والرجوع إلى دينه ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا الله أو رحمنا فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي آمنا برب العالمين الرّحمن الرّحيم\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٦٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٥، باب ١، ومسلم في المنافقين حديث ٥٤.","vol":"8","page":202},{"text":"وعليه توكلنا في جميع أمورنا كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي منا ومنكم ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة.\nثم قال تعالى إظهارا للرحمة في خلقه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أي ذاهبا في الأرض إلى أسفل فلا ينال بالفؤوس الحداد ولا السواعد الشداد، والغائر عكس النابع ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أي نابع سائح جار على وجه الأرض، أي لا يقدر على ذلك إلا الله ﷿ فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة، فلله الحمد والمنة.\nآخر تفسير سورة الملك ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1993>تفسير سورة القلم</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-1994>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ إلى ٧]</span>\n﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾\nقد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة وأن قوله تعالى: ﴿ن﴾ كقوله ﴿ص﴾. ﴿ق﴾ ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا، وقيل: المراد بقوله ﴿ن﴾ حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان هو الثوري، حدثنا سليمان هو الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال:\nأول ما خلق الله القلم قال: اكتب. قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن أبي معاوية عن الأعمش به، وهكذا رواه شعبة ومحمد بن فضيل ووكيع عن الأعمش به.\nوزاد شعبة في روايته ثم قرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ وقد رواه شريك عن الأعمش عن أبي ظبيان أو مجاهد عن ابن عباس فذكر نحوه، ورواه معمر عن الأعمش أن ابن عباس قال:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٥.","vol":"8","page":203},{"text":"فذكره ثم قرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ ثم قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي ﷿ القلم ثم قال له:\nاكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء ثم كبس الأرض عليه.\nوقد روى الطبراني ذلك مرفوعا، فقال: حدثنا أبو حبيب زيد بن المهتدي المرودي، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت فقال للقلم: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة» ثم قرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ فالنون الحوت، والقلم القلم.\n[حديث آخر] في ذلك رواه ابن عساكر عن أبي عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون-أو ما هو كائن-من عمل أو رزق أو أثر أو أجل فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك ممن أبغضت».\nوقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال: كان يقال النون الحوت العظيم الذي تحت الأرض السابعة، وقد ذكر البغوي وجماعة من المفسرين أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السموات والأرض، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن، والله أعلم.\nومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا حميد عن أنس أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه فسأله عن أشياء قال إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ وما بال الولد ينزع إلى أمه؟ قال: «أخبرني بهن جبريل آنفا» قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت» (^٣) ورواه البخاري من طرق عن حميد ورواه مسلم أيضا، وله من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ نحو هذا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان أن حبرا\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٦.\n(^٢) المسند ٣/ ١٨٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢، باب ٦.","vol":"8","page":204},{"text":"سأل رسول الله ﷺ عن مسائل، فكان منها أن قال: فما تحفتهم، يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة، قال: «زيادة كبد الحوت» قال: فما غداؤهم على أثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه؟ قال «من عين فيها تسمى سلسبيلا» (^١) وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ لوح من نور.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري عن فرات بن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا مرسل غريب، وقال ابن جريج: أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام، وقيل المراد بقوله:\n﴿ن﴾ دواة، والقلم القلم. قال ابن جرير (^٣): حدثنا عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن وقتادة في قوله ﴿ن﴾ قالا هي الدواة، وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدا فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله النون وهي الدواة».\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله حدثنا ثابت الثمالي عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم: فقال اكتب.\nقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول به بر أو فجور أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة وللكتاب خزانا فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابن عباس: ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة يقولون ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥] فهو قسم منه تعالى وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم، ولهذا قال: ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني وما يكتبون. وقال أبو الضحى عن ابن عباس: ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ أي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٣٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٧، وفيه: الحسن بن شبيل المكتب بدل، الحسن بن شبيب المكتب.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٦، وفيه: ابن عبد الأعلى بدل عبد الأعلى.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٦.","vol":"8","page":205},{"text":"وما يعملون وقال السدي: وما يسطرون يعني الملائكة وما تكتب من أعمال العباد، وقال آخرون: بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف عام.\nوأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ويونس بن حبيب قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سليم السلمي عن عطاء، هو ابن أبي رباح، حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي، حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب، قال يا رب وما أكتب؟ قال اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد» (^١) وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به، وقال حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود في كتاب السنة من سننه عن جعفر بن مسافر عن يحيى بن حسان عن ابن رباح عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة، واسمه حبيش بن شريح الحبشي الشامي، عن عبادة فذكره.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء» غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَالْقَلَمِ﴾، يعني الذي كتب به الذكر. وقوله تعالى: ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ أي يكتبون كما تقدم.\nوقوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ أي لست ولله الحمد بمجنون كما يقوله الجهلة من قومك، المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي بل إن لك الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق وصبرك على أذاهم، ومعنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع كقوله ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: غير ممنون أي غير محسوب وهو يرجع إلى ما قلناه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: وإنك لعلى دين عظيم وهو الإسلام، وكذلك قال مجاهد وأبو مالك والسدي والربيع بن أنس، وكذا قال الضحاك وابن زيد. وقال عطية: لعلى أدب عظيم. وقال معمر عن قتادة: سئلت عائشة عن خلق\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في القدر باب ١٧، وتفسير سورة ٦٨، وأحمد في المسند ٥/ ٣١٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٧.","vol":"8","page":206},{"text":"رسول الله ﷺ قالت: كان خلقه القرآن تقول كما هو في القرآن. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت أخبرني يا أم المؤمنين عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم فقالت: كان خلقه القرآن (^١). هذا مختصر من حديث طويل، وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث قتادة بطوله، وسيأتي في سورة المزمل إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل حدثنا يونس عن الحسن قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن. وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أسود، حدثنا شريك عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: أما تقرأ القرآن؟ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال: قلت حدثيني عن ذاك. قالت:\nصنعت له طعاما وصنعت له حفصة طعاما، فقلت لجاريتي اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبل فاطرحي الطعام، قالت فجاءت بالطعام قالت فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت وكان نطع، قالت فجمعه رسول الله ﷺ وقال «اقتصوا-أو اقتصي شك أسود-ظرفا مكان ظرفك» قالت: فما قال شيئا.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة أم المؤمنين ﵂ فقلت لها: أخبريني بخلق النبي ﷺ، فقالت كان خلقه القرآن أما تقرأ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (^٥)؟ وقد روى أبو داود والنسائي من حديث الحسن نحوه. وقال ابن جرير (^٦): حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة ﵂ فسألتها عن خلق النبي ﷺ فقالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، وهكذا رواه أحمد (^٧) عن عبد الرّحمن بن مهدي، ورواه النسائي في التفسير عن إسحاق بن منصور عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ١٣٩.\n(^٢) المسند ٦/ ٢١٦.\n(^٣) المسند ٦/ ١١١.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ١٨٠.\n(^٥) أخرجه أبو داود في التطوع باب ٢٦، والنسائي في قيام الليل باب ٢.\n(^٦) تفسير الطبري ١٢/ ١٨٠.\n(^٧) المسند ٦/ ١٨٨.","vol":"8","page":207},{"text":"عبد الرّحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح به.\nومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرا ونهيا سجية له وخلقا تطبعه وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان ﷺ أحسن الناس خلقا ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ (^١)، وقال البخاري (^٢): حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال:\nسمعت البراء يقول كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها وأحسن الناس خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير والأحاديث في هذا كثيرة ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب الشمائل.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما له قط، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتي إليه إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله ﷿ وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» تفرد به.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية ستعلم ويعلمون يوم القيامة، وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي المجنون، وكذا قال مجاهد وغيره، وقال قتادة وغيره: بأيكم المفتون أي أولى بالشيطان، ومعنى المفتون ظاهر أي الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٣، ومسلم في الفضائل حديث ٨١، وأحمد في المسند ٣/ ١٠٧، ٢٠٠، ٢٢٢، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٦٥، ٢٧٠.\n(^٢) كتاب المناقب باب ٢٣.\n(^٣) المسند ٦/ ٢٣٢.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٨١.","vol":"8","page":208},{"text":"وتقديره فستعلم ويعلمون أو فستخبر ويخبرون بأيكم المفتون، والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1995>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ إلى ١٦]</span>\n﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾\nيقول تعالى كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون. وقال مجاهد ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (^١). ثم قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بإيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى واستعمالها في كل وقت في غير محلها، قال ابن عباس: المهين الكاذب، وقال مجاهد: هو الضعيف القلب، قال الحسن: كل حلاف مكابر مهين ضعيف.\nوقوله تعالى: ﴿هَمّازٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يعني الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (^٢) الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم من طرق عن مجاهد به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام أن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات» (^٤) رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن إبراهيم به، وحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري عن منصور عن إبراهيم عن همام عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات» يعني نماما (^٥)، وحدثني يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو سعيد الأحول عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة عن همام بن الحارث قال: مر رجل على حذيفة، فقيل إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢/ ١٨٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في الوضوء باب ٥٥، ومسلم في الطهارة حديث ١١١.\n(^٣) المسند ٥/ ٣٨٢، ٣٨٩، ٣٩١، ٣٩٧، ٤٠٢، ٤٠٤.\n(^٤) أخرجه البخاري في الأدب باب ٥٠، ومسلم في الإيمان حديث ١٦٩، ١٧٠، وأبو داود في الأدب باب ٣٣، والترمذي في البر باب ٧٩.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٨٩.","vol":"8","page":209},{"text":"فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، أو قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة قتات» (^١) وقال أحمد (^٢): حدثنا هشام، حدثنا مهدي عن واصل الأحدب عن أبي وائل قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث فقال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة نمام».\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بخياركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الذين إذا رأوا ذكر الله ﷿» ثم قال: «ألا أخبركم بشراركم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرآء العنت» (^٤) ورواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد عن يحيى بن سليم عن ابن خثيم به.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا سفيان عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن عبد الرّحمن بن غنم يبلغ به النبي ﷺ «خيار عباد الله الذين إذا رأوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العنت».\nوقوله تعالى: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي يمنع ما عليه وما لديه من الخير ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحل الله له يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾ أي يتناول المحرمات، وقوله تعالى:\n﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ أما العتل فهو الفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوع.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا وكيع وعبد الرّحمن عن سفيان عن معبد بن خالد عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر» وقال وكيع «كل جواظ جعظري مستكبر» (^٧) أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن معبد بن خالد به. وقال الإمام أحمد (^٨) أيضا: حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا موسى بن علي قال: سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال عند ذكر أهل النار «كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع» تفرد به أحمد.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٨٩.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٩١.\n(^٣) المسند ٦/ ٤٥٩.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في الطهارة باب ٢٦.\n(^٥) المسند ٤/ ٢٢٧.\n(^٦) المسند ٤/ ٣٠٦.\n(^٧) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٨، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٤٦، ٤٧، والترمذي باب ١٣، وابن ماجة في الزهد باب ٤.\n(^٨) المسند ٢/ ١٦٩، ٢١٤.","vol":"8","page":210},{"text":"قال أهل اللغة: الجعظري الفظ الغليظ. والجواظ الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد (^١):\nحدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد عن شهر بن حوشب عن عبد الرّحمن بن غنم قال: سئل رسول الله ﷺ عن العتل الزنيم فقال: «هو الشديد الخلق المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس رحيب الجوف» وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري والعتل الزنيم» وقد أرسله أيضا غير واحد من التابعين:\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن زيد بن أسلم قال:\nقال رسول الله ﷺ: «تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه. وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا مقضما فكان للناس ظلوما قال فذلك العتل الزنيم» وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين ونص عليه غير واحد من السلف، منهم مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم أن العتل هو المصحح الخلق الشديد القوى في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك.\nوأما الزنيم فقال البخاري (^٣): حدثنا محمود حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي حصين عن مجاهد عن ابن عباس ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة، ومعنى هذا أنه كان مشهورا بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها، وإنما الزنيم في لغة العرب هو الدعي في القوم، قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة، وقال: ومنه قول حسان بن ثابت، يعني يذم بعض كفار قريش: [الطويل] وأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نيط خلف الراكب القدح الفرد (^٤)\nوقال آخر:\nزنيم ليس يعرف من أبوه … بغيّ الأم ذو حسب لئيم (^٥)\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا أسباط عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ قال: الدعي الفاحش اللئيم. ثم قال ابن عباس: [الطويل] زنيم تداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عرض الأديم الأكارع (^٦)\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٢٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٨٥.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٨، باب ١.\n(^٤) البيت في ديوان حسان بن ثابت ص ١١٨، ولسان العرب (قدح)، (نوط)، (زنم)، وتهذيب اللغة ١٤/ ٢٩، وتاج العروس (قدح)، (نوط)، (زنم)، والأغاني ٤/ ١٤٨، وتفسير الطبري ١٢/ ١٨٥.\n(^٥) البيت بلا نسبة في تفسير الطبري ١٢/ ١٨٦.\n(^٦) البيت للخطيم التميمي في لسان العرب (زنم) ولحسان بن ثابت في ديوانه ص ١٤٣، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٣/ ٢٩، وأساس البلاغة (زنم)","vol":"8","page":211},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس: الزنيم الدعي، ويقال: الزنيم رجل كانت به زنمة يعرف بها، ويقال: هو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، وزعم أناس من بني زهرة أن الزنيم الأسود بن عبد يغوث الزهري وليس به.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه زعم أن الزنيم الملحق النسب، وقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس حدثنا ابن وهب حدثني سليمان بن بلال عن عبد الرّحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في هذه الآية ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عقبة بن خالد عن عامر بن قدامة قال: سئل عكرمة عن الزنيم قال: هو ولد الزنا.\nوقال الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشاة الزنماء، والزنماء من الشياه التي في عنقها هنتان معلقتان في حلقها. وقال الثوري عن جابر عن الحسن عن سعيد بن جبير قال: الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها والزنيم الملصق. رواه ابن جرير (^١)، وروي أيضا من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: نعت فلم يعرف حتى قيل زنيم. قال وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها قال: وقال آخرون كان دعيا.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن أصحاب التفسير قالوا:\nهو الذي تكون له زنمة مثل زنمة الشاة، وقال الضحاك: كانت له زنمة في أصل أذنه ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب، وقال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر، وقال مجاهد: الزنيم الذي يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة، وقال أبو رزين: الزنيم علامة الكفر، وقال عكرمة: الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها.\nوالأقوال في هذا كثيرة وترجع إلى ما قلناه وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر الذي يعرف به من بين الناس وغالبا يكون دعيا ولد زنا، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره كما جاء في الحديث «لا يدخل الجنة ولد زنا» (^٣) وفي الحديث الآخر «ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه» (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول تعالى:\nهذه مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين كفر بآيات الله ﷿ وأعرض عنها، وزعم أنها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٨٦.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٨٦.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٠٣.\n(^٤) أخرجه أبو داود في العتاق باب ١٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣١١، ٦/ ١٠٩.","vol":"8","page":212},{"text":"كذب مأخوذ من أساطير الأولين كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦].\nوقال تعالى هاهنا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ قال ابن جرير (^١): سنبين أمره بيانا واضحا حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم كما لا تخفى عليهم السمة على الخراطيم، وهكذا قال قتادة:\n﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ شين لا يفارقه آخر ما عليه، وفي رواية عنه. سيما على أنفه، وكذا قال السدي وقال العوفي عن ابن عباس ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ يقاتل يوم بدر فيخطم بالسيف في القتال.\nوقال آخرون ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سمة أهل النار يعني نسود وجهه يوم القيامة وعبر عن الوجه بالخرطوم. حكى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، ومال إلى أنه لا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة وهو متجه.\nوقد قال ابن أبي حاتم في سورة ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] حدثنا أبي حدثنا أبو صالح كاتب الليث حدثني خالد بن سعيد عن عبد الملك بن عبد الله، عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن العبد يكتب مؤمنا أحقابا ثم أحقابا ثم يموت والله عليه ساخط، وإن العبد يكتب كافرا أحقابا ثم أحقابا ثم يموت والله عليه راض، ومن مات همازا لمازا ملقبا للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشفتين».\n\n<span data-type='title' id=toc-1996>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ إلى ٣٣]</span>\n﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾\nهذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بعثة محمد ﷺ إليهم فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أي اختبرناهم ﴿كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ وهي البستان المشتمل على\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ١٨٩.","vol":"8","page":213},{"text":"أنواع الثمار والفواكه ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ أي حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي فيما حلفوا به، ولهذا حنثهم الله في أيمانهم فقال تعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ﴾ أي أصابتها آفة سماوية ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾.\nقال ابن عباس كالليل الأسود وقال الثوري والسدي مثل الزرع إذا حصد أي هشيما يبسا.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن أحمد بن الصباح أنبأنا بشير بن زاذان عن عمر بن صبح عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرّحمن بن سابط عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم.\n﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ أي القطع ﴿أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أي تريدون الصرام قال مجاهد: كان حرثهم عنبا ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ﴾ أي يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم. ثم فسر الله ﷾ عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به فقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي يقول بعضهم لبعض لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم، قال الله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أي قوة وشدة.\nوقال مجاهد ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أي جد، وقال عكرمة: على غيظ، وقال الشعبي ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ على المساكين، وقال السدي ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ أي كان اسم قريتهم حرد فأبعد السدي في قوله هذا ﴿قادِرِينَ﴾ أي عليها فيما يزعمون ويرومون ﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ﴾ أي فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها وهي على الحالة التي قال الله ﷿ قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة لا ينتفع بشيء منها فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق ولهذا قالوا ﴿إِنّا لَضَالُّونَ﴾ أي قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها قاله ابن عباس وغيره، ثم رجعوا عما كانوا فيه وتيقنوا أنها هي فقالوا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي بل هي هذه ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب.\n﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن أنس والضحاك وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ قال مجاهد والسدي وابن جريج ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أي لولا تستثنون قال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحا وقال ابن جريج: هو قول القائل إن شاء الله، وقيل معناه قال أوسطهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أي هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم.","vol":"8","page":214},{"text":"﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أتوا بالطاعة حيث لا تنفع وندموا واعترفوا حيث لا ينجع، ولهذا قالوا ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أي يلوم بعضهم بعضا على ما كانوا أصروا اليه من منع المساكين من حق الجذاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب ﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أي اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا.\n﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ قيل: رغبوا في بدلها لهم في الدنيا وقيل احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة والله أعلم. ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها ضروان على ستة أميال من صنعاء.\nوقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة وكانوا من أهل الكتاب.\nوقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة فكان ما يستغل منها يرد فيها ما يحتاج إليه ويدخر لعياله قوت سنتهم ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية رأس المال والربح والصدقة فلم يبق لهم شيء.\nقال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ أي هكذا عذاب من خالف أمر الله وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات وبدل نعمة الله كفرا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم وعذاب الآخرة أشق، وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن الجذاذ بالليل والحصاد بالليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1997>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٤ إلى ٤١]</span>\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١)﴾\nلما ذكر الله تعالى حال أهل الجنة الدنيوية وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله ﷿، وخالفوا أمره بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ أي أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء ولهذا قال: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي كيف تظنون ذلك؟ ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ يقول تعالى:\nأفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف متضمن حكما مؤكدا كما تدعونه؟ ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ","vol":"8","page":215},{"text":"الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ أي أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة؟ ﴿إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ أي أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي قل لهم من هو المتضمن المتكفل بهذا؟ قال ابن عباس: يقول أيهم بذلك كفيل ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ أي من الأصنام والأنداد ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1998>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٧]</span>\n﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾\nلما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم جنات النعيم، بيّن متى ذلك كائن وواقع فقال تعالى:\n﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ يعني يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء، والامتحان والأمور العظام.\nوقد قال البخاري هاهنا: حدثنا آدم حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول:\n«يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا (^١) واحدا (^٢)» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ وهو حديث طويل مشهور، وقد قال عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة، رواه ابن جرير (^٣) ثم قال حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن مسعود أو ابن عباس-الشك من ابن جرير- ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: عن أمر عظيم، كقول الشاعر: [الطويل] مالت الحرب عن ساق (^٤) وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: شدة الأمر، وقال ابن\n_________\n(^١) الطبق: فقار الظهر، أي أنه صار فقارهم كله كالفقار الواحد، فلا يستطيعون السجود.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٨، باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢، وأبو داود في الرقاق باب ٨٣، وأحمد في المسند ٣/ ١٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ١٩٧.\n(^٤) يروى البيت بتمامه: صبرا أمام إنّ شرّ باق وقامت الحرب بنا على ساق والبيت بلا نسبة في تفسير البحر المحيط لأبي حيان ٨/ ٣١٠، وفتح القدير ٥/ ٢٧٥، وتفسير الطبري ١٢/ ١٩٧.","vol":"8","page":216},{"text":"عباس: هي أول ساعة تكون في يوم القيامة، وقال ابن جرير عن مجاهد ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: شدة الأمر وجده، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ هو الأمر الشديد الفظيع من الهول يوم القيامة، وقال العوفي عن ابن عباس: قوله:\n﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه، وكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس: أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير (^١)، ثم قال (^٢): حدثني أبو زيد عمر بن شبّة، حدثنا هارون بن عمر المخزومي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ قال ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يعني عن نور عظيم يخرّون له سجدا» ورواه أبو يعلى عن القاسم بن يحيى عن الوليد بن مسلم به وفيه رجل مبهم والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب ﷿ فيسجد له المؤمنون ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقا واحدا كلما أراد أحدهم أن يسجد خرّ لقفاه عكس السجود، كما كانوا في الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون.\nثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن، وهذا تهديد شديد أي دعني وإياه مني ومنه أنا أعلم به منه كيف أستدرجه وأمده في غيه وأنظر ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي وهم لا يشعرون بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة وهو في نفس الأمر إهانة، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] وقال تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولهذا قال هاهنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي وأؤخرهم وأنظرهم وأمدهم وذلك من كيدي ومكري بهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي عظيم لمن خالف أمري وكذب رسلي واجترأ على معصيتي.\nوفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (^٣) ثم قرأ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:\n_________\n(^١) تفسير الطبري: ١٢/ ١٩٧، ١٩٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢٠٠.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٢، وابن ماجة في الفتن باب ٢٢.","vol":"8","page":217},{"text":"١٠٢] وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ تقدم تفسيرها في سورة الطور، والمعنى في ذلك أنك يا محمد تدعوهم إلى الله ﷿ بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى، وهم يكذبون بما جئتهم به بمجرد الجهل والكفر والعناد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1999>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٨ إلى ٥٢]</span>\n﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن الله سيحكم لك عليهم ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني ذا النون وهو يونس بن متى ﵇ حين ذهب مغاضبا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير الذي لا يرد ما أنفذه من التقدير فحينئذ نادى في الظلمات ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] وقال هاهنا: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والسدي: وهو مغموم.\nوقال عطاء الخراساني وأبو مالك: مكروب وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] خرجت الكلمة تحفّ حول العرش فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال الله ﵎: أما تعرفون هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا يونس، قالوا: يا رب عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة؟ قال: نعم، قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» (^٢) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وقوله تعالى:\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٩٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٢٤، ٣٥، وتفسير سورة ٤ باب ٦، وسورة ٦، باب ٤، والتوحيد باب د، وأبو داود في السنة باب ١٣، والترمذي في الصلاة باب ٢٠.","vol":"8","page":218},{"text":"﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لينفذونك ﴿بِأَبْصارِهِمْ﴾ أي يعينونك بأبصارهم بمعنى يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ﷿، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.\n[حديث أنس بن مالك ﵁] قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا شريك (ح) وحدثنا العباس العنبري، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك عن العباس بن ذريح عن الشعبي، قال العباس عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا رقية إلا من عين أو حمة (^١) أو دم لا يرقأ» (^٢) لم يذكر العباس العين، وهذا لفظ سليمان (^٣).\n[حديث بريدة بن الحصيب ﵁] قال أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن حصين عن الشعبي عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ: «لا رقية إلا من عين أو حمة» (^٤) هكذا رواه ابن ماجة، وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن سعيد بن منصور عن هشيم عن حصين بن عبد الرّحمن عن عامر الشعبي عن بريدة موقوفا وفيه قصة، وقد رواه شعبة عن حصين عن الشعبي عن بريدة قاله الترمذي. وروى هذا الحديث الإمام البخاري من حديث محمد بن فضيل وأبو داود من حديث مالك بن مغول والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن حصين عن عامر الشعبي عن عمران بن حصين موقوفا «لا رقية إلا من عين أو حمة».\n[حديث أبي ذر جندب بن جنادة ﵁] قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة بن البرند السامي، حدثنا ديلم بن غزوان، حدثنا وهب بن أبي دبى عن أبي حرب عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العين لتولع الرجل بإذن الله فيتصاعد حالقا ثم يتردى منه» إسناده غريب ولم يخرجوه.\n[حديث حابس التميمي] قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حرب حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حية بن حابس التميمي أن أباه أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:\n_________\n(^١) الحمة: السم\n(^٢) دم لا يرقأ: أي دم لا ينقطع.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الطب باب ١٨.\n(^٤) أخرجه البخاري في الطب باب ١٧، ومسلم في الإيمان حديث ٣٧٤، وأبو داود في الطب باب ١٧، ١٨، والترمذي في الطب باب ١٥، وأحمد في المسند ١/ ٢٧١، ٣/ ١١٨، ١١٩، ١٢٧، ٤٨٦، ٦/ ٤٣٦، ٤٣٨، ٤٤٦.\n(^٥) المسند ٥/ ٧٠.","vol":"8","page":219},{"text":"«لا شيء في الهام والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل» (^١) وقد رواه الترمذي عن عمرو بن علي عن أبي غسان يحيى بن أبي كثير عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به ثم قال غريب.\nوقال: وروى سنان عن يحيى بن أبي كثير عن حية بن حابس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قلت: كذلك رواه الإمام أحمد (^٢) عن حسن بن موسى، وحسين بن محمد عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن حيّة، حدثه عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:\n«لا بأس في الهام، والعين حق وأصدق الطيرة الفأل».\n[حديث ابن عباس ﵁] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان عن دويد، حدثني إسماعيل بن ثوبان عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:\n«العين حق، العين حق تستنزل الحالق» غريب.\n[طريق أخرى] قال مسلم في صحيحه حدثنا عبد الله بن عبد الرّحمن الدارمي، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:\n«العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا» (^٤) انفرد به دون البخاري. وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين يقول: «أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة» (^٥) ويقول هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵉ أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث المنهال به.\n[حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف ﵁] قال ابن ماجة: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة (^٦)، فما لبث أن لبط (^٧) به فأتي به رسول الله ﷺ فقيل له أدرك سهلا صريعا قال: «من تتهمون به» قالوا: عامر بن ربيعة قال:\n«علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه منا يعجبه فليدع له بالبركة» ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الطب باب ١٩.\n(^٢) المسند ٥/ ٧٠.\n(^٣) المسند ١/ ٢٧٤، ٢٩٤.\n(^٤) أخرجه مسلم في السّلام حديث ٤١، والترمذي في الطب باب ١٩.\n(^٥) أخرجه البخاري في الأنبياء باب ١٠، وأبو داود في السنة باب ٢٠، والترمذي في الطب باب ١٨، وابن ماجة في الطب باب ١٨، وأحمد في المسند ١/ ٢٣٦، ٢٧٠.\n(^٦) المخبأة: الجارية التي في خدرها لم تتزوج بعد.\n(^٧) لبط: أي صرع وسقط على الأرض.","vol":"8","page":220},{"text":"قال سفيان قال معمر عن الزهري وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه (^١)، وقد رواه النسائي من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس كلاهما عن الزهري به، ومن حديث سفيان بن عيينة به أيضا عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة ويكفأ الإناء من خلفه ومن حديث ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف عن أبيه به، ومن حديث مالك أيضا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه به.\n[حديث أبي سعيد الخدري] قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك (^٢)، ورواه الترمذي والنسائي من حديث سعيد بن إياس أبي مسعود الجريري به وقال الترمذي: حسن.\n[حديث آخر عنه] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن صهيب، حدثني أبو نضرة عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال:\nاشتكيت يا محمد؟ قال: «نعم» قال: «باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين تشنيك والله يشفيك، باسم الله أرقيك» (^٤). ورواه عن عفان عن عبد الوارث مثله، ورواه مسلم وأهل السنن إلا أبا داود من حديث عبد الوارث به.\nوقال الإمام أحمد (^٥) أيضا: حدثنا عفان، حدثنا وهيب حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد أو عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ اشتكى فأتاه جبريل فقال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين والله يشفيك. ورواه أيضا عن محمد بن عبد الرّحمن الطفاوي عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد به قال أبو زرعة الرازي: روى عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن عبد العزيز عن أبي نضرة وعن عبد العزيز عن أنس في معناه، وكلاهما صحيح.\n[حديث أبي هريرة ﵁] قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن العين حق» (^٧) أخرجاه\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الطب باب ٣٢.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الطب باب ١٦، والنسائي في الاستعاذة، باب ٣٧، وابن ماجة في الطب باب ٣٣.\n(^٣) المسند ٣/ ٢٨، ٥٦.\n(^٤) أخرجه مسلم في السّلام حديث ٤٠، والترمذي في الجنائز باب ٤، وابن ماجة في الطب باب ٣٦، ٣٧.\n(^٥) المسند ٣/ ٥٨، ٧٥.\n(^٦) المسند ٢/ ٣١٨، ٣١٩.\n(^٧) أخرجه البخاري في الطب باب ٣٦، ومسلم في السّلام حديث ٤١، ٤٢.","vol":"8","page":221},{"text":"من حديث عبد الرزاق. وقال ابن ماجة (^١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل ابن علية عن الجريري عن مضارب بن حزن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «العين حق» تفرد به. ورواه أحمد (^٢) عن إسماعيل ابن علية عن سعيد الجريري به، وقال الإمام أحمد (^٣) حدثنا ابن نمير حدثنا ثور يعني ابن يزيد عن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم» وقال أحمد (^٤): حدثنا خلف بن الوليد حدثنا أبو معشر عن محمد بن قيس: سئل أبو هريرة هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: الطيرة في ثلاث: في المسكن والفرس والمرأة؟ قال: قلت إذا أقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول «أصدق الطيرة الفأل، والعين حق».\n[حديث أسماء بنت عميس] قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة الزرقي قال: قالت أسماء يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين» (^٦) وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة به، ورواه الترمذي أيضا والنسائي من حديث عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة عن أسماء بنت عميس به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n[حديث عائشة ﵂] قال ابن ماجة: حدثنا علي بن أبي الخصيب حدثنا وكيع عن سفيان ومسعر، عن معبد بن خالد عن عبد الله بن شداد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمرها أن تسترقي من العين (^٧). ورواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان عن معبد بن خالد به، وأخرجه مسلم من حديث سفيان ومسعر كلاهما عن معبد به، ثم قال ابن ماجة (^٨) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو هشام المخزومي حدثنا وهيب عن أبي واقد عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «استعيذوا بالله فإن العين حق» تفرد به. وقال أبو داود (^٩): حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن\n_________\n(^١) كتاب الطب باب ٣٢.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٨٧.\n(^٣) المسند ٢/ ٤٣٩.\n(^٤) المسند ٢/ ٢٨٩.\n(^٥) المسند ٦/ ٤٣٨.\n(^٦) أخرجه الترمذي في الطب باب ١٧، وابن ماجة في الطب باب ٣٣، ومالك في العين حديث ٣.\n(^٧) أخرجه البخاري في الطب باب ٣٥، ومسلم في السّلام حديث ٥٤، ٥٨، والترمذي في الطب باب ١٧، وابن ماجة في الطب باب ٣٣.\n(^٨) كتاب الطب باب ١٧.\n(^٩) كتاب الطب باب ١٥.","vol":"8","page":222},{"text":"الأسود عن عائشة قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل منه المعين. قلت كذلك رواه أحمد عن حسن بن موسى وحسين بن محمد عن سنان أن ابن حسنة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا بأس في الهام الهام، والعين حق وأصدق الطيرة الفأل».\n[حديث سهل بن حنيف] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسين بن محمد. حدثنا أبو أويس.\nحدثنا الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ خرج وساروا معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل فأتي رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل! والله ما يرفع رأسه ولا يفيق، قال: «هل تتهمون فيه من أحد؟» قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة فدعا رسول الله ﷺ عامرا فتغيظ عليه وقال: «علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ -ثم قال-اغتسل له» فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه فصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس.\n[حديث عامر بن ربيعة] قال الإمام أحمد (^٢) في مسنده: حدثنا وكيع، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عيسى عن أمية بن هند بن سهل بن حنيف عن عبيد الله بن عامر قال: انطلق عامر بن ربيعة وسهل بن حنيف يريدان الغسل، قال فانطلقا يلتمسان الخمر (^٣). قال فوضع عامر جبة كانت عليه من صوف فنظرت إليه فأصبته بعيني فنزل الماء يغتسل، قال فسمعت له في الماء فرقعة فأتيته فناديته ثلاثا فلم يجبني، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال فجاء يمشي فخاض الماء فكأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال فضرب صدره بيده ثم قال: «اللهم اصرف عنه حرها وبردها ووصبها» (^٤) قال فقام، فقال رسول الله ﷺ: «إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله ما يعجبه فليبرك فإن العين حق».\n[حديث جابر] قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو داود، حدثنا طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل الأنصاري، ويقال له ابن الضجيع ضجيع حمزة ﵁، حدثني عبد الرّحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس» قال البزار يعني\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٤٨٦، ٤٨٧.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٤٧.\n(^٣) الخمر: كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره.\n(^٤) الوصب: دوام الوجع ولزومه.","vol":"8","page":223},{"text":"العين قال: ولا نعلم يروى هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد. قلت: بل قد روي من وجه آخر عن جابر.\nقال الحافظ أبو عبد الرّحمن محمد بن المنذر الهروي المعروف بشكر في كتاب العجائب، وهو مشتمل على فوائد جليلة وغريبة: حدثنا الرهاوي، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا علي بن أبي علي الهاشمي، حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «العين حق لتورد الرجل القبر والجمل القدر وإن أكثر هلاك أمتي في العين». ثم رواه عن شعيب بن أيوب عن معاوية بن هشام عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «قد تدخل الرجل العين في القبر وتدخل الجمل القدر». وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات ولم يخرجوه.\n[حديث عبد الله بن عمرو] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين بن سعد عن الحسن بن ثوبان عن هشام بن أبي رقية عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد والعين حق» تفرد به أحمد.\n[حديث عن علي] روى الحافظ ابن عساكر من طريق خيثمة بن سليمان الحافظ، حدثنا عبيد بن محمد الكشوري، حدثنا عبد الله بن عبد الله بن عبد ربه البصري عن أبي رجاء عن شعبة، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فوافقه مغتما فقال: يا محمد ما هذا الغم الذي أراه في وجهك: قال: «الحسن والحسين أصابتهما عين» قال: صدق بالعين فإن العين حق أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات؟ قال «وما هن يا جبريل؟» قال: قل اللهم ذا السلطان العظيم والمن القديم، ذا الوجه الكريم ولي الكلمات التامات والدعوات المستجابات، عاف الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس، فقالها النبي ﷺ، فقاما يلعبان بين يديه فقال النبي ﷺ «عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله».\nقال الخطيب البغدادي: تفرد بروايته أبو رجاء محمد بن عبيد الله الحبطي من أهل تستر، ذكره ابن عساكر في ترجمة طراد بن الحسين من تاريخه، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي يزدرونه بأعينهم ويؤذونه بألسنتهم ويقولون ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي لمجيئه بالقرآن قال الله تعالى: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ آخر تفسير سورة ن ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٢٢.","vol":"8","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2000>تفسير سورة الحاقة</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2001>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ إلى ١٢]</span>\n﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ (٥) وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)﴾\nالحاقة من أسماء يوم القيامة لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد ولهذا عظم الله أمرها فقال:\n﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ وهي الصيحة التي أسكتتهم والزلزلة التي أسكنتهم، هكذا قال قتادة الطاغية الصيحة، وهو اختيار ابن جرير (^١)، وقال مجاهد: الطاغية الذنوب، وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد إنها الطغيان وقرأ ابن زيد ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] وقال السدي ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ قال يعني عاقر الناقة.\n﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أي باردة قال قتادة والسدي والربيع بن أنس والثوري ﴿عاتِيَةٍ﴾ أي شديدة الهبوب، قال قتادة. عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. وقال الضحاك:\n﴿صَرْصَرٍ﴾ باردة ﴿عاتِيَةٍ﴾ عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، وقال علي وغيره: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب.\n﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ أي سلطها عليهم ﴿سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا﴾ أي كوامل متتابعات مشائيم، قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والثوري وغيرهم: ﴿حُسُومًا﴾ متتابعات، وعن عكرمة والربيع بن خثيم مشائيم عليهم كقوله تعالى: ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال الربيع: وكان أولها الجمعة وقال غيره الأربعاء، ويقال إنها التي تسميها الناس الأعجاز، وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ وقيل لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال أيام العجوز لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فقتلها الريح في اليوم الثامن، حكاه البغوي والله أعلم.\nقال ابن عباس: ﴿خاوِيَةٍ﴾ خربة، وقال غيره: بالية أي جعلت الريح تضرب بأحدهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٠٥.","vol":"8","page":225},{"text":"الأرض فيخر ميتا على أم رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان. وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» (^١) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي حدثنا ابن فضيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها قالوا هذا عارض ممطرنا، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة».\nوقال الثوري عن ليث عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ أي هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفا.\nثم قال تعالى: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرئ بكسر القاف أي ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط، وقرأ آخرون بفتحها أي ومن قبله من الأمم المشبهين له. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ﴾ وهم الأمم المكذبون بالرسل ﴿بِالْخاطِئَةِ﴾ بالفعلية الخاطئة وهي التكذيب بما أنزل الله قال الربيع ﴿بِالْخاطِئَةِ﴾ أي بالمعصية، وقال مجاهد: بالخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا جنس أي كل كذب رسول الله إليهم كما قال تعالى ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع كما قال تعالى:\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ أي عظيمة شديدة أليمة، قال مجاهد: ﴿رابِيَةً﴾ شديدة، وقال السدي: مهلكة.\nثم قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾ أي زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود، وقال ابن عباس وغيره: «طغى الماء» كثر، وذلك بسبب دعوة نوح ﵇ على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له وعم أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن أبي سنان سعيد بن سنان عن غير واحد عن علي بن أبي طالب قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان فطغى الماء على الخزان، فخرج فذلك قوله تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب ٢٦، ومسلم في الاستسقاء حديث ١٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢١٢.","vol":"8","page":226},{"text":"أي زاد على الحد بإذن الله ﴿حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ أي عتت على الخزان، ولهذا قال تعالى ممتنا على الناس: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ وهي السفينة الجارية على وجه الماء ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه أي وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤].\nوقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢] وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، والأول أظهر ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أي وتفهم هذه النعمة وتذكرها أذن واعية، قال ابن عباس: حافظة سامعة. وقال قتادة: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله، وقال الضحاك ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ سمعتها أذن ووعت أي من له سمع صحيح وعقل رجيح، وهذا عام في كل من فهم ووعى.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد بن صبيح الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب: سمعت مكحولا يقول: لما نزل على رسول الله ﷺ ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قال رسول الله ﷺ: «سألت ربي أن يجعلها أذن علي» قال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئا قط فنسيته، وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم عن علي بن حوشب عن مكحول به وهو حديث مرسل.\nوقد قال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد يعني والد أبي أحمد الزبيري، حدثني صالح بن الهيثم: سمعت بريدة الأسلمي يقول: قال رسول الله ﷺ لعلي «إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي وحق لك أن تعي» قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ ورواه ابن جرير عن محمد بن خلف عن بشر بن آدم به. ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن أبي داود الأعمى عن بريدة به ولا يصح أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2002>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٣ إلى ١٨]</span>\n﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَاِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن أهوال يوم القيامة وأول ذلك نفخة الفزع ثم يعقبها نفخة الصعق حين","vol":"8","page":227},{"text":"يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور وهي هذه النفخة، وقد أكدها هاهنا بأنها واحدة لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد، وقال الربيع: هي النفخة الأخيرة والظاهر ما قلناه، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أي فمدت مد الأديم العكاظي وتبدلت الأرض غير الأرض ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ أي قامت القيامة ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قال سماك عن شيخ من بني أسد عن علي قال: تنشق السماء من المجرة، رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جريج: هي كقوله ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا﴾ [النبأ: ١٢] وقال ابن عباس:\nمتخرقة والعرش بحذائها ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ الملك اسم جنس أي الملائكة على أرجاء السماء، قال ابن عباس: على ما لم يه منها أي حافاتها، وكذا قال سعيد بن جبير والأوزاعي، وقال الضحاك: أطرافها، وقال الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس في قوله:\n﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ يقول: على ما استدق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أي يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العظيم أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب. وفي حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش أنهم ثمانية أو عال (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو السمح البصري، حدثنا أبو قبيل حيي بن هانئ أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: كتب إلي أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه مخفق الطير سبعمائة عام» وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات.\nوقد رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (^٢) هذا لفظ أبي داود.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٨، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣، وأحمد في المسند ١/ ٢٠٦.\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٨.","vol":"8","page":228},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قال:\nثمانية صفوف من الملائكة قال: وروي عن الشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج مثل ذلك، وكذا روى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: ثمانية صفوف، وكذا روى العوفي عنه، وقال الضحاك عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء كل جزء منهم بقدر الإنس والجن والشياطين والملائكة.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ أي تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال تعالى: ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ وقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا علي بن علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» (^٢) ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع به وقد رواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن علي بن علي عن الحسن عن أبي هريرة به، وقد روى ابن جرير (^٣) عن مجاهد بن موسى عن يزيد عن سليمان بن حيان عن مروان الأصغر عن أبي وائل عن عبد الله قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا مثله.\n\n<span data-type='title' id=toc-2003>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٩ إلى ٢٤]</span>\n﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)﴾\nيخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ أي خذوا اقرءوا كتابيه لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة، لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات. قال عبد الرّحمن بن زيد: معنى\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤١٤.\n(^٢) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٤، وابن ماجة في الزهد باب ٣٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٢١٧.","vol":"8","page":229},{"text":"﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ أي ها اقرءوا كتابيه وؤم زائدة كذا قال، والظاهر أنها بمعنى هاكم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول عن أبي عثمان قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئة تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، قال: فعند ذلك يقول: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾. وحدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدي أي يظهر سيئاته في ظهر صحيفته فيقول له أنت عملت هذا، فيقول نعم أي رب، فيقول له إني لم أفضحك به وإني قد غفرت لك فيقول عند ذلك ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ حين نجا من فضيحته يوم القيامة.\nوقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدني الله العبد يوم القيامة فيقرره بذنوبه كلها حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله تعالى إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» (^١) وقوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أي قد كنت موقنا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي مرضية ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أي رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني، حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام الأسود قال:\nسمعت أبا أمامة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال «نعم إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين تقصر بهم أعمالهم». وقد ثبت في الصحيح «إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» (^٢). وقال تعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ قال البراء بن عازب: أي قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره، وكذا قال غير واحد.\nقال الطبراني عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الرّحمن بن زياد بن أنعم عن عطاء بن يسار عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المظالم باب ٢، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣، وأحمد في المسند ٢/ ٧٤.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٣٥.","vol":"8","page":230},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» وكذا رواه الضياء في صفة الجنة من طريق سعدان بن سعيد عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان عن رسول الله ﷺ قال: «يعطى المؤمن جوازا على الصراط: بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية».\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ أي يقال لهم ذلك تفضلا عليهم وامتنانا وإنعاما وإحسانا، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2004>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٥ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)﴾\nوهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله، فحينئذ يندم غاية الندم ﴿فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها، وكذا قال محمد بن كعب والربيع والسدي، وقال قتادة:\nتمنى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أي لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه، بل خلص إلي وحدي فلا معين لي ولا مجير، فعندها يقول الله ﷿: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر فتغله أي تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها أي تغمره فيها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى خذوه ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفا في النار. وروى ابن أبي الدنيا في الأهوال أنه يبتدره أربعمائة ألف ولا يبقى شيء إلا دقه، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: إن الرب عليك غضبان فكل شيء غضبان عليك، وقال الفضيل بن عياض: إذا قال الرب ﷿ خذوه فغلوه ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي اغمروه فيها.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال كعب الأحبار: كل حلقة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٨، ومسلم في المنافقين حديث ٧١، ٧٦، ٧٨.","vol":"8","page":231},{"text":"منها قدر حديد الدنيا، وقال العوفي عن ابن عباس وابن جريج: بذراع الملك، وقال ابن جريج: قال ابن عباس ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تدخل في استه ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى. وقال العوفي عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن رصاصة مثل هذه-وأشار إلى جمجمة-أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها» (^٢) وأخرجه الترمذي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى، ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض النبي ﷺ وهو يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» (^٣) وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ﴾ أي ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله تعالى لا حميم وهو القريب، ولا شفيع يطاع، ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين، قال قتادة: هو شر طعام أهل النار. وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين ولكني أظنه الزقوم. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال: الغسلين الدم والماء يسيل من لحومهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه: الغسلين صديد أهل النار (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2005>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٣]</span>\n﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣)﴾\nيقول تعالى مقسما لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٩٧.\n(^٢) أخرجه الترمذي في صفة جهنم باب ٦.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٧٨، ٣/ ١١٧، ٦/ ٢٩٠، ٣١١، ٣١٥، ٣٢١.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٢٢١.","vol":"8","page":232},{"text":"على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة فقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني محمدا ﷺ، أضافه إليه على معنى التبليغ، لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] وهذا جبريل ﵇، ثم قال تعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] يعني محمدا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] يعني أن محمدا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] أي بمتهم.\n﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٥] وهكذا قال هاهنا ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ فأضافه الله تارة إلى قول الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري، لأن كلا منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه، ولهذا قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا شريح بن عبيد قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال: فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ قال: فقلت كاهن، قال: فقرأ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ إلى آخر السورة قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موضع، فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب ﵁، كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2006>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٤ إلى ٥٢]</span>\n﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا﴾ أي محمد ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا وليس كذلك لعاجلناه بالعقوبة، ولهذا قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قيل: معناه لانتقمنا منه باليمين لأنها أشد في البطش، وقيل لأخذنا منه بيمينه ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال ابن عباس: وهو نياط القلب وهو العرق الذي القلب معلق فيه، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحكم وقتادة والضحاك، ومسلم البطين\n_________\n(^١) المسند ١/ ١٧، ١٨.","vol":"8","page":233},{"text":"وأبو صخر حميد بن زياد، وقال محمد بن كعب هو القلب ومراقه وما يليه. وقوله تعالى:\n﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أي فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئا من ذلك. والمعنى في هذا بل هو صادق بار راشد لأن الله ﷿ مقرر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني القرآن كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] ثم قال تعالى:\n﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أي مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ قال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة. وحكاه عن قتادة بمثله، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ يقول لندامة، ويحتمل عود الضمير على القرآن، أي وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين كما قال تعالى: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشعراء: ٢٠٠ - ١٠١:] وقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال هاهنا ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي الخبر الصادق الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب، ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي الذي أنزل هذا القرآن العظيم.\nآخر تفسير سورة الحاقة ولله الحمد والمنة\n\n<span data-type='title' id=toc-2007>تفسير سورة المعارج</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2008>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ إلى ٧]</span>\n﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَراهُ قَرِيبًا (٧)﴾\n﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ فيه تضمين دل عليه حرف الباء كأنه مقدر استعجل سائل بعذاب واقع كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] أي وعذابه واقع لا محالة. قال النسائي: حدثنا بشر بن خالد، حدثنا أبو أسامة حدثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قال","vol":"8","page":234},{"text":"النضر بن الحارث بن كلدة وقال العوفي عن ابن عباس ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قال: «ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله» وهو واقع بهم (^١)، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى:\n﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ دعا داع بعذاب واقع يقع في الآخرة قال وهو قولهم ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقال ابن زيد وغيره ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ أي واد في جهنم يسيل يوم القيامة بالعذاب وهذا القول ضعيف بعيد عن المراد، والصحيح الأول لدلالة السياق عليه.\nوقوله تعالى: ﴿واقِعٍ لِلْكافِرينَ﴾ أي مرصد معد للكافرين، وقال ابن عباس: واقع جاء ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ أي لا دافع له إذا أراد الله كونه ولهذا قال تعالى: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ قال الثوري عن الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ذِي الْمَعارِجِ﴾ قال: ذو الدرجات، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ذِي الْمَعارِجِ﴾ يعني العلو والفواضل، وقال مجاهد: ﴿ذِي الْمَعارِجِ﴾ معارج السماء، وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم. وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿تَعْرُجُ﴾ تصعد، وأما الروح فقال أبو صالح: هم خلق من خلق الله يشبهون الناس وليسوا ناسا.\nقلت ويحتمل أن يكون المراد به جبريل ويكون من باب عطف الخاص على العام، ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم فإنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء كما دل عليه حديث البراء، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث المنهال عن زاذان عن البراء مرفوعا الحديث بطوله في قبض الروح الطيبة قال فيه: «فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله» والله أعلم بصحته.\nفقد تكلم في بعض رواته ولكنه مشهور، وله شاهد في حديث أبي هريرة فيما تقدم من رواية الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة من طريق ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عنه، وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة، وقد بسطنا لفظه عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\nوقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فيه أربعة أقوال: [أحدها] أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل السافلين، وهو قرار الأرض السابعة وذلك مسيرة خمسين ألف سنة، هذا ارتفاع العرش عن المركز الذي في وسط الأرض السابعة، وكذلك اتساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة خمسين ألف سنة، وإنه من ياقوتة حمراء كما ذكره ابن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٢٥.","vol":"8","page":235},{"text":"أبي شيبة في كتاب صفة العرش.\nوقد قال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا حكام عن عمر بن معروف عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات مقدار خمسين ألف سنة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ يعني بذلك حين ينزل الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مقدار مسيرة خمسمائة عام وقد رواه ابن جرير عن ابن حميد عن حكام بن سالم عن عمرو بن معروف عن ليث عن مجاهد قوله، لم يذكر ابن عباس.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا نوح المؤدب عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس قال: غلظ كل أرض خمسمائة عام وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، فذلك سبعة آلاف عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام وبين السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.\n[القول الثاني] أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: الدنيا عمرها خمسون ألف سنة، وذلك عمرها يوم سماها الله ﷿ يوما ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ قال: اليوم الدنيا، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن الحكم بن أبان عن عكرمة ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: الدنيا من أولها إلى آخرها مقدار خمسين ألف سنة لا يدري أحدكم مضى ولا كم بقي إلا الله ﷿.\n[القول الثالث] أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة وهو قول غريب جدا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا بهلول بن المورق، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني محمد بن كعب ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة.\n[القول الرابع] أن المراد بذلك يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرّحمن بن مهدي عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: يوم القيامة وإسناده صحيح ورواه الثوري عن سماك بن حرب عن عكرمة ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يوم القيامة وكذا قال","vol":"8","page":236},{"text":"الضحاك وابن زيد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: فهذا هو يوم القيامة جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة.\nوقد وردت أحاديث في معنى ذلك. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قيل لرسول الله ﷺ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطول هذا اليوم، فقال رسول الله: «والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به، إلا أن دراجا وشيخه أبا الهيثم ضعيفان والله أعلم وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي عمر الغداني قال: كنت عند أبي هريرة فمر رجل من بني عامر بن صعصعة فقيل له هذا أكثر عامري مالا، فقال أبو هريرة، ردوه إلي فردوه فقال: نبئت أنك ذو مال كثير. فقال العامري: إي والله إن لي لمائة حمرا ومائة أدما حتى عد من ألوان الإبل وأفنان الرقيق ورباط الخيل، فقال أبو هريرة:\nإياك وأخفاف الإبل وأظلاف النعم، يردد ذلك عليه حتى جعل لون العامري يتغير فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها» قلنا: يا رسول الله ما نجدتها ورسلها؟ قال: «في عسرها ويسرها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذّ (^٣) ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره (^٤)، ثم يبطح (^٥) لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفافها فإذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء ولا عضباء، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، وإذا كانت له غنم لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأسمنه وآشره حتى يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٧٥.\n(^٢) المسند ٢/ ٤٨٩، ٤٩٠.\n(^٣) كأغذ: أي كأسرع وأنشط.\n(^٤) آشره: أي أبطره وأنشطه.\n(^٥) يبطح: أي يلقى على وجهه.","vol":"8","page":237},{"text":"عقصاء (^١) ولا عضباء (^٢) إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله» فقال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال: أن تعطى الكريمة (^٣) وتمنح الغزيرة (^٤) وتفقر الظهر (^٥) وتسقي اللبن وتطرق الفحل (^٦) وقد رواه أبو داود (^٧) من حديث شعبة والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة به.\n[طريق أخرى لهذا الحديث] قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» وذكر بقية الحديث في الغنم والإبل كما تقدم، وفيه:\n«الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر» (^٩) إلى آخره ورواه مسلم في صحيحه بتمامه منفردا به دون البخاري من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وموضع استقصاء طرقه وألفاظه في كتاب الزكاة في كتاب الأحكام، والغرض من إيراده هاهنا قوله:\n«حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة».\nوقد روى ابن جرير (^١٠) عن يعقوب عن ابن علية وعبد الوهاب عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن قوله ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة قال فاتهمه، فقال: إنما سألتك لتحدثني، قال: ما يومان ذكرهما الله، والله أعلم بهما وأكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أي اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك واستعجالهم العذاب استبعادا لوقوعه كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] ولهذا قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أي وقوع العذاب. وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع بمعنى مستحيل الوقوع ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ أي\n_________\n(^١) العقصاء: الملتوية القرنين.\n(^٢) العضباء: المكسورة القرن.\n(^٣) أي العزيزة على صاحبها.\n(^٤) الغزيرة: كثيرة اللبن.\n(^٥) أفقر الظهر: أي أعاره للركوب.\n(^٦) أطرق الفحل: أعاره للضراب.\n(^٧) كتاب الزكاة باب ٣٢.\n(^٨) المسند ٢/ ٢٦٢.\n(^٩) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٢٤، ٢٦.\n(^١٠) تفسير الطبري ١٢/ ٢٢٨.","vol":"8","page":238},{"text":"المؤمنون يعتقدون كونه قريبا، وإن كان له أمد لا يعلمه إلا الله ﷿، لكن كل ما هو آت فهو قريب وواقع لا محالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2009>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٨ إلى ١٨]</span>\n﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)﴾\nيقول تعالى العذاب واقع بالكافرين: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وغير واحد: أي كدردي الزيت ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ أي كالصوف المنفوش، قاله مجاهد وقتادة والسدي، وهذه الآية كقوله تعالى:\n﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي لا يسأل القريب قريبه عن حاله وهو يراه في أسوأ الأحوال فتشغله نفسه عن غيره، قال العوفي عن ابن عباس: يعرف بعضهم بعضا ويتعارفون بينهم ثم يفر بعضهم من بعض بعد ذلك يقول الله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [غافر: ١٨] وكقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].\nوقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ كَلاّ﴾ أي لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض وبأعز ما يجده من المال ولو بملء الأرض ذهبا، أو من ولده الذي كان في الدنيا حشاشة كبده يود يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله به ولا يقبل منه.\nقال مجاهد والسدي ﴿فَصِيلَتِهِ﴾ قبيلته وعشيرته، وقال عكرمة: فخذه الذي هو منهم، وقال أشهب عن مالك: ﴿فَصِيلَتِهِ﴾: أمه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّها لَظى﴾ يصف النار وشدة حرها ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قال ابن عباس ومجاهد: جلدة الرأس، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ الجلود والهام، وقال مجاهد: ما دون العظم من اللحم، وقال سعيد بن جبير:\nللعصب والعقب. وقال أبو صالح ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ يعني أطراف اليدين والرجلين، وقال أيضا ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ لحم الساقين، وقال الحسن البصري وثابت البناني ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ أي مكارم وجهه، وقال الحسن أيضا: تحرق كل شيء فيه ويبقى فؤاده يصيح. وقال قتادة ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ أي نزاعة لهامته ومكارم وجهه وخلقه وأطرافه. وقال الضحاك: تبري اللحم والجلد","vol":"8","page":239},{"text":"عن العظم حتى لا تترك منه شيئا، وقال ابن زيد: الشوى الآراب العظام، فقوله ﴿نَزّاعَةً﴾ قال:\nتقطع عظامهم ثم تبدل جلودهم وخلقهم.\nوقوله تعالى: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ أي تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق (^١) ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحب، وذلك أنهم كما قال الله ﷿:\nكانوا ممن أدبر وتولى أي كذب بقلبه وترك العمل بجوارحه ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ أي جمع المال بعضه على بعض فأوعاه أي أوكاه ومنع حق الله منه من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة، وقد ورد في الحديث «لا توعي فيوعي (^٢) الله عليك» (^٣) وكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيسا ويقول:\nسمعت الله يقول: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ وقال الحسن البصري: يا ابن آدم سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا. وقال قتادة في قوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ قال: كان جموعا قموما للخبيث.\n\n<span data-type='title' id=toc-2010>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ إلى ٣٥]</span>\n﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ثم فسره بقوله: ﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ أي إذا مسه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير ﴿وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أي إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله تعالى فيها.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا موسى بن علي بن رباح، سمعت أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ:\n«شر ما في رجل: شح هالع وجبن خالع» (^٥) ورواه أبو داود عن عبد الله بن الجراح عن أبي\n_________\n(^١) لسان طلق ذلق: أي فصيح بليغ.\n(^٢) أوعى: أي جعل الشيء في الوعاء، والمقصود هنا: منع الفضل عمن يحتاجه، ومعنى يوعي عليك: أي يمنعك فضله كما منعت.\n(^٣) أخرجه البخاري في الزكاة باب ٢٢، ومسلم في الزكاة حديث ٨٨، ٨٩.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٢٠.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٢١.","vol":"8","page":240},{"text":"عبد الرّحمن المقري به وليس لعبد العزيز عنده سواه.\nثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ أي الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم، إلا من عصمه الله ووفقه وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه وهم المصلون.\n﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قيل: معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها، قاله ابن مسعود ومسروق وإبراهيم النخعي، وقيل: المراد بالدوام هاهنا السكون والخشوع كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] قاله عقبة بن عامر: ومنه الماء الدائم وهو الساكن الراكد، وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده ليس بدائم على صلاته، لأنه لم يسكن فيها ولم يدم بل ينقرها نقر الغراب فلا يفلح في صلاته.\nوقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملا داوموا عليه وأثبتوه كما جاء في الصحيح عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» وفي لفظ «ما داوم عليه صاحبه» قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا عمل عملا داوم عليه، وفي لفظ أثبته (^١)، وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ذكر لنا أن دانيال ﵇ نعت أمة محمد ﷺ فقال: يصلون صلاة لو صلاّها قوم نوح ما غرقوا، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة، فعليكم بالصلاة فإنها خلق للمؤمنين حسن.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الذاريات. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أي يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب. ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أي خائفون وجلون ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ أي لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله ﵎.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ أي يكفونها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه ولهذا قال تعالى: ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أي من الإماء ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ وقد تقدم تفسير هذا في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أي إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وهذه صفات المؤمنين وضدها صفات المنافقين كما ورد في الحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٢، والرقاق باب ١٨، ومسلم في المسافرين حديث ٢١٦، ٢١٨، وأبو داود في التطوع باب ٢٧.","vol":"8","page":241},{"text":"الصحيح «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» (^١) وفي رواية «إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (^٢) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أي محافظون عليها لا يزيدون فيها ولا ينقصون منها ولا يكتمونها ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أي على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها كما تقدم في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] سواء ولهذا قال هناك: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١] وقال هاهنا: ﴿أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أي مكرمون بأنواع الملاذ والمسار.\n\n<span data-type='title' id=toc-2011>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٤]</span>\n﴿فَما للَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاّ إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾\nيقول تعالى منكرا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي ﷺ وهم مشاهدون له ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارون منه متفرقون عنه، شاردون يمينا وشمالا فرقا فرقا، وشيعا شيعا، كما قال تعالى: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١] الآية. وهذه مثلها فإنه قال تعالى: ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أي فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مهطعين أي مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: مهطعين أي منطلقين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ واحدها عزة أي متفرقين، وهو حال من مهطعين أي في حال تفرقهم واختلافهم كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب متفقون على مخالفة الكتاب.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾، قال قبلك ينظرون ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ قال: العزين العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٤، والشهادات باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٨، والترمذي في الأيمان باب ١٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٤، والمظالم باب ١٧، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٦، وأبو داود في السنة باب ١٥، والترمذي في الإيمان باب ١٤، والنسائي في الإيمان باب ٢٠، وأحمد في المسند ٢/ ١٨٩، ١٩٨.","vol":"8","page":242},{"text":"يستهزئون به، وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار حدثنا أبو عامر، حدثنا قرة عن الحسن في قوله:\n﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أي متفرقين يأخذون يمينا وشمالا يقولون: ما قال هذا الرجل؟ وقال قتادة ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أي فرقا حول النبي ﷺ لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه ﷺ وقال الثوري وشعبة وعبثر بن القاسم وعيسى بن يونس ومحمد بن فضيل ووكيع ويحيى القطان وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم حلق فقال:\n«ما لي أراكم عزين؟» (^٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير من حديث الأعمش به.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم حلق فقال: «ما لي أراكم عزين؟» وهذا إسناده جيد ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاّ﴾ أي: أيطمع هؤلاء والحالة هذه من فرارهم عن رسول الله ﷺ ونفارهم عن الحق أن يدخلوا جنات النعيم؟ كلا بل مأواهم جهنم. ثم قال تعالى مقررا لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروا كونه واستبعدوا وجوده مستدلا عليهم بالبداءة التي الإعادة أهون منها، وهم معترفون بها، فقال تعالى: ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من المني الضعيف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ٥ - ١٠] ثم قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ أي الذي خلق السموات والأرض وجعل مشرقا ومغربا وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها. وتقدير الكلام ليس الأمر كما تزعمون أن لا معاد ولا حساب ولا بعث ولا نشور، بل كل ذلك واقع وكائن لا محالة، ولهذا أتى بلا في ابتداء القسم ليدل على أن المقسم عليه نفي، وهو مضمون الكلام وهو الرد على زعمهم الفاسد في نفي يوم القيامة. وقد شاهدوا من عظيم قدرة الله تعالى ما هو أبلغ من إقامة القيامة، وهو خلق السموات والأرض وتسخير ما فيهما من المخلوقات من الحيوانات والجمادات وسائر صنوف الموجودات، ولهذا قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٤١.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١١٩، وأبو داود في الأدب باب ١٤، وأحمد في المسند ٥/ ٩٣، ١٠١، ١٠٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٢٤١.","vol":"8","page":243},{"text":"[غافر: ٥٧].\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٥٧] وقال هاهنا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي يوم القيامة نعيدهم بأبدان خير من هذه فإن قدرته صالحة لذلك ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي بعاجزين كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٣ - ٤] وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠ - ٦١] واختار ابن جرير ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: أمة تطيعنا ولا تعصينا وجعلها كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] والمعنى الأول أظهر لدلالة الآيات الأخر عليه والله ﷾ أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي يا محمد ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ أي دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي فسيعلمون غب ذلك ويذوقون وباله ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يقومون من القبور إذا دعاهم الرب ﵎ لموقف الحساب ينهضون سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إلى علم يسعون، وقال أبو العالية ويحيى بن أبي كثير إلى غاية يسعون إليها، وقد قرأ الجمهور إلى نصب بفتح النون وإسكان الصاد وهو مصدر بمعنى المنصوب.\nوقرأ الحسن البصري نصب بضم النون والصاد وهو الصنم أي كأنهم في إسراعهم إلى الموقف كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه، يوفضون يبتدرون أيهم يستلمه أول. وهذا مروي عن مجاهد ويحيى بن أبي كثير ومسلم البطين وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وأبي صالح وعاصم بن بهدلة وابن زيد وغيرهم، وقوله تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ أي خاضعة ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾.\nأخر تفسير سورة سأل سائل، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2012>تفسير سورة نوح</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"8","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2013>[سورة نوح (٧١): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه أرسله إلى قومه آمرا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم. ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي بين النذارة ظاهر الأمر واضحه، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ﴾، أي اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به وأنهاكم عنه ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي إذا فعلتم ما آمركم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم غفر الله لكم ذنوبكم، ومن هاهنا قيل إنها زائدة ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل، ومنه قول بعض العرب: قد كان من مطر، وقيل إنها بمعنى عن تقديره يصفح لكم عن ذنوبكم، واختاره ابن جرير (^١):\nوقيل: إنها للتبعيض، أي يغفر لكم الذنوب العظيمة التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه أوقعه بكم، وقد يستدل بهذه الآية من يقول إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة كما ورد به الحديث: «صلة الرحم تزيد في العمر» وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة فإنه إذا أمر تعالى يكون ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات.\n\n<span data-type='title' id=toc-2014>[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ إلى ٢٠]</span>\n﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِرارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا (٩) فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا (١٦) وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا (١٨) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا (٢٠)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح ﵇ أنه اشتكى إلى ربه ﷿ ما لقي من قومه، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما، وما بين لقومه ووضح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٤٦، ٢٤٧.","vol":"8","page":245},{"text":"أي لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِرارًا﴾ أي كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فروا منه وحادوا عنه ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أي سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٣٦] ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ قال ابن جريج عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم. وقال سعيد بن جبير والسدي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أي استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ أي واستنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا﴾ أي جهرة بين الناس ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ أي كلاما ظاهرا بصوت عال ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا﴾ أي فيما بيني وبينهم، فنوع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم.\n﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ أي ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتوبوا إليه من قريب فإنه من تاب إليه تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشرك، ولهذا قال:\n﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا﴾ أي متواصلة الأمطار، ولهذا تستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية، وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه صعد المنبر ليستسقي فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار ومنها هذه الآية ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا﴾ ثم قال: لقد طلبت لغيث بمجاديح (^١) السماء التي يستنزل بها المطر.\nوقال ابن عباس وغيره: يتبع بعضه بعضا. وقوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا﴾ أي إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم أسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض وأنبت لكم الزرع، وأدر لكم الضرع وأمدكم بأموال وبنين أي أعطاكم الأموال والأولاد وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار وخللها بالأنهار الجارية بينها، هذا مقام الدعوة بالترغيب، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال:\n﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا﴾ أي عظمة، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك، وقال ابن عباس:\nلا تعظمون الله حق عظمته أي لا تخافون من بأسه ونقمته ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا﴾ قيل معناه من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة ويحيى بن رافع والسدي وابن زيد.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ أي واحدة فوق واحدة وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أو هو من الأمور المدركة بالحس مما علم من التسيير\n_________\n(^١) المجاديح: جمع مجدح: نجم من النجوم.","vol":"8","page":246},{"text":"والكسوفات، فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضا فأدناها القمر في السماء الدنيا، وهو يكسف ما فوقه، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة.\nوأما بقية الكواكب وهي الثوابت ففي فلك ثامن يسمونه فلك الثوابت، والمتشرعون منهم يقولون هو الكرسي، والفلك التاسع وهو الأطلس والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك، وذلك أن حركته مبدأ الحركات وهي من المغرب إلى المشرق، وسائر الأفلاك عكسه من المشرق إلى المغرب ومعها يدور سائر الكواكب تبعا ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها فإنها تسير من المغرب إلى المشرق، وكل يقطع فلكه بحسبه، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، وذلك بحسب اتساع أفلاكها وإن كانت حركة الجميع في السرعة متناسبة، هذا ملخص ما يقولونه في هذا المقام على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة لسنا بصدد بيانها وإنما المقصود أن الله ﷾ خلق سبع سموات طباقا ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ أي فاوت بينهما في الاستنارة فجعل كلا منهما أنموذجا على حدة ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها، وقدر للقمر منازل وبروجا وفاوت نوره فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستتر ليدل على مضي الشهور والأعوام، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا﴾ هذا اسم مصدر والإتيان به هاهنا أحسن ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها﴾ أي إذا متم ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا﴾ أي يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا﴾ أي بسطها ومهدها وقررها وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا﴾ أي خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح ﵇ على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأرض ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق جعل السماء بناء والأرض مهادا وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به أحد لأنه لا نظير له ولا عديل ولا ند ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد ولا وزير ولا مشير بل هو العلي الكبير.\n\n<span data-type='title' id=toc-2015>[سورة نوح (٧١): الآيات ٢١ إلى ٢٤]</span>\n﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالًا (٢٤)﴾","vol":"8","page":247},{"text":"يقول تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله ومتع بمال وأولاد وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام ولهذا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسارًا﴾ قرئ وولده بالضم وبالفتح وكلاهما متقارب.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ قال مجاهد: ﴿كُبّارًا﴾ أي عظيما، وقال ابن زيد:\n﴿كُبّارًا﴾ أي كبيرا والعرب تقول أمر عجيب وعجاب وعجّاب، ورجل حسان وحسّان وجمال وجمّال بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد (^١)، والمعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أي بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى كما يقولون لهم يوم القيامة ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا﴾ [سبأ: ٣٣] ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.\nقال البخاري: حدثنا إبراهيم، حدثنا هشام عن ابن جريج، وقال عطاء عن ابن عباس:\nصارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا اوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت (^٢). وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس ﴿وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شيث ﵇ من طريق إسحاق بن بشر قال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٢٥٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٢٥٤.","vol":"8","page":248},{"text":"أخبرني جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: ولد لآدم ﵇ أربعون ولدا، عشرون غلاما وعشرون جارية، فكان ممن عاش منهم هابيل وقابيل وصالح وعبد الرّحمن والذي كان سماه عبد الحارث، وود وكان ود يقال له شيث ويقال له هبة الله، وكان إخوته قد سودوه، وولد له سواع ويغوث ويعوق ونسر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عمر الدوري، حدثني أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن أبي حزرة عن عروة بن الزبير قال: اشتكى آدم ﵇ وعنده بنوه ود ويغوث وسواع ونسر قال وكان ود أكبرهم وأبرهم به وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر وهو قائم يصلي يزيد بن المهلب، قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، قال: ثم ذكروا رجلا مسلما وكان محببا في قومه فلما مات اعتكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا نعم، فصور لهم مثله، قال: ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل رجل منكم تمثالا مثله فيكون له في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به، قال: وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد من دون الله: الصنم الذي سموه ودا.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم، وقد قال الخليل ﵇ في دعائه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالًا﴾ دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2016>[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]</span>\n﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصارًا (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِرًا كَفّارًا (٢٧) رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَبارًا (٢٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ وقرئ خطاياهم ﴿أُغْرِقُوا﴾ أي من كثرة ذنوبهم وعتوهم","vol":"8","page":249},{"text":"وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ أي نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصارًا﴾ أي لم يكن لهم معين ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله كقوله تعالى: ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣] ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ أي لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا ولا دومريا وهذه من صيغ تأكيد النفي، قال الضحاك: ﴿دَيّارًا﴾ واحدا، وقال السدي:\nالديار الذي يسكن الدار، فاستجاب الله له فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه، وقال: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].\nوقال ابن أبي حاتم: قرأ علي يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني شبيب بن سعيد عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم امرأة لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم هذه المرأة» هذا حديث غريب ورجاله ثقات، ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح ﵇ وهم الذين أمره الله بحملهم معه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أي إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك، أي الذين تخلقهم بعدهم ﴿وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِرًا كَفّارًا﴾ أي فاجرا في الأعمال كافر القلب وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال الضحاك: يعني مسجدي، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا حيوة أنبأنا سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس التجيبي، أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري أو عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (^٢) ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح به، ثم قال الترمذي: إنما نعرفه من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح ﵇ وبما جاء في الآثار والأدعية المشهورة المشروعة، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَبارًا﴾ قال السدي:\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٦، والترمذي في الزهد باب ٥٦.","vol":"8","page":250},{"text":"إلا هلاكا، وقال مجاهد: إلا خسارا أي في الدنيا والآخرة.\nآخر تفسير سورة نوح ﵇ ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2017>تفسير سورة الجن</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2018>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ إلى ٧]</span>\n﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطًا (٤) وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا (٧)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يخبر قومه أن الجن استمعوا القرآن، فأمنوا به وصدقوه وانقادوا له، فقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ أي إلى السداد والنجاح ﴿فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا﴾ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى:\n﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ أي فعله وأمره وقدرته. وقال الضحاك عن ابن عباس: جد الله آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه، وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا، وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره، وقال السدي: تعالى أمر ربنا: وعن أبي الدرداء ومجاهد أيضا وابن جريج: تعالى ذكره وقال سعيد بن جبير: ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أي تعالى ربنا، فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: الجد أب ولو علمت الجن أن في الإنس جدا ما قالوا تعالى جد ربنا، فهذا إسناد جيد ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام ولعله قد سقط شيء والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ أي تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد، أي قالت الجن: تنزه الرب ﷻ حين أسلموا وآمنوا بالقرآن عن اتخاذ الصاحبة والولد ثم قالوا ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطًا﴾ قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي ﴿سَفِيهُنا﴾ يعنون إبليس ﴿شَطَطًا﴾ قال السدي عن أبي مالك: ﴿شَطَطًا﴾ أي جورا، وقال ابن زيد: أي ظلما كبيرا ويحتمل أن يكون المراد بقولهم سفيهنا اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو","vol":"8","page":251},{"text":"ولدا، ولهذا قالوا ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ أي قبل إسلامه ﴿عَلَى اللهِ شَطَطًا﴾ أي باطلا وزورا، ولهذا قالوا ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالؤون على الكذب على الله تعالى في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس لأنهم كانوا يعوذون بنا إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها، كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقا أي خوفا وإرهابا وذعرا حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم، كما قال قتادة ﴿فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي إثما وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة. وقال الثوري: عن منصور عن إبراهيم: ﴿فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾: اي ازدادت الجن عليهم جرأة وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال قتادة: فإذا عاذبهم من دون الله رهقتهم الجن الأذى عند ذلك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان الجن يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، فكان الإنس إذا نزلوا واديا هرب الجن فيقول سيد القوم نعوذ بسيد أهل هذا الوادي، فقال الجن نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون، فذلك قول الله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي إثما. وقال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم ﴿رَهَقًا﴾ أي خوفا وقال العوفي عن ابن عباس ﴿فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي إثما، وكذا قال قتادة وقال مجاهد: زاد الكفار طغيانا.\nوقال ابن حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك-يعني المزني-عن عبد الرّحمن بن إسحاق عن أبيه عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال:\nيا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه يقول: يا سرحان (^١) أرسله. فأتى الحمل يشتد (^٢)\n_________\n(^١) السرحان: الأسد، وقيل: الذئب.\n(^٢) يشتدّ: أي يسرع.","vol":"8","page":252},{"text":"حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ثم قال: وروي عن عبيد بن عمير ومجاهد وأبي العالية والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي نحوه وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل، وهو ولد الشاة، كان جنيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم رده عليه لما استجار به ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا﴾ أي لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولا، قاله الكلبي وابن جرير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2019>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٨ إلى ١٠]</span>\n﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (٩) وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾\nيخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا ﷺ وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك لئلا يسترقوا شيئا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدري من الصادق، وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أي من يروم أن يسترق السمع يجد له شهابا مرصدا له لا يتخطاه ولا يتعداه بل يمحقه اليوم ويهلكه.\n﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ أي ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا، وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل والخير أضافوه إلى الله ﷿.\nوقد ورد في الصحيح «والشر ليس إليك» (^٢) وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير بل في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث ابن عباس: بينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذا رمي بنجم فاستنار فقال: «ما كنتم تقولون في هذا؟» فقلنا: كنا نقول يولد عظيم، يموت عظيم فقال: «ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء» (^٣) وذكر تمام الحديث وقد أوردناه في سورة سبأ بتمامه، وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله ﷺ يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم وتمرد في طغيانه من بقي كما تقدم حديث ابن عباس في ذلك عند قوله في سورة الأحقاف:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٦٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٢٠١، والنسائي في الافتتاح باب ١٧.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٣٤، باب ٣.","vol":"8","page":253},{"text":"﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية.\nولا شك أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم، كما قال السدي: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر، فكانت الشياطين قبل محمد ﷺ قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر، فلما بعث الله محمدا ﷺ نبيا رسولا رجموا ليلة من الليالي ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم، فقال لهم عبد يا ليل بن عمرو بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني محمدا ﷺ، وإن نظرتم فلم تروها فقد هلك أهل السماء.\nفنظروا فرأوها فكفوا عن أقوالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها، فأتوه فشم فقال:\nصاحبكم بمكة، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين فقدموا مكة فوجدوا نبي الله ﷺ قائما يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم (^١) تصيبه، ثم أسلموا فأنزل الله تعالى أمرهم على رسوله ﷺ، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من (كتاب السيرة) المطول، والله أعلم، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2020>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١١ إلى ١٧]</span>\n﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (١٣) وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا (١٧)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ أي غير ذلك ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أي طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أي منا المؤمن ومنا الكافر. وقال أحمد بن سليمان النجاد في أماليه: حدثنا أسلم بن سهل بحشل، حدثنا علي بن الحسن بن سليمان وهو أبو الشعثاء الحضرمي شيخ مسلم، حدثنا أبو معاوية قال: سمعت الأعمش يقول تروح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال الأرز، قال: فأتيناهم به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدا، فقلت فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم فقلت فما الرافضة فيكم؟\n_________\n(^١) الكلاكل: الصدور.","vol":"8","page":254},{"text":"قال: شرنا. عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزّي فقال هذا إسناد صحيح إلى الأعمش، وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال:\nسمعت بعض الجن وأنا في منزل لي بالليل ينشد: [الطويل] قلوب براها الحب حتى تعلقت … مذاهبها في كل غرب وشارق\nتهيم بحبّ الله والله ربها … معلّقة بالله دون الخلائق\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أي نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنا في الهرب فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ﴾ يفتخرون بذلك وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة، وقولهم ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: فلا يخاف أن ينقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته كما قال تعالى: ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ﴾ أي منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أي طلبوا لأنفسهم النجاة ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أي وقودا تسعر بهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: [أحدهما] وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا﴾ أي كثيرا، والمراد بذلك سعة الرزق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي لنختبرهم، كما قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ لنبتليهم من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية.\n[ذكر من قال بهذا القول] قال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ يعني بالاستقامة الطاعة (^١)، وقال مجاهد ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ قال: الإسلام وكذا قال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي ومحمد بن كعب القرظي، وقال قتادة ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا وقال مجاهد:\n﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي: طريقة الحق، وكذا قال الضحاك واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي لنبتليهم به.\nوقال مقاتل: نزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٢٦٨.","vol":"8","page":255},{"text":"[والقول الثاني] ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ الضلال ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا﴾ أي لأوسعنا عليهم الرزق استدراجا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] وكقوله:\n﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] وهذا قول أبي مجلز لاحق بن حميد، فإنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي طريقة الضلالة، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان وله اتجاه، ويتأيد بقوله لنفتنهم فيه. وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ أي عذابا مشقا شديدا موجعا مؤلما، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد: ﴿عَذابًا صَعَدًا﴾ أي مشقة لا راحة معها، وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2021>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٨ إلى ٢٤]</span>\n﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلاّ بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا (٢٣) حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده أن يوحدوه في محال عبادته ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به، كما قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه ﷺ أن يوحدوه وحده (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا إسماعيل ابن بنت السدي، أخبرنا رجل سماه عن السدي، عن أبي مالك أو أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس. وقال الأعمش: قالت الجن: يا رسول الله ائذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ يقول:\nصلوا لا تخالطوا الناس.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد حدثنا مهران، حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن محمود عن سعيد بن جبير ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ قال: قالت الجن لنبي الله ﷺ كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤون؟ أي بعيدون عنك، وكيف نشهد الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٢٧١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢٧١.","vol":"8","page":256},{"text":"وقال سفيان عن خصيف عن عكرمة: نزلت في المساجد كلها، وقال سعيد بن جبير:\nنزلت في أعضاء السجود، أي هي لله فلا تسجدوا بها لغيره. وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح من رواية عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة-أشار بيده إلى أنفه-واليدين والركبتين وأطراف القدمين» (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال العوفي عن ابن عباس يقول لما سمعوا النبي ﷺ يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن ودنوا منه، فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ يستمعون القرآن هذا قول، وهو مروي عن الزبير بن العوام ﵁.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني محمد بن معمر، حدثنا أبو مسلم عن أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الجن لقومهم: ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له قال: فقالوا لقومهم ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ وهذا قول ثان وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضا، وقال الحسن: لما قام رسول الله ﷺ يقول لا إله إلا الله ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعا.\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه، وهذا قول ثالث وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقول ابن زيد، وهو اختيار ابن جرير وهو الأظهر لقوله بعده: ﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ أي قال لهم الرسول لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه ليبطلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته ﴿إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي﴾ أي إنما أعبد ربي وحده لا شريك له وأستجير به وأتوكل عليه ﴿وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ أي إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي وعبد من عباد الله ليس إلي من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله ﷿، ثم أخبر عن نفسه أيضا أنه لا يجيره من الله أحد أي لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال مجاهد وقتادة والسدي:\nلا ملجأ. وقال قتادة أيضا ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المواقيت باب ١١، ومسلم في الصلاة حديث ٢٢٧، ٢٢٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢٧٢.","vol":"8","page":257},{"text":"لا نصير ولا ملجأ وفي رواية: لا ولي ولا موئل.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ﴾ قال بعضهم هو مستثنى من قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ … ﴿إِلاّ بَلاغًا﴾ ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ﴾ أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ أي إنما أبلغكم رسالة الله فمن يعص بعد ذلك فله جزاء على ذلك نار جهنم، خالدين فيها أبدا أي لا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها. وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ أي حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة، فسيعلمون يومئذ من أضعف ناصرا وأقل عددا، هم أم المؤمنون الموحدون لله تعالى، أي بل المشركون لا ناصر لهم بالكلية وهم أقل عددا من جنود الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-2022>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]</span>\n﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول للناس إنه لا علم له بوقت الساعة ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ أي مدة طويلة، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه ﵊ لا يؤلف تحت الأرض كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب.\nوقد كان ﷺ يسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: يا محمد فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: «ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟» قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله قال:\n«فأنت مع من أحببت» قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفّى، حدثنا محمد بن حمير، حدثني أبو بكر بن أبي مريم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٧، وتفسير سورة ٣١، باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ١، ٥، ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في الإيمان باب ٤، والنسائي في الإيمان باب ٥، ٦، وابن ماجة في المقدمة باب ٩، والفتن باب ٢٥، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٦.","vol":"8","page":258},{"text":"وقد قال أبو داود (^١) في آخر كتاب الملاحم: حدثنا موسى بن سهل، حدثنا حجاج بن إبراهيم، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرّحمن بن جبير عن أبيه عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ: «لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم» انفرد به أبو داود ثم قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: «إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم» قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة عام. انفرد به أبو داود.\nوقوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ هذه كقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وهكذا قال هاهنا إنه يعلم الغيب والشهادة وأنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه، ولهذا قال:\n﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ وهذا يعم الرسول الملكي والبشري.\nثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أي يخصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله ويساوقونه على ما معه من وحي الله، ولهذا قال: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ وقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ إلى من يعود؟ فقيل إنه عائد على النبي ﷺ.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل ﴿لِيَعْلَمَ﴾ محمد ﷺ ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ورواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. وهكذا رواه الضحاك والسدي ويزيد بن أبي حبيب.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلّغت عن الله وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة واختاره ابن جرير، وقيل غير ذلك كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله:\n﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي ﷺ من الشيطان حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وفي هذا\n_________\n(^١) كتاب الملاحم باب ١٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢٧٧.","vol":"8","page":259},{"text":"نظر. وقال البغوي: قرأ يعقوب «ليعلم» بالضم أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا. ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الله ﷿، وهو قول حكاه ابن الجوزي في زاد المسير، ويكون المعنى في ذلك أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وكقوله تعالى:\n﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] إلى أمثال ذلك مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة، ولهذا قال بعد هذا ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. آخر تفسير سورة الجن، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2023>تفسير سورة المزمل</span>\nوهي مكية\nقال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا محمد بن موسى القطان الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرّحمن، حدثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسما يصد الناس عنه، فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون. قالوا: ساحر.\nقالوا: ليس بساحر، فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبي ﷺ فتزمل في ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل ﵇ فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ثم قال البزار: معلى بن عبد الرّحمن قد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه لكنه تفرد بأحاديث لا يتابع عليها.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2024>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ إلى ٩]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾\nيأمر تعالى رسوله ﷺ أن يترك التزمل وهو التغطي في الليل وينهض إلى القيام لربه ﷿ كما قال تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] وكذلك كان ﷺ ممتثلا ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجبا","vol":"8","page":260},{"text":"عليه وحده كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وهاهنا بيّن له مقدار ما يقوم فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس والضحاك والسدي ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ يعني يا أيها النائم. وقال قتادة: المزمل في ثيابه.\nوقال إبراهيم النخعي: نزلت وهو متزمل بقطيفة، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قال: يا محمد زملت القرآن وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ﴾ بدل من الليل ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل لا حرج عليك في ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي اقرأه على تمهل فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة ﵂: كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري (^١) عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: كانت مدا ثم قرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بسم الله ويمد الرّحمن ويمد الرّحيم.\nوقال ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة ﵂ أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كان يقطع قراءته آية آية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ١ - ٤] (^٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرّحمن عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (^٤) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سفيان الثوري به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة كما جاء في الحديث زينوا القرآن بأصواتكم (^٥) و«ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (^٦) و«لقد أوتي\n_________\n(^١) كتاب فضائل القرآن باب ٢٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الحروف باب ١، والترمذي في ثواب القرآن باب ٢٣، وأحمد في المسند ٦/ ٣٠٢.\n(^٣) المسند ٢/ ١٩٢.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٠، والترمذي في ثواب القرآن باب ١٨.\n(^٥) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٥٢، وأبو داود في الوتر باب ٢٠، والنسائي في الافتتاح باب ٨٣، وابن ماجة في الإقامة باب ١٧٦، والدارمي في فضائل القرآن باب ٣٤، وأحمد في المسند ٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤.\n(^٦) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٤٤، وأبو داود في الوتر باب ٢٠، والدارمي في الصلاة باب ١٧١، وفضائل القرآن باب ٣٤، وأحمد في المسند ١/ ١٧٢، ١٧٥، ١٧٩.","vol":"8","page":261},{"text":"هذا مزمارا من مزامير آل داود» (^١) يعني أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا: وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل ولا تهذوه هذّ (^٢) الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة، رواه البغوي.\nوقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة. فقال هذا كهذ الشعر لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في ركعة (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ قال الحسن وقتادة: أي العمل به وقيل: ثقيل وقت نزوله من عظمته، كما قال زيد بن ثابت ﵁: أنزل على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي فكادت ترض فخذي (^٤).\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: «أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض» تفرد به أحمد.\nوفي أول صحيح البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتي في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي ﷺ في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا (^٦)، هذا لفظه.\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرّحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها (^٨)، وقال ابن جرير (^٩): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ٣١، ومسلم في المسافرين حديث ٢٣٥، ٢٣٦.\n(^٢) أي لا تسرعوا في قراءته كما تسرعوا في قراءة الشعر، والهذّ: سرعة القطع.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٠٦، وأحمد في المسند ١/ ٤١٧.\n(^٤) أخرجه البخاري في الصلاة باب ١٢، وتفسير سورة ٤، باب ١٨.\n(^٥) المسند ٢/ ٢٢٢.\n(^٦) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب ٢.\n(^٧) المسند ٦/ ١١٨.\n(^٨) الجران: باطن العنق، والمعنى: أنها تثبت في مكانها.\n(^٩) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨٠.","vol":"8","page":262},{"text":"هشام بن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وهذا مرسل، الجران هو باطن العنق، واختار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معا، كما قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ قال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: نشأ، قام بالحبشة، وقال عمر وابن عباس وابن الزبير: الليل كله ناشئة، وكذا قال مجاهد وغير واحد، يقال نشأ إذا قام من الليل وفي رواية عن مجاهد: بعد العشاء، وكذا قال أبو مجلز وقتادة وسالم وأبو حازم ومحمد بن المنكدر: والغرض أن ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته وكل ساعة منه تسمى ناشئة وهي الآنات، والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة، ولهذا قال تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أي أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية «إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا» فقال له رجل: إنما نقرؤها ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، فقال له: إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد.\nولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قال ابن عباس وعكرمة وعطاء بن أبي مسلم: الفراغ والنوم، وقال أبو العالية ومجاهد وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وسفيان الثوري: فراغا طويلا. وقال قتادة: فراغا وبغية ومنقلبا. وقال السدي ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ تطوعا كثيرا. وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قال:\nلحوائجك فأفرغ لدينك الليل، قال وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة ثم إن الله ﵎ منّ على عباده فخففها ووضعها وقرأ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية ثم قرأ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ -حتى بلغ- ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ الليل نصفه أو ثلثه ثم جاء أمر أوسع وأفسح وضع الفريضة عنه وعن أمته فقال وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وهذا الذي قاله كما قاله.\nوالدليل عليه ما رواه الإمام أحمد (^١) في مسنده حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام أنه طلق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارا له بها، ويجعله في الكراع والسلاح ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطا من قومه فحدثوه أن رهطا من قومه ستة أرادوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فقال: «أليس\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٥٤.","vol":"8","page":263},{"text":"لكم فيّ أسوة حسنة؟» فنهاهم عن ذلك فأشهدهم على رجعتها، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ؟ قال نعم، قال: ائت عائشة فسلها ثم ارجع إليّ فأخبرني بردها عليك. قال: فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها (^١) فقال: ما أنا بقاربها (^٢) إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين (^٣) شيئا فأبت فيهما إلا مضيا، فأقسمت عليه فجاء معي فدخلنا عليها فقالت: حكيم وعرفته قال: نعم.\nقالت: من هذا الذي معك؟ قال: سعيد بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. قالت:\nفترحمت عليه وقالت: نعم المرء كان عامرا. قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن، فهممت أن أقوم ثم بدا لي قيام رسول الله ﷺ، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ هذه السورة ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة.\nفهممت أن أقوم ثم بدا لي وتر رسول الله ﷺ فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ثمان ركعات ولا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقول ليصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله وحده ثم يدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع ثم صلّى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم فتلك تسع يا بني، وكان رسول الله ﷺ إذا صلّى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة ولا قام ليلة حتى أصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان. فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت أما لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة، هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه وقد أخرجه مسلم (^٤) في صحيحه من حديث قتادة بنحوه.\n[طريق أخرى عن عائشة ﵂ في هذا المعنى] قال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن وكيع،\n_________\n(^١) استلحقته إليها: أي طلبت منه مرافقته إياي في الذهاب إليها.\n(^٢) ما أنا بقاربها: أي لن اقترب منها، أو لا أريد قربها.\n(^٣) أي أصحاب الجمل وشيعة علي.\n(^٤) كتاب المسافرين حديث ١٣٩.\n(^٥) تفسير الطبري ١٢/ ٢٧٩.","vol":"8","page":264},{"text":"حدثنا زيد بن الحباب، وحدثنا ابن حميد، حدثنا مهران قالا جميعا، واللفظ لابن وكيع عن موسى بن عبيدة، حدثني محمد بن طحلاء عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت: كنت أجعل لرسول الله ﷺ حصيرا يصلي عليه من الليل فتسامع الناس به فاجتمعوا فخرج كالمغضب، وكان بهم رحيما، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل فقال: «أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل وخير الأعمال ما ديم عليه» ونزل القرآن ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل.\nورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، والحديث في الصحيح بدون زيادة نزول هذه السورة وهذا السياق قد يوهم أن نزول هذه السورة بالمدينة وليس كذلك، وإنما هي مكية وقوله في هذا السياق إن بين نزول أولها وآخرها ثمانية أشهر غريب، فقد تقدم في رواية أحمد أنه كان بينهما سنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن مسعر عن سماك الحنفي، سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي أسامة به، وقال الثوري ومحمد بن بشر العبدي، كلاهما عن مسعر عن سماك عن ابن عباس كان بينهما سنة، وروى ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مثله.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن قيس بن وهب عن أبي عبد الرّحمن قال: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قاموا حولا حتى ورت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال: فاستراح الناس. وكذا قال الحسن البصري والسدي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام قال: فقلت يعني لعائشة أخبرينا عن قيام رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قلت بلى، قالت: فإنها كانت قيام رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم وحبس آخرها في السماء ستة عشر شهرا ثم نزل، وقال معمر عن قتادة ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ قاموا حولا أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها بعد في آخر السورة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨٠.","vol":"8","page":265},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد هو ابن جبير قال: لما أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قال: مكث النبي ﷺ على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله تعالى عليه بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فخفف الله تعالى عنهم بعد عشر سنين، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن رافع عن يعقوب القمي به.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ فأمر الله نبيه والمؤمنين بقيام الليل إلا قليلا فشق ذلك على المؤمنين ثم خفف الله تعالى عنهم ورحمهم فأنزل بعد هذا ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فوسع الله تعالى وله الحمد ولم يضيق.\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي أكثر من ذكره وانقطع إليه وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك كما قال تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أي إذا فرغت من أشغالك فانصب في طاعته وعبادته لتكون فارغ البال، قاله ابن زيد بمعناه أو قريب منه، قال ابن عباس ومجاهد وأبو صالح وعطية والضحاك والسدي ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي أخلص له العبادة، وقال الحسن: اجتهد وابتل إليه نفسك. وقال ابن جرير (^٢): يقال للعابد متبتل، ومنه الحديث المروي: نهى عن التبتل يعني الانقطاع إلى العبادة وترك التزوج.\nوقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤] وآيات كثيرة في هذا المعنى فيها الأمر بإفراد العبادة والطاعة لله وتخصيصه بالتوكل عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2025>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٠ إلى ١٨]</span>\n﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾\nيقول تعالى آمرا رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٧٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨٦.","vol":"8","page":266},{"text":"هجرا جميلا وهو الذي لا عتاب معه ثم قال له متهددا لكفار قومه ومتوعدا، وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أي دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ أي رويدا كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]، ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا﴾ وهي القيود، قاله ابن عباس وعكرمة وطاوس ومحمد بن كعب وعبد الله بن بريدة وأبو عمران الجوني وأبو مجلز والضحاك وحماد بن أبي سليمان وقتادة والسدي وابن المبارك والثوري وغير واحد.\n﴿وَجَحِيمًا﴾ وهي السعير المضطرمة ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج ﴿وَعَذابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ أي تزلزل ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أي تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء ثم إنها تنسف نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب حتى تصير الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا أي واديا ولا أمتا أي رابية، ومعناه لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.\nثم قال تعالى مخاطبا لكفار قريش والمراد سائر الناس: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أي بأعمالكم ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والثوري ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي شديدا أي فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم، لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران، ويروى عن ابن عباس ومجاهد.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا﴾ يحتمل أن يكون ﴿يَوْمًا﴾ معمولا لتتقون كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود فكيف تخافون أيها الناس يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به؟ ويحتمل أن يكون معمولا لكفرتم فعلى الأول كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم، وعلى الثاني كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه، وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى والله أعلم.\nومعنى قوله ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا﴾ أي من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله تعالى لآدم ابعث النار فيقول من كم. فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. قال الطبراني: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا﴾ قال: «ذلك يوم القيامة وذلك يوم يقول الله لآدم قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار، قال من كم يا رب؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وينجو واحد» فاشتد ذلك على المسلمين وعرف ذلك","vol":"8","page":267},{"text":"رسول الله ﷺ ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم «إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى ينتشر لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جنة لكم» هذا حديث غريب وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه الأحاديث.\nوقوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قال الحسن وقتادة أي بسببه من شدته وهوله، ومنهم من يعيد الضمير على الله تعالى: وروي عن ابن عباس ومجاهد وليس بقوي لأنه لم يجر له ذكر هاهنا، وقوله تعالى: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أي كان وعد هذا اليوم مفعولا أي واقعا لا محالة وكائنا لا محيد عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2026>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٩ إلى ٢٠]</span>\n﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ﴾ أي السورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أي يتذكر بها أولو الألباب، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي ممن شاء الله تعالى هدايته كما قيده في السورة الأخرى ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أي تارة هكذا وتارة هكذا وذلك كله من غير قصد منكم ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل لأنه يشق عليكم، ولهذا قال: ﴿وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ أي تارة يعتدلان وتارة يأخذ هذا من هذا وهذا من هذا ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي الفرض الذي أوجبه عليكم ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أي من غير تحديد بوقت أي ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة كما قال في سورة سبحان ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي بقراءتك ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ [الإسراء: ١١٠].\nوقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ بهذه الآية وهي قوله: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ على أنه لا يجب تعين قراءة الفاتحة في الصلاة بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ولو بآية، أجزأه واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» (^١) وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت وهو في الصحيحين أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^٢)، وفي صحيح مسلم عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الاستئذان باب ١٨، ومسلم في الصلاة حديث ٤٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي في المواقيت باب ٦٩، وابن ماجة في الإقامة باب ١١. ومسلم في الصلاة حديث ٣٨.","vol":"8","page":268},{"text":"هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام» (^١) وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا «لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن».\nوقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله، وهذه الآية بل السورة كلها مكية ولم يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي قوموا بما تيسر عليكم منه.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن أبي رجاء محمد، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه ولا يقوم به إنما يصلي المكتوبة، قال يتوسد القرآن لعن الله ذاك، قال الله تعالى للعبد الصالح ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ [يوسف: ٦٨] ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] قلت: يا أبا سعيد، قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قال نعم ولو خمس آيات، وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري أنه كان يرى حقا واجبا على حملة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل، ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل نام حتى أصبح، فقال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه» (^٣) فقيل معناه نام عن المكتوبة، وقيل عن قيام الليل: وفي السنن «أوتروا يا أهل القرآن» (^٤) وفي الحديث الآخر «من لم يوتر فليس منا» (^٥) وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر بن عبد العزيز من الحنابلة من إيجابه قيام شهر رمضان، فالله أعلم.\nوقال الطبراني: حدثنا أحمد بن سعيد بن فرقد الجدّي، حدثنا أبو محمد بن يوسف الزبيدي، حدثنا عبد الرّحمن عن محمد بن عبد الله بن طاوس من ولد طاوس، عن أبيه عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال: «مائة آية» وهذا حديث غريب جدا لم أره إلا في معجم الطبراني رحمه الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٤١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢٩٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في التهجد باب ١٣، ومسلم في المسافرين حديث ٢٠٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الوتر باب ١، والترمذي في الوتر باب ٥، والنسائي في قيام الليل باب ٢٧، وابن ماجة في الإقامة باب ١١٤، وأحمد في المسند ١/ ١١٠، ١٤٣، ١٤٤، ١٤٨.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ٤٤٣، ٥/ ٣٥٧.","vol":"8","page":269},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال إن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة والله أعلم. وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نسخت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولا من قيام الليل، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لذلك الرجل: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني من الصدقات، فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقوله تعالى: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ أي جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: «أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟» قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال: «اعلموا ما تقولون» قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر» (^٢) ورواه البخاري من حديث حفص بن غياث والنسائي من طريق أبي معاوية كلاهما عن الأعمش به، ثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها فإنه غفور رحيم لمن استغفره\nآخر تفسير سورة المزمل، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2027>تفسير سورة المدثر</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2028>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ إلى ١٠]</span>\n﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٤، ومسلم في الإيمان حديث ٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٢، والنسائي في الوصايا باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٢.","vol":"8","page":270},{"text":"ثبت في صحيح البخاري من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (^١) وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] كما سيأتي ذلك هنالك إن شاء الله تعالى.\nقال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرّحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت: يقولون ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما قلت لي فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: «جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا عليّ ماء باردا-قال-فدثروني وصبوا علي ماء باردا-قال-فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾» هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم من طريق عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة قال:\nأخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني فزملوني، فأنزل الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ -إلى- ﴿فَاهْجُرْ﴾ قال أبو سلمة: والرجز الأوثان-ثم حمي الوحي وتتابع» (^٢) هذا لفظ البخاري، وهذا السياق هو المحفوظ وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء» وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا.\nووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنا عقيل عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرّحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء الآن قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم زملوني زملوني فزملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثم حمي الوحي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧٤، باب ١.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧٤، باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٥، ٢٥٧.\n(^٣) المسند ٣/ ٣٢٥.","vol":"8","page":271},{"text":"وتتابع» (^١) أخرجاه من حديث الزهري به.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر البجلي، حدثنا المعافي بن عمران عن إبراهيم بن يزيد: سمعت ابن أبي مليكة يقول سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم ليس بساحر، وقال بعضهم كاهن، وقال بعضهم ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أي شمر عن ساق العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة.\n﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي عظم. وقوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال الأجلح الكندي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] فإني بحمد الله لا ثوب فاجر … لبست ولا من غدرة أتقنّع (^٢)\nوقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في الآية ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب نقي الثياب وفي رواية بهذا الإسناد فطهر من الذنوب، وكذا قال إبراهيم والشعبي وعطاء، وقال الثوري عن رجل عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم، وكذا قال إبراهيم النخعي وقال مجاهد ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: نفسك ليس ثيابك، وفي رواية عنه ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي عملك فأصلح، وكذا قال أبو رزين، وقال في رواية أخرى ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عما قالوا. وقال قتادة ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد الله إنه لدنس الثياب، وإذا وفي وأصلح إنه لمطهر الثياب، وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية. وقال الشاعر: [الطويل]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٧، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٦.\n(^٢) يروى البيت: إني بحمد الله لا ثوب غادر لبست ولا من خزية أتقنّع وهو لغيلان في لسان العرب (طهر)، وتهذيب اللغة ٦/ ١٧٢، ١٥/ ١٥٤ وتاج العروس (طهر)، وتفسير الطبري ١٢/ ٢٩٨، والبحر المحيط ٦/ ٤٦، ٨/ ٣٦٣، ولابن مطر المازني في معجم الشعراء ص ٤٦٨، والمرصع ص ٢٧٨، ولبرذع بن عدي الأوسي في مجالس ثعلب ص ٢٥٣، وبلا نسبة في لسان العرب (ثوب)، (قط)، وأساس البلاغة (قنع)، (خزي)، وتاج العروس (ثوب)، (قنع)","vol":"8","page":272},{"text":"إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه … فكل رداء يرتديه جميل (^١)\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يعني لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية، وقال محمد بن سيرين ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه كما قال امرؤ القيس: [الطويل] أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل … وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي (^٢)\nوإن تك قد ساءتك مني خليقة … فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل\nوقال سعيد بن جبير ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وقلبك ونيتك فطهر، وقال محمد بن كعب القرظي والحسن البصري: وخلقك فحسن، وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وهو الأصنام فاهجر، وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد: إنها الأوثان، وقال إبراهيم والضحاك ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أي اترك المعصية، وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. [الأعراف: ١٤٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، وكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وطاوس وأبو الأحوص وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ «ولا تمنن أن تستكثر» وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره وكذا قال الربيع بن أنس واختاره ابن جرير، وقال خصيف عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب تضعف، وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها تأخذ عليه\n_________\n(^١) البيت للسموأل في ديوانه ص ٩٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٣١، ومغني اللبيب ١/ ١٩٦، وله أو لعبد الملك بن عبد الرّحيم الحارثي المعروف بالجلاح الحارثي في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١١٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٧٦، ولدكين بن رجاء في الشعر والشعراء ٢/ ٦١٢.\n(^٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ١٢، ١٣، والبيت الأول في الجنى الداني ص ٣٥، وخزانة الأدب ١١/ ٢٢٢، والدرر ٣/ ١٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٩، وتاج العروس (عنز)، (زمع)، (دلل)، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٧، ورصف المباني ص ٥٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٧، ومغني اللبيب ١/ ١٣، وهمع الهوامع ١/ ١٧٢، والبيت الثاني في أساس البلاغة (ثوب)، وكتاب الجيم ٧/ ٢٥٧، ولسان العرب (ثوب)، وبلا نسبة في لسان العرب (نظف)، وتاج العروس (ثوب)","vol":"8","page":273},{"text":"عوضا من الدنيا. فهذه أربعة أقوال والأظهر القول الأول، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك ﷿ قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر على عطيتك لله ﷿. وقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد ﴿النّاقُورِ﴾ الصور، قال مجاهد: وهو كهيئة القرن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد عن مطرف عن عطية العوفي عن ابن عباس ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ فقال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟» فقال: قال أصحاب رسول الله ﷺ: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» (^١) وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط به، ورواه ابن جرير (^٢) عن أبي كريب عن ابن فضيل وأسباط كلاهما عن مطرف به، ورواه من طريق أخرى عن العوفي عن ابن عباس به.\nوقوله تعالى: ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أي شديد ﴿عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أي غير سهل عليهم كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]، وقد روينا عن زرارة بن أوفى قاضي البصرة أنه صلّى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شهق شهقة ثم خرّ ميتا رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2029>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ إلى ٣٠]</span>\n﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاِسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى متوعدا لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفر بأنعم الله وبدلها كفرا وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أي خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد ثم رزقه الله تعالى: ﴿مالًا مَمْدُودًا﴾ أي واسعا كثيرا قيل ألف دينار وقيل مائه ألف دينار، وقيل أرضا يستغلها، وقيل غير ذلك وجعل له بنين ﴿شُهُودًا﴾ قال مجاهد لا يغيبون أي حضورا عنده لا يسافرون بالتجارات بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم: وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكره السدي وأبو مالك وعاصم بن عمر بن قتادة ثلاثة عشر،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٧٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٣٠٤.","vol":"8","page":274},{"text":"وقال ابن عباس ومجاهد كانوا عشرة وهذا أبلغ في النعمة وهو إقامتهم عنده ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أي مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك.\n﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أي معاندا وهو الكفر على نعمه بعد العلم قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ قال: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا، قبل أن يبلغ قعره، والصعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا» (^٢) وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن الحسن بن موسى الأشيب به، ثم قال غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج، كذا قال، وقد رواه ابن جرير (^٣) عن يونس عن عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج وفيه غرابة ونكارة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرّحمن المعروف بعلان المصري قال:\nحدثنا منجاب، أخبرنا شريك عن عمار الدهني عن عطية العوفي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: «هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده فإذا وضع يده ذابت وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت» ورواه البزار وابن جرير (^٤) من حديث شريك به. وقال قتادة عن ابن عباس: صعودا صخرة في جهنم يكلف أن يصعدها وقال مجاهد ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أي مشقة من العذاب، وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه، واختاره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أي إنما أرهقناه صعودا أي قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان لأنه فكر وقدر أي تروى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال ﴿وَقَدَّرَ﴾ أي تروى ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دعاء عليه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أي أعاد النظرة والتروي ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي قبض بين عينيه وقطب ﴿وَبَسَرَ﴾ أي كلح وكره ومنه قول توبة بن الحمير: [الطويل] وقد رابني منها صدود رأيته … وإعراضها عن حاجتي وبسورها (^٥)\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي صرف عن الحق ورجع القهقهرى مستكبرا عن الانقياد للقرآن ﴿فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم، ولهذا قال: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أي ليس بكلام الله، وهذا المذكور في هذا السياق\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٧٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٢١، باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٣٠٨.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٣٠٨.\n(^٥) البيت في تفسير الطبري ١٢/ ٣٠٩.","vol":"8","page":275},{"text":"هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش لعنه الله.\nوكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله ﴿إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ -إلى قوله- ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾.\nوقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإنه عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه وما أشك أنه سحر فأنزل الله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الآية.\n﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قبض ما بين عينيه وكلح، وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عباد بن منصور عن عكرمة أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام فأتاه فقال أي عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله، قال قد علمت قريش أني أكثرهم مالا، قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال وأنك كاره له، قال فماذا أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى، وقال والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ -حتى بلغ- ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحوا من هذا، وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه قبل أن يقدم عليهم وفود العرب للحج ليصدوهم عنه، فقال قائلون: شاعر وقال آخرون: ساحر وقال آخرون: كاهن وقال آخرون:\nمجنون كما قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٨] كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر ونظر وعبس وبسر، فقال:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٣٠٩.","vol":"8","page":276},{"text":"﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أي سأغمره فيها من جميع جهاته، ثم قال تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ﴾ وهذا تهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أي تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، قاله ابن بريدة وأبو سنان وغيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال مجاهد أي للجلد، وقال أبو رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل، وقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها. وقال قتادة: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي حراقة للجلد وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان. وقوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي من مقدمي الزبانية عظيم خلقهم غليظ خلقهم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني حارث عن عامر عن البراء في قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: إن رهطا من اليهود سألوا رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء الرجل فأخبر النبي ﷺ فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فأخبر أصحابه وقال:\n«ادعهم أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني، أما إنها در مكة بيضاء» فجاؤوه فسألوه عن خزنة جهنم فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية ثم قال: «أخبروني عن تربة الجنة» فقالوا: أخبرهم يا ابن سلام، فقال: كأنها خبزة بيضاء: فقال رسول الله ﷺ: «أما إن الخبز إنما يكون من الدرمك» هكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء.\nوالمشهور عن جابر بن عبد الله كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا مندة، حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم. فقال: «بأي شيء؟» قال: سألتهم يهود هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا:\nلا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ قال رسول الله ﷺ: «أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ؟ علي بأعداء الله لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة» فأرسل إليهم فدعاهم قالوا: يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: «هكذا» وطبق كفيه ثم طبق كفيه مرتين وعقد واحدة وقال لأصحابه: «إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدرمك» فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار قال لهم رسول الله ﷺ: «ما تربة الجنة؟» فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: خبزة يا أبا القاسم. فقال: «الخبز من الدرمك» (^١) وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر عن سفيان به، وقال هو والبزار لا يعرف إلا من حديث مجالد، وقد رواه الإمام أحمد عن علي بن المديني عن سفيان فقص الدرمك فقط.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧٤، باب ٤، وأحمد في المسند ٣/ ٣٦١.","vol":"8","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2030>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣١ إلى ٣٧]</span>\n﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ﴾ أي خزانها ﴿إِلاّ مَلائِكَةً﴾ زبانية غلاظا شدادا، وذلك رد على مشركي قريش حين ذكروا عدد الخزنة فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم، فقال الله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً﴾ أي شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل إن أبا الأشدين واسمه كلدة بن أسيد بن خلف قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر إعجابا منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه، قال السهيلي وهو الذي دعا رسول الله ﷺ إلى مصارعته، وقال إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي ﷺ مرارا فلم يؤمن، قال وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب.\n(قلت): ولا منافاة بين ما ذكراه والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منا للناس ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي يعلمون أن هذا الرسول حق فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله ﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا﴾ أي إلى إيمانهم أي بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد ﷺ ﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي من المنافقين ﴿وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا﴾ أي يقولون ما الحكمة في ذكر هذا هاهنا؟ قال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة.\nوقوله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ أي ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة من الفلاسفة اليونانيين ومن شايعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية وقد كفروا بآخرها وهو قوله: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.","vol":"8","page":278},{"text":"وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: «فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم» (^١). وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد (^٣)، ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث إسرائيل، وقال الترمذي حديث حسن غريب، ويروى عن أبي ذر موقوفا.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا خير بن عرفة المصري، حدثنا عروة بن مروان الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لم نشرك بك شيئا».\nوقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه إذ قال لهم: «هل تسمعون ما أسمع؟» قالوا: ما نسمع من شيء.\nفقال رسول الله ﷺ: «أسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط. ما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد».\nوقال أيضا: حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ، حدثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلي سمعت الضحاك بن مزاحم يحدث عن مسروق بن الأجدع عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم وذلك قول الملائكة: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾» [الصافات: ١٦٥] وهذا مرفوع غريب جدا ثم رواه عن محمود بن آدم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: إن من السموات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم ثم قرأ ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٦، ومناقب الأنصار باب ٤٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٦٤، والنسائي في الصلاة باب ١، وأحمد في المسند ٤/ ٢٠٧، ٢٠٩، ٢١٠.\n(^٢) المسند ٥/ ١٧٣.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٩، وابن ماجة في الزهد باب ١٩.","vol":"8","page":279},{"text":"ثم قال: حدثنا أحمد بن سيار، حدثنا أبو جعفر بن محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حدثنا المغيرة بن عمر بن عطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان بن أيوب عن سالم بن عوف، حدثني عطاء بن زيد بن مسعود من بني الحبلى، حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع من بني سالم، حدثني عبد الرّحمن بن العلاء من بني ساعدة عن أبيه العلاء بن سعد وقد شهد الفتح وما بعده، أن النبي ﷺ قال: يوما لجلسائه: «هل تسمعون ما أسمع؟» قالوا: وما تسمع يا رسول الله؟ قال «أطت السماء وحق لها أن تئط إنه ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد وقالت الملائكة ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ وهذا إسناد غريب جدا.\nثم قال: حدثنا إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي، حدثنا عبد الملك بن قدامة عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن عبد الله بن عمر أن عمر جاء والصلاة قائمة ونفر ثلاثة جلوس أحدهم أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول الله ﷺ، فقام اثنان وأبى أبو جحش أن يقوم وقال لا أقوم حتى يأتي رجل هو أقوى مني ذراعين وأشد مني بطشا، فيصرعني ثم يدسّ وجهي في التراب، قال عمر فصرعته ودسست وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه فخرج عمر مغضبا حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما رأيك يا أبا حفص؟» فذكر له ما كان منه، فقال رسول الله ﷺ: «إن رضي عمر رحمة، والله على ذلك لوددت أنك جئتني برأس الخبيث» فقام عمر يوجه نحوه فلما أبعد ناداه فقال: «اجلس حتى أخبرك بغنى الرب ﵎ عن صلاة أبي جحش وإن لله تعالى في السماء الدنيا ملائكة خشوعا لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت رفعوا رؤوسهم ثم قالوا ربنا ما عبدناك حق عبادتك وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجودا لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم وقالوا سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك».\nفقال له عمر: وما يقولون يا رسول الله؟ فقال: «أما أهل السماء الدنيا فيقولون سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون سبحان ذي العزة والجبروت، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون سبحان الحي الذي لا يموت، فقلها يا عمر في صلاتك، فقال عمر:\nيا رسول الله فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال: «قل هذا مرة وهذا مرة» وكان الذي أمره به أن يقوله: «أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك جل وجهك» هذا حديث غريب جدا بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني.\nوقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقا إلا أنه ذهب بصره فربما لقن وكتبه صحيحة، وقال مرة هو مضطرب وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي تكلم فيه أيضا، والعجب من","vol":"8","page":280},{"text":"الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عرف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله، غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلا بنحوه ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلا قريبا منه.\nثم قال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ، أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطاة وهو يخطبنا على منبر المدائن قال سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: إن لله تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجودا منذ خلق الله السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإن منهم ملائكة ركوعا لم يرفعوا رؤوسهم منذ خلق الله السموات والأرض ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم نظروا إلى وجه الله ﷿ قالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» وهذا إسناد لا بأس به.\nوقوله تعالى: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: ﴿وَما هِيَ﴾ أي النار التي وصفت ﴿إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي ولى ﴿وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ﴾ أي أشرق ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ أي العظائم يعني النار، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد من السلف ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أي لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق أو يتأخر عنها ويولي ويردها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2031>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٨ إلى ٥٦]</span>\n﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا أن ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أي معتقلة بعملها يوم القيامة قاله ابن عباس وغيره ﴿إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أي ما عبدنا الله ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ أي نتكلم فيما لا نعلم. وقال قتادة: كلما غوى غاو غوينا معه ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ يعني الموت كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وقال رسول الله ﷺ: «أما هو-يعني عثمان بن مظعون-فقد جاءه اليقين من","vol":"8","page":281},{"text":"ربه» (^١).\nقال الله تعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أي من كان متصفا بمثل هذه الصفات فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا، فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة خالدا فيها.\nثم قال تعالى: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أي كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه حمر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد، قاله أبو هريرة وابن عباس في رواية عنه وزيد بن أسلم وابنه عبد الرّحمن، أو رام، وهو رواية عن ابن عباس وهو قول الجمهور. وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية قسورة، وبالفارسية شير، وبالنبطية أويا.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أي بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل الله على النبي ﷺ، قاله مجاهد وغيره، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل، فقوله تعالى:\n﴿كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها وتكذيبهم بوقوعها.\nثم قال تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أي حقا إن القرآن تذكرة ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ كقوله: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [التكوير: ٢٩] أي هو أهل أن يخاف منه وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل أخو حزم، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وقال «قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له» (^٣) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى ابن عمران، كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطعي به، وقال الترمذي: حسن غريب وسهيل ليس بالقوي، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن هدبة بن خالد عن سهيل به، وهكذا رواه أبو يعلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣، ومناقب الأنصار باب ٤٦، والشهادات باب ٣٠، وأحمد في المسند ٦/ ٤٣٦.\n(^٢) المسند ٣/ ١٤٢، ٢٤٣.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٧٤، باب ٤، وابن ماجة في الزهد باب ٣٥.","vol":"8","page":282},{"text":"والبزار والبغوي وغيرهم من حديث سهيل القطعي به.\nآخر تفسير سورة المدثر، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2032>تفسير سورة القيامة</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2033>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ إلى ١٥]</span>\n﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)﴾\nقد تقدم غير مرة أن المقسم عليه إذا كان منتفيا جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي.\nوالمقسم عليه هاهنا هو إثبات المعاد والرد على ما يزعمه الجهلة من العباد ومن عدم بعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قال الحسن:\nأقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعا، هكذا حكاه ابن أبي حاتم: وقد حكى ابن جرير عن الحسن والأعرج أنهما قرءا «لأقسم بيوم القيامة» وهذا يوجه قول الحسن لأنه أثبت القسم بيوم القيامة ونفى القسم بالنفس اللوامة، والصحيح أنه أقسم بهما جميعا كما قاله قتادة ﵀، وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير، واختاره ابن جرير.\nفأما يوم القيامة فمعروف وأما النفس اللوامة فقال قرة بن خالد عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه. ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه، وقال جويبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قال: ليس أحد من أهل السموات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم عن إسرائيل عن سماك أنه سأل عكرمة عن قوله: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قال: يلوم على الخير والشر لو فعلت كذا وكذا، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن إسرائيل به.","vol":"8","page":283},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قال: تلوم على الخير والشر، ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك فقال: هي النفس اللؤوم، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد تندم على ما فات وتلوم عليه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: اللوامة المذمومة، وقال قتادة ﴿اللَّوّامَةِ﴾ الفاجرة. وقال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة بالمعنى والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات.\nوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ أي يوم القيامة أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ وقال سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس: أن نجعله خفا أو حافرا، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وابن جرير، ووجهه ابن جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا، والظاهر من الآية أن قوله تعالى: ﴿قادِرِينَ﴾ حال من قوله تعالى: ﴿نَجْمَعَ﴾ أي أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه أي قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان فنجعل بنانه وهي أطراف أصابعه مستوية، وهذا معنى قول ابن قتيبة والزجاج.\nوقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ﴾ قال سعيد عن ابن عباس: يعني يمضي قدما، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿لِيَفْجُرَ أَمامَهُ﴾ يعني الأمل، يقول الإنسان أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة.\nوقال مجاهد ﴿لِيَفْجُرَ أَمامَهُ﴾ ليمضي أمامه راكبا رأسه، وقال الحسن: لا يلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما إلا من عصمه الله تعالى، وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب، وكذا قال ابن زيد وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده ﴿يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ أي يقول متى يكون يوم القيامة وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: ٢٩ - ٣٠].\nوقال تعالى هاهنا: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ قرأ أبو عمرو بن العلاء ﴿بَرِقَ﴾ بكسر الراء أي حار، وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا لا يستقر لهم بصر على شيء من شدة الرعب، وقرأ آخرون «برق» بالفتح وهو\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٣٢٧.","vol":"8","page":284},{"text":"قريب في المعنى من الأول، والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور.\nوقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ أي ذهب ضوؤه ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ قال مجاهد:\nكورا، وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:١] وروي عن ابن مسعود أنه قرأ «وجمع بين الشمس والقمر».\nوقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ أي إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة حينئذ يريد أن يفر ويقول أين المفر أي هل من ملجأ أو موئل، قال الله تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: أي لا نجاة، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أي ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال هاهنا: ﴿لا وَزَرَ﴾ أي ليس لكم مكان تعتصمون فيه، ولهذا قال: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ أي المرجع والمصير.\nثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ أي يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وهكذا قال هاهنا: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أي هو شهيد على نفسه عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، وكما قال تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ يقول: سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه. وقال قتادة:\nشاهد على نفسه وفي رواية قال: إذا شئت والله رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنوبه. وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك وتترك الجذل في عينك لا تبصره!.\nوقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ حجته.\nوكذا قال ابن زيد والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير. وقال قتادة عن زرارة عن ابن عباس ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ يقول: لو ألقى ثيابه. وقال الضحاك: ولو ألقى ستوره وأهل اليمن يسمون الستر المعذار. والصحيح قول مجاهد وأصحابه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ هي الاعتذار ألم تسمع أنه قال ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ وقال ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل:٢٨] وقولهم ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].","vol":"8","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2034>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ إلى ٢٥]</span>\n﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)﴾\nهذا تعليم من الله ﷿ لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله ﷿ إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له وتكفل الله له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه عليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره والثانية تلاوته والثالثة تفسيره وإيضاح معناه. ولهذا قال تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي بالقرآن كما قال تعالى:\n﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ أي في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي أن تقرأه ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ﴾ أي إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أي بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرّحمن عن أبي عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه، وقال لي سعيد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه، فأنزل الله ﷿ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه (^٢). وقد رواه البخاري ومسلم من غير وجه عن موسى بن أبي عائشة به. ولفظ البخاري فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله ﷿.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، حدثنا موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه يتلقى أوله ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره فأنزل الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وهكذا قال الشعبي والحسن البصري وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك.\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٤٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧٥، باب ١، والترمذي في تفسير سورة ٧٥، باب ١، والنسائي في الافتتاح باب ٣٧.","vol":"8","page":286},{"text":"وقد روى ابن جرير (^١) من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه فقال الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ أن نجمعه لك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أن نقرئك فلا تنسى، وقال ابن عباس وعطية العوفي ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ تبيين حلاله وحرامه وكذا قال قتادة.\nوقوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزله الله ﷿ على رسوله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم، أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ من النضارة أي حسنة بهية مشرقة مسرورة ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ أي تراه عيانا كما رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه «إنكم سترون ربكم عيانا» (^٢). وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله ﷿ في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها، لحديث أبي سعيد وأبي هريرة وهما في الصحيحين أنا ناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟» قالوا: لا، قال: «فإنكم ترون ربكم كذلك» (^٣).\nوفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر! فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا» (^٤) وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (^٥). وفي إفراد مسلم عن صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة-قال-يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهي الزيادة» ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ (^٦) وفي إفراد مسلم عن جابر في حديثه «إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك» (^٧) يعني في عرصات القيامة ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم ﷿ في العرصات وفي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٣٣٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩.\n(^٥) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٦.\n(^٦) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٧.\n(^٧) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣١٦.","vol":"8","page":287},{"text":"روضات الجنات، وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن أبحر، حدثنا ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين» (^٢) ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن شبابة عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعت ابن عمر فذكره، قال: ورواه عبد الملك بن أبحر عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر، وكذلك رواه الثوري عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر ولم يرفعه، ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقا في مواضع من هذا التفسير وبالله التوفيق.\nوهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام، ومن تأول ذلك بأن المراد بإلى مفرد الآلاء وهي النعم كما قال الثوري عن منصور عن مجاهد ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها، رواه ابن جرير (^٣) من غير وجه عن مجاهد وكذا قال أبو صالح أيضا فقد أبعد هذا القائل النجعة وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما حجب الكفار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ﷿ ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قال ابن جرير: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا آدم، حدثنا المبارك عن الحسن ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قال حسنة ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى الخالق وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق.\nوقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة، وقال السدي: تغير ألوانها، وقال ابن زيد ﴿باسِرَةٌ﴾ أي عابسة ﴿تَظُنُّ﴾ أي تستيقن ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ قال مجاهد: داهية، وقال قتادة: شر، وقال السدي. تستيقن أنها هالكة، وقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار، وهذا المقام كقوله تعالى:\n﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وكقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢] وكقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ -إلى قوله- ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٢ - ١٠] في أشباه ذلك من الآيات والسياقات.\n_________\n(^١) المسند ٢/ ١٣.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٧٥، باب ٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٣٤٣.","vol":"8","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2035>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ إلى ٤٠]</span>\n﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَاِلْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)﴾\nيخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال ثبتنا الله هنالك بالقول الثابت فقال تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ إن جعلنا (كلا) رادعة فمعناها لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به بل صار ذلك عندك عيانا، وإن جعلناها بمعنى «حقّا» فظاهر، أي حقا إذا بلغت التراقي أي انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك، والتراقي جمع ترقوة وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧] وهكذا قال هاهنا: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ويذكر هاهنا حديث بسر بن جحاش الذي تقدم في سورة يس. والتراقي جمع ترقوة وهي قريبة من الحلقوم.\n﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: أي من راق يرقى، وكذا قال أبو قلابة:\n﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ أي من طبيب شاف، وكذا قال قتادة والضحاك وابن زيد، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ قال: قيل من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة.\nوبهذا الإسناد عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قال: التفت عليه الدنيا والآخرة، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يقول آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من ﵀ (^١). وقال عكرمة: ﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ الأمر العظيم بالأمر العظيم، وقال مجاهد: بلاء ببلاء، وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ هما ساقاك إذا التفتا، وفي رواية عنه ماتت رجلاه فلم تحملاه وقد كان عليهما جوالا، وكذا قال السدي عن أبي مالك، وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن، وقال الضحاك: ﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه.\nوقوله تعالى: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ أي المرجع والمآب وذلك أن الروح ترفع إلى السموات، فيقول الله ﷿: ردوا عبدي إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٣٤٧.","vol":"8","page":289},{"text":"أخرجهم تارة أخرى، كما ورد في حديث البراء الطويل. وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١ - ٦٢].\nوقوله جل وعلا: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنا ولا ظاهرا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أي جذلا أشرا بطرا كسلانا لا همة له ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣٤].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أي يرجع ﴿بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٣ - ١٥] وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أي يختال: وقال قتادة وزيد بن أسلم: يتبختر. قال الله تعالى: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به المتبختر في مشيه أي يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وكقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] وكقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] وكقوله ﷻ: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] إلى غير ذلك.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرّحمن يعني ابن مهدي عن إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت سعيد بن جبير قلت ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ قال: قاله النبي ﷺ لأبي جهل ثم نزل به القرآن.\nوقال أبو عبد الرّحمن النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة (ح) وحدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾؟ قال: قاله رسول الله ﷺ لأبي جهل ثم أنزله الله ﷿.\nقال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا شعيب عن إسحاق، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ وعيد على أثر وعيد كما تسمعون، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نبي الله ﷺ بمجامع ثيابه ثم قال: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ فقال عدو الله أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا وإني لأعز من مشى بين جبليها.\nوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قال السدي: يعني لا يبعث. وقال","vol":"8","page":290},{"text":"مجاهد والشافعي وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: يعني لا يؤمر ولا ينهى، والظاهر أن الآية تعم الحالين أي ليس يترك في هذه الدنيا مهملا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث بل هو مأمور منهي في الدنيا محشور إلى الله في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال تعالى مستدلا على الإعادة بالبداءة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ أي أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين. يمنى: يراق من الأصلاب في الأرحام.\n﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ أي فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء ذكرا أو أنثى بإذن الله وتقديره. ولهذا قال تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾.\nثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ أي أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه وتناول القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة وإما مساوية على القولين في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٧] والأول أشهر كما تقدم في سورة الروم بيانه وتقريره والله أعلم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا شبابة عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة عن آخر أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ قال: سبحانك اللهم فبلى، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.\nوقال أبو داود ﵀ حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ قال سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله ﷺ، تفرد به أبو داود (^١) ولم يسم هذا الصحابي ولا يضر ذلك.\nوقال أبو داود أيضا: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني إسماعيل بن أمية، سمعت أعرابيا يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فانتهى إلى قوله ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ فليقل بلى، ومن قرأ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ [المرسلات: ١] فبلغ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فليقل «آمنا بالله» (^٢) ورواه أحمد عن سفيان بن عيينة ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به وقد رواه شعبة عن إسماعيل بن أمية قال: قلت له من حدثك؟ قال: رجل\n_________\n(^١) كتاب الصلاة باب ١٤٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٥٠، والترمذي في تفسير سورة ٩٥ باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٩.","vol":"8","page":291},{"text":"صدق عن أبي هريرة.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ ذكر لنا أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأها قال «سبحانك وبلى» ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه مر بهذه الآية ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ قال: سبحانك فبلى.\nآخر تفسير سورة القيامة ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2036>تفسير سورة الإنسان</span>\nوهي مكية\nقد تقدم في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة و﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ (^٢) وقال عبد الله بن وهب: أخبرنا ابن زيد أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود، فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه، فقال رسول الله ﷺ:\n«أخرج نفس صاحبكم-أو قال أخيكم-الشوق إلى الجنة» مرسل غريب.\n\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2037>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا (٣)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئا يذكر لحقارته وضعفه فقال تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ثم بين ذلك فقال ﷻ: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ﴾ أي أخلاط، والمشج والمشيج: الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ﴾ يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور وحال إلى حال ولون إلى لون، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٣٥٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجمعة حديث ٦٤، ٦٦.","vol":"8","page":292},{"text":"وقوله تعالى: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أي نختبره كقوله ﷻ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي جعلنا له سمعا وبصرا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية.\nوقوله جل وعلا: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جل وعلا:\n﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وكقوله جل وعلا: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة وعطية وابن زيد ومجاهد في المشهور عنه والجمهور. وروي عن مجاهد وأبي صالح والضحاك والسدي أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ يعني خروجه من الرحم، وهذا قول غريب والصحيح المشهور الأول.\nوقوله تعالى: ﴿إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ منصوب على الحال من الهاء في قوله: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ تقديره فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن خثيم عن عبد الرّحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: «أعاذك الله من إمارة السفهاء» قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: «أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي. يا كعب بن عجرة، الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربات-أو قال برهان-يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب، الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها» ورواه عن عفان عن وهيب عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به.\nوقد تقدم في سورة الروم عند قوله ﷻ ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم:٣٠] من رواية جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا أعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا» (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الطهارة حديث ١.\n(^٢) المسند ٣/ ٣٢١.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٥٣.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٢٣.","vol":"8","page":293},{"text":"المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان:\nراية بيد ملك وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته».\n\n<span data-type='title' id=toc-2038>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٤ إلى ١٢]</span>\n﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا (٩) إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾\nيخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللهب والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢] ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة. قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفا بلا مزج ويروون بها، ولهذا ضمن يشرب معنى يروى حتى عداه بالباء ونصب عينا على التمييز، قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور، وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبا بيشرب حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير (^١).\nوقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أي يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الإنباع كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وقال ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣].\nوقال مجاهد: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ يقودونها حيث شاؤوا وكذا قال عكرمة وقتادة، وقال الثوري يصرفونها حيث شاؤوا، وقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ أي يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.\nقال الإمام مالك عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن القاسم بن مالك عن عائشة رضي الله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٣٥٧، ٣٥٨.","vol":"8","page":294},{"text":"عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (^١) رواه البخاري من حديث مالك. ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد وهو اليوم الذي شره مستطير أي منتشر عام على الناس إلا من رحم الله، قال ابن عباس: فاشيا، وقال قتادة: استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض، وقال ابن جرير (^٢): ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] فبانت وقد أسأرت في الفؤاد … صدعا على نأيها مستطيرا (^٣)\nيعني ممتدا فاشيا. وقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ قيل على حب الله تعالى، وجعلوا الضمير عائدا إلى الله ﷿ لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام أي ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد ومقاتل واختاره ابن جرير كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nوروى البيهقي من طريق الأعمش عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبا أول ما جاء العنب فأرسلت صفية، يعني امرأته، فاشترت عنقودا بدرهم فاتبع الرسول سائل فلما دخل به قال السائل:\nالسائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه إياه، فأرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودا فاتبع الرسول السائل، فلما دخل قال السائل: فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه إياه، فأرسلت صفية إلى السائل فقالت والله إن عدت لا تصيب منه خيرا أبدا، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به.\nوفي الصحيح «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر» (^٤) أي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين، ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأيمان باب ٢٨، ومالك في النذور حديث ٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٣٥٩.\n(^٣) يروى البيت: فبانت وقد أورثت في الفؤاد صدعا يخالط عثارها وهو في ديوان الأعشى ص ٣٦٧، وتهذيب اللغة ٢/ ٣٢٦، وتاج العروس (عثر)، ولسان العرب (عثر)، وتفسير الطبري ١٢/ ٣٥٩، والبيت بلا نسبة في مجمل اللغة ٣/ ٤٤٤.\n(^٤) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٩٢.","vol":"8","page":295},{"text":"وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث، حتى أنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» (^١) قال مجاهد: هو المحبوس، أي يطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ أي رجاء ثواب الله ورضاه ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا﴾ أي لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس.\nقال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به. ليرغب في ذلك راغب ﴿إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أي إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿عَبُوسًا﴾ ضيقا، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ طويلا، وقال عكرمة وغيره عنه في قوله ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قال: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران. وقال مجاهد ﴿عَبُوسًا﴾ العابس الشفتين ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ قال: يقبيض الوجه بالبسور. وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ تقليص الجبين وما بين العينين من الهول. وقال ابن زيد، العبوس الشر، والقمطرير الشديد، وأوضح العبارات، وأجلاها، وأحلاها، وأعلاها وأولاها قول ابن عباس ﵁.\nقال ابن جرير (^٢): والقمطرير هو الشديد يقال: هو يوم قمطرير ويوم قماطر ويوم عصيب وعصبصب، وقد اقمطر اليوم يقمطر اقمطرارا، وذلك أشد الأيام وأطولها في البلاء والشدة ومنه قول بعضهم: [الطويل] بني عمنا هل تذكرون بلاءنا؟ … عليكم إذا ما كان يوم قماطر (^٣)\nقال الله تعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ وهذا من باب التجانس البليغ ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ﴾ أي آمنهم مما خافوا منه ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً﴾ أي في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ أي في قلوبهم، قاله الحسن البصري وقتادة وأبو العالية والربيع بن أنس، وهذه كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩] وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه.\nقال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٧٨، ٣/ ١١٧، ٦/ ٢٩٠، ٣١١، ٣١٥، ٣٢١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٣٦١.\n(^٣) البيت بلا نسبة في لسان العرب (قمطر)، وتاج العروس (قمطر)، وديوان الأدب ٢/ ٥٧، وتفسير الطبري ١٢/ ٣٦١.","vol":"8","page":296},{"text":"فلقة قمر (^١)، وقالت عائشة ﵂: دخل علي رسول الله ﷺ مسرورا تبرق أسارير وجهه (^٢) الحديث.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا﴾ أي بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ أي منزلا رحبا وعيشا رغيدا ولباسا حسنا. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الداراني قال: قرئ على أبي سليمان الداراني سورة ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ فلما بلغ القارئ إلى قوله تعالى: ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ قال: بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا ثم أنشد يقول: [الطويل] كم قتيل بشهوة وأسير … أف من مشتهي خلاف الجميل\nشهوات الإنسان تورثه الذل … وتلقيه في البلاء الطويل\n\n<span data-type='title' id=toc-2039>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٣ إلى ٢٢]</span>\n﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾\nيخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم وما أسبغ عليهم من الفضل العميم فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات، وذكر الخلاف في الاتكاء هل هو الاضطجاع أو التمرفق أو التربع أو التمكن في الجلوس، وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال.\nوقوله تعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ أي ليس عندهم حر مزعج ولا برد مؤلم بل هي مزاج واحد دائم سرمدي لا يبغون عنها حولا ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ أي قريبة إليهم أغصانها ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ أي متى تعاطاه دنا القطف إليه وتدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرّحمن: ٥٤] وقال جل وعلا: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] قال مجاهد: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ إن قام ارتفعت معه بقدره، وإن قعد تذللت له حتى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتى ينالها فذلك قوله تعالى:\n﴿تَذْلِيلًا﴾ وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد، وقال مجاهد أرض الجنة من ورق وترابها من المسك، وأصول شجرها من ذهب وفضة، وأفنانها من اللؤلؤ الرطب والزبرجد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٣، والمغازي باب ٧٩، وتفسير سورة ٩، باب ١٨، ومسلم في التوبة حديث ٥٣، والترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١٧، وأحمد في المسند ٦/ ٣٨٩، ٣٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٣، ومسلم في الرضاع حديث ٣٨.","vol":"8","page":297},{"text":"والياقوت والورق والثمر بين ذلك، فمن أكل منها قائما لم تؤذه، ومن أكل منها قاعدا لم تؤذه، ومن أكل منها مضطجعا لم تؤذه.\nوقوله جلت عظمته: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ﴾ أي يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام وهي من فضة وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم، وقوله ﴿قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ فالأول منصوب بخبر كان أي كانت قوارير، والثاني منصوب إما على البدلية أو تمييز لأنه بينه بقوله جل وعلا: ﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا، قال ابن المبارك عن إسماعيل عن رجل عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. رواه ابن أبي حاتم: وقوله تعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ أي على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص بل هي معدة لذلك مقدرة بحسب ري صاحبها، وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح وقتادة وابن أبزى، وعبد الله بن عبيد بن عمير وقتادة والشعبي وابن زيد، وقاله ابن جرير وغير واحد، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قدرت للكف وهكذا قال الربيع بن أنس، وقال الضحاك، على قدر أكف الخادم، وهذا لا ينافي القول الأول فإنها مقدرة في القدر والري.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ أي ويسقون يعني الأبرار أيضا في هذه الأكواب ﴿كَأْسًا﴾ أي خمرا ﴿كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفا كما قال قتادة وغير واحد: وقد تقدم قوله جل وعلا ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ وقال هاهنا: ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ أي الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا، وقال عكرمة: اسم عين في الجنة، وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحدة جريها، وقال قتادة: ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ عين سلسة مستفيد ماؤها، وحكى ابن جرير عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق واختار هو أنها تعم ذلك كله وهو كما قال.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ أي يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي على حالة واحدة مخلدون عليها لا يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون في آذانهم الأقرطة فإنما عبر عن المعنى بذلك، لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير.","vol":"8","page":298},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ أي إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم حسبتهم لؤلؤا منثورا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. وقال قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ما عليه صاحبه.\nوقوله جل وعلا: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ﴾ أي وإذا رأيت يا محمد ﴿ثَمَّ﴾ أي هناك يعني في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ أي مملكة لله هناك عظيمة وسلطانا باهرا. وثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا إليها: إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها. وقد قدمنا في الحديث المروي من طريق ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألف سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه» (^١) فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى؟ وقد روى الطبراني هاهنا حديثا غريبا جدا فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عقبة بن سالم عن أيوب بن عتبة عن عطاء عن ابن عمر قال:\nجاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: «سل واستفهم» فقال:\nيا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت به إني لكائن معك في الجنة؟ قال: «نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام» ثم قال رسول الله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند الله، ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة» فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ «إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة أو نعم الله فتكاد تستنفد ذلك كله إلا أن يتغمده الله برحمته» ونزلت هذه السورة ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ -إلى قوله- ﴿مُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة قال «نعم» فاستبكى حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيده.\nوقوله ﷻ: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ أي لباس أهل الجنة فيها الحرير ومنه سندس وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر كما هو المعهود في اللباس ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٣، والترمذي في تفسير سورة ٧٥، باب ٢.","vol":"8","page":299},{"text":"الأبرار، وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾ أي طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هنالك عينين، فكأنما ألهموا ذلك فشربوا من إحداهما فأذهب الله ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فأخبر ﷾ بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي يقال لهم ذلك تكريما لهم وإحسانا إليهم كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي جزاكم الله تعالى على القليل بالكثير.\n\n<span data-type='title' id=toc-2040>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٣ إلى ٣١]</span>\n﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٣١)﴾\nيقول تعالى ممتنا على رسوله ﷺ بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على الله فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله والكفور هو الكافر قلبه.\n﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي أول النهار وآخره ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وكقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤] ثم قال تعالى منكرا على الكفار ومن أشبههم في حب الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم ﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ يعني يوم القيامة.\nثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني خلقهم ﴿وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة وبدلناهم","vol":"8","page":300},{"text":"فأعدناهم خلقا جديدا، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة. وقال ابن زيد وابن جرير ﴿وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣] وكقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠].\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يعني هذه السورة تذكرة ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي طريقا ومسلكا أي من شاء اهتدى بالقرآن كقوله تعالى: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٩] الآية، ثم قال تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعا ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى. وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ أي يهدي من يشاء ويضل من يشاء فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.\n\nآخر تفسير سورة الإنسان، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2041>تفسير سورة المرسلات</span>\nوهي مكية\nقال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم عن الأسود عن عبد الله-هو ابن مسعود-﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار بمنى إذ نزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية، فقال النبي ﷺ: «اقتلوها» فابتدرناها فذهبت فقال النبي ﷺ: «وقيت شركم كما وقيتم شرها» (^١) وأخرجه مسلم أيضا من طريق الأعمش.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن أمه أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا، وفي رواية مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس أن أم الفضل سمعته يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (^٣). أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧٧، باب ١، ومسلم في السّلام حديث ١٣٧.\n(^٢) المسند ٦/ ٣٣٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأذان باب ٩٨، ومسلم في الصلاة حديث ١٧٣.","vol":"8","page":301},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2042>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ إلى ١٥]</span>\n﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنّاشِراتِ نَشْرًا (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن سهل المروزي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: الملائكة، وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات والسدي والربيع بن أنس مثل ذلك وروي عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل، وفي رواية عنه أنها الملائكة، وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات أنها الملائكة. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي العبيدين قال: سألت ابن مسعود عن المرسلات عرفا قال: الريح.\nوكذا قال في ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا وَالنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ إنها الريح، وكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية عنه وتوقف ابن جرير في ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضا، أو هي الرياح إذا هبت شيئا فشيئا؟ وقطع بأن العاصفات عصفا الرياح كما قاله ابن مسعود ومن تابعه، وممن قال ذلك في العاصفات عصفا أيضا علي بن أبي طالب والسدي وتوقف في الناشرات نشرا هل هي الملائكة أو الريح كما تقدم؟ وعن أبي صالح أن الناشرات نشرا هي المطر، والأظهر أن المرسلات هي الرياح كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وهكذا العاصفات هي الرياح، يقال عصفت الرياح إذا هبت بتصويت، وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ يعني الملائكة. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري، ولا خلاف هاهنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام أي ما وعدتم به من قيام الساعة والنفخ في الصور وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إن هذا كله ﴿لَواقِعٌ﴾ أي لكائن لا","vol":"8","page":302},{"text":"محالة. ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أي ذهب ضوؤها كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢] ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها.\n﴿وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أي ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧] الآية. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكفه: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: جمعت. وقال ابن زيد: وهذه كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقال مجاهد: ﴿أُقِّتَتْ﴾ أجلت. وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم ﴿أُقِّتَتْ﴾ أو عدت وكأنه يجعلها كقوله تعالى:\n﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].\nثم قال تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها حتى تقوم الساعة كما قال تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٧ - ٤٨] وهو يوم الفصل كما قال تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ ثم قال تعالى معظما لشأنه: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي ويل لهم من عذاب الله غدا وقد قدمنا في الحديث أن ويل واد في جهنم ولا يصح.\n\n<span data-type='title' id=toc-2043>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ إلى ٢٨]</span>\n﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتًا (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ أي ممن أشبههم ولهذا قال تعالى: ﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ قاله ابن جرير (^١). ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومحتجا على الإعادة بالبداءة:\n﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ أي ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري ﷿ كما تقدم في سورة يس في حديث بسر بن جحاش «ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٣٨٤.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢١٠.","vol":"8","page":303},{"text":"﴿فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ يعني جمعناه في الرحم وهو قرار الماء من الرجل والمرأة والرحم معد لذلك حافظ لما أودع فيه من الماء. وقوله تعالى: ﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ يعني إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا أَحْياءً وَأَمْواتًا﴾ قال ابن عباس: ﴿كِفاتًا﴾ كنا وقال مجاهد: يكفت الميت فلا يرى منه شيء وقال الشعبي بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم وكذا قال مجاهد وقتادة ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ يعني الجبال أرسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا﴾ أي عذبا زلالا من السحاب أو مما أنبعه الله من عيون الأرض ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره.\n\n<span data-type='title' id=toc-2044>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٩ إلى ٤٠]</span>\n﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن الكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار أنهم يقال لهم يوم القيامة: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ يعني لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب ﴿لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أي ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب يعني ولا يقيهم حر اللهب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ أي يتطاير الشرر من لهبها كالقصر، قال ابن مسعود: كالحصون، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وغيرهم: يعني أصول الشجر.\n«كأنه جمالات صفر» أي كالإبل السود، قاله مجاهد والحسن وقتادة والضحاك واختاره ابن جرير، وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: «جمالات صفر» يعني حبال السفن، وعنه أعني ابن عباس: ﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ قطع نحاس.\nوقال البخاري (^١): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى أنبأنا سفيان عن عبد الرّحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس ﵄ ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك فنرفعه للبناء فنسميه القصر «كأنه جمالات صفر» حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٧٧، باب ٢، ٣.","vol":"8","page":304},{"text":"﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أي لا يتكلمون ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ أي لا يقدرون على الكلام ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا بل قد قامت عليهم الحجة ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون، وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحالة تارة، ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذ، ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده يقول لهم: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ يعني أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد أي إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي وتنجوا من حكمي فافعلوا فإنكم لا تقدرون على ذلك كما قال تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [الرّحمن: ٣٣] وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧] وفي الحديث: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني».\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن المنذر الطريقي الأودي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا حصين بن عبد الرّحمن عن حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، ويقول الله: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ اليوم لا ينجو مني جبار عنيد، ولا شيطان مريد، فقال عبد الله بن عمرو: فإنا نحدث يومئذ أنها تخرج عنق من النار فتنطلق، حتى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرف بهم من الأب بولده ومن الأخ بأخيه لا يغيبهم عني وزر ولا تخفيهم عني خافية، الذي جعل مع الله إلها آخر، وكل جبار عنيد وكل شيطان مريد، فتنطوي عليهم فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2045>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ إلى ٥٠]</span>\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات، وترك المحرمات، أنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون أي بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظلل اليحموم وهو الدخان الأسود المنتن، وقوله تعالى: ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أي ومن سائر أنواع الثمار مهما","vol":"8","page":305},{"text":"طلبوا وجدوا ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم ثم قال تعالى مخبرا خبرا مستأنفا: ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ خطاب للمكذبين بيوم الدين وأمرهم أمر تهديد ووعيد فقال تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ أي مدة قليلة قريبة قصيرة ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ أي ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]: وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠] وقوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أي إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟ كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦].\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية:\nسمعت رجلا أعرابيا بدويا يقول: سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ -فقرأ- ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾؟ فليقل آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدم هذا الحديث في سورة القيامة.\n\nآخر تفسير سورة المرسلات، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2046>تفسير سورة النبأ</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2047>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ إلى ١٦]</span>\n﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا (٦) وَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (١٢) وَجَعَلْنا سِراجًا وَهّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا (١٥) وَجَنّاتٍ أَلْفافًا (١٦)﴾\nيقول تعالى منكرا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارا لوقوعها ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ أي عن أي شيء يتساءلون عن أمر القيامة وهو النبأ العظيم، يعني","vol":"8","page":306},{"text":"الخبر الهائل المفظع الباهر، قال قتادة وابن زيد: النبأ العظيم البعث بعد الموت وقال مجاهد:\nهو القرآن (^١). والأظهر الأول لقوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ يعني الناس فيه على قولين مؤمن به وكافر.\nثم قال تعالى متوعدا لمنكري القيامة ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد. ثم شرع ﵎ يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا﴾ أي ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة ﴿وَالْجِبالَ أَوْتادًا﴾ أي جعلها لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها.\nثم قال تعالى: ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا﴾ يعني ذكرا وأنثى يتمتع كل منهما بالآخر ويحصل التناسل بذلك كقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا﴾ أي قطعا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة الفرقان ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧] وجعلنا الليل لباسا أي يغشى الناس ظلامه وسواده كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] وقال الشاعر: [الطويل] فلما لبسن الليل أو حين نصّبت … له من خذا آذانها وهو جانح (^٢)\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ أي سكنا، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا﴾ أي جعلناه مشرقا نيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا﴾ يعني السموات السبع في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وَهّاجًا﴾ يعني الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ قال العوفي عن ابن عباس:\n﴿الْمُعْصِراتِ﴾ الريح (^٣)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ﴾ قال: الرياح، وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي وزيد بن أسلم وابنه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٣٩٥.\n(^٢) البيت لذي الرمة في ديوانه ص ٨٩٧، وأدب الكاتب ص ٢١٤، والخصائص ٢/ ٣٦٥، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٥٨٢.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٣٩٨.","vol":"8","page":307},{"text":"عبد الرّحمن إنها الرياح، ومعنى هذا القول إنها تستدر المطر من السحاب، وقال علي بن أبي طلحه عن ابن عباس من المعصرات أي من السحاب، وكذا قال عكرمة أيضا وأبو العالية والضحاك والحسن والربيع بن أنس والثوري واختاره ابن جرير.\nوقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد، كما يقال امرأة معصر إذا دنا حيضها ولم تحض. وعن الحسن وقتادة: ﴿مِنَ الْمُعْصِراتِ﴾ يعني السموات وهذا قول غريب، والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب كما قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم: ٤٨] أي من بينه.\nوقوله جل وعلا: ﴿ماءً ثَجّاجًا﴾ قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس: ﴿ثَجّاجًا﴾ منصبا وقال الثوري: متتابعا وقال ابن زيد: كثيرا، وقال ابن جرير (^١) ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج وإنما الثج الصب المتتابع ومنه قول النبي ﷺ: «أفضل الحج العج والثج» (^٢) يعني صب دماء البدن هكذا قال، قلت وفي حديث المستحاضة حين قال لها رسول الله ﷺ: «أنعت لك الكرسف» يعني أن تحتشي بالقطن فقالت: يا رسول الله هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجا (^٣)، وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصب المتتابع الكثير، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا وَجَنّاتٍ أَلْفافًا﴾ أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك ﴿حَبًّا﴾ يدخر للأناسي والأنعام ﴿وَنَباتًا﴾ أي خضرا يؤكل رطبا ﴿وَجَنّاتٍ﴾ أي بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعا ولهذا قال ﴿وَجَنّاتٍ أَلْفافًا﴾، قال ابن عباس وغيره: ﴿أَلْفافًا﴾ مجتمعة، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].\n_________\n(^١) تفسير ١٢/ ٤٠٠.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الحج باب ١٤، وتفسير سورة ٣، باب ٦، وابن ماجة في المناسك باب ٦، والدارمي في المناسك باب ٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ١٠٩، والترمذي في الطهارة باب ٩٥، وابن ماجة في الطهارة باب ١١٧، وأحمد في المسند ٦/ ٣٨٢، ٤٣٩، ٤٤٠.","vol":"8","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2048>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ إلى ٣٠]</span>\n﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا (٣٠)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا﴾ قال مجاهد: زمرا زمرا، قال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].\nوقال البخاري (^١) ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا﴾ حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون» قالوا: أربعون يوما؟ قال «أبيت» قالوا: أربعون شهرا؟ قال «أبيت» قالوا: أربعون سنة؟ قال «أبيت» قال «ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة».\n﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا﴾ أي طرقا ومسالك لنزول الملائكة ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل:٨٨] وكقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقال هاهنا: ﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ أي يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ أي مرصدة معدة ﴿لِلطّاغِينَ﴾ وهم المردة العصاة المخالفون للرسل ﴿مَآبًا﴾ أي مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلا. وقال الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ يعني أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس، وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر.\nوقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ أي ماكثين فيها أحقابا وهي جمع حقب وهو المدة من الزمان، وقد اختلفوا في مقداره فقال ابن جرير عن ابن حميد عن مهران عن سفيان الثوري عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة كل سنة اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة، وهكذا روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وابن عباس وسعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك، وعن الحسن والسدي أيضا سبعون سنة كذلك، وعن عبد الله بن عمرو: الحقب أربعون سنة كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، رواهما ابن أبي حاتم.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٧٨، باب ١.","vol":"8","page":309},{"text":"وقال بشير بن كعب: ذكر لي أن الحقب الواحد ثلاثمائة سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم منها كألف سنة، رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم، ثم قال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمر بن علي بن أبي بكر الأسفذني، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ قال: فالحقب شهر، الشهر ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة، وهذا حديث منكر جدا، والقاسم هو والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك.\nوقال البزار: حدثنا محمد بن مرداس، حدثنا سليمان بن مسلم أبو المعلّى قال: سألت سليمان التيمي: هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابا» قال: والحقب بضع وثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما مما تعدون، ثم قال: سليمان بن مسلم بصري مشهور، وقال السدي ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ سبعمائة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم كألف سنة مما تعدون، وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾.\nوقال خالد بن معدان: هذه الآية وقوله تعالى: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ في أهل التوحيد رواهما ابن جرير (^٢) ثم قال: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ متعلقا بقوله تعالى:\n﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا﴾ ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابا من شكل آخر ونوع آخر ثم قال: والصحيح أنها لا انقضاء لها كما قال قتادة والربيع بن أنس، وقد قال قبل ذلك: حدثني محمد بن عبد الرّحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن زهير عن سالم: سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ قال: أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحقب سبعون سنة كل يوم منها كألف سنة مما تعدون.\nوقال سعيد عن قتادة: قال الله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ وهو ما لا انقطاع له وكلما مضى حقب جاء حقب بعده. وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة وقال الربيع بن أنس ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله ﷿، وذكر لنا أن الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، وكل يوم كألف سنة مما تعدون، رواهما أيضا ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا﴾ أي لا يجدون في جهنم بردا لقلوبهم ولا شرابا طيبا يتغذون به ولهذا قال تعالى: ﴿إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا﴾ قال أبو العالية: استثنى من\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٠٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٠٤.","vol":"8","page":310},{"text":"البرد الحميم ومن الشراب الغساق، وكذا قال الربيع بن أنس، فأما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموّه والغساق هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه، وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة ﴿ص﴾ بما أغنى عن إعادته-أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه-قال ابن جرير وقيل المراد بقوله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ يعني النوم كما قال الكندي: [الكامل] بردت مراشفها عليّ فصدّني … عنها وعن قبلاتها البرد (^١)\nيعني بالبرد النعاس والنوم. هكذا ذكره ولم يعزه إلى أحد. وقد رواه ابن أبي حاتم من طريق السدي عن مرة الطيب ونقله عن مجاهد أيضا. وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضا. وقوله تعالى: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ أي هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا، قاله مجاهد وقتادة وغير واحد.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ أي لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها ويحاسبون ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ أي وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة. وقوله: ﴿كِذّابًا﴾ أي تكذيبا، وهو مصدر من غير الفعل، قالوا: وقد سمع أعرابي يستفتي الفراء على المروة: الحلق أحب إليك أو القصار؟ وأنشد بعضهم: [الطويل] لقد طال ما ثبّطتني عن صحابتي … وعن حوج قضاؤها من شفائيا (^٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ أي وقد علمنا أعمال العباد كلهم وكتبناها عليهم وسنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾ أي يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨]، قال قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾ قال: فهم في مزيد من العذاب أبدا، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، حدثنا خالد بن عبد الرّحمن، حدثنا جسر بن فرقد عن الحسن قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾ قال:\n«أهلك القوم بمعاصيهم الله ﷿» جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية.\n_________\n(^١) البيت للكندي في تفسير الطبري ١٢/ ٤٠٦ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٢٩٥، والاشتقاق ص ٤٧٨، والأزمنة والأمكنة ٢/ ١٥.\n(^٢) البيت بلا نسبة في لسان العرب (كذب)، (حوج)، (قضي)، والمخصص ١٢/ ٢٢٢، وأساس البلاغة (لوي)، وتاج العروس (كذب)، (حوج)، (قضي)","vol":"8","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2049>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ إلى ٣٦]</span>\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (٣١) حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْرابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذّابًا (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا (٣٦)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن السعداء وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم فقال تعالى:\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ قال ابن عباس والضحاك: متنزها. وقال مجاهد وقتادة: فازوا فنجوا من النار. والأظهر هاهنا قول ابن عباس لأنه قال بعده ﴿حَدائِقَ﴾ وهي البساتين من النخيل وغيرها ﴿وَأَعْنابًا وَكَواعِبَ أَتْرابًا﴾ أي وحورا كواعب، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد ﴿كَواعِبَ﴾ أي نواهد، يعنون أن ثديهن نواهد لم يتدلين لأنهن أبكار عرب أتراب أي في سن واحد كما تقدم بيانه في سورة الواقعة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرّحمن الدشتكي، حدثني أبي عن أبي سفيان عبد الرّحمن بن عبد الله بن تيم، حدثنا عطية بن سليمان أبو الغيث عن أبي عبد الرّحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي عن أبي أمامة أنه سمعه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال «إن قمص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله وإن السحابة لتمر بهم فتناديهم يا أهل الجنة ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى أنها لتمطرهم الكواعب الأتراب».\nوقوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهاقًا﴾ قال ابن عباس: مملوءة ومتتابعة. وقال عكرمة: صافية، وقال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد ﴿دِهاقًا﴾ الملأى المترعة، وقال مجاهد وسعيد بن جبير هي المتتابعة. وقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذّابًا﴾ كقوله: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أي ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة ولا إثم كذب، بل هي دار السّلام وكل ما فيها سالم من النقص وقوله: ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ أي هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه بفضله ومنه وإحسانه ورحمته ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ أي كافيا وافيا شاملا كثيرا، تقول العرب: أعطاني فأحسبني أي كفاني ومنه حسبي الله أي الله كافيّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2050>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]</span>\n﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠)﴾\nيخبر تعالى عن عظمته وجلاله وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما وأنه الرّحمن الذي شملت رحمته كل شيء، وقوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا﴾ أي لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] وقوله تعالى. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا ما هو؟ على أقوال","vol":"8","page":312},{"text":"[أحدها] ما رواه العوفي عن ابن عباس أنهم أرواح بني أدم [الثاني] هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة. وقال قتادة: هذا مما كان ابن عباس يكتمه [الثالث] أنهم خلق من خلق الله على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولا ببشر، وهم يأكلون ويشربون، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش [الرابع] هو جبريل قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك، ويستشهد لهذا القول بقوله ﷿: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] وقال مقاتل بن حيان: الروح هو أشرف الملائكة وأقرب إلى الرب ﷿ وصاحب الوحي.\n[الخامس] أنه القرآن، قاله ابن زيد كقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ [الشورى:٥٢] الآية. [والسادس] أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا رواد بن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة هو أعظم من السموات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفا وحده وهذا قول غريب جدا.\nوقد قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب الله بن روق بن هبيرة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثني عطاء عن عبد الله بن عباس:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل. تسبيحه سبحانك حيث كنت» وهذا حديث غريب جدا، وفي رفعه نظر، وقد يكون موقوفا على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات، والله أعلم. وتوقف ابن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها والأشبه عندي والله أعلم أنهم بنو آدم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ كقوله: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] وكما ثبت في الصحيح «ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل» (^٢) وقوله تعالى: ﴿وَقالَ صَوابًا﴾ أي حقا ومن الحق لا إله إلا الله كما قاله أبو صالح وعكرمة، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي الكائن لا محالة ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي مرجعا طريقا يهتدي إليه ومنهجا يمر به عليه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا﴾ يعني يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبا لأن كل ما هو آت آت ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أي يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها.\nقديمها وحديثها كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] وكقوله تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤١٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٢٩، والتوحيد باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩.","vol":"8","page":313},{"text":"﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ أي يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا، ولم يكن خلق ولا خرج إلى الوجود، وذلك حين عاين عذاب الله ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة، وقيل إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور، حتى أنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابا فتصير ترابا فعند ذلك يقول الكافر ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ أي كنت حيوانا فأرجع إلى التراب، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما.\nآخر تفسير سورة النبأ. ولله الحمد والمنة. وبه التوفيق والعصمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2051>تفسير سورة النازعات</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2052>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ إلى ١٤]</span>\n﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا (١) وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا (٢) وَالسّابِحاتِ سَبْحًا (٣) فَالسّابِقاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ (١٤)﴾\nقال ابن مسعود وابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير وأبو صالح وأبو الضحى والسدي ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ الملائكة يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط وهو قوله:\n﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ قاله ابن عباس، وعن ابن عباس ﴿وَالنّازِعاتِ﴾ هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار رواه ابن أبي حاتم وقال مجاهد ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ الموت، وقال الحسن وقتادة ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ هي النجوم.\nوقال عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ﴾ ﴿وَالنّاشِطاتِ﴾ هي القسي في القتال والصحيح الأول وعليه الأكثرون. وأما قوله تعالى: ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فقال ابن مسعود: هي الملائكة، وروي عن علي ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح مثل ذلك، وعن مجاهد ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ الموت، وقال قتادة: هي النجوم، وقال عطاء بن أبي رباح، هي السفن.","vol":"8","page":314},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ روي عن علي ومسروق ومجاهد وأبي صالح والحسن البصري يعني الملائكة، قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق به وعن مجاهد: الموت.\nوقال قتادة: هي النجوم، وقال عطاء: هي الخيل في سبيل الله. وقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا﴾ قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي: هي الملائكة، زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها ﷿، ولم يختلفوا في هذا ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك، إلا أنه حكى في «المدبرات أمرا» أنها الملائكة ولا أثبت ولا نفى.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ قال ابن عباس: هما النفختان الأولى والثانية، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد، وعن مجاهد: أما الأولى وهي قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ فكقوله جلت عظمته: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ [المزمل: ١٤] والثانية وهي الرادفة فهي كقوله ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤].\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك، قال: «إذا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك» (^٢) وقد رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري بإسناده مثله، ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه».\nوقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ قال ابن عباس: يعني خائفة، وكذا قال مجاهد وقتادة ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ أي أبصار أصحابها وإنما أضيف إليها للملابسة أي ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد. يستعبدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة وهي القبور، قاله مجاهد، وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها، ولهذا قالوا: ﴿أَإِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ وقرئ ناخرة وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: أي بالية، قال ابن عباس: وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه.\n﴿قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ وعن ابن عباس ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي وقتادة: الحافرة الحياة بعد الموت، وقال ابن زيد: الحافرة النار، وما أكثر\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٣٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٣، والترمذي في القيامة باب ٢٣.","vol":"8","page":315},{"text":"أسماءها! هي النار والجحيم وسقر وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة، وأما قولهم:\n﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ فقال محمد بن كعب: قالت قريش لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرن، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ أي فإنما هو أمر من الله لا مثنوية فيه ولا تأكيد، فإذا الناس قيام ينظرون وهو أن يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب ﷿ ينظرون، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].\nقال مجاهد: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ صيحة واحدة. وقال إبراهيم التيمي: أشد ما يكون الرب ﷿ غضبا على خلقه يوم يبعثهم، وقال الحسن البصري: زجرة من الغضب، وقال أبو مالك والربيع بن أنس: زجرة واحدة هي النفخة الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ قال ابن عباس: الساهرة الأرض كلها، وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وأبو صالح، وقال عكرمة والحسن والضحاك وابن زيد: الساهرة وجه الأرض، وقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها، قال والساهرة المكان المستوي، وقال الثوري: الساهرة أرض الشام، وقال عثمان بن أبي العاتكة: الساهرة أرض بيت المقدس، وقال وهب بن منبه: الساهرة جبل إلى جانب بيت المقدس، وقال قتادة أيضا:\nالساهرة جهنم، وهذه أقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا خزر بن المبارك الشيخ الصالح، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ قال: أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي، وقال الربيع بن أنس: ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ يقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ويقول تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] وبرزت الأرض التي عليها الجبال وهي لا تعد من هذه الأرض وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ولم يهراق عليها دم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2053>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٥ إلى ٢٦]</span>\n﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)﴾\nيخبر تعالى رسوله محمدا ﷺ عن عبده ورسوله موسى ﵇ أنه ابتعثه إلى فرعون،","vol":"8","page":316},{"text":"وأيده الله بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ أي هل سمعت بخبره ﴿إِذْ ناداهُ رَبُّهُ﴾ أي كلمه نداء ﴿بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي المطهر ﴿طُوىً﴾ وهو اسم الوادي على الصحيح كما تقدم في سورة طه، فقال له: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ أي تجبر وتمرد وعتا.\n﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ أي قل له هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به وتسلم وتطيع ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ﴾ أي أدلك إلى عبادة ربك ﴿فَتَخْشى﴾ أي فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشعا بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى﴾ يعني فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية ودليلا واضحا على صدق ما جاءه به من عند الله ﴿فَكَذَّبَ وَعَصى﴾ أي فكذب بالحق وخالف ما أمره به من الطاعة، وحاصله أنه كفر بقلبه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره وعلمه بأن ما جاء به حق لا يلزم منه أنه مؤمن به، لأن المعرفة علم القلب والإيمان عمله وهو الانقياد للحق والخضوع له.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى﴾ أي في مقابلة الحق بالباطل وهو جمعه السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى ﵇ من المعجزات الباهرات ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ أي في قومه ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] بأربعين سنة قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ أي انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: ﴿نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ أي الدنيا والآخرة، وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية، وقيل كفره وعصيانه والصحيح الذي لا شك فيه الأول، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ أي لمن يتعظ وينزجر.\n\n<span data-type='title' id=toc-2054>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٧ إلى ٣٣]</span>\n﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)﴾\nيقول تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ أيها الناس ﴿أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ﴾ يعني بل السماء أشد خلقا منكم، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] وقوله تعالى: ﴿بَناها﴾ فسره بقوله:\n﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ أي جعلها عالية البناء بعيدة الفناء مستوية الأرجاء مكللة بالكواكب في","vol":"8","page":317},{"text":"الليلة الظلماء، وقوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ أي جعل ليلها مظلما أسود حالكا ونهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا، وقال ابن عباس: أغطش ليلها أظلمه، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون ﴿وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ أي أنار نهارها.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ فسره بقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ وقد تقدم في سورة حم السجدة أن الأرض خلقت قبل خلق السماء ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، وهذا معنى قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله يعني ابن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿دَحاها﴾ ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ وقد تقدم تقرير ذلك هنالك.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ أي قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها وهو الحكيم العليم، الرؤوف بخلقه الرّحيم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال نعم: الحديد، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال نعم: النار، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار، قال: نعم الماء، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله» (^١).\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن عطاء عن أبي عبد الرّحمن السلمي عن علي قال: لما خلق الله الأرض قمصت وقالت تخلق عليّ آدم وذريته يلقون عليّ نتنهم ويعملون عليّ بالخطايا، فأرساها الله بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون، وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمه. غريب جدا.\nوقوله تعالى: ﴿مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها. وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١١٣، باب ٣، وأحمد في المسند ٣/ ١٢٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٣٩.","vol":"8","page":318},{"text":"في هذا الدار، إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2055>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٤ إلى ٤٦]</span>\n﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ وهو يوم القيامة، قاله ابن عباس سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع كما قال تعالى: ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ أي حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره وشره كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ أي أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانا ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى﴾ أي تمرد وعتا ﴿وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي قدمها على أمر دينه وأخراه.\n﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ أي فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي خاف القيام بين يدي الله ﷿ وخاف حكم الله فيه ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ أي منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء.\nثم قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أي ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق بل مردها ومرجعها إلى الله ﷿، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال هاهنا ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ ولهذا لما سأل جبريل رسول الله ﷺ عن وقت الساعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ أي إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ أي إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ أما عشية فما بين الظهر إلى غروب الشمس ﴿أَوْ ضُحاها﴾ ما بين طلوع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٧، وتفسير سورة ٣١، باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ١، ٥، ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في الإيمان باب ٤، والنسائي في الإيمان باب ٥، ٦، وابن ماجة في المقدمة باب ٩، والفتن باب ٢٥، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٦.","vol":"8","page":319},{"text":"الشمس إلى نصف النهار، وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة (^١).\nآخر تفسير سورة النازعات، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2056>تفسير سورة عبس</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2057>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ إلى ١٦]</span>\n﴿عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمّا مَنِ اِسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى (٧) وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى (١٠) كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾\nذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما، فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلح عليه، وود النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته. وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ أي يحصل له زكاة وطهارة في نفسه ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ أي يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم ﴿أَمّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أي أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي.\n﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ أي ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى﴾ أي يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أي تتشاغل، ومن هاهنا أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف والفقير والغني والسادة والعبيد والرجال والنساء والصغار والكبار، ثم الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. قال الحافظ أبو يعلى في مسنده:\nحدثنا محمد بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس ﵁ في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أبي بن خلف فأعرض عنه، فأنزل الله ﷿ ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ فكان النبي ﷺ بعد ذلك يكرمه.\nقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء يعني ابن أم مكتوم، وقال أبو يعلى وابن جرير (^٢): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي قال:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٣.","vol":"8","page":320},{"text":"هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول أرشدني، قالت وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبي ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: «أترى بما أقول بأسا؟» فيقول: لا! ففي هذا أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ (^١) وقد روى الترمذي هذا الحديث عن سعيد بن يحيى الأموي بإسناده مثله، ثم قال: وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ في ابن أم مكتوم ولم يذكر فيه عن عائشة. قلت: كذلك هو في الموطأ.\nثم روى ابن جرير (^٢) وابن أبي حاتم أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدى لهم كثيرا ويحرص عليهم أن يؤمنوا فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله ابن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وعبس في وجهه وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين فلما قضى رسول الله ﷺ نجواه وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله بعض بصره وخفق برأسه ثم أنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾.\nفلما نزل فيه ما نزل أكرمه رسول الله ﷺ وكلمه وقال له رسول الله ﷺ: «ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ -وإذا ذهب من عنده قال-هل لك حاجة في شيء؟» وذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿أَمّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى. وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس عن ابن شهاب قال: قال سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» وهو الأعمى الذي أنزل الله تعالى فيه ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ وكان يؤذن مع بلال، قال سالم: وكان رجلا ضرير البصر فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذن. وهكذا ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة والضحاك وابن زيد وغير واحد من السلف والخلف أنها نزلت في ابن أم مكتوم، والمشهور أن اسمه عبد الله ويقال عمرو، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٨٠، باب ١، ومالك في القرآن حديث ٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٣.","vol":"8","page":321},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ أي هذه السورة أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم من شريفهم ووضيعهم وقال قتادة والسدي ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ يعني القرآن ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي فمن شاء ذكر الله تعالى في جميع أموره ويحتمل عود الضمير إلى الوحي لدلالة الكلام عليه.\nوقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ أي هذه السورة أو العظة وكلاهما متلازم بل جميع القرآن في ﴿صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ أي معظمة موقرة ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أي عالية القدر ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي من الدنس والزيادة والنقص. وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد: هي الملائكة. وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد ﷺ، وقال قتادة: هم القراء. وقال ابن جريج عن ابن عباس: السفرة بالنبطية القراء، وقال ابن جرير (^١): والصحيح أن السفرة الملائكة والسفرة يعني بين الله تعالى وبين خلقه ومنه يقال السفير الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير كما قال الشاعر: [الوافر] وما أدع السفارة بين قومي … وما أمشي بغشّ إن مشيت (^٢)\nوقال البخاري (^٣): سفرة: الملائكة، سفرت أصلحت بينهم وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله تعالى وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم. وقوله تعالى: ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ أي خلقهم كريم حسن شريف وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة ومن هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا هشام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق، له أجران» (^٥) أخرجه الجماعة من طريق قتادة به.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٦.\n(^٢) البيت بلا نسبة في تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٦، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٤١٧، وفتح القدير ٥/ ٣٨٣.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٨٠، في الترجمة.\n(^٤) المسند ٦/ ٤٨، ٩٤، ٩٨، ١١٠، ١٧٠، ١٩٢، ٢٣٩، ٢٦٦.\n(^٥) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٨٠، ومسلم في المسافرين حديث ٢٤٤، وأبو داود في الوتر باب ١٤، والترمذي في ثواب القرآن باب ١٣، وابن ماجة في الأدب باب ٥٢، والدارمي في فضائل القرآن باب ١١.","vol":"8","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2058>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٧ إلى ٣٢]</span>\n﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)﴾\nيقول تعالى ذاما لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ﴾ لعن الإنسان، وكذا قال أبو مالك: وهذا لجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه بلا مستند بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم، قال ابن جريج ﴿ما أَكْفَرَهُ﴾ أي ما أشد كفره، وقال ابن جرير (^١) ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافرا أي ما حمله على التكذيب بالمعاد. وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي وقال قتادة ﴿ما أَكْفَرَهُ﴾ ما ألعنه، ثم بين تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؟ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه، وكذا قال عكرمة والضحاك وأبو صالح وقتادة والسدي واختاره ابن جرير وقال مجاهد:\nهذه كقوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] أي بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه عمله، وكذا قال الحسن وابن زيد، وهذا هو الأرجح والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي أنه بعد خلقه له ﴿أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي جعله ذا قبر، والعرب تقول: قبرت الرجل إذا ولى ذلك منه، وأقبره الله، وعضبت قرن الثور وأعضبه الله وبترت ذنب البعير وأبتره الله، وطردت عني فلانا وأطرده الله، أي جعله طريدا، قال الأعشى: [السريع] لو أسندت ميتا إلى صدرها … عاش ولم ينقل إلى قابر (^٢)\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي بعثه بعد موته ومنه يقال البعث والنشور ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح أخبره عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه» قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: «مثل حبة خردل منه تنشؤون» (^٣) وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بدون هذه الزيادة ولفظه «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٧، ولفظه: وفي قوله أَكْفَرَهُ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره، مع إحسان الله إليه، وأيادنه عنده، والآخر: ما الذي أكفره، أي أيّ شيء أكفره؟.\n(^٢) البيت في ديوان الأعشى ص ١٨٩، ومقاييس اللغة ٥/ ٤٧، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٤٢٠، وتفسير الطبري ١٢/ ٤٤٨.\n(^٣) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٤٢، في المسند في الجنائز باب ١١٧، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٨، ٣/ ٢٨.\n(^٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٩، باب ٣، وأبو داود في السنة باب ٢٢، ومالك في الجنائز حديث ٤٩.","vol":"8","page":323},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ قال ابن جرير (^١): يقول جل ثناؤه كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله ﴿لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ يقول: لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض لربه ﷿ ثم روى هو وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله تعالى: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحدا أبدا كل ما افترض عليه، وحكاه البغوي عن الحسن البصري بنحو من هذا، ولم أجد للمتقدمين فيه كلاما سوى هذا، والذي يقع لي في معنى ذلك، والله أعلم، أن المعنى ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي بعثه ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ أي لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله له أن سيوجد منهم ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونا وقدرا فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.\nوقد روى ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قال عزير ﵇ قال الملك الذي جاءني فإن القبور هي بطن الأرض، وإن الأرض هي أم الخلق فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق وتمت هذه القبور التي مد الله لها انقطعت الدنيا ومات من عليها ولفظت الأرض ما في جوفها وأخرجت القبور ما فيها، وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية، والله ﷾ أعلم بالصواب.\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ﴾ فيه امتنان وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظاما بالية وترابا متمزقا ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ أي أنزلناه من السماء على الأرض ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ أي أسكناه فيها فدخل في تخومها وتخلل في أجزاء الحب المودع فيها فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ فالحب كل ما يذكر من الحبوب والعنب معروف والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها القت أيضا، وقال ذلك ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي، وقال الحسن البصري: القضب العلف.\n﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو معروف وهو أدم وعصيره أدم ويستصبح به ويدهن به ﴿وَنَخْلًا﴾ يؤكل بلحا وبسرا ورطبا وتمرا ونيئا ومطبوخا ويعتصر منه رب وخل ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ أي بساتين، قال الحسن وقتادة: ﴿غُلْبًا﴾ نخل غلاظ كرام، وقال ابن عباس ومجاهد: الحدائق كل ما التف واجتمع. وقال ابن عباس أيضا: ﴿غُلْبًا﴾ الشجر الذي يستظل به، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ أي طوال، وقال عكرمة: غلبا أي غلاظ الأوساط. وفي رواية غلاظ الرقاب، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب، رواه ابن أبي حاتم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٨.","vol":"8","page":324},{"text":"وأنشد ابن جرير للفرزدق: [الوافر] عوى فأثار أغلب ضيغميا … فويل ابن المراغة ما استثار (^١)\nوقوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ أما الفاكهة فكل ما يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس:\nالفاكهة كل ما أكل رطبا، والأب، ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم.\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك: الأب الكلأ، وعن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم، وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب.\nوقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب.\nوقال ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس: الأب نبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس. ورواه ابن جرير من ثلاث طرق عن ابن إدريس ثم قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك عن سعيد بن جبير قال: عدّ ابن عباس وقال: الأب ما أنبتت الأرض للأنعام وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه. ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام.\nوقال العوفي عن ابن عباس: الأب الكلأ والمرعى، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد وغير واحد. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم، وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق ﵁.\nفأما ما رواه ابن جرير (^٢) حيث قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف فهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس به، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله:\n﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْبًا وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.\n_________\n(^١) البيت في ديوان الفرزدق ص ٣٥٥، وتفسير الطبري ١٢/ ٤٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٥١.","vol":"8","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2059>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ إلى ٤٢]</span>\n﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾\nقال ابن عباس: الصاخة اسم من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده، وقال ابن جرير (^١): لعله اسم للنفخة في الصور وقال البغوي: الصاخة يعني صيحة يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ أي يراهم ويفر منهم ويبتعد عنهم لأن الهول عظيم والخطب جليل.\nقال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت وتثني بخير ما استطاعت فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني بخير.\nفيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى. فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف فلا أستطيع أن أعطيك شيئا، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.\nوفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي، حتى أن عيسى ابن مريم يقول لا أسأله اليوم إلا نفسي لا أسأله مريم التي ولدتني، ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ قال قتادة: الأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم.\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي هو في شغل شاغل عن غيره، قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت أبو زيد العباداني عن هلال بن خباب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:\n«تحشرون حفاة عراة مشاة غرلا» قال: فقالت زوجته يا رسول الله ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ -أو قال: ما أشغله عن النظر-» (^٢).\nوقد رواه النسائي منفردا به عن أبي داود عن عارم عن ثابت بن يزيد وهو أبو زيد الأحول البصري أحد الثقات عن هلال بن خباب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن محمد بن الفضل عن ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «تحشرون حفاة عراة غرلا» فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: يا فلانة ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال الترمذي:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٥٣.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٨٠، باب ٢، والنسائي في الجنائز باب ١١٨.","vol":"8","page":326},{"text":"وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس ﵄، وقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» فقالت عائشة:\nيا رسول الله فكيف بالعورات؟ فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ انفرد به النسائي من هذا الوجه.\nثم قال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى عن عائذ بن شريح عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني ساءلتك عن حديث فتخبرني أنت به قال: «إن كان عندي منه علم» قالت:\nيا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال «حفاة عراة» ثم انتظرت ساعة فقالت: يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال: كذلك حفاة عراة» قالت: وا سوأتاه من يوم القيامة قال: «وعن أي ذلك تسألين إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون».\nقالت: أية آية هي يا نبي الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أنبأنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرّحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان، فقلت يا رسول الله: وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: «قد شغل الناس لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» هذا حديث غريب من هذا الوجه جدا وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي عن الفضل بن موسى به ولكن قال أبو حاتم الرازي عائذ بن شريح ضعيف وفي حديثه ضعف.\nوقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي يكون الناس هنالك فريقين وجوه مسفرة أي مستنيرة ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي مسرورة فرحة من السرور في قلوبهم قد ظهر البشر على وجوههم وهؤلاء هم أهل الجنة ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ أي يعلوها ويغشاها قترة أي سواد، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سهل بن عثمان العسكري حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم» قال فهو قوله تعالى:\n﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ وقال ابن عباس ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ أي يغشاها سواد الوجوه وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ أي الكفرة قلوبهم الفجرة في أعمالهم كما قال تعالى:\n﴿وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧]. آخر تفسير سورة عبس ولله الحمد والمنة.","vol":"8","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2060>تفسير سورة التكوير</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص أن عبد الرّحمن بن يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (^٢) وهكذا رواه الترمذي عن العباس بن عبد العظيم العنبري عن عبد الرزاق به.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2061>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ إلى ١٤]</span>\n﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يعني أظلمت. وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت، وكذا قال الضحاك وقال قتادة: ذهب ضوؤها، وقال سعيد بن جبير: ﴿كُوِّرَتْ﴾ غورت. وقال الربيع بن خثيم: ﴿كُوِّرَتْ﴾ يعني رمي بها، وقال أبو صالح: ﴿كُوِّرَتْ﴾ ألقيت، وعنه أيضا: نكست، وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض قال ابن جرير (^٣): والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى:\n﴿كُوِّرَتْ﴾ جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قال يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحا دبورا فتضرمها نارا، وكذا قال عامر الشعبي، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن ابن يزيد بن أبي\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٧، ٣٦، ١٠٠.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٨١، باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٤٥٧.","vol":"8","page":328},{"text":"مريم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال في قول الله ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قال: «كورت في جهنم».\nوقال الحافظ أبو يعلى في مسنده حدثنا موسى بن محمد بن حبان حدثنا درست بن زياد حدثنا يزيد الرقاشي حدثنا أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «الشمس والقمر نوران عقيران في النار» هذا حديث ضعيف لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة، ثم قال البخاري حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج حدثني أبو سلمة بن عبد الرّحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «الشمس والقمر يكوران يوم القيامة» انفرد به البخاري (^١)، وهذا لفظه وإنما أخرجه في كتاب بدء الخلق وكان جديرا أن يذكره هاهنا أو يكرره كما هي عادته في أمثاله.\nوقد رواه البزار فجود إيراده فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرّحمن بن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشمس والقمر نوران في النار عقيران يوم القيامة»، فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: -أحسبه قال- وما ذنبهما. ثم قال لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أي انتثرت كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢] وأصل الانكدار الانصباب. قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش فماجوا بعضهم في بعض.\n﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال: اختلطت ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ﴾ قال: أهملها أهلها ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ قال: قالت الجن نحن نأتيكم بالخبر، قال فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تتأجج، قال فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا، قال فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. رواه ابن جرير (^٢) وهذا لفظه وابن أبي حاتم ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم والحسن البصري وأبو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٦٠.","vol":"8","page":329},{"text":"صالح وحماد بن أبي سليمان والضحاك في قوله جلا وعلا: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أي تناثرت، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أي تغيرت.\nوقال يزيد بن أبي مريم عن النبي ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ قال «انكدرت» في جهنم وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى وأمه ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها» رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أي زالت عن أماكنها ونسفت فتركت الأرض قاعا صفصفا وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ﴾ قال عكرمة ومجاهد: عشار الإبل، قال مجاهد:\n﴿عُطِّلَتْ﴾ تركت وسيبت وقال أبي بن كعب والضحاك، أهملها أهلها، وقال الربيع بن خثيم:\nلم تحلب ولم تصر تخلى منها أربابها، وقال الضحاك: تركت لا راعي لها والمعنى في هذا كله متقارب، والمقصود أن العشار من الإبل وهي خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر-واحدتها عشراء ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع-قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها بعد ما كانوا أرغب شيء فيها بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر يوم القيامة وانعقاد أسبابها ووقوع مقدماتها وقيل بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك لا سبيل لهم إليها، وقد قيل في العشار إنها السحاب تعطل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا وقيل إنها الأرض التي تعشر، وقيل إنها الديار التي كانت تسكن تعطلت لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه التذكرة ورجح أنها الإبل وعزاه إلى أكثر الناس. (قلت): لا يعرف عن السلف والأئمة سواه والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي جمعت كما قال تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب رواه ابن أبي حاتم، وكذا قال الربيع بن خثيم والسدي وغير واحد، وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية إن هذه الخلائق موافية فيقضي الله فيها ما يشاء، وقال عكرمة حشرها موتها.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني علي بن مسلم الطوسي حدثنا عباد بن العوام حدثنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة، حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن أبي يعلى عن الربيع بن خثيم ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال أتى عليها أمر الله، قال سفيان قال أبي فذكرته لعكرمة فقال قال ابن عباس حشرها موتها، وقد تقدم عن أبي بن كعب أنه قال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٥٩.","vol":"8","page":330},{"text":"﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ اختلطت قال ابن جرير والأولى قول من قال ﴿حُشِرَتْ﴾ جمعت قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أي مجموعة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ قال ابن جرير (^١): حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية عن داود عن سعيد بن المسيب قال: قال علي ﵁ لرجل من اليهود أين جهنم؟ قال البحر فقال ما أراه إلا صادقا ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ وقال ابن عباس وغير واحد يرسل الله عليها الرياح الدبور فتسعرها وتصير نارا تأجج، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أبو طاهر حدثني عبد الجبار بن سليمان أبو سليمان النفاط-شيخ صالح يشبه مالك بن أنس-عن معاوية بن سعيد قال: إن هذا البحر بركة-يعني بحر الروم، وسط الأرض والأنهار كلها تصب فيه والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر وهذا أثر غريب عجيب.\nوفي سنن أبي داود «لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا» (^٢) الحديث. وقد تقدم الكلام عليه في سورة فاطر. وقال مجاهد والحسن بن مسلم:\n﴿سُجِّرَتْ﴾ أو قدت وقال الحسن: يبست وقال الضحاك وقتادة: غاض ماؤها فذهب فلم يبق فيها قطرة، وقال الضحاك أيضا: ﴿سُجِّرَتْ﴾ فجرت، وقال السدي: فتحت وصيرت، وقال الربيع بن خثيم: ﴿سُجِّرَتْ﴾ فاضت.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي جمع كل شكل إلى نظيره كقوله تعالى:\n﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢٠] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن الصباح البزار حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ -قال-الضرباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله» وذلك بأن الله ﷿ يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠] قال هم الضرباء.\nثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أخر عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقرأ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فقال: تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم، وفي رواية هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار، وفي رواية عن النعمان قال: سئل عمر عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: يقرن بين الرجل الصالح\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٦٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٩.","vol":"8","page":331},{"text":"مع الرجل الصالح ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار فذلك تزويج الأنفس وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾؟ فسكتوا قال: ولكن أعلمه هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار ثم قرأ ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال، والأمثال من الناس جمع بينهم، وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة واختاره ابن جرير (^١) وهو الصحيح.\n[قول آخر] في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرّحمن، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن سرار عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين ومقدار ما بينهما أربعون عاما، فينبت منه كل خلق بلي من الإنسان أو طير أو دابة، ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه الأرض قد نبتوا، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ وكذا قال أبو العالية وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري أيضا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي زوجت بالأبدان. وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين وزوج الكافرون بالشياطين حكاه القرطبي في التذكرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ هكذا قراءة الجمهور سئلت.\nوالموؤودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموؤودة على أي ذنب قتلت ليكون ذلك تهديدا لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا؟ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ أي سألت. وكذا قال أبو الضحى: سألت أي طالبت بدمها. وعن السدي وقتادة مثله.\nوقد وردت أحاديث تتعلق بالموؤودة فقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الله بن يزيد. حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود وهو محمد بن عبد الرّحمن بن نوفل عن عروة عن عائشة عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله ﷺ في ناس وهو يقول:\n«لقد هممت أن أنهى عن الغيلة (^٣) فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم ولا يضر\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٦٢.\n(^٢) المسند ٦/ ٤٣٤.\n(^٣) الغيلة: أن يجامع الرجل زوجته وهي ترضع.","vol":"8","page":332},{"text":"أولادهم ذلك شيئا» ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ ذلك الوأد الخفي وهو الموؤودة سئلت» (^١) ورواه مسلم من حديث أبي عبد الرّحمن المقري وهو عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب. ورواه أيضا ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن إسحاق السيلحيني عن يحيى بن أيوب، ورواه مسلم أيضا وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك بن أنس ثلاثتهم عن أبي الأسود به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: «لا» قلنا: فإنها كانت وأدت أختا لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال «الوائدة والموؤودة في النار إلا أن يدرك الوائدة الإسلام فيعفوالله عنها» ورواه النسائي من حديث داود بن أبي هند به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة وأبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الوائدة والموؤودة في النار» وقال أحمد (^٣) أيضا حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء ابنة معاوية الصريمية عن عمها قال: قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال:\n«النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والموؤودة في الجنة».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا قرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل يا رسول الله من في الجنة؟ قال: «الموؤودة في الجنة» هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن ومنهم من قبله. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة فمن زعم أنهم في النار فقد كذب يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ قال ابن عباس: هي المدفونة.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وأدت بنات لي في الجاهلية قال: «أعتق عن كل واحدة منهن رقبة» قال: يا رسول الله إني صاحب إبل قال: «فانحر عن كل واحدة منهن بدنة» قال الحافظ أبو بكر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في النكاح حديث ١٤٠، ١٤١، وأبو داود في الطب باب ١٦، والترمذي في الطب باب ٢٧، والنسائي في النكاح باب ٥٤، والدارمي في النكاح باب ٣٣، ومالك في الرضاع حديث ١٧.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٧٨، وأخرجه أيضا أبو داود في السنة باب ١٧.\n(^٣) المسند ٥/ ٥٨.","vol":"8","page":333},{"text":"البزار: خولف فيه عبد الرزاق ولم يكتبه إلا عن الحسين بن مهدي عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني فيما كتب إلي قال: حدثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية وقال في آخره «فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة».\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا قيس بن الربيع عن الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين قال: قدم قيس بن عاصم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية أو ثلاث عشرة قال: «أعتق عددهن نسما» قال: فأعتق عددهن نسما، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة فقال: يا رسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها ونسميها القيسية.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله، وقال قتادة: يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى ثم تنشر عليك يوم القيامة فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ قال مجاهد: اجتذبت. وقال السدي: كشفت.\nوقال الضحاك: تنكشط فتذهب. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ قال السدي: أحميت، وقال قتادة: أوقدت قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قال الضحاك وأبو مالك وقتادة والربيع بن خثيم: أي قربت إلى أهلها وقوله تعالى:\n﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ هذا هو الجواب أي إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة حدثنا ابن المبارك، حدثنا محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ قال: لهذا أجري الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-2062>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ إلى ٢٩]</span>\n﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾\nروى مسلم في صحيحه والنسائي في تفسيره عند هذه الآية من حديث مسعر بن كدام عن الوليد بن سريع عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي ﷺ الصبح فسمعته يقرأ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ (^١) ورواه النسائي عن بندار\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٢٠١.","vol":"8","page":334},{"text":"عن غندر عن شعبة عن الحجاج بن عاصم عن أبي الأسود عن عمرو بن حريث به نحوه، قال ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق الثوري عن أبي إسحاق عن رجل من مراد عن علي ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ قال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليا وسئل عن لا ﴿أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل. وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن خالد عن علي قال: هي النجوم، وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة وهو السهمي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: روى عن علي وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فالله أعلم، وروى يونس عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: أنها النجوم، رواه ابن أبي حاتم. وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم أنها النجوم.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن بشار حدثنا هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن بكر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ قال: هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق، وقال بعض الأئمة، إنما قيل للنجوم الخنس أي في حال طلوعها ثم هي جوار في فلكها وفي حال غيبوبتها يقال لها كنس، من قول العرب أوى الظبي إلى كناسة إذا تغيب فيه.\nوقال الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله فلا أقسم بالخنس قال بقر الوحش، وكذا قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عبد الله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ ما هي با عمرو؟ قلت البقر قال وأنا أرى ذلك، وكذا روى يونس عن أبي إسحاق عن أبيه وقال أبو داود الطيالسي عن عمرو عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ قال البقر تكنس إلى الظل وكذا قال سعيد بن جبير، وقال العوفي عن ابن عباس هي الظباء، وكذا قال سعيد أيضا ومجاهد والضحاك، وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد هي الظباء والبقر.\nوقال ابن جرير (^٣) حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة عن إبراهيم ومجاهد أنهما تذاكرا هذه الآية ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ فقال إبراهيم لمجاهد قل فيها بما سمعت، قال:\nفقال مجاهد كنا نسمع فيها شيئا وناس يقولون إنها النجوم، قال: فقال إبراهيم قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، قال: فقال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٦٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٦٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٤٦٨.","vol":"8","page":335},{"text":"إبراهيم إنهم يكذبون على عليّ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى والأعلى الأسفل، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: ﴿بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ هل هو النجوم أو الظباء وبقر الوحش قال ويحتمل أن يكون الجميع مرادا.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ فيه قولان أحدهما إقباله بظلامه وقال مجاهد أظلم وقال سعيد بن جبير إذا نشأ، وقال الحسن البصري إذا غشي الناس، وكذا قال عطية العوفي وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس ﴿إِذا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وكذا قال زيد بن أسلم وابنه عبد الرّحمن ﴿إِذا عَسْعَسَ﴾ أي إذا ذهب فتولى.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري سمع أبا عبد الرّحمن السلمي قال: خرج علينا علي ﵁ حين ثوب المثوب بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ هذا حين أدبر حسن.\nوقد اختار ابن جرير (^١) أن المراد بقوله: ﴿إِذا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر قال لقوله ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ أي أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضا: [رجز] حتى إذا الصبح له تنفّسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا (^٢)\nأي أدبر، وعندي أن المراد بقوله ﴿إِذا عَسْعَسَ﴾ إذا أقبل وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضا لكن الإقبال هاهنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل وبالفجر وضيائه إذا أشرق كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ [الضحى: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وغير ذلك من الآيات، وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة عسعس تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما والله أعلم. وقال ابن جرير (^٣): وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم، وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتا.\n[السريع] عسعس حتى لو يشا إدّنا … كان له من ضوئه مقبس (^٤)\nيريد لو يشاء إذ دنا أدغم الذال في الدال، قال الفراء وكانوا يزعمون أن هذا البيت مصنوع وقوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧١.\n(^٢) البيت لعلقمة بن قرط في ديوانه ص ٢٨، والمحتسب ١/ ١٥٧، وتفسير الطبري ١٢/ ٤٧١، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٤٢٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧١.\n(^٤) البيت لامرئ القيس في زيادات ديوانه ص ٤٦٣، والأضداد لابن الأنباري ص ٢٧، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ١/ ٧٨، ولسان العرب (عسس)، وكتاب العين ١/ ٧٤، وتاج العروس (عسس)، ومقاييس اللغة ٤/ ٤٢.","vol":"8","page":336},{"text":"تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ قال الضحاك: إذا طلع، وقال قتادة، إذا أضاء وأقبل، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وهو المروي عن علي ﵁. وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم أي ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر وهو جبريل ﵊، قاله ابن عباس والشعبي وميمون بن مهران والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٥ - ٦] أي شديد الخلق شديد البطش والفعل ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة عند الله ﷿ ومنزلة رفيعة، قال أبو صالح في قوله تعالى:\n﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قال جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أي له وجاهة وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى قال قتادة ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أي في السموات يعني ليس هو من أفناد الملائكة بل هو من السادة والأشراف معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة.\nوقوله تعالى: ﴿أَمِينٍ﴾ صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدا أن الرب ﷿ يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا ﷺ بقوله تعالى:\n﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ قال الشعبي وميمون بن مهران وأبو صالح ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يعني محمدا ﷺ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ يعني ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله ﷿ على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ أي البين وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ [النجم: ٥ - ١٠] كما تقدم تفسير ذلك وتقريره، والدليل عليه أن المراد بذلك جبريل ﵇، والظاهر والله أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤيا وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٣ - ١٦] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم وقد نزلت بعد سورة الإسراء.\nوقوله تعالى: ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي وما محمد على ما أنزله الله إليه بضنين أي بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد أي ببخيل بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء أي ما هو بكاذب وما هو بفاجر. والظنين المتهم والضنين البخيل. وقال قتادة:\nكان القرآن غيبا فأنزله الله على محمد فما ضن به على الناس بل نشره وبلغه وبذله لكل من أراده، وكذا قال عكرمة وابن زيد وغير واحد واختار ابن جرير (^١) قراءة الضاد.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧٣.","vol":"8","page":337},{"text":"قلت: وكلاهما متواتر ومعناه صحيح كما تقدم، وقوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أي وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم أي لا يقدر على حمله ولا يريده ولا ينبغي له كما قال تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقا من عند الله ﷿ كما قال الصديق ﵁ لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين وأمرهم فتلوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة فقال: ويحكم أين تذهب عقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي من إله، وقال قتادة ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي عن كتاب الله وعن طاعته.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أي من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإنه منجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي ليست المشيئة موكولة إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين. قال سفيان الثوري عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فأنزل الله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾.\nآخر تفسير سورة التكوير. ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2063>تفسير سورة الانفطار</span>\nوهي مكية\nقال النسائي: أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول فقال النبي ﷺ: «أفتان أنت يا معاذ؟ أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت» (^١) وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذكر ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ في إفراد النسائي. وقد تقدم من رواية عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٧٤، ومسلم في الصلاة حديث ١٧٨، والنسائي في الافتتاح باب ٧٠.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٨١، باب ١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٧، ٣٦، ١٠٠.","vol":"8","page":338},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2064>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ١٢]</span>\n﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِرامًا كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي انشقت كما قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي تساقطت ﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض. وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها.\nوقال الكلبي: ملئت ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ قال ابن عباس: بحثت، وقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ أي إذا كان هذا حصل هذا. وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ هذا تهديد لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب حيث قال الكريم حتى يقول قائلهم غره كرمه، بل المعنى في هذه الآية:\nما غرك يا ابن آدم بربك الكريم أي العظيم حتى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق. كما جاء في الحديث «يقول الله تعالى يوم القيامة يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟».\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان أن عمر سمع رجلا يقرأ ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال عمر: الجهل. وقال أيضا: حدثنا عمر بن شبّه، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيى البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ قال ابن عمر: غره والله جهله، قال: وروي عن ابن عباس والربيع بن خثيم والحسن مثل ذلك وقال قتادة: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ شيء، ما غر ابن آدم غير هذا العدو الشيطان.\nوقال الفضيل بن عياض: لو قال لي ما غرك بي لقلت: ستورك المرخاة. وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ لقلت: غرني كرم الكريم. قال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقد حكى البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق ضرب النبي ﷺ ولم يعاقب في الحالة الراهنة فأنزل الله تعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾.","vol":"8","page":339},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أي ما غرك بالرب الكريم ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أي جعلك سويا مستقيما معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو النضر، حدثنا حريز، حدثني عبد الرّحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش القرشي أن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال: «قال الله ﷿: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة؟» وكذا رواه ابن ماجة (^٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حريز بن عثمان به. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي وتابعه يحيى بن حمزة عن ثور بن يزيد عن عبد الرّحمن بن ميسرة.\nوقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم. وقال ابن جرير (^٣): حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مطهر بن الهيثم، حدثنا موسى بن علي بن رباح، حدثني أبي عن جدي أن النبي ﷺ قال له: «ما ولد لك؟» قال:\nيا رسول الله ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية. قال «فمن يشبه؟» قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه إما أباه وإما أمه. فقال النبي ﷺ عندها: «مه لا تقولن هكذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: شكلك.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني من حديث مطهر بن الهيثم به، وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية ولكن إسناده ليس بالثابت، لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس كان متروك الحديث، وقال ابن حبان، يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات، ولكن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود، قال «هل لك من إبل؟» قال نعم، قال: «فما ألوانها» قال: حمر، قال: «فهل فيها من أورق» قال: نعم، قال: «فأنى أتاها ذلك» قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال:\n«وهذا عسى أن يكون نزعة عرق» (^٤).\nوقد قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير، وكذا قال أبو صالح ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ إن شاء في صورة\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢١٠.\n(^٢) كتاب الوصايا باب ٤.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧٩، ٤٨٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في الطلاق باب ٢٦، ومسلم في اللعان حديث ١٨، ٢٠.","vol":"8","page":340},{"text":"كلب وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة خنزير (^١). وقال قتادة: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: قادر والله ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عند هؤلاء أن الله ﷿ قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة.\nوقوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع سفيان ومسعر عن علقمة بن مرثد حدثنا عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أوليستره أخوه».\nوقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة حدثنا عبيد الله بن موسى عن حفص بن سليمان عن علقمة بن مرثد عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره» ثم قال حفص بن سليمان: لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشّر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعني البصري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «ما من حافظين يرفعان إلى الله ﷿ ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال الله تعالى قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» ثم قال تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث.\n(قلت): وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الإمام أحمد لا أعرف حقيقة أمره. وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة يعرفون بني آدم-وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم-فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٤٧٩.","vol":"8","page":341},{"text":"ذكروه بينهم وسموه وقالوا هلك الليلة فلان»، ثم قال البزار: سلام هذا أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-2065>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ إلى ١٩]</span>\n﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ (١٩)﴾\nيخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله ﷿ ولم يقابلوه بالمعاصي، وقد روى ابن عساكر في ترجمة موسى بن محمد عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن عبيد الله عن محارب عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء» ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم ولهذا قال: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي يوم الحساب والجزاء والقيامة ﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ أي لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يوما واحدا.\nوقوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعظيم لشأن يوم القيامة ثم أكده بقوله تعالى:\n﴿ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ونذكر هاهنا حديث «يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئا» وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ كقوله ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ [الفرقان: ١٦] وكقوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قال قتادة ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ والأمر والله اليوم لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد.\nآخر تفسير سورة الانفطار، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2066>تفسير سورة المطففين</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2067>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)﴾\nقال النسائي وابن ماجة: أخبرنا محمد بن عقيل، زاد ابن ماجة وعبد الرّحمن بن بشر قالا:\nحدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي عن يزيد وهو ابن أبي سعيد النحوي مولى قريش","vol":"8","page":342},{"text":"عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فحسنوا الكيل بعد ذلك (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن هلال بن طلق قال: بينما أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاهم كيلا أهل مكة أو أهل المدينة قال: حق لهم، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل عن ضرار عن عبد الله المكتب عن رجل عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرّحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل، قال:\nوما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ -حتى بلغ- ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ والمراد بالتطفيف هاهنا البخس في المكيال والميزان إما بالازدياد إن اقتضى من الناس وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ﴾ أي من الناس ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ أي يأخذون حقهم بالوافي والزائد ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أي ينقصون، والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا متعديا ويكون هم في محل نصب، ومنهم من يجعلها ضميرا مؤكدا للمستتر في قوله كالوا ووزنوا ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب.\nوقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ [الرّحمن: ٩] وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال ثم قال تعالى: متوعدا لهم: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي يقومون حفاة عراة غرلا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه.\nقال الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (^٣) رواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب ٣٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٨٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٧، وتفسير سورة ٨٣، ومسلم في الجنة حديث ٦٠، وأحمد في المسند ٢/ ١٣، ١٩.","vol":"8","page":343},{"text":"عون كلاهما عن نافع به، ورواه مسلم من الطريقين أيضا، وكذلك رواه أيوب بن يحيى وصالح بن كيسان وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر ومحمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر به.\nولفظ الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ لعظمة الرّحمن ﷿ يوم القيامة حتى أن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم».\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد يعني ابن الأسود الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين-قال-فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما» (^٣) رواه مسلم عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة والترمذي عن سويد عن ابن المبارك، كلاهما عن ابن جابر به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن أبا عبد الرّحمن حدثه عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا كذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق». الفرد به أحمد.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة حيي بن يؤمن أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ العجز ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه-وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده هكذا ومنهم من يغطيه عرقه» وضرب بيده إشارة، انفرد به أحمد، وفي حديث أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون، وقيل يقومون ثلاثمائة سنة، وقيل يقومون أربعين ألف سنة ويقضي بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا «في يوم كان مقداره خمسين ألف\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣١.\n(^٢) المسند ٦/ ٣، ٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٢، والترمذي في القيامة باب ٢.\n(^٤) المسند ٥/ ٢٥٤.\n(^٥) المسند ٤/ ١٥٧.","vol":"8","page":344},{"text":"سنة» (^١).\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السّلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبشير الغفاري: «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين من أيام الدنيا لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيهم بأمر؟» قال بشير: المستعان الله، قال «فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحساب» ورواه ابن جرير من طريق عبد السّلام به.\nوفي سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة (^٢). وعن ابن مسعود يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم. وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة رواهما ابن جرير. وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة من حديث زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد الحواري عن عاصم بن حميد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرا ويحمد عشرا، ويسبح عشرا ويستغفر عشرا ويقول: «اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني» ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2068>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٧ إلى ١٧]</span>\n﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾\nيقول تعالى حقا ﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ أي إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين فعيل من السجن وهو الضيق، كما يقال: فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك، ولهذا عظم أمره فقال تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أي هو أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم، ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب في حديثه الطويل:\nيقول الله ﷿ في روح الكافر اكتبوا كتابه في سجين (^٤). وسجين هي تحت الأرض السابعة، وقيل: صخرة تحت الأرض السابعة خضراء، وقيل بئر في جهنم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٦٢، ومسلم في الزكاة حديث ٢٤، ٢٦.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١١٩.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١١٩، والنسائي في قيام الليل باب ٩، والاستعاذة باب ٦٣، وابن ماجة في الإقامة باب ١٨٠.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨.","vol":"8","page":345},{"text":"وقد روى ابن جرير (^١) في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي عن شعيب بن صفوان عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الفلق جب في جهنم مغطى وأما سجين فمفتوح» والصحيح أن سجينا مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٥] وقال هاهنا: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].\nوقوله تعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرا لقوله ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين أي مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد. قاله محمد بن كعب القرظي ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين، وقد تقدم الكلام على قوله ويل بما أغنى عن إعادته وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال: ويل لفلان، وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس ويل له ويل له» (^٢).\nثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أي لا يصدقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره، قال الله تعالى: ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي معتد في أفعاله من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.\nوقوله تعالى: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي إذا سمع كلام الله تعالى من الرسول يكذب به ويظن به ظن السوء فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] قال الله تعالى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٨٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٨٠، والترمذي في الزهد باب ١٠، والدارمي في الاستئذان باب ٦٦، وأحمد في المسند ٥/ ٣، ٥، ٦.","vol":"8","page":346},{"text":"﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله ﷺ، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nوالرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار والغين للمقربين، وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^١) وقال الترمذي: حسن صحيح، ولفظ النسائي «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nوقال أحمد (^٢): حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾». وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت، وكذا قال مجاهد بن جبير وقتادة وابن زيد وغيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أي لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم، قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه ﷿ يومئذ وهذا الذي قاله الإمام الشافعي ﵀ في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية.\nكما دل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنات الفاخرة. وقد قال ابن جرير (^٣) محمد بن عمار الرازي: حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية أو كلاما هذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٣١، والترمذي في تفسير سورة ٨٣، باب ١، وابن ماجة في الزهد باب ٢٩، ومالك في الكلام حديث ١٨، وأحمد في المسند ٢/ ٢٩٧، وتفسير الطبري ١٢/ ٤٩٠.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٩٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٤٩٢.","vol":"8","page":347},{"text":"معناه، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ أي ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرّحمن من أهل النيران ﴿ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتصغير والتحقير.\n\n<span data-type='title' id=toc-2069>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ إلى ٢٨]</span>\n﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى: حقا ﴿إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ﴾ وهم بخلاف الفجار ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجين. قال الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر عن سجين قال: هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار، وسأله عن عليين فقال: هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين، وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ يعني الجنة. وفي رواية العوفي عنه أعمالهم في السماء عند الله وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: عليون ساق العرش اليمنى، وقال غيره: عليون عند سدرة المنتهى، والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظما أمره ومفخما شأنه ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ثم قال تعالى مؤكدا لما كتب لهم ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وهم الملائكة قاله قتادة، وقال العوفي عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي يوم القيامة هم في نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ وهي السرر تحت الحجال ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قيل: معناه ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد وقيل: معناه ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الله ﷿، وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله ﷿ وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاه لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين» (^١) وقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم أي صفة الترافه والحشمة والسرور والدعة والرياسة مما هم فيه من النعيم العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ أي يسقون من خمر من الجنة، والرحيق من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٧٥، باب ٢، وأحمد في المسند ٢/ ١٣.","vol":"8","page":348},{"text":"أسماء الخمر، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد، قال الإمام أحمد (^١): حدثنا حسن، حدثنا زهير عن سعد أبي المجاهد الطائي عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ قال: «أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة ماء على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة» وقال ابن مسعود في قوله: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أي خلطه مسك، وقال العوفي عن ابن عباس:\nطيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك، وكذا قال قتادة والضحاك، وقال إبراهيم والحسن ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أي عاقبته مسك.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد (^٢)، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة عن جابر عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي الدرداء ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل إصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: طيبه مسك.\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون، كقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم أي من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه، قاله أبو صالح والضحاك، ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي يشربها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا، قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2070>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٦]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾\nيخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي محتقرين لهم ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أي إذا انقلب أي رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين أي مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أي لكونهم على غير دينهم.\nقال الله تعالى: ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ أي وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٣، ١٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٩٨.","vol":"8","page":349},{"text":"هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: ﴿قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١١] ولهذا قال هاهنا ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي في مقابلة ما ضحك بهم أولئك ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي إلى الله ﷿ في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون ليسوا بضالين بل هم من أولياء الله المقربين ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا، يعني قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.\nآخر تفسير سورة المطففين، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2071>تفسير سورة الانشقاق</span>\nوهي مكية\nقال مالك عن عبد الله بن يزيد عن أبي سلمة أن أبا هريرة قرأ بهم ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها (^١)، رواه مسلم والنسائي من طريق مالك به. وقال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا معتمر عن أبيه عن بكر عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له. فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه، ورواه أيضا عن مسدد عن معتمر به. ثم رواه عن مسدد عن يزيد بن زريع عن التيمي عن بكر عن أبي رافع فذكره. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن سليمان بن طرخان التيمي به، وقد رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان بن عيينة، زاد النسائي وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة، قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الأعلى: ١].\n_________\n(^١) أخرج حديث السجود. البخاري في الأذان باب ١٠٠، ١٠١، وسجود القرآن باب ٧، ١١، وتفسير سورة ٨٤ في الترجمة، ومسلم في المساجد حديث ١٠٧ - ١١١، وأبو داود في السجود باب ٤، والترمذي في الجمعة باب ٥٠، والنسائي في الافتتاح باب ٥١، ٥٢، ٥٣، وابن ماجة في الإقامة باب ٧١، ومالك في القرآن حديث ١٢.","vol":"8","page":350},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2072>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ إلى ١٥]</span>\n﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وذلك يوم القيامة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أي: استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق وذلك يوم القيامة ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي وحق لها أن تطيع أمره لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء، ثم قال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: بسطت وفرشت ووسعت.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري، عن علي بن الحسين أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه فأكون أول من يدعى وجبريل عن يمين الرّحمن والله ما رآه قبلها، فأقول يا رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي فيقول الله ﷿ صدق ثم أشفع، فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض-قال-وهو المقام المحمود».\nوقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ أي ألقت ما في بطنها من الأموات وتخلت منهم، قاله مجاهد وسعيد وقتادة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ كما تقدم.\nوقوله: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أي إنك ساع إلى ربك سعيا وعامل عملا ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر. ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال جبريل يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» ومن الناس من يعيد الضمير على قوله ﴿رَبِّكَ﴾ أي فملاق ربك، ومعناه فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، وعلى هذا فكلا القولين متلازم، قال العوفي عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ يقول: تعمل عملا تلقى الله به خيرا كان أو شرا.\nوقال قتادة: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ إن كدحك يا ابن آدم لضعيف فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله ثم قال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ أي سهلا بلا تعسير أي لا يحقق عليه جميع دقائق\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٠٥.","vol":"8","page":351},{"text":"أعماله فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من نوقش الحساب عذب» قالت فقلت: أفليس قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ قال: «ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» (^٢) وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير (^٣) من حديث أيوب السختياني به.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن وكيع، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبا» فقلت: أليس الله يقول ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ قال: «ذاك العرض إنه من نوقش الحساب عذب» وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت، وقد رواه أيضا عن عمرو بن علي عن ابن أبي عدي عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة فذكر الحديث، أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري واسمه حاتم بن أبي صغيرة به.\nقال ابن جرير (^٥): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا مسلم عن الحريش بن الخريت أخي الزبير عن ابن أبي مليكة عن عائشة، قالت: من نوقش الحساب-أو من حوسب-عذب.\nقال: ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض على الله تعالى وهو يراهم. وقال أحمد (^٦): حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته:\n«اللهم حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» صحيح على شرط مسلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أي ويرجع إلى أهله في الجنة: قاله قتادة والضحاك: ﴿مَسْرُورًا﴾ أي فرحا مغتبطا بما أعطاه الله ﷿. وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: إنكم تعملون أعمالا لا تعرف ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٤٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٨٤، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٧٩، ٨٠، وأبو داود في الجنائز باب ٨، والترمذي في تفسير سورة ٨٤، باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥٠٧.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٥٠٧.\n(^٥) تفسير الطبري ١٢/ ٥٠٧.\n(^٦) المسند ٦/ ٤٨.","vol":"8","page":352},{"text":"فمسرور أو مكظوم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ أي بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك ﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا﴾ أي خسارا وهلاكا ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أي فرحا لا يفكر في العواقب ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما، والحور هو الرجوع قال الله: ﴿بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ يعني بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها فإنه كان به بصيرا أي عليما خبيرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2073>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ إلى ٢٥]</span>\n﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اِتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾\nروي عن علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وشداد بن أوس وابن عمر ومحمد بن علي بن الحسين ومكحول وبكر بن عبد الله المزني وبكير بن الأشج ومالك وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا: الشفق الحمرة، وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن ابن لبيبة عن أبي هريرة قال: الشفق البياض، فالشفق هو حمرة الأفق إما قبل طلوع الشمس كما قاله مجاهد وإما بعد غروبها كما هو معروف عند أهل اللغة قال الخليل بن أحمد الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة فإذا ذهب قيل غاب الشفق وقال الجوهري: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة، وكذا قال عكرمة الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء.\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» (^١) ففي هذا كله دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل. ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ هو النهار كله وفي رواية عنه أيضا أنه قال الشفق الشمس رواهما ابن أبي حاتم، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾ أي جمع كأنه أقسم بالضياء والظلام وقال ابن جرير (^٢): أقسم الله بالنهار مدبرا وبالليل مقبلا. وقال ابن جرير: وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض وقالوا هو من الأضداد. قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: ﴿وَما وَسَقَ﴾ وما جمع، قال قتادة:\nوما جمع من نجم ودابة، واستشهد ابن عباس بقول الشاعر: [رجز]\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٤٣، ٤٨، وأحمد في المسند ٢/ ٢١٠، ٢٢٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٥١١.","vol":"8","page":353},{"text":"مستوسقات لو يجدن سائقا (^١)\nوقد قال عكرمة: ﴿وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾ يقول ما ساق من ظلمة إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه، وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ومسروق وأبو صالح والضحاك وابن زيد ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ إذا استوى. وقال الحسن: إذا اجتمع إذا امتلأ، وقال قتادة إذا استدار ومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر جعله مقابلا لليل وما وسق.\nوقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال البخاري: أخبرنا سعيد بن النضر أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال: قال ابن عباس ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال قال هذا نبيكم ﷺ (^٢)، هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ. وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي ﷺ كأنه قال سمعت هذا من نبيكم ﷺ فيكون قوله نبيكم مرفوعا على الفاعلية من قال، وهو الأظهر، والله أعلم كما قال أنس: لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه سمعته من نبيكم ﷺ.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد أن ابن عباس كان يقول: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال يعني نبيكم ﷺ يقول حالا بعد حال، وهذا لفظه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال. وكذا قال عكرمة ومرة الطيب ومجاهد والحسن والضحاك ومسروق وأبو صالح ويحتمل أن يكون المراد ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال، قال هذا يعني المراد بهذا نبيكم ﷺ فيكون مرفوعا على أن هذا، ونبيكم يكونان مبتدأ وخبرا والله أعلم، ولعل هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة كما قال أبو داود الطيالسي وغندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: محمد ﷺ ويؤيد هذا المعنى قراءة عمرو ابن مسعود وابن عباس وعامة أهل مكة والكوفة ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بفتح التاء والباء.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن الشعبي ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ سماء بعد سماء (قلت): يعنون ليلة الإسراء.\nوقال أبو إسحاق والسدي عن رجل عن ابن عباس ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ منزلا على منزل، وكذا\n_________\n(^١) الرجز للعجاج في ديوانه ٢/ ٣٠٧، وتاج العروس (وسق)، ولسان العرب (وسق)، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٩/ ٢٣٥، وديوان الأدب ٣/ ٢٨٣، ولسان العرب (وسق)، وتفسير الطبري ١٢/ ٥١١.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٨٤، باب ٢.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥١٣، ٥١٤.","vol":"8","page":354},{"text":"رواه العوفي عن ابن عباس مثله وزاد ويقال أمرا بعد أمر وحالا بعد حال، وقال السدي نفسه ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أعمال من قبلكم منزلا بعد منزل (قلت): كأنه أراد معنى الحديث الصحيح «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى قال «فمن؟» (^١) وهذا محتمل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة حدثنا ابن جابر أنه سمع مكحولا يقول في قول الله ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال في كل عشرين سنة تحدثون أمرا لم تكونوا عليه، وقال الأعمش حدثنا إبراهيم قال: قال عبد الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. قال السماء تنشق ثم تحمر ثم تكون لونا بعد لون وقال الثوري عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال السماء مرة كالدهان ومرة تنشق.\nوروى البزار من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يا محمد يعني حالا بعد حال، ثم قال ورواه جابر عن مجاهد عن ابن عباس وقال سعيد بن جبير ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وآخرون كانوا أشرافا في الدنيا فاتضعوا في الآخرة. وقال عكرمة ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال فطيما بعد ما كان رضيعا، وشيخا بعد ما كان شابا، وقال الحسن البصري ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يقول حالا بعد حال، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقما بعد صحة.\nوقال ابن أبي حاتم ذكر عن عبد الله بن زاهر حدثني أبي عن عمرو بن شمر عن جابر هو الجعفي عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له إن الله تعالى إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه اكتب أجله اكتب أثره.\nاكتب شقيا أو سعيدا. ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموت ارتفع ذانك الملكان وجاءه ملك الموت فقبض روحه، فإذا دخل قبره رد الروح في جسده ثم ارتفع ملك الموت وجاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فانتشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائقا وآخر شهيدا، ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾» قال رسول الله ﷺ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: «حالا بعد حال» ثم قال النبي ﷺ: «إن قدامكم لأمرا عظيما لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم» هذا حديث منكر وإسناده فيه ضعفاء ولكن معناه صحيح، والله ﷾ أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٢٥.","vol":"8","page":355},{"text":"ثم قال ابن جرير (^١) بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين:\nوالصواب من التأويل قول من قال لتركبن أنت يا محمد حالا بعد حال وأمرا بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك وإن كان الخطاب موجها إلى رسول الله ﷺ جميع الناس وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا.\nوقوله تعالى: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ أي فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظاما وإكراما واحتراما؟ وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ قال مجاهد وقتادة:\nيكتمون في صدورهم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فأخبرهم يا محمد بأن الله ﷿ قد أعد لهم عذابا أليما.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ هذا استثناء منقطع يعني لكن الذين آمنوا أي بقلوبهم وعملوا الصالحات أي بجوارحهم ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي في الدار الآخرة ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال ابن عباس غير منقوص، وقال مجاهد والضحاك غير محسوب وحاصل قولهما أنه غير مقطوع كما قال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وقال السدي قال بعضهم ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير منقوص، وقال بعضهم ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ عليهم، وهذا القول الأخير عن بعضهم قد أنكره غير واحد، فإن الله ﷿ له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخلوها بفضله ورحمته لا بأعمالهم فله عليهم المنة دائما سرمدا والحمد لله وحده أبدا، ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.\nآخر تفسير سورة الانشقاق. ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2074>تفسير سورة البروج</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عبد الصمد حدثنا زريق بن أبي سلمى حدثنا أبو المهزم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة ب ﴿السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ (^٣) وقال أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا حماد بن عباد السدوسي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥١٦.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٢٧.","vol":"8","page":356},{"text":"سمعت أبا المهزم يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسموات في العشاء، تفرد به أحمد.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2075>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ إلى ١٠]</span>\n﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾\nيقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام كما تقدم بيان ذلك في قوله تعالى:\n﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة والسدي: البروج النجوم وعن مجاهد أيضا: البروج التي فيها الحرس. وقال يحيى بن رافع: البروج قصور في السماء، وقال المنهال بن عمرو ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ الخلق الحسن، واختار ابن جرير (^١) أنها منازل الشمس والقمر وهي اثنا عشر برجا، تسير الشمس في كل واحد منها شهرا ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون منزلة ويستمر ليلتين.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ اختلف المفسرون في ذلك وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثنا عبيد الله يعني ابن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري، عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يوم القيامة ﴿وَشاهِدٍ﴾ يوم الجمعة وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم عرفة» وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف الحديث وقد روي موقوفا على أبي هريرة وهو أشبه.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة، أما علي فرفعه إلى النبي ﷺ وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه قال في هذه الآية ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال يعني الشاهد يوم الجمعة ويوم مشهود يوم القيامة، وقال أحمد (^٣) أيضا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن يونس،\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥١٨.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٩٨.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩.","vol":"8","page":357},{"text":"سمعت عمارا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة والموعود يوم القيامة. وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود يوم القيامة، وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد، ثم قال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال:\nقال رسول الله ﷺ: «اليوم الموعود يوم القيامة وإن الشاهد يوم الجمعة وإن المشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ذخره الله لنا».\nثم قال ابن جرير (^٢): حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا ابن أبي فديك عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة». وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب، ثم قال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس قال:\nالشاهد هو محمد ﷺ والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ وحدثنا ابن حميد: حدثنا جرير عن مغيرة عن شباك قال: سأل رجل الحسن بن علي عن ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: سألت أحدا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمرو ابن الزبير فقالا:\nيوم الذبح ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد ﷺ، ثم قرأ ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (^٤).\nوهكذا قال الحسن البصري وقال سفيان الثوري عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب:\nومشهود يوم القيامة، وقال مجاهد وعكرمة والضحاك: الشاهد ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. وعن عكرمة أيضا: الشاهد محمد ﷺ والمشهود يوم الجمعة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الشاهد الله والمشهود يوم القيامة، وقال ابن أبي حاتم. حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: الشاهد الإنسان والمشهود يوم الجمعة، هكذا رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة، وبه عن سفيان\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٢٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٥٢١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥٢١.\n(^٤) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٥٢١.\n(^٥) تفسير الطبري ١٢/ ٥٢٢.","vol":"8","page":358},{"text":"الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال: يوم الذبح ويوم عرفة يعني الشاهد والمشهود، قال ابن جرير (^١) وقال آخرون: المشهود يوم الجمعة، ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرّحمن:\nحدثني عمي عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة» وعن سعيد بن جبير الشاهد الله، وتلا ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ والمشهود نحن، حكاه البغوي، وقال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة.\nوقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ أي لعن أصحاب الأخدود وجمعه أخاديد وهي الحفير في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله ﷿، فقهر وهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم فحفروا لهم في الأرض أخدودا وأججوا فيه نارا وأعدوا لها وقودا يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها ولهذا قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أي مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين. قال الله تعالى:\n﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به فهو العزيز الحميد وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس.\nثم قال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من تمام الصفة أنه المالك لجميع السموات والأرض وما فيهما وما بينهما ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي لا يغيب عنه شيء في جميع السموات والأرض ولا تخفى عليه خافية.\nوقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم، فامتنع عليهم علماؤهم فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعنه أنهم كانوا قوما باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فغلب مؤمنوهم على كفارهم ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها، وعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة واحدهم حبشي، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ قال: ناس من بني إسرائيل خدوا أخدودا في الأرض ثم أوقدوا فيه نارا ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وهكذا قال الضحاك بن مزاحم وقيل غير ذلك.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٢٢.","vol":"8","page":359},{"text":"وقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبر سني وحضر أجلي، فادفع إلي غلاما لأعلمه السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر، وكان بين السحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال ما حسبك وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك، فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر.\nقال فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة عظيمة فظيعة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا. فقال اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر السحر، قال فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك فقال أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال اشفني ولك ما هاهنا أجمع، فقال ما أنا أشفي أحدا إنما يشفي الله ﷿، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه.\nثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال ربي: فقال أنا قال لا، ربي وربك الله، قال ولك رب غيري؟ قال نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء! قال ما أشفي أحدا إنما يشفي الله ﷿، قال أنا؟ قال لا. قال أولك رب غيري؟ قال ربي وربك الله، فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب فأتى بالراهب فقال ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض.\nوقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه (^٢) من فوقه، فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى فبعث به مع نفر في قرقور (^٣) فقال إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون.\n_________\n(^١) المسند ٦/ ١٦، ١٨.\n(^٢) دهدهوه: أي دحرجوه.\n(^٣) القرقور: سفينة صغيرة.","vol":"8","page":360},{"text":"وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي، قال وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي، ثم قل: باسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال: باسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك، فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها، قال فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي:\nاصبري يا أماه فإنك على الحق».\nوهكذا رواه مسلم (^١) في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه، ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن عفان عن حماد بن سلمة ومن طريق حماد بن زيد كلاهما عن ثابت به واختصروا أوله، وقد جوده الإمام أبو عيسى الترمذي فرواه في تفسير هذه السورة عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد-المعنى واحد-قالا: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر همس والهمس في بعض قولهم تحريك شفتيه كأنه يتكلم فقيل له إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست، قال: «إن نبيا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال: من يقوم لهؤلاء.\nفأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط الله عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفا» قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث، حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلاما فهما أو قال: فطنا لقنا فأعلمه علمي هذا، فذكر القصة بتمامها، وقال في آخره: يقول الله ﷿: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ -حتى بلغ- ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\nقال: فأما الغلام فإنه دفن، فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل (^٢)، ثم قال الترمذي: حسن غريب، وهذا السياق ليس فيه صراحة، أن سياق هذه القصة من كلام النبي ﷺ قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى والله أعلم.\n_________\n(^١) كتاب الزهد حديث ٧٣.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٨٥، باب ٢.","vol":"8","page":361},{"text":"وقد أورد محمد بن إسحاق بن يسار هذه القصة في السيرة (^١) بسياق آخر فيها مخالفة لما تقدم فقال: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران-ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد-ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيمون ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا: نزلها رجل فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر.\nفبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه فكتمه إياه وقال له: يا ابن أخي إنك لن تحمله أخشى ضعفك عنه، والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه عمد إلى أقداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح، حتى إذا حصاها أوقد نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه، ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتمه، فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا، قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع فقال أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل.\nفجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له: يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني، وأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول نعم، فيوحد الله ويسلم، فيدعو الله له، فيشفى حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فاتبعه على أمره ودعا له، فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك، قال: لا تقدر على ذلك، قال: فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه نجران بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك فيلقى به فيها، فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى تؤمن بما آمنت به وتوحد الله، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني، قال: فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٣٤، ٣٦.","vol":"8","page":362},{"text":"على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم ﵇ من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران.\nقال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر فالله أعلم أي ذلك كان، قال فسار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل، فخد الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف، ومثل بهم حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا، ففي ذي نواس وجنده أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ:\n﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ هكذا ذكر محمد بن إسحاق في السيرة أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو ذو نواس واسمه زرعة، ويسمى في زمان مملكته بيوسف، وهو ابن تبان أسعد أبي كرب وهو تبع الذي غزا المدينة وكسى الكعبة واستصحب معه حبرين من يهود المدينة، فكان تهود من تهود من أهل اليمن على يديهما كما ذكره ابن إسحاق مبسوطا، فقتل ذو نواس في غداة واحدة في الأخدود عشرين ألفا ولم ينج منهم سوى رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان، ذهب فارسا وطردوا وراءه فلم يقدروا عليه فذهب إلى قيصر ملك الشام فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة، فأرسل معه جيشا من نصارى الحبشة يقدمهم أرياط وأبرهة فاستنقذوا اليمن من أيدي اليهود، وذهب ذو نواس هاربا فلجج في البحر فغرق، واستمر ملك الحبشة في أيدي النصارى سبعين سنة، ثم استنقذه سيف بن ذي يزن الحميري من أيدي النصارى لما استجاش بكسرى ملك الفرس، فأرسل معه من في السجون فكانوا قريبا من سبعمائة، ففتح بهم اليمن ورجع الملك إلى حمير، وسنذكر طرفا من ذلك إن شاء الله في تفسير سورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١].\nوقال ابن إسحاق (^١): وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن فيها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخذت يده عنها تفجرت دما، وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا.\nوقد قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ﵀: حدثنا أبو بلال الأشعري،\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٣٦، ٣٧.","vol":"8","page":363},{"text":"حدثنا إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، حدثني بعض أهل العلم أن أبا موسى لما افتتح أصبهان وجد حائطا من حيطان المدينة قد سقط، فبناه فسقط ثم بناه فسقط، فقيل له: إن تحته رجلا صالحا، فحفر الأساس فوجد فيه رجلا قائما معه سيف فيه مكتوب:\nأنا الحارث بن مضاض نقمت على أصحاب الأخدود، فاستخرجه أبو موسى وبنى الحائط فثبت. (قلت): هو الحارث بن مضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي، أحد ملوك جرهم الذين ولوا أمر الكعبة بعد ولد نبت بن إسماعيل بن إبراهيم، وولد الحارث هذا هو عمرو بن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن، وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام (^١) إنه أول شعر قالته العرب: [الطويل] كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر (^٢)\nبلى نحن كنا أهلها فأبادنا … صروف الليالي والجدود العواثر\nوهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديما بعد زمان إسماعيل ﵇ بقرب من خمسمائة سنة أو نحوها، وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم كانت في زمن الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما من الله السّلام وهو أشبه، والله أعلم. وقد يحتمل أن ذلك قد وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا صفوان عن عبد الرّحمن بن جبير قال: كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذوا أتونا وألقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد، وفي العراق في أرض بابل بختنصر الذي صنع الصنم وأمر الناس أن يسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه عزريا وميشائيل فأوقد لهم أتونا وألقى فيه الحطب والنار ثم ألقاهما فيه، فجعلها الله تعالى عليهما بردا وسلاما وأنقذهما منها وألقى فيها الذين بغوا عليه، وهم تسعة رهط فأكلتهم النار.\nوقال أسباط عن السدي في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ قال: كانت الأخدود ثلاثة: خد بالعراق، وخد بالشام، وخد باليمن. رواه ابن أبي حاتم، وعن مقاتل قال: كانت الأخدود ثلاثة: واحد بنجران باليمن والأخرى بالشام والأخرى بفارس حرقوا بالنار، أما التي بالشام فهو انطنانوس الرومي، وأما التي بفارس فهو بختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس، فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآنا وأنزل في التي كانت\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ١١٥، ١١٦.\n(^٢) البيت الأول لعمرو بن الحارث بن مضاض أو للحارث الجرهمي في لسان العرب (حجن). وبلا نسبة في شرح قطر الندي ص ١٥٩. والبيت الثاني للحارث الجرهمي في لسان العرب (حجن)، ولعمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي في تاج العروس (شرح خطبة المصنف)، ومعجم البلدان (مكة)، ولمضاض بن عمرو الجرهمي في معجم البلدان (الحجون)، ولشاعر جرهم في معجم البلدان (مأرب)","vol":"8","page":364},{"text":"بنجران.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الرّحمن الدشتكي، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع هو ابن أنس في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ قال:\nسمعنا أنهم كانوا قوما في زمان الفترة، فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر وصاروا أحزابا ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، اعتزلوا إلى قرية سكنوها وأقاموا على عبادة الله ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ [البينة: ٥]، فكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين وحدث حديثهم فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا، وأنهم أبوا عليه كلهم وقالوا لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت فإني قاتلكم، فأبوا عليه فخد أخدودا من نار وقال لهم الجبار ووقفهم عليها: اختاروا هذه أو الذي نحن فيه، فقالوا: هذه أحب إلينا، وفيهم نساء وذرية ففزعت الذرية، فقالوا لهم أي آباؤهم لا نار من بعد اليوم فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين فأحرقهم الله بها ففي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ورواه ابن جرير (^١): حدثت عن عمار عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي حرقوا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبزى ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2076>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١١ إلى ٢٢]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولهذا قال: ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره لشديد عظيم قوي، فإنه تعالى ذو القوة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي من قوته وقدرته التامة يبدئ الخلق ويعيده كما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٢٥.","vol":"8","page":365},{"text":"بدأه بلا ممانع ولا مدافع.\n﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ أي يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه ولو كان الذنب من أي شيء كان، والودود قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أي صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، والمجيد فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ﷿، والجر على أنه صفة للعرش وكلاهما معنى صحيح ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أي مهما أراد فعله لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره وحكمته وعدله كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا فما قال لك؟ قال:\nقال لي إني فعال لما أريد.\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما شديدا أخذ عزيز مقتدر قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ فقام يستمع فقال: «نعم قد جاءني».\nوقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي هم في شك وريب وكفر وعناد ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي هو قادر عليهم قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي عظيم كريم ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أي هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا قرة بن سليمان، حدثنا حرب بن سريج، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ في جبهة إسرافيل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح أن أبا الأعبس هو عبد الرّحمن بن سلمان قال: ما من شيء قضى الله: القرآن، فما قبله وما بعده إلا وهو في اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل لا يؤذن له بالنظر فيه.\nوقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه، وقد روى البغوي من طريق إسحاق بن بشر: أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٣١.","vol":"8","page":366},{"text":"ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة، قال: واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه من الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك.\nوقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش، وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاء»\nآخر تفسير سورة البروج، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2077>تفسير سورة الطارق</span>\nوهي مكية\nقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد قال عبد الله وسمعته أنا منه، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن عبد الله بن عبد الرّحمن الطائفي عن عبد الرّحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى حين أتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته يقول: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ حتى ختمها قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم فقال من معهم من قريش، نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه (^١)، وقال النسائي: حدثنا عمرو بن منصور، حدثنا أبو نعيم عن مسعر عن محارب بن دثار عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء فقال النبي ﷺ: «أفتان أنت يا معاذ! ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق والشمس وضحاها ونحوها؟» (^٢).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٣٥.\n(^٢) أخرجه النسائي في الافتتاح باب ٧٠.","vol":"8","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2078>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ إلى ١٠]</span>\n﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠)﴾\nيقسم ﵎ بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة ولهذا قال تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ ثم قال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قال قتادة وغيره: إنما سمي النجم طارقا لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا (^١) أي يأتيهم فجأة بالليل، وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء «إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» (^٢). وقوله تعالى: ﴿الثّاقِبُ﴾ قال ابن عباس: المضيء وقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها، وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ أي كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد:١١]. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد، لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقوله تعالى:\n﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ يعني المني يخرج دفقا من الرجل والمرأة، فيتولد منهما الولد، بإذن الله ﷿، ولهذا قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ يعني صلب الرجل وترائب المرأة وهو صدرها.\nوقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ صلب الرجل وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن مسعر، سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ قال: هذه الترائب، ووضع يده على صدره.\nوقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: تريبة المرأة موضع القلادة، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الترائب بين ثدييها، وعن مجاهد:\nالترائب ما بين المنكبين إلى الصدر، وعنه أيضا: الترائب أسفل من التراقي، وقال سفيان الثوري: فوق الثديين، وعن سعيد بن جبير: الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل وعن الضحاك: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين، وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في النكاح باب ١٢٠، ومسلم في الإمارة حديث ١٨٠، ١٨٤.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤١٩.","vol":"8","page":368},{"text":"حبيبة المدني أنه بلغه في قول الله ﷿: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ قال: هو عصارة القلب من هناك يكون الولد، وعن قتادة ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ من بين صلبه ونحره.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ فيه قولان [أحدهما] على رجع هذا الماء الدافق، إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما. [والقول الثاني] إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق أي إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة، وقد ذكر الله ﷿ هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك واختاره ابن جرير ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ أي يوم القيامة تبلى فيه السرائر أي تظهر وتبدو ويبقى السر علانية والمكنون مشهورا.\nوقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يرفع لكل غادر لواء عند استه يقال هذه غدرة فلان بن فلان» (^١) وقوله تعالى: ﴿فَما لَهُ﴾ أي الإنسان يوم القيامة ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي في نفسه ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ أي من خارج منه أي لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله ولا يستطيع له أحد ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2079>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١١ إلى ١٧]</span>\n﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾\nقال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وعنه ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ تمطر ثم تمطر، وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم (^٢)، وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها يأتين من هاهنا ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغير واحد.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قال ابن عباس: حق، وكذا قال قتادة، وقال آخر: حكم عدل ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ أي بل هو جد حق، ثم أخبر عن الكافرين بأنهم يكذبون به ويصدون عن سبيله فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ أي يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن، ثم قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ﴾ أي أنظرهم ولا تستعجل لهم ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ أي قليلا أي وسترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] آخر تفسير سورة الطارق، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجزية باب ٢٢، والأدب باب ٩٩، ومسلم في الجهاد حديث ٨، ١٠، ١٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٥٣٩.","vol":"8","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2080>تفسير سورة الأعلى</span>\nوهي مكية\nوالدليل على ذلك ما رواه البخاري: حدثنا عبدان، أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ثم جاء النبي ﷺ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء فما جاء حتى قرأت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة عن أبيه عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ تفرد به أحمد. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿الشَّمْسِ وَضُحاها﴾ و﴿اللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾» (^٣) وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا سفيان عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا (^٥).\nهكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث، وقد رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عوانة وجرير وشعبة، ثلاثتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير به، قال الترمذي: وكذا رواه الثوري ومسعر عن إبراهيم، قال ورواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم عن أبيه عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان، ولا يعرف لحبيب رواية عن أبيه، وقد رواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان به، كما رواه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٨٧، باب ١.\n(^٢) المسند ١/ ٩٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في الأذان باب ٦٣، ومسلم في الصلاة حديث ٤٧، ٤٨.\n(^٤) المسند ٤/ ٢٧١.\n(^٥) أخرجه مسلم في الجمعة حديث ٦٢، وأبو داود في الصلاة باب ١٢٤، ١٣٤، ١٤٧، ١٤٩، ١٥٠، ٢٣٦، والترمذي في الوتر باب ٩، والجمعة باب ٢٢، ٣٣، والنسائي في الجمعة باب ٣٩، ٤٠، وابن ماجة في الإقامة باب ١٠، ٢٠، ٤٨، ٩٠، ١١٥، ١٥٧.","vol":"8","page":370},{"text":"الجماعة فالله أعلم، ولفظ مسلم وأهل السنن: كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما.\nوقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الرّحمن ابن أبزى وعائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، زادت عائشة والمعوذتين. وهكذا روي هذا الحديث من طريق جابر وأبي أمامة صدي بن عجلان وعبد الله ابن مسعود وعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب ﵃، ولولا خشية الإطالة لأوردنا ما تيسر لنا من أسانيد ذلك ومتونه، ولكن في الإرشاد بهذا الاختصار كفاية والله أعلم.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2081>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ إلى ١٣]</span>\n﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو عبد الرّحمن حدثنا موسى يعني ابن أيوب الغافقي، حدثنا عمي إياس بن عامر سمعت عقبة بن عامر الجهني: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال لنا رسول الله ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم» (^٢) ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيوب به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: «سبحان ربي الأعلى» وهكذا رواه أبو داود عن زهير بن حرب عن وكيع به قال وخولف فيه وكيع رواه أبو وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس موقوفا. وقال الثوري عن السدي عن عبد خير قال: سمعت عليا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن عنبسة عن أبي إسحاق الهمداني أن ابن عباس كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٥٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٤٧، وابن ماجة في الإقامة باب ٩٠، ١١٥، ١٥٧.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥٤٢.","vol":"8","page":371},{"text":"﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فأتى على آخرها ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] يقول: سبحانك وبلى، وقال قتادة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أي خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (^١) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى﴾ أي من جميع صنوف النباتات والزروع ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ قال ابن عباس: هشيما متغيرا، وعن مجاهد وقتادة وابن زيد نحوه.\nقال ابن جرير (^٢): وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام والذي أخرج المرعى، ﴿أَحْوى﴾ أخضر إلى السواد فجعله غثاء بعد ذلك، ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملا إلا أنه غير صواب لمخالفته أقوال أهل التأويل، وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أي يا محمد ﴿فَلا تَنْسى﴾ وهذا إخبار من الله تعالى ووعد منه له. بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ وهذا اختيار ابن جرير. وقال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله: وقيل: المراد بقوله: ﴿فَلا تَنْسى﴾ طلب، وجعل معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ أي لا تنسى أي ما نقرئك إلا ما يشاء الله رفعه فلا عليك أن تتركه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ أي يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه من ذلك شيء.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر. وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أي ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وقال: حدث الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذّب الله ورسوله، وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قبله يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٦، والترمذي في القدر باب ١٨، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٩.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٥٤٤.","vol":"8","page":372},{"text":"العذاب وأنواع النكال.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان يعني التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل أنصاره فينبتهم-أو قال-ينبتون-في نهر الحياة-أو قال الحياة-أو قال الحيوان-أو قال نهر الجنة-فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» قال: وقال النبي ﷺ: «أما ترون الشجرة تكون خضراء ثم تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ قال: فقال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية.\nوقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس-أو كما قال-تصيبهم النار بذنوبهم-أو قال بخطاياهم-فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر (^٣) ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية (^٤)، ورواه مسلم من حديث بشر بن المفضل وشعبة كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به مثله.\nورواه أحمد (^٥) أيضا عن يزيد عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحما، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة فيرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل». وقد قال الله تعالى إخبارا عن أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقال تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2082>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ إلى ١٩]</span>\n﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ أي طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة وتابع ما أنزل الله\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٥.\n(^٢) المسند ٣/ ١١.\n(^٣) ضبائر ضبائر: أي جماعات جماعات.\n(^٤) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٣٠٦، وابن ماجة في الزهد باب ٣٧.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٠.","vol":"8","page":373},{"text":"على الرسول صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ أي أقام الصلاة في أوقاتها ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالا لشرع الله. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن أحمد العزرمي، حدثنا عمي محمد بن عبد الرّحمن عن أبيه عن عطاء بن السائب، عن عبد الرّحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله».\n﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قال: «هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها» ثم قال: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه، وكذا قال ابن عباس: إن المراد بذلك الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي، حدثنا مروان بن معاوية عن أبي خلدة قال: دخلت على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غدا إلى العيد فمر بي، قال: فمررت به فقال: هل طعمت شيئا؟ قلت: نعم. قال: أفضت على نفسك من الماء؟ قلت: نعم. قال:\nفأخبرني ما فعلت زكاتك! قلت: قد وجهتها قال: إنما أردتك لهذا ثم قرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء.\n(قلت): وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر ويتلو هذه الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وقال أبو الأحوص: إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة فليقدم بين يدي صلاته زكاته فإن الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وقال قتادة في هذه الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ زكى ماله وأرضى خالقه.\nثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي تقدمونها على أمر الآخرة وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دنية فانية والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى ويهتم بما يزول عنه قريبا ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ذويد عن أبي إسحاق عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة عن عطاء\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٤٧.\n(^٢) المسند ٦/ ٧١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥٤٨.","vol":"8","page":374},{"text":"عن عرفجة الثقفي قال استقرأت ابن مسعود ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ -فلما بلغ- ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ترك القراءة وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وهذا منه على وجه التواضع والهضم أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو والله أعلم.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى» تفرد به أحمد، وقد رواه أيضا عن أبي سلمة الخزاعي عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به مثله سواء.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا نصر بن علي، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ قال النبي ﷺ: «كان كل هذا-أو كان هذا-في صحف إبراهيم وموسى» ثم قال: لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس غير هذا، وحديثا آخر رواه مثل هذا.\nوقال النسائي أخبرنا زكريا بن يحيى، أخبرنا نصر بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى، ولما نزلت ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم: ٣٦] قال:\nوفّى إبراهيم ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٧] يعني أن هذه الآية كقوله تعالى في سورة النجم ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ [النجم: ٣٦ - ٤٢] الآيات إلى آخرهن.\nوهكذا قال عكرمة فيما رواه ابن جرير عن ابن حميد عن مهران عن سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ يقول: الآيات التي في سبح اسم ربك الأعلى، وقال أبو العالية: قصة هذه السورة في الصحف الأولى، واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِنَّ هذا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا﴾ أي مضمون هذا الكلام ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ وهذا الذي اختاره حسن قوي، وقد\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤١٢.","vol":"8","page":375},{"text":"روي عن قتادة وابن زيد نحوه، والله أعلم، آخر تفسير سورة سبح، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2083>تفسير سورة الغاشية</span>\nوهي مكية\nقد تقدم عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ كان يقرأ ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] والغاشية في صلاة العيد ويوم الجمعة وقال الإمام مالك عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: بم كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ (^١). ورواه أبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة كلاهما عن مالك به، ورواه مسلم وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن ضمرة بن سعيد به.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2084>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ إلى ٧]</span>\n﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى نارًا حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾\nالغاشية: من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد لأنها تغشى الناس وتعمهم، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ فقام يستمع ويقول: «نعم قد جاءني» وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أي ذليلة قاله قتادة، وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها.\nوقوله تعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ أي قد عملت عملا كثيرا ونصبت فيه وصليت يوم القيامة نارا حامية. وقال الحافظ أبو بكر البرقاني: حدثنا إبراهيم بن محمد المزكّى، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: مر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بدير راهب، قال فناداه يا راهب، فأشرف قال فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال:\nذكرت قول الله ﷿ في كتابه: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ فذاك الذي أبكاني.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجمعة حديث ٦٢، ٦٣، وأبو داود في الصلاة باب ٢٣٦، والنسائي في الجمعة باب ٣٩، ٤٠، وابن ماجة في الإقامة باب ٩٠، ١٥٧، ومالك في الجمعة حديث ١٩.","vol":"8","page":376},{"text":"وقال البخاري (^١): قال ابن عباس ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ النصارى، وعن عكرمة والسدي ﴿عامِلَةٌ﴾ في الدنيا بالمعاصي و﴿ناصِبَةٌ﴾ في النار بالعذاب والإغلال، قال ابن عباس والحسن وقتادة ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ أي حارة شديدة الحر ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي قد انتهى حرها وغليانها، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: شجر من النار، وقال سعيد بن جبير: هو الزقوم، وعنه أنها الحجارة، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو الجوزاء وقتادة: هو الشبرق، قال قتادة: قريش تسميه في الربيع الشبرق وفي الصيف الضريع، قال عكرمة: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض.\nوقال البخاري (^٢): قال مجاهد: الضريع نبت يقال له الشبرق يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس وهو سم، وقال معمر عن قتادة هو الشبرق إذا يبس سمي الضريع، وقال سعيد عن قتادة ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ من شر الطعام وأبشعه وأخبثه، وقوله تعالى: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يعني لا يحصل به مقصود ولا يندفع به محذور.\n\n<span data-type='title' id=toc-2085>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ إلى ١٦]</span>\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾\nلما ذكر حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة ﴿ناعِمَةٌ﴾ أي يعرف النعيم فيها وإنما حصل لها ذلك بسعيها، وقال سفيان ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ قد رضيت عملها. وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أي رفيعة بهية في الغرفات آمنون ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ أي لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو كما قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاّ سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] وقال تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] وقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ أي سارحة وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينا واحدة وإنما هذا جنس يعني فيها عيون جاريات.\nوقال ابن أبي حاتم: قرئ على الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أنهار الجنة تفجر من تحت تلال-أو من تحت جبال-المسك» ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أي عالية ناعمة كثيرة الفرش مرتفعة السمك عليها الحور العين، قالوا فإذا أراد ولي الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له ﴿وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يعني أواني الشرب معدة مرصدة لمن أرادها من أربابها.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٨٨، في الترجمة.\n(^٢) راجع الحاشية السابقة.","vol":"8","page":377},{"text":"﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قال ابن عباس: النمارق الوسائد، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك والسدي والثوري وغيرهم، وقوله تعالى: ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قال ابن عباس الزرابي البسط، وكذا قال الضحاك وغير واحد، ومعنى مبثوثة أي هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها، وذكر هاهنا هذا الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي داود، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبي عن محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى، حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله ﷺ: «ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها (^١)، وهي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية؟» قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ نحن المشمرون لها، قال: «قولوا إن شاء الله» قال القوم: إن شاء الله (^٢)، ورواه ابن ماجة عن العباس بن عثمان الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2086>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ إلى ٢٦]</span>\n﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)﴾\nيقول تعالى آمرا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ فإنها خلق عجيب وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف وتؤكل وينتفع بوبرها ويشرب لبنها، ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت! أي كيف رفعها الله ﷿ عن الأرض هذا الرفع العظيم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦].\n﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي جعلت منصوبة فإنها قائمة ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي كيف بسطت ومدت ومهدت، فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه وأنه الرب العظيم الخالق المالك المتصرف، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه، وهكذا أقسم ضمام في سؤاله على رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) لا خطر لها: أي لا مثل لها.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣٩.","vol":"8","page":378},{"text":"كما رواه الإمام أحمد (^١) حيث قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس، قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع.\nفجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: «صدق» قال: فمن خلق السماء؟» قال: «الله» قال: فمن خلق الأرض؟ قال:\n«الله» قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله» قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة أموالنا؟ قال «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: «صدق» قال: ثم ولى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص منهن شيئا؟ فقال النبي ﷺ: «إن صدق ليدخلن الجنة» (^٢).\nوقد رواه مسلم عن عمر الناقد عن أبي النضر هاشم بن القاسم به، وعلقه البخاري ورواه الترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به ورواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس به بطوله وقال في آخره: وأنبأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما كان يحدث عن امرأة في الجاهلية على رأس جبل معها ابن صغير لها ترعى غنما، فقال لها ابنها: يا أمه من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله، قال: فمن خلق السماء؟ قالت: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله، قال: فإني لأسمع لله شأنا وألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحدثنا هذا. قال ابن دينار: كان ابن عمر كثيرا ما يحدثنا بهذا، في إسناده ضعف وعبد الله بن جعفر هذا هو المديني ضعفه ولده الإمام علي بن المديني وغيره.\nوقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي فذكر يا محمد الناس بما\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٤٣، ١٩٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في العلم باب ٦، ومسلم في الإيمان حديث ٩، ١٠، والترمذي في الزكاة باب ٢، والنسائي في الصيام باب ١.","vol":"8","page":379},{"text":"أرسلت به إليهم ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] أي لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وقال ابن زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان.\nقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿» ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (^١) وهكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان والترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث سفيان بن سعيد الثوري به بهذه الزيادة، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من رواية أبي هريرة بدون ذكر هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ أي تولى عن العمل بأركانه وكفر بالحق بجنانه ولسانه، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢] ولهذا قال:\n﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا قتيبة، حدثنا ليث عن سعيد بن أبي هلال عن علي بن خالد أن أبا أمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله»، تفرد بإخراجه الإمام أحمد، وعلي بن خالد هذا ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه ولم يزد على ما هاهنا، روى عن أبي أمامة وعنه سعيد بن أبي هلال، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ أي: مرجعهم ومنقلبهم ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ أي نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.\nآخر تفسير سورة الغاشية، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2087>تفسير سورة الفجر</span>\nوهي مكية\nقال النسائي: أنبأنا عبد الوهاب بن الحكم أخبرني يحيى بن سعيد عن سليمان عن محارب بن دثار وأبي صالح عن جابر قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه، فطول\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ١٧، والاعتصام باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤، ٢٦، والترمذي في الإيمان باب ١، وتفسير سورة ٨٨، وابن ماجة في الفتن باب ١. وأحمد في المسند ١/ ١١، ١٩، ٣٦، ٤٨، ٢/ ٣١٤، ٣٧٧، ٤٢٣، ٤٣٩، ٤٧٥، ٤٨٢، ٥٠٢، ٥٢٨، ٢٩ ٣/ ٥، ٣٠٠، ٣٣٢، ٣٩٤، ٥/ ٢٤٦.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٥٨.","vol":"8","page":380},{"text":"فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذا فقال منافق، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فسأل الفتى فقال: يا رسول الله: جئت أصلي معه فطول علي، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناقتي، فقال رسول الله ﷺ: «أفتان يا معاذ؟ أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]- ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ [الشمس: ١]- ﴿وَالْفَجْرِ﴾ - ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]» (^١).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2088>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ إلى ١٤]</span>\n﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)﴾\nأما الفجر فمعروف وهو الصبح، قاله علي وابن عباس وعكرمة ومجاهد والسدي، وعن مسروق ومحمد بن كعب ومجاهد: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر، وقيل المراد بذلك الصلاة التي تفعل عنده كما قاله عكرمة، وقيل المراد به جميع النهار، وهو رواية عن ابن عباس، والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف.\nوقد ثبت في صحيح البخاري (^٢) عن ابن عباس مرفوعا «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام» يعني عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:\n«ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد، وقد روى أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ قال: هو العشر الأول من رمضان، والصحيح القول الأول.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر»، ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، وكل منهما عن زيد بن الحباب به ورواه ابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم من حديث زيد بن الحباب به، وهذا إسناد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١٧٨، والنسائي في الإقامة باب ٣٩، ٤١، والافتتاح باب ٧٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في العيدين باب ١١، وابن ماجة في الصيام باب ٣٩.\n(^٣) المسند ٣/ ٣٢٧.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٥٦٢، ٥٦٣.","vol":"8","page":381},{"text":"رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر، وقاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضا [قول ثان] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد عن واصل بن السائب قال:\nسألت عطاء عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قلت: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا ولكن الشفع يوم عرفة والوتر ليلة الأضحى [قول ثالث] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي عن النعمان، يعني ابن عبد السّلام، عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الشفع والوتر، فقال: الشفع قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والوتر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق.\nوفي الصحيحين من رواية أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» (^١).\n[قول رابع] قال الحسن البصري وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع ووتر أقسم تعالى بخلقه، وهو رواية عن مجاهد والمشهور عنه الأول، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع، ويقال الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب.\n[قول خامس] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قال: الشفع الزوج، والوتر: الله ﷿. وقال أبو عبد الله عن مجاهد: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ كل شيء خلقه الله شفع. السماء والأرض والبر والبحر والجن والإنس والشمس والقمر ونحو هذا، ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى:\n﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] أي لتعلموا أن خالق الأزواج واحد [قول سادس] قال قتادة عن الحسن ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ هو العدد منه شفع ومنه وتر.\n[قول سابع في الآية الكريمة] رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج ثم قال ابن جرير: وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزبير، حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا زيد بن الحباب أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٦٩، ومسلم في الذكر حديث ٥، ٦، وأبو داود في الوتر باب ١، والترمذي في الوتر باب ٢، والنسائي في قيام الليل باب ٢٧، وابن ماجة في الإقامة باب ١١٤.","vol":"8","page":382},{"text":"الزبير عن جابر أن رسول الله قال: «الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث» هكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم وما رواه هو أيضا والله أعلم.\nقال أبو العالية والربيع بن أنس وغيرهما: هي الصلاة منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب فإنها ثلاث وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل. وقد قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عمران بن حصين ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قال هي الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر وهذا منقطع وموقوف ولفظه خاص بالمكتوبة وقد روي متصلا مرفوعا إلى النبي ﷺ ولفظه عام.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا همام عن قتادة عن عمران بن عصام أن شيخا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر فقال: «هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير عن بندار عن عفان وعن أبي كريب عن عبيد الله بن موسى وكلاهما عن همام، وهو ابن يحيى، عن قتادة عن عمران بن عصام، عن شيخ عن عمران بن حصين، وكذا رواه أبو عيسى الترمذي (^٢) عن عمرو بن علي عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما عن همام عن قتادة عن عمران بن عصام عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس أيضا عن قتادة، وقد روي عن عمران بن عصام عن عمران نفسه والله أعلم.\n(قلت): ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام عن قتادة عن عمران بن عصام الضبعي شيخ من أهل البصرة عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ، فذكره، هكذا رأيته في تفسيره فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٣): أخبرنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس عن قتادة عن عمران بن عصام عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ في الشفع والوتر قال: «هي الصلاة منها شفع ومنها وتر» فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري إمام مسجد بني ضبيعة. وهو والد أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، روى عنه قتادة وابنه أبو جمرة والمثنى بن سعيد وأبو التياح يزيد بن حميد.\nوذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٤٣٧.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٨٩، باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥٦٣.","vol":"8","page":383},{"text":"البصرة، وكان شريفا نبيلا حظيا عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد، وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه والله أعلم، ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: أي إذا ذهب، وقال عبد الله بن الزبير ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ حتى يذهب بعضه بعضا، وقال مجاهد وأبو العالية وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ إذا سار، وهذا يمكن حمله على ما قال ابن عباس أي ذهب، ويحتمل أن يكون المراد إذا سار أي أقبل، وقد يقال إن هذا أنسب لأنه في مقابلة قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ على إقباله كان قسما بإقبال الليل وإدبار النهار وبالعكس كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨] وكذا قال الضحاك ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ أي يجري، وقال عكرمة ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ يعني ليلة جمع ليلة المزدلفة. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ قال: أسر يا سار ولا تبيتن إلا بجمع، وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي لذي عقل ولب ودين وحجا، وإنما سمي العقل حجرا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي، ومنه حجر اليمامة، وحجر الحاكم على فلان إذا منعه التصرف ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢٢] كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها إليه عباده المتقون المطيعون له، الخائفون منه المتواضعون لديه الخاضعون لوجهه الكريم.\nولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين خارجين عن طاعته مكذبين لرسله جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرا فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ وهؤلاء عاد الأولى وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق، وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودا ﵇ فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلكهم ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧ - ١٠] وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ عطف بيان زيادة تعريف بهم.","vol":"8","page":384},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشا، ولهذا ذكرهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ … ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقال تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وقال هاهنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ أي القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. قال مجاهد: إرم، أمة قديمة يعني عادا الأولى، كما قال قتادة بن دعامة والسدي: إن إرم بيت مملكة عاد، وهذا قول حسن جيد وقوي، وقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ كانوا أهل عمد لا يقيمون، وقال العوفي عن ابن عباس: إنما قيل لهم ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ لطولهم، واختار الأول ابن جرير ورد الثاني فأصاب.\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ أعاد ابن زيد الضمير على العماد لارتفاعها وقال: بنوا عمدا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد، وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد يعني في زمانهم، وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه ضعيف لأنه لو كان أراد ذلك لقال التي لم يعمل مثلها في البلاد وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح عمن حدثه عن المقدام عن النبي ﷺ أنه ذكر إرم ذات العماد فقال: «كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم» ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي قال: قرأت كتابا وقد سمى حيث قرأه أنا شداد بن عاد وأنا الذي رفعت العماد وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع لا يخرجه إلا أمة محمد ﷺ.\n(قلت): فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها أو أعمدة بيوتهم للبدو أو سلاحا يقاتلون به أو طول الواحد منهم، فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم.\nومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ مدينة إما دمشق كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة، أو إسكندرية كما روي عن القرظي أو غيرهما ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ إن جعل ذلك بدلا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد","vol":"8","page":385},{"text":"وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم.\nوإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾، مبنية بلبن الذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر وترابها بنادق المسك وأنهارها سارحة وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها وسورها وأبوابها تصفر ليس بها داع ولا مجيب، وأنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام وتارة باليمن وتارة بالعراق وتارة بغير ذلك من البلاد، فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك.\nوذكر الثعلبي وغيره أن رجلا من الأعراب وهو عبد الله بن قلابة في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئا.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم قصة ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ هاهنا مطولة جدا فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة وألوان الجواهر واليواقيت واللئالئ والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات ويطنزون بهم، والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزا كثيرة من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله، فأما على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت ولم يصح في ذلك شيء مما يقولونه إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم والله ﷾ الهادي للصواب.\nوقول ابن جرير (^١) يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تصرف، فيه نظر لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده:\n﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ﴾ يعني يقطعون الصخر بالوادي، قال ابن عباس ينحتونها ويخرقونها، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد ومنه يقال مجتابي النمار إذا خرقوها، واجتاب الثوب إذا فتحه ومنه الجيب أيضا وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]، وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا قول الشاعر: [الطويل]\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٦٦.","vol":"8","page":386},{"text":"ألا كل شيء ما خلا الله بائد … كما باد حي من شنيف ومارد (^١)\nهم ضربوا في كل صمّاء صعدة … بأيد شداد أيّدات السواعد\nوقال ابن إسحاق: كانوا عربا وكان منزلهم بوادي القرى، وقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته.\nوقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره، ويقال كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها (^٢)، وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل في كل قائمة من قوائمة في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه، وقال قتادة: بلغنا أنه كان له مطال وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وحبال، وقال ثابت البناني عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ أي تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ أي أنزل عليهم رجزا من السماء وأحل بهم عقوبة، لا يردها عن القوم المجرمين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى يعني يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والآخرة، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله ويقال كلا بما يستحقه، وهو المنزه عن الظلم الجور. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا وفي إسناده نظر وفي صحته، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير، يا معاذ إن المؤمن لا يسكن روعه ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره، يا معاذ إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله ﷿ فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه ﷿ من وراء ذلك كله بالمرصاد».\nقال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنا أي لو كان من كلامه لكان حسنا، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا\n_________\n(^١) البيتان بلا نسبة في تفسير الطبري ١٢/ ٥٧١، وفي التفسير «من شنيق» بدل «من شنيف»، و«كل صلاء» بدل «كل صمّاء».\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٥٧٠.","vol":"8","page":387},{"text":"أبي، حدثنا صفوان بن صالح حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن أيفع عن ابن عبد الكلاعي أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر قال: والصراط عليهن، قال:\nفيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى فيقول ﴿قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ قال: فيحاسبون على الصلاة ويسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها وكيف خانوها، قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها وكيف قطعوها، قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذ متدلية إلى الهوى في جهنم تقول: اللهم من وصلني فصله، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2089>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ إلى ٢٠]</span>\n﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾\nيقول تعالى منكرا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان كما قال تعالى:\n﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:\n٥٥ - ٥٦] وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله تعالى: ﴿كَلاّ﴾ أي ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين: إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيرا بأن يصبر.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ فيه أمر بالإكرام له كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن أبي سليمان عن يزيد بن أبي عتاب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه-ثم قال بإصبعه-أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا».\nوقال أبو داود (^١): حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز يعني ابن أبي حازم، حدثني أبي عن سهل يعني ابن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وقرن بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ يعني لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين ويحث بعضهم على بعض في ذلك ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾\n_________\n(^١) كتاب الأدب باب ١٢٣.","vol":"8","page":388},{"text":"يعني الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ أي من أي جهة حصل لهم ذلك من حلال أو حرام ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي كثيرا، زاد بعضهم فاحشا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2090>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢١ إلى ٣٠]</span>\n﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَاُدْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾\nيخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال تعالى: ﴿كَلاّ﴾ أي حقا ﴿إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أي وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال وقام الخلائق من قبورهم لربهم ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ يعني لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه، بعد ما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: «أنا لها أنا لها» فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك.\nوهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب ﵎: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن العلاء بن خالد الكاهلي عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (^١) وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرّحمن الدارمي عن عمر بن حفص به.\nورواه أيضا عن عبد بن حميد عن أبي عامر عن سفيان الثوري عن العلاء بن خالد عن شقيق بن سلمة، وهو أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود قوله ولم يرفعه، وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن عرفة عن مروان بن معاوية الفزاري عن العلاء بن خالد عن شقيق عن عبد الله قوله.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ﴾ أي عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه ﴿وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ أي وكيف تنفعه الذكرى ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ يعني يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصيا ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعا كما قال الإمام أحمد بن حنبل (^٢): حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك، حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، قال: لو أن عبدا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٢٩، والترمذي في جهنم باب ١.\n(^٢) المسند ٤/ ١٨٥.","vol":"8","page":389},{"text":"لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب.\nورواه بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عتبة بن عبد الله عن رسول الله ﷺ.\nقال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ﴾ أي ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه ﴿وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم ﷿، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ﴾ أي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته ﴿راضِيَةً﴾ أي في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾ أي قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ أي في جملتهم ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، فكذلك هاهنا.\nثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان، وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب ﵁.\nوقال العوفي عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ﴾ يعني صاحبك وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وروي عنه أنه كان يقرؤها «فادخلي في عبدي» ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ﴾ [غافر: ٤٣] أي إلى حكمه والوقوف بين يديه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرّحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال: «أما إنه سيقال لك هذا» ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان عن أشعث عن سعيد بن جبير قال: قرأت عند النبي ﷺ ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ فقال أبو بكر ﵁ إن هذا لحسن، فقال له النبي ﷺ: «أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت» وكذا رواه ابن جرير (^١) عن أبي كريب عن ابن يمان به وهذا مرسل حسن.\nثم قال ابن أبي حاتم وحدثنا الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن شجاع الجزري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم ير على خلقته فدخل نعشه ثم لم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا يدري من تلاها\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٨١.","vol":"8","page":390},{"text":"﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ورواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن مروان بن شجاع عن سالم بن عجلان الأفطس به فذكره.\nوقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي المعروف بشكر في كتاب العجائب بسنده عن قباث بن رزين أبي هاشم قال: أسرت في بلاد الروم فجمعنا الملك وعرض علينا دينه على أن من امتنع ضربت عنقه فارتد ثلاثة وجاء الرابع فامتنع فضربت عنقه وألقي رأسه في نهر هناك فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان ويا فلان ويا فلان يناديهم بأسمائهم قال الله تعالى في كتابه: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ثم غاص في الماء، قال فكادت النصارى أن يسلموا ووقع سرير الملك ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام قال وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي عن أبيها حدثني سليمان بن حبيب المحاربي حدثني أبو أمامة أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «قل اللهم إني أسألك نفسا بك مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك» ثم روى عن أبي سليمان بن وبر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمه، آخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2091>تفسير سورة البلد</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2092>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ إلى ١٠]</span>\n﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾\nهذا قسم من الله ﵎ بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها، قال خصيف عن مجاهد ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ لا رد عليهم. أقسم بهذا البلد. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾","vol":"8","page":391},{"text":"يعني مكة ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ قال أنت يا محمد يحل لك أن تقابل به، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وعطية والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد، وقال مجاهد ما أصبت فيه فهو حلال لك.\nوقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ قال: أنت به من غير حرج ولا إثم، وقال الحسن البصري أحلها الله له ساعة من نهار، وهذا المعنى الذي قالوه ورد به الحديث المتفق على صحته. «إن هذا البلد حرم الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه (^١)، وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب» وفي لفظ آخر: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ قال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية عن شريك عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ الوالد الذي يلد وما ولد العاقر الذي لا يولد له، ورواه ابن أبي حاتم من حديث شريك وهو ابن عبد الله القاضي به، وقال عكرمة الوالد العاقر وما ولد الذي يلد رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والضحاك وسفيان الثوري وسعيد بن جبير والسدي والحسن البصري وخصيف وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد آدم وما ولد ولده، وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي، لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي أم المساكن أقسم بعده بالساكن وهو آدم أبو البشر وولده، وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده وهو محتمل أيضا.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وخيثمة والضحاك وغيرهم يعني منتصبا، زاد ابن عباس في رواية عنه منتصبا في بطن أمه، والكبد الاستواء والاستقامة، ومعنى هذا القول لقد خلقناه سويا مستقيما كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٧] وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وقال ابن جريج وعطاء عن ابن عباس: في كبد قال في شدة خلق ألم تر إليه وذكر مولده ونبات أسنانه، وقال مجاهد ﴿فِي كَبَدٍ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة يتكبد في الخلق، قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وأرضعته كرها ومعيشته كره فهو يكابد ذلك.\n_________\n(^١) لا يختلى خلاه: أي لا يقطع شجرة، والخلا: النبت الرطب.\n(^٢) أخرجه البخاري في العلم باب ٣٩، ومسلم في الحج حديث ٤٤٥، ٤٤٧، ٤٦٤.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥٨٦.","vol":"8","page":392},{"text":"وقال سعيد بن جبير ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ في شدة وطلب معيشة، وقال عكرمة:\nفي شدة وطول، وقال قتادة: في مشقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو عاصم أخبرنا عبد الحميد بن جعفر سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلا من الأنصار عن قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في قيامه واعتداله فلم ينكر عليه أبو جعفر، وروي من طريق أبي مودود سمعت الحسن قرأ هذه الآية ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: يكابد أمرا من أمر الدنيا وأمرا من أمر الآخرة، وفي رواية: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة، وقال ابن زيد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: آدم خلق في السماء فسمي ذلك الكبد، واختار ابن جرير أن المراد بذلك مكابدة الأمور ومشاقها.\nوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قال الحسن البصري: يعني ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ يأخذ ماله. وقال قتادة ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قال: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه، وأين أنفقه، وقال السدي ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قال الله ﷿، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ أي يقول ابن آدم أنفقت مالا لبدا أي كثيرا قاله مجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ قال مجاهد أي أيحسب أن لم يره الله ﷿ وكذا قال غيره من السلف: وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ أي يبصر بهما ﴿وَلِسانًا﴾ أي ينطق به فيعبر عما في ضميره ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام وجمالا لوجهه وفمه.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي عن مكحول قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعما عظاما لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لسانا وجعلت له غلافا فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجا وجعلت لك سترا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك، ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تطيق انتقامي».\n﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ الطريقين قال سفيان الثوري عن عاصم عن زر عن عبد الله هو ابن مسعود ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: الخير والشر، وكذا روي عن علي وابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي وائل وأبي صالح ومحمد بن كعب والضحاك وعطاء الخراساني في آخرين، وقال عبد الله بن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» تفرد به سنان بن سعد، ويقال سعد بن سنان، وقد وثقه ابن معين، وقال الإمام أحمد والنسائي","vol":"8","page":393},{"text":"والجوزجاني منكر الحديث، وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه، وروى خمسة عشر حديثا منكرة كلها ما أعرف منها حديثا واحدا يشبه حديثه حديث الحسن-يعني البصري-لا يشبه حديث أنس.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «يا أيها الناس إنهما النجدان نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» وكذا رواه حبيب ابن الشهيد ومعمر ويونس بن عبيد وأبو وهب عن الحسن مرسلا، وهكذا أرسله قتادة وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا عيسى بن عفان عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال الثديين، وروي عن الربيع بن خثيم وقتادة وأبي حازم مثل ذلك، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن عيسى بن عفان به ثم قال:\nوالصواب القول الأول، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-2093>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ إلى ٢٠]</span>\n﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾\nقال ابن جرير (^٢): حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن أبي عطية عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ أي دخل ﴿الْعَقَبَةَ﴾ قال:\nجبل في جهنم. وقال كعب الأحبار: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ هو سبعون درجة في جهنم وقال الحسن البصري: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ قال عقبة في جهنم، وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ﴾ وقال ابن زيد ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير ثم بينها فقال تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ﴾ قرئ فك رقبة بالإضافة، وقرئ على أنه فعل وفيه ضمير الفاعل والرقبة مفعوله، وكلتا القراءتين معناهما متقارب.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله يعني ابن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن أبي حكيم، مولى آل الزبير عن سعيد بن مرجانة أنه سمع أبا هريرة يقول: قال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٩٢.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٥٩٢.\n(^٣) المسند ٢/ ٤٢٢.","vol":"8","page":394},{"text":"رسول الله ﷺ: «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب-أي عضو-منها إربا منه من النار حتى أنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج» (^١).\nفقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفا، فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله، وقد رواه البخاري، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن مرجانة به، وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم.\nوقال قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيّما مسلم أعتق رجلا مسلما فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظما من عظامه محررا من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظما من عظامها من النار» رواه ابن جرير (^٢) هكذا وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة السلمي ﵁.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم أن النبي ﷺ قال: «من بنى مسجدا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتا في الجنة. ومن أعتق نفسا مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة».\n[طريق أخرى] قال أحمد (^٤): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا حريز عن سليم بن عامر أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة: حدثنا حديثا ليس فيه تزيد ولا نسيان. قال عمرو:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضوا بعضو، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل» (^٥) وروى أبو داود والنسائي بعضه.\n[طريق أخرى] قال أحمد (^٦): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة، قال السلمي: قلت له: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا وهم، قال سمعته يقول: «من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الكفارات باب ٦، ومسلم في العتق حديث ٢٢، ٢٣، والترمذي في النذور باب ١٤.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٥٩٣.\n(^٣) المسند ٤/ ٣٨٦.\n(^٤) المسند ٤/ ١١٣.\n(^٥) أخرجه أبو داود في العتاق باب ١٤، والترمذي في النذور باب ٢٠، وابن ماجة في العتق باب ٤.\n(^٦) المسند ٤/ ٣٨٦.","vol":"8","page":395},{"text":"يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء منها» وهذه أسانيد جيدة قوية، ولله الحمد.\n[حديث آخر] قال أبو داود (^١): حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة عن ابن أبي عبلة عن الغريف بن عياش الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا:\nإنما أردنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب يعني النار بالقتل فقال: «أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار»، وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش الديلمي، عن واثلة به.\n[حديث آخر] قال أحمد (^٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام عن قتادة عن قيس الجذامي عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار»، وحدثنا عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن قيسا الجذامي حدث عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار» تفرد به أحمد (^٣) من هذا الوجه.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: حدثنا عيسى بن عبد الرّحمن البجلي من بني بجيلة من بني سليم عن طلحة بن مصرف عن عبد الرّحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة» فقال: يا رسول الله أوليستا بواحدة، قال: «لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف (^٥)، والفيء على ذي الرحم الظالم فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير».\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قال ابن عباس: ذي مجاعة، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وغير واحد، والسغب هو الجوع، وقال إبراهيم النخعي: في يوم\n_________\n(^١) كتاب العتاق باب ١٣.\n(^٢) المسند ٤/ ١٥٠.\n(^٣) المسند ٤/ ١٤٧.\n(^٤) المسند ٤/ ٢٩٩.\n(^٥) المنحة الوكوف: غزيرة اللبيب.","vol":"8","page":396},{"text":"الطعام فيه عزيز، وقال قتادة: في يوم مشتهى فيه الطعام (^١).\nوقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا﴾ أي أطعم في مثل هذا اليوم يتيما ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أي ذا قرابة منه، قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك والسدي، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام (^٢) أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام عن حفصة بنت سيرين عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (^٣) وقد رواه الترمذي والنسائي وهذا إسناد صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أي فقيرا مدقعا لاصقا بالتراب، وهو الدقعاء أيضا.\nقال ابن عباس: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب، وفي رواية هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ليس له شيء، وفي رواية عنه: هو البعيد التربة، قال ابن أبي حاتم: يعني الغريب عن وطنه، وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج، وقال سعيد بن جبير، هو الذي لا أحد له، وقال ابن عباس وسعيد وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال، وكل هذه قريبة المعنى.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ثم مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه محتسب ثواب ذلك عند الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي كان من المؤمنين العاملين صالحا «المتواصين بالصبر على أذى الناس وعلى الرحمة بهم كما جاء في الحديث الشريف الراحمون يرحمهم الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (^٤) وفي الحديث الآخر «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (^٥). وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو يرويه قال: «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا» (^٦).\nوقوله تعالى ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين.\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٥٩٥.\n(^٢) المسند ٤/ ٢١٤.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الزكاة باب ٢٦، والنسائي في الزكاة باب ٢٢، ٨٢، وابن ماجة في الزكاة باب ٢٨.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٥٨، والترمذي في البر باب ١٦.\n(^٥) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢، ومسلم في الفضائل حديث ٦٦، والترمذي في البر باب ١٦، والزهد باب ٤٨، وأحمد في المسند ٣/ ٤٠.\n(^٦) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٥٨.","vol":"8","page":397},{"text":"ثم قال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أي أصحاب الشمال ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها! قال أبو هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي وعطية العوفي والحسن وقتادة والسدي ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة قال ابن عباس: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش أي أغلقه وسيأتي في ذلك حديث في سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١].\nوقال الضحاك ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ حيط لا باب له، وقال قتادة ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة فلا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد، وقال أبو عمران الجوني إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم أي أطبقوها، قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدا، ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدا، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدا، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا، رواه ابن أبي حاتم.\nآخر تفسير سورة البلد، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2094>تفسير سورة الشمس</span>\nوهي مكية\nتقدم حديث جابر الذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى؟» (^١).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2095>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ إلى ١٠]</span>\n﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (١٠)﴾\nقال مجاهد ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ أي وضوئها. وقال قتادة ﴿وَضُحاها﴾ النهار كله. قال ابن جرير (^٢): والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ قال مجاهد: تبعها، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ قال:\nيتلو النهار، وقال قتادة: ﴿إِذا تَلاها﴾ ليلة الهلال إذا سقطت الشمس رؤي الهلال، وقال ابن\n_________\n(^١) تقدم الحديث في كثير من السور التي قبل.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٥٩٩.","vol":"8","page":398},{"text":"زيد، هو يتلوها في النصف الأول من الشهر ثم هي تتلوه وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر، وقال مالك عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ قال مجاهد: أضاء. وقال قتادة ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ إذا غشيها النهار، وقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى والنهار إذا جلا الظلمة لدلالة الكلام عليها.\n(قلت) ولو أن هذا القائل تأول ذلك بمعنى ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ أي البسيطة لكان أولى ولصح تأويله في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ إنه كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس لجريان ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ يعني إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق.\nوقال بقية بن الوليد عن صفوان: حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ غشى عبادي خلقي العظيم فالليل يهابه والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ يحتمل أن تكون ما هاهنا مصدرية بمعنى والسماء وبنائها، وهو قول قتادة: ويحتمل أن تكون بمعنى من يعني والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم والبناء هو الرفع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ -أي بقوة- ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٨] وهكذا قوله تعالى:\n﴿وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾ قال مجاهد: ﴿طَحاها﴾ دحاها، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَما طَحاها﴾ أي خلق فيها. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿طَحاها﴾ قسمها.\nوقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثوري وأبو صالح وابن زيد ﴿طَحاها﴾ بسطها، وهذا أشهر الأقوال وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري:\nطحوته مثل دحوته أي بسطته.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها﴾ أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم:٣٠] وقال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» (^١) أخرجاه من رواية أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٧٩، وتفسير سورة ٣٠، باب ١، ومسلم في القدر حديث ٢٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٣، ٢٧٥، ٣٩٣.\n(^٢) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٣.","vol":"8","page":399},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها أي بين ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها. قال ابن عباس ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ بين لها الخير والشر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك والثوري، وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر، وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا:\nحدثنا عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي قال:\nقال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت منه فزعا شديدا قال: قلت له ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال:\nسددك الله إنما سألتك لأخبر عقلك، إن رجلا من مزينة أو جهينة أتى رسول الله ﷺ فقال:\nيا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: «بل شيء قد قضي عليهم» قال: ففيم نعمل؟ قال: «من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (^٢) رواه أحمد ومسلم من حديث عزرة بن ثابت به.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى نفسه أي بطاعة الله كما قال قتادة: وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل، ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وكقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ أي دسسها أي أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله ﷿، وقد يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا: حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك يعني عمرو بن هشام عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قول الله ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ قال النبي ﷺ: «أفلحت نفس زكاها الله ﷿» ورواه ابن أبي حاتم من حديث مالك به، وجويبر هذا هو ابن سعيد متروك الحديث، والضحاك\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٠٢، ٦٠٣.\n(^٢) أخرجه مسلم في القدر حديث ١٠، وأحمد في المسند ٤/ ٤٣٨.","vol":"8","page":400},{"text":"لم يلق ابن عباس، وقال الطبراني، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مر بهذه الآية ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ وقف ثم قال: «اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها».\n[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾» قال «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» لم يخرجوه من هذا الوجه، وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمر عن صالح بن سعيد عن عائشة أنها فقدت النبي ﷺ من مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول «رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» تفرد به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث عن زيد بن أرقم، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر. اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع. وعلم لا ينفع ودعوة لا يستجاب لها» قال زيد: كان رسول الله ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكموهن (^٣)، رواه مسلم من حديث أبي معاوية عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث وأبي عثمان النهدي عن زيد بن أرقم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2096>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ إلى ١٥]</span>\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾\nيخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي، وقال محمد بن كعب: ﴿بِطَغْواها﴾ أي بأجمعها، والأول أولى، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، فأعقبهم ذلك تكذيبا في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم ﵊ من الهدى واليقين ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ أي أشقى القبيلة وهو قدار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود، وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] الآية. وكان هذا الرجل عزيزا\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٢٠٩.\n(^٢) المسند ٤/ ٣٧١.\n(^٣) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٧٣.","vol":"8","page":401},{"text":"فيهم شريفا في قومه نسيبا رئيسا مطاعا، كما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: «﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة» (^٢) ورواه البخاري في التفسير ومسلم في صفة النار والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وكذا ابن جرير (^٣) وابن أبي حاتم عن هشام بن عروة به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خثيم عن محمد بن كعب القرظي عن محمد بن خثيم أبي يزيد، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «ألا أحدثك بأشقى الناس؟» قال: بلى. قال: «رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا-يعني قرنه-حتى تبتل منه هذه» يعني لحيته.\nوقوله تعالى: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ﴾ يعني صالحا ﵇ ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ أي احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ﴿وَسُقْياها﴾ أي لا تعتدوا عليها في سقياها فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ أي كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي غضب عليهم فدمر عليهم ﴿فَسَوّاها﴾ أي فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء.\nقال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وأنثاهم وذكرهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقوله تعالى:\n﴿وَلا يَخافُ﴾ وقرئ فلا يخاف ﴿عُقْباها﴾ قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة، وكذا قال مجاهد والحسن وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم، وقال الضحاك والسدي: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أي لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع، والقول الأول أولى لدلالة لسياق عليه والله أعلم. آخر تفسير سورة والشمس وضحاها، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2097>تفسير سورة الليل</span>\nوهي مكية\nتقدم قوله ﵊ لمعاذ: «فهلا صليت ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩١، باب ١، ومسلم في الجنة حديث ٤٩، والترمذي في تفسير سورة ٩١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٦٠٥.","vol":"8","page":402},{"text":"١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾» [الليل: ١].\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2098>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ إلى ١١]</span>\n﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى (٤) فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى (١١)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة عن المغيرة عن إبراهيم، عن علقمة أنه قدم الشام، فدخل مسجد دمشق فصلى فيه ركعتين وقال: اللهم ارزقني جليسا صالحا قال فجلس إلى أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ قال علقمة: «والذكر والأنثى» فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ فما زال هؤلاء حتى شككوني ثم قال ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان محمد ﷺ، وقد رواه البخاري (^٢) هاهنا ومسلم من طريق الأعمش عن إبراهيم قال قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم فقال: أيكم يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ قالوا كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة فقال: كيف سمعته يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ -قال- «والذكر والأنثى» قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدون أن أقرأ ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ والله لا أتابعهم، هذا لفظ البخاري. وهكذا قرأ ذلك ابن مسعود وأبو الدرداء ورفعه أبو الدرداء، وأما الجمهور فقرؤوا ذلك كما هو المثبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ فأقسم تعالى ب ﴿اللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ أي إذا غشى الخليقة بظلامه ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ أي بضيائه وإشراقه.\n﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا﴾ [النبأ: ٨] وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم عليه أيضا متضادا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ أي أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضا ومتخالفة فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا. قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى﴾ أي أعطى ما أمر بإخراجه واتقى الله في أموره ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي بالمجازاة على ذلك قاله قتادة، وقال خصيف بالثواب.\nوقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو صالح وزيد بن أسلم ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٤٤٩.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩٢، في الترجمة.","vol":"8","page":403},{"text":"بالخلف. وقال أبو عبد الرّحمن السلمي والضحاك ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي بلا إله إلا الله وفي رواية عن عكرمة ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي بما أنعم الله عليه، وفي رواية عن زيد بن أسلم ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ قال: الصلاة والزكاة والصوم وقال مرة وصدقة الفطر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: «الحسنى: الجنة».\nوقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قال ابن عباس: يعني للخير، وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي بما عنده ﴿وَاسْتَغْنى﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه ﷿. رواه ابن أبي حاتم ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ أي بالجزاء في الدار الآخرة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أي لطريق الشر كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله ﷿ يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة.\n[رواية أبي بكر الصديق ﵁] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا علي بن عياش، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال «بل على أمر قد فرغ منه» قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: «كل ميسر لما خلق له».\n[رواية علي ﵁] قال البخاري (^٢): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرّحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» قال: ثم قرأ ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ إلى قوله ﴿لِلْعُسْرى﴾.\nوكذا رواه من طريق شعبة ووكيع عن الأعمش بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرّحمن عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله ﷺ، فقعد وقعدنا حوله ومعه\n_________\n(^١) المسند ١/ ٥، ٦.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩٢، باب ٦.","vol":"8","page":404},{"text":"مخصرة (^١) فنكس، فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من أحد-أو ما من نفس منفوسة (^٢) -إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة» فقال رجل:\nيا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: «أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيسيرون إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ (^٣) وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعيد بن عبيدة به.\n[رواية عبد الله بن عمر] قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرّحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر قال: قال عمر:\nيا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: «فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كلا ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء (^٥)، ورواه الترمذي في القدر عن بندار عن ابن مهدي به، وقال: حسن صحيح.\n[حديث آخر من رواية جابر] قال ابن جرير (^٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: «لأمر قد فرغ منه» فقال سراقة: ففيم العمل إذا؟ فقال رسول الله ﷺ: كل عامل ميسر لعمله» ورواه مسلم (^٧) عن أبي الطاهر عن ابن وهب به.\n[حديث آخر] قال ابن جرير (^٨): حدثني يونس، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق بن حبيب عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ﷺ فقالا:\nيا رسول الله أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو في شيء يستأنف؟ فقال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قالا: ففيم العمل إذا؟ قال: «اعملوا فكل عامل ميسر\n_________\n(^١) المخصرة: ما أخذه الإنسان بيده من عصا، أو عكازة، أو قضيب.\n(^٢) نفس منفوسة: أي نفس مولودة.\n(^٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٨٣، ومسلم في القدر حديث ٦، ٧، وأبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في تفسير سورة ٩٢.\n(^٤) المسند ٢/ ٥٢.\n(^٥) أخرجه الترمذي في القدر باب ٣.\n(^٦) تفسير الطبري ١٢/ ٦١٧.\n(^٧) كتاب القدر حديث ٨.\n(^٨) تفسير الطبري ١٢/ ٦١٧.","vol":"8","page":405},{"text":"لعمله الذي خلق له» قالا: فالآن نجد ونعمل.\n[رواية أبي الدرداء] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا هشيم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء قال:\nقالوا يا رسول الله أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال «بل أمر قد فرغ منه» فقالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: «كل امرئ مهيأ لما خلق له» تفرد به أحمد من هذا الوجه.\n[حديث آخر] قال ابن جرير (^٢): حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد عن قتادة، حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا» وأنزل الله في ذلك القرآن ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله.\n[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثني الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا كان له نخيل، ومنها نخلة فرعها في دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره فيأخذ التمرة من نخلته فتسقط التمرة، فيأخذها صبيان الرجل الفقير، فينزل من نخلته فينزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم التمرة في فمه أدخل إصبعه في حلق الغلام ونزع التمرة من حلقه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة فقال له النبي ﷺ: «اذهب» ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة فقال له: «أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة» فقال له: لقد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها وإن لي لنخلا كثيرا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها، فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة فقال الرجل: يا رسول الله إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتك إياها أتعطيني ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: «نعم».\nثم إن الرجل لقي صاحب النخلة ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها، فسكت عنه الرجل فقال له: أراك إذا بعتها، قال لا إلا أن أعطى بها شيئا ولا أظنني أعطاه، قال:\nوما مناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٤٤١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦١٣.","vol":"8","page":406},{"text":"نخلة؟ ثم سكتا وأنشآ في كلام آخر، ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقا، فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا إني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان.\nثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت، ثم قال بعد ليس بيني وبينك بيع لم نفترق، فقال له: قد أقالك الله ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة، فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد، قال: تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق، وأوقف له شهودا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي فهي لك، فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له «النخلة لك ولعيالك» قال عكرمة: قال ابن عباس فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ -إلى قوله- ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ إلى آخر السورة، هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جدا.\nقال ابن جرير (^١): وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁: حدثنا هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرّحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر ﵁ يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسا ضعفاء فلو أنك تعتق رجالا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد-أظنه قال- ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ قال مجاهد: أي إذا مات وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-2099>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٢ إلى ٢١]</span>\n﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)﴾\nقال قتادة: ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ أي نبين الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله وجعله كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ حكاه ابن جرير، وقوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦١٤.","vol":"8","page":407},{"text":"تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ أي الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما وقوله تعالى:\n﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى﴾ قال مجاهد: أي توهج.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: «أنذرتكم النار» حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثني شعبة، حدثني أبو إسحاق، سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم.\nالقيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه». رواه البخاري (^٣).\nوقال مسلم (^٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا».\nوقوله تعالى: ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ أي لا يدخلها دخولا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى ثم فسره فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أي بقلبه ﴿وَتَوَلّى﴾ أي عن العمل بجوارحه وأركانه.\nقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه بن سعيد عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل النار إلا شقي» قيل: ومن الشقي؟ قال: «الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية».\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى» قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» رواه البخاري (^٧) عن محمد بن سنان عن فليح به.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٢٧٢.\n(^٢) المسند ٤/ ٢٧٤.\n(^٣) كتاب الرقاق باب ٥١.\n(^٤) كتاب الإيمان حديث ٣٦٠، ٣٦٤.\n(^٥) المسند ٢/ ٣٤٩.\n(^٦) المسند ٢/ ٣٦١.\n(^٧) كتاب الاعتصام باب ٢.","vol":"8","page":408},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ أي وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى ثم فسره بقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أي يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أي ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفا، فهو يعطي في مقابلة ذلك وإنما دفعه ذلك ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ أي طمعا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أي ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات.\nوقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى أن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله ﷺ، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يدلك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك (^١).\nوكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإن كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة يا عبد الله هذا خير» فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على من يدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: «نعم وأرجو أن تكون منهم» (^٢).\nآخر تفسير سورة الليل ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2100>تفسير سورة الضحى</span>\nوهي مكية\nروينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقرئ قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي باب ٥، ومسلم في الزكاة حديث ٨٤، ٨٥.","vol":"8","page":409},{"text":"بلغت والضحى قالا لي: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك، فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماما في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه.\nوكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث، لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي أنه سمع رجلا يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال له:\nأحسنت وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث، ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته فقال بعضهم: يكبر من آخر ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]، وقال آخرون: من آخر ﴿وَالضُّحى﴾، وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول الله أكبر ويقتصر، ومنهم من يقول الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر. وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة ثم جاء الملك فأوحى إليه ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ السورة بتمامها كبر فرحا وسرورا، ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2101>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ١١]</span>\n﴿وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال سمعت جندبا يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (^٢) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير (^٣) من طرق عن الأسود بن\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣١٢، ٣١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في التهجد باب ٤، وفضائل القرآن باب ١، وتفسير سورة ٩٣، في الترجمة، باب ١، ومسلم الجهاد حديث ١١٤، ١١٥، والنسائي في الافتتاح باب ٧٠، والترمذي في تفسير سورة ٩٣، باب ١.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٣.","vol":"8","page":410},{"text":"قيس عن جندب، هو ابن عبد الله البجلي، ثم العلقي به وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس سمع جندبا قال أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ فقال المشركون ودع محمدا ربه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي قالا حدثنا أبو أسامة حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس أنه سمع جندبا يقول رمى رسول الله ﷺ بحجر في إصبعه فقال: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت؟».\nقال فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم، فقالت له امرأة ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ والسياق لأبي سعيد، قيل: إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن إصبعه ﵇ دميت، وقوله هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببا لتركه القيام ونزول هذه السورة.\nفأما ما رواه ابن جرير (^١): حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني عن عبد الله بن شداد أن خديجة قالت للنبي ﷺ: ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ وقال أيضا (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه قال أبطأ جبريل على النبي ﷺ فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك، قال فنزلت ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ إلى آخرها فإنه حديث مرسل من هذين الوجهين ولعل ذكر خديجة ليس محفوظا أو قالته على وجه التأسف والحزن، والله أعلم.\nوقد ذكر بعض السلف منهم ابن إسحاق أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله ﷺ حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطا عليه وهو بالأبطح ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ قال: قال له هذه السورة ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ قال العوفي عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن أبطأ عنه جبريل أياما فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه فأنزل الله ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ أي سكن فأظلم وادلهم؟ قاله مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم، وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٤.","vol":"8","page":411},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أي ما تركك ﴿وَما قَلى﴾ أي وما أبغضك.\n﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحا كما هو معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خير ﵇ في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة وبين الصيرورة إلى الله ﷿، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله هو ابن مسعود قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا؟ فقال رسول الله ﷺ: «ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها» (^٢) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث المسعودي به وقال الترمذي حسن صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ أي في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف وطينه مسك أذفر كما سيأتي، وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزا كنزا فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم، رواه ابن جرير (^٣) من طريقه.\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف، وقال السدي عن ابن عباس من رضاء محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، رواه ابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم وقال الحسن: يعني بذلك الشفاعة، وهكذا قال أبو جعفر الباقر وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معاوية بن هشام عن علي بن صالح عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾».\nثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه:\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٩١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٤٤، وابن ماجة في الزهد باب ٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٤.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٤.","vol":"8","page":412},{"text":"﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل بعد أن ولد ﵇ ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه ﵃ أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ كقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ [الشورى:٥٢] الآية. ومنهم من قال إن المراد بهذا أن النبي ﷺ ضل في شعاب مكة وهو صغير ثم رجع، وقيل إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكبا ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق حكاهما البغوي، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى﴾ أي كنت فقيرا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر صلوات الله وسلامه عليه.\nوقال قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله ﷿. رواه ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم وفي الصحيحين من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» (^٢) وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه» (^٣).\nثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أي كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم أي لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف به، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرّحيم ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي وكما كنت ضالا فهداك الله فلا تنهر السائل في العلم المسترشد قال ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي وكما كنت ضالا فهداك الله فلا تنهر السائل في العلم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٥، ومسلم في الزكاة حديث ١٢٠، والترمذي في الزهد باب ٤٠، وابن ماجة في الزهد باب ٩، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٢، ٣١٥.\n(^٣) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١٢٥.","vol":"8","page":413},{"text":"المسترشد.\nقال ابن إسحاق ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي فلا تكن جبارا ولا متكبرا ولا فحاشا ولا فظا على الضعفاء من عباد الله، وقال قتادة يعني رد المسكين برحمة ولين ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله فحدث بنعمة الله عليك كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: «واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا» (^١) وقال ابن جرير (^٢): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة قال:\nكان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مليح عن أبي عبد الرّحمن عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب» (^٣) إسناده ضعيف وفي الصحيحين عن أنس أن المهاجرين قالوا يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: «لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم» (^٤). وقال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (^٥) ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد عن ابن المبارك عن الربيع بن مسلم وقال صحيح.\nوقال أبو داود (^٦): حدثنا عبد الله بن الجراح، حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ قال: «من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» تفرد به أبو داود. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا بشر، حدثنا عمارة بن غزية، حدثني رجل من قومي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره» قال أبو داود: ورواه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن شرحبيل عن جابر كرهوه فلم يسموه، تفرد به أبو داود.\nوقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطاك ربك وفي رواية عنه القرآن، وقال ليث عن رجل عن الحسن بن علي ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: ما عملت من خير فحدث إخوانك، وقال\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٧٨.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٥.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٧٨، ٣٧٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١١، والترمذي في القيامة باب ٤٤، وأحمد في المسند ٣/ ٢٠٠، ٢٠٤.\n(^٥) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١١، والترمذي في البر باب ٣٥.\n(^٦) كتاب الأدب باب ١١.","vol":"8","page":414},{"text":"محمد بن إسحاق، ما جاءك الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها وادع إليها، قال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم به عليه من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله، وافترضت عليه الصلاة فصلى. آخر تفسير سورة الضحى، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2102>تفسير سورة الشرح</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2103>[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ إلى ٨]</span>\n﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يعني أما شرحنا لك صدرك أي نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سمحا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق وقيل:\nالمراد بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شرح صدره ليلة الإسراء كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة، وقد أورده الترمذي هاهنا، وهذا وإن كان واقعا ليلة الإسراء كما رواه مالك بن صعصعة، ولكن لا منافاة فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا، فالله أعلم.\nقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن عبد الرّحيم أبو يحيى البزاز، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبو محمد بن معاذ عن معاذ عن محمد عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال «لقد سألت يا أبا هريرة، إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ قال نعم فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٣٩.","vol":"8","page":415},{"text":"رجلي اليمني فقال: أغد واسلم، فرجعت بها أعدو رقة على الصغير ورحمة للكبير».\nوقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بمعنى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الإنقاض الصوت، وقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي أثقلك حمله، وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي» وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس عن عبد الأعلى به. ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله، قلت قد كان قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من يحيي الموتى، قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب، قال ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب».\nوقال أبو نعيم في دلائل النبوة: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجويني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهزان الهيتي: حدثنا نصر بن حماد عن عثمان بن عطاء عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات والأرض قلت يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته جعلت إبراهيم خليلا وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي؟ قال أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله أني لا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزا من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعني ذكره فيه وأورد من شعر حسان بن ثابت: [الطويل]\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٧.","vol":"8","page":416},{"text":"أغرّ عليه للنبوة خاتم … من الله من نور يلوح ويشهد (^١)\nوضم الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد\nوشقّ له من اسمه ليجلّه … فذو العرش محمود وهذا محمد\nوقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين ونوه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثم شهد ذكره في أمته فلا يذكر الله إلا ذكر معه، وما أحسن ما قال الصرصري ﵀:\nلا يصحّ الأذان في الفرض إلا … باسمه العذب في الفم المرضي\nوقال أيضا:\nألم تر أنا لا يصحّ أذاننا … ولا فرضنا إن لم نكرّره فيهما\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر ثم أكد هذا الخبر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حميد بن حماد بن أبي خوار أبو الجهم، حدثنا عائذ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول كان النبي ﷺ جالسا وحياله حجر، فقال: لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» فأنزل الله ﷿: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر، عن حميد بن حماد ولفظه: «لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يخرجه» ثم قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح.\n[قلت] وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبد الله بن مسعود موقوفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو قطن، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن، قال:\nخرج النبي ﷺ يوما مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول: «لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد عن الحسن مرسلا.\nوقال سعيد عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: «لن يغلب\n_________\n(^١) الأبيات في ديوان حسان بن ثابت ص ٣٣٨، والبيت الثالث في خزانة الأدب ١/ ٢٢٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦٢٨.","vol":"8","page":417},{"text":"عسر يسرين» ومعنى هذا أن العسر معرّف في الحالتين فهو مفرد واليسر منكر، فتعدد ولهذا قال: «لن يغلب عسر يسرين» يعني قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد. وقال الحسن بن سفيان: حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا خارجة عن عباد بن كثير عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نزلت المعونة من السماء على قدر المؤونة، ونزل الصبر على قدر المصيبة» ومما يروى عن الشافعي ﵁ أنه قال:\nصبرا جميلا ما أقرب الفرجا … من راقب الله في الأمور نجا\nمن صدق الله لم ينله أذى … ومن رجاه يكون حيث رجا\nوقال ابن دريد: أنشدني أبو حاتم السجستاني:\nإذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق لما به الصدر الرحيب\nوأوطأت المكاره واطمأنت … وأرسلت في أماكنها الخطوب\nولم تر لانكشاف الضر وجها … ولا أغنى بحيلته الأريب\nأتاك على قنوط منك غوث … يمن به اللطيف المستجيب\nوكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب\nوقال آخر:\nولرب نازلة يضيق بها الفتى … ذرعا وعند الله منها المخرج\nكملت فلما استحكمت حلقاتها … فرجت وكان يظنها لا تفرج\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة، ومن هذا القبيل قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان» (^١) وقوله ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء» (^٢) قال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك، وفي رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وعن ابن عياض نحوه، وفي رواية عن ابن مسعود: ﴿فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٦٧، وأبو داود في الطهارة باب ٤٣، والدارمي في الصلاة باب ١٣٧، وأحمد في المسند ٦/ ٤٣، ٥٤، ٧٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ٤٢، والأطعمة باب ٥٨، ومسلم في المساجد حديث ٦٤، ٦٦، وأبو داود في الأطعمة باب ١٠، والترمذي في المواقيت باب ١٤٥، والنسائي في الإمامة باب ٥١، وابن ماجة في الإقامة باب ٣٤، والدارمي في الصلاة باب ٥٨، وأحمد في المسند ٣/ ١٠٠، ١١٠، ١٦١، ٢٣١، ٢٣٨، ٢٤٩، ٤/ ٤٩، ٥٤، ٦/ ٤٠، ٥١، ١٤٩، ٢٩١، ٣٠٣، ٣١٤.","vol":"8","page":418},{"text":"بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\n﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، يعني في الدعاء، وقال زيد بن أسلم والضحاك: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ﴾ أي من الجهاد ﴿فَانْصَبْ﴾ أي في العبادة ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وقال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله ﷿.\nآخر تفسير سورة ألم نشرح، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2104>تفسير سورة التين</span>\nوهي مكية\nقال مالك وشعبة عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: كان النبي ﷺ يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه (^١)، أخرجه الجماعة في كتبهم.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2105>[سورة التين (٩٥): الآيات ١ إلى ٨]</span>\n﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)﴾\nاختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة فقيل المراد بالتين مسجد دمشق، وقيل: هي نفسها، وقيل الجبل الذي عندها، وقال القرطبي (^٢): هو مسجد أصحاب الكهف، وروى العوفي عن ابن عباس أنه مسجد نوح الذي على الجودي، وقال مجاهد: هو تينكم هذا ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس. وقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تعصرون ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇، ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ يعني مكة، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وإبراهيم النخعي وابن زيد وكعب الأحبار ولا خلاف في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٠٠، ١٠٢، وتفسير سورة ٩٥، في الترجمة، باب ١، والتوحيد باب ٥٢، ومسلم في الصلاة حديث ١٧٥، ١٧٧، وأبو داود في الصلاة باب ١٥٠، والسفر باب ٦، والترمذي في الصلاة باب ١١٤، وتفسير سورة ٩٥، باب ١، والنسائي في الافتتاح باب ٧٢، ٧٣، وابن ماجة في الإقامة باب ١٠، ومالك في النداء حديث ٢٧، وأحمد في المسند ٤/ ٢٩٨، ٣٠٢.\n(^٢) انظر الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١١١.","vol":"8","page":419},{"text":"ذلك، وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار:\n[فالأول] محلة التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم ﵇. [والثاني] طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران.\n[والثالث] مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدا ﷺ، قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء-يعني الذي كلم الله عليه موسى بن عمران-وأشرق من ساعير-يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى -واستعلن من جبال فاران-يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا ﷺ فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهما.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أي إلى النار، قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم، ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل ولهذا قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وقال بعضهم ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أي إلى أرذل العمر، وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، واختار ذلك ابن جرير، ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣] وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع كما تقدم.\nثم قال: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ أي يا ابن آدم ﴿بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي بالجزاء في المعاد، ولقد علمت البداءة وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرّحمن عن سفيان عن منصور قال: قلت لمجاهد ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ عنى به النبي ﷺ قال: معاذ الله، عنى به الإنسان وهكذا قال عكرمة وغيره. وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ أي أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، ومن عدله أن يقيم القيامة فينصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا «فإذا قرأ أحدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين».\nآخر تفسير سورة التين والزيتون ولله الحمد والمنة.","vol":"8","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2106>تفسير سورة العلق</span>\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2107>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه-وهو التعبد- الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فاجأه الوحي وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال اقرأ: قال رسول الله ﷺ: «فقلت ما أنا بقارئ-قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني مني الجهد ثم أرسلني فقال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ -حتى بلغ- ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: «زمّلوني زملوني» فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: «يا خديجة ما لي؟» وأخبرها الخبر وقال: «قد خشيت على نفسي».\nفقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكلّ وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: «أو مخرجي هم؟» فقال ورقة:\nنعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.\nثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا، حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن بذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٢٣٢، ٢٣٣.","vol":"8","page":421},{"text":"ذلك (^١) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري.\nوقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى، فمن أراده فهو هناك محرر ولله الحمد والمنة.\nفأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به أبو البشرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان ذهني ولفظي ورسمي والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ وفي الأثر: «قيدوا العلم بالكتابة» (^٢)، وفيه أيضا: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم».\n\n<span data-type='title' id=toc-2108>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ إلى ١٩]</span>\n﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ (١٩)﴾\nيخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله، ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال: ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أي إلى الله المصير والمرجع وسيحاسبك على مالك من أين جمعته وفيم صرفته. قال ابن أبي حاتم: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا جعفر بن عون حدثنا أبو عميس عن عون قال: قال عبد الله: منهومان لا يشبعان صاحب العلم وصاحب الدنيا ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضى الرّحمن وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان قال ثم قرأ عبد الله ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ وقال للآخر ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ وقد روي هذا مرفوعا إلى رسول الله ﷺ «منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا» (^٣).\nثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلّى﴾ نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد النبي ﷺ على الصلاة عند البيت فوعظه تعالى بالتي هي أحسن أولا فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ أي فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب ٣، وتفسير سورة ٩٦، باب ١، والتعبير باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٢.\n(^٢) أخرجه الدارمي في المقدمة باب ٤٣.\n(^٣) أخرجه الدارمي في المقدمة باب ٣٢.","vol":"8","page":422},{"text":"وأنت تزجره وتتوعده على صلاته، ولهذا قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ أي أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه. وسيجازيه على فعله أتم الجزاء. ثم قال تعالى متوعدا ومتهددا: ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أي لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ أي لنسمنها سوادا يوم القيامة ثم قال: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ يعني ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في أفعالها ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ أي قومه وعشيرته أي ليدعهم يستنصر بهم ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ وهم ملائكة العذاب حتى يعلم من يغلب أحزبنا أو حزبه؟.\nقال البخاري: حدثنا يحيى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي ﷺ فقال: «لئن فعل لأخذته الملائكة» ثم قال تابعه عمرو بن خالد عن عبيد الله يعني ابن عمرو عن عبد الكريم (^١). وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق به.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٢) عن أبي كريب عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو به.\nوروى أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام، فقال يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ (^٣) وقال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته (٤). وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو يزيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت رسول الله يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه قال: فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا».\nوقال ابن جرير (^٥) أيضا: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن عاد محمد يصلي عند المقام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩٦، باب ٤، ومسلم في المنافقين حديث ٣٨، والترمذي في تفسير سورة ٩٦، باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٦، ٢/ ٣٧٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦٤٩.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩٦، باب ٢، وأحمد في المسند ١/ ٢٥٦.\n(^٤) المسند ١/ ٢٤٨.\n(^٥) تفسير الطبري ١٢/ ٦٤٩.","vol":"8","page":423},{"text":"لأقتلنه، فأنزل الله ﷿ ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ هذه الآية ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فجاء النبي ﷺ فصلى، فقيل:\nما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب، قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا نعيم بن أبي هند عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا:\nنعم، قال: فقال واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة قال: فقال رسول الله: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا» قال: وأنزل الله لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ إلى آخر السورة (^٢)، وقد رواه أحمد بن حنبل ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم من حديث معتمر بن سليمان به.\nوقوله تعالى: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ﴾ يعني يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصل حيث شئت، ولا تباله فإن الله حافظك وناصرك وهو يعصمك من الناس ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ كما ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن عمارة بن غزية، عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:\n«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (^٣) وتقدم أيضا أن رسول الله ﷺ كان يسجد في ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.\nآخر تفسير سورة اقرأ، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2109>تفسير سورة القدر</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2110>[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٤٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في المنافقين حديث ٣٨، وأحمد في المسند ٢/ ٣٧٠.\n(^٣) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٢١٥.","vol":"8","page":424},{"text":"يخبر تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله ﷿ ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي ليلة القدر وهي من شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ، ثم قال تعالى معظما لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها فقال: ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.\nقال أبو عيسى الترمذي (^١) عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، أو يا مسود وجوه المؤمنين، فقال:\nلا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي ﷺ أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] يا محمد، يعني نهرا في الجنة ونزلت ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص يوما. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل، وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن والقاسم بن الفضل الحداني هو ثقة وثقه يحيى القطان وعبد الرّحمن بن مهدي قال: وشيخه يوسف بن سعد، ويقال يوسف بن مازن رجل مجهول ولا يعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه.\nوقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن به، وقول الترمذي: إن يوسف هذا مجهول فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن سلمة وخالد الحذاء يونس بن عبيد، وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور، وفي رواية عن ابن معين قال: هو ثقة. ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن كذا قال وهذا يقتضي اضطرابا في هذا الحديث والله أعلم، ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدا، قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي: هو حديث منكر.\n(قلت) وقول القاسم بن الفضل الحداني إنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص ليس بصحيح، فإن معاوية بن أبي سفيان ﵁ استقل بالملك حين سلم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية وسمي ذلك عام الجماعة ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين، والأهواز وبعض البلاد قريبا من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلية،\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩٧، باب ١.","vol":"8","page":425},{"text":"بل عن بعض البلاد إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة وذلك أزيد من ألف شهر، فإن الألف شهر عبارة عن ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير وعلى هذا فيقارب ما قاله للصحة في الحساب والله أعلم.\nومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم دولة بني أمية، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم أيامهم، فإن ليلة القدر شريفة جدا والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث، وهل هذا إلا كما قال القائل:\nألم تر أن السيف ينقص قدره … إذا قيل إن السيف أمضى من العصا\nوقال آخر:\nإذا أنت فضلت امرأ ذا براعة … على ناقص كان المديح من النقص\nثم الذي يفهم من الآية أن الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية والسورة مكية، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها، والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته والله أعلم وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا مسلم يعني ابن خالد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن النبي ﷺ، ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر قال: فعجب المسلمون من ذلك قال: فأنزل الله ﷿ ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام بن مسلم عن المثنى بن الصباح، عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس أخبرنا ابن وهب، حدثني مسلمة بن علي عن علي بن عروة قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاما، لم يعصوه طرفة عين فذكر أيوب وزكريا وحزقيل ابن العجوز ويوشع بن نون، قال: فعجب أصحاب رسول الله ﷺ من ذلك فأتاه جبريل فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين، فقد أنزل الله خيرا من ذلك فقرأ عليه ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٥٣.","vol":"8","page":426},{"text":"﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك، قال: فسر بذلك رسول الله ﷺ والناس معه.\nوقال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر، رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة عن ابن جريج عن مجاهد: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس في تلك الشهور ليلة القدر، وهكذا قال قتادة بن دعامة والشافعي وغير واحد وقال عمرو بن قيس الملائي: عمل فيها خير من عمل ألف شهر، وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر هو اختيار ابن جرير، وهو الصواب لا ما عداه وهو كقوله ﷺ: «رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل» رواه أحمد (^١) وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة، ونية صالحة أنه يكتب له عمل سنة أجر صيامها وقيامها إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي هريرة ﵁ قال: لما حضر رمضان قال رسول الله ﷺ: «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» ورواه النسائي من حديث أيوب به. ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيما له، وأما الروح فقيل المراد به هاهنا جبريل ﵇، فيكون من باب عطف الخاص على العام، وقيل هم ضرب من الملائكة كما تقدم في سورة النبأ والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال مجاهد: سلام هي من كل أمر، وقال سعيد بن منصور:\nحدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش عن مجاهد في قوله: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى، وقال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور وتقدر الآجال والأرزاق كما قال تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].\n_________\n(^١) المسند ١/ ٦٢، ٦٥، ٦٦، ٧٥.\n(^٢) المسند ٢/ ٢٣٠، ٣٨٥، ٤٢٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٥، ٢٧، والصوم باب ٦، ومسلم في المسافرين حديث ١٧٣ ١٧٦.","vol":"8","page":427},{"text":"وقوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم عن أبي إسحاق عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قال تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد حتى يطلع الفجر، وروى ابن جرير (^١) عن ابن عباس أنه كان يقرأ «من كل امرى» ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ وروى البيهقي في كتابه فضائل الأوقات عن علي أثرا غريبا في نزول الملائكة ومرورهم على المصلين ليلة القدر وحصول البركة للمصلين، وروى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار أثرا غريبا عجيبا مطولا جدا، في تنزل الملائكة من سدرة المنتهى صحبة جبريل ﵇ إلى الأرض ودعائهم للمؤمنين والمؤمنات.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عمران يعني القطان عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: «إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى». وقال الأعمش عن المنهال عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ﴾ قال: لا يحدث فيها أمر. وقال قتادة وابن زيد في قوله:\n﴿سَلامٌ هِيَ﴾ يعني هي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر.\nويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد (^٢): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهي ليلة وتر:\nتسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة».\nوقال رسول الله ﷺ: «إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمرا ساطعا ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب يرمى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ» وهذا إسناد حسن، وفي المتن غرابة وفي بعض ألفاظه نكارة.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر «ليلة سمحة طلقة بلجة لا حارة ولا باردة وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء» وروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها وهي في العشر الأواخر من لياليها وهي طلقة بلجة لا حارة ولا باردة كأن فيها قمرا لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها».\n[فصل] اختلف العلماء هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة أو هي من خصائص هذه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٥٤.\n(^٢) المسند ٥/ ٣٢٤.","vol":"8","page":428},{"text":"الأمة؟ على قولين: قال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حدثنا مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر. وقد أسند من وجه آخر، وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأمة بليلة القدر، وقد نقله صاحب العدة أحد أئمة الشافعية عن جمهور العلماء فالله أعلم، وحكى الخطابي عليه الإجماع ونقله الراضي جازما به عن المذهب، والذي دل عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا.\nقال الإمام أحمد بن حنبل (^١): حدثنا يحيى بن سعيد عن عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل سماك الحنفي، حدثني مالك بن مرثد بن عبد الله، حدثني مرثد قال: سألت أبا ذر قلت: كيف سألت رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسأل الناس عنها قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: «بل هي في رمضان» قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة» قلت:\nفي أي رمضان هي؟ قال: «التمسوها في العشر الأول والعشر الآخر» ثم حدث رسول الله ﷺ.\nوحدث ثم اهتبلت غفلته قلت: في أي العشرين هي؟ قال: «ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها».\nثم حدث رسول الله ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب عليّ غضبا لم يغضب مثله منذ صحبته وقال: «التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها» ورواه النسائي عن الفلاس عن يحيى بن سعيد القطان به، ففيه دلالة على ما ذكرناه وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كل سنة بعد النبي ﷺ، لا كما زعمه بعض طوائف الشيعة من رفعها بالكلية على ما فهموه من الحديث الذي سنورده بعد من قوله ﵇ «فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم» لأن المراد رفع علم وقتها عينا. وفيه دلالة على أن ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان من بين سائر الشهور، لا كما روي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة من أنها توجد في جميع السنة وترتجي في جميع الشهور على السواء.\nوقد ترجم أبو داود (^٢) في سننه على هذا فقال: «باب بيان أن ليلة القدر في كل رمضان» حدثنا حميد بن زنجويه النسائي، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: «هي في كل رمضان»، وهذا إسناد رجاله ثقات،\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٧١.\n(^٢) كتاب رمضان باب ٧.","vol":"8","page":429},{"text":"إلا أن أبا داود قال رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق فأوقفاه، وقد حكي عن أبي حنيفة.\n﵀ رواية أنها ترتجى في كل شهر رمضان وهو وجه حكاه الغزالي واستغربه الرافعي جدا.\n[فصل] ثم قد قيل إنها تكون في أول ليلة من شهر رمضان، يحكى هذا عن أبي رزين، وقيل إنها تقع ليلة سبع عشرة، وروى فيه أبو داود حديثا مرفوعا عن ابن مسعود، وروى موقوفا عليه وعلى زيد بن أرقم وعثمان بن أبي العاص وهو قول عن محمد بن إدريس الشافعي ويحكى عن الحسن البصري، ووجهوه بأنها ليلة بدر وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت وقعة بدر وهي اليوم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾. وقيل ليلة تسع عشرة يحكى عن علي وابن مسعود أيضا ﵄.\nوقيل ليلة إحدى وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله ﷺ في العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: الذي تطلب أمامك ثم قام رسول الله ﷺ خطيبا صبيحة عشرين من رمضان قال: «من كان اعتكف معي فليرجع فإني رأيت ليلة القدر وإني أنسيتها وإنها في العشر الأواخر في وتر وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء». وكان سقف المسجد جريدا من النخل وما نرى في السماء شيئا، فجاءت قزعة فمطرنا، فصلى بنا النبي ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله ﷺ تصديق رؤياه، وفي لفظ في صبح إحدى وعشرين (^١)، أخرجاه في الصحيحين.\nقال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات، وقيل ليلة ثلاث وعشرين لحديث عبد الله بن أنيس في صحيح مسلم، وهو قريب السياق من رواية أبي سعيد فالله أعلم، وقيل ليلة أربع وعشرين، قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» إسناده رجاله ثقات.\nوقال أحمد (^٢): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» ابن لهيعة ضعيف، وقد خالفه ما رواه البخاري عن أصبغ عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قال أخبرني بلال مؤذن رسول الله ﷺ أنها أول السبع من العشر الأواخر فهذا الموقوف أصح والله أعلم.\nوهكذا روي عن ابن مسعود وابن عباس وجابر والحسن وقتادة وعبد الله بن وهب أنها ليلة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٣٥، ومسلم في الصيام حديث ٢١١.\n(^٢) المسند ٦/ ١٢.","vol":"8","page":430},{"text":"أربع وعشرين، وقد تقدم في سورة البقرة حديث واثلة بن الأسقع مرفوعا: «إن القرآن أنزل ليلة أربع وعشرين» وقيل تكون ليلة خمس وعشرين لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى» فسره كثيرون بليالي الأوتار وهو أظهر وأشهر، وحمله آخرون على الإشفاع كما رواه مسلم عن أبي سعيد أنه حمله على ذلك والله أعلم، وقيل إنها تكون ليلة سبع وعشرين لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سفيان سمعت عبدة وعاصما عن زر سألت أبي بن كعب قلت أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول من يقم الحول يصب ليلة القدر، قال يرحمه الله لقد علم أنها في شهر رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف، قلت وكيف تعلمون ذلك؟ قال بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لا شعاع لها يعني الشمس، وقد رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة وشعبة والأوزاعي عن عبدة عن زر عن أبي فذكره وفيه فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف ما يستثني، ووالله إني لأعلم أي ليلة القدر هي التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها.\nوفي الباب عن معاوية وابن عمر وابن عباس وغيرهم عن رسول الله ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين، وهو قول طائفة من السلف وهو الجادة من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة أيضا وقد حكي عن بعض السلف أنه حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين من القرآن من قوله: ﴿هِيَ﴾ لأنها الكلمة السابعة والعشرون من السورة فالله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة وعاصم أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، قال ابن عباس فقلت لعمر إني لأعلم-أو إني لأظن-أي ليلة القدر هي فقال عمر:\nوأي ليلة هي؟ فقلت سابعة تمضي-أو سابعة تبقى-من العشر الأواخر فقال عمر: من أين علمت ذلك؟ قال ابن عباس فقلت خلق الله سبع سموات وسبع أرضين وسبعة أيام، وإن الشهر يدور على سبع وخلق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع ويسجد على سبع، والطواف بالبيت سبع ورمي الجمار سبع لأشياء ذكرها، فقال عمر لقد فطنت لأمر ما فطنا له، وكان قتادة يزيد عن ابن عباس في قوله ويأكل من سبع، قال هو قول الله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَبًا﴾ [عبس: ٢٧] الآية. وهذا إسناد جيد قوي ومتن غريب جدا فالله أعلم.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٣٠.","vol":"8","page":431},{"text":"وقيل إنها تكون في ليلة تسع وعشرين. وقال الإمام أحمد بن حنبل (^١): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن عمر بن عبد الرّحمن عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال رسول الله ﷺ:\n«في رمضان التمسوها في العشر الأواخر فإنها في وتر إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين أو في آخر ليلة».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سليمان بن داود وهو أبو داود الطيالسي، حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: «إنها في ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به.\nوقيل إنها تكون في آخر ليلة لما تقدم من هذا الحديث آنفا، ولما رواه الترمذي والنسائي من حديث عيينة بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: «في تسع يبقين أو سبع يبقين أو خمس يبقين أو ثلاث يبقين أو آخر ليلة يعني التمسوا ليلة القدر» (^٣) وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي المسند من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في ليلة القدر «إنها آخر ليلة».\n[فصل] قال الشافعي في هذه الروايات: صدرت من النبي ﷺ جوابا للسائل إذا قيل له أنلتمس ليلة القدر في الليلة الفلانية؟ يقول «نعم» وإنما ليلة القدر معينة لا تنتقل. نقله الترمذي عنه بمعناه وروي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة نص عليه مالك والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والمزني وأبو بكر بن خزيمة وغيرهم، وهو محكي عن الشافعي نقله القاضي عنه وهو الأشبه والله أعلم.\nوقد يستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» (^٤) وفيهما أيضا عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» ولفظه للبخاري.\nويحتج للشافعي أنها لا تنتقل وأنها معينة من الشهر بما رواه البخاري (^٥) في صحيحه عن\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٣٢٠.\n(^٢) المسند ٢/ ٥١٩.\n(^٣) أخرجه الترمذي الصوم باب ٧٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في القدر باب ٢، ٣، ومسلم في الصيام حديث ٢٠٥، ٢٠٦.\n(^٥) كتاب القدر باب ٤.","vol":"8","page":432},{"text":"عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين.\nفقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» وجه الدلالة منه أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين لما حصل لهم العلم بعينها في كل سنة، إذ لو كانت تنتقل لما علموا تعيينها إلا ذلك العام فقط، اللهم إلا أن يقال إنه إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة فقط وقوله: «فتلاحى فلان وفلان فرفعت» فيه استئناس لما يقال إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع كما جاء في الحديث «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (^١) وقوله «فرفعت» أي رفع علم تعيينها لكم لا أنها رفعت بالكلية من الوجود كما يقوله جهلة الشيعة لأنه قد قال بعد هذا: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة».\nوقوله: «وعسى أن يكون خيرا لكم» يعني عدم تعيينها لكم فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة بخلاف ما إذا علموا عينها فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر، ولهذا كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ﷿، ثم اعتكف أزواجه من بعده (^٢)، أخرجاه من حديث عائشة. ولهما عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر (^٣) أخرجاه، ولمسلم عنها كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره وهذا معنى قولها وشد المئزر: وقيل المراد بذلك اعتزال النساء ويحتمل أن يكون كناية عن الأمرين لما رواه الإمام أحمد (^٤): حدثنا سريج، حدثنا أبو معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بقي عشر من رمضان شد مئزره واعتزل نساءه انفرد به أحمد.\nوقد حكي عن مالك ﵀ أن في جميع ليالي العشر تطلب ليلة القدر على السواء لا يترجح منها ليلة على أخرى رأيته في شرح الرافعي ﵀، والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه ثم في أوتاره أكثر والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.\nلما رواه الإمام أحمد (^٥): حدثنا يزيد هو ابن هارون، حدثنا الجريري وهو سعيد بن إياس\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ٢٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في الاعتكاف باب ١، ومسلم في الاعتكاف حديث ٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في القدر باب ٥، ومسلم في الاعتكاف حديث ٧.\n(^٤) المسند ٦/ ٦٦، ٦٧.\n(^٥) المسند ٦/ ١٨٢.","vol":"8","page":433},{"text":"عن عبد الله بن بريدة أن عائشة قالت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال:\n«قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (^١) وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» وهذا لفظ الترمذي ثم قال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال هذا صحيح على شرط الشيخين، ورواه النسائي أيضا من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».\n[ذكر أثر غريب ونبأ عجيب يتعلق بليلة القدر] رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم عند تفسير هذه السورة الكريمة فقال: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار بن حاتم حدثنا موسى بن سعيد يعني الراسبي عن هلال بن أبي جبلة، عن أبي عبد السّلام عن أبيه عن كعب أنه قال: إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما يلي الجنة فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة، علوها في الجنة وعروقها وأغصانها من تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله ﷿، يعبدون الله ﷿ على أغصانها في كل موضع شعرة منها ملك ومقام جبريل ﵇ في وسطها فينادي الله جبريل أن ينزل في كل ليلة القدر مع الملائكة الذين يسكنون سدرة المنتهى وليس فيهم ملك إلا قد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين.\nفينزلون مع جبريل في ليلة القدر حين تغرب الشمس، فلا تبقى بقعة في ليلة القدر إلا وعليها ملك إما ساجد وإما قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، إلا أن تكون كنيسة أو بيعة أو بيت نار أو وثن أو بعض أماكنكم التي تطرحون فيها الخبث، أو بيت فيه سكران أو بيت فيه مسكر أو بيت فيه وثن منصوب، أو بيت فيه جرس معلق أو مبولة أو مكان فيه كساحة البيت، فلا يزالون ليلتهم تلك يدعون للمؤمنين والمؤمنات وجبريل لا يدع أحدا من المؤمنين إلا صافحه، وعلامة ذلك من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه فإن ذلك من مصافحة جبريل.\nوذكر كعب أن من قال في ليلة القدر: لا إله إلا الله ثلاث مرات غفر الله له بواحدة ونجاه من النار بواحدة وأدخله الجنة بواحدة، فقلنا لكعب الأحبار يا أبا إسحاق صادقا، فقال كعب الأحبار: وهل يقول لا إله إلا الله في ليلة القدر إلا كل صادق؟ والذي نفسي بيده إن ليلة القدر لتثقل على الكافر والمنافق حتى كأنها على ظهره جبل، فلا تزال الملائكة هكذا حتى يطلع الفجر، فأول من يصعد جبريل حتى يكون في وجه الأفق الأعلى من الشمس فيبسط جناحيه وله جناحان أخضران لا ينشرهما إلا في تلك الساعة، فتصير الشمس لا شعاع لها ثم يدعو ملكا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٨٤، وابن ماجة في الدعاء باب ٥.","vol":"8","page":434},{"text":"ملكا فيصعد فيجتمع نور الملائكة ونور جناحي جبريل، فلا تزال الشمس يومها ذلك متحيرة، فيقيم جبريل ومن معه بين الأرض وبين السماء الدنيا يومهم ذلك في دعاء ورحمة واستغفار للمؤمنين والمؤمنات ولمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، ودعا لمن حدث نفسه إن عاش إلى قابل صام رمضان لله، فإذا أمسوا دخلوا إلى السماء الدنيا فيجلسون حلقا حلقا فتجتمع إليهم ملائكة سماء الدنيا، فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة، فيحدثونهم حتى يقولوا ما فعل فلان وكيف وجدتموه العام؟ فيقولون: وجدنا فلانا عام أول في هذه الليلة متعبدا، ووجدناه العام مبتدعا، ووجدنا فلانا مبتدعا ووجدناه العام عابدا، قال: فيكفون عن الاستغفار لذلك ويقبلون على الاستغفار لهذا، ويقولون: وجدنا فلانا وفلانا يذكران الله ووجدنا فلانا راكعا وفلانا ساجدا، ووجدناه تاليا لكتاب الله، قال: فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدون إلى السماء الثانية، ففي كل سماء يوم وليلة حتى ينتهوا مكانهم من سدرة المنتهى: فتقول لهم سدرة المنتهى، يا سكاني حدثوني عن الناس وسموهم لي، فإن لي عليكم حقا، وإني أحب من أحب الله، فذكر كعب الأحبار أنهم يعدون لها ويحكون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ثم تقبل الجنة على السدرة فتقول: أخبريني بما أخبرك سكانك من الملائكة فتخبرها.\nقال: فتقول الجنة رحمة الله على فلان ورحمة الله على فلانة، اللهم عجلهم إلي فيبلغ جبريل مكانه قبلهم، فيلهمه الله فيقول: وجدت فلانا ساجدا فاغفر له، فيغفر له، فيسمع جبريل جميع حملة العرش فيقولون: رحمة الله على فلان ورحمة الله على فلانة ومغفرته لفلان، ويقول: يا رب وجدت عبدك فلانا الذي وجدته عام أول على السنة والعبادة، ووجدته العام قد أحدث حدثا وتولى عما أمر به فيقول الله: يا جبريل إن تاب فأعتبني قبل أن يموت بثلاث ساعات غفرت له. فيقول جبريل لك الحمد إلهي أنت أرحم من جميع خلقك وأنت أرحم بعبادك من عبادك بأنفسهم، قال: فيرتج العرش وما حوله والحجب والسموات ومن فيهن تقول الحمد لله الرّحيم الحمد لله الرّحيم. قال وذكر كعب أنه من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، آخر تفسير سورة ليلة القدر. ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2111>تفسير سورة البينة</span>\nمدنية\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد هو ابن سلمة، أخبرنا علي هو ابن زيد عن\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٤٨٩.","vol":"8","page":435},{"text":"عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا حية البدري وهو مالك بن عمرو بن ثابت الأنصاري قال:\nلما نزلت ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ إلى آخرها قال جبريل: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا. فقال النبي ﷺ لأبي «إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة» قال أبي:\nوقد ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال «نعم» قال: فبكى أبي.\n[حديث آخر] وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث أن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ قال: وسماني لك؟ قال «نعم» فبكى (^٢) ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث شعبة به.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا أسلم المنقري عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إني أمرت أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا» قلت: يا رسول الله وقد ذكرت هناك؟ قال «نعم» فقلت له: يا أبا المنذر ففرحت بذلك. قال: وما يمنعني والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] قال مؤمل: قلت لسفيان القراءة في الحديث؟ قال: نعم. تفرد به من هذا الوجه.\n[طريق أخرى] قال أحمد (^٤): حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال لي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن-قال فقرأ- ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ -قال فقرأ فيها-ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه لسأل ثانيا، ولو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وإن ذلك الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا فلن يكفره» (^٥) ورواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة به وقال: حسن صحيح.\n[طريق أخرى] قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد الحلبي، حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب عن أبيه عن جده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر إني أمرت أن أعرض عليك القرآن» قال:\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٣٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ١٦، وتفسير سورة ٩٨، في الترجمة، باب ١، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٢٢، والترمذي في المناقب باب ٣٢، ٦٤.\n(^٣) المسند ٥/ ١٢٣.\n(^٤) المسند ٥/ ١٣١، ١٣٢.\n(^٥) أخرجه الترمذي في المناقب باب ٣٢ - ٦٤.","vol":"8","page":436},{"text":"بالله آمنت وعلى يدك أسلمت ومنك تعلمت، قال: فرد النبي ﷺ القول، قال: فقال:\nيا رسول الله أذكرت هناك؟ قال: «نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى» قال: فاقرأ إذا يا رسول الله، هذا غريب من هذا الوجه.\nوالثابت ما تقدم وإنما قرأ عليه النبي ﷺ هذه السورة تثبيتا له وزيادة لإيمانه، فإنه كما رواه أحمد والنسائي من طريق أنس عنه، ورواه أحمد وأبو داود من حديث سليمان بن صرد عنه، ورواه أحمد عن عفان عن حماد عن حميد عن أنس عن عبادة بن الصامت عنه، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن عيسى عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عنه-كان قد أنكر على إنسان وهو عبد الله بن مسعود قراءة شيء من القرآن على خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ، فرفعه إلى النبي ﷺ فاستقرأهما وقال لكل منهما «أصبت» قال أبي: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية، فضرب رسول الله ﷺ في صدره، قال أبي: ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا، وأخبره رسول الله ﷺ أن جبريل أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته فقال: على حرفين» فلم يزل حتى قال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف»، كما قدمنا ذكر هذا الحديث بطرقه ولفظه في أول التفسير، فلما نزلت هذه السورة وفيها ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] قرأها عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاغ وتثبيت وإنذار، لا قراءة تعلم واستذكار والله أعلم.\nوهذا كما أن عمر بن الخطاب لما سأل رسول الله ﷺ يوم الحديبية عن تلك الأسئلة وكان فيما قال أو لم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به، قال: «بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا» قال: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به» فلما رجعوا من الحديبية وأنزل الله على النبي ﷺ سورة الفتح دعا عمر بن الخطاب فقرأها عليه وفيها قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] الآية كما تقدم.\nوروى الحافظ أبو نعيم في كتابه أسماء الصحابة من طريق محمد بن إسماعيل الجعفري المدني حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم عن ابن شهاب عن إسماعيل بن أبي حكيم المدني، حدثني فضيل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقول أبشر عبدي فوعزتي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى» حديث غريب جدا، وقد رواه الحافظ أبو موسى المديني وابن الأثير من طريق الزهري عن إسماعيل بن أبي حكيم عن نظير المزني-أو المدني-عن النبي ﷺ: «إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ويقول أبشر عبدي، فوعزتي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة ولأمكنن لك في الجنة حتى ترضى».","vol":"8","page":437},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2112>[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾\nأما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى والمشركون عبدة الأوثان والنيران من العرب ومن العجم، وقال مجاهد: لم يكونوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يعني منتهين حتى يتبين لهم الحق وهكذا قال قتادة ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي هذا القرآن، ولهذا قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. ثم فسر البينة بقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يعني محمدا ﷺ وما يتلوه من القرآن العظيم الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى في صحف مطهرة، كقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:\n١٣ - ١٦]، وقوله تعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قال ابن جرير: أي في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة ليس فيها خطأ لأنها من عند الله ﷿.\nقال قتادة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء، وقال ابن زيد ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة معتدلة، وقوله تعالى: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ كقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] يعني بذلك أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم واختلفوا اختلافا كثيرا، كما جاء في الحديث المروي من طرق: «إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ولهذا قال: ﴿حُنَفاءَ﴾ أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته هاهنا ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وهي أشرف عبادات البدن ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة، وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة أن الأعمال داخلة في الإيمان، ولهذا قال:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١، والترمذي في الإيمان باب ١٨، وابن ماجة في الفتن باب ١٧، وأحمد في المسند ٢/ ٣٣٢، ٣/ ١٢٠، ١٤٥.","vol":"8","page":438},{"text":"﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2113>[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ إلى ٨]</span>\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾\nيخبر تعالى عن مآل الفجار من أهل كفرة الكتاب والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة أنهم يوم القيامة ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين لا يحولون عنها ولا يزولون ﴿أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي شر الخليقة التي برأها الله وذرأها ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية، وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله:\n﴿أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ أي بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيما منحهم من الفضل العميم.\nوقوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه وعلم أنه إن لم يره فإنه يراه.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا بلى يا رسول الله. قال: «رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟» قالوا: بلى قال: «الذي يسأل بالله ولا يعطي به».\nآخر تفسير سورة لم يكن، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2114>تفسير سورة الزلزلة</span>\nوهي مكية\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا سعيد، حدثنا عياش بن عباس عن\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٩٦.\n(^٢) المسند ٢/ ١٦٩.","vol":"8","page":439},{"text":"عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «أقرئني يا رسول الله»، قال له: «اقرأ ثلاثا من ذوات الراء» فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني، قال: «فاقرأ من ذوات حم» فقال مثل مقالته الأولى، فقال «اقرأ ثلاثا من المسبحات» فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة فأقرأه: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا لا أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ: «أفلح الرويجل، أفلح الرويجل-ثم قال-علي به-فجاءه فقال له-أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدا لهذه الأمة» فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى فأضحي بها؟ قال: «لا ولكنك تأخذ من شعرك وتقلم أظافرك وتقص شاربك وتحلق عانتك فذاك تمام أضحيتك عند الله ﷿» (^١) وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عبد الرّحمن المقرئي به.\nوقال الترمذي (^٢): حدثنا محمد بن موسى الحرشي البصري حدثنا الحسن بن سلم بن صالح العجلي، حدثنا ثابت البناني عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن» ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن سلم، وقد رواه البزار عن محمد بن موسى الحرشي عن الحسن بن سلم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن» هذا لفظه.\nوقال الترمذي (^٣) أيضا: حدثنا علي بن حجر. حدثنا يزيد بن هارون حدثنا يمان بن المغيرة العنزي، حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، ثم قال غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة.\nوقال أيضا حدثنا عقبة بن مكرم العمي البصري حدثني ابن أبي فديك أخبرني سلمة بن وردان عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان» قال:\nلا والله يا رسول الله ولا عندي ما أتزوج؟ -قال: «أليس معك قل هو الله أحد-قال بلى-قال -ثلث القرآن-قال أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح؟ -قال بلى. قال ربع القرآن-قال- أليس معك قل يا أيها الكافرون؟ -قال بلى قال-ربع القرآن-قال-أليس معك إذا زلزلت الأرض-قال بلى، قال-ربع القرآن، تزوج تزوج» ثم قال هذا حديث حسن، تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي لم يروهن غيره من أصحاب الكتب.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في رمضان باب ٩.\n(^٢) كتاب ثواب القرآن باب ١٠.\n(^٣) كتاب ثواب القرآن باب ١٠.","vol":"8","page":440},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2115>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ إلى ٨]</span>\n﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾\nقال ابن عباس: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أي تحركت من أسفلها ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ يعني ألقت ما فيها من الموتى قاله غير واحد من السلف، وهذه كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وكقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣ - ٤].\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» (^١).\nوقوله ﷿: ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ أي استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها. قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إبراهيم حدثنا ابن المبارك وقال الترمذي وأبو عبد الرّحمن النسائي واللفظ له حدثنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية:\n﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها أن تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» (^٣) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وفي معجم الطبراني من حديث ابن لهيعة حدثني الحارث بن يزيد سمع ربيعة الجرشي أن رسول الله ﷺ قال: «تحفظوا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٢، ٦.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٧٤.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩٩، باب ١.","vol":"8","page":441},{"text":"من الأرض فإنها أمكم وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلا وهي مخبرة».\nوقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ قال البخاري (^١): أوحى لها وأوحى إليها ووحى لها ووحى إليها واحد، وكذا قال ابن عباس: ﴿أَوْحى لَها﴾ أي أوحى إليها، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى أذن لها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: قال لها ربها قولي فقالت، وقال مجاهد: ﴿أَوْحى لَها﴾ أي أمرها، وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا﴾ أي يرجعون عن موقف الحساب ﴿أَشْتاتًا﴾ أي أنواعا وأصنافا ما بين شقي وسعيد مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار، قال ابن جريج:\nيتصدعون أشتاتا فلا يجتمعون آخر ما عليهم، وقال السدي: ﴿أَشْتاتًا﴾ فرقا. وقوله تعالى:\n﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ أي ليعلموا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.\nقال البخاري (^٢): حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل لثلاثة، لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر» فسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: «ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ورواه مسلم (^٣) من حديث زيد بن أسلم به.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وهكذا رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن محمد بن يونس المؤدب عن أبيه، عن جرير بن حازم عن الحسن البصري قال: حدثنا صعصعة عم الفرزدق فذكره.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩٩، باب ١.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٩٩، باب ١.\n(^٣) كتاب الزكاة حديث ٢٤.\n(^٤) المسند ٥/ ٥٩.","vol":"8","page":442},{"text":"وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعا «اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة» (^١) وله أيضا في الصحيح «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط» (^٢) وفي الصحيح أيضا «يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (^٣) يعني ظلفها، وفي الحديث الآخر «ردوا السائل ولو بظلف محرق» (^٤).\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» تفرد به أحمد. وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة وقالت: كم فيها من مثقال ذرة (^٦).\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل، أن عائشة أخبرته أن النبي ﷺ كان يقول:\n«يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» (^٨) ورواه النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم بن بانك به.\nوقال ابن جرير (^٩): حدثني أبو الخطاب الحساني، حدثنا الهيثم بن الربيع، حدثنا سماك بن عطية، عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول الله إنّي أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر فقال: «يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة» ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي الخطاب به، ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب قال: في كتاب أبي قلابة عن أبي إدريس، إن أبا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٣٤، والزكاة باب ١٠، والرقاق باب ٥١، والتوحيد باب ٣٦.\n(^٢) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٢٤، وأحمد في المسند ٣/ ٤٨٢، ٤٨٣، ٥/ ٦٣، ٦٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في الهبة باب ١، والأدب باب ٣٠، ومسلم في الزكاة حديث ٩١.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٣٣، والترمذي في الزكاة باب ٢٩، والنسائي في الزكاة باب ٧٠، ومالك في صفة النبي حديث ١، وأحمد في المسند ٤/ ٧٠، ٥/ ٣٨١، ٦/ ٣٨٢، ٣٨٣، ٤٣٤، ٤٣٨.\n(^٥) المسند ٦/ ٧٩.\n(^٦) أخرجه مالك في الصدقة حديث ٦.\n(^٧) المسند ٦/ ١٥١.\n(^٨) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٢٩.\n(^٩) تفسير الطبري ١٢/ ٦٦٢.","vol":"8","page":443},{"text":"بكر كان يأكل مع النبي ﷺ فذكره، ورواه أيضا عن يعقوب عن ابن علية عن أيوب عن قلابة أن أبا بكر وذكره.\n[طريق أخرى] قال ابن جرير (^١): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرّحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لما نزلت ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ وأبو بكر الصديق ﵁ قاعد فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك يا أبا بكر» قال: يبكيني هذه السورة: فقال له رسول الله ﷺ: «لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر الله لكم لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم».\n[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرّحمن بن محمد بن المغيرة المعروف بعلان المصري قالا حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: لما أنزلت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قلت: يا رسول الله إني لراء عملي؟ قال «نعم» قلت: تلك الكبار الكبار. قال «نعم» قلت: الصغار الصغار قال «نعم» قلت: وأثكل أمي! قال: «أبشر يا أبا سعيد فإن الحسنة بعشرة أمثالها-يعني إلى سبعمائة ضعف-ويضاعف الله لمن يشاء والسيئة بمثلها أو يعفوالله ولن ينجو أحد منكم بعمله» قلت:\nولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» قال أبو زرعة: لم يرو هذا غير ابن لهيعة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وذلك لما نزلت هذه الآية ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم، فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك فيردونه، ويقولون: ما هذا بشيء، إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك. يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر، فنزلت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وزن أصغر النمل ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يعني في كتابه ويسره ذلك، قال:\nيكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضا بكل واحد عشر ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات فإذا زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٦٣، وفيه يحيى بن عبد الله بدل حيي بن عبد الله.","vol":"8","page":444},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا سليمان بن داود حدثنا عمران عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهنّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» وإن رسول الله ﷺ ضرب لهنّ مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها.\nآخر تفسير سورة الزلزلة ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2116>تفسير سورة العاديات</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2117>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ١١]</span>\n﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾\nيقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعدت وضبحت وهو الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحًا﴾ يعني اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ يعني الإغارة وقت الصباح كما كان رسول الله ﷺ يغير صباحا ويستمع الأذان فإن سمع أذانا وإلا أغار. وقوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ يعني غبارا في مكان معترك الخيول ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي توسطن ذلك المكان كلهن جمع. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة عن الأعمش، عن إبراهيم عن عبد الله ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحًا﴾ قال:\nالإبل، وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل، فبلغ عليا قول ابن عباس فقال:\nما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان في سرية بعثت.\nقال ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حدثه قال: بينا أنا في الحجر جالسا جاءني رجل فسألني عن ﴿الْعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم فانفتل عني فذهب إلى علي ﵁ وهو عند سقاية زمزم فسأله عن ﴿الْعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فقال: سألت عنها أحدا قبلي؟ قال: نعم، سألت\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤٠٢، ٤٠٣.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦٦٦.","vol":"8","page":445},{"text":"ابن عباس فقال الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي، فلما وقف على رأسه قال: أتفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي ﵁، وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران، وقال العوفي وغيره عن ابن عباس: هي الخيل.\nوقد قال بقول علي إنها الإبل جماعة منهم إبراهيم وعبيد بن عمير، وقال بقول ابن عباس آخرون منهم مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والضحاك واختاره ابن جرير، وقال ابن عباس وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب. وقال ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح، وقال أكثر هؤلاء في قوله: ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحًا﴾ يعني بحوافرها، وقيل أسعرن الحرب بين ركبانهن، قاله قتادة وعن ابن عباس ومجاهد ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحًا﴾ يعني مكر الرجال وقيل هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل، وقيل المراد بذلك نيران القبائل، وقال: من فسرها بالخيل هو إيقاد النار بالمزدلفة. قال ابن جرير: والصواب الأول أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحا في سبيل الله، وقال من فسرها بالإبل هو الدفع صبحا من المزدلفة إلى منى. وقالوا كلهم في قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ هو المكان الذي إذا حلت فيه، أثارت به الغبار إما في حج أو غزو وقوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قال العوفي عن ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك: يعني جمع الكفار من العدو، ويحتمل أن يكون فوسطن بذلك المكان جميعهن ويكون جمعا منصوبا على الحال المؤكدة، وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثا غريبا جدا، فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا فأشهرت شهرا لا يأتيه منها خبر، فنزلت ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضبحت بأرجلها ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارا ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صبحت القوم بغارة ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارت بحوافرها التراب ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قال: صبحت القوم جميعا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هذا هو المقسم عليه بمعنى إنه بنعم ربه لكفور جحود قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وأبو الجوزاء وأبو العالية وأبو الضحى وسعيد بن جبير ومحمد بن قيس، والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الكنود الكفور، قال الحسن: الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم الله عليه.","vol":"8","page":446},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ -قال-الكنود الذي يأكل وحده ويضرب عبده ويمنع رفده» رواه ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن الزبير، وهو متروك فهذا إسناد ضعيف، وقد رواه ابن جرير أيضا من حديث جرير بن عثمان عن حمزة بن هانئ عن أبي أمامة موقوفا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ قال قتادة وسفيان الثوري:\nوإن الله على ذلك لشهيد ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي فيكون تقديره وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد أي بلسان حاله أي ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله كما قال تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧].\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي وإنه لحب الخير وهو المال لشديد، وفيه مذهبان [أحدهما] أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال [والثاني] وإنه لحريص بخيل من محبة المال وكلاهما صحيح. ثم قال ﵎ مزهدا في الدنيا ومرغبا في الآخرة ومنبها على ما هو كائن بعد هذه الحال وما يستقبله الإنسان من الأهوال: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ أي أخرج ما فيها من الأموات ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أي لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون ومجازيهم عليه أوفر الجزاء ولا يظلم مثقال ذرة.\nآخر تفسير سورة العاديات، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2118>تفسير سورة القارعة</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2119>[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ إلى ١١]</span>\n﴿الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)﴾\nالقارعة من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغير ذلك. ثم قال تعالى معظما أمرها ومهولا لشأنها: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ ثم فسر ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ أي في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم من حيرتهم مما هم فيه كأنهم فراش مبثوث كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].","vol":"8","page":447},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ يعني قد صارت كأنها الصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدي: العهن الصوف ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه عمل العاملين وما يصيرون إليه من الكرامة والإهانة بحسب أعمالهم فقال: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي رجحت حسناته على سيئاته ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ يعني في الجنة ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي رجحت سيئاته على حسناته.\nوقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قيل معناه فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم وعبر عنه بأمه يعني دماغه، روي نحو هذا عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح وقتادة، وقال قتادة: يهوي في النار على رأسه وكذا قال أبو صالح يهوون في النار على رؤوسهم، وقيل معناه ﴿فَأُمُّهُ﴾ التي يرجع إليها ويصير في المعاد إليها ﴿هاوِيَةٌ﴾ وهي اسم من أسماء النار، قال ابن جرير (^١): وإنما قيل للهاوية أمه لأنه لا مأوى له غيرها، وقال ابن زيد: الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها وقرأ ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ قال ابن أبي حاتم وروي عن قتادة أنه قال: هي النار وهي مأواهم، ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ﴾.\nقال ابن جرير (^٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيقولون روحوا أخاكم فإنه كان في غم الدنيا، قال ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم فيقولون ذهب به إلى أمه الهاوية، وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا بأبسط من هذا، وقد أوردناه في كتاب صفة النار-أجارنا الله تعالى منها بمنه وكرمه-وقوله تعالى: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أي حارة شديدة الحر قوية اللهب والسعير.\nقال أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزاء» ورواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك ورواه مسلم عن قتيبة عن المغيرة بن عبد الرّحمن عن أبي الزناد به، وفي بعض ألفاظه:\n«أنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرّحمن، حدثنا حماد وهو ابن سلمة عن محمد بن زياد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٧٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦٧٧.\n(^٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٠، ومسلم في الجنة حديث ٣٠.\n(^٤) المسند ٢/ ٤٦٧.","vol":"8","page":448},{"text":"سمعت أبا هريرة يقول سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» فقال رجل: إن كانت لكافية؟ فقال: «لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فحرا» تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم، وروى الإمام أحمد (^١) أيضا: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وعمرو عن يحيى بن جعدة: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق (^٢) ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا».\nوقد قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز هو ابن محمد الدراوردي عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم» تفرد به أيضا من هذا الوجه وهو على شرط مسلم أيضا.\nوقال أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي حدثنا معن بن عيسى القزاز عن مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفا» وقد رواه أبو مصعب عن مالك ولم يرفعه.\nوروى الترمذي وابن ماجة عن عباس الدوري عن يحيى بن بكير حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أو قد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة» (^٤) وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب.\nوجاء في الحديث عند الإمام أحمد (^٥) من طريق أبي عثمان النهدي عن أنس وأبي نضرة العبدي عن ابن أبي سعيد وعجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلي منهما دماغه».\nوثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون في الشتاء\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٤٤.\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) المسند ٢/ ٣٧٩.\n(^٤) أخرجه الترمذي في جهنم باب ٨، وابن ماجة في الزهد باب ٣٨.\n(^٥) المسند ٢/ ٤٣٢، ٤٣٩، ٣/ ١٣، ٧٨.","vol":"8","page":449},{"text":"من بردها وأشد ما تجدون في الصيف من حرها» (^١) وفي الصحيحين: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» (^٢).\nآخر تفسير سورة القارعة، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2120>تفسير سورة التكاثر</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2121>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ إلى ٨]</span>\n﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾\nيقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا زكريا بن يحيى الوقاد المصري حدثني خالد بن عبد الدائم عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ -عن الطاعة- ﴿حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ -حتى يأتيكم الموت» وقال الحسن البصري ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد.\nوفي صحيح البخاري في الرقاق منه وقال أخبرنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك عن أبي بن كعب قال كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يعني «لو كان لابن آدم واد من ذهب» (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت قتادة يحدث عن مطرف يعني ابن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟» (^٥) ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق شعبة به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٠، ومسلم في المساجد حديث ١٨٥، ١٨٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٠، ومسلم في المساجد حديث ١٨٠، ١٨٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٠.\n(^٤) المسند ٤/ ٢٤.\n(^٥) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٣، والترمذي في تفسير سورة ١٠٢، باب ١، والنسائي في الوصايا باب ١.","vol":"8","page":450},{"text":"وقال مسلم في صحيحه: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول العبد مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» تفرد به مسلم (^١).\nوقال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» (^٢) وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى عن شعبة حدثنا قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان الحرص والأمل» (^٤) أخرجاه في الصحيحين وذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس واسمه الضحاك أنه رأى في يد رجل درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي، فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر:\nأنت للمال إذا أمسكته … فإذا أنفقته فالمال لك (^٥)\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة قال صالح بن حبان حدثني عن ابن بريدة في قوله: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قال: نزلت في قبلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما فيكم مثل فلان ابن فلان وفلان، وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء ثم قالوا انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك فأنزل الله ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل وقال قتادة: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم، والصحيح أن المراد بقوله: ﴿زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ أي صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأعراب يعوده فقال: «لا بأس طهور إن شاء الله» فقال:\n_________\n(^١) كتاب الزهد حديث ٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٢، ومسلم في الزهد حديث ٥، والترمذي في الزهد باب ٤٦، والنسائي في الجنائز باب ٥٢، وأحمد في المسند ٣/ ١١٠.\n(^٣) المسند ٣/ ١١٥.\n(^٤) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٠، ومسلم في الزكاة حديث ١١٥.\n(^٥) البيت لبعض المحدثين في عيون الأخبار لابن قتيبة ٣/ ١٨١.","vol":"8","page":451},{"text":"قلت طهور بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: «فنعم إذن» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سلم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج عن المنهال عن زر بن حبيش عن علي قال:\nما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ ورواه الترمذي (^٢) عن أبي كريب عن حكام بن سالم به، وقال غريب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن أبي داود العرضي، حدثنا أبو المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ فلبث هنيهة ثم قال: يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله. وقال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى جنة أو إلى نار، وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية: ﴿حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾، فقال بعث اليوم ورب الكعبة أي إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره.\nوقوله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال الحسن البصري هذا وعيد بعد وعيد، وقال الضحاك: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني أيها الكفار ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني أيها المؤمنون، وقوله تعالى: ﴿كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر، ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ توعدهم بهذا الحال، وهي رؤية أهل النار إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال على ما جاء به الأثر المروي في ذلك، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز المقري، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز، حدثنا يونس بن عبيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد فقال:\n«ما أخرجك هذه الساعة؟» فقال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله ﷺ. قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: «ما أخرجك يا ابن الخطاب؟» قال أخرجني الذي أخرجكما، قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المرضى باب ١٠، ١٤، والتوحيد باب ٣١، والمناقب باب ٢٥، وأحمد في المسند ٣/ ٢٥٠.\n(^٢) كتاب، التفسير، تفسير سورة ١٠٢، باب ١.","vol":"8","page":452},{"text":"فقعد عمر وأقبل رسول الله ﷺ يحدثهما ثم قال: «هل بكما من قوة تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاما وشرابا وظلا؟» قلنا: نعم.\nقال: «مروا بنا إلى منزل ابن التيهان أبي الهيثم الأنصاري» قال: فتقدم رسول الله ﷺ بين أيدينا فسلم واستأذن ثلاث مرات، وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام تريد أن يزيدها رسول الله ﷺ من السّلام، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم فقالت:\nيا رسول الله قد والله سمعت تسليمك ولكن أردت أن تزيدني من سلامك، فقال لها رسول الله ﷺ: «خيرا» ثم قال: «أين أبو الهيثم لا أراه؟» قالت: يا رسول الله هو قريب ذهب يستعذب الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله فبسطت بساطا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرّت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقا فقال له رسول الله ﷺ:\n«حسبك يا أبا الهيثم» فقال: يا رسول الله تأكلون من بسره ومن رطبه ومن تذنوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ: «هذا من النعيم الذي تسألون عنه»، هذا غريب من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني الحسين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي ﷺ فقال: «ما أجلسكما هاهنا؟» قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: «والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره» فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة فقال لها النبي ﷺ: «أين فلان؟» فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبا، ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بكرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي ﷺ: «ألا كنت اجتنيت؟» فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة فقال له النبي ﷺ: «إياك والحلوب» فذبح لهم يومئذ فأكلوا، فقال له النبي ﷺ «لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا فهذا من النعيم» (^٢) ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به، ورواه أبو يعلى وابن ماجة من حديث المحاربي عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بكر الصديق به، وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ بنحو من هذا السياق وهذه القصة.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا سريج، حدثنا حشرج عن أبي نصيرة عن أبي عسيب، يعني مولى رسول الله ﷺ قال: خرج رسول الله ﷺ ليلا فمر بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٨١، وفيه الحسن بن علي الصدائي.\n(^٢) أخرجه مسلم في الأشربة حديث ١٤٠، وابن ماجة في الذبائح باب ٧.\n(^٣) المسند ٥/ ٨١.","vol":"8","page":453},{"text":"بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: «أطعمنا بسرا» فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه ثم دعا بماء بارد فشرب وقال: «لتسألن عن هذا يوم القيامة» قال: فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: «نعم إلا من ثلاثة: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر» تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار سمعت جابر بن عبد الله يقول: أكل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رطبا وشربوا ماء، فقال رسول الله ﷺ: «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» ورواه النسائي (^٢) من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن جابر به.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أحمد حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو عن صفوان بن سليم عن محمود بن الربيع قال: لما نزلت ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالوا: يا رسول الله عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر فعن أي نعيم نسأل؟ قال: «أما إن ذلك سيكون».\nوقال أحمد (^٤): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا معاذ بن عبد الله بن حبيب، عن أبيه عن عمه قال كنا في مجلس فطلع علينا النبي ﷺ وعلى رأسه أثر ماء، فقلنا يا رسول الله نراك طيب النفس، قال: «أجل» ثم خاض الناس في ذكر الغنى، فقال رسول الله ﷺ: «لا بأس بالغنى لمن اتقى الله والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى وطيب النفس من النعيم» ورواه ابن ماجة (^٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن عبد الله بن سليمان به.\nوقال الترمذي (^٦): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عبد الرّحمن بن عزرم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ:\n«إن أول ما يسأل عنه-يعني يوم القيامة-العبد من النعيم أن يقال له ألم نصح لك بدنك ونروك من الماء البارد؟» تفرد به الترمذي ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق الوليد بن مسلم عن\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٥١.\n(^٢) كتاب الوصايا باب ٤.\n(^٣) المسند ٥/ ٤٢٩.\n(^٤) المسند ٥/ ٣٧٢، ٣٨٠، ٣٨١.\n(^٥) كتاب التجارات باب ١.\n(^٦) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٠٢، باب ٥.","vol":"8","page":454},{"text":"عبد الله بن العلاء بن زبير به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالوا يا رسول الله لأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء قال: «إن ذلك سيكون» (^١) وقد رواه الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان هو ابن عيينة به ورواه أحمد عنه وقال الترمذي حسن وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال لما نزلت هذه الآية ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالت الصحابة: يا رسول الله، وأي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه ﷺ قل لهم أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن ابن أبي ليلى أظنه عن عامر عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله:\n﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال «الأمن والصحة» وقال زيد بن أسلم عن رسول الله ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم، ورواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة.\nوقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، وقال الحسن البصري: من النعيم الغداء والعشاء. وقال أبو قلابة. من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾.\nوثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (^٢) ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق، حدثنا أبو حمزة عن ليث عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما فوق الإزار\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٠٢، باب ٣، ٤، وأحمد في المسند ٥/ ٤٢٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١، والترمذي في الزهد باب ١، وابن ماجة في الزهد باب ١٥، وأحمد في المسند ١/ ٣٤٤.","vol":"8","page":455},{"text":"وظل الحائط والخبز، يحاسب به العبد يوم القيامة أو يسأل عنه» ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا حماد، قال عفان في حديثه، قال إسحاق بن عبد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله ﷿-قال عفان يوم القيامة-يا ابن آدم حملتك على الخيل والإبل وزوجتك النساء وجعلتك تربع وترأس فأين شكر ذلك؟» تفرد به من هذا الوجه. آخر تفسير سورة التكاثر، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2122>تفسير سورة العصر</span>\nوهي مكية\nذكروا أن عمرو بن العاص وقد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسليمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال:\nوقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر وسترك حفر نقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب.\nوقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف (بمساوئ الأخلاق) في الجزء الثاني منه شيئا من هذا أو قريبا منه. والوبر دويبة تشبه الهر أعظم شيء فيه أذناه وصدره وباقيه دميم، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن. فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان. وذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن عبيد الله بن حصن قال:\nكان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر، وقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2123>[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٩٢.","vol":"8","page":456},{"text":"العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، وقال مالك عن زيد بن أسلم:\nهو العشي، والمشهور الأول فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي خسر أي في خسارة وهلاك ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ﴾ وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر.\nآخر تفسير سورة العصر، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2124>تفسير سورة الهمزة</span>\nوهي مكية\n\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2125>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ إلى ٩]</span>\n﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾\nالهماز بالقول واللماز بالفعل يعني يزدري الناس وينتقص بهم، وقد تقدم بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] قال ابن عباس: همزة لمزة، طعان معياب. وقال الربيع بن أنس: الهمزة يهمزة قي وجهه واللمزة من خلفه وقال قتادة: الهمزة واللمزة لسانه وعينه ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم (^١). وقال مجاهد: الهمزة باليدين والعين واللمزة باللسان وهكذا قال ابن زيد. وقال مالك عن زيد بن أسلم: همزة لحوم الناس، ثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شريق وقيل غيره وقال مجاهد هي عامة.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي جمعه بعضه على بعض وأحصى عدده كقوله تعالى:\n﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ [المعارج: ١٨] قاله السدي وابن جرير، وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ﴾ ألهاه ماله بالنهار هذا إلى هذا فإذا كان الليل نام كأنه جيفة منتنة.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار ﴿كَلاّ﴾ أي ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي ليلقين هذا الذي جمع مالا فعدده في الحطمة وهي اسم صفة من أسماء النار لأنها تحطم من فيها ولهذا قال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ قال ثابت البناني:\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٦٨٧.","vol":"8","page":457},{"text":"تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء ثم يقول لقد بلغ منهم العذاب ثم يبكي، وقال محمد بن كعب:\nتأكل كل شيء من جسده حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه ترجع على جسده.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خرزاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قال: مطبقة. وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن أسيد عن إسماعيل بن خالد عن أبي صالح قوله ولم يرفعه.\nوقوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قال عطية العوفي: عمد من حديد، وقال السدي من نار، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني الأبواب هي الممددة، وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة، وقال العوفي عن ابن عباس: أدخلهم في عمد ممددة عليهم بعماد وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب: وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار واختاره ابن جرير، وقال أبو صالح ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني القيود الثقال.\nآخر تفسير سورة ويل لكل همزة لمزة، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2126>تفسير سورة الفيل</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2127>[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾\nهذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم أنوفهم وخيب سعيهم وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة، وكانوا قوما نصارى وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.\nوهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب: قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس، وكان آخر ملوك حمير وكان مشركا وهو الذي قتل أصحاب","vol":"8","page":458},{"text":"الأخدود، وكانوا نصارى وكانوا قريبا من عشرين ألفا فلم يفلت منهم إلا دوس ذو ثعلبان فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام، وكان نصرانيا، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار واستلبوا الملك من حمير وهلك ذو نواس غريقا في البحر.\nواستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا ولكن ابرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك، فأجابه إلى ذلك فتبارزا وخلف كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله ورجع أبرهة جريحا فداوى جرحه فبرأ واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن.\nفكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته، فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه وبعث مع رسوله بهدايا وتحف وبجراب فيه من تراب اليمن.\nوجز ناصيته، فأرسلها معه ويقول في كتابه ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه ورضي عنه وأقره على عمله.\nوأرسل أبرهة يقول للنجاشي إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها، فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء عالية الفناء مزخرفة الأرجاء سمتها العرب القليس لارتفاعها لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها، وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبا شديدا حتى قصدها بعضهم وتوصل إلى أن دخلها ليلا، فأحدث فيها وكرّ راجعا، فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمره إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له إنما صنع هذا بعض قريش غضبا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة وليخربنه حجرا حجرا.\nوذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارا وكان يوما فيه هواء شديد، فاحترقت وسقطت إلى الأرض، فتأهب أبرهة لذلك وسار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله، يقال له محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك، ويقال كان معه أيضا ثمانية أفيال، وقيل اثنا عشر فيلا غيره فالله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة بأن يجعل السلاسل في الأركان وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة، فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدا ورأوا أن حقا عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد.","vol":"8","page":459},{"text":"فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريده من هدمه وخرابه، فأجابوه وقاتلوا أبرهة فهزمهم لما يريده الله ﷿ من كرامة البيت وتعظيمه وأسر ذو نفر، فاستصحبه معه ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم اعترض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه شهران وناهس فقاتلوه، فهزمهم أبرهة وأسر نفيل بن حبيب فأراد قتله ثم عفا عنه واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز.\nفلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات، فأكرمهم وبعثوا معه أبا رغال دليلا، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس وهو قريب من مكة نزل به. وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها فأخذوه، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له الأسود بن مقصود فهجاه بعض العرب فيما ذكره ابن إسحاق، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وأمره أن يأتيه بأشرف قريش وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت، فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة فاذهب معي إليه، فذهب معه.\nفلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه.\nقال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك، ويقال إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة والتحصن في رؤوس الجبال تخوفا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: [مجزوء الكامل] لا همّ إنّ المرء يمنع … رحله فامنع حلالك (^١)\n_________\n(^١) البيتان لعبد المطلب بن هاشم في لسان العرب (محل)، (حلل)، (غدا)، وتاج العروس (محل)، (غدا)","vol":"8","page":460},{"text":"لا يغلبنّ صليبهم … ومحالهم أبدا محالك\nقال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال، وذكر مقاتل بن سلمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق فينتقم الله منهم، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله، وكان اسمه محمودا، وعبأ جيشه فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بإذنه وقال:\nابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل إذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مراقه فنزعوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.\nوأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس ولا يصيب منهم أحدا إلا هلك. وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق، هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول: [رجز] أين المفرّ والإله الطالب … والأشرم المغلوب ليس الغالب (^١)\nقال ابن إسحاق وقال نفيل في ذلك أيضا: [الوافر] ألا حيّيت عنا يا ردينا … نعمناكم مع الإصباح عينا\nودينة لو رأيت ولا تريه … لدى جنب المحصب ما رأينا\nإذا لعذرتني وحمدت أمري … ولم تأس على ما فات بينا\nحمدت الله إذ أبصرت طيرا … وخفت حجارة تلقى علينا\nفكل القوم تسأل عن نفيل … كأن علي للحبشان دينا\nوذكر الواقدي بإسناده أنهم لما تعبئوا لدخول الحرم وهيئوا الفيل جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب فيها، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه ليقهر الفيل على دخول الحرم، وطال الفصل في ذلك، هذا\n_________\n(^١) الرجز لنفيل بن حبيب الحميري في الدرر ٦/ ١٤٦، وشرح شواهد المغني ص ٧٠٥، والمقاصد النحوية ٤/ ١٢٣، وتفسير الطبري ١٢/ ٦٩٨، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٣، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٤٩٨، ومغني اللبيب ص ٢٩٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٨.","vol":"8","page":461},{"text":"وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة فيهم المطعم بن عدي وعمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم ومسعود بن عمرو الثقفي على حراء ينظرون ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل وهو العجب العجاب، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم طيرا أبابيل أي قطعا قطعا صفرا دون الحمام وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار وجاءت فحلقت عليهم وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا.\nوقال محمد بن كعب جاءوا بفيلين فأما محمود فربض وأما الآخر فشجع فحصب.\nوقال وهب بن منبه: كان معهم فيلة فأما محمود وهو فيل الملك فربض ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تشجع فحصب فهربت بقية الفيلة. وقال عطاء بن يسار وغيره. ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة بل منهم من هلك سريعا ومنهم من جعل يتساقط عضوا عضوا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضوا عضوا حتى مات ببلاد خثعم وقال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.\nوذكر مقاتل بن سليمان أن قريشا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي به مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام، وهكذا روي عن عكرمة من طريق جيد.\nقال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا ﷺ كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ … ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤] أي لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.\nقال ابن هشام (^١): الأبابيل الجماعات ولم تتكلم العرب بواحدة. قال: وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سنج وجل يعني بالسنج الحجر والجل الطين. يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين. قال:\nوالعصف ورق الزرع الذي لم يقضب واحدته عصفة، انتهى ما ذكره.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥.","vol":"8","page":462},{"text":"وقد قال حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله وأبو سلمة بن عبد الرّحمن ﴿طَيْرًا أَبابِيلَ﴾ قال الفرق، وقال ابن عباس والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضا. وقال الحسن البصري وقتادة: الأبابيل الكثيرة. وقال مجاهد: أبابيل شتى متتابعة مجتمعة وقال ابن زيد الأبابيل المختلفة تأتي من هاهنا ومن هاهنا أتتهم من كل مكان، وقال الكسائي: سمعت بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل إبيل.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني عبد الأعلى، حدثني داود عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ﴾ هي الأقاطيع كالإبل المؤبلة، وحدثنا أبو كريب: حدثنا وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين عن ابن عباس ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ﴾ قال: لهم خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلب. وحدثنا يعقوب بن إبراهيم: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿طَيْرًا أَبابِيلَ﴾.\nقال: كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع وحدثنا ابن بشار: حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير ﴿طَيْرًا أَبابِيلَ﴾ قال: هي طيور سود بحرية في مناقيرها وأظافرها الحجارة (^٢)، وهذه أسانيد صحيحة.\nوقال سعيد بن جبير: كانت طيرا خضرا لها مناقير صفر تختلف عليهم، وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب (^٣). ورواه عنهم ابن أبي حاتم: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار مجزعة حجرين في رجليه وحجرا في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا، وقال السدي عن عكرمة عن ابن عباس: حجارة من سجيل، قال طين في حجارة سنك وكل وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة هبور، وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة، وعنه أيضا: العصف التبن والمأكول القصيل يجز للدواب، وكذلك قال الحسن البصري، وعن ابن عباس: العصف القشرة التي على الحبة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٩٢، وفيه: حدثني ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى.\n(^٢) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٦٩٣.\n(^٣) العنقاء المغرب: طائر من طيور الأساطير، مجهول الشكل، لم يره أحد والعرب تكنى به عن الداهية، والمغرب: المبعد في البلاد.","vol":"8","page":463},{"text":"كالغلاف على الحنطة.\nوقال ابن زيد: العصف ورق الزرع وورق البقل إذا أكلته البهائم فراثته فصار درينا والمعنى أن الله ﷾ أهلكهم ودمرهم وردّهم بكيدهم وغيظهم، لم ينالوا خيرا، وأهلك عامتهم ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح كما جرى لملكهم أبرهة فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات فملك بعده ابنه يكسوم ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة، ثم خرج سيف بن ذي يزن الحميري إلى كسرى فاستعانه على الحبشة فأنفذ معه من جيوشه فقاتلوا معه فرد لله إليهم ملكهم، وما كان في آبائهم من الملك وجاءته وفود العرب للتهنئة، وقد قال محمد بن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرّحمن بن أسعد بن زرارة عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان ورواه الواقدي عن عائشة مثله، ورواه أيضا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: كانا مقعدين يستطعمان الناس عند إساف ونائلة حيث يذبح المشركون ذبائحهم.\n(قلت): كان اسم قائد الفيل أنيسا. وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن وإنما بعث على الجيش رجلا يقال له شمر بن مقصود، وكان الجيش عشرين ألفا، وذكر أن الطير طرقتهم ليلا فأصبحوا صرعى، وهذا السياق غريب جدا وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه على غيره، والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار، وهكذا روي عن ابن لهيعة عن الأسود عن عروة أن أبرهة بعث الأسود بن مقصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه، والصحيح قدومه ولعل ابن مقصود كان على مقدمة الجيش والله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق (^١) شيئا من أشعار العرب فيما كان من قصة أصحاب الفيل فمن ذلك شعر عبد الله بن الزبعرى: [الطويل] تنكلوا عن بطن مكة إنها … كانت قديما لا يرام حريمها\nلم تخلق الشعرى ليالي حرمت … إذ لا عزيز من الأنام يرومها\nسائل أمير الجيش عنها ما رأى … فلسوف ينبي الجاهلين عليمها\nستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم … بل لم يعش بعد الإياب سقيمها\nكانت بها عاد وجرهم قبلهم … والله من فوق العباد يقيمها\nوقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المري: [المتقارب] ومن صنعه يوم فيل الحبوش … إذ كل ما بعثوه رزم (^٢)\n_________\n(^١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٨.\n(^٢) الأبيات في ديوان أمية بن أبي الصلت ص ٥٧، والبيت الأخير بلا نسبة في لسان العرب (ثأج)، وتاج العروس (ثأج)","vol":"8","page":464},{"text":"محاجنهم تحت أقرابه … وقد شرموا أنفه فانخرم\nوقد جعلوا سوطه مغولا … إذا يمموه قفاه كلم\nفولى وأدبر أدراجه … وقد باء بالظلم من كان ثم\nفأرسل من فوقهم حاصبا … يلفهم مثل لف القزم\nيحض على الصبر أحبارهم … وقد ثأجوا كثؤاج الغنم\nوقال أبو الصلت بن ربيعة الثقفي، ويروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة:\n[الخفيف] إن آيات ربنا باقيات … ما يماري فيهن إلا الكفور (^١)\nخلق الليل والنهار فكل … مستبين حسابه مقدور\nثم يجلو النهار رب رحيم … بمهاة شعاعها منشور\nحبس الفيل بالمغمّس حتى … صار يحبو كأنه معقور\nلازما حلقه الجران كما قطر … من ظهر كبكب محذور\nحوله من ملوك كندة أبطال … ملاويث في الحروب صقور\nخلفوه ثم ابذعروا جميعا … كلهم عظم ساقه مكسور\nكل دين يوم القيامة عند … الله إلا دين الحنيفة بور\nوقد قدمنا في تفسير سورة الفتح أن رسول الله ﷺ لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش بركت ناقته فزجروها فألحت، فقالوا: خلأت القصواء أي حرنت، فقال رسول الله ﷺ: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل-ثم قال- والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها» ثم زجرها فقامت (^٢). والحديث من أفراد البخاري وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة:\n«إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ألا فليبلغ الشاهد الغائب» (^٣).\nآخر تفسير سورة الفيل، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^١) الأبيات في ديوان أمية بن أبي الصلت ص ٣٨، والبيت الثالث في لسان العرب (مها)، وتاج العروس (مها)، وبلا نسبة في المخصص ٩/ ٢١، ورواية الديوان «ثم يجلو الظلام» بدل «ثم يجلو النهار».\n(^٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٥٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في العلم باب ٣٩، ومسلم في الحج حديث ٤٤٧، ٤٤٨.","vol":"8","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2128>تفسير سورة قريش</span>\nوهي مكية\n[ذكر حديث غريب في فضلها] قال البيهقي في كتاب الخلافيات: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو، حدثنا أحمد بن عبد الله المديني، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت بن شرحبيل، حدثني عثمان بن عبد الله أبي عتيق عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة عن أبيه عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: «فضل الله قريشا بسبع خلال: إني منهم وإن النبوة فيهم والحجابة والسقاية فيهم، وإن الله نصرهم على الفيل، وإنهم عبدوا الله ﷿ عشر سنين لا يعبده غيرهم، وإن الله أنزل فيهم سورة من القرآن-ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. لِإِيلافِ قُرَيْشٍ. إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾».\n\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2129>[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾\nهذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام كتبوا بينهما سطر بسم الله الرّحمن الرّحيم، وإن كانت متعلقة بما قبلها كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، لأن المعنى عندهما حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين، وقيل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ﴾ بدل من الأول ومفسر له ولهذا قال تعالى: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾.\nقال ابن جرير (^١): الصواب أن اللام لام التعجب كأنه يقول اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك، قال وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧٠١.","vol":"8","page":466},{"text":"ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ أي فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] وقوله تعالى:\n﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ أي هو رب البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أي تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا، ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣].\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العدني حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل لكم قريش لإيلاف قريش» ثم قال: حدثنا أبي حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني حدثنا عيسى يعني ابن يونس عن عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ويحكم يا معشر قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف» هكذا رأيته عن أسامة بن زيد وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن أم سلمة الأنصارية ﵂ فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية والله أعلم.\nآخر تفسير سورة لإيلاف قريش ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2130>تفسير سورة الماعون</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2131>[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ إلى ٧]</span>\n﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)﴾\nيقول تعالى: أرأيت يا محمد الذي يكذب بالدين وهو المعاد والجزاء والثواب ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه ولا يطعمه ولا يحسن إليه ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨] يعني الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته، ثم قال","vol":"8","page":467},{"text":"تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني المنافقين الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر ولهذا قال: ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾ الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق وأبو الضحى.\nوقال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ولم يقل في صلاتهم ساهون، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله ولكن من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمل له النفاق العملي.\nكما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» (^١) فهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى كما ثبت به النص إلى آخر وقتها، وهو وقت الكراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا، ولهذا قال لا يذكر الله فيها إلا قليلا، ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس لا ابتغاء وجه الله، فهو كما إذا لم يصل بالكلية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢] وقال تعالى هاهنا: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾.\nوقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس عن الحسن عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال:\n«إن في جهنم لواديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة أعد ذلك للمرائين من أمة محمد لحامل كتاب الله وللمصدق في غير ذات الله وللحاج إلى بيت الله وللخارج في سبيل الله».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو نعيم حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة قال كنا جلوسا عند أبي عبيدة، فذكروا الرياء فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ: من سمّع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره» ورواه أيضا عن غندر ويحيى القطان عن شعبة عن عمرو بن مرة عن رجل عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ١٩٥، وأبو داود في الصلاة باب ٥، والترمذي في المواقيت باب ٦، والنسائي في المواقيت باب ٩، وأحمد في المسند ٣/ ١٤٩.\n(^٢) المسند ٢/ ١٦٢، ١٩٥، ٢١٢، ٢٢٣، ٢٢٤.","vol":"8","page":468},{"text":"فذكره، ومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ أن من عمل عملا لله فأطلع عليه الناس فأعجبه ذلك أن هذا لا يعد رياء، والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أصلي فدخل علي رجل فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول الله ﷺ فقال: «كتب لك أجران: أجر السر وأجر العلانية».\nقال أبو علي هارون بن معروف بلغني أن ابن المبارك قال نعم الحديث للمرائين، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وسعيد بن بشير متوسط، وروايته عن الأعمش عزيزة، وقد رواه غيره عنه، قال أبو يعلى أيضا: حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سنان عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل:\nيا رسول الله الرجل يعمل العمل يسره، فإذا اطلع عليه أعجبه قال قال رسول الله ﷺ: «له أجران أجر السر وأجر العلانية» (^١). وقد رواه الترمذي عن محمد بن المثنى وابن ماجة عن بندار كلاهما عن أبي داود الطيالسي عن أبي سنان الشيباني، واسمه ضرار ابن مرة، ثم قال الترمذي غريب وقد رواه الأعمش وغيره عن حبيب عن أبي صالح مرسلا.\nوقد قال أبو جعفر بن جرير (^٢): حدثني أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن شيبان النحوي عن جابر الجعفي، حدثني رجل عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ قال: «الله أكبر هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع الدنيا هو الذي إن صلّى لم يرج خير صلاته وإن تركها لم يخف ربه» فيه جابر الجعفي وهو ضعيف وشيخه مبهم لم يسم، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٣) أيضا: حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثني عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله ﷺ عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» قلت: وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية ويحتمل صلاتها بعد وقتها شرعا أو تأخيرها عن أول الوقت، وكذا رواه الحافظ أبو يعلى عن شيبان بن فروخ عن عكرمة بن إبراهيم به، ثم رواه عن أبي الربيع عن جابر عن عاصم عن مصعب عن أبيه موقوفا:\nسهوا عنها حتى ضاع الوقت، وهذا أصح إسنادا وقد ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه وكذلك الحاكم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٤٩، وابن ماجة في الزهد باب ٢٥.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٧٠٨.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٧٠٨.","vol":"8","page":469},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ أي لا أحسنوا عبادة ربهم ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به، ويستعان به مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى، وقد قال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال علي: الماعون الزكاة، وكذا رواه السدي عن أبي صالح عن علي، وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر، وبه يقول محمد بن الحنيفة وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وعطاء وعطية العوفي، والزهري والحسن وقتادة والضحاك وابن زيد، وقال الحسن البصري: إن صلّى راءى وإن فاتته لم يأس عليها ويمنع زكاة ماله وفي لفظ صدقة ماله.\nوقال زيد بن أسلم: هم المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها، وضمنت الزكاة فمنعوها. وقال الأعمش وشعبة عن الحكم عن يحيى بن الجزار أن أبا العبيدين سأل عبد الله بن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقدر. وقال المسعودي عن سلمة بن كهيل عن أبي العبيدين أنه سئل ابن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك.\nوقال ابن جرير (^١): حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي العبيدين وسعد بن عياض عن عبد الله قال: كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن الماعون الدلو والفأس والقدر لا يستغنى عنهن، وحدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت سعد بن عياض يحدث عن أصحاب النبي ﷺ مثله وقال الأعمش عن إبراهيم عن الحارث بن سويد عن عبد الله أنه سئل عن الماعون فقال:\nما يتعاوره الناس بينهم الفأس والدلو وشبهه.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا أبو عوانة عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: كنا مع نبينا ﷺ ونحن نقول منع الماعون منع الدلو وأشباه ذلك (^٣).\nوقد رواه أبو داود والنسائي عن قتيبة عن أبي عوانة بإسناده نحوه ولفظ النسائي عن عبد الله قال: كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: الماعون العواري القدر والميزان والدلو. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ يعني متاع البيت، وكذا قال مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧١٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٧١٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٣٢.","vol":"8","page":470},{"text":"جبير وأبو مالك وغير واحد إنها العارية للأمتعة.\nوقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ قال: لم يجيء أهلها بعد: وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ قال: اختلف الناس في ذلك فمنهم من قال يمنعون الزكاة، ومنهم من قال يمنعون الطاعة، ومنهم من قال يمنعون العارية، رواه ابن جرير ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية عن ليث بن أبي سليم عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: الماعون منع الناس الفأس والقدر والدلو، وقال عكرمة رأس الماعون زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإبرة، رواه ابن أبي حاتم وهذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها وترجع كلها إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة، ولهذا قال محمد بن كعب ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ قال: المعروف. ولهذا جاء في الحديث «كل معروف صدقة».\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن الزهري ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ قال بلسان قريش: المال وروي هاهنا حديثا غريبا عجيبا في إسناده ومتنه فقال: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا، حدثنا قيس بن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دهثم العجلي، حدثنا عائذ بن ربيعة النميري. حدثني قرة بن دعموص النميري أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا! قال: «لا تمنعوا الماعون» قالوا:\nيا رسول الله وما الماعون؟ قال: «في الحجر وفي الحديدة وفي الماء» قالوا: فأي الحديدة؟ قال: «قدروكم النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به» قالوا: وما الحجر؟ قال: «قدروكم الحجارة» غريب جدا ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف والله أعلم.\nوقد ذكر ابن الأثير في الصحابة ترجمة علي النميري فقال: روى ابن قانع بسنده إلى عامر بن ربيعة بن قيس النميري عن علي بن فلان النميري، سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«المسلم أخو المسلم إذا لقيه حيّاه بالسلام ويرد عليه ما هو خير منه لا يمنع الماعون» قلت:\nيا رسول الله ما الماعون؟ قال «الحجر والحديد وأشباه ذلك» والله أعلم.\nآخر تفسير سورة الماعون ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2132>تفسير سورة الكوثر</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2133>[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾","vol":"8","page":471},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال:\nأغفى رسول الله إغفاءة، فرفع رأسه متبسما إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنه أنزلت علي آنفا سورة» فقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها فقال: «هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «هو نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم، فأقول يا رب إنه من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق عن محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك.\nوقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يشخب فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر وأن آنيته عدد نجوم السماء، وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي من طريق علي بن مسهر ومحمد بن فضيل، كلاهما عن المختار بن فلفل عن أنس، ولفظ مسلم قال: بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، قلنا: ما أضحك يا رسول الله. قال: «لقد أنزلت علي آنفا سورة» فقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال «أتدرون ما هو الكوثر؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال: -فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء، فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي، فيقول إنك لا تدري ما أحدث بعدك» (^٢).\nوقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة، وأنها منزلة معها.\nفأما قوله تعالى: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة، وقد رواه الإمام أحمد (^٣) من طريق أخرى عن أنس فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أنه قرأ هذه الآية ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري ولم يشق شقا وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي في تربته فإذا مسك أذفر وإذا حصباؤه اللؤلؤ».\nوقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال\n_________\n(^١) المسند ٣/ ١٠٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٥٣، وأبو داود في السنة باب ٢٣، والنسائي في الافتتاح باب ٢١.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٤٧.\n(^٤) المسند ٣/ ١٠٣.","vol":"8","page":472},{"text":"رسول الله ﷺ: «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ﷿» (^١) ورواه البخاري في صحيحه ومسلم من حديث شيبان بن عبد الرّحمن عن قتادة عن أنس بن مالك قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: «أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» (^٢) وهو لفظ البخاري ﵀.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثنا الربيع، أخبرنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسري برسول الله ﷺ مضى به جبريل إلى السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه فإذا هو مسك قال:\n«يا جبريل ما هذا النهر؟ قال: هو الكوثر الذي خبأ لك ربك» وقد تقدم حديث الإسراء في سورة سبحان من طريق شريك عن أنس عن النبي ﷺ وهو مخرج في الصحيحين. وقال سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «بينما أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقال الملك-الذي معه-أتدري ما هذا؟ هذا الكوثر الذي أعطاك الله، وضرب بيده إلى أرضه فأخرج من طينه المسك» وكذا رواه سليمان بن طرخان ومعمر وهمام وغيرهم عن قتادة به.\nقال ابن جرير (^٤): حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا أبو أيوب العباس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمد بن عبد الوهاب ابن أخي ابن شهاب عن أبيه عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكوثر فقال: «هو نهر أعطانيه الله تعالى في الجنة ترابه مسك أبيض من اللبن وأحلى من العسل ترده طير أعناقها مثل أعناق الجزر» وقال أبو بكر: يا رسول الله إنها لناعمة قال «آكلها أنعم منها».\nوقال أحمد (^٥): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا الليث عن يزيد بن الهاد عن عبد الوهاب عن عبد الله بن مسلم بن شهاب عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله ما الكوثر؟ قال: «هو نهر في الجنة أعطانيه ربي لهو أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر» قال عمر: يا رسول الله إنها لناعمة. قال: «آكلها أنعم منها يا عمر» رواه ابن جرير من حديث الزهري عن أخيه عبد الله عن أنس أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكوثر فذكر مثله سواء.\nوقال البخاري: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٠٨، باب ١، والرقاق باب ٥٣.\n(^٢) انظر التخريج السابق.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٧١٧.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٧٢٠.\n(^٥) المسند ٣/ ٢٢٠، ٢٢١.","vol":"8","page":473},{"text":"عبيدة عن عائشة ﵂ قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم (^١)، ثم قال البخاري: رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق، ورواه أحمد والنسائي من طريق مطرف به.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة شاطئاه در مجوف، وقال إسرائيل: هو نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء. وحدثنا ابن حميد: حدثنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق أو مسروق قال: قلت لعائشة يا أم المؤمنين حدثيني عن الكوثر قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت وترابه المسك وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت، وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن ابن أبي نجيح عن عائشة ﵂ قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه، هذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة وفي بعض الروايات عن رجل عنها، ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك لا أنه يسمعه نفسه والله أعلم قال السهيلي ورواه الدارقطني مرفوعا من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة عن النبي ﷺ.\nثم قال البخاري (^٣): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه، ورواه أيضا من حديث هشيم عن أبي بسر وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: الكوثر الخير الكثير، وقال الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر الخير الكثير.\nوهذا التفسير يعم النهر وغيره لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحارب بن دثار والحسن بن أبي الحسن البصري، حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو النبوة، والقرآن وثواب الآخرة وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا، فقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عمر بن عبيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل، وروى العوفي عن ابن عباس نحو ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٠٨، باب ١، وأحمد في المسند ٦/ ٢٨١.\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٧١٧.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٠٨، باب ١.","vol":"8","page":474},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم أخبرنا عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد عن جرير عن عطاء بن السائب به مثله موقوفا، وقد روي مرفوعا فقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب والماء يجري على اللؤلؤ وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل» (^٣) وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب به مرفوعا، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير، فقال: صدق والله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال رسول الله ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت».\nوقال ابن جرير (^٥): حدثني ابن البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حرام بن عثمان عن عبد الرّحمن الأعرج عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ أتى حمزة بن عبد المطلب يوما فلم يجده، سأل عنه امرأته وكانت من بني النجار فقالت: خرج يا نبي الله آنفا عامدا نحوك فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار، أو لا تدخل يا رسول الله؟ فدخل فقدمت إليه حيسا فأكل منه، فقالت: يا رسول الله ﷺ هنيئا لك ومريئا، لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر فقال:\n«أجل وعرضه-يعني أرضه-ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ».\nحرام بن عثمان ضعيف، ولكن هذا سياق حسن، وقد صح أصل هذا بل قد تواتر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، وهكذا روي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر نهر في الجنة، وقال عطاء: هو حوض في الجنة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧١٧، ٧١٨.\n(^٢) المسند ٢/ ١٥٨.\n(^٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٠٨، باب ٣، وابن ماجة في الزهد باب ٣٩.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٧٢٠.\n(^٥) تفسير الطبري ١٢/ ٧٢١.","vol":"8","page":475},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن: يعني بذلك نحر البدن ونحوها.\nوكذا قال قتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والربيع وعطاء الخراساني والحكم وإسماعيل بن أبي خالد وغير واحد من السلف، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله والذبح على غير اسمه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية، وقيل: المراد بقوله ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر، يروى هذا عن علي ولا يصح، وعن الشعبي مثله وعن أبي جعفر الباقر ﴿وَانْحَرْ﴾ يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقيل ﴿وَانْحَرْ﴾ أي واستقبل بنحرك القبلة، ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير.\nوقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا منكرا جدا فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم القاضي سنة خمس وخمسين ومائتين، حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﷺ ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال رسول الله ﷺ: يا جبريل ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟» فقال: ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.\nوهكذا رواه الحاكم في المستدرك من حديث إسرائيل بن حاتم به، وعن عطاء الخراساني:\n﴿وَانْحَرْ﴾ أي ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل وأبرز نحرك يعني به الاعتدال، رواه ابن أبي حاتم وكل هذه الأقوال غريبة جدا، والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: «من صلّى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» فقام أبو بردة بن نيار فقال:\nيا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال:\n«شاتك شاة لحم» قال: فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال:\n«تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في العيدين باب ٥، ٢٣، وأبو داود في الأضاحي باب ٥٠، والنسائي في العيدين باب ١٧.","vol":"8","page":476},{"text":"قال أبو جعفر بن جرير (^١): والصواب قول من قال إن معنى ذلك فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفاء له وخصك به، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي وعطاء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي إن مبغضك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة:\nنزلت في العاص بن وائل، وقال محمد بن إسحاق (^٢) عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله هذه السورة، وقال شمر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط.\nوقال ابن عباس أيضا وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش، وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا الصبي المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية فقال: أنتم خير منه، قال فنزلت ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وهكذا رواه البزار وهو إسناد صحيح، وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين فقال بتر محمد الليلة فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.\nوعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل، وعنه: ﴿إِنَّ شانِئَكَ﴾ يعني عدوك، وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم، وقال عكرمة: الأبتر الفرد، وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا بتر، فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا بتر محمد، فأنزل الله ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا وكلا بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد. آخر تفسير سورة الكوثر، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2134>تفسير سورة الكافرون</span>\nوهي مكية\n\nثبت في صحيح مسلم (^٣) عن جابر أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة وب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧٢٣، ٧٢٤.\n(^٢) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٣.\n(^٣) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٩٨، ٩٩، ١٠٠.","vol":"8","page":477},{"text":"في ركعتي الطواف، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر. وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين، قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة، ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.\nوقال أحمد (^٢) أيضا: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال: رمقت النبي ﷺ أربعا وعشرين مرة أو خمسا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ب ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وقال أحمد (^٣): حدثنا أبو أحمد هو محمد بن عبد الله بن الزبيري، حدثنا سفيان هو الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال: رمقت النبي ﷺ شهرا، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر ب ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (^٤)، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي أحمد الزبيري، وأخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي إسحاق به، وقال الترمذي:\nهذا حديث حسن، وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق عن فروة بن نوفل هو ابن معاوية عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال له: «هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟» قال: أراها زينب، قال ثم جاء فسأله النبي ﷺ عنها قال: «ما فعلت الجارية؟» قال: تركتها عند أمها. قال: «فمجيء ما جاء بك» قال: جئت لتعلمني شيئا أقوله عند منامي قال: «اقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك» تفرد به أحمد.\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو القطراني حدثنا محمد بن الطفيل، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة أن النبي ﷺ قال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك». وروى الطبراني من طريق شريك عن جابر عن معقل الزبيدي عن عبد الرّحمن بن زيد أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ حتى يختمها.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا حجاج، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٢٤.\n(^٢) المسند ٢/ ٩٩.\n(^٣) المسند ٢/ ٩٤.\n(^٤) أخرجه الترمذي في المواقيت باب ١٨٩، ١٩١، والنسائي في الافتتاح باب ٦٨، وابن ماجة في الإقامة باب ١٠٠، ١٠١، ١٠٢.\n(^٥) المسند ٥/ ٤٥٦.\n(^٦) المسند ٢/ ٢٩٨، ٤/ ٥٧، ٦/ ٦.","vol":"8","page":478},{"text":"الحارث بن جبلة قال: قلت يا رسول الله علمني شيئا أقوله عند منامي، قال: «إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك» والله أعلم.\nوروى الطبراني من طريق شريك عن جابر عن معقل الزبيدي عن عبد البر أخضر أو أحمر أن رسول الله كان إذا أخذ مضجعه قرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ حتى يختمها.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2135>[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾\nهذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه فقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش، وقيل إنهم من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يعني من الأصنام والأنداد ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ وهو الله وحده لا شريك له، فما هاهنا بمعنى من، ثم قال: ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ أي ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدي بها وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، ولهذا قال: ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ أي لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ [النجم: ٢٣].\nفتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه، فالرسول ﷺ وأتباعه يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كان كلمة الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله أي لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا ما جاء به الرسول ﷺ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله، ولهذا قال لهم الرسول ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤٤] وقال: ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥].\nوقال البخاري (^١) يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإسلام ولم يقل ديني لأن الآيات بالنون فحذف الياء كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ و﴿يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وقال غيره:\nلا أعبد ما تعبدون الآن ولا أجيبكم فيما بقي من عمري ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] انتهى ما ذكره.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١٠٩، في الترجمة.","vol":"8","page":479},{"text":"ونقل ابن جرير (^١) عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد كقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وكقوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٧] وحكاه بعضهم كابن الجوزي وغيره عن ابن قتيبة، فالله أعلم.\nفهذه ثلاثة أقوال [أولها] ما ذكرناه أولا [والثاني] ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ في الماضي ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ في المستقبل [الثالث] إن ذلك تأكيد محض [وثم قول رابع] نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نفي الفعل لأنها جملة فعلية ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ نفي قبوله لذلك بالكلية لأن النفي بالجملة الاسمية آكد، فكأنه نفى الفعل وكونه قابلا لذلك، ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا، وهو قول حسن أيضا، والله أعلم.\nوقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر ملة واحدة، تورثه اليهود من النصارى وبالعكس إذ كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود، وبالعكس لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» (^٢).\nآخر تفسير سورة قل يا أيها الكافرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-2136>تفسير سورة النصر</span>\nوهي مدنية\nقد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن. وقال النسائي: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا جعفر عن أبي العميس ح وأخبرنا محمد بن سليمان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس عن عبد المجيد بن سهيل عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم، ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال صدقت (^٣).\nوروى الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي عن صدقة بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧٢٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الفرائض باب ١٠، والترمذي في الفرائض باب ١٦، وابن ماجة في الفرائض باب ٦، والدارمي في الفرائض باب ٢٩، وأحمد في المسند ٢/ ١٩٥.\n(^٣) أخرجه مسلم في التفسير حديث ٢١.","vol":"8","page":480},{"text":"يسار عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت، ثم قام فخطب الناس فذكر خطبته المشهورة وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الأسفاطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة وقال: «إنه قد نعيت إلي نفسي» فبكت ثم ضحكت وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت ثم قال: «اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي» فضحكت، وقد رواه النسائي كما سيأتي بدون ذكر فاطمة.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2137>[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ إلى ٣]</span>\n﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا (٣)﴾\nقال البخاري (^١): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال:\nلم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله ﷿: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال:\nما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول، تفرد به البخاري. وروى ابن جرير عن محمد بن حميد عن مهران عن الثوري عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس، فذكر مثل هذه القصة أو نحوها.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال رسول الله ﷺ: «نعيت إلي نفسي» فإنه مقبوض في تلك السنة، تفرد به أحمد: وروى العوفي عن ابن عباس مثله وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد إنها أجل رسول الله ﷺ نعي إليه.\n_________\n(^١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١١٠، باب ١.\n(^٢) المسند ١/ ٢١٧.","vol":"8","page":481},{"text":"وقال ابن جرير (^١): حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسن بن عيسى الحنفي، عن معمر عن الزهري عن أبي حازم عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ في المدينة إذ قال:\n«الله أكبر! الله أكبر! جاء نصر الله والفتح! جاء أهل اليمن-قيل يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال-قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية» ثم رواه عن الأعلى عن ابن ثور عن معمر عن عكرمة مرسلا.\nوقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ حتى ختم السورة قال: نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين نزلت، قال: فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك «جاء الفتح ونصر الله، وجاء أهل اليمن» فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: «قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان».\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس قال:\nلما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ علم النبي ﷺ أنه قد نعيت إليه نفسه، فقيل إذا جاء نصر الله والفتح السورة كلها، حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين أن عمر سأل ابن عباس عن هذه الآية ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: لما نزلت نعيت إلى رسول الله ﷺ نفسه (^٣).\nوقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن عون عن أبي العميس، عن أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤) أيضا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما نزلت هذه السورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها فقال: «الناس حيّز وأنا وأصحابي حيّز -وقال-لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» فقال له مروان: كذبت، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه. وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدرة\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧٢٩.\n(^٢) المسند ١/ ٣٤٤.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٥٦.\n(^٤) المسند ٣/ ٢٢، ٥/ ١٨٧.","vol":"8","page":482},{"text":"ليضربه فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرد به أحمد.\nوهذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر، فقد ثبت من رواية ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: «لا هجرة ولكن جهاد ونية، ولكن إذا استنفرتم فانفروا» (^١) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.\nفالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر ﵃ أجمعين من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه، يعني نصلي له ونستغفره.\nمعنى مليح صحيح وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها فكيف صلاها ذلك اليوم، وقد كان مسافرا لم ينو الإقامة بمكة، ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبا من تسع عشر يوما، يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوا من عشرة آلاف، قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح.\nقالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة، والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين كما ورد في سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين.\nوأما ما فسر به ابن عباس وعمر رضي الله تعالى عنهما من أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله ﷺ روحه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة وهي قريتك التي أخرجتك ودخل الناس في دين الله أفواجا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾.\nقال النسائي أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة قال: نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: «جاء الفتح وجاء نصر الله وجاء أهل اليمن، فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: «قوم رقيقة قلوبهم لينة قلوبهم، الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان».\nوقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١، ٢٧، ومسلم في الإمارة حديث ٨٥.","vol":"8","page":483},{"text":"اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن (^١) وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث منصور به.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق قال:\nقالت عائشة كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قوله: «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» وقال: «إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابا، فقد رأيتها ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ ورواه مسلم (^٣) من طريق داود بن أبي هند به.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا أبو السائب حدثنا حفص حدثنا عاصم عن الشعبي، عن أم سلمة قالت كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال:\n«سبحان الله وبحمده» فقلت: يا رسول الله رأيتك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجيء ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: سبحان الله وبحمده قال: «إني أمرت بها-فقال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة، غريب، وقد كتبنا حديث كفارة المجلس من جميع طرقه وألفاظه في جزء مفرد فيكتب هاهنا.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرّحيم» ثلاثا تفرد به أحمد. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن مرة عن شعبة عن أبي إسحاق به، والمراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد والمنة.\nوقد روى البخاري (^٦) في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١٠، باب ٢، ومسلم في الصلاة حديث ٢١٧، وأبو داود في الصلاة باب ١٤٨، والنسائي في التطبيق باب ٦٤، ٦٥، وابن ماجة في الإقامة باب ٢٠، وأحمد في المسند ٦/ ٤٣، ٤٩، ١٩٠.\n(^٢) المسند ٦/ ٣٥.\n(^٣) كتاب الصلاة حديث ٢٢٠.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٧٣١.\n(^٥) المسند ١/ ٣٨٨.\n(^٦) كتاب المغازي باب ٥٣.","vol":"8","page":484},{"text":"بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي الحديث، وقد حررنا غزوة الفتح في كتابنا «السيرة» فمن أراده فليراجعه هناك ولله الحمد والمنة.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار حدثني جار لجابر بن عبد الله قال قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله فسلّم علي، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا».\nآخر تفسير سورة النصر، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2138>تفسير سورة المسد</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2139>[سورة المسد (١١١): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾\nقال البخاري (^٢): حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى:\n«يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش فقال: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ -قالوا: نعم، قال: -فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب:\nألهذا جمعتنا؟ تبّا لك فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^٣) الأول دعاء عليه والثاني خبر عنه، فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتيبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له والازدراء به والتنقص له ولدينه.\nقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرّحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل وكان جاهليا فأسلم قال: رأيت\n_________\n(^١) المسند ٣/ ٣٤٣.\n(^٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ١١١، باب ١، ٢، ٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٩٨، وتفسير سورة ٢٦، باب ٢، وتفسير سورة ٣٤، باب ٢.\n(^٤) المسند ٤/ ٣٤١.","vol":"8","page":485},{"text":"النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب، ثم رواه عن سريج عن ابن أبي الزناد عن أبيه فذكره قال أبو الزناد قلت لربيعة كنت يومئذ صغيرا؟ قال: لا والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر القربة، تفرد به أحمد (^١).\nوقال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل ووراءه رجل أحول وضيء الوجه ذو جمة، يقف رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: «يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به» وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب، رواه أحمد (^٣) أيضا والطبراني بهذا اللفظ، فقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي خسر وخاب وضل عمله وسعيه ﴿وَتَبَّ﴾ أي وقد تب تحقق خسارته وهلاكه.\nوقوله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ قال ابن عباس وغيره ﴿وَما كَسَبَ﴾ يعني ولده، وروي عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين مثله، وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب الأليم بمالي وولدي فأنزل الله تعالى ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ أي ذات لهب وشرر وإحراق شديد ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جميل، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده. فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال تعالى: ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يعني تحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد على ما هو فيه، وهي مهيأة لذلك مستعدة له ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قال مجاهد وعروة: من مسد النار، وعن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والثوري والسدي ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ كانت تمشي بالنميمة واختاره ابن جرير.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٣٤١، ٣٤٢.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٤٢٣.\n(^٣) المسند ٣/ ٤٩٢.","vol":"8","page":486},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس وعطية الجدلي والضحاك وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ. قال ابن جرير: كانت تعير النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب فعيرت بذلك، كذا حكاه ولن يعزه إلى أحد، والصحيح الأول والله أعلم. قال سعيد بن المسيب:\nكانت لها قلادة فاخرة فقالت لأنفقنها في عداوة محمد يعني فأعقبها الله بها حبلا في جيدها من مسد النار. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سليم مولى الشعبي عن الشعبي قال: المسد الليف، وقال عروة بن الزبير: المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وعن الثوري:\nهي قلادة من نار طولها سبعون ذراعا، وقال الجوهري: المسد الليف، والمسد أيضا حبل من ليف أو خوص وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسده مسدا إذا أجدت فتله.\nوقال مجاهد ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي طوق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا؟ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان حدثنا الوليد بن كثير عن أبي بدوس عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: [رجز] مذمما أبينا … ودينه قلينا وأمره عصينا\nورسول الله ﷺ جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله لقد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله ﷺ: «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول:\nقد علمت قريش أني ابنة سيدها قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت فقالت: تعس مذمم، فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب:\nإني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم، وكلتانا من بني العم، وقريش بعد أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد وأحمد بن إسحاق قالا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السّلام بن حرب، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله ﷺ جالس ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء فقال رسول الله ﷺ: «إنه سيحال بيني وبينها» فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر، لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق، فلما ولّت قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: «لا، ما زال ملك يسترني حتى ولت».","vol":"8","page":487},{"text":"ثم قال البزار: لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد عن أبي بكر ﵁. وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي في عنقها حبل من نار جهنم ترفع به إلى شفيرها ثم ترمى إلى أسفلها، ثم كذلك دائما، قال أبو الخطاب بن دحية في كتاب التنوير، وقد روى ذلك وعبر بالمسد عن حبل الدلو، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات: كل مسد رشاء، وأنشد في ذلك: [رجز] وبكرة ومحورا صرارا … ومسدا من أبق مغارا\nقال: والأبق القنب. وقال الآخر: [رجز] يا مسد الخوص تعوّذ مني … إن تك لدنا لينا فإني (^١)\nما شئت من أشمط مقسئنّ\nقال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطنا ولا ظاهرا، لا مسرا ولا معلنا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة، آخر تفسير السورة، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2140>تفسير سورة الإخلاص</span>\nوهي مكية\n\n<span data-type='title' id=toc-2141>(ذكر سبب نزولها وفضلها)</span>\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو سعيد محمد بن ميسر الصاغاني، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: يا محمد «انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وكذا رواه الترمذي (^٣) وابن جرير (^٤) عن أحمد بن منيع، زاد ابن جرير ومحمود بن خداش عن أبي سعيد محمد بن ميسر به زاد ابن جرير والترمذي قال ﴿الصَّمَدُ﴾\n_________\n(^١) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (مسد) (قسن)، وتاج العروس (مسد)، (قسن)، وجمهرة اللغة ص ١٠٨٩، ١٢٢٠، وكتاب العين ٥/ ٧٩، ومقاييس اللغة ٥/ ٨٧، والمخصص ٢/ ٩٥، وتهذيب اللغة ٨/ ٤٠٩، ١٢/ ٣٨٠.\n(^٢) المسند ٥/ ١٣٣، ١٣٤.\n(^٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ١١٢، باب ١.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٧٤٠.","vol":"8","page":488},{"text":"الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله ﷿ لا يموت ولا يورث ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء.\nورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد محمد بن ميسر به، ثم رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية، فذكره مرسلا ثم لم يذكر حدثنا، ثم قال الترمذي: وهذا أصح من حديث أبي سعيد.\n[حديث آخر في معناه] قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا سريج بن يونس حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن مجالد عن الشعبي عن جابر ﵁ أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: انسب لنا ربك، فأنزل الله ﷿ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخرها إسناد متقارب، وقد رواه ابن جرير عن محمد بن عوف عن سريج فذكره، وقد أرسله غير واحد من السلف، وروى عبيد بن إسحاق العطار عن قيس بن الربيع عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ: انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ قال الطبراني: ورواه الفريابي وغيره عن قيس عن أبي عاصم، عن أبي وائل مرسلا، ثم روى الطبراني من حديث عبد الرّحمن بن عثمان الطائفي، عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل شيء نسبة ونسبة الله ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ﴾ والصمد ليس بأجوف».\n[حديث آخر في فضلها] قال البخاري (^١): حدثنا محمد هو الذهلي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو عن ابن أبي هلال أن أبا الرّجال محمد بن عبد الرّحمن، حدثه عن أمه عمرة بنت عبد الرّحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك» فسألوه فقال لأنها صفة الرّحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» هكذا رواه في كتاب التوحيد، ومنهم من يسقط ذكر محمد الذهلي ويجعله من روايته عن أحمد بن صالح، وقد رواه مسلم (^٢) والنسائي (^٣) أيضا من حديث عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به.\n[حديث آخر] قال البخاري (^٤) في كتاب الصلاة، وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس رضي الله\n_________\n(^١) كتاب التوحيد باب ١.\n(^٢) كتاب صلاة المسافرين حديث ٩٨.\n(^٣) كتاب الافتتاح باب ٣٩.\n(^٤) كتاب الأذان باب ١٠٦.","vol":"8","page":489},{"text":"عنه قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها ثم كان يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة: فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر فقال: «يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة» قال إني أحبها، قال: «حبك إياها أدخلك الجنة».\nهكذا رواه البخاري تعليقا مجزوما به. وقد رواه أبو عيسى الترمذي (^١) في جامعه عن البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر فذكر بإسناده مثله سواء، ثم قال الترمذي: غريب من حديث عبيد الله عن ثابت. قال:\nوروى مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ قال: «إن حبك إياها أدخلك الجنة» وهذا الذي علقه الترمذي قد رواه الإمام أحمد (^٢) في مسنده متصلا، فقال: حدثنا أبو النضر، حدثنا مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّي أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ: «حبك إياها أدخلك الجنة».\n[حديث في كونها تعدل ثلث القرآن] قال البخاري (^٣): حدثنا إسماعيل، حدثنا مالك عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها فقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» زاد إسماعيل بن جعفر عن مالك عن عبد الرّحمن بن عبد الله عن أبيه عن أبي سعيد قال: أخبرني أخي قتادة بن النعمان عن النبي ﷺ وقد رواه البخاري (^٤) أيضا عن عبد الله بن يوسف والقعنبي، ورواه أبو داود (^٥) عن القعنبي والنسائي عن قتيبة كلهم عن مالك به، وحديث قتادة بن النعمان أسنده النسائي من طريقين عن إسماعيل بن جعفر عن مالك به.\n_________\n(^١) كتاب ثواب القرآن باب ١٠.\n(^٢) المسند ٣/ ١٤١.\n(^٣) كتاب التوحيد باب ١.\n(^٤) كتاب فضائل القرآن باب ١٣.\n(^٥) كتاب الوتر باب ٤، ١٨.","vol":"8","page":490},{"text":"[حديث آخر] قال البخاري (^١): حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم والضحاك المشرقي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه:\n«أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة» فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله. فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» تفرد بإخراجه البخاري من حديث إبراهيم بن يزيد النخعي والضحاك بن شرحبيل الهمداني المشرقي، كلاهما عن أبي سعيد، قال الفربري: سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراق أبي عبد الله قال: قال أبو عبد الله البخاري عن إبراهيم مرسل وعن الضحاك مسند.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بقل هو الله أحد، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل نصف القرآن-أو ثلثه-».\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرّحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة»؟ فقالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟ قال: فإن ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن. قال: فجاء النبي ﷺ وهو يسمع أبا أيوب فقال:\n«صدق أبو أيوب».\n[حديث آخر] قال أبو عيسى الترمذي (^٤): حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا يزيد بن كيسان، أخبرني أبو حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن» فحشد من حشد ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثم دخل فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ: «فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن» إني لأرى هذا خبرا جاء من السماء، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: «إني قلت سأقرأ عليكم ثلث القرآن الا وإنها تعدل ثلث القرآن» وهكذا رواه مسلم (^٥) في صحيحه عن محمد بن بشار به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، واسم أبي حازم سلمان.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عبد الرّحمن بن مهدي عن زائدة بن قدامة عن\n_________\n(^١) كتاب فضائل القرآن باب ١٤.\n(^٢) المسند ٣/ ١٥.\n(^٣) المسند ٢/ ١٧٣.\n(^٤) كتاب ثواب القرآن باب ١١.\n(^٥) كتاب صلاة المسافرين حديث ٢٥٩.\n(^٦) المسند ٥/ ٤١٨، ٤١٩.","vol":"8","page":491},{"text":"منصور، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم عن عمرو بن ميمون، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾ في ليلة فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن» هذا حديث تساعي الإسناد للإمام أحمد ورواه الترمذي (^١) والنسائي (^٢) كلاهما عن محمد بن بشار بندار زاد الترمذي وقتيبة كلاهما عن عبد الرّحمن بن مهدي به فصار لهما عشاريا، وفي رواية الترمذي عن امرأة أبي أيوب عن أبي أيوب به، وحسنه ثم قال وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي سعيد وقتادة بن النعمان وأبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي مسعود، وهذا حديث حسن ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث أحسن من رواية زائدة، وتابعه على روايته إسرائيل والفضيل بن عياض، وقد روى شعبة وغير واحد من الثقات هذا الحديث عن منصور واضطربوا فيه.\n[حديث آخر] قال أحمد: حدثنا هشيم عن حصين عن هلال بن يساف، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب أو رجل من الأنصار قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ بقل هو الله أحد فكأنما قرأ بثلث القرآن» ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث هشيم عن حصين عن ابن أبي ليلى به. ولم يقع في روايته هلال بن يساف.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس، عن عمرو بن ميمون عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» وهكذا رواه ابن ماجة (^٤) عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به. ورواه النسائي في اليوم والليلة من طرق أخر عن عمرو بن ميمون مرفوعا وموقوفا.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا بهز، حدثنا بكير بن أبي السميط حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟» قالوا: نعم يا رسول الله نحن أضعف من ذلك وأعجز، قال: «فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فقل هو الله أحد ثلث القرآن» ورواه مسلم (^٦) والنسائي من حديث قتادة به.\n_________\n(^١) كتاب ثواب القرآن باب ١١.\n(^٢) كتاب الافتتاح باب ٦٧.\n(^٣) المسند ٤/ ١٢٢.\n(^٤) كتاب الأدب باب ٥٢.\n(^٥) المسند ١/ ٤٤٧.\n(^٦) كتاب صلاة المسافرين حديث ٢٦٣.","vol":"8","page":492},{"text":"[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أمية بن خالد، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي ابن شهاب عن عمه الزهري، عن حميد بن عبد الرّحمن هو ابن عوف، عن أمه وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قالت: قال رسول الله ﷺ: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، تعدل ثلث القرآن» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن عمرو بن علي عن أمية بن خالد به، ثم رواه من طريق مالك عن الزهري، عن حميد بن عبد الرّحمن قوله. ورواه النسائي أيضا في اليوم والليلة من حديث محمد بن إسحاق عن الحارث بن الفضيل الأنصاري عن الزهري، عن حميد بن عبد الرّحمن أن نفرا من أصحاب محمد ﷺ حدثوه عن النبي ﷺ أنه قال: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن لمن صلّى بها».\n[حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة] قال الإمام مالك بن أنس (^٢) عن عبيد الله بن عبد الرّحمن عن عبيد بن حنين قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي ﷺ فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد، فقال رسول الله ﷺ: «وجبت-قلت وما وجبت قال-الجنة» ورواه الترمذي (^٣) والنسائي من حديث مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك، وتقدم حديث «حبك إياها أدخلك الجنة».\n[حديث في تكرار قراءتها] قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا قطر بن نسير، حدثنا عيسى بن ميمون القرشي، حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات في ليلة فإنها تعدل ثلث القرآن» هذا إسناد ضعيف وأجود منه.\n[حديث آخر] قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه قال: أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله ﷺ يصلي بنا، فخرج فأخذ بيدي فقال:\n«قل» فسكت. قال «قل» قلت: ما أقول؟ قال «قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا، تكفيك كل يوم مرتين» (^٤) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن أبي ذئب به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه النسائي من طريق أخرى عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عقبة بن عامر فذكره ولفظه «تكفك كل شيء».\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٤٠٣، ٤٠٤.\n(^٢) الموطأ، كتاب القرآن حديث ١٧ - ١٩.\n(^٣) كتاب ثواب القرآن باب ١٠.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الوتر باب ١٩، والنسائي في الاستعاذة باب ١، وأحمد في المسند ٥/ ٣١٢.","vol":"8","page":493},{"text":"[حديث آخر في ذلك] قال الإمام أحمد (^١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ليث بن سعد، حدثني الخليل بن مرة عن الأزهر بن عبد الله عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله واحدا أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفوا أحد، عشر مرات كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة» تفرد به أحمد والخليل بن مرة، ضعفه البخاري وغيره بمرة.\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢) أيضا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة» فقال عمر: إذا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكثر وأطيب» تفرد به أحمد.\nورواه أبو محمد الدارمي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد، قال الدارمي: وكان من الأبدال أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله ﷺ قال: من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة، ومن قرأها.\nعشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة» فقال عمر بن الخطاب: إذا نكثر قصورنا، فقال رسول الله ﷺ: «الله أوسع من ذلك» (^٣) وهذا مرسل جيد.\n[حديث آخر] قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا نصر بن علي، حدثني نوح بن قيس، أخبرني محمد العطار، أخبرتني أم كثير الأنصارية عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال:\n«من قرأ قل هو الله أحد خمسين مرة غفر الله له ذنوب خمسين سنة» إسناده ضعيف.\n[حديث آخر] قال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع: حدثنا حاتم بن ميمون، حدثنا ثابت عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ قل هو الله أحد في يوم مائتي مرة كتب الله له ألفا وخمسمائة حسنة إلا أن يكون عليه دين»، إسناد ضعيف، حاتم بن ميمون ضعفه البخاري وغيره، ورواه الترمذي (^٤) عن محمد بن مرزوق البصري عن حاتم بن ميمون به.\nولفظه: «من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد محي عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين».\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٠٣.\n(^٢) المسند ٣/ ٤٣٧.\n(^٣) أخرجه الدارمي في فضائل القرآن باب ٢٤.\n(^٤) كتاب ثواب القرآن باب ١١، أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٦٣، وابن ماجة في الدعاء باب ٩٠، وأبو داود في الوتر باب ١٨.","vol":"8","page":494},{"text":"قال الترمذي: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال: «من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه، ثم قرأ قل هو الله أحد مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب ﷿: يا عبدي ادخل على يمينك الجنة» ثم قال غريب من حديث ثابت، وقد روي من غير هذا الوجه عنه، وقال أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حبان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ قل هو الله أحد مائتي مرة حط الله عنه ذنوب مائتي سنة» ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر والأغلب ابن تميم، وهما متقاربان في سوء الحفظ.\n[حديث آخر] في الدعاء بما تضمنته من الأسماء. قال النسائي عند تفسيرها: حدثنا عبد الرّحمن بن خالد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني مالك بن مغول، حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد، فإذا رجل يصلي يدعو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.\nقال: «والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» وقد أخرجه بقية أصحاب السنن من طرق عن مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه به، وقال الترمذي: حسن غريب.\n[حديث آخر] في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا بشر بن منصور عن عمر بن شيبان عن أبي شداد عن جابر بن عبد الله: قال قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء، من عفا عن قاتله، وأدى دينا خفيا، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: قل هو الله أحد» قال: فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله، قال «أو إحداهن».\n[حديث] في قراءتها عند دخول المنزل. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر السراج العسكري، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان عن مروان بن سالم عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ قل هو الله أحد حين يدخل منزله نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران» إسناده ضعيف.\n[حديث] في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا يزيد بن هارون عن العلاء أبي محمد الثقفي. قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور، لم نرها طلعت فيما مضى بمثله، فأتى جبريل إلى النبي ﷺ فقال: «يا جبريل مالي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثله فيما مضى؟» قال: إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي،","vol":"8","page":495},{"text":"مات بالمدينة اليوم فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: «وفيم ذلك؟» قال:\nكان يكثر قراءة قل هو الله أحد في الليل وفي النهار وفي ممشاه وقيامه وقعوده فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: «نعم» فصلى عليه، وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من طريق يزيد بن هارون عن العلاء أبي محمد وهو متهم بالوضع، والله أعلم.\n[طريق أخرى] قال أبو يعلى: حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله حدثنا عثمان بن الهيثم مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي عن محمود أبي عبد الله عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال: نزل جبريل على النبي ﷺ فقال مات معاوية بن معاوية الليثي، فتحب أن تصلي.\nعليه؟ قال: «نعم» فضرب بجناحه الأرض فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت، فرفع سريره فنظر إليه فكبر عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، فقال النبي ﷺ: «يا جبريل بم نال هذه المنزلة من الله تعالى؟» قال: بحبه قل هو الله أحد، وقراءته إياها ذاهبا وجائيا قائما وقاعدا وعلى كل حال. ورواه البيهقي من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن عن محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس فذكره، وهذا هو الصواب ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور، وقد روي هذا من طرق أخر تركناها اختصارا وكلها ضعيفة.\n[حديث آخر] في فضلها مع المعوذتين. قال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو المغيرة حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن عقبة بن عامر قال لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذته بيده فقلت: يا رسول الله ﷺ بم نجاة المؤمن؟ قال: يا عقبة أخرس لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» قال: ثم لقيني رسول الله ﷺ فابتدأني فأخذ بيدي فقال: «يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم»؟ قال: قلت بلى جعلني الله فداك. قال: فأقرأني ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ثم قال: «يا عقبة لا تنسهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن» قال:\nفما نسيتهن منذ قال لا تنسهن وما بت ليلة قط حتى أقرأهن، قال عقبة: ثم لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال: «يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك» روى الترمذي (^٢) بعضه في الزهد من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، فقال: هذا حديث حسن وقد رواه أحمد من طريق آخر:\nحدثنا حسين بن محمد حدثنا ابن عياش عن أسيد بن عبد الرّحمن الخثعمي عن فروة بن مجاهد اللخمي عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ، فذكر مثله سواء تفرد به أحمد.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٥٨، ١٥٩.\n(^٢) كتاب الزهد باب ٦١.","vol":"8","page":496},{"text":"[حديث آخر] في الاستشفاء بهن قال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا المفضل عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» (^١) وهكذا رواه أهل السنن من حديث عقيل به.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2142>[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ إلى ٤]</span>\n﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾\nقد تقدم ذكر سبب نزولها، وقال عكرمة. لما قالت اليهود نحن نعبد عزيرا ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يعني هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله ﷿ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.\nوقوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الّذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته. وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار، وقال الأعمش عن شقيق عن أبي وائل ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد الذي قد انتهى سؤدده، ورواه عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود مثله.\nوقال مالك عن زيد بن أسلم ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد، وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وقال الحسن أيضا ﴿الصَّمَدُ﴾ الحي القيوم الذي لا زوال له وقال عكرمة: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم وقال الربيع بن أنس هو الذي لم يلد ولم يولد كأنه جعل ما بعده تفسيرا له وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهو تفسير جيد، وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير عن أبي بن كعب في ذلك وهو صريح فيه، وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة أيضا، وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ١٤، وأبو داود في الأدب باب ٩٨، والترمذي في الدعاء باب ٢١، وأحمد في المسند ٦/ ١١٦، ١٥٤.","vol":"8","page":497},{"text":"العوفي والضحاك والسدي ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لا جوف له.\nوقال سفيان عن منصور عن مجاهد ﴿الصَّمَدُ﴾ المصمت الذي لا جوف له (^١)، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب. وقال عبد الله بن بريدة أيضا ﴿الصَّمَدُ﴾ نور يتلألأ، روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عمرو بن رومي عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثنا صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: لا أعلم إلا قد رفعه قال: «الصمد الذي لا جوف له» وهذا غريب جدا والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.\nوقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له بعد إيراده كثيرا من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة وهي صفات ربنا ﷿، هو الذي يصمد إليه في الحوائج وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قال مجاهد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يعني لا صاحبة له وهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] أي هو مالك كل شيء وخالقه فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه تعالى وتقدس وتنزه.\nقال الله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].\nوقال تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨ - ١٥٩] وفي صحيح البخاري «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم» (^٢) وقال البخاري:\nحدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:\n«قال الله ﷿ كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٧٤٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣، والأدب باب ٧١، ومسلم في المنافقين حديث ٤٩، ٥٠، وأحمد في المسند ٤/ ٤٠١، ٤٠٥.","vol":"8","page":498},{"text":"إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: «اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد» (^١) ورواه أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعا بمثله تفرد بهما من هذين الوجهين. آخر تفسير سورة الإخلاص، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2143>تفسير سورة الفلق</span>\nوهي مدنية\nقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب إن ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه فقال:\nأشهد أن رسول الله أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾، فقلتها، فنحن نقول ما قال النبي ﷺ.\nورواه أبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لبابة وعاصم بن بهدلة أنهما سمعا زر بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يحكي المعوذتين من المصحف، فقال: إني سألت رسول الله ﷺ فقال لي:\n«قيل لي قل فقلت» فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ. وقال أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عاصم عن زر قال: سألت ابن مسعود عن المعوذتين فقال: سألت النبي ﷺ عنهما فقال:\n«قيل لي فقلت لكم فقولوا» قال أبي: فقال لنا النبي ﷺ فنحن نقول.\nوقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش، وحدثنا عاصم عن زر قال: سألت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال: إني سألت النبي ﷺ فقال: «قيل لي فقلت» فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ (^٣). ورواه البخاري أيضا والنسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن عبدة وعاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب به.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا الصلت بن بهرام عن إبراهيم عن علقمة قال: كان عبد الله يحكي المعوذتين من المصحف ويقول: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما. ولم يكن عبد الله يقرأ بهما، ورواه عبد الله بن أحمد من حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرّحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يحكي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢، باب ٨، والنسائي في الجنائز باب ١١٧، وأحمد في المسند ٢/ ٣٥١.\n(^٢) المسند ٥/ ١٢٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١٢، وتفسير سورة ١١٣.","vol":"8","page":499},{"text":"المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. قال الأعمش: وحدثنا عاصم عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: سألنا عنهما رسول الله ﷺ قال: «قيل لي فقلت» (^١) وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء وأن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي ﷺ ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ﵃ أثبتوهما في المصاحف الأئمة ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك ولله الحمد والمنة.\nوقد روى مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير عن بيان عن قيس بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ (^٢) ورواه أحمد ومسلم أيضا والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عقبة به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر عن القاسم أبي عبد الرّحمن عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي «يا عقبة ألا تركب» قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة ثم ركب ثم قال: «يا عقبة ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس» قلت:\nبلى يا رسول الله، فأقرأني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما ثم مربي فقال: «كيف رأيت يا عقبة اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت» (^٤) ورواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك كلاهما عن ابن جابر به، ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث ابن وهب عن معن بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم بن عبد الرّحمن عن عقبة به.\n[طريق أخرى] قال أحمد (^٥): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني يزيد بن عبد العزيز الرعيني وأبو مرحوم عن يزيد بن محمد القرشي عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة (^٦)، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن علي بن رباح، وقال الترمذي: غريب.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٢٩، ١٣٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٢٦٤، والترمذي في تفسير سورة ١١٣ - ١١٤، باب ٢، والنسائي في الاستعاذة باب ١، وأحمد في المسند ٤/ ١٤٤.\n(^٣) المسند ٤/ ١٤٤.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الوتر باب ١٩، والنسائي في الاستعاذة باب ١.\n(^٥) المسند ٤/ ١٥٥.\n(^٦) أخرجه أبو داود في الوتر باب ١٩، والترمذي في ثواب القرآن باب ١٢، والنسائي في الاستعاذة باب ١.","vol":"8","page":500},{"text":"[طريق أخرى] قال أحمد (^١): حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرأ بالمعوذتين فإنك لن تقرأ بمثلهما» تفرد به أحمد.\n[طريق أخرى] قال أحمد (^٢): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية حدثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر أنه قال: إن رسول الله ﷺ أهديت له بغلة شهباء فركبها، فأخذ عقبة يقودها له فقال رسول الله ﷺ: «اقرأ قل أعوذ برب الفلق» فأعادها له حتى قرأها فعرف أني لم أفرح بها جدا فقال: «لعلك تهاونت بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها» ورواه النسائي (^٣) عن عمرو بن عثمان عن بقية به، ورواه النسائي أيضا من حديث الثوري عن معاوية بن صالح عن عبد الرّحمن بن نفير عن أبيه عن عقبة بن عامر أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين فذكر نحوه.\n[طريق أخرى] قال النسائي (^٤): أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، سمعت النعمان عن زياد أبي الأسد عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾.\n[طريق أخرى] قال النسائي (^٥): أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث عن أبي عجلان عن سعيد المقبري عن عقبة بن عامر قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: «يا عقبة قل» قلت: ماذا أقول؟ فسكت عني ثم قال «قل» قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال «قل أعوذ برب الفلق» فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: «قل فقلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: «قل أعوذ برب الناس» فقرأتها ثم أتيت على آخرها ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «ما سأل سائل بمثلها ولا استعاذ مستعيذ بمثلها».\n[طريق أخرى] قال النسائي (^٦) أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرّحمن حدثنا معاوية عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح.\n[طريق أخرى] قال النسائي (^٧): أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمران أسلم عن عقبة بن عامر قال اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب فوضعت يدي على قدميه\n_________\n(^١) المسند ٤/ ١٤٦.\n(^٢) المسند ٤/ ١٤٩.\n(^٣) كتاب الاستعاذة باب ١.\n(^٤) كتاب الاستعاذة باب ١.\n(^٥) كتاب الاستعاذة باب ١.\n(^٦) كتاب الاستعاذة باب ١.\n(^٧) راجع الحاشية السابقة.","vol":"8","page":501},{"text":"فقلت: أقرئني سورة هود أو سورة يوسف فقال: «لن تقرأ شيئا أنفع عند الله من قل أعوذ برب الفلق».\n[حديث آخر] قال النسائي (^١): أخبرنا محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا أبو عمرو الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي عبد الله عن ابن عائش الجهني أن النبي ﷺ قال له: «يا ابن عائش ألا أدلك-أو ألا أخبرك-بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون» قال: بلى يا رسول الله. قال: «قل أعوذ برب الفلق-وقل أعوذ برب الناس هاتان السورتان» فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.\nوقد تقدم في رواية صدي بن عجلان وفروة بن مجاهد عنه «ألا أعلمك ثلاث سور لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ -و- ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ -و- ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾».\n[حديث آخر] قال الإمام أحمد (^٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا جريري عن أبي العلاء قال:\nقال رجل كنا مع رسول الله ﷺ في سفر والناس يعتقبون وفي الظهر قلة، فحانت نزلة رسول الله ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب من بعدي منكبي فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقرأها رسول الله ﷺ فقرأتها معه ثم قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فقرأها رسول الله ﷺ فقرأتها معه فقال: «إذا صليت فاقرأ بهما» الظاهر أن هذا الرجل هو عقبة بن عامر والله أعلم. ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية به.\n[حديث آخر] قال النسائي (^٣): أخبرنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر عن عبد الله بن سعيد، حدثني يزيد بن رومان عن عقبة بن عامر عن عبد الله الأسلمي هو ابن أنيس أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: «قل» فلم أدر ما أقول ثم قال لي «قل» قلت:\n﴿هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثم قال لي: قل. قلت ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ حتى فرغت منها ثم قال لي «قل» قلت: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ حتى فرغت منها. فقال رسول الله ﷺ: «هكذا فتعوذ وما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط».\n[حديث آخر] قال النسائي (^٤): أنبأنا عمرو بن علي أبو حفص، حدثنا بدل، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة عن سعيد الجريري، حدثنا أبو نضرة عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرأ يا جابر» قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال «اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾\n_________\n(^١) كتاب الاستعاذة باب ١.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٤، ٧٩.\n(^٣) كتاب الاستعاذة باب ١.\n(^٤) راجع الحاشية السابقة.","vol":"8","page":502},{"text":"-و- ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فقرأتهما فقال: «اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلهما» وتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن وينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده.\nوقال الإمام مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات وأمسح بيده عليه رجاء بركتها (^١)، ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة، ومن حديث ابن القاسم وعيسى بن يونس وابن ماجة من حديث معن وبشر بن عمر ثمانيتهم عن مالك به.\nوتقدم في آخر سورة ﴿ن﴾ من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما (^٢)، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2144>[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ إلى ٥]</span>\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال الفلق الصبح، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿الْفَلَقِ﴾ الصبح، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن محمد بن عقيل والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي، وابن زيد ومالك عن زيد بن أسلم مثل هذا، قال القرظي وابن زيد وابن جرير (^٣): وهي كقوله تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿الْفَلَقِ﴾ الخلق، وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله، وقال كعب الأحبار ﴿الْفَلَقِ﴾ بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا ﴿الْفَلَقِ﴾ جب في قعر جهنم عليه غطاء، فإذا كشف عنه، خرجت منه نار تضج منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه، وكذا روي عن عمرو بن عنبسة وابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ١٤، ومسلم في السّلام حديث ٥١، وأبو داود في الطب باب. ١٩، وابن ماجة في الطب باب ٣٨، ومالك في العين حديث ١٠.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الطب باب ١٦، والنسائي في الاستعاذة باب ٣٧، وابن ماجة في الطب باب ٣٣.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٧٤٨.","vol":"8","page":503},{"text":"عباس والسدي وغيرهم.\nوقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر، فقال ابن جرير (^١): حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الفلق جب في جهنم مغطى» إسناده غريب ولا يصح رفعه. وقال أبو عبد الرّحمن الحبلي ﴿الْفَلَقِ﴾ من أسماء جهنم، وقال ابن جرير: والصواب القول الأول إنه فلق الصبح، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري (^٢) في صحيحه رحمه الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ أي من شر جميع المخلوقات، وقال ثابت البناني والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته مما خلق ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ قال مجاهد:\nغاسق الليل إذا وقب غروب الشمس، حكاه البخاري عنه، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وخصيف والحسن وقتادة: إذا وقب إنه الليل إذا أقبل بظلامه.\nوقال الزهري ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ الشمس إذا غربت، وعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل إذا ذهب، وقال أبو المهزم عن أبي هريرة ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ الكوكب، وقال ابن زيد: كانت العرب تقول الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها (^٣).\nقال ابن جرير (^٤): ولهؤلاء من الآثار ما حدثني نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله ابن.\nأخي همام، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرّحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ -النجم الغاسق» (قلت) وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ، قال ابن جرير وقال آخرون: هو القمر.\n(قلت) وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد (^٥): حدثنا أبو داود الحفري عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن أبي سلمة قال: قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع وقال: «تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب» (^٦) ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث محمد بن عبد الرّحمن بن أبي ذئب عن خاله\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧٤٦.\n(^٢) تفسير سورة ١١٣، في الترجمة.\n(^٣) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٧٤٩.\n(^٤) تفسير الطبري ١٢/ ٧٤٩.\n(^٥) المسند ٦/ ٦١، ٢٠٦، ٢١٥، ٢٣٧، ٢٥٢.\n(^٦) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١١٣، ١١٤، باب ١.","vol":"8","page":504},{"text":"الحارث بن عبد الرّحمن به. وقال الترمذي حديث حسن صحيح ولفظه «تعوذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب» ولفظ النسائي «تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب» قال أصحاب القول الأول: وهو آية الليل إذا ولج هذا لا ينافي قولنا لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضيء إلا بالليل فهو يرجع إلى ما قلناه والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك: يعني السواحر، قال مجاهد: إذا رقين ونفثن في العقد. وقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية الحية والمجانين، وفي الحديث الآخر أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ فقال:\nاشتكيت يا محمد؟ فقال «نعم» فقال: باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك (^٢)، ولعل هذا كان من شكواه ﵇ حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه ورد كيد السحرة الحساد من اليهود في رؤوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم وفضحهم، ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله ﷺ يوما من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن يزيد بن حبان عن زيد بن أرقم قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياما. قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها، فبعث رسول الله ﷺ عليا ﵁ فاستخرجها فجاءه بها فحللها، قال: فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه حتى مات، ورواه النسائي (^٤) عن هناد عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير.\nوقال البخاري في كتاب الطب من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة عن عروة، فسألت هشاما عنه، فحدثنا عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا فقال: «يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب (^٥)، قال: ومن طبه، قال\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٢/ ٧٥٠.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الجنائز باب ٤، وابن ماجة في الطب باب ٣٦، وأحمد في المسند ٣/ ٢٨، ٥٦.\n(^٣) المسند ٤/ ٣٦٧.\n(^٤) كتاب التحريم باب ٢٠.\n(^٥) المطبوب: المسحور والعرب تكنى بالطب عن السحر. تفاؤلا بالبراء، كما كنوا بالسليم عن اللديغ.","vol":"8","page":505},{"text":"لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة (^١)، قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت رعوفة (^٢) في بئر ذروان» قالت:\nفأتى ﷺ البئر حتى استخرجه فقال: «هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة (^٣) الحناء وكأن نخلها رؤوس الشياطين» قال: فاستخرج فقلت: أفلا تنشرت؟ (^٤) فقال: «أما الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا» (^٥).\nوأسنده من حديث عيسى بن يونس وأبي ضمرة أنس بن عياض وأبي أسامة ويحيى القطان وفيه قالت حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، وعنده فأمر بالبئر فدفنت، وذكر أنه رواه عن هشام أيضا ابن أبي الزناد والليث بن سعد، وقد رواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير، ورواه أحمد عن عفان عن وهيب عن هشام به. ورواه الإمام أحمد (^٦) أيضا عن إبراهيم بن خالد عن معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لبث النبي ﷺ ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، وذكر تمام الحديث. وقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره، قال ابن عباس وعائشة ﵄: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ﷺ، فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي ﷺ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها.\nوكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له ابن أعصم، ثم دسها في بئر لبني زريق يقال له ذروان، فمرض رسول الله ﷺ وانتثر شعر رأسه ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال:\nطب، قال: وما طب؟ قال: سحر؟ قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي.\nقال: وبم طبه؟ قال: بمشط ومشاطة قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت رعوفة في بئر ذروان. والجف قشر الطلع، والرعوفة حجر في أسفل البئر ناتئ يقوم عليه الماتح (^٧)،\n_________\n(^١) المشاقة: المشاطة، وهي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط.\n(^٢) رعوفة البئر: صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت، تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها، وبئر ذروان: بئر لبني زريق بالمدينة.\n(^٣) النقاعة: ما أنقع فيه الشيء، وهو هنا الماء الذي أنقع فيه الحناء.\n(^٤) النشرة: نوع من الرقية والعلاج. أي هلا طلبت العلاج.\n(^٥) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١١، والطب باب ٤٧، ٤٩، والأدب باب ٥٦، والدعوات باب ٥٧، ومسلم في السّلام حديث ٤٣، وابن ماجة في الطب باب ٤٥، وأحمد في المسند ٦/ ٩٦.\n(^٦) المسند ٦/ ٦٣.\n(^٧) الماتح: هو المستسقي من البئر بالدلو.","vol":"8","page":506},{"text":"فانتبه رسول الله ﷺ مذعورا، وقال: «يا عائشة أما شعرت أن الله أخبرني بدائي» ثم بعث رسول الله ﷺ عليا والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقود فيه اثنا عشر عقدة مغروزة بالإبر، فأنزل الله تعالى السورتين فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفة حين انحلت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نشط من عقال وجعل جبريل ﵇ يقول: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من حاسد وعين، الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله ﷺ أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شرا» هكذا أورده بلا إسناد وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2145>تفسير سورة الناس</span>\nوهي مكية\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-2146>[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ إلى ٦]</span>\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ (١) مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ (٦)﴾\nهذه ثلاث صفات من صفات الرب ﷿: الربوبية والملك والإلهية، فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ولا يألوه جهدا في الخبال، والمعصوم من عصمه الله.\nوقد ثبت في الصحيح أنه «ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه» قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» (^١)، وثبت في الصحيح عن أنس في قصة زيارة صفية للنبي ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال رسول الله ﷺ: «على رسلكما إنها صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا-أو قال شرا» (^٢)، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن بحر حدثنا عدي بن أبي عمارة حدثنا زياد النميري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الشيطان واضع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صفات المنافقين حديث ٦٩، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٥، ٣٩٧، ٤٠١، ٤٦٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأحكام باب ٢١.","vol":"8","page":507},{"text":"خطمه (^١) على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس» غريب.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف رسول الله ﷺ قال عثر بالنبي ﷺ حماره فقلت تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ: «لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته وإذا قلت: باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب وغلب، تفرد به أحمد إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغلب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم إذا كان في المسجد جاءه الشيطان فأبس به كما يبسّ (^٤) الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه أو ألجمه» قال أبو هريرة ﵁: وأنتم ترون ذلك أما المزنوق فتراه مائلا كذا لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله ﷿، تفرد به أحمد. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ﴾ قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس (^٥)، وكذا قال مجاهد وقتادة وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: ذكر لي أن الشيطان أو الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْواسِ﴾ قال: هو الشيطان يأمر فإذا أطيع خنس (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ هل يختص هذا ببني آدم كما هو الظاهر أو يعم بني آدم والجن؟ فيه قولان ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبا، وقال ابن جرير (^٧): وقد استعمل فيهم رجال من الجن فلا بدع في إطلاق الناس عليهم. وقوله تعالى:\n﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ هل هو تفصيل لقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ ثم بينهم فقال:\n﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وهذا يقوي القول الثاني وقيل لقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ تفسير للذي\n_________\n(^١) خطمه: أي أنفه.\n(^٢) المسند ٥/ ٥٩.\n(^٣) المسند ٢/ ٢٣٠.\n(^٤) يقال: بسست الناقة وأبسستها: إذا سقتها وزجرتها وقلت لها: بس بس.\n(^٥) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٧٥٢.\n(^٦) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٧٥٣.\n(^٧) تفسير الطبري ١٢/ ٧٥٣، ولفظه: فإن قال قائل: فالجن ناس، فيقال: الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. قيل: قد سماهم الله في هذا الموضع ناسا، كما سماهم في موضع آخر رجالا، فقال: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ٦] فجعل الجن رجالا، وكذلك جعل منهم ناسا.","vol":"8","page":508},{"text":"يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوكما قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع حدثنا المسعودي حدثنا أبو عمر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: «يا أبا ذر هل صليت؟» قلت: لا قال: «قم فصل» قال: فقمت فصليت ثم جلست فقال: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن» قال: فقلت يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: «نعم» قال: فقلت يا رسول الله الصلاة؟ قال: «خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر» قلت يا رسول الله فالصوم قال: «فرض مجزئ وعند الله مزيد» قلت:\nيا رسول الله فالصدقة؟ قال: «أضعاف مضاعفة» قلت: يا رسول الله فأيها أفضل، قال:\n«جهد من مقل أو سر إلى فقير» قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: «آدم».\nقلت: يا رسول الله ونبيا كان؟ قال: نعم نبي مكلم» قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال «ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا» وقال مرة: «خمسة عشر» قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم، قال «آية الكرسي ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nورواه النسائي (^٢) من حديث أبي عمر الدمشقي به وقد أخرج هذا الحديث مطولا جدا أبو حاتم بن حبان في صحيحه بطريق آخر ولفظ آخر مطول جدا. فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن ذر بن عبد الله الهمداني عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأحدث نفسي بالشيء لأن أخرّ من السماء أحب إلي من أن أتكلم به قال: فقال النبي ﷺ: «الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (^٤) ورواه أبو داود والنسائي من حديث منصور زاد النسائي والأعمش كلاهما عن ذر به.\n\nآخر التفسير ولله الحمد والمنة والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) المسند ٥/ ١٧٨.\n(^٢) كتاب الاستعاذة باب ٤٨.\n(^٣) المسند ١/ ٢٣٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في الأدب باب ١٠٩.","vol":"8","page":509}]}